######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.MaratIslam.Hindawi17506357 #META# Tags: history #META# ID: 17506357 #META# Title: مرآة الإسلام #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الكتاب الأول‏ # الكتاب الثاني‏ # الكتاب الأول‏ # الكتاب الثاني‏ # | مرآة الإسلام # | مرآة الإسلام # تأليف # طه حسين # | الكتاب الأول # 1 # في أواسط القرن السادس للمسيح كانت الأمة العربية متخلفة أشد التخلف بالقياس إلى ~~الأمم التي كانت تجاورها، لها في الجنوب بقايا حضارة كانت قد درست، ولم يكن أهل الجنوب ~~أنفسهم يعلمون من أمرها إلا أخلاطا هي إلى الأساطير أقرب منها إلى الحق. # كانوا يذكرون حمير وملوكها من التبابعة، وكانوا يذكرون سبأ، وكانوا يذكرون ~~الأذواء، بل كان الأذواء ما يزالون يحتفظون بشيء من سلطانهم، يعيشون في حصونهم ويتسلطون ~~على أهلها وعلى من حولها في حواضر الجنوب وبواديه. # وكانت هناك مع ذلك قبائل متبدية لا تخضع لأحد منهم، وإنما تعيش عيشة الأعراب في ~~بواديهم. وكانت في الجنوب مدن كبار أو صغار فيها بقية من حضارة، ولكنها لا تغني عن ~~أصحابها شيئا. ولم يكن الجنوب العربي خالصا للعرب، وإنما كان الحبشة يتسلطون على جزء ~~عظيم منه، وعجز العرب عن إجلاء هؤلاء المحتلين فاستعانوا بالفرس على ذلك وأعانهم ~~الفرس، ولكن لا ليردوا عليهم سلطانهم ولا ليخلصوا لهم وطنهم، بل ليقوموا مقام الحبشة ~~الذين أجلوهم. # وكان أهل الجنوب مع ذلك قد وصلت إليهم دعوة الدينين: اليهودي والمسيحي. وأكبر ~~الظن أن يهوديتهم ومسيحيتهم كانتا تتأثران بجهلهم وغلبة البداوة عليهم. كالذي سنراه حين ~~نتحدث عن شمال الجزيرة. # ومهما يكن من شيء فمن الإسراف في الخطأ أن نظن أن أهل جنوب الجزيرة العربية في ذلك ~~الوقت قد كانوا على شيء ذي خطر من الحضارة بمعناها الصحيح. ولكنهم على كل حال كانوا ~~يحيون حياة خيرا من الحياة التي كان يحياها سائر الأمة العربية في قلب الجزيرة ~~وشمالها. # كانت لهم بقية من زراعة وكانت تصل إليهم تجارة الهند وأشياء من تجارة الحبشة والفرس، ~~وكان أهل الشمال كما سنرى يلمون بهم كل عام فينقلون ما عندهم من التجارة لينشروها ~~في العالم المتحضر. وكان هذا كله يتيح لهم شيئا من ثراء، فلم يكن عيشهم قاسيا ولا ~~غليظا كعيش غيرهم من العرب. # وكان ما ورثوا ms001 من بقايا حضارتهم الدارسة وما وصل إليهم من الديانتين السماويتين وما ~~أتيح لهم من هذا الثراء المتواضع؛ كان كل ذلك قد جعلهم أرق قلوبا وأصفى طباعا من ~~أهل الشمال. ولكنهم على هذا كله كانوا متخلفين بالقياس إلى الأمم المتحضرة، فكانت ~~كثرتهم الكثيرة أمية وكان أقلهم يكتبون ويقرءون. # فإذا تركنا الجنوب إلى قلب الجزيرة العربية - أي إلى نجد - فالحياة القاسية والعيش ~~الغليظ والجهالة المطبقة، ونظام القبائل الذي يقوم على العصبية أكثر مما يقوم على أي ~~شيء آخر. # ولم يكن حال الشمال من تهامة والحجاز خيرا من حال نجد، وإن وجدت في الحجاز مدن أو ~~قرى، كما كان يقال في تلك الأيام، وإن عاش أهل هذه المدن أو القرى عيشة الاستقرار ~~والدعة لا يرحلون عن مدنهم أو قراهم تتبعا للغيث والتماسا للكلأ، وإنما يرحلون ~~تجارا إلى الجنوب في الشتاء وإلى الشمال في الصيف، كما يحدثنا بذلك القرآن الكريم ~~عن قريش. # كان لأهل الطائف وأهل يثرب شيء من زراعة، ولكن حياتهم كانت تقوم على زراعتهم هذه ~~اليسيرة وعلى تجارتهم أيضا، وكانت حياة مكة تقوم على التجارة من جهة وعلى الحج من جهة ~~أخرى، يفد إليها العرب من أقطار الجزيرة في موسم الحج فيقضون نسكهم ويتجرون ~~أيضا وتنتفع مكة بما يحملون من ألوان التجارة. # ومن حول هذه المدن أو القرى كانت البوادي بما فيها من شظف العيش وقسوة الحياة ~~والتنقل في التماس المراعي، والخصومات المتصلة التي تثيرها العصبية بين القبائل، ~~والتي تنتج عنها الغارات والحروب. ومع ذلك فلم يستطع أهل هذه المدن أو القرى أن يبرءوا ~~من العصبية، ولا أن يعيشوا عيشة المتحضرين بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإنما كانت ~~العصبية قوام حياتهم، يعيشون عيشة القبائل في البادية، وقد تثار بينهم الخصومات، وقد ~~تشب بينهم الحروب. # وكان هذا كله يستتبع كثيرا من جفاء الأخلاق وغلظ القلوب، بحيث لم تكن حياة أهل القرى ~~تمتاز من حياة أهل البادية إلا بشيء من ثراء كانت تستأثر به قلة من الأغنياء، الذين ~~يتسلطون على من يعيش معهم من الناس ms002 تسلطا لا يخلو من عسف وظلم وأثرة واستعلاء. وكانت ~~اليهودية قد استقرت في شمال الحجاز لأسباب لا نحققها ولا يبينها التاريخ؛ فإلى جانب ~~الأوس والخزرج في يثرب كانت تعيش قبائل يهودية، وفي خيبر كذلك. وهذه القبائل اليهودية ~~كانت تحيا نفس الحياة التي كان العرب يحيونها من حولها، قليل من حضارة وكثير من ~~بداوة. # وكانت كثرة اليهود في الحجاز أمية كالعرب، لا يقرأ ولا يكتب منهم إلا أحبارهم. ~~وكان هؤلاء الأحبار أقرب إلى الجهل منهم إلى العلم، وقليل منهم من كان يحسن العلم ~~بدينه فكيف بسائر اليهود! # وسنرى فيما يأتي من هذا الحديث كيف صور القرآن الكريم جهل اليهود من أهل الحجاز ~~دينهم وكتابهم. ولسنا نعلم على سبيل التحقيق متى وصلت بعض القبائل العربية إلى أطراف ~~الشام وأطراف العراق. # ولكن المحقق أن العرب في ذلك العصر الذي نتحدث عنه كانوا قد جاوزوا الجزيرة العربية ~~شمالا إلى الشام واستقروا في أطرافه، وأنهم كذلك كانوا قد جاوزوا جزيرة العرب شرقا ~~إلى العراق وإلى الجزيرة. وغلبت النصرانية على أولئك وهؤلاء، ولكنها كانت نصرانية ~~خاصة يجهل أصحابها حقائقها ولا يكادون يعرفون منها إلا مظاهر وصورا. # وكما أن الإمبراطورية البيزنطية قد حمت هؤلاء العرب في الشام واتخذت منهم حرسا ~~للحدود بينها وبين الجزيرة العربية وجعلت منهم ملوكا وسادة، وأجزلت لهم العطاء ~~ويسرت لهم سبل العيش؛ فكذلك صنعت الإمبراطورية الفارسية بالعرب الذين استقروا في ~~العراق، اتخذتهم حرسا للحدود بينها وبين الجزيرة العربية وجعلت منهم ملوكا وسادة، ~~وملكت بعضهم الأرض وأغدقت عليهم العطاء. # 2 # وإذن فقد عرف العرب النصرانية في الشام والعراق، وربما عرفوها في مكة أيضا وفي ~~الطائف بفضل التجارة من جهة، وبفضل من كان يصل إليهم من الرقيق من جهة ثانية، وبفضل بعض ~~التجار الذين غامروا بأنفسهم وبتجارتهم فوصلوا إلى مكة واستقروا فيها، وكذلك عرف العرب ~~المسيحية في الجنوب في مدينة نجران التي اضطهد المسيحيون من أهلها وعذبوا في ~~دينهم كما يحدثنا المؤرخون، وعرف العرب اليهودية في جنوب الجزيرة وشمالها. # فليس صحيحا إذن أن الأمة العربية ms003 في ذلك العصر كانت تعيش في عزلة لا تعرف من أمر ~~الأمم المجاورة لها شيئا؛ فاليهودية والمسيحية لم تتنزلا على أهل الجنوب ولا على أهل ~~الشمال من السماء، وإنما جاءتا أولئك وهؤلاء من الاتصال بالأمم المتحضرة ~~المجاورة. # وليس من شك في أن بعض العرب الذين جاوروا الفرس وخضعوا لسلطانهم خضوعا ما قد ~~عرفوا المجوسية الفارسية واتخذوها لهم دينا. وقد يقال إن أهل البادية في نجد وتهامة ~~والحجاز كانوا بمعزل من هذا كله، قد انقطعوا لأنفسهم وفرغوا لحياتهم تلك الغليظة ~~القاسية، ولكن هذا أيضا لا يستقيم؛ فمن عرب البادية والقرى ظهر شعراء كانوا يلمون ~~بعرب الشام وعرب العراق ويأخذون جوائز ملوكهم وسادتهم، ويعودون بعد ذلك إلى قومهم في ~~البادية فيحدثونهم بما رأوا وما سمعوا. # وهذه التجارة المتصلة بين أهل القرى وبين الأمم المجاورة كانت جديرة أن تعرف العرب ~~كثيرا من شئون الفرس والروم والحبشة أيضا. ولأمر ما تنصر أفراد من قريش كورقة بن ~~نوفل وزيد بن عمرو، ولأمر ما نجد فيما ينسب إلى بعض الشعراء في ذلك العصر من الشعر ما ~~يدل على أنهم قد عرفوا أطرافا من المسيحية واليهودية كالذي نجده عند النابغة الذبياني ~~وعند زهير وعند الأعشى وعند أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه النبي # صلى الله عليه وسلم # فيما روى ~~الشيخان: «كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم.» # ونحن لا نجد عند الشعراء هذه الأطراف من الديانتين اليهودية والمسيحية فحسب، وإنما ~~نجد عندهم - إن صح ما ينسب إليهم من الشعر - وصفا لأطراف من حضارة تلك الأمم كوصفهم ~~لمجالس اللهو والشراب والغناء وغير ذلك. # فعزلة الأمة العربية إذن سخف من السخف لا ينبغي أن يقبل أو يطمأن إليه. وكل ما ~~في الأمر أن قلب الجزيرة العربية وشمالها لم يخضعا لسلطان أمة متحضرة، وإنما خلي ~~بينهما وبين الحياة الحرة يحياها أهلهما كما يريدون أو كما يستطيعون. فعاشوا عيشتهم تلك ~~الغليظة الجافية لم تصل إليهم الحضارة وإنما وصلت إليهم أطراف منها. فهموا بعضها ~~وقصروا عن فهم بعضها الآخر؛ فسيطرت عليهم ms004 جاهليتهم بكل ما فيها من الآثام والشرور ~~والمنكرات. # 3 # وكان لهم دين غليظ كحياتهم هو هذه الوثنية الساذجة الغليظة التي لم تفكر فيها عقولهم ~~ولم تمتزج بقلوبهم، وإنما كانت أخلاطا ورثوها عن آبائهم فلم يغيروا منها شيئا، بل ~~أنكروا كل من حاول أن يغير منها شيئا كالذي صنعت قريش بزيد بن عمرو حين أظهر السخط ~~على دينها. وإذا أردنا أن نحلل هذا الدين الذي كانت العرب تدين به في غير فقه ولا ~~تعمق، فسنرى أولا أنهم لم يكونوا ينكرون أن للسموات والأرض وما فيهن خالقا هو ~~الإله الأعظم. واقرأ إن شئت قول الله عز وجل: # ولئن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ~~. # ثم اقرأ إن شئت هذا البيت الذي أحبه النبي # صلى الله عليه وسلم # من شعر لبيد فيما روى ~~الشيخان: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # ولكن علمهم بوجود الله كان ساذجا لم يبلغ أعماق قلوبهم ولم يصل إلى دخائل ضمائرهم ~~ولم يمتزج بنفوسهم، فاتخذوا من دون الله آلهة قريبة منهم يرونها بأبصارهم ويلمسونها ~~بأيديهم، بل قد يصنعون كثيرا منها بأيديهم كهذه الأصنام التي كانوا يتخذونها من ~~الحجارة أو من الخشب، وكهذه الأشجار التي كانوا يعظمونها ويطيفون بها. ثم لم يكتفوا ~~بذلك بل اعتقدوا أن الأرض التي يعيشون عليها ليست خالصة لهم، وإنما يعيش عليها معهم ~~كائنات أخرى حية هي أقوى منهم قوة وأشد منهم بأسا، كائنات لا يرونها ولكنهم قد ~~يسمعونها، وقد يخيل إليهم أنهم يرون آثارها، وهي كانت - فيما زعموا - تخالط آلهتهم ~~وتجري على أيديها بعض الأحداث، وربما خالطت أفرادا منها فأنطقتهم بأشياء فيها إنباء ~~بما كان وإنباء بما سيكون، وهذه الكائنات هي الجن؛ أي الكائنات المستخفية المستورة التي ~~لا يراها الناس ولكنهم يرون - فيما زعموا - بعض ما تفعل ويتلقون منها - فيما زعموا ~~أيضا - بعض ما تقول. # ربما اعتقدوا أن الآلهة التي كانوا يتخذونها ليست في أنفسها خالقة لشيء ولا مدبرة ~~لشيء، ولكنها واسطة بينهم وبين الإله الأعظم الذي خلق ms005 السموات والأرض والذي يدبر الأمر ~~كله؛ فهم لا يعبدون هذه الآلهة لأنها تستطيع وحدها أن تنفعهم أو تضرهم، وإنما يعبدونها ~~لتشفع لهم عند الله ولتقربهم إلى الله زلفى كما نقرأ في القرآن الكريم. # فهم مشركون لا يجحدون الله ولا يعبدونه وحده، وإنما يعبدون معه آلهة أخرى يتخذونها ~~واسطة بينهم وبينه. # وتمضي القرون على هذا النحو من الوثنية فتضاف إليه على مر الزمان الخرافات ~~والسخافات، وإذا هم يقربون إلى آلهتهم كأنهم يرشونها لتشفع لهم عند الله، وهم ~~يستشيرونها في أكثر أمرهم ويستقسمون عندها بالأزلام، وهم يرضون عنها حين ترضيهم ~~ويسخطون عليها حين تسخطهم لا يخطر لهم أنها أعجز من أن ترضى أو تسخط، وإنما يحاولون ~~الأمر ويستعينون بآلهتهم، فإن تم لهم ما حاولوا من الأمر رضوا وزعموا أن الآلهة قد ~~سمعت لهم وأجابتهم إلى ما طلبوا، وإن لم يتم ما حاولوا سخطوا وزعموا أن آلهتهم لم تستجب ~~لهم ولم تعنهم. # كذلك كانت هذه الوثنية ساذجة إلى أقصى حدود السذاجة، سخيفة إلى أبعد غايات السخف. ~~ولم يفكر هؤلاء العرب الوثنيون فيما يمكن أن يكون بعد الموت، بل قدروا أن لهم حياتهم ~~هذه التي يحيونها على الأرض، وأن آلهتهم وسطاء بينهم وبين الله على أن يقضوا آرابهم ~~وينفقوا حياتهم هذه كأحسن ما يحبون، فإذا أدرك الموت جيلا منهم مضى لسبيله وجاء جيل ~~بعده وقد ورث عنه دينه وآراءه في الله الذي خلق السموات والأرض، وفي هذه الآلهة التي ~~تسعى لهم عند الله فيما يريدون من الخير، وفي رد ما يخافون من الشر والمكروه. # وكثير من هؤلاء العرب الوثنيين كانوا يتصلون بالمسيحيين واليهود يسمعون منهم ~~ويقولون لهم ويعاملونهم في شئون الحياة على اختلافها، ولكنهم على ذلك لا يتأثرون بما ~~يرون من دينهم ومن مذاهبهم في الحياة. # 4 # ولا أكاد أشك في أن وثنية أهل مكة لم تكن صادقة ولا خالصة، وإنما كانوا يتجرون ~~بالدين كما كانوا يتجرون بالعروض التي كانوا يجمعونها من الجنوب ومن أنحاء الجزيرة ~~العربية لينقلوها إلى أقطار أخرى من الأرض كانت ms006 محتاجة إليها. فهم كانوا أذكى قلوبا ~~وأنفذ بصيرة وأكثر ممارسة لشئون الحياة في قريتهم تلك وفي غيرها من المواطن التي ~~كانوا يختلفون إليها بتجارتهم. وهم كانوا بحكم ممارستهم للتجارة يتصلون بأمم متحضرة ~~في الشام ومصر وفي العراق وبلاد الفرس أيضا. وكانوا يرون مذاهب هذه الأمم في الحياة ~~ومذاهبهم في الدين أيضا؛ فلم يكن من الممكن أن يؤمنوا لهذه السخافات التي كان يؤمن ~~بها العرب الوثنيون. # فإذا أضفت إلى ذلك أن الكعبة كانت في ظهرانيهم، وأن العرب كانوا يحجون إلى هذه الكعبة ~~من جميع أنحاء الجزيرة، وأنهم لم يكونوا يأتون مكة للحج وحده، وإنما كانوا يأتون للحج ~~والتجارة أيضا في تلك الأسواق التي كانت تقام كل عام تقريبا من قريتهم؛ عرفت أنهم ~~إنما كانوا يظهرون الإيمان بتلك الوثنية والتعظيم لتلك الآلهة ترغيبا للعرب في الحج ~~وتحقيقا لمنافعهم منه. # والذي نراه من حياة قريش قبيل الإسلام وحين بعث النبي # صلى الله عليه وسلم # فيهم يدلنا أوضح ~~الدلالة وأقواها على أنهم لم يكونوا أهل إيمان ولا أصحاب دين، وإنما كانوا قبل كل شيء ~~أصحاب تجارة يسعون فيها عامهم كله، تسافر قوافلهم في جميع العروض ثم تعود فتستقر في مكة ~~وقتا لتسافر بعد ذلك بهذه العروض تحملها إلى الآفاق. ولم يكونوا يؤثرون على ~~تجارتهم شيئا، ولم يكن يشغلهم إلا التفكير في جمع المال من أغنيائهم وأوساطهم وفقرائهم ~~أيضا لجلب العروض ثم بيعها وجلب عروض أخرى لبيعها في الجزيرة العربية نفسها وفي توزيع ~~الأرباح التي تحققها التجارة على أصحاب الأموال. فكانوا ينفقون عامهم في أخذ وعطاء ~~وانتقال واستقرار يتحدثون في المال والتجارة إذا لقي بعضهم بعضا، ويفكرون في المال ~~والتجارة إذا خلوا إلى أنفسهم، وإذا شغفت النفوس بالمال وجدت في جمعه واستثماره ~~شغلت به عن كل شيء وملك عليها أمرها كله، وأوشك أن يكون لها إلها تعبده وحده لا تشرك ~~به شيئا. # والمال فتنة لقلوب الرجال يفسد عليها كل شيء ويوشك أن يصرفها عن كل خير. وكذلك كانت ~~قريش في ذلك العصر: مؤمنة بالمال مذعنة ms007 لسلطانه، لا يعنيها إلا أن تستثمره وتكثره ~~وتضيف بعضه إلى بعض، وتستمتع أثناء ذلك بما يمكن أن يتيح لها من طيبات الحياة وخبائثها ~~أيضا. فقريش كانت تحب الترف بمقدار ما يتاح لمثلها منه، وتحب التسلط بشرط أن لا ~~ينقص من مالها شيئا. # وإذا أردت أن تصور مكة كما كانت في ذلك العصر، فاذكر مدينة من مدن الفينيقيين الذين ~~لم يكن يعنيهم إلا التجارة والمال، واذكر بعد ذلك أن المدن الفينيقية لم يكن في واحدة ~~منها بيت يجمع الناس إليه من الآفاق كما كانت الحال في مكة. # وكان سكان مكة في ذلك العصر يأتلفون من طبقات ثلاث: طبقة لها كل الحقوق وهي قريش، ~~تستند حقوقها إلى ما كانت ترى من شرف أصولها أولا ومن أنها صاحبة البيت ثانيا، وكانت ~~هذه الطبقة الشريفة المستأثرة بالحقوق كلها تنقسم في نفسها إلى: فئة الأغنياء أولي ~~الثراء العريض، وفئة الذين يملكون من المال ما يتيح لهم أن يتجروا سواء سافروا ~~للتجارة أو اكتفوا بإعطاء أموالهم للمتجرين، وفئة أخرى فقيرة قد تملك القليل ~~وتتجر فيه وقد لا تملك شيئا فهي مضطرة إلى أن تعمل لتعيش. # وهذه الفئات الثلاث من قريش كلها متساوية في الشرف وفي الاستمتاع بالحقوق، وهي من ~~أجل ذلك تكون فئة ممتازة لطبقة السادة. # وتأتي بعدها طبقة أخرى هي طبقة الحلفاء، وهم ناس من العرب على اختلاف قبائلهم آووا ~~إلى مكة ليأمنوا فيها؛ فهي مدينة حرام يأمن اللاجئ إليها مهما تكن جنايته وجرائره على ~~قومه، وناس من العرب آخرون تسامعوا بغنى قريش ودعة الحياة في مكة فأقبلوا يبتغون ~~فضلا من رزق. وكل هؤلاء وأمثالهم لم يكن يتاح لهم المقام المطمئن في مكة إلا إذا ~~حالفوا حيا من أحياء قريش أو فردا من أفرادها. فهم أحرار إذا حفظوا حق الحلف ~~والجوار، تحميهم قريش فيأمنون ويسعون في الرزق، ولكنهم ليسوا من قريش، وإنما هم طبقة ~~دونها تعيش في ظلها ولا تشارك في حقوقها. # وطبقة ثالثة هي الرقيق الذي لا حق له حتى في نفسه، يملكه سيده ms008 كما يملك ما في بيته من ~~أداة، ويسخره فيما يريد من أمره كما يشاء، ليس له أن ينكر ولا أن يعترض، وإنما عليه أن ~~يسمع ويطيع. وسيده يملك أن يحرره بالعتق كما يملك أن يبيعه أو يهبه، كما يملك أن يعاقبه ~~أشد العقوبة وأيسرها، وله عليه حق الموت والحياة، ولكن قريشا لم تكن تغلو في استعمال ~~هذا الحق. # وإلى جانب هذه الطبقات الثلاث كان يعيش بمكة شذاذ من الآفاق ليسوا عربا ولكنهم ~~عجم من أمم مختلفة، أقبلوا متجرين بتجارة تحتاج إليها الطبقة الغنية والوسطى. بعض ~~هؤلاء كان يتجر باللهو: يسقي الخمر، ويسمع الغناء، ويلهي من احتاج إلى اللهو من ~~شباب قريش بألوان من المتاع ليس من السهل أن يوجد في البيئات العربية، وبعضهم كان ~~يتجر بالنقد يصرف الدنانير والدراهم ويقوم الذهب والفضة بهذين النقدين. # وكان هؤلاء الأجانب يعيشون في أمن لا يعرض لهم أحد بمكروه لمكان الحاجة إليهم، ~~وأكثرهم كانوا من المسيحيين أقبلوا من بلاد الروم، وربما كانوا ينفعون قريشا بما ~~يحدثونهم من أحاديث بلادهم، وبما يفتحون لهم في هذه الأحاديث من أبواب التجارة ~~والربح. # كذلك كانت تعيش مكة في ذلك العصر، يضطرب فيها هؤلاء السكان على اختلاف طبقاتهم ~~ومنازلهم وأجناسهم. وواضح أن أكثر الرقيق لم يكونوا عربا فلم تكن قريش صاحبة حرب؛ لأن ~~المال والتجارة لا يحبان الحرب. # فكانت تشتري هؤلاء الرقيق فيما كانت تشتري من العروض، وربما اتجرت فيهم أحيانا. ~~ولكنها كانت تشتريهم في أكثر الأحيان لمنافعها ومآربها وحاجاتها المختلفة، وواضح أن ~~هؤلاء الرقيق لم يكونوا يدينون دين سادتهم، وإنما كان منهم المسيحي واليهودي والمجوسي ~~حسب البلاد التي نشئوا فيه واجتلبوا منها. ومن الطبيعي أن أغنياء قريش وأهل الطبقة ~~المتوسطة منهم لم يكونوا يعملون في التجارة، فكان الرقيق يكفونهم حاجاتهم اليومية: ~~يرعون عليهم ما كانوا يملكون من الإبل والغنم، ويعنون بما كانوا يملكون من الخيل، ~~ويعملون فيما كانوا يملكون من الأرض خارج مكة في الطائف أو في غيرها، ويقومون بخدمتهم ~~في دورهم، ويخدمونهم في أسفارهم في الصيف والشتاء، ms009 وربما كان بعضهم يحسن حرفة من ~~الحرف، فكان سادتهم يسخرونهم في اصطناع حرفهم هذه والاكتساب منها، على أن يكون ~~كسبهم لسادتهم لا يملكون لأنفسهم شيئا إلا ما يقوتهم ويقيم أودهم. # وكذلك اجتمعت في مكة أجناس مختلفة من الناس وألوان مختلفة من الديانات، وكان من ~~الطبيعي أن يؤثر هذا كله في حياة قريش. وليس شيء أشد تأثيرا في حياة الناس من ~~اتصالهم بالأجناس المختلفة ذوي الحضارات والديانات المختلفة، وهذا هو الذي يفسر لنا ~~ما امتازت به قريش من العرب كافة - في ذلك العصر - من ذكاء القلوب وسعة الحيلة ونفاذ ~~البصيرة وبعد النظر وحسن السياسة لأمورها كلها والبراعة في القيام على المال ~~واستثماره، وفي فهم الناس والنفوذ إلى أعماقهم. # ولكن قريشا على ذلك كانت تسكن قرية في واد غير ذي زرع، قرية منقطعة انقطاعا ~~تاما من البلاد المتحضرة. كل شيء كان يؤهل قريشا وقريتهم للحضارة وللحضارة الممتازة ~~لولا هذا الانقطاع الذي فرض عليها. # ومن الحق أن قريشا كانت تتصل اتصالا منتظما بالبلاد المتحضرة بحكم أسفارها في ~~التجارة، ولكن الحضارة لا تنقل من مكان إلى مكان كما تنقل العروض، وإنما تنشأ في ~~بيئة من البيئات تنبت من الأرض ثم تقوى وتشتد ويزيدها الاتصال بالأمم المتحضرة نموا ~~وازدهارا. # 5 # كذلك كانت تعيش قريش في القرن السادس للمسيح، ليس من اليسير أن نحدد لها نظاما من ~~نظم الحكم التي يعرفها الناس؛ فلم يكن لها ملك ولم تكن جمهورية أرستقراطية بالمعنى ~~المألوف لهذه الكلمة، ولم تكن جمهورية ديمقراطية بالمعنى المألوف لهذه الكلمة أيضا، ~~ولم يكن لها طاغية يدبر أمورها على رغمها، وإنما كانت قبيلة عربية قد احتفظت بكثير ~~من خصائص القبائل البادية. فهي منقسمة إلى أحياء وبطون وفصائل، والتنافس بين هذه ~~الأحياء والبطون والفصائل قائم يشتد حينا ويلين حينا آخر، ولكنه لا يصل إلى الخصومات ~~الدامية كما كانت الحال في البادية، وأمور الحكم - إن صح أن يذكر لفظ حكم - تجري كما ~~كانت تجري في القبيلة البادية. وكل ما وصلت إليه قريش من التطور في شئون الحكم ms010 هو أنها ~~لم يكن لها سيد أو شيخ يرجع إليه فيما يشكل من الأمر، وإنما كان لها سادة أو شيوخ ~~يلتئم منهم مجلس في المسجد الحرام أو في دار الندوة، وأمام هذا المجلس تعرض مشكلات ~~التجارة وتعرض المشكلات التي تكون بين أحيائها، وقد تعرض المشكلات التي تثار بين ~~الأفراد إن بلغت من الخطر أن تثير خصومة بين حيين أو أكثر. # ومضى أمر قريش على هذا النحو إلى آخر العصر الجاهلي. وكأنها أحست قبيل البعثة أن ~~هذا النظام لا يكفل العدل الشامل الذي يطمئن إليه الأقوياء والضعفاء جميعا، وإنما يكفل ~~العدل بين السادة وأنصاف السادة، ويخلي بين هؤلاء وبين شيء من الظلم يقع على الضعفاء ~~من الحلفاء وممن أووا إلى مكة ليقيموا فيها إقامة تقصر أو تطول. # ومن أجل هذا اجتمعت طائفة من خيار هؤلاء السادة وأقويائهم، وتحالف أعضاؤها على أن ~~يرفعوا الظلم ويقوموا دون المظلوم حتى ينتصف من الظالم ودون الضعيف حتى يأخذ حقه من ~~القوي. وهذا الحلف هو المعروف بحلف الفضول الذي شارك فيه النبي # صلى الله عليه وسلم # فيمن شارك فيه ~~من بني هاشم قبل البعثة. وقد ذكر النبي بعد ذلك هذا الحلف وأثنى عليه. # 6 # وكانت ثقيف تعيش نحو هذه العيشة في الطائف إلا أن أمرها لم يكن كأمر قريش على الحج ~~والتجارة؛ فلم يكن إلى الطائف حج لمكان الكعبة من مكة. # وكانت ثقيف قد رزقت شيئا من الخصب فاصطنعت الزراعة وزراعة الفاكهة خاصة، واعتمدت - ~~أو كادت تعتمد - في تجارتها على قريش؛ فكانت قريش تشتري عروض الطائف وتنشرها فيما تنشر ~~من تجارتها، وربما أسهم بعض الأغنياء من ثقيف بأموالهم في تجارة قريش، فكانوا كغيرهم من ~~أهل مكة في ذلك. # على أن شيئا من حسن الصلة كان قائما بين قريش وثقيف، فكان بينهم الصهر من جهة، ~~وربما اشترى بعض الأغنياء من قريش أرضا بالطائف واغترس فيها الحدائق والكروم، وربما ~~اتخذ بعض الأغنياء من قريش لأنفسهم دورا في الطائف يفزعون إليها من مكة؛ بحيث نستطيع ~~أن نقطع بأن قريشا ms011 وثقيفا كان بينهما شيء يشبه الحلف ويقوم على المصالح المشتركة في ~~الزراعة والتجارة جميعا. # ولم تكن ثقيف - على قوتها في الجاهلية - تمتاز بمثل ما كانت تمتاز به قريش من ذكاء ~~القلوب ونفاذ البصيرة، وإنما كانت ثقيف تمتاز بشيء من القوة والمنعة، وتمتاز بالمكر ~~والدهاء وحسن المداورة والبراعة في الكيد للخصم أو العدو. # 7 # أما يثرب فقد كان شأنها يختلف عن شأن هاتين القريتين اختلافا شديدا؛ فهي أولا ~~بعيدة عنهما بعدا يحول بينها وبين مشاركتهما في كثير أو قليل من الأمر، وهي ثانيا ~~لم تكن خالصة لقبيلة واحدة كما كانت مكة خالصة لقريش وكما كانت الطائف خالصة لثقيف، ~~وإنما كان يسكنها قبيلتان من العرب ترجعان إلى أصل يمني واحد، ولكنهما تختصمان دائما ~~ويشتد التنافس بينهما أحيانا حتى يورطهما في حرب تتصل وقتا طويلا. # وهاتان القبيلتان هما الأوس والخزرج، وكانت كل قبيلة منهما تمضي أمورها على طريقة ~~القبائل لا يفرق بينهما وبين أهل البادية إلا أنهما مستقرتان في مدينتهما لا تنتجعان ~~الغيث وإنما تنتظرانه، ولا تتنقلان في التماس الكلأ. وكلتا القبيلتين كانتا تعيشان على ~~الزراعة وعلى استثمار النخل خاصة. # ثم هناك فرق آخر بين يثرب من جهة وبين مكة والطائف من جهة أخرى، وهو أن يثرب لم تكن ~~خالصة لأهلها من العرب، وإنما كان اليهود يشاركونهم فيها. وكانت المعاملات في الزراعة ~~والتجارة تجري بين اليهود وبين هاتين القبيلتين بحكم الجوار والاشتراك في الأرض ~~والمصالح على اختلافها، وكان لكل قبيلة من الأوس والخزرج حلفاؤها من اليهود يحاربون ~~معها إن حاربت ويسالمون معها إن سالمت. # ومن أجل هذا كله كان الفرق عظيما بين أهل يثرب من العرب وأهل مكة والطائف، فأهل يثرب ~~أصحاب زراعة متصلة يزرعون ليعيشوا ولا يكادون يتجرون خارج الجزيرة إلا قليلا، وهم ~~بعد ذلك مخالطون لأهل الكتاب من اليهود مخالطة متصلة. # فلا غرابة في أن يؤثر هذا كله في أخلاقهم وفي طبائعهم فيجعلهم ألين عريكة وأرق ~~شمائل وأسمح أخلاقا. ولكنهم على ذلك ظلوا كغيرهم من العرب مشركين يعبدون الأوثان ~~ويؤمنون بكثير ms012 مما كان أهل البادية يؤمنون به من السخافات والخرافات، وظلوا كغيرهم من ~~العرب يعظمون البيت الحرام بمكة ويمجدونه في الموسم مع غيرهم من ~~الحجيج. # وكانوا في هذا العصر الذي نتحدث عنه قد بلغ منهم الجهد لكثرة الاختلاف بين القبيلتين ~~وما كان ينشأ عن ذلك من الخصومات والحروب، ثم لأن اليهود على ما كان بينهم وبين ~~القبيلتين من الجوار واشتراك المصالح كانوا يستظهرون على هؤلاء العرب الجهال ~~الأميين، يستظهرون عليهم بما عندهم من كتاب، وبما لهم من دين مهما يكن أمره فقد كان ~~أرقى من هذه الوثنية الغليظة التي كان العرب يدينون بها. # 8 # وليس غريبا - بعد هذا الذي عرض عليك في إيجاز من شئون الأمة العربية في وبرها ~~ومدرها - أن تنشأ عن هذه الحياة التي كانوا يحيونها أخلاق غليظة كغلظ هذه الحياة، ~~وعادات منكرة كنكر هذه الحياة أيضا، فهؤلاء الذين يعبدون الأصنام التي يصنعونها ~~بأيديهم، ويعبدون الأشجار التي لا يتحرجون من أن ينتفعوا بثمارها وغصونها إن احتاجوا ~~إلى ذلك، لا ينتظر منهم أن تصفو طبائعهم وتمتاز أخلاقهم وتلين قلوبهم وتحسن شمائلهم، ~~بل عكس هذا كله هو الذي ينتظر منهم. # فإذا أضفت إلى ذلك ما كانت البداوة تفرض على أهلها من الفقر والعوز وقسوة الحياة، ~~وأن أهل القرى إنما هم قوم عاشوا بداة أولا ثم استقروا في قراهم بعد ذلك دون أن ~~يضيعوا من خصائص البداوة إلا أقلها، فليس غريبا بعد هذا كله أن نعرف من عادات هؤلاء ~~العرب ما نعرف من الغلظة والقسوة والجفاء، وليس غريبا أن نعرف أنهم كانوا يقتلون ~~أولادهم خشية الفقر والإملاق، ويئدون بناتهم خشية الفقر والإملاق والعار أيضا. وليس ~~غريبا أن نعرف أن العلاقة بين رجالهم ونسائهم لم تكن مهذبة ولا نقية ولا مبرأة مما ~~يعاب، إلى غير ذلك من العادات الكثيرة التي غيرها الإسلام وحفظ الشعر منها شيئا ~~غير قليل. # ومن الطبيعي أن أهل القرى كانوا أرق طباعا من أهل البادية إلى حد ما؛ فلسنا ~~نعرف أن أهل مكة أو الطائف أو يثرب كانوا يقتلون ms013 أبناءهم أو يئدون بناتهم، حال بينهم ~~وبين هذا ما أتيح لهم من لين العيش وسعة ذات اليد، ولكن أهل القرى كانوا قلة ضئيلة ~~بالقياس إلى أهل البادية فلا ينبغي أن يتخذوا عنوانا لهم. # ومهما يكن من شيء فقد كان أهل الوبر وأهل المدر سواء في وثنيتهم تلك الغليظة، لم ~~يكادوا يتأثرون تأثرا ذا بال بمن جاورهم من اليهود والنصارى، وعسى أن يكون اليهود ~~والنصارى الذين استقروا بين العرب هم الذين تأثروا بالحياة العربية وغلظها وما كان ~~يشوبها من العادات والأخلاق. # فقد يكون من النافع حقا أن نقيس نصرانية نجران إلى النصرانية التي كانت منتشرة في ~~البلاد المتحضرة، وأن نقيس يهودية يثرب وخيبر إلى يهودية اليهود الذين كانوا متفرقين ~~في البلاد المتحضرة أيضا. كلا الدينين انقطعت الصلة أو كادت تنقطع بينه وبين الذين ~~كانوا يقومون عليه من الأحبار فتبدى، وإن استقر في هذه القرى؛ لأن هذه القرى نفسها ~~كانت أقرب إلى البداوة منها إلى الحضارة. # وعلى كل حال فلم يكد العرب ينتفعون بما كان بينهم وبين اليهود والنصارى من ~~اتصال، وإنما ظلوا كما كانوا حتى جاءهم دينهم الجديد. # 9 # وكان بين قريش رجل من أشرافهم يتجر كما يتجرون، ويحضر مجالسهم في المسجد وفي دار ~~الندوة، هو عبد المطلب بن هاشم، ولكنه كان يمتاز من قومه بكثير من الوقار وميل إلى ~~الدين والنسك، يعظم ما كان قومه يعظمون من هذه الآلهة، ولكن عن إخلاص وصدق لا عن ~~تكلف ورياء. وقد أتيحت له أشياء زادته امتيازا من قومه فخاصموه أول الأمر ثم أكبروه ~~بعد ذلك؛ فهو قد احتفر بئر زمزم. # وحدث أصحاب الأخبار بأنه لم يحتفرها من عند نفسه وإنما أتاه آت في نومه فأمره ~~باحتفارها وبين له مكانها، فأقبل على ما أمر به حتى أنفذه. # ويقول أصحاب الأخبار إنه وجد كنزا أثناء احتفار البئر قبل أن يصل إلى الماء فخاصمته ~~فيه قريش؛ فجعله للكعبة ولم يأخذ هو ولا غيره منه شيئا، ثم أنبط الماء فخاصمته فيه ~~قريش ترى أن البئر لها، ويرى ms014 هو أنها له؛ لأنه احتفرها بيده وأنبط ماءها بحهده . ولجت ~~قريش في الخصومة - فيما يقول أصحاب الأخبار - حتى أجمعوا إلى أن يحتكموا إلى أحد الكهان ~~فأوفدوا مع عبد المطلب وفدا يخاصمونه إلى ذلك الكاهن، ولكنهم لم يحتاجوا إلى هذا ~~الاحتكام؛ لأن آية ظهرت لهم في الطريق أقنعتهم بأن عبد المطلب ليس متكذبا ولا ~~متكلفا. # قال الرواة: وفي أثناء هذه الخصومة أحس عبد المطلب أنه وحيد ليس له من الولد من ~~ينصرونه؛ فنذر لئن أتيح له عشرة منهم ليقربن أحدهم إلى الآلهة. # وقد أتيح له عشرة من الولد فأزمع أن يقرب أحدهم وهم بذلك، ولكن قريشا أبت عليه؛ ~~لأنها استبشعت عمله هذا. وما زالت به حتى أقنعته بأن يقرع بين ابنه وبين عشرة عشرة من ~~الإبل، فجعل كلما أقرع خرج السهم على ابنه حتى بلغت الإبل مائة فقربها إلى الآلهة ~~ونجا ابنه ذاك الفتى. # فإذا صورت هذه القصة شيئا فإنما تصور نزوع عبد المطلب إلى شيء من الدين وإخلاصه ~~فيه وإسماحه في سبيله بالولد والمال جميعا، وتصور كذلك عزوف قريش عن المفظع من ~~الأمر، وإنكارها في عنف وإلحاح هذا القربان البشع الذي يضحى فيه بالإنسان ~~للآلهة. # على أن ذلك الفتى الذي افتداه أبوه بالإبل فأغلى في الفداء لم يعمر، وإنما زوجه ~~أبوه ثم أرسله إلى الشام مع قومه للتجارة، فذهب ولم يعد، أدركه الموت بيثرب في عودته ~~من الشام، وقد ولد بعد موته صبي هو الذي اختاره الله ليأتي العرب بدينهم ~~الجديد. # وفي تلك الأيام نفسها تعرضت مكة لخطر شديد: أقبل الحبشة إليها من اليمن غزاة ~~يريدون أن يملكوا الحجاز كما ملكوا اليمن، وأن ينشروا في الحجاز دين المسيح كما حاولوا ~~نشره في اليمن بعد أن انتقموا لتلك المدينة المسيحية «نجران»، وكانوا بالطبع ~~مزمعين أن يهدموا الكعبة وأن يحطموا ما نصب عليها من الأوثان، ولكن الله بالغ ~~أمره قد جعل لكل شيء قدرا؛ فهو يصد الحبشة عن مكة ويمنعهم أن يدخلوها ويردهم إلى اليمن ~~مدحورين قد بلغ منهم الجهد وأصابهم ما ms015 أصابهم من الشر الذي صوره الله عز وجل أروع ~~تصوير في السورة الكريمة: # ألم تر كيف فعل ربك ~~بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل ~~* وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ~~ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف ~~مأكول ~~. # وما أحب أن أعرض لتأويل هذه الطير الأبابيل التي رمت الحبشة بحجارة من سجيل فجعلتهم ~~كعصف مأكول؛ لأني أوثر دائما أن أقبل النص وأفهمه كما قبله وفهمه المسلمون ~~الأولون حين تلاه عليهم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وفي هذه الموقعة أظهر عبد المطلب من الصبر والجلد ومن الشجاعة والثقة ما لم يظهره ~~غيره من أشراف قريش، فضلا عن أوساطها وعامتها؛ ذلك أنه أشار على قريش أن تخلي مكة ~~وتلوذ بشعاف الجبال وتخلي بين هذا الجيش العظيم وبين ما يريد، فسمع له قومه وتجنبوا ~~الحرب وأقام هو بمكة لم يعتزلها فيمن اعتزلها، وإنما قام عند الكعبة يدعو الله ~~ويستنصره. # ويقول الرواة: إن الجيش أغار فيما أغار على إبل قريش فاحتازها وجاء عبد المطلب حتى ~~استأذن على أبرهة عظيم الحبشة وقائد جيشها، فلما أدخل عليه لم يكلمه إلا في إبل له ~~أخذها الجيش فيما أخذ من إبل قريش. # قال الرواة: فصغر عبد المطلب في نفس أبرهة، وقال له: كنت أظن أنك جئت تكلمني في شأن ~~مكة وفي شأن بيتكم هذا الذي تعظمونه، فإذا أنت لا تسألني إلا أن أرد عليك إبلك! # قال عبد المطلب: فإني أكلمك في مالي الذي أملكه، فأما البيت فإن له ربا يحميه إن ~~شاء. # فردت عليه إبله وعاد إلى مكانه من الكعبة يدعو الله ويستنصره. # قال الرواة: وأصبح أبرهة من غد مزمعا دخول مكة وهدم البيت، ولكن الله حال بينه ~~وبين ذلك بما أرسل عليه وعلى جيشه من تلك الطير الأبابيل التي رمتهم بحجارة من سجيل ~~فجعلتهم كعصف مأكول. # وعادت قريش إلى مكة موفورة لم ترزأ شيئا، فازداد إكبارهم لعبد المطلب وشجاعته ~~وثقته وثباته؛ حيث لم يثبتوا وإنما فروا فلاذوا بشعاب الجبال. # في نفس هذا العام - الذي سمته قريش وسماه الرواة بعد ms016 ذلك عام الفيل - ولد هذا الصبي ~~يتيما كما رأيت آنفا، فسماه عبد المطلب محمدا وكفله واسترضعه في بني سعد من هذيل، ~~حتى إذا تم الرضاعة واحتفظت به المرضع بعد رضاعه وقتا ردته إلى أمه، فجعل ينشأ ~~بمكة في ظل جده الشيخ. ثم سافرت به أمه - حين كان في السادسة من عمره - إلى يثرب تريد ~~أن تزور وأن تزير الصبي قبر أبيه عبد الله بن عبد المطلب، ولكنها خرجت من مكة ولم ~~تعد إليها كما خرج زوجها عبد الله من قبل فلم يعد إلى وطنه. # أدركها الموت في بعض الطريق منصرفها من يثرب عائدة إلى مكة، وعادت بالصبي حاضنته ~~بركة - التي عرفت في الإسلام بأم أيمن - فقامت على خدمته في ظل جده وأصبح الصبي يتيما ~~لأبيه وأمه جميعا. على أنه لم يبلغ السابعة حتى فقد جده أيضا فأخذه اليتم من جميع ~~أقطاره: فقد أباه وأمه وجده، ولكن الله آواه كما يقول في سورة الضحى: # ألم يجدك يتيما فآوى ~~. # وكفل الصبي بعد موت الشيخ عمه أبو طالب فكان له نعم الكافل ونعم الولي. وكان أبو ~~طالب صاحب سفر في التجارة كغيره من أشراف قريش وأوساطها. # فيقول الرواة: إنه هم بالسفر في تجارته إلى الشام ذات عام والصبي في الثانية عشرة ~~من عمره، فتعلق به الصبي وألح في أن يصحبه في سفره ذاك، ورق له قلب عمه فحمله ~~معه إلى الشام. # ويقول الرواة: إنه لم يكد يبلغ به مشارف الشام حتى عاد به مسرعا إلى مكة عن أمر راهب ~~من رهبان النصارى علم من أمر الصبي ما لم يعلم عمه، فأوصاه أن يرده إلى وطنه وأن ~~يحرزه في مكة من مكر النصارى واليهود. # وشب الصبي في كفالة عمه، حتى إذا بلغ الرابعة عشرة من عمره شهد حرب الفجار التي ~~كانت في حرم مكة بين قيس وقريش. # شهد الحرب ولكنه لم يشارك فيها؛ كان أصغر سنا من ذلك، فكان ينبل على أعمامه. وأكبر ~~الظن أنه حين أينع جعل يسعى في رزقه فكان يرعى الغنم ms017 على قومه حتى إذا نيف على ~~العشرين سلكت الحياة به طريقا أخرى. # 10 # كان فقيرا لا يكاد يملك شيئا، وكان يكسب قوته من رعي الغنم، ولكنه فتى من قريش ومن ~~أشرافها، ورعي الغنم قد يليق بالصبية وبأمثالهم من الذين لم يتقدم بهم الشباب، فأما ~~إذا شبوا واستتموا قوتهم فليس لهم بد من أن يسلكوا طرقا أخرى إلى الرزق. وعمه ~~صاحب تجارة، وقد مات أبوه تاجرا، وجده كان صاحب تجارة أيضا، فما يمنعه أن يسلك ~~الطريق التي ألفت قريش سلوكها؟ # وقد أقبل عليه عمه ذات يوم فأنبأه بأن خديجة بنت خويلد - امرأة غنية من أكثر قريش ~~مالا وأوسطهم نسبا - قد جهزت تجارة ضخمة إلى الشام، ونصح له بأن يكون رسولها ~~بتجارتها تلك، وأنبأه بأنه يستطيع أن يسعى له في ذلك عند خديجة إن صح عزمه على ~~السفر، فقبل الفتى ورضيت خديجة، ورأته مكة ذات يوم خارجا في قافلتها إلى الشام يصحبه ~~غلام لخديجة يقال له «ميسرة»، وقد بلغ الشام فباع واشترى وعاد مع القافلة فأدى إلى ~~خديجة تجارتها وأدى إليها مع هذه التجارة ربحا لم يتح لها في تجارة قط. وكأن الله ~~لم يجعل هذه التجارة إلا وسيلة لشيء آخر وراءها؛ فقد وقع الفتى من قلب خديجة وإذا هي ~~ترسل إليه مغوية له بخطبتها، وإذا هو يخطبها ثم يصبح لها زوجا، وهي تكبره بخمس عشرة ~~سنة فيما يقول الرواة. # ومنذ ذلك اليوم عاش في مكة عيشة الموفورين لا يشكو حاجة ولا يجد ضيقا كما قال له ~~الله عز وجل في سورة الضحى: # ووجدك عائلا ~~فأغنى ~~. # وقد أتيح له من خديجة الولد وأتيح له معها الأمن والدعة، ولكنه في ذلك الطور ~~من أطوار حياته ظهرت فيه خصال لم تكن مألوفة في شباب قريش؛ فهو شديد النفرة من اللهو ~~وشديد النفرة من اللغو أيضا، وهو أبعد الناس عن التكلف وأقربهم إلى الإسماح واليسر، ~~وهو أبغض الناس لهذه الأوثان التي كان قومه يعبدونها مخلصين أو متكلفين، وهو أصدق ~~الناس إذا تكلم، وأوفاهم إذا عامل، ms018 وأبعدهم من كل ما يزري بالرجل الكريم. وهو بعد ~~ذلك أوصل الناس للرحم وأرعاهم للحق وأشدهم إيثارا للبر؛ فهو يجد عمه الذي كفله صبيا ~~ويافعا قد كثر ولده وقل ماله، ويريد أن يعينه دون أن يؤذيه؛ فيأخذ منه صبيه عليا ~~ويرد عليه من العناية واللطف والبر بعض ما أدى إليه أبوه حين كان صبيا يتيما. وقد ~~شاعت عنه هذه الأخلاق، وعرف بهذه الخصال حتى أحبته قريش وسمته الأمين وعاملته على ~~أنه الأمين حقا. # وفي ذات عام همت قريش أن تعيد بناء الكعبة فعزمت بعد تردد، ونقضت البناء وأخذت ~~في إعادته، وشاركها الأمين فيما فعلت، حتى إذا بلغت موضع الحجر الأسود اختلفت أحياء ~~قريش فيمن يضع هذا الحجر في موضعه، يرون أن من يتاح له ذلك سيظفر بشرف أي شرف. وما هي ~~إلا أن يتحول الخلاف إلى خصومة تشتد وتعنف حتى يخشى شرها، ولكن ذوي أحلامهم وأولي ~~رأيهم يشيرون عليهم بالتحكيم وبأن يحكموا أول داخل عليهم فيحكمونه، فيقضي بينهم ~~قضاء يرضيهم ويكون له مع ذلك ما بعده؛ يبسط رداءه ويضع الحجر في وسطه ثم يأمرهم بأن ~~يأخذوا بأطراف الرداء فيحملوه ويمشوا به حتى إذا بلغوا البناء أخذ الحجر فأقره بيده في ~~موضعه. # على أنه قد أخذ يميل إلى العزلة شيئا فشيئا، ثم اشتد عليه حب العزلة فجعل يترك مكة ~~بين حين وحين ويمضي وقد تزود لعزلته، حتى إذا بلغ غار حراء خلا فيه إلى نفسه الأيام ~~والليالي، فإذا انقضى زاده أو كاد ينقضي عاد إلى أهله فتزود من جديد ورجع إلى غاره ~~فأوى إليه ومكث فيه ما شاء الله أن يمكث. أصبحت هذه الخلوة له عادة ولكنه يعود إلى ~~أهله ذات يوم ولهان مفجعا شديد الاضطراب ويقص على خديجة شيئا عجبا. # 11 # أنبأها بأنه كان خاليا إلى نفسه في غار حراء، ولكنه ينظر فيرى شخصا أمامه ويسمع ~~فإذا هذا الشخص يكلمه يقول له: «اقرأ.» قال: «ما أنا بقارئ.» يريد: لا أعرف القراءة، ~~فضمه ضما شديدا - أو غطه غطا شديدا، كما يقول ms019 حديث الشيخين فيما يرويان عن عائشة ~~- حتى بلغ منه الجهد، ثم أسلمه وقال: «اقرأ.» قال: «ما أنا بقارئ.» فغطه غطا شديدا ~~حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله فقال: # اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق * خلق الإنسان من علق * ~~اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ~~. # ثم استخفى حتى لا يرى النبي # صلى الله عليه وسلم # شيئا ولا يسمع شيئا، فيخرج من الغار وقد ~~أخذه روع أي روع وهو في طريقه مسرع إلى أهله، ولكنه يسمع صوتا يناديه فينظر ~~أمامه فلا يرى شيئا وينظر عن يمينه فلا يرى شيئا، وينظر عن شماله فلا يرى شيئا، ~~وينظر خلفه فلا يرى شيئا؛ فيرفع رأسه فيرى ذلك الشخص الذي أتاه في الغار جالسا على ~~كرسي بين السماء والأرض فيبلغ به الروع أقصاه، ويمضي أمامه لا يلوي على شيء حتى ~~يأتي أهله مرتاعا مذعورا، يقول: «زملوني زملوني - أو دثروني دثروني - وصبوا علي ~~ماء باردا.» فتفعل خديجة ما طلب إليها حتى يذهب عنه الروع. فيقول لزوجه بعد أن ~~أنبأها نبأه: «لقد خشيت على نفسي.» تقول له خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك ~~لتصل الرحم، وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. # قال المحدثون ورواة السيرة: فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد ~~العزى ابن عم خديجة - وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، ~~فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي - فقالت ~~له خديجة: يابن عم اسمع من ابن أخيك. # فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بخبر ما رأى، فقال له ~~ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى # صلى الله عليه وسلم ~~، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون ~~حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أومخرجي هم؟» قال: نعم، لم يأت ~~رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن ms020 يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. # وكأنه لزم داره واجتنب غار حراء منتظرا ما يكون من أمره بعد ما رأى وما سمع، فأوحى ~~إليه: # يا أيها المدثر * قم فأنذر ~~* وربك فكبر * وثيابك فطهر ~~* والرجز فاهجر * ولا تمنن ~~تستكثر * ولربك فاصبر ~~. # ومنذ ذلك الوقت ظهر له ما يراد به، فلم يكن ما جاءه في الغار إلا إيذانا له بأن ~~مهمة ثقيلة خطيرة قد ألقيت على عاتقه، وأن عليه أن يؤديها صبورا جلدا محتملا ~~في سبيل أدائها ما قد يعرض له من العنت والمشقة والأذى، وهو على كل حال مكلف أمرين ~~ليس أحدهما بأقل خطرا من الآخر؛ فأما أولهما: فهو أن يجاهد نفسه ويأخذها راضية أو ~~كارهة بما سيدعو الناس إليه من تكبير الله بالقلوب والألسنة، ومن التطهير من كل دنس ~~ظاهر أو خفي، ومن هجر الرجز واجتناب المن واستكثار ما يأتي من طاعة الله والاجتهاد ~~في ذاته، ومن الصبر لربه على ما يبلوه به من ألوان البلاء، وعلى ما يكلفه حمله من ثقال ~~الأعباء. # وأما ثانيهما: فهو أن ينذر الناس بأن حياتهم التي يحيونها ليست كما يظنون لهوا ~~ولعبا واستمتاعا بما يتاح لهم من اللذات واحتمالا لما يعرض لهم من الآلام والمحن ~~والخطوب، إنما هي شيء وراءه أشياء وله ما بعده. فليس لهم بد إذن من أن يحتاطوا لما ~~وراء حياتهم من الأمر، ومن أن يأخذوا له أهبتهم ويتزودوا بما ينبغي من ~~الزاد. # 12 # وقد تجرد النبي # صلى الله عليه وسلم # لأداء ما كلف به من مهمة، وما حمل من أمانة، فأخذ نفسه ~~بأشد ما يأخذ الرجل به من الجهد والمشقة في ذات الله، وأنفذ أمر الله في نفسه فيما ~~اختصه به من التكاليف كما أنفذ أمر الله في كل ما كلف أن يأمر الناس به، وقد بدأ ~~بأهله وذوي قرباه فأنذرهم وبشرهم واستجاب له منهم من استجاب وأبى عليه من أبى. ثم ~~أمر بتعميم دعوته فأنذر قومه وبشرهم ودعاهم إلى الإيمان والبر والمعروف؛ فلم يستجب ~~له منهم إلا أقلهم، وامتنع عليه ms021 أكثرهم، ثم لم يكتفوا بالامتناع بل لم يلبثوا أن ~~ضاقوا به وبدعوته وجعلوا يردونه ردا رفيقا أحيانا ويردونه ردا عنيفا في ~~أكثر الأحيان. ثم تألبوا عليه وجعلوا يؤذونه في نفسه وفيمن تبعه من الناس بأيديهم ~~وألسنتهم. ثم أصبحت الحياة بينه وبين قومه جهادا متصلا عنيفا أشد العنف وأقواه. ~~ولكنه صبر لهذا الجهاد كما أمر أن يصبر واحتمل فيه من ألوان المشقة ما ينوء بالرجال ~~أولي العزم كما أمر أن يحتمل، وجعل يصبر أصحابه ويهون عليهم ما كانوا يلقون، ~~وما أكثر ما كانوا يلقون من ضروب الفتنة والعذاب! # وفي أثناء ذلك كان الوحي يتنزل عليه من السماء، فيعلن كل ما يوحي إليه به يتلوه على ~~من آمن معه وعلى من لم يؤمن؛ فهو مكلف أن يبلغ رسالات ربه، وهو يبلغها أمينا عليها ~~مجتهدا في تبليغها يبشر وينذر، ويرغب ويرهب، ويجادل المخاصمين ويقرع حجتهم ~~بحجة الله لا وانيا ولا مستأنيا ولا مقصرا. # وقد هابت قريش أن تؤذيه إيذاء ثقيلا أو أن تخرجه من وطنه أو أن تقتله مخافة أن ~~يغضب له قومه من بني عبد مناف فيفسد عليها أمرها كله. فجعل حلماء قريش يصانعونه ~~ويرفقون به؛ يعرضون عليه أن يملكوه عليهم إن كان يفعل ما يفعل ابتغاء الملك، ويعرضون ~~عليه أن يعطوه صفو أموالهم إن كان يفعل ما يفعل ابتغاء الغنى، ويعرضون عليه التماس ~~الطب له إن كان له رئي من الجن يأتيه بهذا الكلام الذي يتلوه عليهم وبهذا الأمر ~~الذي يدعوهم إليه. فلم يكن يجيبهم إلا بأن يتلو عليهم بعض ما كان ينزل عليه من ~~القرآن. # وكان حلماء قريش والمنصفون منهم يسمعون القرآن حين يتلى عليهم فيبهرهم بألفاظه ~~ومعانيه ونظمه ورقته حين يرق وشدته حين يشتد، ولكنهم على ذلك لا يؤمنون له، بعضهم ~~يمنعه الحسد، وبعضهم تمنعه الكبرياء، وكلهم يشتد عليهم ما كانوا يدعون إليه من البر ~~والمعروف والعدل والمساواة وإنصاف الفقراء من الأغنياء والضعفاء من الأقوياء، ومن ~~ترك آلهتهم وعاداتهم وكثير من الأخلاق التي وجدوا عليها آباءهم وتوارثتها أجيالهم ~~جيلا ms022 بعد جيل. وقد استيأسوا منه فلجأوا إلى عمه ذاك الذي كفله صبيا ويافعا ~~والذي قام دونه يحميه منذ جعل يدعو دعوته هذه الجديدة وطلبوا إليه أن يراجع ابن ~~أخيه لعله يكف عن ذم آلهتهم وتسفيه أحلامهم وإنكار ما تعارفوا عليه من عاداتهم ~~وأخلاقهم، ومن إفساد عبيدهم وإمائهم وحلفائهم عليهم. # وقد قبل منهم أبو طالب فراجع ابن أخيه وعرض عليه ما يقول قومه وما يعرضون عليه من ~~الملك وكرائم الأموال، وما ينذرونه به من البطش والعذاب؛ فلم يكن جوابه لعمه إلا أن ~~قال مقالته تلك المشهورة: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ~~أن أرجع عن هذا الأمر ما رجعت.» # وعاد أبو طالب إلى مشيخة قريش بقول ابن أخيه، فلم يزدهم ذلك إلا عنادا وإصرارا ~~واستكبارا، فعمدوا إلى إيذائه في أصحابه وفي الرقيق والضعفاء منهم خاصة؛ لعلهم أن ~~يصدوهم عن الإقبال عليه ويردوهم بعد إيمانهم كفارا، ولعله حين يرى ذلك أن يحس ~~ما يشقى به أصحابه فيؤثر لهم ولنفسه العافية؛ فجعلوا يعذبونهم بالضرب حينا وبالماء ~~حينا وبالنار حينا وبالموت حينا آخر. ولكنهم لم يبلغوا بذلك منه ولا من أصحابه ~~شيئا؛ قتلوا ياسرا وزوجه سمية ذات يوم وابنهما عمار يرى فلم يصرفوا الأبوين ولم ~~يصرفوا ابنهما عما أراد الله لهما من الكرامة بالإيمان، وإنما كان ياسر وزوجه نموذجا ~~رائعا للصبر والجلد واحتمال الأذى في غير شكاة ولا تضعضع. ويقال: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # مر بآل ياسر وهم يعذبون فلم يزد ياسر على أن يقول: الدهر هكذا يا رسول الله. # ويحدث رواة السيرة أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال لهم: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.» ~~وكان ياسر وامرأته سمية أول شهيدين في الإسلام، فلم يجزع عمار ولم يجد الوهن إلى نفسه ~~سبيلا، بل ازداد إيمانا مع إيمانه وصبرا إلى صبره حتى استيأس منه معذبوه واضطروا ~~إلى أن يرفعوا عنه العذاب. # ويتحدث الرواة أن عمار بن ياسر كان أول من اتخذ مسجدا في بيته وفيه ms023 نزلت هذه الآية ~~من سورة الزمر: # أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو ~~الألباب ~~. # وعذبوا «بلالا» أشد العذاب ونكلوا به أعظم التنكيل وجعلوه هزؤا للصبية والسفهاء، ~~فلم يرفع عنه العذاب حتى اشتراه أبو بكر وكان رقيقا فأعتقه. # وعذبوا كثيرا غير هؤلاء - تجد أسماءهم في كتب السيرة - ألوانا من العذاب وفتنوهم ~~ضروبا من الفتنة، مكثوا على ذلك أعواما لا يرقبون في هؤلاء المستضعفين عهدا ولا ~~ذمة ولا تعطفهم عليهم رحمة. # وكان موقف قريش من المسلمين مختلفا، فأما ضعفاؤهم وفقراؤهم فكانوا يصبون عليهم ~~العذاب صبا لا يخافون في تعذيبهم لوما ولا إنكارا، وأما أولو الشرف منهم الذين ~~يأوون من قومهم إلى ركن شديد فكانوا يؤذونهم بألسنتهم ويؤذونهم بالقطيعة ويغرون قومهم ~~أن يشتدوا عليهم، ويفتنوهم عن دينهم ما استطاعوا إلى فتنتهم سبيلا. ولكنهم على ذلك لم ~~يبلغوا منهم شيئا ولم يصدوهم عن دينهم وإنما وجدوا منهم صبرا وجلدا واحتمالا، ~~ووجدوا من بعضهم مقاومة وتحديا وردا عنيفا، كالذي كانوا يجدونه من عمر بن الخطاب ~~ومن حمزة بن عبد المطلب. # وكذلك مضى الأمر بين النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه القليلين وبين قريش ذات العدد والقوة ~~والثراء، لا يهن النبي ولا يضعف ولا يستخفى بدعوته، وأصحابه منهم القوي الذي يجالد عن ~~دينه ومنهم الضعيف الذي يلقى العذاب صابرا عليه. ومنهم الغريب الذي يستحب الأذى يراه ~~قربة إلى الله، فيتصدى لمجالس قريش ويعلن إليهم إسلامه ويحتمل منهم إيذاءهم له، كالذي ~~كان من «أبي ذر» حين أسلم وهو غريب في مكة، فلم يرضه إلا أن يغيظ قريشا ويتلقى ~~منهم اللكز والوكز واللطم والصفع حتى يغشى عليه، يفعل ذلك مرة ومرة حتى يأمره النبي ~~أن يعود إلى قومه ويظل بينهم حتى يأتيه أمره. # وقد علمت قريش أنها لن تبلغ من النبي شيئا بهذه الفتنة؛ فأزمعت أن تؤذي بني هاشم ~~كلهم، على أنهم لم يكونوا قد أسلموا جميعا ولكنهم أولو عصبية النبي ورهطه ms024 الأدنون. ~~فأجمعوا ألا يبايعوهم وألا يصهروا إليهم وألا يزوجوهم وألا تكون بينهم وبين بني ~~هاشم معاملة ما. واضطر بنو هاشم إلى شعبهم يعيشون فيه عيشة المحاصرين لا يكلمهم ~~أحد ولا يعاملهم أحد، ولا تصل أرزاقهم إليهم إلا بعد المشقة الشاقة والعسر ~~العسير. # وكتبت قريش بهذه المقاطعة صحيفة جعلتها عهدا بين أحيائها حتى يخلع بنو هاشم محمدا ~~ويسلموه إليها، ولكن بني هاشم صبروا على الحصار، واحتملوا الجهد والمشقة والعناء ~~إيثارا لأحسابهم. ومكثوا على ذلك عاما وعاما وعاما حتى شق ذلك على الذين ~~يحاصرونهم أنفسهم وسعى بعضهم إلى بعض في إلغاء هذا العهد الآثم، وجعل أفراد منهم ~~ترق قلوبهم لإخوانهم هؤلاء الذين يحاصرون ظلما فيجتهدون في أن يوصلوا إليهم ~~أرزاقهم يستخفون بذلك من قومهم. # وإنهم لفي ذلك وإذا أبو طالب يغدو على قريش ذات يوم فيحدثهم - فيما يقول أصحاب السيرة ~~- بأن ابن أخيه قد زعم له أن صحيفتهم تلك التي كتبوها بينهم وأودعوها جوف الكعبة قد ~~أدركها البلى وعدت عليها الأرضة فلم تبق فيها مما كتبوا إلا اسم الله الذي ذكروه ~~في أولها. قال أبو طالب: فانظروا يا معشر قريش إلى صحيفتكم تلك، فإن وجدتموها كما ذكر ~~ابن أخي كان هذا إيذانا لكم بأنكم تعتدون على فريق من قومكم بغير الحق، وتظلمونهم ~~ظلما منكرا، وبأن قد آن لكم أن ترفعوا هذا الظلم وتكفوا عن ذلك العدوان وتثوبوا ~~إلى المعدلة بينكم وبين إخوانكم، وإن وجدتم صحيفتكم تلك كهيئتها يوم كتبتموها ووضعتموها ~~في جوف الكعبة أسلمنا إليكم محمدا تصنعون به ما تشاءون. # فتسارع الذين رقت قلوبهم لبني هاشم يقولون: يا معشر قريش، لقد أنصفكم أبو طالب ~~وأعطاكم الرضى فالتمسوا صحيفتكم تلك وانظروا؛ فإن كانت كما قال محمد فأجيبوا أبا طالب ~~إلى رفع الظلم عن إخوانكم وإلا فقد آذنكم بأنه سيسلم إليكم ابن أخيه. # وتنظر قريش في الصحيفة فإذا كل ما كتب فيها قد محي، ذهبت به الأرضة، إلا اسم الله ~~فإنه كما كتبوه، هنالك يرفع الحصار ويعود القوم إلى العافية. # ولكن هذا كله إن ms025 خفف عن بني هاشم فلم يخفف عن المسلمين من أصحاب النبي شيئا ؛ ~~فإيذاؤهم متصل وفتنتهم ماضية على عهدها. # ثم يمتحن النبي امتحانا شاقا فيفقد زوجه خديجة تلك التي كانت أول من نصرته ~~وآزرته وأجابته إلى دعوته. ثم يفقد عمه أبا طالب ذلك الذي كفله صبيا ويافعا، وقام ~~دونه يحميه ويذب عنه وإن كان لم يؤمن له ولم يرجع عن دين آبائه، وإنما فعل ما فعل حبا ~~لابن أخيه وعطفا عليه وأداء لحق العصبية والحسب. # ويشتد البلاء على المسلمين وتطمع قريش في النبي، فيأذن النبي للمسلمين في أن يهاجر ~~من استطاع الهجرة منهم إلى بلاد الحبشة؛ حيث يستطيعون أن يعبدوا الله آمنين لا يلقون ~~فتنة ولا عذابا. فيهاجر منهم من استطاع، ويأمنون على دينهم في تلك الأرض البعيدة، ~~ويبقى النبي ومن أبى فراقه من أصحابه بمكة يلقون ما يلقون من الشدة والبأس، لا ~~تزيدهم الفتنة إلا إيمانا وتثبيتا. # وفي ذات يوم يخرج النبي من مكة إلى الطائف يرجو أن يجد عند ثقيف من العون والجوار ما ~~يمكنه من أداء رسالته، ولكنه لا يلقى من ثقيف إلا أعنف الرد وأثقله، وإذا هم لا ~~يكتفون برده والإعراض عنه، وإنما يغرون به السفهاء والصبيان يؤذونه حتى يجهدوه ~~وحتى يضطروه إلى ظل بستان ليستريح. # وكان في البستان صاحباه - رجلان من قريش هما عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة - يريان النبي ~~وقد بلغ منه الجهد وأوى إلى ظل بستانهما يستريح مما أدركه من العناء. # قال أصحاب السيرة: فيرق قلب هذين القرشيين له، ولكنهما متحفظان على ذلك، لا ~~يؤويانه فتغضب قريش، فيدعوان «عداسا» غلاما لهما ويرسلانه إليه بطبق فيه عنب. ~~ولكن «عداسا» لا يكاد يتحدث إلى النبي ويسمع منه حتى يراه سيداه مغرقا في البكاء ~~مكبا على النبي يقبله ويتلطف له، فإذا عاد إلى سيديه سألاه، فإذا هو قد مال إلى ~~ما يدعو إليه هذا الرجل الذي آذته ثقيف وأبى سيداه أن يضيفاه. وقد رجع النبي إلى مكة ~~فلم يستطع أن يدخلها حتى استجار بشريف من أشرافها - هو ms026 مطعم بن عدي - فأجاره. # ثم جعل النبي يترقب موسم الحج يعرض نفسه فيه على قبائل العرب أيها يؤويه ويمنعه حتى ~~يبلغ رسالات ربه، فترده قبائل العرب جهلا منها أولا، وكراهة أن تعادي قريشا ~~ثانيا، حتى إذا كان في موسم من المواسم عرض نفسه على قوم من أهل يثرب فوجد عندهم ميلا ~~إليه وإيثارا له فيضرب لهم موعدا من قابل، ويصبر عامه ذاك على الأذى ثم يلقى وفد ~~يثرب فيبايعونه على أن يؤووه ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم، وقد استوثق العهد ~~بينه وبينهم وعاد إلى مكة راضيا محبورا. # ثم جعل يأذن لأصحابه في الهجرة إلى يثرب فيهاجرون أرسالا، يهاجر الضعفاء منهم ~~خفية ويهاجر الأقوياء منهم جهرة، وقد فشا الإسلام في يثرب، وقرئ القرآن في كثير من ~~دورها، والنبي مع ذلك مقيم في مكة لا يبرحها، ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، وقد استأذنه ~~صاحبه أبو بكر في أن يكون صاحبه في سفره فقبل منه. وقد عرفت قريش ما كان من العهد بينه ~~وبين أهل يثرب وما كان من هجرة أصحابه إليها، فكرهوا أن يهاجر النبي فيصبح هو وأهل يثرب ~~لهم عدوا؛ فاجتمعوا وتشاوروا وانتهى رأيهم إلى أن يرصدوا له عند بيته ليلا نفرا من ~~أحياء قريش على اختلافها ليقتلوه، يضربونه ضربة رجل واحد فيضيع دمه في القبائل ولا ~~يستطيع قومه من بني عبد مناف أن يثئروا لدمه. # قال الرواة: وقد أرصد هذا النفر من قبائل قريش عند بيت النبي ليلا وآذنه الله بمكر ~~قريش فلم ينم في فراشه ليلته تلك، وإنما أمر ربيبه وابن عمه «عليا» أن ينام في ~~فراشه ويتسجى ببرده وخرج على النفر الذين أرصدوا له، فإذا هم قد غشيهم النعاس. # قال الرواة: فوضع على رءوسهم شيئا من تراب ومضى لميعاده مع أبي بكر. فخرجا من مكة ~~مستخفيين حتى انتهيا إلى غار ثور، فأويا إليه ينتظران أن ينقطع طلب قريش لهما، ومكثا ~~في الغار ثلاثة أيام يأتيهما قوتهما كل يوم. # قال أصحاب السيرة: وأصبح الرصد فعلموا أن النبي قد ms027 خرج وأنه قد فاتهم، فسقط في ~~أيديهم، وجدت قريش في طلب النبي وصاحبه. # ويتحدث أصحاب السيرة بأن فريقا من الذين جدوا في طلبهما قد بلغوا غار ثور، ذاك ~~الذي أويا إليه، فلم يخطر لهم أنهما يستخفيان فيه، ولو قد نظروا تحت أقدامهم ~~لرأوهما. # والشيء الذي ليس فيه شك هو أن أبا بكر قد كان قلقا في الغار يخشى أن يدركهما الطلب، ~~وأن النبي كان يهدئ من روعه، بذلك جاءت الآية الكريمة في سورة التوبة: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده ~~بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ~~. # وكان أبو بكر قد أعد للسفر كل شيء، فلما قدرا أن طلب قريش لهما قد انقطع مضيا في ~~طريقهما إلى يثرب فبلغاها، واستقبل النبي فيها أحسن استقبال، فرح به أنصاره من ~~الأوس والخزرج في يثرب، وفرح به أصحابه الذين هاجروا قبله إليها. ومنذ ذلك اليوم الذي ~~بلغ النبي فيه يثرب، فتحت أمامه وأمام دعوته طريق جديدة. # 13 # كان مقام النبي # صلى الله عليه وسلم # بمكة منذ نبئ إلى أن هاجر ثلاث عشرة سنة - فيما يقول ~~جمهور الرواة - لقي فيهن من الجهد ما لقي، وصبر فيهن على الجهد ما صبر، وتأسى به ~~أصحابه ما استطاعوا إلى التأسي به سبيلا، وأنزل فيهن عليه من القرآن شيء ~~كثير. # كان في مكة يدعو إلى التوحيد وينهى عن الشرك ويأمر بالعدل وينهى عن الجور، ويجهر بأن ~~الناس جميعا سواء عند الله لا يمتاز بعضهم من بعض إلا بالبر والتقوى، ويحذر الذين ~~يشركون بالله ويجعلون له أندادا عذابا شديدا بعد الموت، وينبئ بأن لهذه الدنيا التي ~~يعيش الناس فيها نهاية لا بد من أن تبلغها يوم تقوم الساعة، ويهول من أمر الساعة ~~هذه تهويلا شديدا تنخلع له القلوب، وينبئ بقربها وبأنها تفجأ الناس على حين ~~غفلة منهم؛ فتذهل الآباء ms028 والأمهات عن أبنائهم، وتنسي الإنسان كل شيء إلا نفسه، ويضطرب ~~لها الكون اضطرابا أي اضطراب، فالسماء منفطرة، والكواكب منتثرة، والبحور مفجرة، ~~والقبور مبعثرة، ويومئذ تعلم كل نفس ما قدمت من عمل وما أخرت. # وعلى هذا النحو كان يهول من أمر الساعة وما يكون بعدها من حساب الناس على ما قدموا ~~وما أخروا من أعمالهم، وقد سجل كل عمل أتاه الإنسان في كتاب ينشر أمامه يحصي له ~~حسناته وسيئاته، والنار معروضة عليه والجنة مزلفة له؛ فهو يرى الجحيم كأبشع ما ~~يكون ويرى النعيم كأروع ما يكون، يتمنى هذا ويشفق من ذاك، ولكن كتابه قد نشر بين ~~يديه يحكم له بالنعيم أو يحكم عليه بالجحيم، لا يظلم مثقال ذرة مما عمل، تضاعف له ~~حسناته ولا تضاعف له سيئاته وإنما تحصى عليه كما هي لا يزاد فيها، وقد ينقص منها ~~إن ثقل ميزان الحسنات. فالإنسان على نفسه بصيرة وإن ألقى معاذيره. ويومئذ يروع ~~الكافرون حين يرون الكتاب منشورا فيقولون: # يا ويلتنا مال ~~هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك ~~أحدا ~~. # فإذا قضي بين الناس بمقدار أعمالهم ذهب أصحاب النعيم إلى نعيمهم خالدين فيه أبدا، ~~وذهب أصحاب الجحيم إلى جحيمهم خالدين فيه أبدا إن كانوا مشركين بالله لا يخلصون له ~~قلوبهم ولا نفوسهم ولا ضمائرهم، وماكثين فيه دهرا يقصر أو يطول لا يقاس ذلك إلا بعفو ~~الله عن الذين أذنبوا واقترفوا السيئات بعد أن آمنوا. # وكانت قريش تسمع هذا كله فتنكره أشد الإنكار وتبغض من يتلوه عليهم أشد البغض؛ فهو ~~ينبئهم بأن المشركين من آبائهم مخلدون في العذاب، وبأنهم سيلحقونهم في النار ~~ويشاركونهم في هذا العذاب المقيم إن لم يجحدوا آباءهم ويجحدوا دينهم هذا ويؤمنوا بالله ~~وحده لا يشركون به شيئا ولا يجعلون له ندا، ويؤمنوا بأن محمدا هذا الذي يتلو عليهم ~~ما يتلو من القرآن رسول الله قد جاءهم من عنده بالحق والبينات. وليس لهم بد بعد هذا ~~الإيمان من أن يلائموا بين حياتهم ms029 وبينه ومن أن يأتوا ما يأمرهم به النبي ويجتنبوا ما ~~ينهاهم عنه، فإن خالفوا عن ذلك فالله لهم بالمرصاد والنار لهم معدة يسلكون فيها ~~مع المشركين من آبائهم لا يقبل منهم عدل ولا صرف ولا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون. # وكان العتاة منهم والجبارون ربما سخروا من النبي ومما يتلو عليهم، وربما سألوه أن ~~يأتيهم بآية تثبت لهم صدقه، فكان يتلو عليهم من القرآن ما يرد على سخريتهم، ~~وكان ينبئهم بأنه لا يأتيهم بآية إلا هذا القرآن الذي يتلوه عليهم والذي جاءه من عند ~~ربه، ويتحداهم هو فيسألهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وكان عجزهم عن أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن هو الدليل على أنه ليس من كلام الناس، وإنما هو من كلام الله الذي لا سبيل إلى ~~تقليده ولا إلى محاكاته، فضلا عن الإتيان بمثل ما يأتي به، وكان يتلو عليهم فيما يتلو ~~هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء: # قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ~~. وكانوا لا يفهمون ~~ولا تسيغ عقولهم أن تتصل الأسباب بين الله وبين واحد من الناس يوحي إليه هذا الكلام ~~الذي كان يتلوه عليهم ويتحداهم به ويسألهم أن يأتوا بمثله، فيطلبون إليه آيات تكرههم ~~على أن يؤمنوا له؛ يسألونه أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا، أو أن ينشئ لنفسه جنة من ~~نخيل وعنب فيفجر الأنهار خلالها تفجيرا، أو يسقط السماء عليهم كسفا، أو يأتي بالله ~~والملائكة قبيلا، أو يبتكر لنفسه بيتا من زخرف، أو يرقى في السماء فيأتيهم منها بكتاب ~~يقرءونه. وكان الله يأمره أن يجيب على هذا التحدي بهذه الجملة اليسيرة الرائعة: # سبحان ربي هل كنت إلا بشرا ~~رسولا ~~. # وكان بعضهم يأتيه أحيانا بالعظام البالية فيفتها بيده وينثرها في الهواء، ثم يسأله ~~ساخرا: من يحيي العظام وهي رميم؟ فكان جوابه حاضرا من القرآن في هذه الآيات الكريمة ~~من سورة يس: # قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم ms030 * الذي جعل لكم من ~~الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون * ~~أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * ~~إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ~~ترجعون ~~. # وكانوا يجادلونه في البعث أشد الجدال، يقولون - كما يحكي عنهم القرآن الكريم في ~~سورة الإسراء: # أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا ~~، فكان الجواب حاضرا كذلك من القرآن في ~~السورة نفسها: # قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون ~~من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون ~~إليك رءوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا ~~* يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون ~~إن لبثتم إلا قليلا ~~. # كان إذن يخوفهم قيام الساعة، ويخوفهم البعث والحساب، ويخوفهم العذاب الذي ~~أعد للمشركين والمذنبين، وكان يخوفهم أشياء أخرى أيضا: يخوفهم أن يجري ~~عليهم مثل ما جرى على أمم من قبلهم، جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوهم وقالوا فيهم مثل ما ~~تقول قريش فيه، قالوا: إن بهم جنة. وقالوا: إنهم مسحورون. وقتلوا بعضهم، وأنذروا بعضهم ~~بالقتل فصب عليهم عذاب عاجل في هذه الحياة الدنيا توطئة لما أعد لهم من عذاب ~~آجل خالد في الحياة الآخرة. # كان يقص عليهم أمر الطوفان الذي أغرق العصاة من قوم نوح، ويقص عليهم أمر الريح ~~التي أهلكت عادا حين عصوا أخاهم هودا، وأمر الصيحة التي أهلكت ثمود حين عصوا ~~أخاهم صالحا، ويقص عليهم ما جرى على قوم لوط حين أمطرتهم السماء حجارة مسومة، ويقص ~~عليهم ما جرى على أهل مدين حين أهلكتهم الرجفة لما عصوا شعيبا، ثم يقص عليهم في ~~تفصيل ما أصاب فرعون وقومه حين عصوا موسى. وكان يأمرهم أن يسيروا في الأرض لينظروا كيف ~~كانت عاقبة المفسدين، وكان يخوفهم أن يلم بهم مثل ما ألم بهذه الأمم من ~~ألوان العذاب في الدنيا إلى ما ينتظرهم في الآخرة من العذاب المقيم. # يتلو عليهم هذا كله من القرآن فيسمعون أحيانا، ويسخرون ويجادلون ويعرضون ~~أحيانا ms031 ويأبون أن يسمعوا ويعقلوا. وكان يتلو عليهم من القرآن خلق آدم وإسكانه هو ~~وامرأته الجنة، ونهيه إياهما أن يقربا الشجرة المحرمة وإغراء الشيطان لهما بالمعصية ~~وإخراجهما من الجنة. ويقص عليهم كذلك من أخبار السماء ما كان من مجاهرة إبليس بالمعصية ~~وإبائه أن يسجد إعظاما لخلق آدم كما سجدت الملائكة، وما حل به من غضب الله عليه، ~~وما زعم من أنه سيفسد ولد آدم وسيحملهم على المعصية؛ في أشياء أخرى كثيرة كان يقصها ~~عليهم يعظهم بها لعلهم أن يهتدوا. فلا يحفلون بشيء مما يسمعون إلا هذه القلة القليلة ~~التي كانت روعة القرآن تبهر قلوبهم. # وكانت قوة الحجة تسحر عقولهم فيؤمنون جهرا أو سرا، كالذي كان من أمر عمر - رحمه ~~الله - حين أنبئ بأن أخته وزوجها قد أسلما، وقد ألقي إليه هذا النبأ وهو في طريقه ~~إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # ليبطش به فيما زعم. فلما سمع من أمر أخته وزوجها عدل إليهما ليبدأ ~~بهما، ولكنه ينتهي إلى أن يقرأ عندهما الآيات الأولى من سورة طه فيلين قلبه بعد قسوة ~~وترق نفسه بعد غلظة؛ وإذا هو يذهب إلى النبي لا ليقتله بل ليشهده على أنه مؤمن ~~بالله وبأن محمدا رسوله. # وكذلك جرت الأمور بين النبي وأصحابه وبين قريش: جهاد لا ينقضي، وجدال لا يكاد ينقطع، ~~واتصال للوحي أثناء ذلك، وتلاوة لهذا القرآن الذي كان يوحى إلى النبي، واجتماع إلى ~~أصحابه قبل أن يهاجروا إلى الحبشة وبمن بقي منهم معه بعد أن هاجر أصحابه، يعلمهم ~~الدين ويقرئهم القرآن، وينصح لهم في أمر دنياهم كما ينصح لهم في أمر ~~دينهم. # وفي ذات يوم قامت قريش وقعدت وانطلقت ألسنتها بالسخرية، ووصل الشك إلى قلوب بعض الذين ~~آمنوا؛ ذلك أن النبي أصبح فأنبأ بأنه أسري به من ليلته إلى المسجد الأقصى، وتلا هذه ~~الآية الكريمة من سورة الإسراء: # سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ~~الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع ~~البصير ~~. # وواضح أن قريشا لم تكن لتصدق ms032 أن يسرى بالنبي من ليلته إلى المسجد الأقصى ويعود ~~منه قبل أن يسفر الصبح. وهم الذين ينفقون في رحلتهم إلى الشام ما ينفقون من الأيام ~~الطوال ويلقون في رحلتهم ما يلقون من المشقة والجهد؛ فكيف بهم حين ينبئهم النبي ~~بأنه ذهب إلى المسجد الأقصى في القدس وعاد إلى مكة في ساعة من ليل. ولكنه يصف لهم الشام ~~والقدس والمسجد فلا ينكرون من وصفه شيئا؛ هنالك اضطربت قلوبهم وفكروا في أن يعجزوه ~~فأرسلوا إلى اليهود ينبئونهم نبأه ويلتمسون عندهم من المسائل ما يلقونها عليه يمتحنون ~~بها صدقه. # قال رواة السيرة: فأمرهم اليهود أن يسألوه عن أمر الفتية الذين أووا إلى الكهف ما ~~خطبهم؟ وألقيت عليه المسألة. ولكن الوحي أبطأ عليه شيئا حتى ظنت قريش أنها قد أعجزته، ~~ثم أقبل عليهم ذات يوم فتلا عليهم قصة أهل الكهف كما عرفوها من اليهود. # فلا غرابة بعد هذا كله في أن يضيقوا به، وفي أن تضيق مكة بالنبي نفسه، وفي أن يثبته ~~الله ويعزيه عن جحود قومه وعصيانهم بعدما جاءهم الحق واضحا جليا، فالله يقول له في ~~سورة الكهف: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن ~~لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا * إنا جعلنا ~~ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ~~* وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا ~~جرزا ~~. # وعلى رغم هذا كله فقد أقام فيهم حتى عرض عليهم أصول الدين وبين لهم ما ليس منه ~~بد ليأمنوا سوء العاقبة في الدنيا والآخرة: بين لهم أن إلههم واحد لا شريك له، وأن ~~الإشراك به ظلم وجحود يضطر صاحبه إلى الخلود في العذاب المقيم. وبين لهم أن ~~الله قد أرسله رسولا كما أرسل الرسل من قبله إلى قومهم، وأن الإيمان لا يستقيم ~~لصاحبه حتى يشهد من أعماق قلبه بوحدة الله وصدق رسوله، وحتى يكون الإيمان بالله ورسوله ~~ملء قلوبهم وعلى ذكر منهم في كل ما يأتون وما يدعون. وبين لهم أن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى والرفق باليتامى والمساكين والبر بالوالدين وطاعتهما إلا في ~~الكفر ms033 بالله أو معصيته. وبين لهم أن الله ينهاهم عن آثام فليس لهم بد من أن ~~يجتنبوها، ينهاهم عن القتل ظلما، وينهاهم عن وأد البنات وقتل الولد خشية الإملاق، ~~وينهاهم عن الزنى، وعن الخيلاء والمرح، وعن الغرور والكبرياء، وعن الكذب وقول الزور، ~~وعن شهود اللغو والمشاركة فيه. # بين لهم هذا كله وأكثر من هذا كله وبشرهم بالمثوبة الحسنى عند الله إن آمنوا ~~وأصلحوا وأطاعوا، وأنذرهم العقاب الشديد في الدنيا والآخرة إن كفروا وعصوا. # صدع بما أمره الله أن يصدع به وأدى مهمته كأحسن ما يكون أداء المهمات، لم يقصر ولم ~~يفتر ولم ييأس حتى أذن الله له في الهجرة، فهاجر بعد أن أعفى نفسه من كل تبعة، وأدى ~~حق الله وحق قومه عليه، وبر بهم فلم يلق منهم إلا جحودا وعقوقا، ولم يؤمن له ~~منهم إلا القليل كما رأيت. # 14 # وبلغ «يثرب» فاستأنف حياة جديدة، وفتحت له إلى نشر دعوته طرق جديدة أيضا. وجد في ~~«يثرب» مسلمين قد آمنوا بالله ورسوله قبل الهجرة وفشا الإسلام بينهم حتى كثروا، ووجد ~~بينهم مشركين لم يدخل الإيمان في قلوبهم فمنهم من هدى الله إلى الحق فآمن وصدق ~~إيمانه، ومنهم من أشفق من عواقب العناد فأظهر الإسلام وأبطن الكفر وعاش منافقا. ووجد ~~فيها يهودا قد استمسكوا بما توارثوا من دينهم؛ فلم يكن له بد من أن يلائم بين حياته ~~الجديدة في «يثرب» وبين هذه الطوائف المختلفة من الناس. # ولم تكن حياته في «يثرب» أهون ولا أيسر من حياته في مكة، ولعلها كانت أشق منها ~~وأحفل منها بالخطوب، ولكنه استقبلها راضيا بها شاكرا لها حامدا لربه على أن أتاح ~~له الأمن والنصر والمأوى حتى يبلغ رسالته ويؤدي حق الله عليه. # وقد بدأ بالمؤاخاة بين المهاجرين من أهل مكة والأنصار من أهل يثرب، فأنشأ بينهم صلة ~~قوية بعيدة الأثر في حياتهم هي صلة الإخاء بأوسع معانيه وأدقها، ثم عقد نوعا من ~~الحلف بينه وبين أصحابه من جهة وبين اليهود من جهة أخرى على أن يكون بينهم النصر ms034 على ~~العدو والعون على الكوارث والأحداث. # ثم جعل هو ومن تبعه من المهاجرين والأنصار يعبدون الله جهرة لا يستخفون بدينهم ولا ~~يخافون فتنة عنه. وقد اتخذ النبي مسجدا عاما لأول مرة في الإسلام؛ يدعو فيه إلى ~~ربه، ويقيم فيه الصلاة، ويجلس فيه للناس فيعلمهم ويؤدبهم ويبصرهم بما يجب عليهم أن ~~يأتوا، وينهاهم عما يجب عليهم أن يجتنبوا، ويبين لهم محاسن الأخلاق وخير الأعمال، ~~ويدلهم على ما يليق بالرجل المؤمن الكريم على نفسه وعلى غيره وما لا يليق به، كل ذلك ~~في أمن ودعة وهدوء. ولم يكشف للمنافقين من أهل «يثرب» سترا، وإنما اكتفى منهم بما ~~أظهروا للإسلام، فلم يعرض لهم بشيء مما يكرهون وإن كان الله قد أعلمه بمكانهم من ~~النفاق. وكان كثيرا ما يقول لأصحابه: «إني لم أومر بأن أفتش عما في القلوب.» وكان ~~جديرا أن يظل كذلك في أمنه وهدوئه وما أتيح له من هذه الحياة الوادعة على قسوتها. ~~ولكنه لم يلبث ولم يلبث أصحابه معه أن وجدوا أنفسهم بين عدوين ليس أحدهما بأقل ~~خطرا من صاحبه: فأما أولهما فهم هؤلاء اليهود الذين لم يؤمنوا به ولم يستكرههم على أن ~~يؤمنوا به، وإنما اكتفى منهم بالمسالمة والموادعة وحسن الجوار والمناصرة عند الحاجة، ~~ولكنهم لم يخلصوا لما كان بينه وبينهم من عهد وإنما أظهروا المسالمة وأضمروا الغدر، ثم ~~لم يكتفوا بذلك بل أظهروا التكذيب لدينه وجادلوا فيه فأكثروا الجدال. # وأما العدو الآخر فقريش تلك التي تركها محفظة عليه أشد الحفيظة، كانت تحب أن تقتله ~~أو تثبته أو تخرجه من مكة جهرة طريدا على رءوس الأشهاد، ولكنها تنظر فإذا ~~هي لم تبلغ مما أرادت به شيئا، لم يغن عنها كيدها له وائتمارها به، وإنما كانت ~~كما وصفها القرآن الكريم في الآية الكريمة من سورة الأنفال: # وإذ ~~يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ~~ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ~~. مكروا ~~به حين كان بين أظهرهم ولكنهم لم يقدروا عليه، قد أنجاه الله منهم وأبدله بهم قوما ~~آووه ونصروه؛ ms035 فلا يمكن أن تطيب نفوس قريش عما أتيح له من الأمن والدعة، وهي بعد ~~ذلك تعرف أنها قد ظلمته وظلمت أصحابه معه أبشع الظلم وأشنعه؛ فهي لا تأمن أن ينتقم منها ~~لما أصابه، بل تحذر أن يتخذ من أمنه في يثرب ومن أنصاره هؤلاء الجدد وسيلة إلى نصب ~~الحرب لها، وهي من أجل ذلك حذرة أشد الحذر، قلقة أشد القلق، تريد أن تتقيه مهما ~~تكن وسيلتها إلى ذلك؛ فهي تؤلب عليه وتغري به وتكيد له بعيدا عنها كما كادت له ~~قريبا منها، تؤلب عليه العرب وتغري به اليهود، ثم هي بعد ذلك تؤذي من لم تتح له ~~الهجرة من أصحابه أشد الأذى وأنكره، فلا غرابة في ألا يحول على هجرته إلى المدينة حتى ~~يظهر الشر بينه وبين قريش، ويتبين أن الأمر بينهما صائر إلى الحرب لا محالة؛ فقريش ~~عدوه وهي تراه لها عدوا، وترى مكانه من «يثرب» خطرا على تجارتها إلى الشام، ~~ولا يكاد العام الثاني من هجرته يبلغ ثلثيه حتى تكون الحرب بينه وبينهم يوم ~~«بدر». # كانوا كثرة وكان هو وأصحابه قلة، كان هو وأصحابه يوم التقى الجمعان يرون ~~عدوهم مثليهم رأي العين، ولكن شتان بين قوم يقاتلون عن دينهم وعن إيمانهم ~~بهذا الدين وهم مستيقنون أنهم إن ينصروا نعموا بانتصارهم في الحياة الدنيا وظفروا ~~بأجرهم على الجهاد، وإن يقتلوا فهم شهداء عند الله قد ضمن لهم نعيما ليس مثله نعيم، ~~نعيم صفو خالد لا كدر فيه ولا انقطاع له؛ وبين قوم يقاتلون عن أموالهم وعما يملؤهم من ~~الغرور والكبرياء. # فلم تنشب الحرب بين الفريقين حتى أنزل الله نصره على نبيه وعلى المؤمنين، وانهزمت ~~قريش هزيمة منكرة قتل صناديدها وأسرت جماعة من سادتها وكثرت الغنيمة، وعاد ~~المنهزمون إلى مكة قد أحرزوا تجارتهم تلك التي نجا بها أبو سفيان ولم يكد، ولكنهم ~~عادوا بخزي أي خزي يشقون بنار الهزيمة وفقد الصناديد والسادة والإخوان والآباء ~~والأخلاء. وقد قص الله هذه الموقعة أروع القصص في سورة الأنفال. # ومن ذلك اليوم - يوم بدر ms036 - تسامعت العرب بالنبي وأحست قوته وبأسه وامتلأت قلوبهم ~~منه رعبا. على أن قريشا لم تصبر على هزيمتها ولم تتعز عمن فقدت من سادتها ~~وأحبائها، فجعلت تتهيأ للثأر، ترصد لذلك المال وتجمع الجموع، وأخذتها العزة بالإثم ~~فحظرت إعلان الحزن على من قتل من رجالها. # وأقبلت حين دار العام إلى المدينة تريد أن تثأر وأن تنتصر على الذين انتصروا عليها، ~~وقد كادت تعود إلى مكة بالخزي والخسار وخيبة الأمل، لولا أن هم بعض المسلمين بالفشل ~~وطمع بعضهم في الغنيمة حين أراهم الله من النصر ما يحبون؛ فكرت عليهم قريش كرة ~~كانت ابتلاء من الله لهم وتمحيصا لقلوبهم ودرسا قاسيا، عرف المسلمون كيف ينتفعون به ~~فيما استقبلوا من أيامهم، وفيما أثير لهم من الخطوب والمشكلات. # ولكنهم على كل حال لم ينتصروا في تلك الوقعة يوم أحد، فكانت عليهم الدائرة: قتل ~~منهم من قتل، وجرح منهم من جرح، وفر منهم كثير ولم يثبت إلا النبي ونفر قليل من ~~أصحابه، وأصيب النبي نفسه إصابة ضعيفة، ورزئ بعمه «حمزة» وكثير من أصحابه، ~~واستطاع أبو سفيان قائد قريش أن يقول للنبي ومن بقي معه من أصحابه: اعل هبل، الحرب ~~سجال، يوم بيوم بدر. وقد أجاب عمر أبا سفيان عن أمر النبي # صلى الله عليه وسلم # بأن الله أعلى ~~وأجل، وبأن الله قد أبقى من المسلمين من سيكونون له ولقومه بلاء أي بلاء، وعلى رغم ~~الهزيمة التي امتحن الله بها المسلمين في ذلك اليوم، وعلى رغم ما رزئ به النبي وما ~~أصابه من الأذى وما أصاب أصحابه من الثكل والجراحة فقد أبى النبي أن يقبل الهزيمة كما ~~قبلتها قريش يوم بدر؛ فأمر أصحابه أو من قدر منهم على الرحيل أن يتبعوا قريشا، ومضى ~~على رأسهم في إثر المنتصرين، لم يحفل بقلة أصحابه وكثرة عدوه وإنما مضى في إثرهم ~~لا يلوي على شيء حتى أمن كرتهم على المدينة، فعاد موفورا. وقص الله وقعة «أحد» كما ~~كانت مؤنبا لمن فشل في المسلمين، وعاتبا على من انصرف عن الحرب إلى الغنيمة ms037 مخالفا ~~بذلك عن أمر النبي، وعافيا مع ذلك عن أولئك وهؤلاء، وآمرا للنبي أن يعفو عنهم ويستغفر ~~لهم ويشاورهم في الأمر، ومعزيا للمسلمين بعد ذلك عمن فقدوا من أصحابهم بأنهم ~~أحياء عند ربهم يرزقون، ومهيئا للمسلمين لما سيمتحنون به في أنفسهم وأموالهم، ولما ~~سيسمعون من الأذى الذي يؤذيهم به المشركون والذين أوتوا الكتاب من اليهود. # قص الله هذا كله كأحسن ما يكون القصص في سورة آل عمران. على أن قريشا قد أطمعها ~~انتصارها فلم تكد تستريح من غزوتها تلك وتفرغ لما كانت فيه من التجارة والحياة ~~اللاهية اللاعبة، بل فكرت في غزو المدينة مرة أخرى. وجعلت تتأهب لذلك وتؤلب العرب ~~وتحالف القبائل واليهود موقنة بأنها لن تأمن ما بقي للنبي وأصحابه شوكة، فليس لها ~~بد من أن تزيل هذه المدينة أو أن تتهيأ لزوال مكة. # وكذلك أقبلت قريش بعد عام وبعض عام - ومعها كثير من قبائل نجد، وقد أحكمت أمرها مع ~~اليهود - غازية للمدينة تلك الغزوة التي قصها الله في سورة الأحزاب والتي ~~سميت بهذا الاسم. # وقد عرف النبي والمسلمون تأهب قريش وأحابيشها وحلفائها من أهل نجد لغزو المدينة، ~~فتشاوروا في هذا الأمر وأشير على النبي أن يحتفر خندقا يمنع المشركين من بلوغ ~~المدينة، فتأذن في أصحابه بذلك وشاركهم في احتفار الخندق، كما شاركهم من قبل في ~~بناء المسجد يعمل بيده كواحد منهم، ويحتمل في ذلك من المشقة ما يحتملون، ويلقى فيه من ~~العناء ما يلقون صابرا جادا مثبتا قلوب أصحابه مغريا لهم بالصبر والجد، حتى ~~بلغوا من احتفار الخندق ما أرادوا. # وأقبلت قريش في جموع كثيرة جدا من أحابيشها وأحلافها: جموع تأتي من أسفل من ~~المسلمين وهم قريش ومن جاء معهم، وجموع أخرى تأتي من فوقهم وهم أهل نجد من حلفاء قريش ~~وجلهم من غطفان. # ورأى المسلمون ذلك فأكبروه واستكثروه، ولا سيما أنهم علموا أن بني قريظة من اليهود قد ~~نقضوا عهدهم وغدروا بحلفائهم من المسلمين، وخلطوا أمرهم بأمر قريش وحلفائها بغيا ~~وغدرا ونقضا للحلف والجوار. # وكان المسلمون يعلمون ms038 إلى هذا كله أن بين أظهرهم من المنافقين فريقا إن لم يظهروا ~~تأييدهم لقريش فهم يضمرون خذلانهم للمسلمين ويأبون على كل حال أن ينصروهم. فلا ~~غرابة في أن يصف الله عز وجل موقف المسلمين من هذا كله أبرع الوصف وأنفذه إلى القلوب في ~~هذه الآيات الكريمة من سورة الأحزاب، وأن يذكر المسلمين بذلك بعد الموقعة ليعرفوا ~~حسن بلائه فيهم وعظيم نعمته عليهم: # يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا ~~عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون ~~بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ~~وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون ~~وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا ~~غرورا * وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ~~لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي ~~يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون ~~إلا فرارا ~~. # ولم يكن بين جماعة المسلمين وبين هذه الجموع الضخمة من المشركين تزاحف ولا لقاء، ~~وإنما كان بعض الأفراد من المسلمين والمشركين تكون بينهم المبارزة من حين إلى حين، ~~ولكن المسلمون كانوا مع ذلك في بلاء عظيم، يمتحنون في إيمانهم وثقتهم بما وعد الله ~~ورسوله ويمتحنون في صبرهم على اليأس والمكروه؛ ذلك أن قريشا وحلفاءها كانوا جديرين أن ~~يقيموا فيطيلوا المقام ويفرضوا على المسلمين حصارا شديدا متصلا، وكان بنو قريظة من ~~اليهود جديرين أن يأخذوهم من ظهورهم فلا يعرفون من يقاتلون ولا من أي وجه يقاتلون، ولكن ~~الله يتيح للنبي من عدوه من يأتيه ناصحا له. # يريد أن ينصره، فيأمره النبي أن يخذل بين قريش واليهود، ويفعل الرجل ذلك على ~~أحسن وجه، فيقنع اليهود بأن قريشا خليقة أن تغدر بهم حين يجد الجد ويشتد البأس، ~~ويشير عليهم بألا يشاركوا قريشا في أمرها حتى تعطيهم رهائن من أنفسها، ويقنع قريشا ~~بسوء نية اليهود وأن حلفهم لا يخلو من دخل، ويستحكم الشك عند قريش فتطالب اليهود ~~بالقتال ويطلب ms039 اليهود الرهائن فلا تشك قريش في أنهم قد غدروا. وبينما هم في ذلك يرسل ~~الله ذات ليلة ريحا عاصفة أي العصف باردة أي البرد، تطفئ نيران الحلفاء وتكفأ قدورهم ~~وتنزع خيامهم فيأخذهم الذعر، ويشتد فيهم الاختلاط والاضطراب حتى لا يعرف الرجل منهم ~~صاحبه، فلا يكادون يستقبلون الصبح حتى يجلس أبو سفيان على راحلته وينادي في القوم ~~بالرحيل، فيتفرق الأحزاب. # تعود قريش إلى مكتها، ويعود حلفاؤهم من العرب إلى بواديهم، ويصف الله ذلك في الآية ~~الكريمة: # ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله ~~قويا عزيزا ~~. # وبعد هذه الخيبة التي منيت بها قريش وحلفاؤها لم تحاول قريش غزو المدينة مرة أخرى، ~~ولكنها مضت تبث كيدها في جزيرة العرب تحرض على النبي وأصحابه المشركين من أهل نجد ~~والحجاز. وكان النبي وأصحابه من أجل ذلك لا يستريحون وإنما تأتيهم الأنباء بين حين وحين ~~بأن هذه القبيلة أو تلك - من قبائل العرب القريبة منهم والبعيدة عنهم - تتهيأ لبعض ~~الشر، فيغزوها النبي بنفسه أو يرسل إليها من يغزوها. كانت قريش تبث الكيد وكان النبي ~~وأصحابه يبثون الهيبة لهم والخوف منهم حتى إذا كان العام السادس للهجرة خرج النبي وفريق ~~من أصحابه قاصدين إلى مكة لا يريدون قتالا ولا يفكرون في حرب، وإنما يريدون العمرة كما ~~كان سائر العرب يقصدون إلى مكة حاجين ومعتمرين. # ولكنهم لا يبلغون الحديبية حتى تعلم قريش بمقدمهم فتأبى أن يدخلوا عليها مكة، ويسعى ~~السفراء بين النبي وبينهم في ذلك؛ يؤكد النبي وأصحابه أنهم لا يريدون إلا العمرة، وتأبى ~~قريش أن يدخلوها عليهم وتنذر بالقتال وتتهيأ له، ثم يكون الصلح الذي يعرف بصلح ~~«الحديبية» والذي امتحن الله به قلوب المسلمين وزلزل به قلوب بعض خيارهم؛ ذلك أن النبي ~~قبل من قريش ألا يدخل عليهم مكة عامهم ذاك، وقبلت قريش أن يدخلوها من قابل لا ~~يحملون من السلاح إلا السيوف في أغمادها، وشق ذلك على المسلمين حتى أقبل «عمر» على ~~النبي يسأله: ألسنا على حق؟ قال النبي: ms040 «بلى.» قال عمر: أليسوا على باطل؟ قال النبي: ~~«بلى.» قال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال النبي: «أنا عبد الله ورسوله ولن ~~يضيعني.» # وأعاد «عمر» سؤاله هذا على أبي بكر، فأجابه أبو بكر بمثل ما أجابه النبي به، ولما عقد ~~الصلح أمر النبي أصحابه أن يحلوا من إحرامهم فأبطئوا ولم يستجيبوا، واغتم النبي ~~لذلك، ولكنه لم يلبث أن أحل من إحرامه حتى صنع أصحابه صنيعه. # وأنزل الله: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا * هو الذي أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله ~~عليما حكيما * ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر ~~عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما * ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة ~~السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم ~~وساءت مصيرا * ولله جنود السماوات والأرض ~~وكان الله عزيزا حكيما ~~. # ويقول الرواة: إن بعض المسلمين حين تليت عليهم هذه السورة سألوا النبي: أوفتح هذا؟ ~~قال النبي: «نعم.» # وكان النبي قد أرسل من «الحديبية» عثمان - رحمه الله - سفيرا إلى قريش، فأبطأت عودته ~~وقيل: إن قريشا قد فتنته، فبسط النبي يده للبيعة على الموت، وبايعه أصحابه لم يتخلف ~~منهم أحد، وأنزل الله في سورة الفتح: # لقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ~~* ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله ~~عزيزا حكيما ~~. # وفي يوم «الحديبية» ذاك تمت الهدنة بين النبي وبين قريش عشر سنين على أن يدخل في عقد ~~قريش من العرب من شاء ويدخل في عقد النبي منهم من شاء، وتكف الحرب بين الفريقين، وعلى ~~أن من جاء قريشا من أصحاب النبي لاجئا إليهم لم يردوه ومن جاء النبي من قريش مؤمنا ~~به أو لاجئا إليه رده عليهم. # وعلى أن يأتي النبي وأصحابه ms041 من قابل معتمرين فتترك لهم قريش مكة ويدخلونها لا يحملون ~~من السلاح إلا السيوف في أغمادها، ثم لا يقيمون فيها إلا ثلاثة أيام. # وهذه الشروط التي قامت عليها الهدنة هي التي أحفظت فريقا من المسلمين، ولكنهم لم ~~يفطنوا لأن الهدنة بينهم وبين قريش ستكفيهم مكرها من جهة وستطلق أيديهم فيمن لم يحالف ~~قريشا من العرب يسالمونهم إن سالموا ويحاربونهم إن حاربوا، وستريحهم إلى حين من خصومة ~~هؤلاء الأعداء الألداء، ذلك إلى ما وعدهم الله من الفتح القريب ومن مغانم كثيرة ~~يأخذونها. # ومهما يكن من شيء فقد طابت قلوب المسلمين آخر الأمر وعرفوا أنهم قد أسرعوا إلى ~~الحفيظة والغضب، وأنهم لو استأنوا بأنفسهم لكان خيرا لهم وأرضى لنبيهم، ولكن الله ~~ونبيه قد عوداهم العفو عن مثل هذه الهفوات. # 15 # ولم يكن أمر النبي مع اليهود أهون من أمره مع قريش؛ فهم كانوا على قلتهم في ~~المدينة جيرانا للنبي والمسلمين. ولم يكونوا جيران خير، كان كفرهم شديدا ومكرهم أشد، ~~وكانوا على اتصال بالمنافقين من أهل المدينة يشجعونهم ويغرونهم بالنفاق، وكانت بينهم ~~وبين كثيرين من هؤلاء المنافقين علاقات حلف في الجاهلية فكان هذا يزيدهم كفرا ~~وطغيانا، وكانوا بعد هذا كله أهل كتاب يقرءون التوراة أو يقرؤها أحبارهم على أقل ~~تقدير، ويرون أنهم على شيء من الدين، وأنهم سبقوا المسلمين إلى هذا الدين، فلهم سابقة ~~علم بشئون النبوات، وكانوا يعظمون موسى ويرون المسلمين يعظمونه ويسمعون تعظيمه ~~في القرآن فتأخذهم الكبرياء، ويظنون أنهم أهدى سبيلا من المسلمين كما ظنوا من قبل ~~أنهم أهدى سبيلا من النصارى، وكانوا يتيهون بدينهم وما عندهم من علم قليل على ~~المسلمين، كما كانوا يتيهون بذلك على العرب في الجاهلية. وكانوا أصحاب جدال لا ينقضي ~~وأصحاب عناد لا قرار له، وكانوا ذوي جرأة على الحق وافتنان في الباطل، يعلمون أن ~~المسلمين لا يقرءون التوراة في لغتها العبرانية فيحرفونها كما يشاءون وكما تشاء ~~أهواؤهم، لا يحفلون بما في ذلك من نكر ولا يأبهون لما له من عواقب. وكانوا يسألون النبي ~~عن أشياء، ms042 فإذا أجابهم النبي بما كان الله يوحي إليه ماروا في ذلك وأسرفوا في ~~المراء. # ثم كانوا لا يفون بالعهد إذا عاهدوا ولا يصدقون في القول إذا قالوا، ولا يستطيع أحد ~~من المسلمين أن يأمن لهم في قول أو عمل. # ثم لم يلبثوا أن بينوا عن غدرهم تبيينا لا يترك سبيلا إلى الشك في أن جوارهم غير ~~مأمون: هم فريق منهم - وهم بنو النضير - بقتل النبي، وقد أقبل عليهم ذات يوم ~~يستعينهم على بعض الحق - كما كان الحلف يقضي بذلك - فأظهروا حسن اللقاء وهموا بالغدر ~~وأزمعوا أن يلقوا عليه من عل صخرة تودي به لولا أن أنبأه الله بما كادوا له، فانصرف ~~عنهم ثم أجلاهم عن المدينة ولم يرزأهم شيئا. # ونكص فريق آخر - وهم بنو قينقاع - عن الوفاء بالحلف، أهانوا امرأة واستنصرت المرأة ~~المسلمين فكان خصام قتلوا فيه رجلا مسلما واعتلوا في ذلك بعلل لا قيام لها، فأجلاهم ~~النبي عن المدينة لم يرزأهم إلا السلاح. # وغدر الفريق الآخر يوم الأحزاب فلم يمتنعوا عن نصر المسلمين فحسب، ولكنهم أعانوا ~~عليهم وانضموا لحلف قريش، فحاصرهم النبي والمسلمون حتى أنزلهم على حكمه، ثم حكم فيهم ~~سعد بن معاذ - رحمه الله - بأن تقتل المقاتلة وتحتاز الأموال وتسبى الذراري ~~والنساء، فأنفذ النبي هذا الحكم. # ووصف الله عز وجل في القرآن ما أصاب بني قريظة هؤلاء في سورة الأحزاب حيث يقول: # وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون ~~وتأسرون فريقا * وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء ~~قديرا ~~. # وكانت لليهود بقية قوية غنية في «خيبر» وفي «وادي القرى» فسلط الله رسوله عليهم بعد ~~يوم «الحديبية» - وهو الفتح القريب الذي وعد به المؤمنين - فغزاهم في أصحابه ولم ينصرف ~~عنهم حتى فتح حصونهم، وغنم أرضهم وأعملهم فيها على أن لهم نصف ما تخرج من الثمرات ~~وللمسلمين نصفها. # وكذلك قضى على اليهود في الحجاز، خلت منهم المدينة وبقي منهم من بقي في خيبر ووادي ~~القرى خاضعين للمسلمين يعملون ms043 في أرضهم ويعيشون من عملهم لا يملكون قوة ولا مكرا ولا ~~كيدا. # وقد أمر الله نبيه ومن آمن معه ألا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن، وأن ~~يقولوا لهم آمنا بالذي أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون. # لم يستثن من هذا الأمر بالرفق والجدال الرقيق مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ~~إلا الذين ظلموا وبينوا بظلمهم أن الرفق والرقة لا يجديان معهم شيئا، وذلك في الآية ~~الكريمة من سورة العنكبوت: # ولا تجادلوا أهل الكتاب ~~إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا ~~وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ~~. # فلما هاجر النبي إلى المدينة واستقر فيها مع أصحابه من المهاجرين والأنصار لم ~~يعاد اليهود ولم يبادهم بسوء، وإنما رفق بهم كل الرفق، وأراد أن تقوم الصلات ~~بينه وبينهم على حسن الجوار وعلى التعاون والنصر عند البأس. وقبل اليهود منه ذلك ~~ولكنهم لم يلبثوا أن أظهروا أنهم كانوا حقا من الذين ظلموا واستثناهم الله في الآية ~~الكريمة السابقة. فاشتد الجدال بينهم وبين النبي في الدين أولا وأنزل الله فيهم ~~قرآنا كثيرا. # يقص عليهم أحيانا سابقتهم في الكفر به والجحود له والتنكر لمن أرسل إليهم من ~~الأنبياء. ويقص عليهم كذلك عقاب الله لهم على هذا الكفر والجحود، وأحيانا أخرى يرد ~~عليهم ما كانوا يفترون من الكذب ويزعمون أنهم يقرءونه في التوراة. ويصفهم بأنهم لا ~~يقرءون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون. ويصفهم مرة أخرى بأنهم يسمعون كلام ~~الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه. ويصفهم مرة ثالثة بالنفاق لأنهم يلقون الذين ~~آمنوا فيقولون: إنا معكم، فإذا خلا بعضهم ببعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ~~ليحاجوكم به عند ربكم؟ ومرة أخرى يوبخهم لأنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم ~~يتلون الكتاب، ويذكرهم غير مرة بأنه نجاهم من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب يذبحون ~~أبناءهم ويستحيون نساءهم وبأنه أغرق آل فرعون أمامهم وهم ينظرون، ثم لم يلبثوا أن جحدوا ~~هذه ms044 النعمة وكفروا بالذي أنعمها عليهم وعبدوا العجل من بعده ظالمين لأنفسهم. ويذكرهم ~~غير مرة أيضا بجبنهم وكراهيتهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي اختصهم الله بها وقالوا ~~لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. # ويحصي عليهم كثيرا من آثامهم ومن تكذيبهم للرسل وقتلهم الأنبياء وما أصابهم في سبيل ~~هذا كله من المحن وألوان البلاء. وربما تحداهم حين كانوا يزعمون لأنفسهم من الخصائص ما ~~ليس لهم؛ فهم كانوا يزعمون أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات فيأمر الله نبيه أن ~~يسألهم: هل اتخذوا عند الله عهدا أم يقولون على الله ما لا يعلمون؟ # ويأمر نبيه أن يقول لهم: إن كانت الدار الآخرة خالصة لكم من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين، ثم يؤكد الله عز وجل أنهم لن يتمنوا الموت أبدا؛ لأنهم يعلمون ~~ما قدمت أيديهم من السيئات؛ فهم يكذبون على الله حين يزعمون أن النار لن تمسهم إلا ~~أياما معدودات، أو أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. # ويؤكد الله لنبيه أنهم أحرص الناس على حياة، وأن أحدهم يود لو يعمر ألف سنة، ~~ولو أتيح له ما يتمنى من طول العمر لما زحزحه ذلك عن العذاب. # وكذلك يمضي القرآن الكريم ناعبا على اليهود تلك الخصال التي أشرنا إليها في أول هذا ~~الفصل، ولائما لهم على تاريخهم المليء بالجحود والغدر والكفر، ورادا عليهم ما كانوا ~~يثيرون من المشكلات أو يلقون عليه من الأسئلة التي كانوا يرون أنها ستحرجه وتقطع حجته، ~~فيفحمهم ويلزمهم الحجة. # ولذلك كله ظهر أول انحراف عن الرفق بهم حين حولت قبلة المسلمين في الصلاة عن بيت ~~المقدس إلى المسجد الحرام. وكان النبي يتمنى لو غيرت قبلته عن بيت المقدس انحرافا عن ~~اليهود، أولئك الذين وصفهم الله بما وصفهم به في آيات كثيرة جدا من القرآن، والذين ~~مضوا في العناد والجحود إلى غير غاية فأنزل الله هذه الآية من سورة البقرة: # قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ~~ما ms045 كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا ~~الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل ~~عما يعملون ~~. # ثم سخر الله منهم في هذه الآية من السورة نفسها: # ولئن ~~أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ~~وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ~~ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم ~~إنك إذا لمن الظالمين * الذين آتيناهم ~~الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ~~. # ثم بين بعد ذلك في نفس السورة أن البر ليس أن يولي الإنسان وجهه قبل المشرق ~~والمغرب، وإنما البر خصال أخرى فصلها الله في هذه الآية: # ليس ~~البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن ~~البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك ~~الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ~~. # وبعد خلو «المدينة» من اليهود وفتح «خيبر» و«وادي القرى» خف الجدال بين النبي ~~وبين اليهود وقل ذكرهم في القرآن لانقطاع الحاجة إليه؛ ولأن الله قد ذكرهم بما ~~أخزاهم في الدنيا وبين أنه سيخزي الظالمين منهم في الآخرة. # 16 # ولم يكن أمر النصارى ظاهرا في جزيرة العرب، وإنما كانت لهم جماعة في نجران، وكان ~~منهم أفراد متفرقون هنا وهناك في الجزيرة. فلم يكن الجدال بين النبي وبينهم متصلا ~~ولم يعنف إلا حين كان النصارى ينحرفون في مقالاتهم وما يظهرون من دينهم عن التوحيد ~~الخالص الذي جاء به النبي ودعا إليه وأمر أن يقاتل الناس حتى يعلنوه فيقولوا: «لا إله ~~إلا الله»، فإن قالوها عصموا منه دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، كما جاء ~~في الحديث الذي رواه الشيخان. # وقد أنزل الله من القرآن ما يصور النصارى أقرب الناس مودة إلى المؤمنين، فقال في ~~سورة المائدة: # لتجدن أشد الناس عداوة للذين ~~آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا ms046 الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض ~~من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا ~~فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن ~~بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع ~~القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~جزاء المحسنين * والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ~~. # وقد قرر القرآن الكريم أن المسيح عيسى بن مريم رجل لا كالرجال، لم يلده أب وإنما ~~هو كلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم. ووصف الله تبشير الملائكة لمريم بالمسيح ~~ومولده في سورة آل عمران وفي سورة مريم. واختصه الله بمعجزات لم يؤتها أحدا من رسله: ~~فاختصه بإحياء الموتى، واختصه بإبراء الأكمه والأبرص، واختصه بأن يجعل من الطين ~~كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا؛ كل ذلك بإذن الله. # وأنزل عليه وعلى أصحابه مائدة من السماء كانت لهم عيدا لأولهم ولآخرهم، واختصه قبل ~~ذلك بتكليم الناس في المهد، وأرسله إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى الإيمان بالله وأداء حقه ~~والخروج مما ورطوا أنفسهم فيه من السيئات والآثام، ويخفف عنهم بعض ما امتحنوا به ~~من الأعباء الثقال، ولكن اليهود كذبوه وآذوه وهموا بصلبه وقتله، فلم يصلبوه ~~ولم يقتلوه وإنما شبه لهم ورفعه الله إليه وطهره من الذين كفروا. # وكان مما غضب الله به على اليهود قذفهم لمريم وقولهم عليها بهتانا عظيما، ~~وزعمهم أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما كان لكلمة الله أن تقتل وما كان ~~لروح من الله أن يصلب. وقد ذكر الله ذلك في الآيات الكريمة من سورة النساء: # وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ~~* وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ~~وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من ~~علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * ~~بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما * ~~وإن ms047 من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ~~ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ~~. # وقد شدد الله النكير على النصارى في شيئين خطيرين؛ أحدهما: تأليههم للمسيح وعبادته ~~وذلك في قوله من سورة المائدة: # قد كفر الذين قالوا ~~إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله ~~شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في ~~الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ~~ يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ~~. # وقوله في السورة نفسها: # لقد كفر الذين قالوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل ~~اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم ~~الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من ~~أنصار ~~. # وهو في هذه الآية يبرئ المسيح من عبادة النصارى إياه، ويقرر أن المسيح لم يدع ~~بني إسرائيل إلا إلى عبادة الله ربه وربهم وأنه نهاهم عن الشرك. # وهو في آية أخرى من السورة نفسها يقرر هذا، ولكن في صراحة لا تدع إلى الشك سبيلا ~~وذلك حيث يقول: # وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما ~~في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت ~~لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت ~~أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء ~~شهيد ~~. # الأمر الثاني الذي أنكره الله على النصارى أشد الإنكار تثليث المثلثين منهم وقولهم: ~~إن الله ثالث ثلاثة. وذلك في الآيات من سورة المائدة: # لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله ~~إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن ~~الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون ~~إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم * ما ~~المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ms048 ~~وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ~~. # ولم يكن بين النبي والنصارى جدال - فيما نعلم - إلا ما كان بينه وبين نصارى نجران حين ~~وفد عليه بعضهم، وعسى أن يكون الله عز وجل قد أشار إلى هذا الجدال في سورة آل عمران حين ~~قرر أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: «كن» فيكون، يريد عز ~~وجل - وهو أعلم بما يريد - أن ليس في مولد عيسى دون أن يكون له أب شيء من غرابة؛ فالله ~~قد خلق آدم من تراب ثم قال له: «كن» فكان، لم يكن له أب ولم تكن له أم فمن خلق إنسانا ~~لغير أب وأم قادر على أن يخلق إنسانا ليس له أب. # ثم قال - عز من قائل - يأمر نبيه بمباهلة الذين يجادلونه في ذلك ويصف طريق المباهلة: # فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين * إن هذا لهو القصص الحق وما ~~من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين ~~. # ثم أمره أن يدعو أهل الكتاب من النصارى واليهود إلى كلمة سواء بين المسلمين وبينهم ~~وهي ألا يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئا ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون ~~الله، وأمره إن أبوا أن يجيبوا إلى هذه الدعوة أن يشهدهم على أنه هو وأصحابه مسلمون ~~قد أخلصوا دينهم لله وحده، وذلك حيث يقول: # قل يا أهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا ~~بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا ~~بأنا مسلمون ~~. # وكأن النصارى حاجوا النبي في إبراهيم كما كان اليهود يحاجونه فيه فقال الله: # يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ~~* ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما ms049 لكم به علم ~~فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم ~~لا تعلمون * ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ~~* إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين ~~. # ويقول الرواة: إن النصارى من أهل نجران نكلوا عن المباهلة التي دعاهم إليها النبي عن ~~أمر الله وعادوا إلى بلادهم كما أقبلوا منها دون أن يعطوه الرضى من أنفسهم. ولم تكن ~~بين النبي وبين النصارى في جزيرة العرب حرب، وإنما تسامع المسلمون العرب ذات يوم بأن ~~نصارى العرب في مشارف الشام يتهيئون لغزو المسلمين في المدينة. يدل على ذلك ما تحدث ~~به عمر - رحمه الله - حين اعتزل النبي نساءه، من أن صاحبا له من الأنصار جاءه بليل ~~فطرق عليه الباب، فلما خرج إليه أنبأه الأنصاري بأن قد حدث شيء عظيم، قال عمر: أوجاء ~~الغساني؟ وكانوا قد تسامعوا بأن غسان تتهيأ لغزوهم. قال الأنصاري: لا، بل حدث أعظم من ~~ذلك، ثم مضى عمر في حديثه. # فهذا يدل على أن أهل الشام من نصارى العرب قد أكبروا ما بلغهم عن النبي وانتشار أمره ~~في الجزيرة بالسلم حينا وبالحرب حينا آخر، فهموا بغزوه كراهية أن ينشأ في جزيرة ~~العرب ملك منظم يصبح خطرا على حدود الإمبراطورية البيزنطية. وهذا في أكبر الظن هو الذي ~~حمل النبي أن يرسل جيشا إلى «مؤتة» على حدود الشام والجزيرة العربية وهي الموقعة التي ~~امتحن فيها المسلمون وقتل فيها ثلاثة من أصحاب اللواء. وكادت الكارثة أن تكون أخطر من ~~ذلك لولا براعة خالد بن الوليد - رحمه الله - حين أخذ اللواء وانحاز بالمسلمين حتى ~~أمنوا. وعسى أن يكون هذا أيضا وما انتهت إليه موقعة «مؤتة» هو الذي حمل النبي أن يغزو ~~غزوة «تبوك» التي فصل الله ذكر ظروفها في سورة التوبة كما سترى. # 17 # وكان أمر النبي مع المنافقين معقدا أشد التعقيد؛ لأنه اتصل منذ هاجر النبي إلى ~~المدينة إلى أن آثره الله بجواره، ولأن النبي والمسلمين لقوا ms050 منه شرا أي شر وبلاء أي ~~بلاء. # كان أمر المنافقين من جهة أيسر من أمر المشركين واليهود؛ فلم تكن بينهم وبين المسلمين ~~حرب ولم تسفك بينهم دماء، ولكنه كان من جهة أخرى أشد من أمر المسلمين مع المشركين ~~واليهود عسرا؛ ذلك لأن المنافقين لم يصنعوا صنيع أولئك ولا صنيع هؤلاء، لم يبادوا ~~النبي وأصحابه بالكفر، وإنما أظهروا الإسلام وأضمروا الكفر، ولم يبادوا النبي وأصحابه ~~بالعداوة الصريحة، وإنما أظهروا المودة وأضمروا البغضة والعداء، ولم يخطئ الشاعر القديم ~~حين قال: # فإما أن تكون أخي بحق # فأعرف منك غثي من ثميني # وإلا فاتركني واتخذني # عدوا أتقيك وتتقيني # ويوشك النفاق أن يكون أبعد من الكفر الصريح والعداء البين أثرا في إفساد حياة ~~الناس. # وقد كان النبي والمسلمون يعرفون من كفر المشركين واليهود وعدائهم، ومن كيدهم لهم ~~ومكرهم بهم ما يضطرهم إلى أن يحتاطوا لدينهم ولأنفسهم من أولئك وهؤلاء. وكانوا جديرين ~~ألا يعرفوا من بغض المنافقين لهم شيئا لولا أن خبر السماء كان يأتي النبي حين ينزل ~~القرآن بما في قلوب المنافقين من حقد عليهم وبغض لهم. وكان النبي مع ذلك قد أمر أن ~~يقاتل الناس حتى يقولوا: «لا إله إلا الله»؛ فإذا قالوها عصموا منه دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله كما روينا آنفا. وكان المنافقون يقولون: «لا إله إلا الله» ~~فيعصمون دماءهم وأموالهم من النبي والمسلمين ولا يجعلون لهم على أنفسهم سبيلا؛ ثم ~~يستخفون بكفرهم وجحودهم، ولو قد اكتفوا بإخفاء الكفر والجحود بعد أن أظهروا الإسلام ثم ~~لم يزيدوا على ذلك لكان أمرهم هينا يسيرا، ولكنهم يضيفون إلى الكفر والجحود استهزاءهم ~~بالنبي والمسلمين حين يخلو بعضهم إلى بعض وإصرارهم على الكيد للنبي والمسلمين وتوليهم ~~للمشركين واليهود دون النبي والذين اتبعوه، وإطلاقهم كلمة السوء في النبي والذين آمنوا ~~معه كلما أتيح لهم إطلاقها، وكان الحسد مصدر هذا كله فيما يظهر. # فلم تكن كلمة العرب في المدينة مؤتلفة قبل هجرة النبي، وإنما كانوا فئتين مختصمتين ~~أشد الاختصام: كانوا قبيلتين عربيتين تنتسبان إلى أصل يمني ms051 قحطاني، وتشتد المنافسة ~~بينهما حتى تثير الخصومة دائما وتثير الحرب أحيانا. # وقد احتربت القبيلتان - الأوس والخزرج - في آخر العصر الجاهلي حربا متصلة مضنية، ~~وكانتا جديرتين أن تستأنفا حربهما لولا أن هداهما الله إلى الإسلام بالنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فألغى ما كان بينهما من خصومة وكف أيدي بعضهم عن بعض. وكان من إحدى القبيلتين - وهي ~~الأوس - رجل قد عظم شأنه وارتفعت مكانته في قومه حتى كادوا يتوجونه ملكا عليهم، ~~فلما جاء الإسلام وهاجر النبي وأصحابه إلى يثرب سقط أمر هذا الرجل وأصبح كغيره من أهل ~~المدينة رجلا من الأوس، وضاعت آماله وضاعت كذلك آمال أتباعه فيه. فليس غريبا أن يضيق ~~هذا الرجل «عبد الله بن أبي بن سلول» والذين اتبعوه بمقدم النبي إلى المدينة وانتشار ~~الإسلام فيها وانصراف المسلمين من الأوس والخزرج عن التفكير في الملك وفيمن يصير الملك ~~إليه، إلى التفكير في الإسلام والنبوة وإلى الاستجابة للنبي في كل ما يدعوهم إليه ~~ويأمرهم به والانتهاء عما كان ينهاهم عنه ويخوفهم منه. # وليس غريبا أن يمتلئ قلب هذا الرجل والذين لاذوا به حقدا وحسدا للنبي ومن جاء معه ~~من المهاجرين ومن اتبعه من الأنصار من الأوس والخزرج جميعا. # وليس غريبا - حين ظهر الإسلام في المدينة وفشا في أهلها - أن يضطر هؤلاء الناس ~~إلى أن يسلموا فيمن أسلم، لم يكونوا يستطيعون مقاومة؛ لأن الإسلام كان قد دخل في كل ~~دار من دور الأوس والخزرج، ولم يكونوا يستطيعون أن يخرجوا من المدينة ويتركوها للدين ~~الجديد ومن جاء به. تمنعهم من ذلك مصالحهم وأموالهم وتمنعهم من ذلك كبريائهم أيضا. ولم ~~يكونوا آخر الأمر يستطيعون أن يظلوا كفارا وأن يجاهروا بذلك فيجعلوا للنبي سبيلا على ~~أنفسهم وأموالهم. لم يشرح الله صدورهم للإسلام ولم يجرءوا على أن يظهروا الكفر ~~فعاشوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما وصفهم الله في الآية الكريمة من ~~سورة النساء. # شقوا بنفاقهم هذا وآذوا به المسلمين إيذاء متصلا مختلفا. كانوا خطرا في أيام ~~السلم يعرف النبي والمسلمون ms052 إسلامهم بأطراف ألسنتهم وكفرهم في أعماق قلوبهم. ثم يرون ~~منهم ويسمعون ما يكرهون في أوقات كثيرة ، ولا يستطيعون أن يعرضوا لهم بسوء؛ لأن الله لم ~~يسلطهم عليهم، بل عصمهم منهم بكلمة التوحيد التي تنطلق بها ألسنتهم وتغلق من دونها ~~قلوبهم. وكان أحدهم ربما غلب عليه كفره وبغضه فأظهر من القول والعمل ما كان جديرا أن ~~يحل دمه، ولكن النبي كان يسرع إلى العفو عن هذه الهفوات على خطورتها. كالذي كان - حين ~~أعلن عبد الله بن أبي بن سلول في غزوة بني المصطلق - من تلك الكلمة التي ذكرها الله في ~~القرآن حين قال: # لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل ~~، يريد مبادأة المسلمين ~~بالحرب إذا عادوا إلى المدينة وما يتبع ذلك من الاستعانة عليهم بأوليائه من ~~الكفار. # وقد بلغت هذه الكلمة النبي # صلى الله عليه وسلم # واستأذنه عمر في قتل هذا الرجل؛ لأنه أحل دمه حين ~~أعلن في صراحة عداوته للمسلمين وإزماعه على أن ينصب لهم الحرب إذا عادوا إلى المدينة. ~~ولكن النبي أبى على «عمر» وكره أن يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه كما جاء في ~~الحديث الذي رواه الشيخان. # وقد وصف الله المنافقين واشتد عليهم في غير سورة من القرآن، فضح أمرهم كله وأظهر ~~دخيلة نفوسهم في الآيات الكريمة من سورة البقرة وذلك حيث يقول: # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما ~~يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم ~~مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا ~~يكذبون ~~. # ثم يصف عنادهم وما ملأ قلوبهم من الكبرياء والغرور فيقول: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن ~~مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا ~~يشعرون * وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس ~~قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ~~ولكن لا يعلمون ~~. # ثم يصف ذلة نفوسهم واضطرابهم إلى المخادعة وإباءهم بأن يعترفوا بهذه المخادعة؛ فيقول: # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا ~~خلوا إلى شياطينهم ms053 قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون ~~. # ثم يشبههم بأصحاب التجارة الذين يبذلون أغلى الأثمان وأنفسها ليشتروا بها أبخس ~~المتاع وأشده عليهم وبالا، ثم يعودون بعد ذلك بالخسران؛ فيقول: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت ~~تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~. # ثم يصورهم أروع تصوير وأبرعه حين يمثلهم مرة بالذي يبذل الجهد ويجد كل الجد ~~ليستوقد النار فإذا اضطرمت وارتفع لهبها وأضاءت ما حوله وحول أصحابه، ذهب الله بما أتيح ~~لهم من نور وتركهم في ظلمات لا يبصرون؛ فيقول: # مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله ~~بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم ~~بكم عمي فهم لا يرجعون ~~. # ثم يصور حيرتهم واضطرابهم بين الخوف والأمن وبين اليأس والأمل فيضرب لهم مثلا قوما ~~أدركهم صيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، فهم وجلون قد ملأ الخوف قلوبهم وخيل ~~إليهم أنهم يرون الموت؛ فهم يضعون أصابعهم في آذانهم إشفاقا من الرعد والصواعق وحذرا ~~من الموت. وهم يرون البرق يضيء ما حولهم فيمشون في ضوئه، فإذا انقطع البرق وعادت الظلمة ~~قاموا في أماكنهم لا يدرون أين يذهبون، فيقول: # أو كصيب ~~من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين ~~* يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء ~~لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله ~~لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء ~~قدير ~~. # وذكرهم الله في سورة النساء فصور ترددهم بين الإيمان والكفر، فهم يؤمنون ثم يكفرون ~~ثم يرجعون إلى الإيمان، ثم يعودون إلى الكفر، ثم يزدادون كفرا، قد ملكت عليهم الحيرة ~~أمرهم فهم لا يعرفون أي طريق يسلكون. # وذكر توليهم للكافرين من دون المؤمنين كيدا لهؤلاء والتماسا للعزة عند ~~الكافرين. # وذكر أنهم إذا قاموا للصلاة قاموا كسالى؛ لأن صلاتهم ليست صلاة صدق وإنما صلاة ~~خداع ورياء؛ فهم يراءون الناس ليكفوا أيدي المسلمين عنهم، وهم يخادعون الله والله ~~خادعهم، وهم مذبذبون بين الإيمان والكفر. ليسوا ms054 مع المؤمنين تأبى عليهم ذلك قلوبهم ~~المدخولة وليسوا مع الكافرين صراحة يخافون أن يجعلوا للمؤمنين عليهم سبيلا، وهم ~~يحاولون أن ينتفعوا بذبذبتهم هذه. فإذا أتيح النصر للمؤمنين قالوا: ألم نكن معكم؟ ~~لينتفعوا بثمرة الفتح، وإن يكن شيء من النصر للكافرين قالوا: ألم نحطكم ~~ونحمكم من المؤمنين؟ يريدون أن ينتفعوا من انتصار الكفار. وهم يستهزئون بآيات الله ~~إذا خلوا إلى أنفسهم والله يحذر المؤمنين إن سمعوا بعض هذا الاستهزاء أن يقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره حتى لا يكونوا مثلهم ولا يلقوا مثل ما يلقى المنافقون من ~~العذاب؛ لأن الله سيجمع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا. # والله يأمر نبيه أن يبشر المنافقين بالعذاب الأليم، ويعلن أنهم في الدرك الأسفل من ~~النار، وأنهم لم يجدوا من ينصرهم أو يرد عنهم هذا العذاب. # والله يقول في هذا كله: # إن الذين آمنوا ثم كفروا ~~ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ~~ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا * بشر ~~المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين ~~يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون ~~عندهم العزة فإن العزة لله جميعا * وقد ~~نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في ~~حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع ~~المنافقين والكافرين في جهنم جميعا * ~~الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ~~ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم ~~نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا * إن المنافقين يخادعون ~~الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * ~~مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا * يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا ~~مبينا * إن المنافقين في الدرك الأسفل من ~~النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا ms055 الذين تابوا ~~وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك ~~مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما * ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ~~وكان الله شاكرا عليما ~~. # فانظر كيف ذكر أمرهم على هذه الصورة من النكر والبشاعة ومن الكفر والغدر، وكيف ~~أنذرهم هذا النذير الشديد بالعذاب الأليم وبأنهم في الدرك الأسفل من النار لا يجدون ~~لهم نصيرا، ثم عاد بعد هذا الوصف القوي الموئس ففتح باب الأمل أمامهم وأعلن أن من تاب ~~منهم وأصلح واعتصم بالله وأخلص له دينه فهؤلاء مع المؤمنين. والله يعد للمؤمنين أجرا ~~عظيما. # وكذلك القرآن يشدد النكير على المنافقين وعلى الذين يقترفون الآثام ويجترحون الكبائر ~~حتى يشرف بهم على اليأس، ثم يفتح لهم بعد ذلك أبواب الأمل واسعة ويجعل التوبة الخالصة ~~الصادقة النصوح سبيلهم إلى الأمل في النجاة، بل في أكثر من النجاة في الاستمتاع بما ~~أعد الله للمؤمنين الصادقين الناصحين من النعيم. # كان المنافقون إذن خطرا أيام السلم وكانوا أشد خطورة أيام الحرب؛ فهم كانوا أضعف ~~إيمانا بالله والرسول والدين من أن يقاتلوا العدو على بصيرة إذا لقوه، وأن يثبتوا له ~~إذا أغار عليهم في المدينة، وهم كانوا يظهرون هذا الضعف ولا يخفونه، وكانوا حين يجد ~~الجد لا يجدون حرجا ولا حياء في أن يظهروا الجبن وما يستتبع الجبن من انخلاع القلوب ~~واضطراب النفوس وضمور العزائم وفتور الهمم وانهيار الصبر على المقاومة. # وهم كانوا بذلك ينشرون الخوف ويشيعون الذعر بين ذوي قربانهم وجوارهم من المسلمين؛ ~~وأي شر في أوقات الحرب أعظم خطرا من انقسام الجيش المحارب أمام العدو وفي أوقات الحصار ~~خاصة إلى فريقين، فريق يستقبل العدو في ثقة بالله وإيمان بوعده، وفريق آخر يظهر الجبن ~~ويحتال للفرار ما وجد إلى الفرار سبيلا، ثم يشكك في عواقب الحرب ويملأ قلوب المدنيين ~~فرقا وخوفا. # وكذلك صنع المنافقون في غزو الأحزاب: خرجوا مع النبي وأصحابه لمواجهة العدو، فلما ~~رأوا كثرته وما ظهر من قوته وبأسه، ورأوا أن المشركين لا يأتون المدينة من قبل مكة ~~فحسب وإنما ms056 يأتونها من مكة ومن نجد، يأتونها من فوقها ومن أسفل منها، انخلعت قلوبهم ~~وأخذ الرعب منهم كل مأخذ، وملك عليهم الهلع أمرهم كله حتى منعهم من الاحتياط في القول ~~والعمل، فقال بعضهم - كما نقرأ في سورة الأحزاب: # ما وعدنا ~~الله ورسوله إلا غرورا ~~، يذيعون الشك ويثبطون الهمم. وقال ~~بعضهم: # يا أهل يثرب لا مقام لكم ~~فارجعوا ~~، يغرون المسلمين بالفرار وترك النبي وحده مع المهاجرين تجاه ~~العدو. ثم لم يكتفوا بما قالوا وإنما أقبل بعضهم على النبي يستأذنونه في الرجوع ~~ويعتلون بأن بيوتهم عورة مكشوفة للعدو، ويظهر الله جلية أمرهم فيرد عليهم معاذيرهم ~~بقوله: # وما هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا ~~. # ثم يفضح الله ما انطوت عليه قلوبهم من الكيد والغش والاستعداد لإجابة العدو ولما ~~يريد، فيقول: # ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم ~~سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ~~، ~~وينبئهم الله بأنهم لم يريدوا أن يفروا وحدهم وإنما أغروا غيرهم بالفرار ولم ~~ينتظروا مقدم العدو لإظهار الجبن والفرق والكيد معا، وذلك حيث يقول من سورة الأحزاب ~~أيضا: # قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس ~~إلا قليلا ~~. # وما أعرف أن الجبن والمكر معا وصفا بمثل ما وصفهم الله في القرآن حيث يقول في ~~المنافقين في سورة الأحزاب: # أشحة عليكم فإذا جاء ~~الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي ~~يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم ~~بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا ~~فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله ~~يسيرا ~~. # فانظر إليهم بخلاء بالنصر والتأييد على المؤمنين، جبناء يذهب الخوف إذا جاء نفوسهم ~~وعقولهم وأفئدتهم، فهم ينظرون إلى النبي تدور أعينهم كالذي تأخذه غشية الموت قبل أن ~~يأتيه الموت. ثم انظر إليهم ماكرين بالمؤمنين كائدين لهم، قد ملأت البغضاء قلوبهم ~~فأطلقوا في المسلمين ألسنتهم حدادا بمقالة السوء في النبي وفي المؤمنين، حين يذهب ~~الخوف ويعود الأمن. # وصور الله في سورة الأحزاب أيضا إفراط المنافقين في الجبن وإغراقهم في الفرق؛ فقد ~~انصرف الأحزاب عن ms057 المدينة ولكن خوف المنافقين يخيل إليهم أنهم ما زالوا محاصرين ~~للمدينة، وهم من أجل ذلك وجلون ، ثم ينبئ الله نبيه والمؤمنين بأن الخوف قد ملأ قلوب ~~هؤلاء المنافقين أن جعلهم يشفقون من الأحزاب حتى بعد انصرافهم، يخافون أن يعيدوا ~~الكرة ولو قد فعلوا لود المنافقون لو أنهم تركوا المدينة وعاشوا مع الأعراب في ~~باديتهم، لا يرون ما يكون بين المؤمنين وبين الأحزاب من حرب ولا يرون عواقب هذه الحرب، ~~وإنما يسألون عن أنباء المؤمنين وهم بعيدون عنهم في باديتهم تلك، قد أمنوا أن يمسهم من ~~شر الحرب كثير أو قليل. # وقد ظهرت نيات المنافقين كأبشع ما كانت حين هم النبي بغزوة تبوك، ووصف الله ~~نياتهم هذه وقلوبهم وأعمالهم في روعة أي روعة، وتفصيل أي تفصيل، واشتد عليهم كل ~~الشدة من أجل نياتهم وقلوبهم وأعمالهم في سورة التوبة. # وكانت غزوة تبوك مصدر محنة عامة للمنافقين جميعا، ولفريق من المؤمنين أيضا؛ ذلك أن ~~النبي أخذ يتجهز لها في وقت لم يكن أشد على الناس فيه من ترك المدينة والمضي إلى ~~الحرب وإلى الحرب في مكان بعيد. # كان ذلك في أشد الصيف حين يشتد القيظ على المقيمين فكيف بالمسافرين، وحين تنضج الثمار ~~ويود الناس لو فرغوا لاجتنائها، وكان ذلك في وقت عسرة قل فيه المال واشتدت فيه ~~الحاجة إليه. فهذه الحرب البعيدة التي لا تعرف عواقبها، والتي لا تحمل إلى قبيلة من ~~قبائل الأعراب قريبا من المدينة وإنما تحمل إلى عرب الشام في حدود الجزيرة ~~العربية. # كل هذا كان يحتاج إلى النفقة الكثيرة وكان يكلف المسلمين أن يجاهدوا بأنفسهم ~~وأموالهم، وأن ينفقوا على هذه الحرب عن سعة، ومن أجل هذا دعي المسلمون إلى الإنفاق ~~ودعوا إلى الجهاد بأنفسهم، فأما الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فأجابوا إلى ما ~~دعوا إليه، وأبلى عثمان في الإنفاق على هذه الحرب أحسن البلاء. وتجهز المؤمنون ~~الصادقون للحرب وأعانوا من احتاج منهم إلى المعونة. وجاءت جماعة من المؤمنين إلى النبي ~~متطوعين للجهاد ولكنهم لا يجدون النفقة، فأقبلوا يسألونه ms058 أن يحملهم وأجابهم النبي ~~بأنه لا يجد ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون كما ذكر الله في سورة التوبة. # ومن أجل هذا كله شدد الله على المؤمنين في أن ينفروا مع النبي ولامهم فيما أظهر ~~بعضهم من الفتور والتثاقل فقال: # يا أيها الذين آمنوا ~~ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع ~~الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا ~~تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ~~ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير * ~~إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن ~~إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود ~~لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة ~~الله هي العليا والله عزيز حكيم * انفروا ~~خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ~~ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~. # فإذا كان الجهاد قد ثقل على المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا دينهم لله، وآثروا رسول ~~الله على أنفسهم فهو على المنافقين أشد ثقلا. # والمنافقون لا يجاهدون ابتغاء مرضاة الله؛ لأن قلوبهم لم تؤمن به، ولا يجاهدون ~~إيثارا للنبي على أنفسهم؛ لأنهم لم يحبوا النبي ولم يخلصوا له، وإنما يجاهدون إن ~~جاهدوا ابتغاء للغنيمة واتقاء لعاقبة القعود، ولذلك قال الله فيهم: # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ~~ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو ~~استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم ~~إنهم لكاذبون ~~. # فهم إذن كارهون للخروج يؤثرون الراحة والأمن وإحراز أموالهم، وهم يحلفون للنبي ~~والمؤمنين لو استطاعوا لخرجوا معهم، ولكن الله ينبئ نبيه بأنه يعلم أنهم كاذبون، ~~وأنهم لو صح إيمانهم لم يستأذنوا. وقد أذن النبي لهم في القعود فعفا الله عنه وسأله في ~~شيء من العتاب: # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ~~. # ثم بين له أن المؤمنين لا يستأذنون وإنما ينفرون للجهاد ms059 إذا دعوا إليه، وأن الذين لم ~~يصح إيمانهم هم الذين يتكلفون الإذن يتخذونه تعلة لقعودهم عن الجهاد. # ويبين الله كذب المنافقين حين زعموا أنهم كانوا يودون لو يخرجون مع النبي ~~وأصحابه ولكنهم لا يستطيعون الخروج؛ فهم لم يتهيئوا للخروج ولم يحاولوا أن يعدوا له ~~عدة وإنما كانوا مزمعين على القعود حين دعوا ولم يكن استئذانهم واعتذارهم إلا ~~تكلفا. ومع ذلك فقد كان الله كارها لخروجهم فثبطهم وحبب إليهم التخلف؛ لأنه كان ~~يعلم من أمرهم ما يخفى على المؤمنين. كان يعلم أنهم لو خرجوا مع المؤمنين لأفسدوا عليهم ~~أمرهم بالغش والكيد والخيانة ولسعوا بينهم بالفتنة يحرجون صدور بعضهم على بعض ومن ~~المؤمنين من كان يسمع لهم لمكانهم من قومهم. # وقد عرف الله وعرف النبي والمؤمنون ما كان من أمرهم قبل هذه الغزوة، وكيف كانوا ~~يكيدون للنبي وأصحابه، وكيف كانوا يقلبون الأمور ابتغاء للإساءة إليهم والإيقاع بهم ~~حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. # وفي ذلك يقول الله عز وجل: # ولو أرادوا الخروج ~~لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ~~وقيل اقعدوا مع القاعدين * لو خرجوا فيكم ما ~~زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ~~وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين * ~~قد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء ~~الحق وظهر أمر الله وهم كارهون ~~. # ويمضي القرآن في تعديد سيئاتهم وآثامهم حتى ينبئ النبي بأن منهم من يلمزه في الصدقات ~~إذا لم ينله حظ منها؛ فيقول: # ومنهم من يلمزك في ~~الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا ~~هم يسخطون * ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ~~ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ~~ورسوله إنا إلى الله راغبون ~~. # ويبين الله بعد ذلك أن ما يجتمع للنبي من الزكاة لا ينبغي أن يعطى للأغنياء الذين لا ~~يحتاجون إليه، وإنما يوضع في المواضع التي بينت في القرآن، فينفق منه على ~~الفقراء والمساكين والذين يعملون على جمعها وإحصائها والذين يريد النبي أن يتألف ~~قلوبهم، وعلى تحرير الرقيق الذين ms060 يسلمون ولا يجدون ما يشترون به حريتهم من سادتهم، ~~وعلى الذين تقع عليهم المغارم فلا يستطيعون النهوض بها، وتنفق على الجهاد في سبيل ~~الله، وعلى الذين تتقطع بهم الطريق من أبناء السبيل، فأما القارون في المدينة ~~العاملون في أموالهم والمنتفعون بثمراتها فليس لهم من الصدقات حظ. # وقد كان النبي يضع الصدقات في المواضع التي بينها الله ولا يعطي منها الأغنياء ~~والقادرين على أن يكسبوا ما يغنيهم عن المسألة. فأما المؤمنون الصادقون فيرضون عن ذلك ~~ويرون أنه الحق، ويستعفون عما يعلمون أن غيرهم أشد حاجة إليه، وأما المنافقون الذين ~~في قلوبهم مرض فكانوا يرون أن ما يجتمع للنبي من الصدقات مال وأن لهم فيه نصيبا. ~~وكانوا من أجل ذلك يلمزون النبي في هذه الصدقات، وكانوا كذلك يلمزون المتطوعين فيها من ~~الأغنياء، يقولون: إن صدقتهم رياء. ومن الفقراء، يقولون: إن الله غني عما تصدقوا ~~به. # وفضح الله في القرآن هذا كله من أمرهم، وفضح من أمرهم شيئا آخر وهو أن منهم من كانوا ~~يؤذون النبي ويقولون: هو أذن؛ أي يسمع لما ينقل إليه. ورد الله عليهم ذلك بأن النبي ~~أذن خير لهم، ثم أنذرهم بأن الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم. # فقال: # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون ~~هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون ~~رسول الله لهم عذاب أليم ~~. # وبعد أن أحصى الله من سوء أعمالهم وفضح من ذات نفوسهم ما تستطيع أن تقرأه فيما بعد ~~هذه الآية من سورة التوبة أظهر من غضبه عليهم شيئا عظيما؛ فقال: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا ~~بالله ورسوله والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين ~~. # ويقول المحدثون - وفيهم الشيخان - إن عبد الله بن أبي بن سلول لما مات جاء ابنه إلى ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # فأنبأه بموته وسأله الصلاة عليه فأجابه النبي إلى ما سأل. وكان عمر ~~حاضرا فراجع النبي في ذلك وذكر ms061 هذه الآية، فقال النبي: «إن ربي خيرني وأختار الصلاة ~~عليه.» فأنزل الله بعد ذلك نهيه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم فقال: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا ~~تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم ~~فاسقون ~~. # ثم نهى الله نبيه عن أن يقبل منهم عذرا بعد عودته إلى المدينة وبعد أن بين الله ~~له من أمرهم ما بين: # يعتذرون إليكم إذا ~~رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ~~ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما ~~كنتم تعملون ~~. # ونهى الله نبيه كذلك عن إخراجهم معه وإشراكهم في قتال العدو، فقال: # فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي ~~عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع ~~الخالفين ~~. # وعلى ما في سورة البقرة والنساء والتوبة من وصف المنافقين وتشديد النكير عليهم ~~والوعيد بالتغليظ عليهم في العذاب، وصفهم الله في سورة أخرى سميت باسمهم فعرفهم أصدق ~~تعريف. # وصف هيئتهم حين يسكتون وحين يتكلمون، وذكر من أقوالهم وأعمالهم ما يبين في وضوح أنهم ~~عادوا إلى جاهليتهم الأولى ولم ينتفعوا بالإسلام الذي قبلوه ثم كفروا به، فقال: # إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون ~~. # يريد عز وجل أنهم كذبوا على النبي فيما زعموا له من إيمانهم برسالته؛ لأنهم لا يؤمنون ~~بها فيما بينهم وبين أنفسهم وإنما يضمرون الكفر ويستخفون به ويتخذون إيمانهم ~~دريئة يتقون بها غضب النبي والمؤمنين عليهم وبطشهم بهم، ويسترون بها كيدهم للمسلمين ~~وصدهم عن سبيل الله كما يقول عز وجل: # اتخذوا أيمانهم ~~جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ~~* ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون ~~. # ثم وصف هيئتهم حين يرون لأول وهلة وحين يتكلمون بعد ذلك أبرع وصف؛ فمنظرهم معجب ~~ومخبرهم مكذب لمنظرهم، ومن أجل ذلك قال الله: # وإذا ~~رأيتهم ms062 تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ~~كأنهم خشب مسندة ~~. # أي؛ لأنهم حين يتكلمون لا يصدر كلامهم عن قلوبهم وإنما هو شيء تنطق به ألسنتهم نطقا ~~آليا لا يصور ذات نفوسهم. وهم إلى ذلك جبناء يرهبون كل شيء ويحسبون كل صيحة ~~عليهم، وهم إلى هذا كله خطرون بما يكيدون ويمكرون حين يخلون إلى أنفسهم وإلى شياطينهم ~~ومن أجل ذلك يأمر الله نبيه أن يحذرهم. # ثم هم بعد ذلك مستكبرون، إذا دعوا إلى التوبة وإلى رسول الله ليستغفر لهم لووا ~~رءوسهم واستجابوا لكبرياء نفوسهم كما يقول الله: # وإذا قيل ~~لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ~~ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ~~. # وهم ينهون من يسمع لهم عن أن يعينوا النبي على نفقة من يحتاج إلى النفقة من أصحابه، ~~لعلهم يستيئسون منه فينفضوا عنه، ويأمر الله نبيه أن يقول: إن لله خزائن السموات ~~والأرض وهو جدير أن يغني نبيه وأصحابه عن معونتهم، وذلك حيث يقول الله: # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ~~ولكن المنافقين لا يفقهون ~~. # وكذلك كانت حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # في المدينة جهادا كلها، فهو يجاهد المشركين من قريش ~~والمشركين من العرب ويجاهد اليهود في المدينة وخارج المدينة، ثم يجاهد المنافقين الذين ~~يظهرون أنهم له أولياء وليسوا من ولايته في شيء، وإنما هم أولياء أعدائه من المشركين ~~واليهود. وهو يجاهد المنافقين بالصبر على ما يقترفون في ذاته وفي ذات المؤمنين وفي ذات ~~الله عز وجل من السيئات والآثام وبالاحتياط لكيدهم ومكرهم وإغرائهم به وتأليبهم عليه. ~~وهذا الجهاد المتصل المختلف كان جديرا أن يستغرق حياة النبي كلها وأن يشغله عن كل شيء ~~غيره. ولكنك سترى مما يأتي في هذا الحديث أنه لم يستغرق من حياة النبي إلا بعضها بل ~~أقلها، وأنه أنفق سائرها ناشرا للدين معلما للمؤمنين والمسلمين مبينا لهم حقائق ~~دينهم، ومرشدا لهم إلى ما يجب عليهم وما لا ينبغي لهم في سيرتهم من خطير الأمر ~~ويسيره. # ولا بد ms063 بعد هذا الحديث الطويل الموجز على ذلك عن المنافقين من أن نعود مرة أخرى إلى ~~جهاد النبي للمشركين. # 18 # ذلك أن الهدنة التي عقدت بين النبي وقريش يوم الحديبية لم ترح النبي والمؤمنين ~~من الجهاد، ولم تتح لهم سلما كاملة قد كف الله أيدي قريش عن المؤمنين، وكف أيدي ~~المؤمنين عن قريش بهذه الهدنة إلى حين، ولكن مكر قريش ما زال كما هو ينبث في قبائل ~~العرب مغريا ومحرضا. ونحن لم نذكر لك من الجهاد بين النبي وبين مشركي العرب من غير ~~قريش شيئا، وإنما أشرنا إليه إشارة لا تصوره ولا تحققه، لأننا لا نكتب السيرة في ~~هذا الحديث وإنما نصور في إيجاز شديد ما ليس بد من تصويره لنعرض عليك مرآة صادقة ~~للعصر والبيئة اللذين عاش فيهما النبي وأصحابه ولنشأة الإسلام وانتشاره قليلا قليلا ~~حتى شمل جزيرة العرب كلها قبل أن يختار الله نبيه الكريم لجواره. # والواقع أن الجهاد بين النبي وبين المشركين من العرب كان متصلا وكان شاقا، كان ~~النبي يريد أن ينشر الإسلام من جهة وكان أعداؤه المشركون يحاولون أن يمنعوه من ذلك ما ~~استطاعوا إلى منعه سبيلا، يغيرون على المدينة حينا ويتهيئون للإغارة عليها حينا ~~آخر. # ولم يكن بد للنبي وأصحابه من أن يردوهم إن أغاروا ومن أن يسبقوهم ليكفوهم إن ~~هموا بالإغارة. وكان في أهل البادية من العرب مكر وكان فيهم غدر أيضا وكانوا ~~يؤثرون المال على كل شيء. وكان كيد قريش وإغراؤها يصبان عليهم في كل وقت يغرونهم ~~بالمال أحيانا وبغير المال أحيانا أخرى، فكان منهم من يأتي النبي يزعم أنه قد أسلم ~~وأن قومه من ورائه قد أسلموا، وأنهم في حاجة إلى من يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، ~~فكان النبي يرسل إليهم النفر من أصحابه فلا يكادون يبعدون بهم عن المدينة حتى يظهروا ~~ما أضمروا من الغدر ويوقعوا بمن أرسل النبي معهم من المسلمين، فيقتلون بعضهم ويأسرون ~~بعضهم يتقربون بأسره إلى قريش ويقدمونه إليها ويأخذون جائزتهم على هذا الغدر كالذي كان ~~من «لحيان» ms064 يوم «الرجيع» حين أرسل النبي معهم مفقهين لهم في الدين فلما بعدوا بهم عن ~~المدينة أظهروا الغدر . فقاتلهم المسلمون حتى قتل منهم من قتل وأسر منهم من ~~حملوه إلى قريش فقتلته. # ولم يحدث هذا مرة واحدة وإنما حدث غير مرة، ذلك إلى ما كان يحدث من تجمع وتهيؤ لغزو ~~النبي، فيعلم النبي علمهم ويضطر إلى أن يسبقهم إلى الغزو ليوقع بهم مرة وليشعرهم بقوته ~~وتأهبه ويقذف في قلوبهم الرعب مرة أخرى. # فكانت حياة النبي والمسلمين جهادا كلها، واضطر النبي أحيانا إلى أن يرسل السرايا، ~~وأحيانا أخرى إلى أن يخرج بنفسه لهذه الأغراض التي بيناها، أضف إلى ذلك أن قريشا ~~لم تقم على هدنتها تلك إلا قليلا، ثم نكثت عهدها وأغارت على بعض حلفاء النبي من خزاعة ~~فلم يكن بد من أن تعود الحرب بينها وبين النبي والمؤمنين جذعة. # وأحست قريش أن النبي قد غضب لحلفائه واعتبر الهدنة بينه وبينها منقوضة، فأرسلت أبا ~~سفيان إلى المدينة ليعلم علم النبي وأصحابه من جهة، وليشد أمر الهدنة ويقويه من جهة ~~أخرى. ولكن أبا سفيان جاء إلى المدينة وعاد إلى مكة فارغ اليدين لم يبلغ مما أراد ~~شيئا. وجعل النبي يتهيأ لعقاب قريش حتى كان العام الثامن للهجرة فخرج النبي إلى مكة في ~~جيش لم يجتمع له مثله من قبل قوة وكثرة عدد، حتى إذا كان غير بعيد من مكة خرج أبو ~~سفيان في نفر من قريش يتحسسون الأخبار، فلما رأوا نيران الجيش راعهم ما رأوا وعرفوا ~~أن قد حاق بهم مكرهم السيئ. وأخذ أبو سفيان إلى النبي، أخذه العباس بن عبد المطلب ~~الذي جعل ينصح له في الطريق ويحثه على الإسلام حتى أدخله على النبي # صلى الله عليه وسلم # فشهد بين ~~يديه: لا إله إلا الله، وأظهر التردد في الشهادة بأن محمدا رسول الله، ولكنه اضطر آخر ~~الأمر إلى أن يعلن الشهادة. فأمنه النبي على نفسه وعلى كل من دخل داره من قريش، وعلى ~~كل من دخل المسجد الحرام منها، وعلى كل من ms065 لزم داره وأغلق بابه منها أيضا. # وعاد أبو سفيان إلى قريش بهذا الأمان فلم يسعها إلا الإذعان ؛ فقوم دخلوا دار أبي ~~سفيان وقوم دخلوا المسجد الحرام وآخرون لزموا دورهم وغلقوا أبوابهم وأصبح النبي فدخل ~~مكة بعد أن أمر قواده ألا يقاتلوا أحدا إلا من عرض لهم بسوء. ولم يخالف عن هذا الأمر ~~من القواد إلا خالد بن الوليد - رحمه الله - كان فيه شيء من عنف فأعمل السيف فيمن لقيه ~~ورفع ذلك إلى النبي فتبرأ مما صنع خالد وأرسل من أصحابه من كفه عن القتل ~~والقتال ودخل النبي والمسلمون مكة، فأقبل النبي على المسجد الحرام فحطم ما كان حول ~~الكعبة من الأوثان وهو يقول: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.» # ثم أمر «بلالا» فأذن فوق الكعبة إعلانا للإسلام وإعلاء لكلمة الله، واجتمعت قريش ~~- فيما يقول الرواة - للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال لهم فيما قال: «يا معشر قريش ما تظنون أني ~~فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «فإني أقول لكم ما قال ~~يوسف لإخوته: # لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله ~~لكم وهو أرحم الراحمين # اذهبوا فأنتم الطلقاء.» # وأسلمت قريش: منهم من أسلم طائعا، ومنهم من أسلم لأنه لم يجد من الإسلام ~~بدا. # وكذلك استقر الإسلام في مكة بعد أن خرج منها، هاجر به النبي والمسلمون اتقاء للفتنة ~~وابتغاء للأمن والعافية ونشر الدين، لا خائفين ولا وجلين. # عاد الإسلام إلى مكة واستقر فيها ظافرا منصورا موفورا، ودخلت قريش فيه طوعا أو ~~كرها وصدق وعد الله في قوله الكريم: # هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~ولو كره المشركون ~~. # ولكن النبي ومن هاجر معه من أصحابه لم يقيموا بمكة ولم يستقروا فيها وإنما آثروا ~~مهاجرهم في المدينة وكرهوا أشد الكره أن يستبدلوا به مكانا غيره مهما يكن وأن يخرجوا ~~من المدينة إلا وفي نيتهم أن يعودوا إليها إن أذن الله لهم بالعودة إليها. # ويقول الرواة: إن سعد بن أبي ms066 وقاص - رحمه الله - مرض بمكة وثقل المرض عليه حتى هم ~~بالوصية واستشار النبي في ذلك، فدعا له النبي وكان يشفق من أن يدركه الموت بعيدا عن ~~الأرض التي هاجر إليها، وصارت هذه سنة بين المهاجرين من أصحاب النبي حتى كانوا ~~يكرهون إن ألموا بمكة أن يصنعوا فيها صنيع المقيمين: كانوا يرون أنفسهم على سفر - ~~وإن نزلوا بين عشائرهم من أهل مكة - فيقصرون الصلاة، ومن أجل ذلك راجعوا عثمان رحمه ~~الله حين أتم الصلاة بمنى؛ لأنهم كانوا يرونه مسافرا يجب عليه قصر الصلاة - وإن كان ~~أهله بمكة - لأن دار إقامته في المدينة لا في غيرها. # ولم يعد النبي بعد الفتح إلى المدينة وإنما بلغه أن «هوازن» تجمع له جموعها فخرج ~~للقائهم في الجيش الذي أقبل معه إلى مكة وفيمن انضم إليه من طلقاء قريش أو مسلمة الفتح ~~كما كان يقال إذ ذاك. والتقى الجمعان يوم «حنين» فامتحن المسلمون امتحانا شديدا ~~وجالوا جولة حتى قام النبي وحده في الموقعة على ظهر بغلته. والعباس آخذ بزمامها والنبي ~~يدعو أصحاب سورة البقرة ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.» # ثم ثاب إليه الأنصار وثاب إليه بعدهم سائر المسلمين وأنزل الله نصره على نبيه وعلى ~~المؤمنين فانهزم المشركون هزيمة منكرة قتل منهم من قتل وأسر منهم من أسر، ~~وسبيت النساء والذراري، وعاد النبي وأصحابه موفورين، ولكن «هوازن» عادوا إليه بعد ~~هزيمتهم يسألونه أن يمن على سبيهم ويذكرونه بأنهم أخواله؛ لأنه أرضع فيهم إذ كانت ~~حليمة منهم. # وقد أطلق النبي من السبي من كان في أيدي رهطه الأدنين من بني عبد المطلب ووعدهم إذا ~~صلى بالناس من غد أن يسألوه في ذلك ويذكروا خئولتهم له. فلما فعلوا شفع النبي لهم عند ~~المسلمين فلم يبق أحد منهم إلا أطلق من كان عنده من السبي ورده على قومه. # وكان آخر حرب للنبي مع المشركين حين حاصر الطائف بجيشه ذاك، وقد أطال الحصار ولكن ~~الله لم يسلطه على هذه المدينة، فرفع الحصار وعاد بجيشه إلى دار هجرته ms067 ثم لم تلبث ~~ثقيف أن أرسلوا إليه وفدهم يطلبون الصلح، فقبله منهم على أن يدخلوا في الإسلام ويرفضوا ~~الشرك ويمحقوا آثاره. # ومنذ ذلك الوقت جعل العرب يتسامعون في قلب الجزيرة وأطرافها بالإسلام وما أتيح للنبي ~~وأصحابه من نصر، فجعلت وفودهم تفد عليه يعرضون إسلامهم وإسلام قومهم، فيقبل النبي منهم ~~ويعلمهم دينهم. وربما أرسل معهم من يعلم قومهم شرائع الإسلام. # وكذلك عظم أمر الإسلام وانتشر في الجزيرة العربية كلها. ونظرة سريعة إلى ما بدأ ~~الإسلام عليه في مكة وما انتهى إليه في المدينة في هذا الوقت القصير تبين في جلاء ~~أن قوة عليا أرادت لهذا الدين أن يقوى وينتشر أولا وأن يجمع كلمة العرب ويوحد ~~أهواءهم ويجعلهم أمة واحدة مؤتلفة تتعاون على البر والتقوى ولا تتعاون على الإثم ~~والعدوان بعد الذي كان بينهم من اختلاف أي اختلاف واختصام أي اختصام، ومن حرب بالألسنة ~~دائما وبالسيف والسنان في أكثر الأحيان. # وأرادت كذلك أن تغير من أخلاقهم وعاداتهم وسننهم الموروثة، فتحل الوفاء في نفوسهم ~~محل الغدر، والأمانة محل الخيانة، والبر مكان الجحود، والرقة والرحمة مكان الغلظة ~~والقسوة. # وأرادت أن تبين لهم الخير فيسلكوا إليه سبلهم وتدلهم على الشر فيتنكبوا طرقه، ~~وأن تبين كبائر الآثام فيجتنبوها ومحاسن الأعمال فيجدوا فيها. # كل ذلك وأكثر جدا من كل ذلك أتيح للإسلام في أقل من ربع قرن، في ثلاثة وعشرين ~~عاما، أنفق النبي منها ثلاثة عشر عاما بمكة لا يكاد ينشر الإسلام إلا قليلا، وعشرة ~~أعوام في المدينة أتم الله فيها على يده جل هذه المعجزة الكبرى. فخلق العرب خلقا ~~جديدا وجعل منها أمة بأدق معاني هذه الكلمة وأوسعها، أنشأها إنشاء جديدا وهيأها ~~للنهوض بالمهمة الكبرى التي تتجاوز حدود جزيرتها وتحول وجهة التاريخ وتغير وجه الأرض ~~في أقل من نصف قرن. # وكان النبي على هذا كله لا يدعي لنفسه معجزة إلا القرآن، وقد صدق النبي ~~وبر في ذلك؛ فقد كان القرآن معجزة أي معجزة، كان معجزا بألفاظه ومعانيه ونظمه، لم ~~يستطع أحد من العرب أن يحاكيه أيسر ms068 المحاكاة، وكان معجزا بآثاره التي ظهرت في حياة ~~النبي والتي أشرنا إليها آنفا، وبآثاره التي ظهرت بعد وفاة النبي والتي لا يزال كثير ~~منها باقيا إلى الآن وإلى آخر الدهر. وصدق الله حين قال في سورة النور: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم ~~من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ~~ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~. # وصدق الله كذلك حين قال في سورة الحشر: # لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتفكرون ~~. # فقد خشعت قلوب العرب للقرآن آخر الأمر؛ نفذ إلى قلوبهم واستأثر بضمائرهم وفتح لهم ~~آفاقا كانت مغلقة أمامهم قبل أن يتلى عليهم، وحررهم بعد الرق: رق النفوس ~~للشهوات، وطهرهم بعد الرجس: رجس الخطايا والآثام، ووحدهم بعد الفرقة، وأعزهم بعد ~~الذلة، وملأ قلوبهم نورا فانبثوا في الأرض ينشرون نور الله ما وجدوا إلى نشره ~~سبيلا. # وزاد إقبال العرب على الإسلام وإذاعتهم له بعد الحجة التي حجها أبو بكر - رحمه الله ~~- بالناس عن أمر النبي سنة تسع؛ ففي هذه الحجة أرسل النبي عليا ليلحق بأبي بكر ويتلو ~~على الناس قرآنا أنزل فكان فصلا بين عهدين: عهد الإسلام يقوى فيه شيئا فشيئا ~~وكان للشرك مع ذلك بقاء في بعض قبائل العرب، وعهد آخر خلصت فيه الجزيرة كلها ~~للإسلام. # وهذا القرآن الذي فرق الله به بين هذين العهدين هو الآيات الكريمة الأولى من سورة ~~التوبة، فأعلن فيها براءة الله ورسوله من المشركين، وحرم فيها أن يقرب المشركون البيت ~~أو يلموا به أو يطوف به عريان. # وأمر فيها نبيه والمؤمنين معه أن يلغوا ما كان بينهم وبين المشركين من العرب من عهود ~~الهدنة، وألا يتموا من هذه العهود إلا ما كان بينهم وبين قوم لم يظهر منهم غدر ولا نقض ~~للعهد، فهؤلاء أمر الله أن يتم المؤمنون لهم عهدهم إلى مدته ثم لا يجددوا ms069 لهم عهدا ~~آخر، وأجل الناس أربعة أشهر يأمنون أثناءها، فإذا انقضت فعلى المسلمين أن يقتلوهم ~~حيثما وجدوهم وأن يقعدوا لهم كل مرصد؛ لأنهم أهل غدر لا يؤمن لهم. وأمر ألا يكف ~~المؤمنون عن قتلهم وعداوتهم حتى يتوبوا من شركهم ويدخلوا في الإسلام كما دخلت كثرة ~~العرب. # ومعنى ذلك أن الله حرم الشرك في جزيرة العرب، وأمر النبي أن يقاتل المشركين من أهل ~~الجزيرة حتى يثوبوا إلى الحق ويدخلوا فيما دخل فيه الناس. لم يأمر الله بذلك إلا لأنه ~~علم أن هؤلاء المشركين إن أتيح لهم أن يظهروا على المسلمين بما في قلوبهم من الغدر ~~والكيد وما يسلط عليهم من الإغراء لم يرعوا فيهم إلا ولا ذمة ولم يحفظوا عهدا ~~ولا وفاء. # وهذه الآيات الكريمة هي قول الله عز وجل في أول سورة التوبة: # براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ~~واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي ~~الكافرين * وأذان من الله ورسوله إلى الناس ~~يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا ~~بعذاب أليم * إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم ~~أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله ~~يحب المتقين * فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم * وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ~~حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم ~~قوم لا يعلمون * كيف يكون للمشركين عهد ~~عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله ~~يحب المتقين * كيف وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم ~~وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون * اشتروا ~~بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما ~~كانوا يعملون * لا يرقبون في مؤمن ms070 إلا ولا ~~ذمة وأولئك هم المعتدون * فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ~~ونفصل الآيات لقوم يعلمون * وإن نكثوا ~~أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا ~~بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم ~~فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم ~~عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ويذهب ~~غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم ~~حكيم * أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ~~ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون * ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ~~شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم ~~وفي النار هم خالدون * إنما يعمر مساجد ~~الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين ~~. # ثم يشدد الله عز وجل في رد المشركين عن المسجد الحرام بعد ذلك العام الذي حج فيه ~~أبو بكر بالناس فيقول في الآية الكريمة من السورة نفسها: # يا ~~أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة ~~فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم ~~حكيم ~~. # وكذلك حج النبي # صلى الله عليه وسلم # حجة الوداع فلم يلق في الموسم مشركا ولم ير عند البيت ~~عريانا، وألقى في هذه الحجة خطبته المشهورة التي توشك أن تكون وصيته إلى المسلمين، ~~والتي حرص فيها بعد كل أمر أو نهي على أن يردد جملته الخالدة «ألا هل بلغت اللهم ~~اشهد.» # وقد أتم النبي رسالته كأكمل ما تتم الرسالات وأدى أمانته كأحسن ما تؤدى ~~الأمانات. # وصدق الله حين أنزل على نبيه في الآية الكريمة من سورة المائدة أثناء حجة الوداع: # اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~. # وصدق الله ms071 كذلك حين أنزل عليه بمنى في حجة الوداع هذه السورة الكريمة يشعره فيها ~~بأن رسالته قد تمت ، وأن مهمته في الدنيا قد بلغت غايتها ويهيئه لما أعد له عنده من ~~النعيم المقيم في أرفع الدرجات: # إذا جاء نصر الله ~~والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه ~~كان توابا ~~. # وقد تحدث النبي ذات يوم على المنبر إلى أصحابه، فقال - فيما روى الشيخان: «إن عبدا ~~قد خيره الله بين زهرة الدنيا وما عنده، فاختار ما عند الله.» فلم يفهم عنه من أصحابه ~~إلا أبو بكر، فقال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا. فعجب الناس لمقالة أبي بكر ولم يحققوا ~~مغزاها إلا حين اختار الله رسوله للرفيق الأعلى. # ولم يلبث النبي بعد حديثه ذاك أن أحس الوجع، فكان يمرض في بيت عائشة رحمها الله، ~~وكان يخرج للصلاة كلما وجد خفة، فلما ثقل عليه المرض أمر أبا بكر أن يصلي ~~بالناس. # وتوفي # صلى الله عليه وسلم # في نفس الشهر الذي وصل فيه إلى المدينة مهاجرا في ربيع الأول لعشر ~~سنين مضين منذ هجرته. # وقد ارتاب المسلمون حين نبئوا بوفاة النبي، لم يصدقوا ذلك، بل شكوا فيه وماج ~~بعضهم في بعض. وكان عمر أشدهم شكا حتى أنذر - فيما يقول الرواة - من قال إن النبي قد ~~مات، ولكن أبا بكر تلا عليهم الآية الكريمة من سورة آل عمران: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على ~~عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين ~~. # هنالك ثاب إلى المسلمين صوابهم فرجعوا إلى الحق وآمنوا لما لم يكن بد من أن يؤمنوا ~~له وذكروا قول الله لنبيه: # إنك ميت وإنهم ~~ميتون ~~. # 19 # ولم يكد النبي # صلى الله عليه وسلم # يفارق أصحابه حتى ظهر بينهم خلاف أوشك أن يكون عظيم الخطر ~~على وحدتهم؛ ذلك أنهم أحسوا الحاجة إلى من يخلف النبي في سياستهم وتدبير أمورهم. # فأما الأنصار فظنوا أن الأمر ينبغي أن يكون فيهم ms072 وأن شئون الحكم يجب أن تصير إليهم؛ ~~لأنهم أصحاب المدينة وليس المهاجرون إلا ضيفا عليهم طرءوا على المدينة منذ عشر سنين. ~~وهم قد آووا النبي والذين هاجروا معه من قريش والذين هاجروا إليه بعد ذلك من قريش ومن ~~سائر العرب. وهم قد خاضوا في سبيل النبي وفي سبيل الدين ما خاضوا من الحروب، واحتملوا ~~من مشقة الجهاد؛ فهم أولى الناس بأن يكون منهم خليفة النبي، وقد اجتمعوا بالفعل وأزمعوا ~~أن يبايعوا بالخلافة رجلا، ورشحوا «سعد بن عبادة» زعيم الخزرج لهذا المنصب. # ولكن الأمر انتهى إلى زعماء المهاجرين فأسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح إلى ~~الأنصار ليعلموا علمهم وليصرفوهم عما أزمعوا، فكانت محاورة وشيء من جدال ثم عرضوا أن ~~يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، فأبى ذلك أبو بكر وقال لهم: نحن الأمراء وأنتم ~~الوزراء. واحتج عليهم بأن النبي من قريش فيجب أن يلي أمره بعده أولو قرابته. وروى لهم ~~عن النبي أنه قال: «الأئمة من قريش.» فثاب الأنصار إلى سماحة نفوسهم وكرهوا أن يأخذوا ~~الخلافة أجرا على ما أبلوا في ذات الله ورسوله من البلاء. # وأذعنوا آخر الأمر لما حدثهم به أبو بكر عن النبي من أن الأئمة من قريش، ثم اقترح ~~عليهم عمر أن يبايعوا أبا بكر وأسرع هو إلى بيعته فتبعه الأنصار ولم يخالف عنهم إلا سعد ~~بن عبادة؛ لم يقتنع بقول أبي بكر ولا بإسراع القوم إلى بيعته، بل اعتزل الأنصار ~~والمهاجرين جميعا وعاش في عزلته حتى قتل في الشام أصابه سهم لم يعرف من رماه ~~به. # وتحدث الناس بعد ذلك بأن الجن هم الذين قتلوه، وأضافوا إلى واحد من الجن بيتين من ~~الشعر زعموا أنهم سمعوهما ولم يروا قائلهما: # قد قتلنا سيد الخز # رج سعد بن عباده # ورميناه بسهمين # فلم نخطئ فؤاده # وبايع سائر المسلمين في المدينة أبا بكر واستقام له الأمر. # ولكن خلافا آخر شجر، وكان أشد على أبي بكر من خلاف الأنصار ذاك، وكان هذا الخلاف ~~بينه وبين فاطمة - رحمها الله - بنت ms073 رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، جاءته تطلب إليه ميراثها من ~~أبيها، فأبى عليها ذلك وقال لها إنه سمع النبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا ~~نورث ما تركناه صدقة.» ثم قال: إنه لن يخالف أبدا عن قول رسول الله. # فغضبت فاطمة وشاركها زوجها في غضبها وتأخرت من أجل ذلك بيعة «علي» - رحمه الله - لأبي ~~بكر، على أن فاطمة - رحمها الله - لم تعمر بل توفيت بعد أبيها بستة أشهر، فأقبل ~~«علي» فبايع كما بايع الناس. # ويقال: إن بني هاشم كانوا يرون لأنفسهم الحق في خلافة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فهم رهطه ~~الأدنون وهم أقرب إليه من تيم قوم أبي بكر ومن عدي قوم عمر ومن أمية قوم عثمان. ولكنهم ~~رأوا إجماع الناس على أبي بكر كما رأوا إجماع الناس على عمر من بعده وعلى عثمان من بعد ~~عمر فكرهوا أن يثيروا الفتنة أو أن يحدثوا في الإسلام حدثا وأذعنوا لإجماع ~~المسلمين. # ويقال كذلك: إن النبي قال لبعض أصحابه في مرضه الذي توفي فيه: «إيتوني بصحيفة أكتب ~~لكم ما لا تضلون بعده أبدا.» فاختلفوا وتنازعوا، يقول بعضهم: إن النبي قد اشتد عليه ~~الوجع وعندنا كتاب الله، ويقول بعضهم الآخر: بل دعوا رسول الله يكتب. فلما أكثروا قال ~~لهم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «قوموا عني.» قالوا: فكان ابن عباس يرى أن الرزية كل الرزية أنهم ~~لم يخلوا بين رسول الله وبين ما أراد. # وأكاد أقطع بأن هذا الحديث - مهما يكن سنده - غير صحيح، فما كان للمسلمين أن يخالفوا ~~عن أمر رسول الله. وما كان لرسول الله نفسه أن يخلي بينهم وبين هذا الخلاف وهو الذي لبث ~~فيهم ثلاثة وعشرين عاما يتلو عليهم القرآن ويعلمهم شرائع الدين ويأمرهم وينهاهم ~~وينبئهم بخبر السماء. وأكبر الظن أن هذا الحديث وضع بأخرة حين تفرق المسلمون شيعا ~~وأحزابا. # 20 # ومهما يكن من شيء فقد تمت بيعة أبي بكر وصحت وإن كان المسلمون لم يتشاورا فيها حتى ~~كان عمر رحمه الله يقول: إن ms074 بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرها. # ولكن أبا بكر واجه خلافا كاد شره أن يستطير ويصبح خطرا على الإسلام نفسه لولا أن ~~الله عز وجل تأذن أنه هو الذي نزل الذكر وأنه حافظ له، فقال في سورة الحجر: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون ~~، ولولا أن أبا بكر قد ثبت لهذا الخلاف أروع الثبات وصمم على ~~حسمه تصميما أذعن له المهاجرون والأنصار ومسلمة الفتح من قريش؛ فقد انتقض العرب على ~~أبي بكر انتقاضا مختلفا. قال كثير منهم: نقيم الصلاة ولا نؤتي الزكاة. رأوا أن الزكاة ~~نوع من الإتاوة ولم يتعودوه بل كانوا يأنفون منه أشد الأنفة ويرون أنه ضرب من ~~الذلة والخضوع، ولم يقبل منهم أبو بكر ذلك بل صمم على أن يؤدي الناس إليه ما كانوا ~~يؤدونه لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقال: إن هؤلاء يفرقون بين الصلاة والزكاة مع أن الله لم ~~يفرق بينهما بل ذكرهما معا في القرآن مرات كثيرة. فهم يؤمنون ببعض القرآن ويكفرون ~~ببعضه، وكان عمر قد قال له: كيف تقاتل العرب وهم يقولون «لا إله إلا الله»، فقد قال ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.» # كأن أبا بكر أراد أن قول لا إله إلا الله بطرف اللسان ليس إيمانا ولا إسلاما، ~~وإنما يجب أن تقال باللسان ترجمة عما في القلب من الإيمان بالله والتصديق للنبي ~~والائتمار بما أمر الله ورسوله به، والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه، وقد أمر الله ~~رسوله بإيتاء الزكاة؛ فالنكول عن أدائها كفر والالتواء بها جحود، وليس للكفار الجاحدين ~~إلا القتال. # وقوم آخرون من العرب ظهر فيهم كذابون زعموا لأنفسهم النبوة وتلوا على قومهم ~~كلاما زعموا أنه وحي من الله. # ظهر الأسود العنسي في اليمن، وظهر مسيلمة في بني حنيفة باليمامة، وظهر طلحة في بني ~~أسد، وظهرت سجاح في أحياء من بني تميم؛ وتبعهم خلق ms075 كثير من العرب الذين لم يدخل الإيمان ~~قلوبهم. وصدق الله حين قال في الآية الكريمة من سورة الحجرات: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا ~~الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله ~~غفور رحيم ~~. # ولم يشك أحد من المهاجرين والأنصار والذين استقاموا على الإسلام في أن قتال هؤلاء ~~واجب لا منصرف عنه. والمهم أن أبا بكر نظر فإذا جزيرة العرب قد انتقضت عليه إلا ~~أقلها، فلم ير بدا من أن يجاهد المرتدين كما كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يقاتل المشركين من ~~قبل. # وقد جد أبو بكر في الحرب واستجاب له المسلمون استجابة صادقة فقاتلوا المرتدين عن ~~إيمانهم وعلى بصائرهم، صادقين مستبسلين لا يبخلون بأموالهم ولا بأنفسهم حتى قتل كثير ~~من خيارهم ولا سيما في حرب مسيلمة. وأنزل الله نصره عليهم وعادت الجزيرة خالصة ~~للإسلام، واستطاع أبو بكر أن يجند من أصحابه ومن الذين عادوا إلى الإسلام بعد ~~الردة تلك الجيوش التي رمى ببعضها العراق ورمى ببعضها الشام. # | الكتاب الثاني # 1 # يقول الله عز وجل في أول سورة الكهف: # الحمد لله الذي ~~أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * ~~قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا * ~~ماكثين فيه أبدا * وينذر الذين قالوا اتخذ ~~الله ولدا * ما لهم به من علم ولا لآبائهم ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا ~~. # ويقول في سورة المدثر: # يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * ~~وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ~~ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر ~~. # ثم يقول في سورة الأحزاب: # يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى ~~الله بإذنه وسراجا منيرا * وبشر المؤمنين ~~بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله ~~وكفى بالله وكيلا ~~. # ويقول في سورة الجمعة: # هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا ms076 من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز ~~الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم ~~. # فمن هذه الآيات وآيات أخرى كثيرة في القرآن الكريم نفهم أن الله أرسل رسوله لينذر ~~الذين لا يؤمنون به بما أعد لهم من بأس شديد عنده، ويبشر الذين يؤمنون به بما لهم ~~عنده من أجر كريم خالدين فيه أبدا. # والله يفصل هذا البأس الشديد في القرآن حين يصف البعث وما يكون بعده من حساب عسير ~~للكافرين به. وما يكون بعد هذا الحساب العسير من عذاب شديد متصل لا انقطاع له. # والله يفصل كذلك في القرآن هذا الأجر الكريم الذي أعده للمؤمنين به حين يصف ~~الجنة ونعيمها وخلود المؤمنين في هذا النعيم المقيم. # والنبي حين ينذر ويبشر يعلم أوسع العلم وأعمقه وأدقه ما ينذر به وما يبشر، يعلمه ~~من ربه من طريق الوحي حين ينزل عليه القرآن ليتلوه على الناس، وحين يلهمه من العلم ~~والحكمة ما يتحدث به إلى الناس حديث الواعظ المخوف وحديث المؤدب المعلم. فهو بشير ~~ونذير ومعلم أيضا. # وتعليمه نوعان؛ أحدهما: كلام أوحاه الله إليه وأمره أن يبلغ نصه للناس وأن ~~يتلوه عليهم ليسمعوه أولا ويفقهوه بعد ذلك، وعليه أن يفسر لهم بالقول أو بالعمل - أو ~~بهما جميعا - ما قد يقصرون عن فهمه من هذا النص. # والثاني: علم ألهمه الله إياه ألقاه في قلبه لينتفع به هو أولا وليعلم الناس منه ما ~~ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم جميعا. # وقد أنفق النبي ثلاثة وعشرين عاما منذ بعثه الله إلى أن اختاره لجواره، أنفق هاته ~~السنين مبشرا ومنذرا ومعلما لم يقصر في ذلك ولم يكف عنه يوما؛ فكان معلما لا ~~كالمعلمين، كان تعليمه متصلا نهاره كله وجزءا غير قليل من ليله. كان يعلم الناس حين ~~يلقاهم ويعلمهم بالأمر والنهي والتبشير والإنذار وبكل ما كان يقوله لهم، وكان يعلمهم ~~بسيرته فيهم وسيرته في غيرهم، وبكل ما يأتي من الأمر أو يدع. فهو لهم قدوة وهو لهم أسوة ~~وعليهم ms077 أن ينظروا إليه وأن يعملوا مثل ما يعمل ويجتنبوا مثل ما يجتنب وأن يسمعوا منه ~~ويطيعوا. وقد أمرهم الله في سورة الحشر أن يأخذوا كل ما يؤتيهم وأن يدعوا كل ما ينهاهم ~~عنه: # وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا ~~. # كذلك هو حين يبرز للناس وهو حين يروح إلى أهله معلم أيضا؛ يقول فيحفظ عنه أزواجه، ~~ويعمل فيحفظن عنه أيضا، ويصنعن من صنيعه كل ما ينبغي لهن. # ولأمر ما أخذ المسلمون كثيرا من العلم عن أزواجه بعد وفاته، ولا سيما عائشة وحفصة ~~وأم سلمة. ثم هو معلم في السفر والحضر جميعا لا يأتي شيئا إلا وفي نفسه أن الناس ~~سيصنعون صنيعه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. # ومن أجل ذلك كان يرعى فيهم الرفق بهم والنصح لهم، كان يطيق من العبادة في الصلاة ~~والصوم أكثر مما يطيقون؛ فكان يستخفي ببعض عبادته حتى لا يراها الناس فيكلفوا أنفسهم ~~فوق ما يطيقون. # ولم يكن له من حياة المعلم هذه بد فالله يقول له: # فاصدع ~~بما تؤمر ~~، فلا يسعه إلا أن يذعن لأمر الله. والله ينزل عليه من ~~القرآن ما هو مجمل ويترك له تفصيله بما يلهمه من العلم؛ فهو يأمر بالصلاة والزكاة ~~مثلا، ولكنه لا يبين كيف تكون الصلاة ولا كيف تكون الزكاة، لا يفعل ذلك في القرآن، ~~وإنما يلهم نبيه من العلم ما يبين به للناس كيف يصلون وكيف يؤدون الزكاة في ~~أموالهم. # والقرآن يذكر الركوع والسجود ولكنه لا يحدد الركوع والسجود في القرآن تحديدا ~~دقيقا؛ فليس بد للنبي من بيان ذلك كله بالعمل والقول جميعا. فهو يقيم الصلاة ~~للمسلمين ويأمرهم أن يصنعوا صنيعه وأن يقوموا حين يقوم ويركعوا ويسجدوا ويجلسوا حين ~~يركع ويسجد ويجلس. وهو علمهم ما يقرءون في صلاتهم وما يقولون في السجود والركوع ~~والجلوس، وقل مثل ذلك في مجملات القرآن كلها، وهي كثيرة، فكان النبي إذن مفسرا ~~للقرآن بقوله وعمله، وكان منبئا للناس بما يلقي الله في قلبه من العلم بما ينبغي لهم ~~وما يجب عليهم وما يجب ms078 أن ينتهوا عنه. # ومن هنا نتبين أن السنة التي تثبت عن النبي ثبوتا قاطعا أو راجحا هي الأصل ~~الثاني من أصول الدين بعد القرآن الكريم. # فليس بد إذن من أن نقف وقفة عند كل واحد من هذين الأصلين. # 2 # أما القرآن الكريم فهو المعجزة الكبرى التي آتاها الله رسوله الكريم، آية على صدقه ~~فيما يبلغ عن ربه. # والقول في إعجاز القرآن يكثر ويطول وتختلف وجوهه وتختلف فنونه أيضا؛ فالقرآن كلام ~~لم تسمع العرب مثله قبل أن يتلوه النبي، فهو في صورته الظاهرة ليس شعرا لأنه لم يجر ~~في الأوزان والقوافي والخيال على ما جرى عليه الشعر، ثم هو لم يشارك الشعر الذي ~~ألفه العرب في قليل أو كثير من موضوعاته ومعانيه؛ فهو لا يصف الأطلال والربوع، ~~ولا يصف الحنين إلى الأحبة، ولا يصف الإبل في أسفارها الطوال والقصار، ولا يغرق ~~فيما كان الشعراء يغرقون فيه من تشبيهات للإبل والصحراء والرياض والأشجار والحيوان ~~والصيد وأدواته؛ لا يعرض لشيء من هذا كله. وليس فيه غزل ولا فخر ولا مدح ولا هجاء ولا ~~رثاء، وهو لا يصف الحرب وما يكون فيها من الكر والفر، وهو لا يبالغ ولا يغلو ولا ~~يعدو الحق. لا يعرض من هذا كله لشيء وإنما يتحدث إلى الناس عن أشياء لم يتحدث إليهم ~~بها أحد من قبله، يتحدث عن التوحيد فيحمده ويدعو إليه، ويتحدث عن الشرك فيذمه ~~وينهى عنه، ويتحدث عن الله فيعظمه ويصف قدرته التي لا حد لها، وعلمه الذي لا غاية ~~له، وإرادته التي لا ترد وخلقه للسموات والأرض وما فيهن من يسير الأشياء وخطيرها ومن ~~صغير الأشياء وكبيرها. ويدعو الناس إلى عبادة الله والائتمار بما يأمر به والانتهاء ~~عما ينهى عنه، والتنزه عما لا يليق بكرام الناس. ثم يصف ما أعد الله من النعيم ~~المقيم للذين يؤمنون به وحده ويخلصون له دينهم، ويصف ما ادخر من العذاب الأليم ~~الخالد للذين يشركون معه إلها آخر ويجعلون له أندادا ويكفرون بآياته ويجحدون ~~نعمه عليهم. وهو يبشر المؤمنين بما ms079 أعد لهم من نعيم وينذر الكافرين ما ~~ادخر لهم من جحيم. وهو يصف قيام الساعة وما يكون فيه من هول يذهل المرضعة عما ~~ترضع، ويضطر ذات الحمل إلى أن تضع حملها، ويجعل الناس كأنهم سكارى وما هم ~~بسكارى، وهو يعظ الناس ليطهر أنفسهم ويزكيها ويتلو عليهم من أنباء الغيب ما يثبت به ~~قلوب المؤمنين ويخلع به قلوب الكافرين؛ فيقص عليهم أنباء الرسل الذين أرسلوا قبل محمد # صلى الله عليه وسلم # وجاءوا قومهم بالآيات البينات، فأعرض عنهم أكثر قومهم ولم يؤمن منهم إلا ~~قليل. فعذب الذين أعرضوا وأخزاهم في الدنيا والآخرة ونجى الذين آمنوا وأرضاهم في ~~الدنيا والآخرة أيضا. # كل هذا وأكثر جدا من هذا يتحدث به القرآن إلى الناس على لسان رجل من قريش لم ~~يتعلم قط كتابة ولا قراءة ولا حسابا، ولم يجلس قط إلى أحبار اليهود ولا رهبان ~~النصارى ولا أصحاب الفلسفة، وإنما هو رجل عربي أمي كأكثر العرب لا يعلم من أمر ~~الدنيا إلا مثل ما كان أوساط العرب يعلمون. وهو مع ذلك يجادل اليهود في التوراة ويجادل ~~النصارى في الإنجيل، ويصفهم بأنهم يكذبون على موسى ويقولون على المسيح غير الحق، ~~ويحرفون ما عندهم من التوراة والإنجيل. كل ذلك وهو لا يقرأ التوراة ولا الإنجيل، وإنما ~~ينبئه الله نبأ الحق بما في كليهما. وهو لم يأت لنسخ التوراة ولا لنسخ الإنجيل وإنما ~~جاء مصدقا لما بين يديه منهما ومضيفا إليهما ما أمره الله أن يضيف من العلم والدين. ~~وهو يحاج المشركين في آلهتهم تلك التي كانوا يعبدونها ويجعلونها لله أندادا ويتخذونها ~~عنده شفعاء، والتي لا تجيبهم إن دعوها ولا تسمع لهم إن تحدثوا إليها، ولا ~~تنفعهم ولا تضرهم ولا تغني عنهم من الله شيئا إن أراد بهم سوءا، ولا تمسك عنهم ~~رحمة الله إن أراد بهم رحمة، وإنما هي أشياء صنعوها بأيديهم أو صنعت لهم من قبل ~~بأيدي الرجال، ثم خلعوا عليها ما ليس لها من القوة والبأس والسلطان. # ثم هو يشرع لهم من الدين والشرائع ما ms080 ينفعهم في الدنيا ويعصمهم من عذاب الآخرة إن ~~استمسكوا به وأنفذوه على وجهه؛ فيشرع لهم في أمر الزواج والطلاق والميراث والوصية ~~والبيع والشراء وغير ذلك مما تقوم عليه حياتهم الاجتماعية وحياتهم الفردية أيضا. ثم ~~هو يفرض عليهم من أنواع العبادة ما يطهر نفوسهم ويزكي قلوبهم ويحضر في ~~ضمائرهم حب الله والإخلاص له وخوف الله والإشفاق منه. ويبين لهم ألا سبيل إلى أن ~~يستخفوا من الله بكبيرة أو صغيرة؛ فهو يسمع كل شيء ويرى كل شيء ويعلم كل شيء، وهو معهم ~~حين يجتمعون وحين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، وهو يعلم ما يثور في قلب الإنسان من ~~عاطفة وما يضطرب فيه من هوى وما يخطر في ضميره من خير أو شر. بل هو يعلم أكثر من ذلك: ~~يعلم كل ما كان وكل ما هو كائن وكل ما سيكون، وهو يحصي عليهم أعمالهم وكل ما ~~تحدثهم به أنفسهم من الخير والشر ومن الفجور والبر ومن الطاعة والمعصية. وهو ~~يسجل كل هذا في كتاب مدخر عنده، فيعرض على كل إنسان كتابه يوم الحساب ويجزيه ~~عما سجل في هذا الكتاب من أعماله الظاهرة والباطنة إن خيرا فخيرا وإن شرا ~~فشرا. # ثم ينبئ الناس في الدنيا بما تقول ألسنتهم وما تعمل جوارحهم وما تضمر نفوسهم. نجد ~~هذا كله في القرآن الذي يتلوه هذا الرجل الأمي والذي أخذ في تلاوته فجاءة ذات يوم ~~بعد أن بلغ الأربعين وأنفق ثلثي عمره في الدنيا يحيا كما يحيا غيره من قريش. فلا ~~غرابة في أن يبهر قريشا وسائر العرب هذا العلم الذي جاءه فجاءة، ولا غرابة في أن ~~يعجزهم فهم هذا كله؛ فهم في حيرة من أمر هذا الرجل وما يتلو عليهم من ~~الآيات. # يقولون إنه شاعر ثم يستبين لهم أنه لا ينشدهم شعرا. ويقولون إنه كاهن ثم يتبين لهم ~~أنه لا يسجع لهم سجع الكهان. ويقولون إنه ساحر ثم يستبين لهم أنه ليس من السحر في شيء. ~~وإنما هو رجل مثلهم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ms081 يسعى في الأرض كما يسعون ويكسب ~~قوته كما يكسبون أقواتهم، ويصارحهم بأنه لا يعلم من أمر الغيب إلا ما يعلمه الله ~~حين يوحي إليه القرآن. فيريحون أنفسهم كما يريح الباحث المجد نفسه بعد الكد ~~والعناء اللذين لا يغنيان عنه شيئا؛ فيقولون إنه مجنون. ولكن هذا لا يريحهم فهم يقولون ~~له ويسمعون منه ويرقبونه مصبحين وممسين فلا ينكرون منه شيئا إلا هذا الكلام ~~الذي يتلوه عليهم. فتخشع له قلوب فريق منهم ويعرض عنه أكثرهم، فلا يجدون لهم مخرجا إلا ~~أن يجاهروه بالعداء وينصبوا له حربا منكرة. ولكن القرآن ينزل عليه وهو مضطر إلى أن ~~يتلوه عليهم. # قد أعياهم أمره كل الإعياء؛ أرادوا أن يأخذوه باللين فلم يفلحوا، وأرادوا أن يأخذوه ~~بالشدة فلم يفلحوا، وأكثر من هذا أنه يتلو عليهم من القرآن ما يتحداهم ويسألهم أن يأتوا ~~بمثله، وهم يحاولون فلا يستطيعون، ولكنهم مصرون على العناد فيطالبونه بالآيات ~~العظام، يسألونه أن يغني نفسه من فقر فينشئ لنفسه جنة من نخيل وعنب ويفجر فيها ~~الأنهار والينابيع، ويسألونه أن يأتيهم بالله والملائكة، ويسألونه أن يسقط السماء ~~عليهم كسفا، ويسألونه أن يرقى في السماء ويأتيهم منها بكتاب يقرءونه، ويسألونه أن ~~يبتكر لنفسه بيتا من زخرف أو أن ينزل عليهم من السماء كنزا. فلا يسمعون منه إلا ~~ردا واحدا وهو أنه لا يملك أن يأتيهم من هذه الآيات بشيء؛ لأنه بشر مثلهم لا يمتاز ~~منهم إلا بأن الله اختصه برسالته وأرسله إلى الناس بشيرا ونذيرا. # فهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن لا سبيل إلى الجدال فيه؛ فقد جادل فيه العرب من قبل ~~فلم يفلحوا ولم يبلغوا شيئا، وإذا عجز العرب الذين عاصروه عن أن يأتوا بقليل مثل ما ~~جاء به فالذين جاءوا بعدهم أعجز وغيرهم من الأمم أشد عجزا. # ولكن للقرآن وجها آخر من وجوه الإعجاز لم يستطع العرب أن يحاكوه أيام النبي ولا ~~بعده، ذلك هو نظم القرآن أي أسلوبه في أداء المعاني التي أراد الله أن تؤدى إلى ~~الناس. لم يؤد إليهم هذه المعاني ms082 شعرا كما قدمنا ولم يؤدها إليهم نثرا أيضا، ~~وإنما أداها على مذهب مقصور عليه وفي أسلوب خاص به لم يسبق إليه ولم يلحق فيه. ~~ليس شعرا لأنه لا يتقيد بأوزان الشعر وقوافيه، وليس نثرا لأنه لا يطلق إطلاق النثر ~~ولا يقيد بهذه القيود التي عرفها الكتاب في الإسلام، وإنما هو آيات مفصلة لها ~~مزاجها الخاص في الاتصال والانفصال وفي الطول والقصر، وفيما يظهر من الائتلاف ~~والاختلاف، تتلو بعض سوره فإذا أنت مضطر في تلاوتها إلى الأناة والتمهل؛ لأنها ~~فصلت في ريث ومهل لأداء معان تحتاج إلى البسط والريث، كالتشريع مثلا ووصف ما كان ~~يثار بين المسلمين والمشركين من الحروب والمواقع. وتتلو بعض سوره الأخرى فإذا أنت ~~مضطر إلى شيء من السرع؛ لأنها تؤدي معاني يحتاج أداؤها إلى القوة والعنف، قد ~~فصلت آياتها قصارا ملتئمة الفواصل تقرؤها فكأنك تنحدر من عل، وذلك حين يخوف الله ~~عباده ويشتد في تخويفهم فيأخذهم من جميع أقطارهم ويقطع عليهم طريق الجدال ~~والحجاج. # وربما يقص من أنباء الرسل فيمضي القصص في هدوء ومهل؛ لأنه يتجه إلى إثارة التفكير ~~والاعتبار والتروية فيما جرى على الأمم من قبل والحذر من أن يجري عليهم مثله. # ثم يقص في سورة أخرى نفس الأنباء فتقصر الآيات وتسرع وتتسق الفواصل وتنسجم وتتكرر ~~عبارات بعينها في آخر كل قصة؛ لأنه يتجه إلى الإرهاب والإثارة والإحاطة بالسامعين ~~والقارئين وإعجالهم عن التفكر والتدبر، كأنما أخذتهم من كل مكان ريح عاصفة لا يجدون ~~منها مهربا ولا يرون لأنفسهم عنها مصرفا؛ فهي تصب عليهم العبر والعظات والمثلات ~~صبا، أو كأنهم يمطرون من السماء صخورا متتابعة فهم لا يملكون إلا أن يذعنوا لما ~~يصب عليهم لا يجدون من الوقت ولا من القوة ما يتيح لهم رجع الجواب أو الجدال في بعض ~~ما يصب عليهم. وإنما هي الآيات تتابع قصارا أشد القصر متسقة أروع الاتساق ~~والعبر القاصمة تستنبط منها في سرع سريع أيضا. وهم لا يكادون يفرغون من قصة حتى تتبعها ~~قصة أخرى، تأتي في إثرها في سرعة خاطفة ms083 وقوة مذهلة. # واقرأ إن شئت سورتين كسورة الشعراء وسورة القصص فستجد السرعة كل السرعة والقوة كل ~~القوة في السورة الأولى، وستجد الأناة والمهل في السورة الثانية، ولكنك ستجد الروعة في ~~السورتين جميعا، تروع أولاهما بما اختصت به من هذه السرعة وتروع الأخرى بما امتازت به ~~من الأناة، وذلك في القرآن كثير. # وسواء قرأت السور السريعة أو السور المستأنية فسترى من جمال اللفظ وروعة الأسلوب ~~واتساق النظام ما يسحرك ويبهرك ويملك عليك أمرك كله؛ فإذا أنت خاشع لما تسمع أو تقرأ ~~معجب به مستزيد منه حتى حين يستأثر بك العناد وتتكلف ما تتكلف من إظهار الإصرار ~~والاستكبار والإعراض والإباء. # وأخص مزايا القرآن أن الذين يقرءونه أو يسمعونه دون أن يؤمنوا به يكذبون على أنفسهم، ~~فقلوبهم خاشعة وأذواقهم راضية وعقولهم هي المعارضة المكذبة؛ فهم حين يقرءونه أو ~~يسمعونه يناقضون أنفسهم، يظهرون الإباء ويضمرون الاستجابة، قد اختلفت قلوبهم ~~وألسنتهم ووجوههم؛ فقلوبهم تذعن وألسنتهم تنكر ووجوههم تعرض إلا أن يطبع الله على ~~قلوبهم ويطمس على عقولهم ويجعل في آذانهم وقرا. # ووجه آخر من وجوه إعجاز القرآن وهو هذا الأثر الباقي الذي يتركه في قلوب الناس ~~وعقولهم وأذواقهم على تتابع القرون واختلاف الأجيال. # فالعربي القديم من أهل الفصاحة واللسن والبراعة في تصريف القول قد سمع القرآن فراعه ~~منه ما راعه واستجاب له هذه الاستجابة التي يعرفها التاريخ، ولكن أجيالا أخرى لا ~~تحكم ولا تصرف القول ولا تذوق روعة البيان قد جاءت بعد أولئك القدماء من العرب فسمعت ~~القرآن وقرأته، فإذا هو يستأثر بعقولها وقلوبها، وإذا هي لا تقرؤه أو تسمعه إلا خشعت له ~~واستيقنت أنه كلام لا كالكلام، بل له شأن آخر يختلف أشد الاختلاف عما يكتبه الناثرون ~~وينظمه الشعراء ويقوله الخطباء. وأغرب من ذلك أن أمما أخرى ليس بينها وبين العرب سبب ~~قد قرأت القرآن وسمعته في القرون المتطاولة والأجيال المتعاقبة فدانت له وآمنت به ~~واستحبت قراءته والاستماع له على كل شيء غيره يقرأ ويسمع أو يمتع الأسماع والقلوب ~~والعقول معا. # ونحن نعلم أن ms084 أروع البيان وأبرعه وأعلاه درجة في الحسن إنما يروع من يقرؤه أو يسمعه ~~من أصحاب اللغة التي أنشئ فيها، فإذا تجاوزهم إلى غيرهم من الأمم فقد كثيرا من ~~روعته، ولا كذلك القرآن حين يقرؤه أو يسمعه من لم ينشأ تنشيئا عربيا، بل هو يحتفظ ~~بروعته على اختلاف الأزمنة والأمكنة وأجيال الناس. # ولست أذكر هنا تأثير القرآن في تغيير التاريخ وتحويله أمة جاهلة غافلة أمية ~~شديدة التنافر والتدابر يضرب بعضها رقاب بعض، وينهب بعضها أموال بعض، فإذا هي تصبح أمة ~~قد خلقت خلقا جديدا فألفت النظام والأمن والعدل، وطمحت إلى الرقي وظفرت منه ~~بحظ موفور ونشرت هذه الخصال كلها في أمم كثيرة في الأرض ثم مزجتها وجعلت منها أمة ~~واحدة تتعاون على الخير والبر وترقية الحضارة. لا أذكر هذا كله ولا أطيل فيه؛ لأنه ~~أظهر من أن يحتاج إلى ذلك. والقرآن وحده مصدر هذا كله فلولاه لظلت الأمة العربية على ~~جهلها وغلظتها وانقسامها، ولطمع فيها غيرها من الأمم المتحضرة فاستذلها واستغلها وبسط ~~عليها سلطانه. # وقد ألفت كتب قديمة وحديثة في إعجاز القرآن، ولكنها على كثرتها لم تقل في ~~إعجازه كل ما يمكن أن يقال؛ لأنه أروع روعة وأبهر جمالا من أن يستنفد فيه ~~القول. # وقد نزل القرآن منجما ولم يوح إلى النبي جملة، وإنما كان ينزل بين وقت ووقت ~~يتتابع أحيانا ويبطئ أحيانا أخرى. وقد تساءل المشركون من قريش لماذا لم ينزل القرآن ~~جملة؟ ولو قد أنزل عليه مرة واحدة لما أطاقوه، وإنما أراد الله أن ينزله منجما ~~ليتابع به حياة النبي والعرب وما اختلف عليهم من الأطوار في هذا الأمد الذي قضاه النبي ~~بينهم مبشرا ومنذرا. # وكان ما ينزل منه يكتب في إثر تنزيله، ثم جمع القرآن أيام أبي بكر ثم نسخ في ~~المصاحف وأرسل إلى الأمصار أيام عثمان. وجعل المسلمون يروونه سماعا ويقرءونه في ~~المصاحف حتى وصل إلينا كاملا كما هو الآن؛ فهو متواتر لا يجد الشك إلى شيء منه سبيلا ~~لم يختلف فيه المسلمون وإنما تناقلوه مجمعين عليه. ms085 وتناقلوه مسموعا ومكتوبا ~~فجملته وتفصيله فوق الشك وفوق الجدال. # وقد تختلف قراءة المسلمين لبعض ألفاظه مدا وقصرا وإمالة وإطلاقا، ولكن سبعا ~~من هذه القراءات وصلت إلينا متواترة وأجمعت عليها الأمة ولا بأس منها على النص لا في ~~لفظه ولا في معناه. # وقد رتب القرآن - كما هو بين أيدينا - سورا منذ أيام النبي وقدمت في المصحف ~~طوال السور على أوساطها، وأوساطها على قصارها. # ولم يراع في هذا الترتيل نزول السور والآيات في مكة أو في المدينة ولا تاريخ نزول ~~الآيات، وإنما وضعت الآيات حيث كان النبي يأمر أن توضع من السور. # ونحن نجد البقرة وآل عمران والنساء والمائدة في أول المصحف بعد الفاتحة مع أنها ~~مدنية، ونجد الأنفال والتوبة - وهما مدنيتان - بين سور مكية، وربما وجدنا في السورة ~~المدنية آيات أنزلت بمكة وفي السور المكية آيات أنزلت بالمدينة؛ ذلك أن هذا الترتيب ~~حسب مكان النزول وزمانه لم يراع. وإنما القرآن واحد جاء كله من عند الله وتلاه النبي ~~على المسلمين كله كما أنزل. # وقد بين الرواة الأولون والعلماء من بعدهم أماكن نزول الآيات والسور وتاريخها، ~~وحاول بعض المستشرقين أن يرتب القرآن حسب تاريخ نزول السور، فلم يصنعوا شيئا، ~~وترجم القرآن إلى بعض اللغات الأجنبية أحيانا على هذا الترتيب التاريخي، فكان هذا ~~النحو من الترجمة والترتيب عبثا لا يدل على شيء، وإنما ينأى عما ألف المسلمون من ~~الترتيب المعروف في المصحف. # وما أكثر العلم الذي استنبطه المسلمون من القرآن، فهم استنبطوا منه شرائع الدين ~~وجزءا غير قليل من تاريخ المسلمين بمكة والمدينة، وهم جعلوا من تفسير ألفاظه وتوضيح ~~معانيه علما مستقلا هو علم التفسير، وهم درسوا لهجات القراء كما تظهر في ~~القراءات المختلفة، وجدوا في توجيه هذه القراءات توجيها نحويا، وهم استخرجوا علم ~~تلاوة القرآن كما سمع من القراء الأولين ونظموا قواعد المد والقصر واللغة وإخراج ~~الحروف حسب القراءات المختلفة. وهم اعتمدوا عليه اعتمادا شديدا في تسجيل اللغة ~~العربية في المعجمات ووضع الأصول التي يقوم عليها النحو والصرف. وهم اعتبروه مثلا أعلى ms086 ~~لروعة البيان، وعسى أن يكونوا قد اعتمدوا عليه أشد الاعتماد فيما وضعوا من علوم ~~البلاغة ولا سيما البيان والمعاني، إلى آخر العلوم الكثيرة التي استنبطت منه، وألفت ~~فيها وما زالت تؤلف فيها كتب لا تحصى. # ومع أن علم الكلام قد اعتمد على الفلسفة، والفلسفة اليونانية خاصة، فإنه يعتمد ~~اعتمادا شديدا على القرآن في قسم السمعيات من أقسامه وفي أبوابه النظرية. # والمتجنبون من المتكلمين للتأويل والإغراق فيه قد اعتمدوا على القرآن والسنة ~~وحدهما في تفصيل العقائد الإسلامية، واتخذوا الفلسلفة خادما له يدافعون بها عن نصوصه ~~ويخاصمون بها المؤولين والمتكلفين، ويردون بها على الذين قصروا جهدهم على الفلسفة ~~الخالصة، ولم يعرضوا للنصوص وإنما اعتمدوا في إثبات الله ووجوده على النظر وحده يذهبون ~~في ذلك مذهب القدماء من فلاسفة اليونان. # وربما أثارت العناية بالقرآن بعض الخصومات بين المسلمين، كالذي كان حين ذهب المعتزلة ~~إلى أن القرآن مخلوق، وتابعهم على ذلك بعض الخلفاء من بني العباس، فأثاروا بين الناس ~~شرا عظيما وامتحنوا خيار العلماء بألوان من البلاء شداد. # على أن هذه الخصومات الخطيرة لم تلبث أن صارت إلى ما ينبغي أن تصير إليه الخصومات من ~~الجدل الخالص بين العلماء، وذلك حين انصرفت السياسة لما يسرت له، ولم تدخل في شئون ما ~~يكون بين العلماء من اتفاق واختلاف. # وما أكثر ما توارثت الإنسانية من آيات الأدب وروائع البيان في اللغات المختلفة منذ ~~العصور القديمة، لكنا لا نعرف شيئا من هذا التراث عني به الناس على نحو ما عني ~~الناس بالقرآن؛ فهم يقرءون روائع البيان هذه ويشرحونها، ويكثرون البحث والدوران ~~حولها، ولكن هذا كله لا يتجاوز الخاصة الذين يقفون أنفسهم على هذا النحو من ~~الدرس. # فأما القرآن فالعناية به لا تشبهها عناية، فليس من المسلمين - على كثرتهم واختلاف ~~أجناسهم وتعاقب أجيالهم - من لا يحفظ من القرآن قليلا أو كثيرا؛ لأن أداء الصلاة لا ~~يتم ولا يستقيم إلا بقراءة شيء من القرآن فيها. # فليس بد للمسلم من أن يحفظ منه ما يؤدي به صلاته، وما نعرف أحدا ms087 يحفظ أثرا من ~~الآثار البيانية عن ظهر قلب كما يحفظ كثير من المسلمين القرآن، يحفظه كثير منهم حفظا ~~يصاحبه فهم النصوص ، ويحفظه أكثرهم حفظا دون أن يفهموه فهما واضحا؛ أولئك وهؤلاء يرون ~~حفظه تعبدا وقربى إلى الله. وما أكثر المسلمين الذين يحفظون القرآن ليتخذوا تلاوته ~~مهنة يكسبون بها قوتهم! ولولا أن المسلمين جميعا يحرصون على أن يسمعوا القرآن تتلى ~~عليهم آياته في كل يوم وفي بعض الظروف الخاصة لما وجدت هذه الصناعة ولما نفقت سوقها، ~~ولما كثر أولئك الذين يدخلون بالقرآن كثيرا من البيوت يصبحون الناس بآيات منه ~~ويمسونهم، ولما كثر المصوتون به أولئك الذين يجتمع لهم الناس ليسمعوهم ويعجبوا ~~بأصواتهم وتلاوتهم في ظروف الحزن والفرح. # وجاء اختراع الإذاعة فكثرت إذاعة القرآن يصوت به أصحاب الأصوات الحسان في البلاد ~~الإسلامية وفي البلاد الأجنبية التي توجه الإذاعة إلى المسلمين لأسباب سياسية وغير ~~سياسية. # فالقرآن يتلى في الإذاعات الأوربية والأمريكية، وهو يتلى على أنه إمتاع للمستمعين ~~بحسن الأصوات، ولكن كثيرا من المستمعين يسمعونه لنفسه أولا وللأصوات التي تتلوه ~~ثانيا وما يكون فيها من التطريب. وقد تذاع بعض روائع البيان في اللغات الحية، ولكنها ~~لا تذاع في نظام واضطراد كما يذاع القرآن. # وجملة القول أن القرآن لحياة المسلمين يرضون به ربهم حين يأتون ما أمر به ويجتنبون ما ~~نهى عنه، وحين يقيمون صلاتهم مجتمعين أو متفرقين يقرءونه أو يسمعونه متعبدين بقراءته ~~أو سماعه، وحين يستنبطون منه العلم ويلتمسون فيه الروعة والجمال ويستمتعون بقراءته أو ~~سماعه بالأصوات العذاب. # وليس في التراث الإنساني كله شيء يشبه القرآن في تقويم الألسنة العربية حين تلتوي ~~باللهجات العامية المختلفة، والأجنبية حين تلتوي بلغاتها المتباينة؛ فالذين يحفظون ~~القرآن في الصبا، ويكثرون قراءته ويجودونها أصح الناس نطقا بالعربية وأقلهم ~~تخليطا فيها. ومن أجل ذلك كانت الأجيال السابقة إلى عهد قريب تأخذ الصبية حين يتعلمون ~~الكتابة والقراءة بحفظ القرآن كله أو بعضه وتجويد قراءته؛ يرون في ذلك محافظة على ~~الدين وتقويما لألسنة الصبية والشباب. وكان الذين يحفظون القرآن أو شيئا منه ms088 أجود ~~نطقا بالعربية حين يتكلمون، وأجدر أن يفقهوا دقائق اللغة حين يتعلمونها. وقد أهمل ~~حفظ القرآن وتمرين الصبية على قراءته وتجويده في المدارس الحديثة حينا؛ فالتوت ~~ألسنة الشباب وفسد نطقهم وضاقوا بدروس اللغة في مدارسهم، ثم أعرضوا عنها بعد الخروج من ~~المدارس، ثم مال كثير منهم إلى العامية فآثروها على الفصحى وحاولوا أن يجعلوها لغة ~~الكتابة فلم تستقم لهم، ولأمر ما عاد القائمون على شئون التعليم فراجعوا مناهج ~~المدارس وبرامجها وجعلوا لقراءة القرآن وحفظه مكانا مرموقا. # والقرآن بعد هذا كله هو الذي حفظ اللغة العربية أن تذوب في اللغات الأجنبية التي ~~تغلبت على اللغة العربية بحكم السياسة في عصور كثيرة وظروف مختلفة؛ فقد تفرقت كلمة ~~المسلمين في السياسة وانحلت الخلافة العربية القديمة وخضع العرب لاستعمار الأعاجم، ~~حكمهم الفرس في دار الخلافة نفسها أولا، وحكمهم الترك بعد ذلك قرونا متصلة، وجاء ~~العصر الحديث فخضع العرب لسلطان الأجنبي الأوروبي يقهرهم مرة بالاستعمار والحكم ~~المباشر لهم، ويقهرهم مرة أخرى بالتفوق في الحضارة المادية والمعنوية جميعا، ~~ويضطرهم إلى أن يتعلموا اللغات الأوروبية إرضاء لحكامهم من الأوروبيين، والتماسا ~~لما في هذه اللغات من علم وأدب وفلسفة وفن. وكان هذا كله جديرا أن يمحق اللغة العربية ~~محقا ويذهب شخصية الشعوب العربية، ولكن القرآن عصم هذه اللغة من الضياع وحال بين ~~الخطوب الجسام وبين التأثير فيها. حرص العرب على القرآن لأنه يحفظ عليهم دينهم ولأنه ~~قوام حياتهم، فقرأه عامتهم وخاصتهم وحفظوا منه القليل والكثير، ودرسه علماؤهم في ~~المساجد والمدارس واختلف إليهم ألوف كثيرة من الطلاب على تباعد الأمكنة والأزمنة، ~~واضطروا من أجل فهم القرآن ودرسه في تعمق أن يدرسوا اللغة التي أنزل بها. # وأكثر من ذلك أن بعض الأمم الإسلامية التي خضعت لسلطان العرب في وقت مضى طوت قلوبها ~~على بغض العرب والعروبة وآذتهم حين استطاعت إيذاء شديدا، ولكنها على رغمها احتفظت ~~بالقرآن لمكان الإسلام منها أو لمكانها من الإسلام فدرست القرآن ودرست لغته ~~العربية. # وإذا كانت هناك الآن وحدة إسلامية عامة أو شيء يشبه هذه الوحدة ms089 فبفضل القرآن وجدت ~~وبفضل القرآن ستبقى مهما تختلف الظروف وتدلهم الخطوب. وإذا كانت هناك وحدة يحاول ~~العرب أن يعودوا إليها ويقيموا عليها أمرهم في الحياة الحديثة كما قامت عليها حياتهم ~~القديمة، فالقرآن هو أساس هذه الوحدة الجديدة كما كان أساسا للوحدة القديمة. # وليقرأ العرب إن شاءوا قول الله عز وجل في الآية الكريمة من سورة آل عمران: # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا ~~حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ~~آياته لعلكم تهتدون ~~. # فهذه الآية التي أنزلت وتلاها النبي # صلى الله عليه وسلم # على قوم من العرب كانوا يخرجون من ~~جاهليتهم ويدخلون في الإسلام؛ فهم حديثو عهد بالكفر وحديثو عهد بالعصبية القديمة وحديثو ~~عهد بتفرق القبائل واختصامها واحترابها لأيسر الأمور وأهونها شأنا. هذه الآية ~~الكريمة ما زالت قائمة بعد قريب من أربعة عشر قرنا وستظل قائمة. وهذا الأمر للمسلمين ~~بأن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا لم ينقض بانقضاء عهد الخروج من الجاهلية ~~والدخول في الإسلام، وإنما هو قائم دائما ما دام في الأرض مسلمون. فمثل هذا الأمر في ~~القرآن لا يخص قوما بأعينهم ولا عهدا بعينه ولا مكانا بعينه، وإنما هو أمر شامل ~~عام واجب الاحترام في كل زمان وفي كل مكان. والعرب أجدر الناس أن يفهموه وينفذوه؛ ~~فهو أنزل فيهم وأنزل في لغتهم واتجه إليهم أول ما أنزل. # ولو مضينا نعدد آثار القرآن الباقية في المسلمين عامة وفي العرب خاصة لما ~~قضينا الحديث ولا فرغنا، فحسبنا ما أشرنا إليه منها على قلته. # ولنعد إلى نص القرآن فنقف عند بعض سوره ونحاول - إن أتيحت لنا المحاولة - أن نبين ~~بعض المظاهر المختلفة لما امتاز به القرآن من روعة البيان، وما اختص به من هذه الملاءمة ~~بين المعاني والألفاظ والأساليب. وقد أشرنا في هذا الفصل إلى ما يكون من اختلاف بين بعض ~~السور في أداء المعاني الواحدة أو المتقاربة أشد التقارب بالآيات الطوال ms090 المبسوطة ~~حينا وبالآيات الخاطفة حينا آخر. # فلنقرأ معا قصة نوح وقومه وما جرى عليهم من الآيات الكريمة من سورة هود؛ فسنرى هذه ~~القصة قد فصلت تفصيلا كاملا في غير تزيد ولا إسراف، وأديت معانيها في آيات ~~ليست بالطوال ولا بالقصار، ولكنها تؤدي المعاني في دعة وهدوء؛ يكون فيها الإطناب حين ~~يحتاج المقام إلى الإطناب، ويكون فيها الإيجاز حين يكون الإيجاز آخذا للقلب وأدل على ~~ما أريدت الدلالة عليه من الهول الذي يصوره الإيجاز أكثر مما يصوره ~~الإطناب ومن الأمر الذي يصدر فينفذ إثر صدوره في غير تردد أو إبطاء. وانظر إلى أول ~~القصة كيف أدي فيه الحوار أداء يسيرا يصور ما يكون بين رجل ينذر قومه وقومه ~~ينكرون عليه ويجادلونه، ثم يشتدون في الإنكار وينتهون إلى إنذاره كما كان ينذرهم. واقرأ ~~هذه الآيات في أول القصة: # ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا ~~إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم ~~. # فانظر إلى نوح كيف أدى رسالته في إيجاز فأنبأ قومه بأنه نذير لهم في الآية الأولى ~~وأظهر الرفق بهم والإشفاق عليهم فدعاهم إلى أن يعبدوا الله؛ لأنه يخاف عليهم عذاب يوم ~~أليم في الآية الثانية: # فقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من ~~فضل بل نظنكم كاذبين ~~. # ورد عليه الملأ من قومه فأنكروا دعوته لهم وأنبئوه بأنهم لا يرونه إلا بشرا ~~مثلهم، لا يمتاز منهم بشيء فكثير عليه أن يزعم لنفسه التحدث عن الله والدعوة إليه ~~والإنذار لهم باسمه. ثم أضافوا إلى ذلك بأنهم لا يستطيعون أن يتبعوه؛ لأن الذين اتبعوه ~~هم أراذلهم وأهونهم شأنا، وهم أكبر في أنفسهم من أن يؤمنوا بما آمن به الأرذلون. ~~أعلنوا إليه أنهم يكذبونه ويكذبون من اتبعه. # وانظر كيف رد عليهم نوح في الآيات الثلاث التالية، فسألهم في الأولى: ماذا يصنع ~~إذا كان الله قد آتاه بينة من عنده وآتاه رحمة ms091 منه فلم يعقلوها؟ وبين لهم أنه لا ~~يستطيع أن يلزمهم رحمة الله وهم كارهون لها. فالإيمان لا يكون بالإكراه وإنما يكون ~~باستجابة القلب ورضى الضمير وأنبأهم في الآية التي تليها بأنه لا يسألهم مالا جزاء ~~على دعوته لهم إلى الحق وإنما أجره على الله، فليس لهم أن يعتلوا عليه ولا أن يشفقوا ~~من دعوته على أموالهم. # وجادلهم في الذين اتبعوه فقال إنه لا يستطيع أن يطردهم؛ لأن ذلك ليس إليه وإنما هو ~~إلى الله الذي يعلم دخائل نفوسهم وسرائر ضمائرهم. وأفهمهم بأنهم إنما يستجيبون ~~لحميتهم وكبريائهم حين يعتلون عليه بازدراء الذين آمنوا معه، ثم أنبأهم في الآية ~~التالية بأنهم لا يستطيعون نصره ولا يستطيع غيرهم نصره من الله إن طرد الذين آمنوا معه؛ ~~لأنهم ليسوا من الطبقة الممتازة. # ثم تبرأ من كل الغرور فأنبأهم بأنه لا يزعم لنفسه السيطرة على خزائن الله ولا علم ~~الغيب ولا أنه ملك، وإنما هو رجل مثلهم ولا يستطيع أن يزعم أن الذين اتبعوه لن يؤتيهم ~~الله خيرا لأن الممتازين من قومه يزدرونهم: # قال يا قوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من ~~عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ~~* ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن ~~أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ~~ملاقو ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون * ~~ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ~~* ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في ~~أنفسهم إني إذا لمن الظالمين ~~. # وقد ضاق به قومه بعد هذا الحوار فأنبئوه بأنه قد جادلهم فأكثر وأطال، وسألوه إن كان ~~صادقا أن يأتيهم بما خوفهم منه؛ فرد عليهم بأن الله وحده قادر على أن يأتيهم به ~~إن شاء وأنهم أهون من أن يكونوا معجزين لله، واستيأس منهم أو كاد فقال لهم: إن ~~نصحه لن ينفعهم إن كان الله قد كتب عليهم الغواية ms092 وهو ربهم وهم صائرون إليه آخر الأمر: # قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ~~فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين * قال ~~إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن ~~كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ~~ترجعون ~~. # وهنا تعترض آية ليست من القصة ولكنها تمت إليها بسبب كأن المشركين من قريش قد ~~ارتابوا حين تليت عليهم هذه الآيات في صدق النبي وفي أن ما يتلوه عليهم قد أتاه من ~~عند الله فأمره الله أن يقول لهم: لا عليكم إن كنت مفتريا فعلي وحدي تبعة ما أفتري، ~~وأنا على كل حال بريء من جرائمكم: # أم يقولون افتراه ~~قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما ~~تجرمون ~~. # وينبئ الله نوحا بما يشعره في وضوح بأنه لم يعجل حين استيأس من قومه، فهم لن يثوبوا ~~إليه ولن يقبلوا منه دعوته، ويعزيه الله عن هذا الإعراض، فيقول: # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ~~فلا تبتئس بما كانوا يفعلون ~~. # ثم يأمره الله أن يتهيأ لما كتب له من النجاة هو وأهله والذين آمنوا معه فيأمره أن ~~يصنع الفلك برعايته وعن أمره، وينهاه أن يتوسل إليه في الذين ظلموا أنفسهم من قومه ~~وأعرضوا عن دعوته فيقول: # واصنع الفلك بأعيننا ~~ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون ~~. # ثم ينبئ الله نبيه بما كان بين قوم نوح وبينه أثناء صنعه للفلك، فهم كلما مروا به ~~سخروا منه، قد أوغلوا في الشك بل وثقوا بأنهم آمنون من عذاب الله وبطشه، وبأن نوحا ~~يصنع فلكه عبثا أو إمعانا في تخويفهم من هول موهوم، ويرد نوح عليهم ساخرا أيضا ~~متوعدا؛ لأنه واثق بما أنبأه به ربه: # ويصنع الفلك ~~وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن ~~تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * ~~فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب ~~مقيم ~~. # ثم أتى أمر الله وآن للظالمين من ms093 قوم نوح أن يعلموا حين لا ينفعهم العلم، بأن نوحا ~~لم يكذب عليهم ولم ينذرهم عبثا؛ فقد فار التنور وأخذ الماء يغمر الأرض، وأمر الله ~~نوحا أن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين وأن يحمل أهله إلا من كتبت عليه الشقوة ~~منهم، وأن يحمل تلك العصبة القليلة التي آمنت معه: # حتى إذا ~~جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما ~~آمن معه إلا قليل ~~. # وهذا نوح يأمر الناجين من أهله وأصحابه أن يركبوا في السفينة، وهو يسمي الله على ~~مجرى السفينة ومرساها: # وقال اركبوا فيها بسم الله ~~مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ~~. # وهنا ينبغي أن نقف عند هذا الإعجاز الرائع المألوف كثيرا في القرآن، والذي يقتضي أن ~~يحذف من القصة كل ما يمكن أن يستحضره السامع والقارئ من أحداثها؛ لأنه طبيعي لازم لما ~~تلي من القصة؛ فهذا الماء قد غمر الأرض ولقي الظالمون من قوم نوح ما لقوا من الجهد ~~وحاولوا كل محاولة ممكنة لينقذوا أنفسهم من الغرق فلم ينفع جهدهم ولم تغن عنهم ~~محاولاتهم من الله شيئا؛ ذلك لأن الله إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له ولا سبيل ~~إلى اتقائه، ولكن القرآن هنا يهمل هذا كله فلا يتحدث عن المغرقين ولا عن جهودهم ~~ومحاولاتهم ولا عما لقوا من الألم في أنفسهم ولا عما أحسوا من الندم لإعراضهم ~~عن نوح ودعوته. لا يتحدث الله عن هذا وإنما يستأنف الحديث عن السفينة فإذا هي تجري ~~بأصحابها في موج كالجبال، وإذا نوح يفتقد ابنه فيراه مع الكافرين، وإذا ابنه قد حق عليه ~~العذاب فهو لا يستجيب لأبيه، وإنما يزعم أنه سيأوي إلى جبل يعتصم به من الماء. ونوح ~~يحاول أن يقنعه بألا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. ولكن الموج يحول بين الابن ~~وأبيه فيصير ابنه إلى الغرق مع المغرقين: # وهي تجري بهم ~~في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني ~~اركب ms094 معنا ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي ~~إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من ~~أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من ~~المغرقين ~~. # كم من يوم ظل الماء غامرا للأرض؟! وكم من يوم جرت السفينة في هذه الأمواج المتلاطمة ~~قبل أن تستقر على الجودي؟ هذه أشياء لا يتحدث الله بها في هذا الموضع من القصة، وإنما ~~يتركها لفهم السامع والقارئ وتقديرهما. وفي هذا الإيجاز المعجز ما يصور هول القصة، ~~وربما صور الهول بالإعراض عن وصفه تصويرا أروع وأشد من وصفه. # وانظر إلى فعلي الأمر هذين اللذين يوجه أحدهما إلى الأرض بأن تبتلع ماءها ~~ووجه ثانيهما إلى السماء بأن تكف عن صب الماء. وإذا الماء يغيض وإذا الأمر كله قد ~~قضي وإذا السفينة قد استقرت على الجودي وإذا نداء ببعد القوم الظالمين. فعلا أمر في ~~أول الآية، ثم أنباء قصار أشد القصر موجزة أروع الإيجاز قاطعة لا معقب لها تلقى في ~~أفعال بني أكثرها لما لم يسم فاعله. # وتنتهي بهذه الأنباء قصة ما أصاب قوم نوح من العذاب: # وقيل يا ~~أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي ~~الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين ~~. # على أن قصة نوح نفسه لم تنته بعد؛ فهو محزون على ابنه الذي أغرق وكأنه يعاتب ربه ~~فيه ولكن في إيمان به وإذعان لحكمه فيقول: # إن ابني من ~~أهلي ~~. # كأنه يذكر أن الله قد أمره أن يحمل أهله في السفينة، ولكن ربه يرد عليه ردا فيه ~~الشدة والرفق جميعا. فينبئه بأن ابنه ليس من أهله؛ لأنه عمل غير صالح، ويعظه ناهيا له ~~عن أن يسأله ما ليس له به علم. وإذا نوح يثوب إلى نفسه ويتوب إلى ربه ويعوذ به من أن ~~يسأله ما ليس له به علم ويلتمس منه الرحمة والمغفرة: # ونادى ~~نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ~~وأنت أحكم الحاكمين * قال يا نوح إنه ليس ~~من أهلك إنه عمل غير صالح فلا ms095 تسألن ما ليس لك ~~به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * ~~قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ~~وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ~~. # ثم يأمر نوح أن يهبط إلى الأرض بسلام من الله عليه وعلى فريق ممن معه وينبأ بأن ~~فريقا آخر ممن معه يستمتعون في الحياة الدنيا ثم يضطرون إلى عذاب أليم. آمنوا بدعوة ~~نوح فنجوا من الغرق ولكنهم محتاجون إلى أن يمتحنوا في الدنيا فإن أحسنوا نجوا وإن ~~أساءوا فعذاب الله مدخر للذين يخالفون عن أمره ويظلمون أنفسهم: # قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك ~~وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم ~~منا عذاب أليم ~~. # وهنا تنتهي قصة نوح في هذه السورة الكريمة وينبئ الله نبيه بأن أحداث هذه القصة إنما ~~هي بالقياس إليه وإلى قومه من الغيب لم يعلمها النبي ولم تعلمها قريش إلا بعد أن أوحيت ~~إليه من هذه الآيات. ثم يأمر الله نبيه أن يصبر على ما يلقى من إعراض قومه عنه وإيذائهم ~~له كما صبر نوح على ما لقي من قومه فكانت له العاقبة؛ لأن العاقبة دائما للمتقين: # تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما ~~كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين ~~. # وما أشك في أنك حين قرأت هذه الآيات لم تعجل في قراءتها؛ لأنها مبسوطة قد اطمأنت ~~وتتابعت في رفق وفي مهل أيضا، فأنت تقرؤها مفكرا فيها معتبرا في أحداثها لا يعجلك عن ~~ذلك شيء، وأنت معجب بانبساط الحديث ومضي القصة في أناة تؤدي المعاني مستوية، ويأتي ~~الإيجاز حين يجب أن يأتي، فلا يضيع عليك شيئا من تمهلك ولا يعجلك عن التأمل ~~والتدبر. # ولكن لنقرأ معا هذه القصة نفسها في سورة أخرى هي سورة الشعراء، ولنوازن بين الأناة ~~هنا والسرع هناك، وسنرى أن من العسير أن نقف عند كل آية من آيات القصة في سورة الشعراء ~~كما وقفنا بإزاء الآية والآيات في القصة نفسها من سورة هود، وسترى ms096 سبب ما يكون بين ~~القصتين من فرق في السورتين. # وسورة الشعراء كلها تروع وتبهر بقصر آياتها وانسجامها في هذا القصر وفي اتساق ~~الفواصل في الآيات كلها حتى الآيات الأخيرة التي يقال إنها أنزلت في المدينة. وإن كانت ~~الآية الأخيرة من السورة أطول شيئا من سائر الآيات، وهي منسجمة كذلك بآيتين تأتيان ~~بنصهما في آخر كل قصة، بل في آخر كل حديث ما عدا آخر السورة وهما قول الله عز وجل: # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم ~~. # فهما تأتيان ختاما لكل حديث، وتوطئة للانتقال إلى حديث آخر أو قصة أخرى، وقد فصلت ~~آيات السورة على قدر واحد حتى كأن إحداهما لا تزيد على الأخرى أو تنقص عنها. # وهذا الأسلوب مألوف في القرآن تراه في سورة الصافات مثلا، وترى شيئا منه في قصار ~~السور التي أنزلت بمكة والتي تقرؤها في آخر المصحف. # وفي سورة الشعراء هذه يتجه الحديث أولا إلى المشركين من العرب وإلى قريش منها ~~خاصة، فيذكرون بآيات الله ويعاب جحودهم وإصرارهم على العناد والكفر، ويختم هذا ~~القسم من الحديث بالآيتين اللتين تلوناهما آنفا. ثم تأتي قصة موسى وإرساله إلى ~~فرعون وما كان من حديث موسى مع السحرة وما كان من إخراج موسى لبني إسرائيل من مصر عن ~~أمر الله، واتباع فرعون لهم وإنجاء الله لموسى وقومه، وإغراقه فرعون ومن معه، وتختم ~~القصة بالآيتين نفسهما، ثم تأتي قصة إبراهيم ومن بعدها قصة نوح ثم قصة ثمود فقصة قوم ~~لوط فقصة شعيب وقومه. ثم يعود الحديث فيتجه إلى قريش، حتى توشك السورة أن تنتهي فتختم ~~بالآيات المدنية التي يذكر فيها الشعراء. # وقصة نوح هنا موجزة أشد الإيجاز، لا يذكر فيها تفصيل العذاب الذي أخذ الله به ~~الظالمين من قوم نوح، وإنما يكتفي بذكر إغراق الله لهم، ولا يذكر فيها صنع الفلك وحمل ~~من حمل نوح فيه، ولا وصف الموج الذي جرت فيه السفينة ولا قصة ما أصاب ابن نوح من العذاب ~~ولا الحديث بين نوح ms097 وبين ربه؛ لا يذكر من هذا كله شيء وإنما يقص الحوار بين نوح وقومه ~~وإعراض قومه عن دعوته وإنذارهم نوحا بالرجم إن لن ينته عن دعوته، ودعاء الله نوحا أن ~~ينجيه، وما كان من نجاته في الفلك المشحون ونجاة من آمن معه وإغراق الظالمين. فقد ~~اختصرت القصة هنا؛ لأن ما قصد إليه من القصص كلها في هذه السورة إنما أريد به ~~إلى تذكير المشركين بآيات الله فيمن سبقهم من الأمم وتخويفهم أن يصيبهم مثل ما أصاب تلك ~~الأمم وإظهارهم على بطش الله بالظالمين، وعلى الآيات الكبرى التي آتاها الأنبياء قبل ~~محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # ومن أجل هذا اكتفى بما يؤدي هذه الأغراض في قوة وعنف يملكان على السامعين والقارئين ~~أمرهم كله، ومن أجل هذا أيضا أديت هذه الأغراض في هذه الآيات القصار المتتابعة في ~~نسق واحد كأنها السيل المندفع الذي يغمر كل ما يلقاه أو كأنها الريح العاصفة التي لا ~~تدع شيئا تأتي عليه إلا دمرته تدميرا. # واقرأ إن شئت هذه الآيات التي صورت فيها قصة نوح وقومه وقسها إلى الآيات التي ~~أثبتناها من سورة هود فسترى أنك حين تأخذ في قراءة الآيات هنا ستجد نفسك منساقا، بل ~~مدفوعا إلى المضي في القراءة حتى تبلغ آخر القصة لا تقف بين آية وأخرى، وإنما تقف ~~حين تبلغ ختام القصة لتتدبر وتتفكر. وأكاد أقطع بأنك إذا بدأت السورة من أولها فستمضي ~~فيها إلى آخرها ثم تراجع نفسك بعد ذلك في جملتها وتفصيلها وفي روعتها وإعجازها: # كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال ~~لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول ~~أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين * فاتقوا الله وأطيعون * ~~قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال ~~وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم ~~إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد ~~المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من ~~المرجومين * قال رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم ms098 فتحا ونجني ومن معي ~~من المؤمنين * فأنجيناه ومن معه في الفلك ~~المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم ~~. # وهذا الأسلوب الرائع مألوف في القرآن الكريم كما قدمناه يلتزم فيه تكرار آية بعينها ~~أو غير آية للانتقال من حديث إلى حديث، كما في سورة الصافات وسورة القمر، وأحيانا لا ~~يلتزم هذا التكرار، وإنما يرسل نظام الآيات إرسالا مع اتحاد الفواصل، كما في سور كثيرة ~~من المفصل. # وفي القرآن أسلوب آخر من التكرار للتخويف حينا وللتعجيز حينا آخر كما ترى في سورة ~~المرسلات من ختام الآيات دائما يقول الله عز وجل: # ويل ~~يومئذ للمكذبين ~~، والسورة كلها تخويف، وكما في سورة الرحمن ~~حيث تنتهي الآيات كلها بهذا الاستفهام الرائع: # فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان ~~، والسورة كلها تصف قدرة الله وتعدد آلائه على ~~الناس. # وأسلوب آخر في القرآن تتسق فيه فواصل الآيات ويلتزم فيها أو في أكثرها نسق بعينه ~~كالذي تراه في سورة مريم من ختام الآيات أو أكثرها بكلمات تنتهي بالياء المشددة ~~المفتوحة: # كهيعص * ذكر رحمت ربك عبده ~~زكريا * إذ نادى ربه نداء خفيا * ~~قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم ~~أكن بدعائك رب شقيا * وإني خفت الموالي ~~من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب ~~رضيا ~~. # وعلى هذا النسق تمضي آيات السورة حتى تذكر قصة يحيى ومريم والمسيح وطائفة أخرى من ~~الأنبياء لا تخالف عنه إلا في آيات قليلة. # والتزمت في قصة يحيى والمسيح آية بعينها مع شيء من الخلاف بين آخر القصتين، كان ~~الحديث عن يحيى حديثا عن الغائب فقيل في آخر قصته: # وسلام ~~عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ~~، وكان ~~المسيح يكلم في المهد بني إسرائيل فقيل في آخر كلامه: # والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث ~~حيا ~~. # وأسلوب آخر من الفواصل لا يلتزم فيه حرف بعينه كما التزمت الياء في مريم، أو ~~حرفان كما ms099 التزمت الياء والنون في الشعراء مثلا، وإنما تلتزم حركة بعينها هي الفتحة، ~~وإن اختلفت الحروف في أواخر الكلمات، كالذي ترى في سورة الكهف من التزام الكلمات ~~المنصوبة أو المفتوحة الآخر: # الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما ~~لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين ~~يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا * ~~ماكثين فيه أبدا * وينذر الذين قالوا اتخذ ~~الله ولدا * ما لهم به من علم ولا لآبائهم ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ~~* فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم ~~يؤمنوا بهذا الحديث أسفا * إنا جعلنا ما ~~على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا * أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا * إذ أوى الفتية إلى الكهف ~~فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا ~~رشدا * فضربنا على آذانهم في الكهف سنين ~~عددا * ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين ~~أحصى لما لبثوا أمدا * نحن نقص عليك ~~نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم ~~هدى ~~. # وتمضي السورة على هذا النحو إلى آخرها. # وكذلك التزمت الفتحة في سورة الإسراء، وكادت الراء أن تلتزم معها في أكثر فواصل ~~السورة. # والتزمت الفواصل المقصورة في أكثر سورة طه والنجم والأعلى والضحى. وحديث الفواصل في ~~القرآن أطول وأكثر تنوعا من أن نحصيه في هذا الفصل، وربما كان من الممكن أن يخص ~~لها كتاب كامل. # وما نجده فيها من التنوع إن دل على شيء فإنما يدل على أن القرآن قد أنزل ~~ليتلى، ويتلى في صوت يسمع، ذلك يظهر تنوع الآيات في خواتيمها وفواصلها، ويظهر ~~ألوانا مختلفة تروع باختلافها من الموسيقى، فإذا أضيف ذلك إلى عذوبة الألفاظ واتساق ~~النظم واختلاف الأسلوب باختلاف المقامات شدة ولينا وترغيبا وترهيبا وتبشيرا ~~وإنذارا، لم يشك سامع أو قارئ في أن فنون الإعجاز في القرآن أكثر وأروع من أن ~~تحصى أو يحاط بها. # وأكبر الظن أن التزام هذه الفواصل المتسقة إنما يكون حين يتحد موضوع ms100 السورة أو ~~يأتلف ائتلافا شديدا؛ فسورة الشعراء مثلا قد اختلفت فيها قصص الأمم التي كذبت ~~رسلها، ولكن موضوعها واحد هو التخويف والإرهاب وإنذار قريش وغيرها من مشركي العرب بأن ~~ما أصاب تلك الأمم التي أصرت على تكذيب الرسل قد يصيبهم إن أصروا على تكذيب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وسورة طه توشك قصة موسى أن تستغرقها، وفي سورة مريم تمجيد للأنبياء وتخويف ~~للجاحدين. # وأكبر الظن أيضا أن الفواصل حين تلتزم على هذا النحو يدل التزامها على أن السورة ~~أنزلت مرة واحدة ولم تنجم آياتها كما تكون الحال في سور أخرى لم تلتزم ~~فيها الفواصل على هذا النحو ولم يتحد موضوعها أو يشتد الائتلاف بين موضوعاتها إن تعددت. ~~واتحاد الموضوع نفسه وشدة ائتلاف الموضوعات حين تتعدد قد يشعر بأن السورة أنزلت ~~جملة واحدة وإن لم يلتزم في فواصلها ما نراه قد التزم في السور التي أشرنا ~~إليها. # فسورة يوسف مثلا قد اتحد موضوعها اتحادا لا شك فيه، قد قصرت على قصة يوسف، وما أرى ~~إلا أنها أنزلت جملة. # وقل مثل ذلك في سورة هود، أو فيما اشتمل عليه أكثرها من قصص الأمم التي كذبت رسلها، ~~فبعد أن بدئت بآيات فيها الإنذار والتخويف وضرب الأمثال للموعظة قصت فيها قصة نوح ~~في الآيات التي أثبتناها منذ حين. وعند الفراغ من قصة نوح عطفت عليها قصة عاد وبدئت ~~هذه القصة بالآية الكريمة: # وإلى عاد أخاهم هودا ~~قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم ~~إلا مفترون ~~. # ثم عطفت عليها قصة ثمود بنفس الأسلوب: # وإلى ثمود ~~أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها ~~فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب ~~مجيب ~~. # ثم عرض طرف من حديث إبراهيم وقصة لوط وقومه ثم قصة شعيب وقومه أهل مدين في قوله عز ~~وجل: # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال ~~والميزان إني أراكم ms101 بخير وإني أخاف عليكم عذاب ~~يوم محيط ~~. # ويلاحظ أن قصة قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب ختمت كلها بخواتم متشابهة، ~~فنرى في آخر قصة المغرقين من قوم نوح: # وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين ~~، وفي آخر قصة عاد وقوم هود نقرأ: # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا ~~إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم ~~هود ~~. # وفي آخر قصة ثمود قوم صالح نقرأ: # كأن لم يغنوا فيها ~~ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا ~~لثمود ~~. # ونقرأ في آخر قصة أهل مدين: # كأن لم يغنوا فيها ~~ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ~~. # وبعد هذا القصص، الذي يحدث أخبار الأمم التي كذبت نوحا وهودا وصالحا ولوطا ~~وشعيبا وموسى، تختم السورة بالتذكير بآيات الله وإثبات أن النبي صادق فيما يحدث به ~~لأنه يتلو أنباء لم يكن يعلمها ولم يكن قومه يعلمونها: # ذلك ~~من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم ~~وحصيد ~~. # وتنتهي السورة بتثبيت النبي # صلى الله عليه وسلم # بكل ما قص عليه في السورة وتخويف الذين لا ~~يصدقونه من المشركين، وإعلان أن الله مستأثر بغيب السموات والأرض، وأن مصير كل شيء وكل ~~إنسان إليه: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ~~ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين * وقل للذين لا يؤمنون ~~اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا ~~إنا منتظرون * ولله غيب السماوات والأرض ~~وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ~~ربك بغافل عما تعملون ~~. # وسور أخرى في القرآن تشبه سورة هود في خصائصها هذه وفي أنها أنزلت جملة واحدة ~~كسورة الأنفال التي أنزلت في غزوة بدر ولم تتجاوزها إلا إلى ما يتصل بقريش ~~وكفرها ومكرها بالنبي بما كانت وقعة بدر نتيجة له. # وكذلك سور أخرى في القرآن تكثر موضوعاتها وتتباعد الصلة بين هذه الموضوعات ولا يلتزم ~~في فواصلها ولا في أسلوبها نسق بعينه منذ تبدأ إلى أن تنتهي. فسورة البقرة مثلا كثرت ~~فيها الموضوعات وتباينت فدل هذا على أن السورة لم تنزل مرة واحدة وإنما نجمت ms102 ~~تنجيما؛ فهي تبدأ بذكر المؤمنين الذين يتقون الله ويؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة ~~وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بما أنزل على النبي وما أنزل على الأنبياء من قبله، ~~ويوقنون بالآخرة وما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب: # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون ~~. # ثم تتحدث عن الذين كفروا والذين لا يجدي إنذارهم أو إمهالهم والذين لا يؤمنون على كل ~~حال، وقد ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وغشيت أبصارهم وكتب عليهم عذاب عظيم. ثم تتحدث ~~عن المنافقين الذين يقولون آمنا وليسوا بمؤمنين والذين يريدون أن يخادعوا الله والذين ~~آمنوا فلا يخدعون إلا أنفسهم والذين في قلوبهم مرض فيزيدهم الله مرضا ويدخر لهم عذابا ~~أليما عقابا على كذبهم بإظهارهم الإيمان وإضمارهم الكفر. ثم تصف بدء الخلق وخلق آدم ~~وتذكر قصة إبليس حين أبى أن يسجد مع الملائكة إعظاما لخلق آدم، وطرده من الجنة، ~~وإغوائه آدم وزوجه حتى أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن أن يقرباها، وإخراجهما من ~~الجنة وتوبة الله على آدم آخر الأمر. # ثم تذكر اليهود فتطيل في ذكرهم وتفصل من أنبائهم وسيرتهم مع المسلمين ومحاجتهم ~~للنبي شيئا كثيرا. # ثم تذكر طرفا من قصة إبراهيم حين أنزل من ذريته بواد غير ذي زرع وحين بنى البيت ~~بمكة. وتذكر طرفا من حديث الأنبياء. ثم تذكر تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى المسجد ~~الحرام. ثم تذكر الصفا والمروة وأنهما من شعائر الله. وتذكر طرفا من حساب الكافرين يوم ~~القيامة. ثم تذكر البر وتبين حقائقه. ثم يشرع فيها القصاص وبعض أحكام الوصية ويشرع ~~الصيام وصيام رمضان خاصة. ثم يجاب فيها عن الذين يسألون عن الأهلة، ويذكر فيها ~~شيء من أمر القتال ومن أمر الحج ومن أمر المعاندين من مشركة قريش. ثم يذكر فيها إثم ~~الخمر والميسر، ويبين فيها للناس ما ينبغي لهم أن ينفقوا في صدقاتهم، ثم تشرع فيها ~~طائفة من أحكام الزواج والطلاق والعلاقة بين الأزواج وعدة المرأة إذا طلقت وإرضاع ~~الوالدات أولادهن وما لهن على أزواجهن من حق في ذلك، ms103 واسترضاع الأولاد عند غير أمهاتهن ~~وحق المرضعات على آباء من يرضعن من الطفل. # ثم يرجع الحديث إلى اليهود ويقص ما كان بين طالوت وجالوت من القتال وقتل داود ~~لجالوت وإيتائه الملك والحكم والنبوة. ثم تعظ المؤمنين وتذم الكافرين وتعلن ألا ~~إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي. وتذكر طرفا من حديث إبراهيم حين حاج الملك ~~الذي كفر فحجه، وحين سأل الله أن يريه كيف يحيي الموتى، فأراه الله من ذلك ما أراد. ثم ~~تأمر المؤمنين بالصدقة ملحة عليهم فيها مبينة لهم أحكامها ومرشدة لهم إلى خيرها ~~وأكملها ومواضعها. # ثم تحرم الربا وتشدد في تحريمه، ثم تأمر المؤمنين إذا تداينوا وتبايعوا أن ~~يكتبوا ما تداينوا عليه أو ما تبايعوه وأن يستشهدوا على ذلك رجلين أو رجلا وامرأتين ~~ممن يرضون من الشهداء، وتحظر كتمان الشهادة وتبين أن من يكتمها فإنه آثم قلبه، ثم تختم ~~السورة بإعلان ما اجتمع عليه النبي والمؤمنون من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ~~غير مفرقين بين أحد من رسله، ومن إذعانهم لربهم وإنابتهم إليه وسمعهم وطاعتهم لأمره ~~حين يأمرهم ونهيه حين ينهاهم، وتضرعهم إليه في ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، وألا ~~يحمل عليهم إصرا كما حمله على الذين من قبلهم، وألا يحملهم ما لا طاقة لهم به، ~~وأن يعفو عنهم ويغفر لهم ويرحمهم وينصرهم على الكافرين. # وواضح أن كل هذه الموضوعات إنما فصلت آياتها للناس في إبانها وحين اقتضت حياتهم ~~وظروفهم أن تتلى عليهم وتبصرهم بما يحتاجون إلى أن يبصروا به حين تنوب النوائب وتعرض ~~الأحداث. # ومثل هذا يقال في سورة آل عمران التي لم تكثر فيها الموضوعات كما كثرت في سورة ~~البقرة، ولكنها اختلفت وتباعدت. # فالسورة تبدأ بإثبات التوحيد، وأن الله الذي لا إله إلا هو نزل على رسوله الكتاب ~~بالحق وجعل فيه آيات محكمات وأخر متشابهات؛ فالذين زاغت قلوبهم يتبعون ما تشابه منه ~~ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، مع أن الله وحده هو العالم بتأويله، وأما الراسخون في ~~العلم من المؤمنين فيؤمنون بالكتاب كله محكمه ms104 ومتشابهه، وبأنه جاء من عند الله، يفهمون ~~منه ما يستطيعون ويكلون ما تشابه منه إلى الله. # ثم أخذت السورة في ذم الكافرين وتخويفهم، وبينت ما يفتن الناس في الحياة الدنيا ~~ويوبق بعضهم في الكفر وبعضهم في المعصية. # وذكرت اليهود وذمت بعض أعمالهم ونهت المؤمنين أن يتولوا الكافرين ورغبتهم في ~~اتباع النبي؛ لأنه دليل على حبهم لله، وحذرهم الله نفسه فيها، وعلم نبيه ~~والمؤمنين ما يدعون الله به من أنه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء ~~ويعز من يشاء ويذل من يشاء ومن أن بيده الخير ومن أنه على كل شيء قدير، ومن أنه ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ~~ويرزق من يشاء بغير حساب. # ثم قص الله فيها ما كان من استجابته لزكريا حين وهب له يحيى، وما جعل له من آية على ~~ذلك، ثم قص أنباء مريم والمسيح في شيء من التفصيل واسع، ثم جادل أهل الكتاب من ~~النصارى وأمر النبي أن يباهلهم إن حاجوه فيما جاءه من عند الله في أمر المسيح، ~~وأن يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء ألا يعبدوا إلا الله وألا يشركوا به شيئا وألا ~~يتخذ بعضهم أربابا من دون الله، وأن يشهدهم - إن أبوا - أنه وأصحابه مسلمون ~~لله. # ثم مضى في حديث أهل الكتاب من النصارى واليهود، فذكر شيئا من أخلاقهم وسيرتهم، وفرق ~~بين الأمناء منهم والخائنين، ثم ذكر إسرائيل وأنه أحل له الطعام كله إلا ما حرم هو ~~على نفسه من قبل أن تنزل التوراة. ثم فرض الحج على المسلمين من استطاع إليه سبيلا، ~~وذكر أن فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأن من دخله كان آمنا وأنه أول بيت وضع ~~للناس. # ثم أمر المؤمنين أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا، وأن يذكروا ما كانوا عليه ~~من القلة والضعف قبل أن يكثرهم ويؤمنهم. وكلفهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن ~~المنكر، وذكر المؤمنين والكافرين بيوم القيامة وما يكون فيه من نجح ms105 للمؤمنين وخزي ~~للكافرين. # كل هذا يأتي أثناء محاجة اليهود. ثم يفرق بين أهل الكتاب فمنهم المؤمنون الصالحون ~~الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات. ومنهم الكافرون ~~الذين يجحدون الحق وينسون نعمة الله عليهم ويشاقون الله ورسوله. ثم يحذر ~~المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين الذين يبغضونهم، ويعضون عليهم الأنامل من ~~الغيظ، ولا يألونهم خبالا، يفرحون إن أصابت المؤمنين سيئة، ويستاءون إن أصابتهم حسنة، ~~ويودون لو استطاعوا أن يردوا المؤمنين بعد إيمانهم كفارا، وهم مع ذلك يعلنون ~~الإيمان ويجهرون به. ثم ينهى الله المؤمنين أن يأكلوا الربا أضعافا مضاعفة، ويحذرهم ~~النار، ويأمرهم بطاعة الله ورسوله والمسارعة إلى مغفرة من ربهم وإلى جنة عرضها ~~السموات والأرض أعدت للمتقين، ثم يذكر وقعة أحد ويلوم المنهزمين فيها من المسلمين ~~ويعفو عنهم. ويمضي في أنباء هذه الوقعة وما كان بعدها وتثبيت قلوب المؤمنين وتهيئتهم ~~لما سيبلون به في أنفسهم وأموالهم ولما سيسمعون من أذى المشركين واليهود، ~~ويبشرهم بما أعد الله للشهداء عنده من حياة راضية. ويذكرهم بآياته ثم ~~يرغبهم في الصبر ويأمرهم أن يصبروا ويصابروا ويرابطوا ويتقوا الله لعلهم ~~يفلحون. # فهذه السورة اشتملت فيما عدا الوعظ والتخويف على ما قص الله من أمر المسيح وأمه ~~وعلى محاجة النصارى واليهود وعلى قصة أحد. فمن البين أن هذه الموضوعات لم تنزل ~~آياتها جملة، وإنما نزلت منجمة حسب الظروف والأحداث، وقل مثل هذا في سائر سور ~~القرآن الكريم. # فكل سورة يتحد موضوعها أو تتداعى موضوعاتها تداعيا شديدا ويلتزم فيها نسق بعينه ~~فيرجح أنها نزلت جملة. # وكل سورة تختلف موضوعاتها وتتباعد ولا تتداعى ولا يلتزم في آياتها نسق بعينه ~~فيرجح أنها نزلت منجمة. # والقرآن كله من عند الله، وهو وحدة في روحه وفي إعجازه مهما يختلف تنزيل سوره، ومهما ~~تختلف موضوعات السور ومذاهب القول فيها. # واختلاف مذاهب القول في القرآن دليل قوي من دلائل الإعجاز؛ فللقرآن وحدته من حيث إنه ~~يدعو دائما إلى أصول معينة: إلى توحيد الله، ونبذ الشرك على اختلاف صوره، والإيمان ~~بمحمد # صلى الله ms106 عليه وسلم # وما جاء به من القرآن، والإيمان بالرسل الذين جاءوا قبل محمد وما ~~أنزل عليهم من الكتب، والإيمان بالبعث وبالحياة الآخرة بعد هذه الحياة الأولى وما ~~يكون فيها من ثواب ونعيم لمن أجابوا دعوة الله، ومن عذاب وجحيم لمن أعرضوا عن هذه ~~الدعوة ونفروا منها واستكبروا على الله ورسوله. ثم هو يأمر الناس بأن يقيموا حياتهم على ~~هذه الأسس، حياتهم فيما بينهم وبين نفوسهم بحيث يبرءون من الرذائل كلها كبارها وصغارها ~~فلا يضمرون في أنفسهم منها شيئا، وحياتهم الظاهرة فيما يكون بينهم وبين غيرهم من ~~الناس فلا يظلمون ولا يستعلون ولا يؤثرون الشر، وإنما ينبذونه ما استطاعوا إلى نبذه ~~سبيلا ويؤثرون عليه الخير وحده فيحسنون إلى الوالدين ويتجنبون الإساءة إليهما حتى ~~ولو كانا مشركين. ففي هذه الحال يخالفونهما إلى الإيمان ويعاشرونهما في الدنيا ~~معروفا. ويبرون أولي القربى ويرحمون اليتامى والمساكين ويعطفون على الفقراء وأولي ~~الحاجة ويعدلون فيما بينهم وبين نظرائهم من صلة. والناس جميعا نظراؤهم مهما تكن ~~منزلتهم الاجتماعية؛ فالفقير نظير الغني والضعيف نظير القوي والرقيق نظير الحر، لكل ~~حقوق يجب أن تؤدى إليه وعلى كل واجبات يجب أن يؤديها. والمهم أن يلائم الإنسان بين ~~إيمانه بالله الواحد القوي العالم بكل شيء القادر على كل شيء وما أعد من خير للمحسنين ~~وما أعد من شر للمسيئين، أن يلائم بين إيمانه الصادق بهذا كله وبين ما يخفي وما ~~يظهر من ذات نفسه وما يأتي من الأعمال وما يدع منها. ومن أجل هذا يشرع الله للناس في ~~القرآن من الأحكام والأصول ما يبين لهم السبيل إلى هذه الملاءمة ويمهد لهم الطريق ~~إلى أن يقيموا حياتهم على السلم الكاملة بينهم وبين الله ما عاشوا في هذه ~~الدنيا. # والنفس المطمئنة التي ذكرها الله في سورة الفجر ودعاها إلى أن ترجع إلى ربها راضية ~~مرضية، وإلى أن تدخل في عباده وتدخل جنته إنما هي هذه النفس التي صدقت في إيمانها ~~بالله ورسله وكتبه وثوابه وعقابه، وأخلصت هذا الإيمان واطمأنت إليه فعاشت في سلم مع ms107 ~~الله لا تحاربه بالمعصية حربا ظاهرة أو باطنة. # وأما النفوس الأخرى التي لم تطمئن إلى إيمان ولم تستقم على ما أمرت به، وإنما جارت ~~عن القصد والتوت بها السبل فهي تظهر السلم وتضمر الحرب فتعلن الإسلام وتضمر ~~الكفر أو تضمر الإيمان ولكنها لا تثبت له ولا تقوى عليه، وإنما تقترف الآثام وتجترح ~~السيئات وتستجيب لشهواتها فتجور وقد أمرت بالعدل، وتفجر وقد أمرت بالبر، وتعصي وقد ~~أمرت بالطاعة. # كل هذه النفوس محاربة لله حربا خفية أو ظاهرة بالقياس إلى الناس، ولكنها جلية بينة ~~بالقياس إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وفي بيان ذلك يقول النبي # صلى الله عليه وسلم # فيما روى الشيخان: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين ~~يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن.» يريد أن ارتكاب الكبائر لا يكون من ~~الإنسان وهو مستحضر إيمانه بالله ورسوله وما أعد من ثواب وعقاب. فلو قد استحضر ~~الإنسان هذا الإيمان لصده عن الفواحش، ولكن غرائزه تطغى على نفسه كلها فتجور بها عن ~~الطريق، ثم يثوب الإنسان إلى نفسه أحيانا فيندم ويأسى ويتوب إلى الله ويسأله العفو ~~والمغفرة. # إلى هذا كله وإلى أكثر من هذا كله، دعا الله في القرآن في تفصيل أي تفصيل، وفي ~~ترغيب للراغبين وترهيب للراهبين، وتخويف للذين تغرهم أنفسهم وتزدان في أعينهم زهرة ~~الحياة الدنيا فيفتنون بها. فلا غرابة في أن تختلف مذاهب القوم في القرآن باختلاف ~~الموضوعات وباختلاف المقامات أيضا، وإنما الغرابة في التزام مذهب واحد من مذاهب القول ~~في التشريع والقصص والتبشير والإنذار والموعظة اللينة واللوم العنيف. وهذا التنوع في ~~مذاهب القول بتنوع الموضوعات والمقامات هو الذي يسميه أصحاب البيان في اللغة العربية ~~وفي غيرها أيضا مطابقة الكلام لمقتضى الحال. فالإنذار بقيام الساعة وما يكون فيه من ~~الهول، وبيوم الحساب وما يكون فيه من الشدة يقتضي أن يكون القول من القوة والأيد بحيث ~~يملأ القلوب رعبا، ولا سيما حين يكون النذير متجها إلى الملحين في الإنكار ms108 ~~والعناد والمكابرة. وأنت تقرأ من هذا الإنذار الشديد المروع في القرآن شيئا كثيرا. ~~واقرأ إن شئت طائفة من السور القصار في آخر المصحف فسترى تصوير الهول قد بلغ من القوة ~~ما يملأ النفوس رهبا ورعبا. # واقرأ إن شئت ما جاء في سورة التكوير والانفطار والانشقاق، وانظر إلى ما فيها من هذه ~~الآيات القصار المتلاحقة التي تنصب على السامعين كأنها الصواعق المتتابعة. واقرأ ~~إن شئت في السور الطوال والقصار جميعا بعض الآيات التي يستحضر فيها يوم الحساب وما ~~يكون فيه من الهول المروع للمجرمين ومن الأمن الآمن للمؤمنين، فسترى الشدة كل الشدة ~~واللين كل اللين وستراهما متجاورين، وستحس كأنك تشهد ما أعد للمجرمين من هول وما أعد ~~للمؤمنين من أمن فتضطرب نفسك أشد الاضطراب بين الرهب والرغب وبين الخوف والأمن. ~~وقلما يفترق الترهيب والترغيب في القرآن وإنما يوشكان أن يجتمعا دائما. ولأمر ما ~~كان هذا الاجتماع، فالله لا يوئس الكافرين من رحمته حتى يفتح لهم باب الأمل فيها ~~ويمد لهم أسبابه إليها. فليس بين الكافر الجاحد المعاند الذي يرى عذابه كأنه حاضر بين ~~يديه وبين الجنة ونعيمها إلا أن يؤمن. # فالكافر بين شيئين يكاد يراهما رأي العين حين يتلى عليه القرآن: عن يمينه جنة فيها ~~الأمن والرضى والنعيم، وعن شماله النار فيها الهول والروع والعذاب وما عليه إلا أن ~~يختار. والله لا يوئس المؤمن العاصي وإنما يجعل بين يديه خطيئته التي تكبه على ~~وجهه في النار وتوبته التي تسعى به إلى الجنة. والله يبين للكافرين وللعصاة من المؤمنين ~~أنه غفور رحيم وأن رحمته وسعت كل شيء، وأن السبيل إلى رحمته هو أن يؤمن الكافر وأن يتوب ~~المؤمن ويصلح، وكلاهما مختار بين ما يدخله الجنة وما يوقعه في النار. # وقف إن شئت عند كل موضوع عرض له القرآن فسترى من ملاءمة القول للموضوع وللمقام مثل ~~ما بينت لك آنفا. # ولو ذهبت أصف فنون الإعجاز في القرآن وملاءمة كل مذهب من مذاهب القول فيه لما فرغت ~~من هذا الحديث. والقرآن بعد ذلك بين ms109 يدي كل ذي بصيرة يستطيع أن يقرأه وأن يقف عند سوره ~~وآياته متدبرا متأملا مستبصرا، فسيرى من غير شك أني لم أبلغ من وصف القرآن ~~وإعجازه بعض ما أريد، وإعجاز القرآن شيء يشعر به القلب وتمتلئ به النفس ويذعن له ~~الضمير ويعجز عن وصفه القلم واللسان. # وواضح أني لم أرد في هذا الحديث إلا أن أصور تصويرا مقاربا موقع القرآن من ~~قلوب الذين سمعوه حين كان النبي يتلوه على الذين استجابوا له والذين امتنعوا عليه، ولم ~~يكن امتناعهم عليه إلا إمعانا في العناد ولجاجا في المراء. # ولننتقل الآن إلى الأصل الثاني من أصول الإسلام وهي السنة. # 3 # أشرت في أول الكتاب الثاني أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قد أرسل بشيرا ونذيرا وشاهدا على ~~أمته وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ كما نص الله عز وجل ذلك في سورة ~~الأحزاب. # وأريد أن أبين في هذا الفصل أن ما ثبت من سنة النبي قولا وعملا إنما هو خلاصة ~~تبشيره وإنذاره وشهادته ودعوته إلى الله، وأن أبين أيضا أن النبي كان كما أشرت ~~إلى ذلك في أول هذا الكتاب معلما حياته كلها منذ بعث إلى أن آثره الله بجواره. كان ~~يتلو القرآن على المسلمين ويفسر لهم منه ما يحتاج إلى تفسير، ويفصل لهم منه ما ~~كان مجملا يحتاج إلى التفصيل، وكان يعلم أحيانا عن أمر الله له في القرآن نصا. ~~فالله يأمره أن ينبئ عباده بأنه هو الغفور الرحيم وبأن عذابه هو العذاب الأليم، وذلك في ~~قوله من سورة الحجر: # نبئ عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم * وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم ~~. # ويأمره أن يقول لعباده إن سألوه عن الله إنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ويأمرهم ~~أن يستجيبوا له ويؤمنوا به لعلهم أن يرشدوا، وذلك في قوله من سورة البقرة: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون ~~. # ويأمره أن يقول لعباده الذين يسرفون على أنفسهم باقتراف الذنوب: لا تقنطوا من رحمة ms110 ~~الله؛ لأنه يغفر الذنوب جميعا، ولأنه هو الغفور الرحيم. وذلك في قوله من سورة الزمر: # قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ~~لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ~~إنه هو الغفور الرحيم ~~. # وفي غير آية من القرآن الكريم يأمر الله النبي أن يعلم عباده أشياء كثيرة مما يريد ~~أن يعلموها، سواء في ذلك ما كان أمرا لهم بالخير، أو نهيا لهم عن الشر، أو تثبيتا ~~لقلوبهم، أو عصمة لهم من اليأس والقنوط. # وأحيانا يأمره أن يقول لهم أشياء ليس فيها أمر ولا نهي ولا تثبيت للقلوب، وإنما فيها ~~مجرد العلم، مثل قوله في سوره الكهف: # قل لو كان البحر ~~مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ~~ربي ولو جئنا بمثله مددا ~~. # فهو في هذه الآية لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثبت قلوبهم ولا يذود عنهم اليأس، وإنما ~~يعلمهم أن كلامه أزلي خالد لا سبيل إلى إحصائه ولا إلى انقضائه، حتى ولو حاول الناس ~~كتابته بمداد يشبه في كثرته ما في البحر من الماء، حتى ولو مد هذا البحر ببحر آخر ~~مثله. # وفي موضع آخر من القرآن يذكر الله هذا المعنى في تفصيل أكبر وأشمل، ويتحدث هو إلى ~~الناس في الآية الكريمة من سورة لقمان: # ولو أنما في ~~الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة ~~أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز ~~حكيم ~~. # وأحيانا أخرى يوجه الله عز وجل الحديث إلى الناس ولا ينص أمره بتكليف النبي أن ~~يعلمهم كذا أو كذا. ولكنه على ذلك قد اختاره لرسالته وأمره أن يبلغ ما أنزل إليه من ~~ربه وأن يبلغه كاملا كما أنزل إليه لا يزيد فيه ولا ينقص منه. # وهذا الأمر نفسه يقتضي أن يبلغ النبي نص ما أنزل إليه كما ألقي في قلبه، وأن ~~يبينه للناس حين يحتاجون إلى بيانه، وهو بينه للناس بما يلقي الله في قلبه من ~~العلم. # فالله يأمر المؤمنين أن يقيموا الصلاة، ويأمرهم أن يؤتوا الزكاة، ولكنه لا ms111 يبين ~~لهم في القرآن كيف تؤدى الصلاة، ولا يبين لهم مواقيتها في تفصيل ولا يبين لهم عدد ~~الركعات في كل صلاة، وإنما يعلم نبيه هذا كله بما يلقي في قلبه من المعرفة. وعلى النبي ~~أن يعلم الناس مما علمه الله، ولا يخفي عليهم منه شيئا يمكن أن ينفعهم في الدنيا ~~والآخرة إن فعلوه، أو يمكن أن يضرهم في الدنيا أو الآخرة إن اقترفوه. فالنبي حين يصلي ~~الصبح ركعتين بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس إنما يفعل ذلك عن أمر ربه، ويفعله لأداء ~~واجب عليه، ثم ليعلم الناس كيف يؤدون ما يجب عليهم من الصلاة لله تعالى. # وقل مثل ذلك في سائر الصلوات المكتوبة. وهو حين يصلي بعض النوافل قبل أداء المكتوبة ~~أو بعدها إنما يفعل ذلك عن تعليم الله له، وليعلمه للناس على أنه ليس حتما عليهم، بل ~~هو مستحب منهم. وهو حين يبين النصاب الذي تجب فيه الزكاة من المال، ومقدار ما يطلب ~~في هذه الزكاة، إنما يبين ذلك للناس عن أمر ربه أيضا. # وقل مثل ذلك في كل ما أجمله القرآن وفصله النبي بتعليمه للناس بالقول أحيانا ~~وبالعمل أحيانا وبهما جميعا أحيانا أخرى. # وقد بين الله للناس كيف يؤدون إليه حقه عليهم من صيام رمضان، فأمرهم أن ~~يحيوا حياتهم المألوفة ليلا حتى إذا تبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر صاموا عن الطعام وعن أشياء أخرى مما ألفوا إلى الليل. # ولكن هذا الصيام الذي بينه الله وبين ما رخص فيه لمن كان مريضا أو على سفر لم ~~يفصل في القرآن كل التفصيل، فالناس يألفون أشياء كثيرة في حياتهم كلها مباح لهم ولم ~~يحظر الله على الناس من هذه الأشياء في القرآن إلا الطعام والشراب والرفث. وفصل النبي ~~للمؤمنين سائر ما يجب عليهم أو يحسن بهم أن يجتنبوه وما لا حرج في أن يأتوه، وقل ~~مثل ذلك في الحج وفي كل ما أمر الله به أو نهى عنه إجمالا أو تفصيلا. # فقد كان النبي # صلى الله عليه ms112 وسلم # إذن أول مفسر للقرآن، وهو فسر القرآن بالقول وبالعمل، ~~ولأمر ما جعلت كتب الحديث بين أبوابها بابا نقلت فيه ما روي عن النبي # صلى الله عليه وسلم # من ~~قول أو عمل بمناسبة سورة أو آية من القرآن. والله قد طلب إلى الناس في القرآن أن ~~يؤمنوا به وبرسوله محمد # صلى الله عليه وسلم # وبالأنبياء والرسل الذين جاءوا قبل محمد وبما أنزل من ~~كتب قبل القرآن، وأن يؤمنوا باليوم الآخر وما يكون فيه من الحساب والثواب والعقاب وأن ~~يؤمنوا بالملائكة، فقال في الآية الكريمة من سورة البقرة: # آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من ~~رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير ~~. # وقال في أول السورة نفسها في بيان المتقين: # الذين ~~يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ~~ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك ~~على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ~~. # والله ذكر الإسلام فقال في سورة آل عمران: # إن الدين عند ~~الله الإسلام ~~. # وقال في سورة الأنعام: # فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ~~ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون ~~. # وذكر الله في غير موضع من القرآن أن إبراهيم قد أسلم وجهه لله، وأنه لم يكن يهوديا ~~ولا نصرانيا وإنما كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين، قال في سورة آل عمران: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين * إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ~~وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين ~~. # وقال في سورة البقرة على لسان إبراهيم: # ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ~~إنك أنت العزيز الحكيم * ومن يرغب عن ~~ملة إبراهيم إلا ms113 من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في ~~الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين * ~~إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني ~~إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون * أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب ~~الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد ~~إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون * تلك أمة قد خلت ~~ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون * وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ~~ قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * ~~فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم ~~. # فالله يثبت في هذه الآيات دعاء إبراهيم وإسماعيل أثناء رفعهما القواعد من البيت أن ~~يجعلهما الله مسلمين له، وأن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة له، وأن يبعث في هذه الأمة ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة، وينبئنا بعد ذلك بأن أبناءه ~~وأحفاده ظلوا مسلمين من بعده، وأن يعقوب قد وصى بنيه بالإسلام وامتحنهم فيه حين حضره ~~الموت. # ثم ينبئنا بأن أهل الكتاب يزعمون أن من أراد الهدى فعليه أن يكون يهوديا أو ~~نصرانيا، ثم يأمر الله نبيه أن يرد عليهم بقوله: # بل ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~. # ويأمر المؤمنين بأن يعلنوا إيمانهم بالرسل والنبيين من قبلهم، وبما آتاهم ربهم من ~~كتاب وعلم ودين وأنهم مسلمون لله. # ويقول الله في سورة الحج: # يا أيها الذين آمنوا ~~اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ~~تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو ~~اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ~~أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم ms114 وتكونوا شهداء على الناس ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم ~~ فنعم المولى ونعم النصير ~~. # فإبراهيم إذن هو الذي سمى المؤمنين مسلمين، وهو أبوهم، وقد كان مسلما. وقد قرأت ~~آنفا ما قص الله من دعائه في سورة البقرة، ودعاء إسماعيل معه، حين سألا ربهما أن ~~يجعلهما مسلمين له ويجعل من ذريتهما أمة مسلمة له. # فالله إذن قد ذكر الإيمان والإسلام في هذه الآيات التي تلوناها ولم يفرق بينهما. ~~كلاهما فيه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد في سبيل الله وفعل الخير، وأداء كل ما ~~يأمر الله به، واجتناب كل ما نهى الله عنه. والله قد ذكر الإيمان والإسلام في آيات أخرى ~~كثيرة من القرآن ولم يفرق بينهما. فقال في سورة «المؤمنون» بصف الذين آمنوا حق الإيمان ~~وهو بذلك يعرف الإيمان تعريفا عمليا بأنه أداء ما أمر الله به واجتناب ما نهى ~~عنه: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو ~~معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم ~~العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون ~~. # ويقول الله في سورة الأحزاب: # إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين ~~والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات ~~والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات ~~والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة ~~وأجرا عظيما ~~. # فهو في هذه الآية يعطف المؤمنين على المسلمين، وفي هذا العطف إشارة إلى أن بين ~~الإسلام والإيمان شيئا من الاختلاف. وليس من الضروري أن يكون هذا الاختلاف تناقضا أو ~~تغايرا بين اللفظين، وإنما يمكن أن يأتي الاختلاف من أن بين معنى هاتين الكلمتين ~~شيئا من الافتراق في الزيادة والنقص. فمعنى إحدى الكلمتين أكمل من معنى الكلمة الأخرى. ~~ثم يعدد الله في هذه الآية الكريمة صفات كلها يدخل في معنى الإيمان وفي معنى ~~الإسلام، فهي تدل على ms115 أوامر من الله يجب أن تؤدى ونواه من الله يجب أن يجتنب ما ~~تنهى عنه. # على أن الله يوضح الفرق بين الإسلام والإيمان توضيحا لا يحتمل نزاعا في قوله من ~~سورة الحجرات: # قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في ~~قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من ~~أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~. # فأولئك الأعراب الذين أعلنوا أنهم آمنوا، يأمر الله نبيه أن يرد عليهم بأنهم لم ~~يؤمنوا، ويأذن لهم في أن يقولوا أسلمنا، وإن كان الإيمان لم يدخل في قلوبهم بعد. ثم ~~يعلن إليهم أنهم إن يطيعوا الله ورسوله لا ينقصهم الله من أعمالهم شيئا، وإنما يوفيهم ~~أجر ما عملوا كاملا يوم القيامة؛ ذلك أن الله غفور رحيم. # وإذن فقد كان في عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # مؤمنون ومسلمون، فما عسى أن يكون الفرق بين ~~الإيمان والإسلام؟ فأما الإيمان فالظاهر من هذه الآية الكريمة نفسها أنه شيء في القلوب ~~قوامه إخلاص الدين لله من دخيلة النفس واستقرار التصديق بوجوده وبإرساله النبي وبكل ما ~~أوحي إليه في أعماق الضمير. ونتيجة هذا الإيمان الاستجابة لله ولرسوله في كل ما يدعوان ~~إليه، من غير جمجمة ولا لجلجة ولا تردد مهما تكن الظروف والخطوب والكوارث والأحداث ~~على نحو ما ذكر الله من أمر المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم ~~القرح يوم أحد، فخرجوا مع النبي في أعقاب المشركين من قريش، على ما أصابهم من حزن، ~~وما بذلوا في الموقعة من جهد وما كانوا عليه من قلة وضعف، والذين قال لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم هذا القول إيمانا، وصمموا على اتباع النبي وقالوا: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل. وذلك في قول الله في سورة آل عمران، بعد أن ذكر حياة الشهداء ~~عنده: # فرحين بما آتاهم الله من فضله ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون ~~بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر ms116 المؤمنين ~~* الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما ~~أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر ~~عظيم * الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله ~~وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو ~~فضل عظيم ~~. # ولازمة أخرى من لوازم هذا الإيمان ذكرها الله في سورة الأنفال، هي الخوف العميق من ~~الله إذا ذكر اسمه، والثقة العميقة بالله إذا جد الجد، وازدياد التصديق إذا تليت ~~آيات الله، وذلك في قوله: # إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ~~. # فهذا هو الإيمان صورناه تصويرا مقاربا. فأما الإسلام فهو الطاعة الظاهرة لما يأمر ~~الله ورسوله به وما ينهيان عنه، بأداء الواجبات واجتناب المحظورات، وإن لم يبلغ الإيمان ~~الصادق من القلب المبلغ الذي وصفه الله في الآيات الكريمة التي أثبتناها آنفا. فمن ~~الناس من يسلمون خوفا من البأس، كما أسلم الطلقاء من قريش يوم فتح مكة، ومنهم من يسلم ~~خوفا وطمعا كالأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الحجرات، وجائز أن يصير هذا الإسلام ~~إلى الإيمان على مر الزمن؛ ومن أجل ذلك اصطنع الله لفظ «لما» في قوله في الآية التي ~~أثبتناها آنفا بشأن هؤلاء الأعراب: # ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم ~~، فكل مؤمن مسلم؛ لأنه يصدق تصديقا عميقا ~~ويطيع الطاعة الظاهرة والباطنة. وليس كل مسلم مؤمنا. والإسلام كما شرحناه آنفا هو ~~الذي يعصم نفوس أصحابه وأموالهم من النبي ومن أولي الأمر بعده إلا بحقها وحسابهم على ~~الله. # ذلك أن النبي كان كثيرا ما يستأذن في قتل المنافقين أو من يظهر منهم الشك فيأبى ~~ويقول: إني لم أومر بالتنقيب عما في قلوب الناس. # والإيمان يزيد وينقص ولا داعي لتكلف الدليل على ذلك، فقد نص الله ذلك في القرآن في ~~الآية التي أثبتناها آنفا من سورة الأنفال حيث يقول: # وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~، وفي الآية التي ~~أثبتناها أيضا من سورة آل عمران حيث ms117 يقول الله: # الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ~~. # وما تجوز عليه الزيادة يجوز عليه النقص، ومن أجل هذا يذكر في حديث الشفاعة أن الله ~~يقول لنبيه حين يشفع عنده في أمته: اذهب فأخرج من النار من كان في قلبه مقدار حبة من ~~إيمان. ثم يقول له آخر الأمر: اذهب فأخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~الإيمان. # والإسلام كذلك يضيق ويتسع، فإسلام إبراهيم عليه السلام لم يكن طاعة ظاهرة تؤديها ~~الجوارح وإنما كان طاعة واسعة عميقة تملأ القلب وتمتزج بالنفس وتسخر لها الجوارح ~~ويقدم لها على ما لا يقدم الناس عليه إلا بالجهد كل الجهد واستكراه النفس عليه أشد ~~الاستكراه. ومن أجل ذلك قدم إبراهيم ابنه ضحية، وكاد يبلغ من ذلك غايته لولا أن كفه ~~الله عن ذلك فناداه: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. ثم فداه بذبح عظيم. # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # مسلما وكان سائر الأنبياء مسلمين كما رأيت منذ حين. فلم يكن ~~إسلام الأنبياء جميعا طاعة ظاهرة، وإنما كان إسلامهم أوسع وأعمق وأصدق ما يمكن أن ~~يكون الإسلام. # وإسلام الصالحين من أصحاب النبي كذلك لم يكن كإسلام الأعراب ضيقا يقف عند الطاعة ~~الظاهرة وإنما كان أوسع وأعمق من هذا. # ومن أجل ذلك تحدث الله عنهم في القرآن حين قال في سورة الفتح: # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة ~~؛ فهم قد كانوا بايعوا رسول الله على الموت، طابت أنفسهم عن ذلك ~~استجابة لله ورسوله. وتحدث الله عنهم أيضا بأنه رضي عنهم ورضوا عنه. # وللإسلام بعد ذلك معنى آخر أخص جدا من هذا، فهو علم على الدين الذي يرضاه الله ~~لعباده. # وقد نص الله ذلك في قوله من سورة المائدة: # اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ~~. # وفي قوله من سورة آل عمران: # إن الدين عند الله ~~الإسلام ms118 ~~. # وقد ذكر الله شيئا ثالثا في القرآن وهو الإحسان وذلك في قوله من سورة النحل: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون ~~. # وفي الآية التي أثبتناها من سورة آل عمران حيث يقول: # الذين ~~استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ~~للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ~~. # وفي كل آية ذكر الله فيها: # لا يضيع أجر ~~المحسنين ~~، أو أنه «يجزي المحسنين» أو أنه # يحب المحسنين # كل هذا يدل على الإحسان؛ لأن لفظه مشتق منه ولأن ~~معناه يلائم ما أمر الله به. # والإحسان هو أن يبلغ الإنسان في الطاعة حتى يصل منها إلى أقصى ما يطيق لا يفتر ولا ~~يكسل ولا يقصر، بل يجتهد بقلبه ونفسه وجوارحه ما وجد إلى الاجتهاد سبيلا. # فهذه كلمات ثلاث في القرآن: الإيمان والإسلام والإحسان، يكثر استعمالها وتتقارب ~~معانيها، وقد عرفها النبي # صلى الله عليه وسلم # فلم يجعل في واحدة منها شكا. وذلك في الحديث ~~الذي رواه الشيخان عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من أهل ~~نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، ~~فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: خمس صلوات في اليوم والليلة. فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، ~~إلا أن تتطوع. قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: وصيام رمضان. قال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا ~~أن تتطوع. قال: وذكر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # الزكاة. قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن ~~تتطوع. قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أفلح إن صدق.» # فهذا الحديث يفسر الإسلام الذي كان عليه الأعراب، وهو هذه الطاعة الظاهرة في أداء ~~الفرائض واجتناب المحظورات. # ولكن لأبي هريرة حديثا أجمع من حديث طلحة وإن كنت أخشى أن يكون في آخره شيء من ~~تزيد وقد ms119 رواه الشيخان أيضا، قال أبو هريرة: كان النبي # صلى الله عليه وسلم # بارزا يوما للناس ~~فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه وبرسله وتؤمن ~~بالبعث. قال: وما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي ~~الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك. قال: متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن ~~أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا ~~يعلمهن إلا الله. ثم تلا النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: # إن الله عنده ~~علم الساعة # الآية. ثم أدبر. فقال: ردوه. فلم يروا شيئا، فقال: هذا ~~جبريل جاء يعلم الناس دينهم. # والقسم الأول من الحديث هو الذي يعنينا؛ لأنه مطابق للقرآن فالإيمان - كما وصفه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- هو الذي ذكره الله في الآية المتقدمة من سورة البقرة، وكذلك الإسلام ~~والإحسان. والله عنده علم الساعة - ما في ذلك شك - لأنه منصوص في القرآن، فأما أشراطها ~~التي جاءت في الحديث، وأن الرجل الذي جاء يسأل النبي كان جبريل أقبل يعلم الناس ~~دينهم فإنا نتركه لأبي هريرة ولمن روى عنه يحملون تبعته. # وفي حديث آخر - يرويه الشيخان عن عبد الله بن عمر - يذكر النبي الأركان الخمسة ~~للإسلام فيقول: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان. # وهذه الأركان كغيرها من الأعمال التي أمر الله بها أو ندب إليها. والتي علمها النبي ~~لأصحابه لا تقبل من أصحابها إلا إذا حسنت نيتهم وصدق إيمانهم حين يؤدونها. ومن أجل ~~ذلك قال النبي في الحديث الذي يروى عن عمر، والذي يوشك ثقاة المحدثين أن يجمعوا على ~~صحته حتى قال بعضهم إنه متواتر: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت ~~هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته ms120 إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.» ومعنى هذا أن إخلاص النية لله فيما يؤدي ~~الإنسان من الفرائض وما يأتي من أعمال الخير والبر شرط لصحة ما يأتي وما يدع، وقبول ذلك ~~من الله عز وجل. والنية لا تكون بالألسنة وحدها، وإنما يجب أن تكون في أعماق القلوب ~~سواء أنطق بها الإنسان أم لم ينطق. # ومن أجل هذا كله تأذن الله أن أعمال المنافقين لا تقبل وأنبأ بأنهم في الدرك ~~الأسفل من النار وقال لنبيه: # استغفر لهم أو لا ~~تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر ~~الله لهم ~~. # ونهاه آخر الأمر عن أن يصلي على أحد منهم مات أبدا أو يقوم على قبره؛ ذلك لأنهم ~~كانوا يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، يعلنون الإيمان ويبطنون الكفر. وكانوا إذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى لا ينشطون لها ولا يقبلون عليها من قلوبهم، كأنما كانوا ~~يستكرهون عليها استكراها. # ولم يكتف النبي بتعليم الناس حقائق الإيمان والإسلام والإحسان، وإنما كان يعلمهم ~~خصائص هذه الخصال الثلاث، وما ينبغي لأصحابها من العمل وما يجب عليه أن يجتنب في خاصة ~~حياته وفي صلاته بالناس. فكان يعلمهم أن الإنسان لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ~~وكان يعلمهم أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينبغي له أن يؤذي جاره ولا أن ~~يقصر في إكرام ضيفه، وكان يعلمهم أن جائزة الضيف يوم وليلة، وأن الضيافة ثلاثة ~~أيام وأن ما زاد على هذه الأيام الثلاثة من القرى فهو صدقة على الضيف. # وكان يعلمهم حتى الأشياء التي بينها الله في القرآن بيانا لا لبس فيه؛ فالله قد ~~بين الوضوء في الآية الكريمة من سورة المائدة: # يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى ~~أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم ms121 منه ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون ~~. # فالله قد بين للناس في هذه الآية كيف يتوضئون للصلاة وأن عليهم أن يغتسلوا إن ~~كانوا جنبا فإن لم يجدوا الماء للوضوء أو للاغتسال أو كان الماء يؤذيهم إن اصطنعوه ~~لمرض يمنعهم من اصطناعه أو كانوا مسافرين فلهم أن يمسوا صعيدا طيبا وأن يمسحوا منه ~~وجوههم وأيديهم إلى المرافق فذلك يجزئهم عن الوضوء والغسل جميعا. ثم بين الله تعالى في ~~آخر الآية أنه لا يريد أن يشق على عباده وإنما يريد منهم أن يطهروا. # وعلى رغم ما في هذا كله من الوضوح فقد كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يتوضأ للناس ليريهم كيف ~~يتوضئون، وكان يتيمم لهم أيضا ليريهم كيف يتيممون. وكان يذكر لهم كيف يغتسلون، كل ~~هذا ليكون المسلمون على ثقة مما يأتون ويدعون، وليكون النبي مؤديا لرسالته على أتم وجه ~~وأحسنه، وكان يلح عليهم في النظافة؛ نظافة أجسامهم وثيابهم ومجالسهم، بل نظافتهم في ~~حياتهم مع الناس، فكان ينهى الذين يأكلون البصل أو الثوم أو أي شيء تؤذي رائحته أن ~~يدخلوا المسجد ويشهدوا صلاة الجماعة؛ حتى لا يؤذي بعضهم بعضا. وكان يرخص لهم في الصلاة ~~فرادى في بيوتهم حتى يذهب عنهم ما يمكن أن يؤذي جلساءهم. وكان يلح عليهم أن تكون طرقهم ~~التي يمشون فيها نظيفة، وينبئهم بأن إماطة الأذى عن الطريق فضيلة يكمل بها ~~الإيمان. # وكان يكره لمن عنده فضل من الماء أن يمنعه ابن السبيل ومن تشتد حاجته إليه. # ثم كان يحثهم على الأمانة في معاملاتهم كلها في حفظ الودائع وأدائها إلى أصحابها وفي ~~البيع والشراء وفي جميع أقوالهم وأعمالهم، وكان يشدد عليهم في العدل في صلاتهم كلها ~~ويحرج على المختصمين بين يديه أن يجور بعضهم على بعض ولو بفصاحة الألسنة والبراعة في ~~الجدل، وكان ينبئهم بأن من غلب خصمه باللسن أو قوة العارضة ثم قضي له بغير ما يستحق ~~فإنما قضي له بقطعة من النار. # وكان بهذا كله ينفذ فيهم ms122 قول الله تعالى في سورة النساء: # إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما ~~يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ~~. # وكان يشدد في تخويف الحكام من الأئمة والولاة والقضاة بالعذاب الشديد إن جاروا في ~~الرعية ولم يرفقوا بها ولم يرعوا العدل في أحكامهم؛ تنفيذا لقول الله في الآية الكريمة ~~من سورة النحل: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~ يعظكم لعلكم تذكرون ~~. # ولم يكن شيء أبغض إليه من نقض العهود والحنث في الأيمان، يبين للناس قول الله من ~~سورة النحل: # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم ~~كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون * ولا تكونوا ~~كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة ~~ إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ~~ما كنتم فيه تختلفون ~~. # وكان شديد الحياء جدا وكان شديدا فيه على أصحابه، وكان يقول لهم إن الحياء شعبة من ~~الإيمان، ثم كان لا يدع صغيرة أو كبيرة من أعمال الناس في حياتهم العامة والخاصة إلا ~~بين لهم ما يحسن أن يأتوا منها وما يحسن أن يتركوا، وكان يعظهم فيبلغ في الموعظة حتى ~~يوشك أن يشرف بهم على اليأس. ثم يبشرهم فيبلغ في تبشيرهم حتى يفتح لهم أبواب الرجاء على ~~مصاريعها. وكان كثيرا ما يقول لأصحابه: لو تعلمون ما أعلم لضحكتكم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا. # ثم كان يحب اليسر في الأمر كله لا يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وكان يقول ~~لأصحابه: إنما بعثتم ميسرين لا معسرين. وكان يكره الغلو في الدين وتجاوز القصد في ~~العبادة، بلغه أن رجلا من أصحابه ومن خيارهم هو عبد الله بن عمرو بن العاص أزمع أن ~~يصوم الدهر ويقوم الليل فراجعه في ذلك أشد المراجعة، وذكره بأن لجسمه عليه حقا ولأهله ~~عليه حقا، وما زال به حتى ألزمه بعدما رأى ms123 من تشدده أن يصوم يوما ويفطر يوما، ~~وأنبأه أن ذلك كان صيام نبي الله داود. # وأبى على رجل من كرام أصحابه - هو عثمان بن مظعون - أن يترهب ويعتزل أهله. # وكان هو يشتد على نفسه في العبادة فيقوم كثيرا من الليل وربما واصل بين الليل ~~والنهار في صيامه، وكان أصحابه يريدون أن يصنعوا صنيعه فينهاهم عن ذلك أشد النهي كراهة ~~أن يشددوا على أنفسهم فيشدد الله عليهم. ويقول لهم في مواصلة الصوم: إني لست كهيئتكم ~~إني أظل يطعمني ربي ويسقيني. يريد أن الله يمنحه من الصبر والجلد وحسن الاحتمال ما لا ~~يمنح غيره من أصحابه. # ونحن نروي لك شيئا من موعظته لأصحابه لترى كيف كان يبلغ بوعظه أعماق النفوس ودخائل ~~الضمائر. # قال لأصحابه ذات غداة: إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي: ~~انطلق. وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو ~~يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتهدهد الحجر هاهنا، فيتبع الحجر، فيأخذه، فلا يرجع ~~إليه حتى يصح رأسه كما كان. ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى. # قال: قلت لهما: سبحان الله! ما هذان؟ # قال: قالا لي: انطلق. # قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكوب من حديد، وإذا ~~هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه. # قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول فما يفرغ من ذلك ~~الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى. # قال: قلت: سبحان الله! ما هذان؟ # قال: قالا لي: انطلق. فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور، فإذا فيه لغط وأصوات. # قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا ~~أتاهم ذلك اللهب ضوضوا. # 1 # قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ # قال: قالا لي: انطلق، انطلق. # قال: فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، ms124 وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على ~~شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك ~~الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرا، فينطلق يسبح ثم يرجع إليه، وكلما ~~رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا. # قال: قلت لهما: ما هذان؟ # قال: قالا لي: انطلق، انطلق. # قال: فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة، كأكره ما أنت راء رجلا، مرآة، وإذا ~~عنده نار يحشها ويسعى حولها. # قال: قلت لهما: ما هذا؟ # قال: قالا لي: انطلق، انطلق. # قال: فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة ~~رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم ~~قط. # قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ # قال: قالا لي: انطلق، انطلق. # قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها ولا ~~أحسن. # قال: قالا لي: ارق فيها. # قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب ~~المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال، شطر من خلقهم كأحسن ما أنت ~~راء، وشطر كأقبح ما أنت راء. # قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر. # قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا ~~إلينا وقد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة. # قال: قالا لي: هذه جنة عدن وهذا منزلك. # قال: فسما بصري صعدا، فإذا قصر مثل الربابة البيضاء. # قال: قالا لي: هذاك منزلك. # قال: قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني فأدخله. قالا: أما الآن فلا، وأنت ~~داخله. # قال: قلت لهما: فإني قد رأيت الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟ # قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، ~~فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة. وأما الرجل الذي أتيت عليه ~~يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه ms125 وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب ~~الكذبة تبلغ الآفاق. وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة ~~والزواني. وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجر، فإنه آكل الربا. وأما ~~الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم. وأما الرجل ~~الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم # صلى الله عليه وسلم ~~، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات ~~على الفطرة. # قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله أوأولاد المشركين! # فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: وأولاد المشركين. # وأما القوم الذين كانوا: شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا تجاوز الله عنهم. # وهذا الحديث يرويه البخاري بالنص الذي رويناه ويوافقه عليه مسلم وتظهر فيه الصحة؛ ~~لأنه لا يعدو ما أنذر الله به المذنبين من ألوان العذاب إلا أن يتوبوا ويصلحوا، ولأن ~~قوة لفظه وحسن تمثيله وإشراق عبارته كل ذلك يلائم ما نعرف من فصاحة النبي وروعة ~~بيانه. # ففكر في موقع هذا الكلام من قلوب أصحاب النبي حين سمعوه، وكيف خوف حتى ملأ القلوب ~~رعبا، وكيف رغب حتى ملأ النفوس أملا. # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # ربما عاقب بعض أصحابه فأبلغ في عقابهم عن أمر الله له بذلك ~~إمعانا في تأديبهم وضنا بهم أن يشبهوا المنافقين في قليل أو كثير. # فهؤلاء الثلاثة الذين كانوا من خيار أصحابه والذين تخلفوا عن النبي ولم يخرجوا معه ~~في غزوة تبوك، وإنما أقاموا في المدينة وانتظروا فيها عودة النبي إليها فصنعوا صنيعا ~~يشبه صنيع المنافقين من أهل المدينة وممن حولها من الأعراب، أولئك الذين رغبوا بأنفسهم ~~عن رسول الله واستحبوا الراحة على العناء والجهد وأشفقوا على أنفسهم من عواقب الحرب، ~~وأولئك الذين ذكرهم الله في آيات كثيرة من سورة التوبة يلومهم ويعنفهم ويأمر نبيه ألا ~~يصلي عليهم إن ماتوا ولا يقوم على قبورهم، ويأمره كذلك ألا يقبل منهم الخروج معه بعد ~~هذا الذنب. # وقد كره الله ms126 ورسوله لهؤلاء الثلاثة من المؤمنين الصادقين أن يظهر من صنيعهم شيء ~~يشبه قليلا أو كثيرا صنيع المنافقين. # وقد ذكر الله توبته على هؤلاء الثلاثة، ولكن بعد أن أدبهم النبي فأبلغ في تأديبهم ~~نصحا لهم أولا وموعظة للمؤمنين الصادقين بعد ذلك. # والآيتان اللتان ذكرت فيهما توبة الله على هؤلاء الثلاثة هما قول الله عز وجل: # لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد ~~يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم ~~رءوف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا ~~حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم ~~أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ~~. # وكان كعب بن مالك الأنصاري وأحد المنافحين عن النبي بشعره أحد هؤلاء الثلاثة، وقد ~~حفظ لنا الشيخان قصة تخلفه، كما تحدث هو بها، وليس أبلغ منها في بيان تأديب النبي ~~لأصحابه، فنرويها لك هنا لترى كيف كان النبي يشتد على الصادقين من أصحابه حين تجب الشدة ~~عليهم؛ تمحيصا لقلوبهم وتنقية لضمائرهم. # قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني ~~كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها. إنما خرج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يريد ~~عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام. وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت ~~بدر أذكر في الناس منها. كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك ~~الغزاة. والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ms127 ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين ~~أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان. # قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن يستخفي له، ما لم ينزل فيه وحي الله. وغزا ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تلك الغزوة، حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، فأقول في نفسي: أنا ~~قادر عليه. فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله # صلى الله عليه وسلم # والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم. ~~فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم ~~يزل بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم. وليتني فعلت! فلم يقدر لي ~~ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى ~~إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من ~~بني سلمة: يا رسول الله! حبسه برداه ونظره في عطفه. فقال معاذ بن جبل، بئس ما قلت، ~~والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: ~~بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، ~~فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قادما، وكان إذا قدم من سفر ms128 بدأ بالمسجد فيركع ~~فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون ~~له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # علانيتهم، وبايعهم واستغفر ~~لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: ~~تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقلت: ~~بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر. ولقد ~~أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن ~~الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله. لا ~~والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وثار رجال من بني ~~سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا ~~تكون اعتذرت إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بما اعتذر إليه المتخلفون. قد كان كافيك ذنبك ~~استغفار رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لك. فوالله ما زالوا يؤمنونني حتى أردت أن أرجع فأكذب ~~نفسي. # ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ~~ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. ~~فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي. # ونهى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ~~فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ~~ذلك خمسين ليلة. # فأما صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، ~~فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع ms129 المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام ~~علي أم لا! ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، ~~وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت ~~جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد علي ~~السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت فعدت له ~~فنشدته فسكت. فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت ~~الجدار. # قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام ~~يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني، ~~دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه: «أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ~~ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.» فقلت لما قرأتها: وهذا أيضا من ~~البلاء. فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يأتيني، فقال: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: ~~أطلقها؟ أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت ~~لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. # قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقالت: يا رسول الله، إن هلال ~~بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك. قالت: إنه ~~والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان، إلى يومه هذا. ~~فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ms130 # في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن ~~أمية أن تخدمه! فقلت: والله لا أستأذن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وما يدريني ما يقول رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # إذا استأذنته فيها. وأنا رجل شاب؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا ~~خمسون ليلة من حين نهى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر، صبح خمسين ~~ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت ~~علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته: يا ~~كعب بن مالك أبشر! قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج. وآذن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر. فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون ~~وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس، ~~فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك ~~غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فيتلقاني الناس ~~فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك. # قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة ~~بن عبيد الله يهرول وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها ~~لطلحة. # قال كعب: فلما سلمت على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو يبرق وجهه ~~من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قال: قلت أمن عندك يا رسول الله، ~~أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله.» وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذا سر استنار ~~وجهه حتى كأنه قطعة قمر. وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت، يا رسول الله، إن ~~من توبتي أن أنخلع من ms131 مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله. قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك. قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. # فقلت: يا رسول الله! إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ~~ما بقيت. فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك ~~لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى ~~يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت. # وأنزل الله على رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~: # لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين # إلى قوله: # وكونوا ~~مع الصادقين ~~، فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني ~~الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن لا أكون كذبته فأهلك كما ~~هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال تبارك ~~وتعالى: # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم # إلى قوله: # فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين ~~. # قال كعب: وكنا قد تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أمرنا حتى قضى ~~الله فيه. # فبذلك قال الله: # وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا # وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا ~~وإرجاؤه أمرنا عمن حلف واعتذر إليه، فقبل منه. # فانظر إلى هذه القصة الرائعة وإلى ما فيها من العبر والموعظة، وإلى تأديب النبي لمن ~~يحب من أصحابه الصادقين حين يحتاجون إلى التأديب؛ فهؤلاء الثلاثة قد تخلفوا ولم يكن ~~لهم عذر من ضعف أو فقر أو عجز عن السفر، وإنما امتحنهم الله ببعض أعمالهم ليبلوهم ~~ويطهر قلوبهم، وكان كثير من الناس قد تخلفوا عن هذه الغزوة، يعدهم كعب نيفا ~~وثمانين رجلا. فلما عاد النبي إلى ms132 المدينة أقبل المتخلفون فجعلوا يتكلفون المعاذير ~~ويقولون للنبي غير الحق، وجعل النبي يقبل معاذيرهم ويستغفر لهم؛ لأنه - كما كان يقول ~~دائما - لم يؤمر بالتنقيب عما في قلوب الناس، ولكن هؤلاء الثلاثة كانوا أشد إيمانا ~~بالله ورسوله، وأصدق حبا لهما من أن يضيفا إلى تخلفهم خطيئة الكذب على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهم يعلمون حق العلم أن ضمائر المتخلفين المنافقين لم تكن لتخفى على الله، ~~وأن الله جدير أن ينبئ رسوله بسرائرهم، فآثروا الصدق وفاء لدينهم، وإشفاقا أن يفضح ~~الله كذبهم وتخلفهم فاعترفوا بذنوبهم، وسمع النبي منهم وأعلن أنهم صدقوه ولم يعف ~~عنهم مع ذلك. ترك أمرهم إلى الله يقضي فيه بما يشاء، ثم لم يلبث أن أمعن في عقابهم فأمر ~~المؤمنين ألا يكلموهم. وينظر هؤلاء الثلاثة فإذا هم قد اقتطعوا من الناس اقتطاعا، ~~وإذا هم في عزلة بغيضة إلى نفوسهم كان السجن أهون منها. ومن أجل ذلك لزم اثنان منهم ~~بيوتهما فلم يخرجا منها ولم يتعرضا لجفوة الناس، وإنما أقاما يؤديان الصلاة في بيوتهما ~~ولا يشهدان جماعة المسلمين، ثم يبكيان أكثر وقتهما، وأما كعب فقد كان جلدا يحسن ~~الاحتمال، فجعل يخرج ويغدو على الأسواق ويحتمل جفوة الناس متأذيا بها، كأنه يبالغ في ~~تأديب نفسه بالعقاب الذي فرض عليه. وهو يذهب إلى ابن عم له من أصحاب النبي فينشده ~~الله ثلاثا: أيعلم من أمره أنه محب لله ورسوله؟ فيسكت عنه ابن عمه حتى إذا ألح عليه ~~كعب في المسألة أجابه بهذا الجواب اللاذع الممض: «الله ورسوله أعلم.» وما كان له أن ~~يجيب بغير هذا فالنبي غاضب على هؤلاء الثلاثة وغضبه من غضب الله، ثم كان كعب يذهب إلى ~~المسجد ويشهد صلاة المسلمين ويصلي بعض النوافل قريبا من مجلس النبي، ليرى أينظر النبي ~~إليه أم يعرض عنه، وإذا هو يستكشف أن النبي ينظر إليه حين يقبل على صلاته، فإذا نظر ~~إلى النبي أعرض عنه، ولكن النبي يرسل إليه ذات يوم وإلى صاحبيه من يبلغهم أن النبي ~~يأمرهم أن يعتزلوا نساءهم. # وليس ms133 في هذا شيء من الغرابة، فنساؤهم مؤمنات وقد صدر الأمر إلى المؤمنين باعتزالهم، ~~فليعتزلهم نساؤهم أيضا. فأما كعب فقد أرسل زوجه إلى أهلها حتى يقضي الله في أمرهم، ~~وبعد أن مضت عليهم خمسون ليلة في هذه العزلة، وقد أخذ الندم من قلوبهم أقوي مأخذ، أنزل ~~الله توبته عليهم في الآيتين الكريمتين اللتين أثبتناهما منذ حين، وابتهج المؤمنون كلهم ~~لذلك، فكانوا يهنئون هؤلاء الثلاثة بتوبة الله عليهم، وقد فرح كعب بهذه التوبة فرحا ~~لم يفرح مثله لشيء قبلها، وهم أن يتصدق بماله كله، فانظر إلى النبي يرفق به ويقبل ~~منه الصدقة في وقت واحد، فيأمره أن يمسك بعض ماله ليعيش منه وينفق على أهله، وأن يتصدق ~~بسائره. فأمسك سهمه من خيبر وتصدق بما عداه. # وعاهد النبي على ألا يتكلف ولا يكذب متعمدا في حديث حتى يموت. # وتبلغ روعة هذه القصة أقصاها حين تقرأ في سورة التوبة تعذير الله للمتخلفين من ~~المنافقين، بين أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فترى شدة هذا التعذير وعنفه، وتقرأ ~~قصة هؤلاء الثلاثة فترى كيف نزلت عليهم رحمة الله كما ينزل الغيث على الأرض الميتة ~~فيحييها بعد موتها. # وقد صورنا لك في كثير جدا من الإيجاز مكان النبي بين أصحابه بشيرا ونذيرا، ~~وشاهدا وداعيا إلى الله بإذنه، ومفقها للمؤمنين في دينهم، ومعلما لهم في عظائم ~~أمورهم ودقائقها. # فلا غرابة في أن تكون السنة هي الأصل الثاني بعد القرآن الكريم، من الأصول التي ~~تبنى عليها حياة المسلمين، فكل ما يعرض للمسلمين من الأمر في حياتهم من المشكلات يجب ~~عليهم أن يردوه إلى الله ورسوله. يلتمسون له الحل في القرآن، فإن وجدوا هذا الحل فهو ~~حسبهم، وإن لم يجدوه فعليهم أن يلتمسوه في سنة النبي، فيما صحت به الرواية عنه من ~~قول أو عمل؛ ذلك أن النبي لم يكن ينطق عن الهوى، وإنما كان يعلم الناس مما علمه ~~الله، ويعلمهم في أكثر الأحيان عن أمر الله له بتعليمهم ويستشيرهم فيما لم يعلمه الله ~~من الأمر ويقبل مشورتهم. فإذا التمس ms134 حل المشكلات في القرآن الكريم فلم يوجد، والتمس ~~في السنة فلم يوجد، فالمسلمون يرجعون إلى أصل ثالث من أصول الأحكام في الدين، وهو ~~إجماع أصحاب النبي؛ ذلك أن أصحاب النبي إن أجمعوا على شيء فأكبر الظن أنهم لم يجمعوا ~~عليه إلا لأحد أمرين: فإما أن يكونوا قد عرفوا من قول النبي أو عمله ما لم يصل إلينا، ~~وإما أن يكونوا قد اجتهدوا رأيهم واختاروا لأنفسهم، وهم خيار المسلمين وهم قدوة لهم، ~~ولا سيما قبل أن ينجم بينهم الخلاف وتفسد الفتنة عليهم كثيرا من أمرهم. فإن لم يجد ~~المسلمون في القرآن ولا في السنة، ولا فيما أجمع عليه أصحاب النبي حلا لبعض مشكلاتهم ~~فعليهم أن يجتهدوا رأيهم، ناصحين لله ورسوله وللمسلمين. # 4 # وأمر السنة بعد ذلك مختلف عن أمر القرآن أشد الاختلاف؛ ذلك أن القرآن قد وصل إلينا ~~متواترا مجمعا عليه، من أجيال المسلمين منذ حياة النبي إلى الآن، وإلى آخر الدهر ما ~~بقي في الأرض مسلمون. توارثته الأجيال كما تلاه النبي، وكما كتبه عنه كتاب الوحي ~~وكما جمع أيام أبي بكر، وكما نسخ في المصاحف أيام عثمان، وعلى ما كان بين المسلمين من ~~اختلاف وانقسام وافتراق إلى فرق متباينة في الرأي، من خوارج وشيعة وجماعة، ثم على ما ~~كان من الاختلاف بعد ذلك بين المسلمين في أصول الدين وفروعه وانقسام المتكلمين في ~~الأصول إلى الكثرة المعروفة، وانقسام الفقهاء وأصحاب الفروع كذلك إلى شيع تتباعد حينا ~~وتتقارب حينا، وعلى ما نزل بالمسلمين من الأحداث وما تتابع عليهم من الخطوب، وما كان ~~من تنقل الحكم فيهم بين الأحزاب أولا وبين الأمم والأوطان ثانيا. # على هذا كله ظل القرآن كما هو، لم يختلف المسلمون في نصه، فهو باق على الدهر لا ~~يضره أن يختلف المسلمون في فهم نصوصه وفي تأويلها، ولا كذلك السنة لأن النبي لم ~~يأمر بكتابتها، بل يروى أنه كان يكره ذلك؛ فالاعتماد في روايتها على الذاكرة، وعلى ~~ذاكرة الصالحين من المؤمنين. وكان أصحاب النبي يتشدد أكثرهم في رواية الحديث عن ms135 النبي، ~~بل كانوا لا يقبلون حديثا عن النبي إلا أن يشهد اثنان من عدول المسلمين أنهما سمعاه من ~~النبي أو رأياه يعمله. وكان عمر رحمه الله أشد الخلفاء في ذلك، فكان ينذر من يتحدث ~~عن النبي بالعقاب إلا أن يأتي بعدل من المسلمين، يشهد معه بأنه سمع من النبي أو رأى منه ~~مثل ما يروي المتحدث؛ هنالك كان عمر يقبل الحديث ويعمل به. # ولكن الأمور لم تمض على ذلك دهرا طويلا، فلم تكد الفتنة تظل المسلمين حتى ~~اشتد الخلاف بينهم، وجعل بعضهم يكفر بعضا وجعلت الأحزاب على مر الزمن تكثر ~~الحديث عن النبي؛ يريد كل حزب أن يثبت أنه أشد استمساكا بسنة النبي من غيره، ونشأ ~~القصاص الذين كانوا يجلسون لوعظ الناس مرغبين ومرهبين، فأكثروا من ~~الحديث وأضاف كثير منهم إلى النبي ما لم يقل، يرغبون في فضائل الأعمال وينفرون من ~~سيئاتها ولا يجدون حرجا في أن يضيفوا إلى النبي ما لم يقل ما داموا لا يريدون إلا ~~النصح للمسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنبي أول ناصح للمسلمين، وأول آمر ~~بالمعروف وناه عن المنكر، فكل أمر بالخير أو نهي عن الشر يمكن عند كثير من القصاص ~~أن يحمل على النبي. ثم نشأ الأشرار من المتكلفين وذوي النيات السيئة فأسرفوا في ~~رواية الحديث وأكثروا من الكذب وعرف ذلك خيار المسلمين فأخلصوا أنفسهم لتصحيح الحديث، ~~وتنقيته من كل مكذوب أو مشكوك في كذبه. وذهبوا في ذلك مذاهبهم المعروفة، فجعلوا يتتبعون ~~رواة الحديث ينقدون حياتهم ويتحرون أمرهم، فمن وجدوا فيه مطعنا بالكذب، أو الانحراف عن ~~العدالة في السيرة، أو ضعف الذاكرة أو قلة التثبت مما يروي، أو الأخذ عمن لا يصح ~~الأخذ عنه، أعرضوا عنه ونبذوا حديثه، ونبهوا على ما فيه من علة، حتى نشأ عند ~~المحدثين علم خاص بتصحيح الحديث. # وعلى رغم هذا كله ظل من الواجب على كل مسلم - حين يروى له الحديث عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- أن يحتاط قبل الأخذ به، وأن يعرضه على القرآن، فإن كان ms136 لا يناقض القرآن في قليل ولا ~~كثير، ولا يناقض المألوف من سيرة النبي وعمله، أخذ به وإلا وقف فيه. # وكذلك يفعل الصالحون من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فقد قيل لعائشة - رحمها الله - إن بعض ~~أصحاب النبي يروي عنه أنه قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فأنكرت هذا الحديث ~~وقالت: اقرءوا قول الله عز وجل: # ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى ~~. وقيل لها: إن بعض أصحاب النبي يزعمون أن النبي رأى ربه، فأنكرت ~~هذا أشد الإنكار وقالت لمحدثها: اقرأ قول الله عز وجل: # لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ~~الخبير ~~. # وقد رأيت كيف كان عمر يتشدد في رواية الحديث، فليس بد إذن كما قدمنا من الاحتياط ~~في قبول الحديث، حتى حين يرويه المصححون من المحدثين. # ولا بد من أن نلاحظ أن بعض أعمال النبي قد وصلت إلينا متواترة لا معنى للشك فيها، ~~فقد علمنا بالتواتر أنه # صلى الله عليه وسلم # كان يصلي الصبح ركعتين، والظهر والعصر والعشاء كل ~~منها أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات. # وعلمنا أنه كان يركع مرة في كل ركعة، ويسجد مرتين في كل ركعة، ويجلس بعد كل ركعتين. ~~كل هذا في الفرائض المكتوبة، فلا معنى للجدال في ذلك. وعلمنا كذلك ما بين من نصاب ~~الزكاة وما فرض فيها، وعلمنا من القرآن ومن السنة العملية كيف كان يصوم، وكيف اعتمر ~~وكيف حج؛ فجملة أركان الإسلام ثابتة بالقرآن أولا، وببيان النبي العملي لها ~~ثانيا. # وكثير من أعمال النبي وصل إلينا على نحو يقطع الشك؛ فقد عرفنا كيف كان يصلي صلاة ~~العيدين، وكيف كان يصلي للاستسقاء، ولما يعرض من كسوف الشمس وخسوف القمر. # فجملة الأصول وتفصيلها بمعزل عن الشك، وإنما يكثر الشك ويختلف قوة وضعفا في بعض ~~الفروع، وفيما يتصل بالترغيب في الفضائل وفي التنفير من الشر، ولا سيما أن بعض أئمة ~~الحديث - كأحمد بن حنبل رحمه الله - كانوا لا يرون بأسا برواية الحديث الضعيف، إذا كان ~~متصلا بالفضائل. # ومهما يكن من شيء فالقرآن جامع لما يحتاج ms137 إليه المسلمون من أصل الدين وأكثر فروعه، ~~والسنة الثابتة تفصل مجمله وتبين ما يحتاج منه إلى البيان. فليس على خلاصة ~~الإسلام وأصوله بأس من ضعف الضعفاء، وكذب الكذابين، وزيغ الزائغين. # 5 # وكذلك استقامت للمسلمين حياتهم صافية نقية مبرأة من الاختلاف والتنازع، كأصفى ~~وأنقى وأصدق ما تكون الحياة، كان النبي بين أظهرهم يردون إليه أمرهم كله؛ فيعلمهم ~~مما علمه الله، فإذا جاءه من أمرهم ما ليس عنده علم فيه رده هو إلى الله عز وجل، ~~فلا يلبث أن يأتيه الخبر اليقين من السماء. فلم تتصل الأرض بالسماء قط كما كانت متصلة ~~أثناء حياة النبي، ومن أجل ذلك كان كعب بن مالك وصاحباه مشفقين من أن يعتذروا إلى ~~النبي بغير الحق، فيكذبهم الله بقرآن يتلى على الناس، أو بوحي يلقى إلى النبي ~~فيتحدث به إلى أصحابه. ومن أجل ذلك أيضا أنبأ الله نبيه أثناء غيبته عن المدينة بكل ~~ما كان المنافقون يعملون ويقولون. وأنبأه كذلك بأنهم سيعتذرون إليه وإلى أصحابه من ~~تخلفهم حين يرجعون إليهم، وأمره أن يقول لهم: لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من ~~أخباركم. وذلك في قوله عز وجل في سورة التوبة: # يعتذرون ~~إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن ~~لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ~~ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون ~~. # وكثيرا ما كان المسلمون يعرضون على النبي بعض أمرهم، فيقول لهم أحيانا: ما عندي في ~~هذا شيء. ثم لا يلبث أن يدعو من عرضوا عليه الأمر فينبئهم بحكم الله فيه. وأحيانا ~~يظهر الإعراض عن سائليه بأنه لم يأته علم من الله بما سألوه عنه، ثم ينزل القرآن ~~فيقضي فيهم بحكم الله، كما كان من أمر ذلك الرجل الذي زعم لرجل من أصحاب النبي أنه وجد ~~عند أهله غيره ولم يدر ماذا يصنع، وأشفق أن يقتله فيقتل به. فكلف صاحبه ذاك أن يسأل ~~النبي في أمره، وذهب صاحبه فسأل النبي، فأعرض عنه وأظهر الكراهة للسؤال. وقص الرجل على ms138 ~~صاحبه ما رأى من كراهية النبي للمسألة فأبى الرجل إلا أن يسأل النبي ففعل، وأجابه النبي ~~بأن الله قد أنزل فيه وفي صاحبته قرآنا، وأمره أن يدعو صاحبته، فأنفذ فيهما ما قضى ~~الله بالآية الكريمة من سورة النور: # والذين يرمون ~~أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * ~~والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين ~~. # ولست أعرف أبلغ من قول أم أيمن، حين كلمت في بكائها بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فقالت إنها إنما تبكي لانقطاع خبر السماء. ذلك أن وفاة النبي قطعت عن المسلمين هذا ~~الخبر حقا، فلم يكن وحي بعده. ولم يكن للذين قاموا بأمر المسلمين من الخلفاء إلا أن ~~يصرفوا الأمور بما نزل من القرآن، وبما ثبت لهم من حديث النبي، بسماعهم هم أو بسماع ~~العدول من أصحابهم. # وقد ظلت حياة المسلمين نقية صافية أيام أبي بكر - رحمه الله - كدرتها ردة العرب، ~~فلما قمعت ثورتهم وعادوا إلى ما كانوا عليه أيام النبي من الطاعة في كل ما أمر الله، ~~برئت حياة المسلمين من الشوائب، ورمى بهم أبو بكر الشام والعراق، ثم جاء عمر - رحمه ~~الله - بعد أبي بكر فاشتد إلى أقصى حدود الشدة في المحافظة على صفاء الحياة الإسلامية ~~ونقائها، على نحو ما كانت عليه أيام النبي وأبي بكر، وبذل في ذلك من الجهد في دقيق ~~الأمور وجسامها ما لم ينسه التاريخ بعد، وما أرى أنه سينساه آخر الدهر؛ ذلك أن ~~المشكلات الجسام التي عرضت للمسلمين في حياة عمر كانت جديدة كل الجدة، لم يعرض مثلها ~~ولا شيء قريب منها أيام النبي وأيام أبي بكر، فقد كانت غزوات النبي على خطرها يسيرة ~~بالقياس إلى فتح بلاد الفرس، واقتطاع الشام ومصر من بلاد الروم. وكانت الغنائم التي ~~تتاح للمسلمين أيام النبي شيئا لا يكاد يقاس إلى ما ms139 أتيح لهم من الغنائم أيام عمر، ~~فكان من أيسر الأشياء أن ينفذ النبي فيها حكم الله الذي بينه في سورة الأنفال: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء ~~قدير ~~. # فكانت الغنائم تجمع للنبي فيحتجز منها الخمس، ينفق منه على ما بين الله في الآية ~~الكريمة، ويقسم سائرها على المسلمين للراجل سهم وللفارس سهمان. # ومع أن الأمانة أيام النبي كانت كأقوى ما يمكن أن تكون في قلوب المسلمين، فقد كان ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # كثيرا ما ينهى عن الغلول، ويخوف منه أشد التخويف وأهوله، وأنزل ~~الله في الغلول قرآنا، فقال في سورة الأعراف: # وما كان ~~لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ~~ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون * أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من ~~الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~. # ومع هذا كله فقد غل بعض الناس من الغنائم أيام النبي، فذكر الرواة أمر ذلك الذي قتل ~~بخيبر، فجعل الناس يتباشرون له بالشهادة أمام النبي، وقال # صلى الله عليه وسلم # إن الشملة التي غلها ~~لتشتعل حوله نارا. أو شيئا بمعنى ذلك. # قال الرواة فقام رجل فجاء بشراكين فألقاهما وكان قد احتجزهما، فلما سمع ما سمع من ~~النبي خاف فردهما. # كذلك كانت أمور الجهاد والغنائم أيام النبي، وأين هذا مما عرف المسلمون في حروبهم ~~مع الفرس والروم، وفيما ملئوا به أيديهم من الغنائم التي لا يكاد المؤرخون يحسنون ~~تصويرها ولا إحصاءها. # وجيوش المسلمين بعيدة عن مركز الخلافة بعدا شديدا، والخليفة قار بالمدينة لا يرى ~~ما يصنع المسلمون بعد أن ينزل الله نصره عليهم، وإنما تأتيه أنباء النصر وترسل إليه ~~أخماس الغنائم، فيقسمها على من حضره من المسلمين، وينفق منها على نوائب الأمة. # والمسلمون في تلك الأيام لا يغنمون الأموال التي تنقل فحسب، وإنما يغنمون الأرض التي ~~تفتح وما عليها ms140 من العقار، وكل ذلك بعيد عن الخليفة، وأموره معقدة أشد التعقيد. ~~فالغنائم التي تنقل يمكن أن تخمس ويرسل خمسها إلى الخليفة، ويقسم سائر أخماسها ~~على الجند. ولكن الغنائم الثابتة ماذا يصنع بها قائد الجيش، لا يستطيع أن ينقلها ولا أن ~~يقسمها، ولا يستطيع الجند إن قسمت فيهم أن يقوموا عليها؛ فهم لم يرسلوا ليكونوا ~~زراعا، وإنما أرسلوا للحركة المتصلة، لا تفتح عليهم مدينة إلا تجاوزوها إلى ~~غيرها، فكل هذا كان جديدا بالقياس إلى الخلفاء. # ولم يكن بد لعمر من أن يضع نظاما يحصر هذه الغنائم ويكفل القيام عليها، ويكفل ~~حقوق الجند فيها، وهذه الجيوش التي ترسل تباعا إلى الأرض البعيدة في الشرق والغرب، ~~لم يكن بد من تهيئتها للحرب قبل أن ترسل، ولم يكن بد من إمدادها بكل ما تحتاج ~~إليه بعد إرسالها. ولم يكن بد من حكم المدن والأقاليم التي تفتح، ومن نشر الإسلام ~~فيها، وأن يجرى الحكم فيها على ما أمر الله أن تجرى عليه الأحكام إلى غير ذلك من ~~المشكلات التي لا تحصى، والتي جعلت تظهر ويتبع بعضها بعضا كلما أمعن المسلمون في ~~الغزو وأبعدوا في الأرض، وقد جد عمر - رحمه الله - في حل هذه المشكلات وتدبر أمور ~~هذه الدولة الناشئة، التي كانت تكبر وتتسع رقعتها، وتزداد مشكلاتها يوما بعد ~~يوم. # وقد وفق عمر إلى كل ما حاول من حل المشكلات وتدبير الأمور، وحكم الأقطار البعيدة عنه ~~والقريبة منه؛ توفيقا لم يكن ينتظر من رجل من أهل مكة لم يعرف من أمور الدنيا إلا ~~أيسرها، ولم يبل شئون الحكم قبل خلافته، وهو بعد ذلك يحكم أمما ليست على حال العرب ~~من البداوة، وإنما هي متحضرة ممعنة في الحضارة، قد عرفت من أنظمة الحكم ضروبا ~~وألوانا. # وما رأيك في خليفة ينبئه أحد عماله بأنه قد حمل إليه خمسمائة ألف من الدراهم، فلا ~~يصدقه وإنما يظن به الجهد والإعياء، ويأمره أن يذهب فيستريح، ثم يأتيه من غد، فإذا ~~جاءه من الغد وأنبأه بما حمل إليه من المال صعد المنبر ms141 وأعلن إلى الناس: أن قد جاءه مال ~~كثير، فإن شاءوا كاله لهم كيلا، وإن شاءوا هاله لهم هيلا، كل ذلك لنصف مليون من ~~الدراهم؛ فكيف به حين جاءته الملايين الكثيرة والعروض المختلفة التي لا تكاد تحصى! ~~وإذا كان النجح قد أتيح لعمر لما آتاه الله من عبقرية، فهو كذلك قد أتيح لقواده ~~الذين فتحوا الأرض، وعماله الذين حكموا الأقاليم، وكلهم كان كهيئة عمر لم يبل من ~~الحرب إلا أيسرها وأهونها شأنا، ولم يعرف من شئون الحكم إلا أدناها إلى السذاجة ~~البدوية، فكيف بهم حين حكموا الشام ومصر والعراق وفارس! وأتيح هذا النجح أيضا للجند ~~الذين قهروا أعظم دولتين في الأرض حين ذاك: دولة الفرس ودولة الروم. وهم لم يعرفوا ~~قط من شئون الحرب إلا ما كانوا يألفون من هذه الحرب الأولية، التي كانت تثار بين ~~القبائل. لم يعرفوا الجيوش الضخمة، ولا أداة الحرب التي ابتكرتها الحضارة، ولا حصار ~~المدن ولا اقتحامها، وهم مع ذلك قد انتصروا أي انتصار، ونشروا لواء الإسلام في أقطار ~~الأرض شرقا وغربا، وأزالوا من الأرض دولة عظيمة لم تستطع جيوش روما ولا جيوش ~~قسطنطينية أن تزعزعها، وهي دولة الفرس الساسانيين. # وقد عرفت أن أكثر هؤلاء الجند كانوا قد ارتدوا بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # عن الإسلام ~~مع قبائلهم، وأبوا أن يؤدوا الزكاة حتى قاتلهم عليها أبو بكر، فانظر إليهم بعد أن ~~عادوا إلى الإسلام كيف أحسنوا في سبيله البلاء، وكيف جاهدوا فأمعنوا في الجهاد، وكيف ~~صبروا فأبلغوا في الصبر، وكيف جنوا نتيجة هذا كله نصرا مؤزرا. # وما أشك أن القرآن هو المؤثر الأول في هذا كله، كانوا يقرءونه أو يقرأ عليهم فيملأ ~~نفوسهم روعة، وقلوبهم إيمانا، ويدفعهم هذا كله إلى أن يفعلوا الأعاجيب، وإلى أن ~~يتيحوا لقائد من قوادهم - هو خالد بن الوليد - أن يكتب إلى بعض محاربيه حين دعاهم ~~إلى الإسلام أو إلى الخضوع وأداء الجزية، ثم قال لهم بعد ذلك: «فإن أبيتم فإني جئتكم ~~بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.» واقرأ إن ms142 شئت حديث الفتح في كتب التاريخ، وفي ~~تاريخ الطبري خاصة، فسترى فيما تقرأ من العبر والعظات والأعاجيب ما يقنعك بأن بلاء ~~المسلمين في تلك الحروب ، وما أتيح لهم من الظفر، إنما كان نتيجة لأثر الإسلام والقرآن ~~خاصة في نفوس أولئك المجاهدين. # وانظر إليهم حين يتلو عليهم القاص الذي كان يطوف على الجنود، فيعظهم ويحمسهم للحرب ~~حين يتهيئون للقاء العدو. # انظر إليهم حين يتلو عليهم هذه الآية الكريمة، من سورة التوبة مثلا: # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ~~أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن ~~نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ~~ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين ~~. # فأي غرابة في أن تملأهم هذه الآية وأمثالها من آيات القرآن الكريم ثقة وأمنا وأملا ~~واطمئنانا إلى أنهم من غير شك ظافرون بإحدى الحسنيين، فإما الانتصار على العدو، ~~والفوز بما في أيديهم من الملك وزهرة الحياة الدنيا، مع الأجر العظيم عند الله، وهو خير ~~من كل ما ظفروا به، وإما الفوز بنعمة الشهادة والحياة عن الله، فرحين بما أتاهم الله من ~~فضله، ومستبشرين بالذين لم يلحقوا بهم من بعدهم، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كما ~~يقول الله عز وجل في الآية الكريمة من سورة آل عمران. # وانظر إليهم حين يقرءون أو يتلى عليهم قول الله من سورة الأنفال: # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا ~~زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم ~~يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى ~~فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير ~~. # كيف تمتلئ قلوبهم ثقة بأنهم حين أزمعوا الخروج للجهاد، قد باعوا الله أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدا على الله حقا ~~في التوراة والإنجيل والقرآن، كما يقول الله عز وجل في الآية الكريمة من سورة التوبة: # إن الله اشترى من ms143 المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ~~فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز ~~العظيم ~~. # فهم يقبلون على الجهاد وهم مطمئنون إلى أنهم قد باعوا نفوسهم وأموالهم لله بالجنة؛ ~~فالموت أحب إلى الصادقين منهم من الحياة لأن نعيم الحياة زائل ونعيم الله باق خالد. ~~وكلهم يرهب الفرار من العدو، أكثر مما يرهب الموت، فهم واثقون بأن أمام الفارين منهم ~~جهنم يضطرون إليها وبئس المصير. هم بذلك يصدقون ما كتب خالد - رحمه الله - من أن جنوده ~~يحبون الموت كما يحب عدوهم الحياة. # ومن أجل ذلك أقبل بعض قواد المسلمين، وهو أبو عبيد بن مسعود، أيام عمر بجنده ~~متعرضا لعدوه من الفرس فعبر إلى العدو بجيشه نهرا، وغامر فإذا العدو أكثر منه قوة ~~وأعظم منه بأسا، وكان يستطيع حين رأى ذلك أن يعبر النهر ويرجع بجنده إلى مواقعهم، ~~ويلتزم خطة الدفاع أو ينتظر المدد، ولكنه ذكر الآية الكريمة من سورة الأنفال فكره ~~الفرار، وأقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله، وامتحن المسلمون في تلك الوقعة محنة ~~عظيمة ولم ينج من نجا منهم إلا بعد الجهد كل الجهد. وبلغت قصة هذا الجيش عمر - رحمه ~~الله - بالمدينة فبكى واسترحم لقائده وقال: لو انحاز لكنت فئته. يريد أنه لو رجع ~~واستمد الخليفة لما كان ذلك فرارا، وإنما هو التحرف للقتال والتحيز إلى من وراءه ~~من المسلمين، ينصرونه ويمدونه بالقوة والعتاد. # والله قد أذن للمسلمين في الآية الكريمة، التي أثبتناها آنفا من سورة الأنفال، أن ~~يرجعوا عن العدو متحرفين للقتال أو متحيزين إلى فئة تنصرهم. كذلك كان بلاء المسلمين ~~في الفتوح؛ لا يقبلون بلاء أقل منه حتى عاب بعضهم سعد بن أبي وقاص لما عجز عن القتال ~~مع جيشه يوم القادسية، فأدار الموقعة من حصن كان فيه، لما أعجزه المرض عن الحركة ~~والخروج، فقال قائلهم: # ألم تر أن الله أنزل نصره # وسعد بباب القادسية معصم # فأبنا وقد آمت نساء ms144 كثيرة # ونسوة سعد ليس فيهم أيم # وكذلك استقامت حياة المسلمين أيام الشيخين أبي بكر وعمر، كلاهما ساس الناس كما كان ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # يسوسهم أثناء حياته، والتزم عمر القرآن وسيرة النبي وأبي بكر ورأي ~~الصالحين من الصحابة، في حل ما عرض له من المشكلات التي نشأت عن الفتوح واتساع الدولة ~~وانتشار الجيوش وكثرة الغنائم والفيء، وتنظيم أمور الأرض التي ظهر عليها المسلمون في ~~البلاد المفتوحة، فكان كلما عرضت له مشكلة التمس حلها في كتاب الله، فإن لم يجد ففي ~~سنة رسول الله وسيرة الخليفة من قبله، فإن لم يجد دعا أولي الرأي من المهاجرين ~~والأنصار فشاورهم حتى يجد الحل للمشكلة أو المشكلات التي عرضت له. # وكان تفوق عمر في جهاده نفسه حتى قهرها وذللها، وألزمها سيرة النبي وأبي بكر، من ~~الزهد والقناعة، ومن الصبر والاحتمال، ومن إيثار المسلمين على نفسه والاكتفاء بما يقيم ~~الأود، على رغم ما كان يجبى إليه من كرائم الأموال ونفائسها، وعلى رغم ما كان يغري ~~الناس من زهرة الدنيا ونعيمها، كان تفوق عمر في جهاد نفسه وقهرها على هذا النحو أروع من ~~تفوقه فيما حاول من إقامة الدولة الناشئة. ثم كان يشتد على الناس ولا سيما الذين ~~رأوا النبي وصاحبوه، وعرفوا كيف رفض الدنيا، وكيف آثر عليها الآخرة، فكان يمسك كبار ~~الصحابة في المدينة ولا يأذن لهم بالخروج منها، فإذا هم أحدهم بالجهاد أبى عليه، ~~وقال: قد كان في جهادك مع رسول الله ما يجزئك. كان يخاف عليهم أن يفتتنوا إذا رأوا ~~الأقاليم التي فتحت على المسلمين، وكان يخاف منهم أن يفتتن الناس بهم في الأمصار ~~والأقاليم، فكان يمسكهم في المدينة حماية لهم ولعامة الناس من الفتنة. وكان في هذا ~~موفقا أشد التوفيق. وسترى الدليل على ذلك واضحا حين أذن عثمان لكبار الصحابة ~~بالتفرق في الأرض، فكان ذلك من مصادر الفتنة التي حادت بالمسلمين عن الجادة، وضربت ~~بعضهم ببعض، وجعلت بأسهم بينهم شديدا، ثم كان شديدا على قريش خاصة، وعلى مسلمة ~~الفتح منهم بنوع ms145 أخص. كان يعرف ذكاءهم ومهارتهم في اكتساب المال وإيثارهم للثراء ورغد ~~العيش، فكان يحميهم من أنفسهم ومن أن يتهافتوا في النار كما كان يقول. # وكان شديدا على أسرته من آل الخطاب، يكره أن يغتروا أو أن يغتر الناس بأنهم رهط أمير ~~المؤمنين. ثم كان شديد المراقبة لأهل المدينة ومن حولها، يريد أن يعرف من قرب ~~حاجاتهم وأن يبلغ من رضاهم ما يستطيع، ولم يعرف المسلمون خليفة كان أشد منه على ~~ولاته في الأقاليم يدعوهم إلى لقائه في الموسم من كل عام، ويدعو مع كل واحد منهم ذوي ~~الرأي في إقليمه. فإذا التقوا في موسم الحج سأل الولاة عن رعيتهم وسأل الرعية عن ~~ولاتها. وكان كثيرا ما يبرأ إلى الله مما يمكن أن يتورط الولاة فيه من جور أو خطأ أو ~~تقصير؛ ولذلك كانت نكبة المسلمين بقتله حين قتل أعظم وأكبر من أن توصف. وما أشك في ~~أن عمر - رحمه الله - لو مدت له أسباب الحياة لأقام الدولة الإسلامية على أسس ~~تعصمها من التفرق والانقسام. ولكن الله بالغ أمره قد جعل لكل شيء قدرا. # وولي أمور المسلمين من بعده عثمان، فاستقامت له الأمور أعواما فيها رضي عن الناس ~~ورضي الناس عنه، ومضت جيوش المسلمين في الفتح شرقا وغربا، ولكنه وسع على الناس ~~فأسرف الناس على أنفسهم، ولان لقريش فطمعت فيه قريش. ووصل بني أمية رهطه فأغراهم ~~بالغنى، وفتح أمامهم أبواب الطمع واسعة حتى طمعوا فيه هو فاستأثروا به. وتسلطوا عليه ~~حتى غلبوا على أمره كله، فجعلوا يولون ويعزلون والخليفة يقر ما ~~يفعلون. # وكان عثمان حين ولي الأمر قد تقدمت به السن فبلغ السبعين أو جاوزها، فلم يلبث أن ~~ضعفت مقاومته للطامعين من قريش عامة، ومن بني أمية خاصة. # وما هي إلا أن تنتشر في الأقاليم كلمة السوء، فيفتن الناس بمن رأوا من كبار ~~الصحابة، كطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام. ويعسف الولاة فتظهر الفتنة ولا تلبث ~~الأقاليم والأمصار أن تنكر من أمور الحكم أشياء، وتنتهي أمور الأقاليم إلى الثورة، وإذا ms146 ~~الجنود تأتي من البصرة والكوفة ومصر، فيشكون، ويحتال بعض الصحابة - وعلي خاصة - في ~~أن يأخذ لهم الرضى من عثمان، وتوشك الأزمة أن تنحل، ولكن البطانة من بني أمية ينقضون ~~ما أبرم الخليفة ويغرون بعض الولاة برعيتهم سرا، ويستكشف الثائرون هذا الإغراء الذي ~~ختم بخاتم الخليفة عن غير علم منه، فيرجعون إلى المدينة ويحتلونها ثم يحاصرون الخليفة ~~في داره، وما يزالون على حصارهم حتى يتسوروا الدار ويقتلوا الخليفة في النهار ~~المبصر. # وبمقتل عثمان - رحمه الله - تفتح أبواب الفتنة على مصاريعها، وليس من شك في أن السخط ~~على حكم عثمان لم يكن مقصورا على الأمصار والأقاليم، بل كان في المدينة نفسها ~~منكرون لنظام الحكم ضائقون بغلبة بني أمية للخليفة على أمره. وكان من أهل المدينة ~~مشنعون على عثمان ومشهرون به، فلما قتل عثمان حكم الثوار المدينة حكما ~~عسكريا أياما حتى دفن الخليفة سرا بليل. # ثم أقبل الناس على علي رحمه الله فبايعوه، بايعه أكثرهم عن رضى، وبايعه بعضهم عن ~~كره، وأبى معاوية في الشام أن يؤمن لهذه البيعة، وذهب فريق من أصحاب النبي إلى البصرة ~~مغاضبين، على رأسهم أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، وطلحة بن عبيد الله، والزبير ~~بن العوام، وكلاهما من كبار الصحابة ومن رجال الشورى الذين اختارهم عثمان للخلافة، ومن ~~العشرة الذين توفي النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو عنهم راض وبشرهم بالجنة. واعتزل فريق من ~~المهاجرين والأنصار أمر الناس فلم يشاركوا في الفتنة، وكان منهم سعد بن أبي وقاص وعبد ~~الله بن عمر من أكابر قريش، وكان سعد من العشرة الذين بشروا بالجنة، وهو القائد ~~المظفر الذي أبلى أحسن البلاء في فتح بلاد الفرس. وقد جيء به ليبايع عليا فأبى ~~البيعة وقال لعلي: ما عليك مني من بأس. فأمر علي بتخليته وكفله هو. وجيء كذلك بعبد الله ~~بن عمر فأبى أن يبايع فأمر علي بتخليته وقال له بين الجاد والمازح: ما علمتك إلا سيئ ~~الخلق. # ولم تتم البيعة لعلي حتى نظر فإذا هو بين عدوين: أحدهما بالبصرة يرأسهم ms147 طلحة ~~والزبير وعائشة، والآخر بالشام يرأسهم معاوية بن أبي سفيان. فلم ير بدا من أن يقاتل ~~هذين الفريقين ليردهما إلى الطاعة ولتجتمع كلمة المسلمين بعد أن تفرقت؛ فيعودوا أمة ~~واحدة كما كانوا أيام النبي وأيام الشيخين أبي بكر وعمر. ولا بد من الاعتراف هنا بأن ~~عليا - رحمه الله - لم يبدأ بحرب قط إلا بعد أن دعا إلى الصلح ورغب فيه وألح في ~~الدعوة وحاج مخاصميه حتى أظهر عليهم حجته وأثبت في وضوح لا لبس فيه أنه لم يشارك في ~~قتل عثمان ولم يظاهر عليه، وإنما نصح له ما استطاع النصح، ورد الثائرين عن المدينة وكاد ~~يحسم الفتنة لولا غدر بني أمية من بطانة الخليفة، وأنه كذلك حاول أن يعين عثمان وأن ~~يحميه من الثائرين به والذين ظاهروهم عليه. ولكن خصوم علي كانوا حراصا على الحرب ~~يظهرون المطالبة بدم عثمان ويطلبون أن يسلم إليهم علي من قتل عثمان أو شارك في ~~قتله، وكان علي يأبى إلا أن ينفذ حكم الله على وجهه، فيخضع الناس قبل كل شيء لإمام واحد ~~ثم يحتكمون إليه في قتل الخليفة المقتول، فيقيم حد الله كما ينبغي أن تقام الحدود، ~~في ظل النظام والأمن لا في ظلمة الفتنة والانقسام. # وكذلك لم يجد علي بدا من الحرب بعد أن بذل الجهد كل الجهد في الإصلاح بينه وبين ~~طلحة والزبير وعائشة ومن تابعهم من أهل البصرة، فكان يوم الجمل الذي عظمت فيه المحنة ~~على المسلمين، وقد اقتنع الزبير بن العوام - رحمه الله - بخطئه فرجع عن الحرب، ولكنه ~~قتل غيلة في طريقه إلى الحجاز. # ومضى طلحة في القتال حتى قتل غيلة هو الآخر أثناء الموقعة، رماه رجل من بني أمية ~~هو مروان بن الحكم الذي أفسد على عثمان أمره كله فقتله. # ويقول الرواة: إن طلحة نقل من مصرعه ودمه ينزف، وهو يقول: اللهم خذ لعثمان مني حتى ~~ترضى. فقد اعترف هو أيضا بخطئه قبل أن يموت، وثبتت عائشة في هودجها على جملها ذاك الذي ~~قتل حوله من المسلمين عدد غير ms148 قليل، وكان من خيارهم محمد بن طلحة بن عبيد الله، ~~قتل وهو آخذ بزمام الجمل، وقال قاتله: # وأشعث قوام بآيات ربه # قليل الأذى فيما ترى العين مسلم # شققت له بالرمح جيب قميصه # فخر صريعا لليدين وللفم # يذكرني حاميم والرمح غير شاجر # فهلا تلا حاميم قبل التقدم # على غير شيء غير أن ليس تابعا # عليا ومن لا يتبع الحق يندم # وصرع عبد الله بن الزبير فلم ينج إلا بعد مشقة وجهد، وكان المسلمون يقتتلون حول ~~الجمل وعائشة تحمس أهل البصرة للقتال، حتى أشار علي بعقر الجمل، فلما عقر تفرق ~~الناس وانهزم أهل البصرة ونقلت عائشة في هودجها لم يمسها أذى. وبعد أيام ردها علي ~~مكرمة إلى المدينة فقرت في بيتها الذي ما كان لها أن تفارقه، بعد أن قال الله ~~لنساء النبي في الآيتين الكريمتين من سورة الأحزاب: # وقرن في ~~بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن ~~الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~* واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ~~. # وأقام علي بالبصرة حتى ضبط أمرها، ثم عاد إلى الكوفة فأقام فيها وجعلها عاصمة ~~للخلافة، وأكبر الظن أنه نقل عاصمة الخلافة إلى الكوفة ليعصم المدينة من أن تكون دار ~~حرب، فهو قد كان يروي عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه حرم المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وأعلن أن ~~من أحدث في المدينة حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه ~~يوم القيامة صرفا ولا عدلا. # وجعل علي يسفر إلى معاوية من الكوفة، يعرض عليه الطاعة ويدعوه إلى الصلح، وإلى جمع ~~كلمة المسلمين وحقن دمائهم والدخول فيما دخل فيه الناس. وكان المسلمون قد قبلوا بيعة ~~علي في جميع أقطار الأرض الإسلامية شرقا وغربا، إلا الشام فقد أقام معاوية في دمشق ~~يطالب بدم عثمان ويرفض كل صلح يعرض عليه. # فلم يجد علي بدا من حربه، فسار بجيشه حتى بلغ صفين، فوجد معاوية ms149 قد سبقه في أهل ~~الشام إلى الماء. يريد أن يظمئ عليا وجيشه، فاقتتل القوم على الماء حتى غلب أصحاب ~~علي عليه. ولكن عليا رحمه الله أبى أن يظمئ معاوية وأهل الشام، فتركهم يشربون ويسقون ~~أنعامهم، ويأخذون من الماء حاجتهم، وسعى السفراء بين الفريقين وعلي يعرض الصلح دائما ~~ويظهر حجته وحجة من معه على أهل الشام، ولكن معاوية وعمرو بن العاص أبيا إلا القتال ~~فكان القتال، وجعل المسلمون من الفريقين يتفانون، وكانت الحرب سجالا تدور الدائرة على ~~أهل الشام يوما وعلى أصحاب علي يوما آخر. ولكن عاقبة الحرب كادت تكون لعلي، وكاد ~~جيش الشام يهزم، وزعم الرواة أن معاوية هم أن يركب فرسه للهرب، لولا أنه ذكر ~~شعرا فثبت هذا الشعر قلبه، وهو هذه الأبيات: # أبت لي عفتي وأبى بلائي # وأخذي الحمد بالثمن الربيح # وإجشامي على المكروه نفسي # وضربي هامة البطل المشيح # وقولي كلما جشأت وجاشت # مكانك تحمدي أو تستريحي # لأدفع عن مآثر صالحات # وأحمي بعد عن عرض صحيح # وقد وجد له عمرو بن العاص مخرجا من هذا الحرج، فاقترح أن ترفع المصاحف على ~~الأسنة، وأن يدعى علي وأصحابه إلى كتاب الله يحتكمون إليه، فيحقون ما أحق ويبطلون ~~ما أبطل. وجازت الحيلة على كثير من أصحاب علي، وعلى أهل اليمن منهم خاصة فاستكرهوا ~~عليا على الهدنة. وحاول علي أن يمتنع عليهم وعرف أنها خدعة، ولكن أهل اليمن أبوا ~~إلا قبول الهدنة وأنذروا عليا؛ فاضطر كارها إلى الإذعان لرأي الكثرة من أصحابه، ~~وتقررت الهدنة بين الفريقين، على أن يرسل كل فريق منهم حكما يرضاه، وعلى أن يجتمع ~~هذان الحكمان فيقضيان بما قضى به القرآن بين الفريقين المختصمين. واشتد معاوية وأصحابه ~~في كتاب الهدنة، فأبوا أن يلقب علي نفسه أمير المؤمنين، واضطر علي إلى أن ~~يمحوها، وذكر صلح الحديبية حين أبت قريش على النبي في كتاب الهدنة أن يسمي نفسه رسول ~~الله، فمحا هذا الوصف واكتفى باسمه. ولست أدري أتفاءل علي حين ذكر يوم الحديبية أم ~~لا. ولكن عاقبة الهدنة على كل حال ms150 لم تشبه عاقبة الهدنة التي أمضاها النبي # صلى الله عليه وسلم # مع ~~أهل مكة، كانت عاقبة هدنة الحديبية فتحا قريبا ونصرا مؤزرا، وكانت عاقبة الهدنة ~~في صفين فرقة واختلافا على علي أي اختلاف. وفي هذه المواقع التي كانت بصفين ~~قتلت ألوف كثيرة من المسلمين من أهل العراق وأهل الشام. # وكان بين قتلى أصحاب علي عمار بن ياسر الذي كان يقاتل في حماسة أي حماسة، وهو شيخ ~~قد بلغ التسعين أو جاوزها. وكان يقاتل عن إيمان أي إيمان بأنه يدافع عن الحق، وكان ~~يرتجز: # نحن ضربناكم على تنزيله # واليوم نضربكم على تأويله # ضربا يزيل الهام عن مقيله # ويذهل الخليل عن خليله # أو يرجع الحق إلى سبيله # وكان يوم قتل يحرض الناس ويقول: من رائح إلى الجنة؟ اليوم ألقى الأحبة: محمدا ~~وحزبه. # وكان قتل عمار تثبيتا لعلي والصالحين من أصحابه وتشكيكا لمعاوية ومن معه، ذلك أن ~~كثيرا من المهاجرين والأنصار قد سمعوا النبي # صلى الله عليه وسلم # يقول وهو يمسح رأس عمار أثناء ~~بناء المسجد: «ويحك يابن سمية! تقتلك الفئة الباغية.» # وكان رجل من صالح الأنصار، هو خزيمة بن ثابت يشهد صفين مع علي، ولكنه لم يكن يقاتل ~~كأن قلبه لم يخل من بعض الشك، فلما رأى مقتل عمار بسيوف أهل الشام قال: الآن ظهر ~~الحق. وقاتل حتى قتل. # فأما معاوية وعمرو بن العاص فما أسرع ما وجدا مخرجا من هذا الحرج، فقالا: لم نقتله ~~وإنما قتله الذين جاءوا به إلى الحرب. وأذاعا مقالتهما هذه في أهل الشام؛ تثبيتا لقلوب ~~الذين أدركهم شيء من الشك والقلق. # ورجع علي إلى الكوفة مرجعا لم يكن ينتظره؛ ذلك أن جيشه اختلف عليه، رضيت كثرة ~~الجيش بالهدنة وفرضت على علي أن يقبل اختيار أبي موسى الأشعري حكما، وقد اختار ~~معاوية عمرو بن العاص، وأبت قلة من جيش علي هذه الهدنة ورأتها مخالفة للقرآن، فكان ~~الناس يقتتلون ويتضاربون ويتشاتمون في طريقهم إلى الكوفة. ثم وصل علي إلى الكوفة فلم ~~ير فيها إلا مظاهر الحزن والحداد؛ لكثرة من ms151 ذهب معه من أهل الكوفة ثم لم يعد بعد ~~أن لقي مصرعه بصفين. # ولم يلبث المنكرون لأمر الهدنة أن نظموا أمرهم وخرجوا من الكوفة أرسالا ، وكتبوا إلى ~~إخوانهم في البصرة فانضموا إليهم وأعلنوا العصيان، بل أعلنوا أكثر من العصيان، أعلنوا ~~أن عليا وأصحابه الذين قبلوا الهدنة قد كفروا؛ لأنهم خالفوا عن أمر الله حين قال في ~~الآيتين الكريمتين من سورة الحجرات: # وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون ~~. # ولما كان علي قد عرض الصلح غير مرة على معاوية وأصحابه فرفضوه، ثم كانت الحرب ~~بينهم، فكان يجب على علي وأصحابه فيما رأى الخوارج أن يمضوا في الحرب حتى يقضي الله ~~أمره، فيحق الحق ويبطل الباطل. ولكنهم لم يمضوا في الحرب وإنما قبلوا التحكيم فحكموا ~~الرجال في دين الله، والله وحده هو أحكم الحاكمين. وما كان ينبغي لعلي وأصحابه أن يضعوا ~~السيوف حتى يفيء معاوية وأهل الشام إلى أمر الله. # ومن هنا اتخذ الخوارج لأنفسهم شعارا من هذه الكلمة: «لا حكم إلا لله.» أي لا حكم إلا ~~لله بواسطة الحرب ينصر الحق ويهزم الباطل. وكانوا كثيرا ما يجهرون بدعوتهم هذه في مسجد ~~الكوفة، وربما قاطعوا بها عليا أثناء خطبته، وكان علي يقول: «كلمة حق أريد بها ~~باطل.» ثم قوي أمر هذه الفئة حين التقى الحكمان فلم يصنعا شيئا، إنما اختلفا وتشاتما ~~وافترقا كما التقيا؛ لأن عمرا أعلن خلعه لعلي وإثباته لمعاوية، ولأن أبا موسى زعم ~~أنه اتفق مع عمرو على خلع الرجلين جميعا وجعل الخلافة شورى بين المسلمين. فلم يتحرج ~~عمرو بن العاص من أن يخالف عما تراضى عليه الحكمان، وقد رفض علي هذا الحكم طبعا ~~وقبله معاوية، وعادت الحرب بينهما سيرتها الأولى. # هنالك ازداد الخوارج ثقة بأنهم على الحق، وبألا حكم إلا لله، وكثر خروجهم من الكوفة ~~سرا ms152 حتى أصبح لهم شيء من قوة. # وقد تجهز علي مرة أخرى للقاء أهل الشام، ولكن أشير عليه أن يفرغ من هذه الفئة التي ~~خرجت عليه ، وجعلت تفسد في الأرض وتسفك الدماء، ترى كل من تبع عليا ومعاوية كافرا ~~حلال الدم والمال. # وقد أرسل علي إلى الخوارج عبد الله بن العباس ليحاورهم ويحاول إقناعهم بالرجوع إلى ~~الجماعة، ولكن ابن عباس لم يصنع شيئا. فذهب إليهم علي بنفسه فناظرهم وأقنع كثيرا منهم ~~بالرجوع، ولكن آلافا منهم أبوا عليه فاضطر إلى قتالهم، فقاتلهم وظهر عليهم، ~~وهم بعد ذلك بالمضي إلى الشام، ولكن المنافقين من أصحابه أشاروا عليه بالعودة إلى ~~الكوفة ليصلحوا من أمرهم بعد هذه الموقعة، وليذهبوا إلى عدوهم بما ينبغي لهم من العدة ~~والعدد. فعاد بهم إلى الكوفة ولكنه لم يخرج منها: تفرق أصحابه إلى أهلهم وأقبلوا على ~~أعمالهم، وزهدوا في الحرب حتى أيئسوا عليا منهم، فجعل يدعوهم ويلح في دعائهم، ~~ولكنهم لا يسمعون منه ولا يستجيبون لدعائه، حتى قال ذات يوم في خطبة له: «لقد أفسدتم ~~علي رأيي بالعصيان حتى قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله ~~أبوهم! ومن يكون أعلم بها مني؟» ثم أنشد - فيما زعم الرواة - هذين البيتين: # تلكم قريش تمناني لتقتلني # فلا وربك ما بروا وما ظفروا # فإن قتلت فرهن ذمتي لهم # بذات ودقين لا يعفو لها أثر # وكثيرا ما كان علي - رحمه الله - يحرض أصحابه على القتال ويثيرهم إليه ويتهمهم ~~بالجبن تحميسا لهم حتى أنشدهم ذات يوم البيت القديم: # القوم أمثالكم لهم شعر # في الرأس لا ينشرون إن قتلوا # ولكنه - رحمه الله - لم يبلغ من أصحابه شيئا حتى طمع معاوية وأهل الشام في العراق ~~وفي جزيرة العرب نفسها. فكان معاوية يرسل الكتائب تغير على أطراف العراق فتقتل ~~وتنهب، وكان علي يرسل في إثر هذه الكتائب قطعا من جيشه تردهم عن أطراف دولته. # وقد أسرف معاوية في ذلك فأرسل بسر بن أرطاة في جيش إلى الحجاز، فأفسد فيه كثيرا ~~وأفسد في اليمن ms153 أيضا واقترف من القسوة ما لم يكن للمسلمين به عهد. # ثم ما زال معاوية بمصر حتى أخذها وقتل والي علي محمد بن أبي بكر، وأهداها إلى عمرو ~~بن العاص حياته، وقد جعل أمر علي يضعف شيئا فشيئا ويقوى أمر معاوية بما يتتابع على ~~علي من هذا الضعف. ثم كانت الكارثة التي امتحن بها علي - رحمه الله - حين خالف عن ~~أمره ابن عمه عبد الله بن العباس والي البصرة، فأخذ كل ما في بيت المال وفر به ~~إلى الحجاز، فأقام بمكة آمنا مغاضبا لابن عمه لعرض من أعراض الدنيا، وأطمع ذلك ~~معاوية فأرسل رسله إلى البصرة فأثاروا أكثر أهلها، واضطر علي إلى أن يرسل إلى البصرة ~~جيشا يخضعها ويردها إلى الطاعة. # وفي أثناء ذلك عظم أمر الخوارج فأتمر نفر منهم بقتل هؤلاء الثلاثة الذين ~~ملئوا الأرض شرا بزعمهم، وهم: علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص. ولم يبلغ أربه من ~~هؤلاء الثلاثة إلا صاحب علي عبد الرحمن بن ملجم قتله في المسجد وهو خارج ~~للصلاة. # وكذلك أصبحت هذه الأمة الإسلامية التي تركها النبي # صلى الله عليه وسلم # مجتمعة الكلمة، والتي ~~همت أن تتفرق فردها أبو بكر إلى الوحدة ووجهها إلى الفتح، والتي قهر بها عمر أعظم ~~دول العصر القديم وتركها مجتمعة الكلمة متحدة الرأي، أصبحت هذه الأمة منقسمة أشنع ~~انقسام وأبغضه إلى الله ورسوله؛ نسيت قول الله عز وجل في سورة آل عمران: # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~، ~~ونسيت قول الله عز وجل في سورة الأنفال أيضا: # ولا تنازعوا ~~فتفشلوا وتذهب ريحكم ~~، ثم نسيت قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~«ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.» # نسيت كل هذا واستجابت لفتنة المال وحب السلطان والاستئثار بخيرات الدنيا فضرب بعضها ~~رقاب بعض يوم الجمل، ويوم صفين، ويوم حروراء، وفي تلك الأيام التي كان معاوية يرسل ~~فيها كتائبه لتغير على الآمنين في المدن والقرى والبوادي أيضا على نحو ما كانت ~~العرب تفعل في جاهليتها. وقد صدق علي - رحمه الله - في ms154 البيتين اللذين أنشدهما ذات يوم ~~على منبر الكوفة ورويناهما آنفا وفي الثاني منهما بنوع خاص: # فإن قتلت فرهن ذمتي لهم # بذات ودقين لا يعفو لها أثر # فقد قتل رحمه الله، ومنذ قتله أظل المسلمين شر لم تنقشع سحبه إلى الآن، فقد ~~انقسمت الأمة إلى فريقين عظيمين: فريق يرى أن عليا هو الإمام الشرعي للأمة وأن ~~الإمامة يجب أن تكون في ولده، وفريق آخر يذهب إلى ما ذهبت إليه جماعة المسلمين بعد ~~وفاة النبي حين اختاروا أبا بكر للخلافة، وحين بايعوا بعده عمر لا يرون أن الخلافة ~~تورث في أهل البيت، وإنما يليها من كان كفئا لولايتها من صالحي المؤمنين. واشتد ~~العداء بين هذين الفريقين وجعل بعضهما يكفر بعضا، ونجم بينهما فريق ثالث، وهو فريق ~~الخوارج الذين ذهبت ريحهم الآن، والذين كانوا يكفرون الشيعة والجماعة معا ويستبيحون ~~دماءهم وأموالهم. # صدق علي في بيته ذاك، وصدق عثمان - رحمه الله من قبله - حين قال لمحاصريه: «إن ~~تقتلوني لا تصلوا جميعا أبدا.» وقد قتلوه فلم يصلوا جميعا أبدا، انقسموا شيعا ~~وأحزابا، وكان كل فريق منهم لا يستحل الصلاة مع الفريق الآخر. وكانت الدنيا وزهرتها ~~مصدر هذا الخلاف، ومصدر ما جرى من دماء، ومصدر ما بقي من آثاره إلى اليوم. # فلولا أن بني أمية طمعوا في الدنيا وغلبوا ذلك الشيخ على أمره لما كانت الفتنة بقتل ~~عثمان. ولولا أن معاوية قد كان رجلا من بني أمية، طمع كما طمعوا وألف حكم الشام فكره ~~أن يتركه، ثم طمع في أن يضم إليه سائر أقطار المسلمين، لما كانت الحرب بينه وبين علي، ~~ولولا أن طلحة والزبير طمعا في الخلافة، أو في أن يشاركا عليا فيها، ولولا أن عائشة ~~كانت تكره عليا منذ قصة الإفك، لما كانت الفتنة يوم الجمل. # وقد اجتمعت لمعاوية أقطار البلاد الإسلامية كلها بعد أن صالحه الحسن بن علي رحمه ~~الله، فسمى نفسه أمير المؤمنين، ولكنه لم يسر سيرة من عرفنا من أمراء المؤمنين، ~~وإنما جعل الخلافة ملكا وأورثها ابنه من بعده، واستباح أشياء ms155 حرمها الله في القرآن، ~~فاستلحق زيادا ورغب به عن أبيه، والله ينهى أشد النهي في القرآن عن هذا الاستلحاق ~~وأمثاله في قوله من سورة الأحزاب : # ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون ~~منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل * ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ~~فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ~~وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ~~. # وكان زياد يعرف أباه عبيدا الرومي حين قبل هذا الاستلحاق، وفرح به، وقد نهى رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # عن هذا الاستلحاق وأمثاله حين قال - فيما روى الشيخان: «ومن ادعى لغير ~~أبيه فليتبوأ مقعده من النار.» وحين قال - فيما روى الشيخان - أيضا: «من رغب عن أبيه ~~فهو كفر.» # ثم تتابع الخروج على الكتاب والسنة؛ لأن الإثم يدعو الإثم، ولأن حب الدنيا لا ~~يقنع صاحبه. فالله قد حرم مكة في القرآن، وحرم النبي المدينة فيما روى الشيخان عن ~~علي. وقد استباح بنو أمية المدينة ومكة جميعا، بدأ يزيد بن معاوية فاستباح المدينة ~~وأنهبها ثلاثا، وثنى عبد الملك بن مروان فإذن للحجاج في أن يستبيح مكة، واستباحها ~~الحجاج ففعل فيها الأفاعيل. كل ذلك لتخضع البلاد المقدسة لبني أبي سفيان ولبني مروان من ~~بعدهم. واستباح ابن زياد عن أمر يزيد بن معاوية قتل الحسين وأبنائه وإخوته، وسبي بنات ~~النبي. وكان من الممكن أن يستجيب ابن زياد للحسين حين سأله أن يسيره إلى يزيد، ~~ولو قد فعل لعصم أحفاد النبي من هذه المذلة، ولكن الشر يدعو الشر والإثم يستتبع ~~الإثم. وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له. # وأصبح مال المسلمين ملكا للخلفاء، ينفقونه كما يحبون لا كما يحب الله، وفيما يريدون ~~لا فيما يريد الله من وجوه الإنفاق. فكان معاوية يشتري ضمائر كثير من أهل الكوفة ~~والبصرة ليفسدهم على علي، ثم ظل على ذلك بعد أن استقام له الأمر، وجعل يتألف ms156 قلوب ~~الناس حول عرشه بمال المسلمين، لا يرى بذلك بأسا ولا يرى فيه جناحا. ومضى الخلفاء من ~~بني أمية على سنته فأسرفوا في أموال المسلمين ، وتجافوا عن سيرة النبي والشيخين ~~من بعده وعلي رحمه الله. # وكان علي كثيرا ما يقول لأهل الكوفة: إني لأعرف ما يصلحكم ولكني لا أفسد نفسي ~~بصلاحكم. وصدق عمر رحمه الله حين قال: لو ولوها - يريد الخلافة - ابن أبي طالب لحملهم ~~على الجادة. وقد هم علي أن يحمل المسلمين على الجادة، ولكن المسلمين أبوا عليه، أو ~~أبت عليه ظروف الحياة الجديدة التي أتيحت للمسلمين بعد الفتح من إحياء سنة النبي ~~وصاحبيه. ومن أجل ذلك قال كثير من المتأخرين: إنه رحمه الله لم يكن محسنا للسياسة، ~~وقصوره في السياسة هو الذي فرق عنه الناس وعرضه لما تعرض له من القتل. # وما أشك في أنه - رحمه الله - كان يحسن السياسة كل الإحسان، وكان جديرا لو اصطنعها ~~أن يجمع إليه الناس ويوحد كلمتهم، ولكنه آثر الدين على الدنيا؛ فلم يشتر ضمائر الناس، ~~ولم يستبح ما حرم الله ورسوله. وأبى أن يصلح الناس ويفسد نفسه. وذكر أنه سواء مات أو ~~قتل فسيلقى الله وسيحاسب عما عمل في حياته، وذكر قول الله للمؤمنين في سورة ~~المائدة: # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~، فحرص رحمه الله على أن ~~يهتدي، وبلغ من ذلك ما أراد، وفارق الدنيا راضيا مرضيا لم يحتمل خطيئة ولم يقترف ~~إثما. # 6 # وعن انقسام المسلمين إلى هذه الأحزاب الثلاثة: الشيعة والخوارج والجماعة، لم ينشأ ما ~~أشرنا إليه من الشر المادي في حياتهم فحسب، بل نشأ شيء آخر ليس أقل مما ذكر خطرا، ~~وهو تفرق المسلمين في الرأي وتفرقهم في الدين نفسه؛ فقد جعل بعضهم يكفر بعضا، ~~وجعل رأي بعضهم يسوء في بعض، حتى لم يأمن خارجي لرجل من الشيعة أو الجماعة، ولم يأمن ~~رجل من الشيعة أو الجماعة لخارجي، ثم لم يأمن رجل من الشيعة لرجل من الجماعة، ولم يأمن ~~رجل من الجماعة ms157 لرجل من الشيعة. فسد رأي بعضهم في بعض، وقامت الحياة بينهم على ~~السيف أحيانا وعلى الغش والنفاق أحيانا أخرى، وأصبح شرق الدولة ينكر غربها ويثور به ~~كلما وجد إلى الثورة طريقا، وأصبح غرب الدولة يبغض شرقها ولا يظفر بطاعته إلا بالعنف ~~كل العنف والاستبداد كل الاستبداد وأصبح الطغيان أصلا من أصول الحكم بين الشرق والغرب. ~~فجعل زياد وبنوه يفسدون في الأرض ليضبطوها لبني أمية، وأباح لهم بنو أمية هذا الفساد، ~~وجاء الحجاج بعد زياد وبنيه فملأ العراق شرا ونكرا. # ولم يكف هذا كله بل فسدت الحياة العقلية للمسلمين نفسها، فهذه الأحزاب المختصمة ~~كانت تقتتل بالسيف حين يتاح لها الاقتتال بالسيف، وكانت تختصم بالألسنة حين تضطر ~~إلى الأمن والدعة، فنشأت المناظرات بين الجماعة والشيعة والخوارج، وجعلوا يلتقون في ~~المساجد وفي مساجد العراق خاصة ليختصموا، ويحاج بعضهم بعضا. # وما أسرع ما نشأت الفرقة في داخل الأحزاب، فتفرقت الشيعة فرقا، وانقسم الخوارج إلى ~~طوائف، وانشق من الجماعة من انشق وألفوا فرقا وأحزابا، حتى كان بيت الحماسة مصورا ~~لأمرهم أبرع تصوير، وهو: # وتفرقوا شيعا فكل جزيرة # فيها أمير المؤمنين ومنبر # وعن هذه المناظرات نشأت الفرق الكلامية؛ فللشيعة فرقها، وللخوارج فرقهم، ومن الجماعة ~~نشأت المرجئة ونشأت المعتزلة، ولم تلبث المعتزلة أن انقسمت فرقا أيضا، وأهل السنة ~~أنفسهم لم يعصموا من هذا التفرق، فذهب بهم الجدل مذاهبه، وإذا نحن أمام فرق المتكلمين ~~تتجاوز السبعين، كلها يقول: لا إله إلا الله، فيعصم دمه ونفسه وماله، وحسابه بعد ذلك ~~على الله، كما قال النبي # صلى الله عليه وسلم # لأصحابه في بعض الحديث. ولكنهم على ذلك يكفر بعضهم ~~بعضا، ويستبيح بعضهم دم بعض، ويستبيح السلطان امتحان المخالفين له في المذهب بالفتنة ~~العظيمة والبلاء الشديد، وليس من شك في أن هذا الجدل والاختلاف وتفرق الرأي قد ملأ ~~الدنيا علما، وجعل للأمة الإسلامية تاريخا فكريا رائعا خصبا. # ولكن ليس من شك أيضا في أن هذا كله قد ضر الدين أكثر مما نفعه، وأساء إلى الإسلام ~~أكثر مما أحسن إليه. # وتستطيع أن ms158 تتصور هذا في وضوح حين توازن بين أصحاب النبي، الذين كانوا يسمعون ~~القرآن وحديث النبي فتصدق عقولهم وتؤمن قلوبهم، ولا يخطر لهم أن يجادلوا فيما سمعوا ؛ ~~لأن القرآن واضح كل الوضوح، ولأن الحديث الصحيح الذي يثبت عن النبي واضح كل الوضوح ~~أيضا، ولأن من سفه النفس وسخف الرأي أن يقول الله أو يقول رسوله فيختصم الناس ~~فيما قال الله ورسوله. # تستطيع أن توازن بين أصحاب النبي الذين سمعوا القرآن ينبئهم بأن الله سميع بصير، ~~وبأنه عليم حكيم، وبأنه واحد، وبأنه قدير، فلم يخطر لواحد منهم أن يسأل عن هذه الصفات ~~التي وصف الله بها نفسه: أهي زائدة على ذاته أم هي عين ذاته، كما اختلف المسلمون حين ~~جعل المعتزلة ينكرون أن تكون لله صفات تقوم بذاته، وإنما صفاته هي ذاته، وسموا ~~أنفسهم من أجل ذلك أصحاب التوحيد، وحين جادلهم خصومهم في ذلك فأكثروا وأسرفوا وسموهم ~~معطلين. وكما اختصموا في قول الله: # يد الله فوق ~~أيديهم ~~، وجعلوا يتساءلون عن هذه اليد التي أضافها الله إلى نفسه، ~~استعملت في القرآن مجازا أم حقيقة؟ كذلك في السمع والبصر وما إليهما من الصفات التي ~~ذكرت في القرآن، وتستطيع كذلك أن توازن بين أصحاب النبي حين سمعوا الله يوعد الكافرين ~~بالعذاب الخالد المقيم. ويعد المؤمنين بالنعيم الخالد المقيم، ويخوف المذنبين ~~من المسلمين عقابه الشديد ولا يوئسهم مع ذلك من عفوه ومغفرته، ويعدهم عفوه ومغفرته ~~إن تابوا وأصلحوا. # سمع أصحاب النبي هذا كله فلم ينكروا ولم يسرفوا في السؤال ولم يتورطوا في الجدال، ~~وسمع المتكلمون ذلك فجعلوا يسألون، أو جعل فريق منهم يسأل عن مقترف الكبيرة: أمؤمن ~~هو أم كافر؟ ثم لم يستطيعوا أن يقولوا إنه كافر؛ لأنه يعلن أن لا إله إلا الله، ولم ~~يستطيعوا أن يقولوا إنه مؤمن؛ لأنه خالف عن أمر الله باقتراف الكبيرة، فزعموا أنه ليس ~~مؤمنا ولا كافرا، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين، وقالوا: إنه فاسق. وحظروا على ~~الله العفو عن مقترف الكبيرة؛ لأنه إن عفا لم يكن عادلا والعدل ms159 واجب لله. كما حظروا ~~على الله عقاب المؤمن الذي لم يذنب؛ لأنه إن عاقبه لم يكن عدلا. ولجوا في هذه ~~المقالات حتى أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس، وحتى أغروا بأنفسهم شاعرا كأبي نواس الذي ~~قال لبعض المعتزلة: # فقل لمن يدعي في العلم فلسفة # حفظت شيئا وغابت عنك أشياء # لا تحظر العفو إن كنت امرأ فطنا # فإنه حظر له بالدين إزراء # وقال قائلهم: إنه لا تقبل شهادة طلحة والزبير - رحمهما الله - في باقة بقل؛ لأنهما ~~في زعمه قد خالفا عن أمر الله. ولم ينسوا إلا شيئا واحدا وهو أن الله عز وجل يقول في ~~سورة النساء: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ~~ضلالا بعيدا ~~. # ويقول في سورة الزمر: # قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر ~~الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ~~. # فهؤلاء الوعيدية ييأسون ويوئسون الناس من عفو الله ورحمته ومغفرته إذا ~~أذنبوا، على حين أن الله في هاتين الآيتين، وفي آيات أخرى من القرآن، يفتح لهم أبواب ~~الأمل واسعة. وقد بينا فيما مضى من هذا الحديث أن الله عز وجل يوعد الناس إن ~~اقترفوا الذنوب حتى يشرف بهم على اليأس، ثم يفتح لهم باب الأمل حتى يعصمهم من هذا ~~اليأس، ويغريهم بالتوبة والإقلاع عن الذنوب، وما أكثر ما يقرن الله وعده بوعيده، كما ~~قال في سورة الحجر: # نبئ عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم * وأن عذابي هو العذاب ~~الأليم ~~. # وهذا الاختلاف بين الفرق الإسلامية يرجع قبل كل شيء إلى الفتنة التي سادت بقتل عثمان ~~- رحمه الله - وبما كان من الحرب بين أصحاب النبي بعد مقتله. فالفرق الأولى التي نشأت ~~عن هذه الفتنة اختصمت فيما بينها أشد الاختصام، حتى قالت الخوارج بكفر علي وأصحابه، ~~وكفر معاوية وأصحابه. وقالت الشيعة بكفر معاوية ومن ناصره من أهل الشام. وجعلت هذه ~~الفرق تتقاذف بالكفر، وأبى المعتزلة من أصحاب النبي، كسعد بن أبي وقاص ومحمد بن ms160 مسلمة ~~أن يشاركوا في شيء من هذه الفتنة وأبوا كذلك أن يكفروا أحدا من المسلمين حتى كان ~~بعضهم يقول: لا أقاتل حتى تأتوني بسيف ينطق فيقول : هذا مؤمن وهذا كافر. وكره قوم هذا ~~التقاذف بالكفر، والحكم فيما لا ينبغي أن يحكم فيه إلا الله وحده فوقفوا موقف الإرجاء، ~~وتركوا أمر هؤلاء المختصمين إلى الله يقضي بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه، فيحسن ~~ثواب البر ويشدد عقاب الفاجر إن شاء أو يخففه أو يعفو عنه. # وتجاوزت المعتزلة التي نجمت فيما بعد ما ألف الصالحون من القصد فأغرقوا في تحكيم ~~العقل فيما لا يستطيع العقل أن يحكم فيه. تكلموا أولا فيما تكلمت فيه الفرق القديمة من ~~هذا التقاذف بالكفر، فاخترعوا المنزلة بين المنزلتين وقرروا أن مقترف الكبيرة ليس ~~مؤمنا ولا كافرا، وإنما هو فاسق خالف عن أمر الله فلم يعد مؤمنا، وأظهر الإسلام ~~واعترف بوحدة الله وصدق نبيه فلم يصر إلى الكفر، ورتبوا على هذا المذهب أن مقترف ~~الكبيرة لا تقبل شهادته في الدنيا وأنه مخلد في النار بعد الموت. # وبينما كان المسلمون يختصمون في هذه المسائل لقوا اليهود والنصارى وغيرهم من الفرس ~~والهند، وجادلوهم في دياناتهم كما جادلهم أولئك في الإسلام، فعرفوا من مذاهبهم في ~~الدفاع عن دياناتهم أشياء لم يكونوا يعرفونها، ثم لم يلبثوا أن عرفوا ألوانا من ~~الثقافات الأجنبية، والثقافة اليونانية خاصة، والفلسفة اليونانية على وجه أخص. فتأثروا ~~بهذا كله واتخذوه وسيلة إلى الدفاع عن دينهم كما فعل النصارى واليهود، ثم مضوا إلى ~~أبعد من ذلك فآمنوا بالعقل وحكموه في كل شيء، وزعموا أنه وحده مصدر المعرفة، وأنه هو ~~الذي يحسن ويقبح من أعمال الناس حسنها وقبيحها، وأنه يستطيع أن يعرف الله، ~~وأن يعرفه بقوته، سواء جاءته الأنبياء الهداة إلى الله أو لم يجيئوا. وقد غرهم إيمانهم ~~بالعقل فدفعهم إلى شطط بعيد، ولم يخطر لهم أن العقل الإنساني ملكة من ملكات ~~الإنسان، وأن هذه الملكة كغيرها من ملكات الإنسان محدودة القوة، تستطيع أن تعرف ~~أشياء وتقصر عن معرفة أشياء ms161 لم تهيأ لمعرفتها. وهذا هو الذي فتح عليهم أبواب هذا ~~الاختلاف الذي لا ينقضي، وجعلهم فرقا نيفت على السبعين. # ثم لم يكفهم هذا كله فزعم الزاعمون منهم أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قد نبأ بهذا الاختلاف، ~~ونبأ بعدد الفرق التي ستنشأ في الإسلام، ونبأ بأن فرقة واحدة منها هي الناجية - ~~في الحديث الذي رواه رواتهم - وأن سائرها هالك، وذلك كله في الحديث الذي رواه رواتهم، ~~والذي أكاد أقطع بأنه اخترع بأخرة، مهما يكن السند أو الأسانيد التي ركبت له، هو قولهم ~~عن النبي: ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، الناجية منهم واحدة والباقون هلكى. قيل: ~~ومن الناجية؟ قال: أهل السنة والجماعة. قيل: ومن أهل السنة والجماعة؟ قال: «ما أنا عليه ~~اليوم وأصحابي.» # والشيء الذي لا شك فيه أن كثرة هذه الفرق، وما يضاف إليها من المقالات، إنما نشأت ~~عما كان من التقاء الإسلام بالديانات والثقافات الأجنبية على اختلافها، ونحن نعلم كيف ~~فتن كثير من المسلمين بالفلسفة اليونانية، وبما رأوه من أن فلاسفة اليونان قد استكشفوا ~~ألوانا من المعرفة لم تكن تخطر للعرب على بال، في شئون الرياضة والطبيعة والطب. وهم قد ~~رأوا فلاسفة اليونان قد تجاوزوا بعقولهم ما تستطيع أن تعلم إلى ما لا تستطيع أن تعلم، ~~فبحثوا عن الله وعن صفاته وخصائصه، وذهبوا في ذلك مذاهبهم المعروفة، فما يمنع المفلسفين ~~من المسلمين أن يذهبوا مذهب هؤلاء الفلاسفة من اليونان، وأن يحاولوا أن يستكشفوا بعقلهم ~~الطبيعة، وما وراء الطبيعة، وما يمنع المتكلمين من أن يذهبوا مذهب الفلاسفة فيعملوا ~~العقل فيما لا يحسن العقل أن يعمل فيه من البحث والنظر، ويتخذوا وسائل الفلسفة ~~سبيلا إلى محاجة غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، فيعود عليهم هذا كله بالاختلاف ~~فيما بينهم، كما اختلف غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى حين عرفوا الفلسفة وأقحموها في ~~شئون الدين. وهذا هو الذي جعل المعتزلة مثلا يقرءون القرآن والسنة فيرون أن الله قد ~~وصف نفسه بصفات فيبحثون عن هذه الصفات، ويأبون إلا أن يصلوا فيها إلى ما يرون ms162 أنه الحق، ~~وهم قد قرءوا في القرآن أمر الله للناس أن يتفكروا ويتدبروا، ليعلموا أن هذا العالم بما ~~فيه من العجائب والنظام الدقيق لا يمكن أن يوجد من غير موجد له، فظنوا أن العقل يستطيع ~~أن يعرف كل شيء، وأن يعرف الله ذاته، وحقائق ما يصف به نفسه من الصفات. فتورطوا في ~~أشياء أساغتها عقولهم ولا تستطيع عقولنا نحن أن تسيغها، ولسنا في حاجة إليها لنحسن ~~الإيمان بالله والعلم بقدرته، وبما وصف نفسه به من الصفات؛ لأننا قد عرفنا أن العقل ~~الإنساني ليس من القوة والنفوذ بحيث ظن فلاسفة اليونان ومن تبعهم من متفلسفي ~~النصارى واليهود والمسلمين، وإنما هو كما يقول أبو نواس: قد حفظ شيئا وغابت عنه ~~أشياء. # وانظر إلى رجل حكيم كأبي العلاء، كيف غره الإيمان بالعقل فظن أنه هو الإمام ولا إمام ~~غيره، وأنه وحده يهدي الناس في المسير والإرساء، فقال في الرد على بعض غلاة ~~الشيعة: # كذب الظن لا إمام سوى العق # ل مشيرا في صبحه والمساء # فإذا ما أطعته جلب الرح # مة عند المسير والإرساء # وكيف انتهى به إيمانه بالعقل إلى مقالة لا يسيغها الدين ولا يقرها الإسلام في ~~قوله: # قلتم لنا خالق حكيم # قلنا صدقتم كذا نقول # زعمتموه بلا مكان # ولا زمان ألا فقولوا # هذا كلام له خبيء # معناه ليست لنا عقول # فعقله لم يستطع أن يتصور الخالق الحكيم في غير زمان ولا مكان. # فاضطره ذلك إلى أن يصف الخالق الحكيم بما يصف به سائر المخلوقات من الخضوع للزمان ~~والمكان، وهذا سخف لا يقول به مؤمن. # وأكبر الظن أن أبا العلاء نفسه لم يثبت عليه؛ فهو يقول في قصيدة أخرى: # أما ترى الشهب في أفلاكها انتقلت # بقدرة من مليك غير منتقل # وما يجوز عليه التحيز في مكان يجوز عليه الانتقال منه إلى مكان غيره، ولا يجوز أن ~~يقضي أبو العلاء على الخالق الحكيم القادر الذي يؤمن به بالعجز، وبالتزامه مكانا ~~واحدا لا يريمه، إن كان مستقرا في مكان. # وكل هذا وأمثاله عند أبي العلاء ms163 وغيره، من الذين غرهم العقل فأسرفوا في الإيمان ~~به، وحكموه فيما لا يستطيع أن يحكم فيه، لا يدل إلا على الحيرة والعجز، والقصور عن ~~بلوغ الحقيقة التي حاولوا أن يبلغوها. # ومثل ذلك يقال في المجسمة والمشبهة وكل الذين حاولوا أن يعرفوا الله ~~بعقولهم معرفة دقيقة. ولم يكتفوا بما اكتفى به النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه - رحمهم الله - ~~من قبول نص القرآن وفهمه في يسر وإسماح، وفي غير تكلف ولا إسراف في التأويل، والله عز ~~وجل ينبئنا في القرآن بأنه أنزل الكتاب فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات، وبأن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ~~مع أن العلم بتأويله موقوف على الله عز وجل، وبأن الراسخين في العلم يقولون آمنا به ~~كل من عند ربنا، وذلك في قوله عز وجل من سورة آل عمران: # هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر ~~إلا أولو الألباب * ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ~~إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب ~~. # وهذه هي المقالة التي يجب على كل مؤمن أن يقول بها ويتخذها دينا، ولست أدري أيصل ~~العقل يوما إلى أن يبلغ ما لم يبلغه إلى الآن من القوة أم لا؟ ولكن الشيء المحقق هو ~~أن عقل القدماء وعقل المحدثين من أصحاب الفلسفة والعلم ما زالا أضعف وأقصر باعا من أن ~~يصلا إلى استكشاف حقيقة الله، أو البحث عن صفاته وإصدار هذه الأحكام التي أصدرها ~~الفلاسفة والمتكلمون؛ اغترارا بالعقل واستجابة لما لا تنبغي الاستجابة له. # ومن أجل هذا أقول: إن المؤولين من المحدثين كالمؤولين من القدماء قد ~~استجابوا لعقولهم القاصرة واغتروا بها، وقالوا فيما ليس لهم أن يقولوا فيه، وطمعوا ~~فيما ليس لهم أن يطمعوا فيه. ولو قد ms164 تواضع أولئك وهؤلاء، ووقفوا أنفسهم حيث تنتهي ~~قوتهم، لكان خيرا لهم وللذين افتتنوا بهم من الناس. # فهؤلاء الذين يزعمون أن الطير الأبابيل، وما رمت به جيش الحبشة أمام مكة، إنما كانت ~~وباء من الأوبئة، وكانت الحجارة ضربا من الميكروبات. إنما يقولون هذا من عند أنفسهم، ~~وهم يعلمون حق العلم أن النبي وأصحابه لم يفهموا هذه السورة على هذا النحو، وما كان لهم ~~أن يفهموها على هذا النحو، فهم لم يكونوا يعرفون الميكروب، وما كان لهم أن يعرفوه. ~~والذين يقولون إن السموات السبع التي تذكر في القرآن هي الكواكب السيارة، إنما يرجمون ~~بالغيب ويقولون ما لم يقله النبي وأصحابه. ومصدر هذا أنهم يريدون أن يلائموا بين ~~القرآن ومستكشفات العلم الحديث، فيضطرهم ذلك إلى تكليف النصوص من التأويل ما لا تحتمل. ~~وليس على الدين بأس أن يلائم العلم الحديث أو لا يلائمه، فالدين من علم الله الذي لا ~~حد له، والعلم الحديث كالعلم القديم محدود بطاقة العقل الإنساني، وبهذا العالم الذي ~~يعيش الإنسان فيه. # ومن أسخف السخف أن نحاول الملاءمة بين ما لا حد له وما هو محدود بطبعه، وصدق الله ~~حين أنبأ بأن الراسخين في العلم يقولون: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من ~~لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. # وشر آخر نشأ عن اختلاف هذه الفرق فملأ حياة المسلمين فسادا أي فساد، وهو الغلو ~~في التأويل إلى أبعد ما يتصور العقل، وإلى غير ما يفهم صراحة من نصوص القرآن. وذلك ~~حين اضطرت بعض الأحزاب إلى أن تسر دعواتها، وتستخفي بمذهبها في السياسة أولا وفي ~~الدين بعد ذلك كهؤلاء الباطنية الذين زعموا أن العلم بالدين علمان: علم الظاهر وهو ما ~~عليه الناس في كثرتهم، وعلم الباطن وهو ما هم عليه. وجعلوا يتركون ظاهر النص؛ لأنه لا ~~يليق إلا بعامة الناس ولا يلائم خاصتهم، ثم يلتمسون للنص تأويلا يخالف كل المخالفة ما ~~يفهم منه لغة، وما فهمته جماعة المسلمين حين سمعوا النبي يتلو عليهم القرآن ويبين لهم ~~ما أنزل إليهم، ms165 وغلوا في ذلك كل الغلو حتى أحدثوا لأنفسهم دينا لا يدين به غيرهم من ~~المسلمين فأفسدوا الدين والعقل معا، ثم نشأ التصوف ونشأ في أول أمره زهدا غلا فيه ~~أصحابه وأنكره النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فهو قد رد على عثمان بن مظعون - رحمه الله - ~~رهبانيته، وشدد على عبد الله بن عمرو بن العاص حين أزمع أن يصوم الدهر وحين غلا في ~~قراءة القرآن، وأراد أصحابه على أن يأخذوا دينهم بالرفق وبالإسماح، وذكرهم بما أنبأهم ~~به القرآن من أنه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، ومن أنه لم يجعل عليهم في الدين ~~من حرج، وأمر الغلاة منهم في الصيام والقيام أن يصوموا ويفطروا وأن يقوموا ويناموا، ~~ولا يحرموا على أنفسهم ما أحل الله لهم، بل بالغ النبي # صلى الله عليه وسلم # في ذلك حتى استخفى من ~~أصحابه ببعض عبادته مخافة أن يشق عليهم، وأن يتقيدوا به فيتكلفوا ما لا يطيقون، ~~ونهاهم عن أن يواصلوا في صومهم فيصوموا الليل والنهار جميعا. فلما قالوا له: إنك ~~تواصل! قال: «إني لست كهيئتكم، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني.» يريد أن الله قد منحه من ~~القوة والجلد على عبادته ما لم يمنحهم. # وعلى رغم هذا ظهر الزهد، وأبى فريق من صالحي المسلمين إلا أن يرفضوا لين الحياة، ~~ويشددوا على أنفسهم في العبادة والتقشف والإعراض عن اللذات، وليس بهذا كبير بأس، ~~فالناس أحرار في أن يزهدوا إن أطاقوا الزهد ولم يسوءوا به أحدا، ولكن هذا الزهد لم ~~يلبث أن تطور حين نشأت الفرق وجعل أمره يتعقد شيئا فشيئا، حتى نشأ عنه التصوف الذي ~~عرف في أواخر القرن الأول وازداد تعقيدا حين اشتد اتصال المسلمين بالثقافات الأجنبية، ~~فلم يلبث التصوف أن تأثر بما عرف المسلمون من ثقافة الهند والفرس، ومن ثقافة اليونان ~~خاصة، وتحول الزهد من تفرغ للعبادة وإمعان فيها إلى محاولة الاتحاد بالله أو الاتصال ~~به، أو معرفته من طريق الإشراق. ثم اختلط التصوف بمذاهب الباطنية فازداد تعقيدا إلى ~~تعقيد، وانحرف عما عرف الناس من ms166 شئون الدين، وأصبح مذهبا بعينه، بل أصبح مذاهب يختلف ~~فيها المختلفون، وتكلم المتصوفون بأشياء أنكرها الفقهاء والمحدثون والمتكلمون، ~~وامتحن فيها بعضهم محنة شديدة انتهت أحيانا إلى القتل والصلب كما جرى على ~~الحلاج. # وليس التصوف مقصورا على الإسلام بل هو معروف في الديانات الأخرى وفي المسيحية خاصة، ~~ولكن متصوفة الإسلام أسرفوا على أنفسهم، ثم أسرفوا بعد ذلك على الناس، فصار أمر ~~التصوف بعد أن فشا الجهل والجمود إلى ألوان من الشعوذة والدجل حتى أصاب عامة الناس منه ~~شر كثير، لو رآه أئمة الصوفية الأولون لضاقوا به أشد الضيق وأنكروه أعظم ~~الإنكار. # ثم لم يقف أمر الاختلاف بين المسلمين عندما وصفنا، ولكنهم اختلفوا في استنباط ~~الأحكام التي يحتاج إليها الناس في حياتهم الاجتماعية، بل في عباداتهم أيضا اختلافا ~~كثيرا نشأ عنه جدل لا يحصى بين الفقهاء. فكان أهل الحجاز في القرن الأول والثاني ~~يستنبطون الأحكام من القرآن والسنة، وما أجمع عليه أصحاب النبي، وما عمل به ~~الممتازون منهم، يرون أن أصحاب النبي لا يجمعون على شيء إلا أن يكونوا قد استندوا في ~~إجماعهم على سنة من النبي، ويرون أن الممتازين من الصحابة قد اشتد اتصالهم بالنبي ~~حتى فقهوا الدين حق فقهه وتحروا سنته في أحكامهم، وكان أهل العراق يستنبطون ~~الأحكام من القرآن والسنة والإجماع، ولكنهم لا يكرهون أن يلجئوا إلى الرأي إذا ~~أعوزتهم هذه الأصول، واشتد الجدال بين أولئك وهؤلاء، وكثر الخلاف بين أصحاب الرأي ~~أنفسهم، فكثر الكلام في الفقه، كما كثر الكلام بين الذين اشتغلوا بأصول الدين إلى ~~اختلاف الفرق القديمة في استنباط الأحكام. فللشيعة فقههم، وللخوارج فقههم. كل يقيم ~~مذهبه في استنباط الحكام على مذهبه في السياسة وفي أصول الدين أيضا. # وكذلك بلغ الخلاف بين المسلمين في الأصول والفروع أقصى ما يمكن أن يبلغ، ثم أدركهم ما ~~يدرك الأمم قبلهم وبعدهم من الضعف والجهل والانحطاط، فصار أمرهم إلى شر عظيم. # وقبل الحديث عن الجهل وما ترك في حياة المسلمين من شر يشقون به إلى الآن، لا بد من ~~وقفة قصيرة ms167 عند ألوان من التعصب نشأت عن كثرة الفرق في الأصول والفروع جميعا، فكما ~~كانت الأحزاب السياسية في أول الأمر تتقاذف بالكفر، ويستبيح بعضها دم بعض حين ~~تمكنه الفرصة، أو يتاح له الخروج على السلطان، جعلت فرق المتكلمين تتقاذف بالكفر ~~أحيانا وبالفسق غالبا، وتستبيح امتحان الناس بالسجن والضرب والقتل، إن أتيح لها ~~الاتصال بالسياسة والاستيلاء على عقول الحكام وقلوبهم، كالذي كان حين غلب المعتزلة على ~~عقل المأمون، وألقوا في قلبه مقالتهم هذه السخيفة، التي لا تقدم ولا تؤخر في فقه ~~أصول الدين وفروعه، والتي لم يدفع إليها إلا الغلو في البحث والإمعان في الجدل، وهي ~~مقالتهم في خلق القرآن؛ فهم قد أنكروا أن تكون لله صفات تقوم بذاته، وقرروا أن الله ~~عالم بذاته وقادر بذاته إلى آخر ما قرروا فيما يسمونه التوحيد، ونظرا لأن الله ~~قد أنبأ في القرآن بأنه كلم موسى تكليما وبأنه أنزل القرآن على محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وأمر ~~النبي أمرا مباشرا بأن يبلغ الناس عنه ما أنزل إليه، وأمره أمرا مباشرا غير مرة بأن ~~يقول لهم أشياء مختلفة، يوجه بعضها إلى المسلمين ويوجه بعضها إلى الكافرين ويوجه ~~بعضها إلى الناس جميعا؛ فقد استنبطوا من كل هذا أن كلام الله مخلوق محدث قد أنشأه ~~الله بعد أن لم يكن وأنزله على أنبيائه فهو كغيره من الكتب التي ينشئها الناس إلا أنه ~~هنا قد أنشأه الله كما أنشأ غيره من المخلوقات. ولو قد قالوا مقالتهم هذه ولم يفتنوا ~~بها الناس لكان حسابهم إلى الله وحده، ولكنهم سيطروا على المأمون وأقنعوه بمقالتهم هذه، ~~وأقنعوه أيضا بأن القول بغيرها إشراك بالله وخروج من الدين؛ لأن قدم القرآن معناه أن ~~يكون هناك قديمان، مع أن القديم واحد لا شريك له ولا نظير له في القدم، وهو الله عز ~~وجل. ثم لم يكفهم ذلك فحملوا المأمون على أن يفرض رأيهم هذا على المسلمين، ويبدأ ~~بعلمائهم وفقهائهم ومحدثيهم. واستجاب لهم المأمون بعد تردد وجعل يمتحن علماء ~~المسلمين ويفرض هذه المقالة على كل من ms168 يعمل في خدمة الدولة، بل في خدمة الأمة من القضاة ~~والعمال والشهود، وقرر أنه ليس في حاجة إلى أن يستعين على خدمة الدولة الإسلامية ~~بالمشركين. وألزم العمال أن يمتحنوا القضاة في ذلك فمن أجاب إلى رأيه أقر على عمله ~~ومن أبى صار إلى العزل. وأمر القضاة أن يمتحنوا الشهود ولا يقبلوا إلا شهادة من يقول ~~برأيه ويعلن إيمانه بأن القرآن مخلوق. ثم جعل يمتحن الفقهاء والمحدثين، فمنهم من أجاب ~~إلى رأيه تقية وتجنبا لاحتمال المكروه، ومنهم من أبى فتعرض للسجن وتعرض للضرب، ~~ولو قد عاش المأمون لتعرض خصومه من العلماء للقتل، فهو قد أمر عامله على بغداد أن يمتحن ~~جماعة من العلماء، فمن أجاب إلى رأيه أطلقه ومن خالف عن رأيه ضرب عنقه وأرسل إليه ~~رأسه. # وكان حين أصدر هذا الأمر إلى عامله على بغداد قد خرج من العراق محاربا للروم. والناس ~~جميعا يعرفون أن أحمد بن حنبل - رحمه الله - لقي في هذه المحنة بلاء عظيما فصبر صبر ~~الأبطال واحتمل السجن الطويل والحرمان الشديد والضرب المبرح الذي أضعفه إلى أن توفي. ~~وأكبر الظن أن المعتزلة صاروا بالمأمون في هذه المقالة إلى شيء يشبه الجنون، ولولا أنه ~~قد مات في سفره ذاك لملأ الأرض شرا ونكرا، ولكن الواثق والمعتصم سارا في هذه ~~المسألة سيرة المأمون مع شيء من القصد، فلم يصلا بالممتحنين إلى القتل كما هم ~~المأمون أن يفعل، وإنما اكتفيا بالسجن والضرب والحرمان. ولولا أن المتوكل ألغى هذه ~~المحنة وعاد إلى القصد في حكم المسلمين لتعرض أمر الخلافة العباسية لخطر أي ~~خطر. # وكذلك الأمر كلما اتصل رجال الدين - والغلاة منهم في الرأي - بالسلطان وسيطروا عليه. ~~فقد أشرنا آنفا إلى الحلاج وقتله وصلبه. وقد حدث شيء من هذا الامتحان لبعض العلماء في ~~الغرب الإسلامي؛ فمنهم من سجن كابن رشد، ومنهم من حرقت كتبه كابن حزم. وليس لهذا كله ~~مصدر إلا أن الغلاة من الأحرار كالمعتزلة في المشرق، والغلاة من المحافظين كالفقهاء في ~~المغرب الإسلامي، قد استطاعوا أن يستأثروا ببعض الحكام ويفرضوا ms169 عليهم غلوهم في ~~الرأي، وأخذهم الناس بما لم يعرف عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، والذين يقرءون القرآن والسنة ~~يعرفون ما لقي النبي وأصحابه المؤمنون من المنافقين في المدينة وفي باديتها، ويعرفون أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يعرض لأحد منهم بسوء، وإنما احتملهم صابرا عليهم مطاولا لهم، ~~طامعا في أن يثوبوا يوما إلى الرشد، أو أن تمسهم رحمة من الله فتخلص قلوبهم للدين، ~~وكان يستغفر لأحيائهم ويصلي على موتاهم، حتى قال الله له: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ~~. # وقال له: # ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ~~ولا تقم على قبره ~~، وربما عرض عليه عمر بن الخطاب أو غيره من ~~أصحابه أن يقتلوا بعض المنافقين فلم يأذن لأحد منهم في ذلك. # وقد روى الشيخان أن شيئا من الخصومة وقع بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار في ~~غزوة بني المصطلق، وتعصب لكل واحد منهما نفر من أصحابه، فبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن ~~سلول، رأس المنافقين من أهل المدينة، فقال: لئن رجعنا المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ~~وارتفعت القصة إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # فسأله عمر بن الخطاب أن يأذن في قتل هذا المنافق، ~~فأبى وقال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.» وذكر الله هذه المقالة التي قالها ~~عبد الله بن أبي بن سلول فقال في سورة المنافقون: # يقولون لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين ~~لا يعلمون ~~. # واعترض رجل على إعطاء النبي من غنائم حنين لبعض المؤلفة قلوبهم، وواجه النبي ~~باعتراضه، فقال: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. فلم يزد النبي في جوابه على أن قال: ~~«ويحك! فمن يعدل إذا لم أعدل؟!» واستأذنه بعض أصحابه في قتل هذا الرجل فأبى. # وإذن فقد علم الله ما أضمر المنافقون من الكفر في قلوبهم فلم يحرض النبي عليهم، ~~ولم يأذن له في قتل أحد منهم، وإنما نهاه أن يصلي عليهم ms170 إن ماتوا أو يقوم على ~~قبورهم. # ولم ينطق النبي عن الهوى حين قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.» # وحين قال: «ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.» # وكان الفقهاء والمحدثون الذين هم المأمون بقتلهم يقولون: لا إله إلا الله، فيعصمون ~~بها دماءهم وأموالهم، ثم لم يكونوا يقولون هذه الكلمة بألسنتهم وإنما كانوا من صالحي ~~المؤمنين وأصحاب الورع والزهد فيهم. ومن الخلفاء العباسيين من غلا في امتحان بعض الناس ~~وأسرف في قتلهم. يأخذ بعضهم بالشبهة والوشاية وسوء القالة، كالذي صنع المهدي حين تتبع ~~الزنادقة، فقتل منهم أفرادا لم يتثبت من كفرهم وإنما أخذهم بسوء القالة وسعي بعض ~~الناس فيهم بالسوء. وغلا في ذلك حتى أمر بعض وزرائه أن يقتل ابنه بيده. وقال له: قم ~~فتقرب إلى الله بدمه. # وكل هذا إسراف لم يأته النبي ولا نعرف أن خلفاءه الراشدين قاتلوا أو قتلوا ~~المسلمين، إلا حين جاهروا بالخروج من الدين وأظهروا له العداوة ولم يعصموا دماءهم ~~وأموالهم بالإسلام. # ولست في حاجة إلى أن أذكر زيادا، ذلك الذي أعلن في خطبته المشهورة أنه سيأخذ البريء ~~بالمسيء والصحيح في دينه بالسقيم. ولا أذكر الحجاج الذي أسرف في القتل بغير الحق؛ فقد ~~كان زياد والحجاج طاغيتين أطلق خلفاء بني أمية أيديهما وأيدي غيرهما من ولاة العراق في ~~دماء الناس وأموالهم فأفسدوا وأمعنوا في الفساد. # وجملة القول أن الغلو في الرأي، حمل الناس على ما لا يؤمنون به، وأخذ الناس ~~بالشبهة وقتلهم أو تعذيبهم بالظنة، كل هذه أشياء ينكرها الإسلام ويأباها أشد الإباء ~~ويبرأ الله ورسوله منها. ولا يعمد إليها من حكام المسلمين إلا الذين يطيعون الهوى ~~ويمتنعون على العقل ويخالفون عن القوانين الصريحة للدين. # وعن اختلاف الأحزاب واختصامها بالسيف أحيانا، وباللسان غالبا في القرن الأول وصدر ~~من القرن الثاني، وعن اختلاف الفرق بعد ذلك ولجاجها في الخصومة، نشأت الدعوة السرية ~~لبعض المذاهب السياسية، وكان هذا مصدر اضطرابات ms171 كثيرة زعزعت أحيانا مركز الخلافة في ~~دمشق أولا، وفي بغداد بعد ذلك. # كانت قوة السلطة المركزية في العصر العباسي خاصة تمنع الناس من الجهر بآرائهم ~~السياسية والنضال عنها، فلم يكن لهم بد من أن يسروا آراءهم، ويستخفوا بدعوتهم، ~~ويدبروا ثوراتهم من وراء الحجب الصفاق. أضف إلى هذا أن الثقافة في العصر العباسي تجاوزت ~~طبقة العلماء المتخصصين وطبقة الأغنياء الذين كانوا يستطيعون أن يأخذوا منها بحظوظ ~~مختلفة، وتغلغلت في بعض طبقات الشعب؛ فلم يلبث الناس أن عرفوا حقوقهم، وشعروا بما كان ~~يفرض عليهم من ظلم السلطان، واستئثار الأغنياء دونهم بطيبات الحياة، واستذلالهم ~~للفقراء، واستغلال الأقوياء للضعفاء؛ فنشأت عن ذلك الدعوة إلى لون من الثورة، لم يخلص ~~للسياسة ولم يخلص للدين أيضا، وإنما كان مطالبة بالحقوق الاجتماعية، وجهادا في سبيل ~~تحقيق العدل وشيء من المساواة. فكانت ثورة الزنج في البصرة، تلك التي ثار فيها الرقيق ~~بالسادة، والتي عرضت مركز الخلافة لخطر عظيم، واضطر أولو الأمر في بغداد إلى أن ينفقوا ~~في مقاومتها جهدا مضنيا ومالا مبهظا، ولم يستطيعوا إخمادها إلا بعد حرب عنيفة شديدة ~~العنف، طويلة مسرفة في الطول. # ولم تكد هذه الثورة تخمد حتى نشأت ثورة اجتماعية أخرى، كانت أشد منها خطرا وأعظم ~~منها انتشارا، وهي ثورة القرامطة التي دعت إلى شيء من العدل والمساواة، يوشك أن يكون ~~هدما للنظام الاجتماعي الذي كان قائما. وقد ملأت الدنيا شرا في العراق والشام وبلاد ~~العرب، وكادت ترد كل شيء إلى الفوضى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل عمل الشيعة ~~العلويون سرا وجهدوا واجتهدوا، وأتقنوا الكتمان والاستخفاء بدعوتهم، حتى أتيح لهم أن ~~ينشئوا لحزبهم دولة في شمال أفريقيا، لم تلبث أن انتشرت وقوي أمرها، حتى سيطرت على مصر ~~والشام وبلاد العرب. # ونظر المسلمون ذات يوم فإذا هم خاضعون لثلاثة من الخلفاء، أضعفهم الخليفة العباسي في ~~بغداد، ذلك الذي لم يكن له من الحكم إلا ظاهره. وكان الخليفة الثاني في مصر، بعد أن ~~أنشأ الفاطميون مدينة القاهرة واستقروا فيها، وكان الخليفة الثالث في قرطبة ms172 بالأندلس، ~~حيث أوت سلالة الأمويين التي فرت حين نشأت الدولة العباسية في المشرق، فأنشأت دولتها ~~في الأندلس ضعيفة أول الأمر قوية بعد ذلك. # وكانت هذه الدول الثلاث تتنافس أشد التنافس، ويبغض بعضها بعضا أعظم البغض، قد انقسم ~~بنو هاشم إلى خلافة عباسية في بغداد وخلافة علوية في القاهرة، وقام بنو أمية في قرطبة ~~يبغضون العباسيين والعلويين جميعا، وظهر بين علماء الأندلس رجل كابن حزم لم يتردد في ~~الجهر بأن تعدد الخلفاء جائز لا بأس به. وقد رأيت من قبل أن الله أمر المسلمين أن ~~يعتصموا بحبله جميعا ولا يتفرقوا. # فانظر إلى ما صار إليه اعتصامهم بحبل الله من الفرقة والانقسام، واستباحة الحرب ~~بينهم، مع أن النبي والصالحين من أصحابه لم يكونوا يبغضون شيئا كما كانوا يبغضون ~~الفرقة والانقسام، حتى روي عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قوله: «من حمل علينا السلاح فليس ~~منا.» وقد روينا لك غير مرة قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم ~~رقاب بعض.» وليس لشيء من هذا كله مصدر إلا افتتان الناس بزهرة الحياة الدنيا، وانحرافهم ~~عما أراد الله للمسلمين من أن يقيموا أمرهم كله على العدل والمساواة والإنصاف. ~~واختلافهم في فهم القرآن تأثرا بالأهواء، واستجابة لما كان يملأ نفوسهم من ~~الطموح. # 7 # على أن هذا كله لم يلبث أن صار إلى شر عظيم حين غلبت العناصر الأجنبية على شئون ~~الحكم، فأقامت هذه الشئون على المنافع، غير حافلة بما يأمر به الله من العدل والإنصاف ~~والمساواة، والشعور المتصل بهذه الرقابة الرهيبة التي فرضها الله على الناس، فراقب ~~أعمالهم الظاهرة ونياتهم الباطنة، وأنبأ بأنه سيسأل الناس عما تعمل جوارحهم وما تضمر ~~قلوبهم. أعرضوا عن هذا كله وأقاموا أمور الحكم على المنافع العاجلة، وعلى المنافع ~~العاجلة لأنفسهم ولأعوانهم وذوي خاصتهم، ولم يحفلوا بالعامة، ولم يفكروا في أن للأمة ~~حقوقا يجب أن تؤدى إليها، وعليها واجبات يجب أن تحمل على أدائها. بل نظروا إلى ~~الأمة على أنها وسيلة لإرضاء المطامع، وأداة لتحقيق المآرب، والأصل ms173 الديني في كل حكم ~~صالح أن تكون الأمة غاية وتكون الحكومة وسيلة، وتكون الغاية الكبرى التي تشترك فيها ~~الحكومة والأمة هي إرضاء الله بتحقيق العدل ومحو الجور حيثما وجد، وشعور الحاكمين ~~والمحكومين جميعا بأنهم لم يخلقوا عبثا ولم يتركوا سدى، لم يستخلفوا في الأرض ~~ليفسدوا فيها ويسفكوا الدماء، ويطغى بعضهم على بعض ويستغل بعضهم نشاط بعض. وإنما خلقوا ~~ليصلحوا ويحسنوا ويعملوا على أن يلقوا ربهم كما يجب أن يلقوه أتقياء أنقياء ~~مبرئين من الذنوب والآثام، التي تعرضهم لها الفتنة، وإيثار المنافع العاجلة ~~الفانية على المنافع الآجلة الباقية. # ثم لم يكتف الحكام الأجانب بهذا كله، ولكنهم جهلوا اللغة العربية فلم يقدروها حق ~~قدرها، ولم يلتفتوا إلى أنها لغة القرآن والسنة والثقافة، وأن إهمالها إهمال لهذا ~~كله، وأن عاقبة هذا الإهمال إنما هي الجهل؛ جهل الدين أولا، وجهل الثقافة والعلم ~~ثانيا، والانتهاء آخر الأمر إلى أن تقوم أمور الناس على الجهل الذي يناقض العلم، وعلى ~~الجهل الآخر الذي يناقض الحلم والأناة وكبح الشهوة وقهر النفس، وأخذها في أمرها كله ~~بالحق والعدل والمساواة بين الناس، وأداء الواجبات مهما تثقل. # وإلى الجهل بهذين المعنيين صارت أمور المسلمين آخر الأمر، جهل الحكام شئون الدين ~~وشئون الثقافة والعلم فلم يحفلوا بنشر الدين والثقافة والعلم، فانتهى أمر الأمة نفسها ~~إلى الجهل العام. وعن هذا الجهل العام نشأ الشر الذي يحاول المسلمون في هذا العصر ~~الحديث أن يخلصوا منه، فلا يبلغون من ذلك بعض ما يريدون إلا بأشق المشقة وأعظم الجهد. ~~وإذا أهملت الحكومة شئون الدين فلم تشجع العلماء على أن ينشروه بين أصحابه، وبين ~~الذين لم تصل إليهم دعوته بعد، ولم تشجع الناس على أن يتعلموا دينهم؛ هان أمر العلماء ~~بالدين على الحكومة أولا، وعلى الأمة ثانيا، وعلى أنفسهم آخر الأمر. فأهملوا ما كان ~~يجب عليهم أن يعنوا به من الدرس والبحث وتعمق الأصول، واستخراج فروع الأحكام التي ~~تلائم حياة الناس على مر الأيام وتطور الظروف. # ومن أجل هذا كله غاضت تلك الينابيع الغزيرة التي كانت تمد ms174 عقول الفقهاء بهذا الإنتاج ~~الخصب الرائع، الذي لا نعرف أنه أتيح لأمة قديمة قبل الأمة الإسلامية، حتى الأمة ~~الرومانية التي برعت في الفقه وتعمقته. وقد كان فقهاء المسلمين في أول أمرهم يجتهدون في ~~فهم القرآن والسنة وسيرة الصالحين من أصحاب النبي، ويستنبطون الأحكام من هذا كله، لا ~~يصدهم عن ذلك شيء، ولا يردهم عنه رضى السلطان عنهم أو سخطه عليهم، ولا التفاف الناس ~~حولهم أو انصرافهم عنهم، فأنشئوا هذا العلم الخصب وذهبوا فيه المذاهب. وكان اختلاف ~~مذاهبهم نافعا للناس في حياتهم العامة، وفي حياتهم الخاصة كان مذكيا لعقولهم ~~وقلوبهم أولا، وكان بعد ذلك يوسع عليهم ألوان الحل لما كان يعرض لهم من ~~المشكلات. # وكان الناس يجدون حين يطلبون العلم في العناية بالفقه وتعمقه، والتصرف في ~~معضلاته، حتى إذا أهمل العلم والدين وجمد العقل وانقطع التفكير الخاص؛ صار الناس إلى ~~هذا التقليد البغيض، يتحرج علماؤهم من الاجتهاد، ويطمئن عامتهم إلى هذا التقليد، ~~وفرضت على الأمصار والأقاليم مذاهب هؤلاء الأئمة الأربعة: مالك وأبي حنيفة والشافعي ~~وأحمد بن حنبل - رحمهم الله. # وفرغ الفقهاء لدرس مذهب من هذه المذاهب يجادلون عنها ويتكلفون التعمق لها، يقلد ~~كل جماعة منهم إماما من هؤلاء الأئمة ويضعون مذهبه موضع التقديس، لا ينحرفون عنه ولا ~~يغيرون فيه. ثم انتهى أمرهم إلى التعصب لأئمتهم والتنكر لغيرهم من المجتهدين، ~~حتى أضاعوا علما كثيرا ذهب مع الزمن لشدة الانصراف عنه وقلة التفكير فيه، ثم تعصب ~~أصحاب الأئمة الأربعة لأئمتهم فثارت بينهم الخصومات السخيفة التي لا تغني عنهم ولا عن ~~عامة الناس شيئا. ثم صار العقل الفقهي إلى شيء من التحجر، وجعل الفقهاء يبدئون ~~ويعيدون فيما قال قدماؤهم، لا يزيد متأخر على متقدم شيئا، ثم صار الفقه إلى كتب ~~تقليدية مختصرة توضع لها الشروح وتضاف إليها الحواشي. وجعل شباب الطلاب يحفظون ~~المختصرات عن ظهر قلب، ويختلفون إلى أساتذتهم ليسمعوا منهم شروحا وحواشي، يفهمون منها ~~ما يستطيعون ويتركون منها ما لا يحسنون فهمه، وأتيح لبعض البلاد الإسلامية حكام ~~يقلدون مذهبا من المذاهب، فيفرضونه على ms175 المحكومين، ويختارون القضاة من فقهاء هذا ~~المذهب لا يتجاوزونه إلى غيره. وجمدت العامة مع الفقهاء فأصبح هذا الشعب يدين بمذهب أبي ~~حنيفة، لا يستبيح أن تحل مشكلاته بحكم مذهب آخر. وشعب آخر يدين بمذهب مالك لا يعدوه ~~إلى غيره، وأتيح لبعض الشعوب أن يكون من أبنائه الحنفية والشافعية والمالكية ~~والحنابلة، ولم يحفل الحكام بذلك ولم يهتموا له، وإنما اكتفوا بأن يختاروا لكل أصحاب ~~مذهب قضاة من أهل مذهبهم. # وكذلك كان في مدينة كالقاهرة قاض للحنفية، وآخر للشافعية وثالث للمالكية، وعلى هذا ~~النحو. وأي شر أعظم أثرا في حياة الناس من ألا يجمعهم قانون واحد تقوم عليه الأحكام ~~فيهم، وتحل به المشكلات التي تعرض لهم. # ولم يكن الكلام أحسن حظا من الفقه. فقد انتهى أمره إلى الجمود والعقم. وفرض على ~~الناس مذهب بعينه من مذاهب المتكلمين، يراه علماؤهم دينا ويرون ما عداه من المذاهب ~~انحرافا عن الجادة وجورا عن الطريق. وأصابه ما أصاب الفقه من اختصار الكتب ووضع ~~الشروح والتعقيب عليها بالحواشي، حتى أصبحت العقول أدوات لا عمل لها إلا أن تبدئ وتعيد، ~~وتهذي في غير انقطاع كما يهذي المحمومون. # وصار أمر العلوم كلها إلى ما صار إليه أمر الفقه والكلام، مختصرات تحفظ عن ظهر قلب، ~~وشروح تفسر هذه المختصرات، وحواشي وتقارير تردها إلى الغموض والتعقيد بعد اليسر ~~والإسماح. وإذا جمدت عقول العلماء على هذا النحو جمدت عقول تلاميذهم، وأصبح الجمود ~~شيئا تتوارثه الأجيال جيلا عن جيل. # ثم تعرضت العقول للخرافات والسخافات والأساطير، التي يتراكم بعضها إلى بعض ويتراكب ~~بعضها فوق بعض، وصار العلم إلى شيء من الإعجام، وأغلق بابه على أوساط الناس فضلا عمن ~~هم أقل منهم، وأطبق على علماء الأمة وعامتها سحب متكاثفة من الجهل والتواء التفكير، ثم ~~الاستسلام والإذعان لكل ما يقال لهم وكل ما يراد بهم. وبعد الأمد إلى أقصى حدود ~~البعد بينهم وبين قديمهم، فنسوا تاريخهم ونسوا علومهم وما ترك الأولون فيها من الكنوز ~~التي لا تقدر ولا تحصى، والتزموا كتبا بعينها تتوارثها أجيالهم يفهمونها أو ms176 لا ~~يفهمونها، فليس الفهم هو الشيء المهم وإنما المهم هو أن تقرأ الكتب الطوال في مجالس ~~الدرس، وتحفظ الكتب القصار قبل الاختلاف إلى مجالس الأساتذة. # والأستاذ مقيد بما يقرأ من ألفاظ الشراح وأصحاب الحواشي لا يضيف إليها شيئا. قد وقف ~~عقله عن التفكير واقتصر جهده كله على قراءة النص المختصر وتفسيره بالشرح المكتوب ~~والتعقيب عليه بالحواشي المكتوبة أيضا على هذه الشروح. # وأصبح الأساتذة والطلاب أشبه شيء بالببغاء يحكي كل واحد ما سمع من شيخه ويحيكه بلفظه ~~ما وجد إلى ذلك سبيلا. وقد أتيح للمسلمين لحسن حظهم أفراد من العلماء في عصور مختلفة ~~لم يجحدوا التقليد جماعة، وإنما حاولوا أن يعملوا عقولهم ويثبتوا شخصيتهم وينشروا ~~النور من حولهم، وينظروا من علم القدماء فيما أعرض الناس عن النظر فيه. # وكان هؤلاء العلماء يجدون نفورا منهم وإعراضا عنهم، وربما وجدوا تشهيرا بهم ~~ومقاومة لهم، وربما أصابهم أذى يكثر ويقل باعتبار الظروف التي تحيط بهم وتحيط ~~بالناس من حولهم. # وانظر إن شئت إلى سيرة ابن تيمية وما أصابه من إنكار العلماء الجامدين عليه، وبطش ~~الحكام المستبدين به. # وكذلك صار أمر المسلمين إلى هذا النكر الذي عرضهم لألوان من المكروه ما كانوا ~~ليتعرضوا لها لو سلكوا طريق قدمائهم. فلم يتركوا عقولهم تصير إلى هذا الجمود ~~والخمود. # والكوارث السياسية بالطبع هي مصدر هذه المحنة التي امتحن بها المسلمون قرونا ~~طوالا، والتي أطمعت فيهم دولا أجنبية لم تكن من الإسلام في شيء، رأتهم جاهلين ~~غافلين مذعنين للظلم راضين بما كان يصب عليهم من الجور والهضم والاستذلال. ~~وإذا بلغت الشعوب هذا الحد من الضعف ضعفت حكوماتها فلم تجد من القوة إلا ما ~~يمكنها من ظلم الرعية واستذلالها واستغلالها. ولم تستطع أن ترد عن نفسها ولا عن ~~شعوبها طمع الطامعين فيها، وكيد الكائدين لها ومكر الماكرين بها، واعتداء المعتدين ~~عليها، بل ربما وجدت الشعوب شيئا من السرور والرضى بسقوط حكوماتها وانهزامها أمام ~~العدو المغير، يئست من عدل هذه الحكومات ونظرت إليها على أنها شر سلط عليها، ~~فتمنت أن يزول ms177 عنها هذا الشر، فهي طامعة في شيء من العدل قليل أو كثير عند المغيرين ~~عليها والمحتلين لبلادها، نسيت كرامتها وجهلت هذه الكرامة وغفلت عن حقوقها وعن ~~واجباتها أيضا، وطمعت في شيء واحد هو أن تخلص من هذا الشر الجاثم عليها. # وكذلك كثر المغامرون أولا، وكثر معهم الاضطراب والفساد، ثم جاء المستعمرون فوجدوا كل ~~شيء قد مهد للاستعمار، ففتحوا واستعمروا وفتحوا أبوابا من الآمال الكاذبة أمام هذه ~~الشعوب اليائسة، حتى إذا استقرت لهم الأمور تبين اليائسون البائسون أنهم لم يخرجوا من ~~بؤسهم ذاك إلا ليفرض عليهم بؤس أشد منه. وأي بؤس أشد نكرا من أن يتحكم الأجنبي في ~~حياة الناس وأرزاقهم ومصالحهم، وفي آمالهم ومستقبلهم. # كانوا عبيدا أو كالعبيد لقوم يمتون لهم ببعض الأسباب، فأصبحوا عبيدا أو كالعبيد ~~لقوم ليسوا منهم في قليل ولا كثير، يختلفون عنهم في كل شيء ولا يقاربونهم في ~~شيء. # وإذا هم يعودون إلى شر مما كانوا فيه من البؤس والقنوط. # ولم يصر شأن علوم اللغة العربية والعلوم العقلية إلى خير مما صارت إليه أمور ~~الفقه والكلام، تقليد في هذه كالتقليد في تلك، وجمود مطبق في هذه كالجمود المطبق في ~~تلك. شمل القصور ملكات العقول كلها، فلم تبتكر شيئا ولم تحسن التفكير في شيء، بل لم ~~تحتفظ بقديمها نفسه، وإنما خلت بينه وبين الجهل يلقى من دونه حجبا كثافا وأستارا ~~صفاقا. # ولو أن هذا الجهل المطبق رد عقول الناس إلى فطرتها الأولى، وجعلها متهيئة ~~لتلقي ما يمكن أن ينقل إليها من علم جديد، لكان قليل هذا العلم الجديد جديرا أن ~~يذكرها بكثير علمها القديم. ولكن الناس أحبوا الجمود واطمأنوا إليه، وحرصوا على ~~الاستمساك به، ورأوا كل جديد بدعة أي بدعة وإثما أي إثم، بل رأوا إحياء التراث القديم ~~نفسه شرا يجب اجتنابه وينبغي للرجل الكريم أن يتقي شره، ووصفوا إحياء القديم العربي ~~في الأدب واللغة والفلسفة بأنه عناية بالقشور وإهمال اللباب، واللباب بالطبع هو ~~ما يبدئون وما يعيدون فيه من الكلام المعقد الذي لا يغني عنهم ولا ms178 عن غيرهم شيئا. ~~ولم يقصر هذا الجمود على وطن بعينه من الأقطار العربية والإسلامية، ولكنه جثم على ~~العالم الإسلامي كله كما تجثم ظلمة الليل على الأرض، وأبطأ إسفار الشمس التي تذود هذه ~~الظلمة عن القلوب والعقول جميعا، حتى أصبح العالم الإسلامي نهبا للطامعين فيه ~~والمعتدين عليه من المستعمرين الغربيين. # ثم كان الاتصال بهؤلاء الغربيين حين أقبلوا عليهم مستعمرين لهم، فنبههم أو نبه ~~أقلهم من هذا النوم العميق، وإذا هم يشعرون على مر الزمن بما تتابع عليهم من الكوارث ~~وما أطبق عليهم من الجهل، حتى ناموا واستيقظ الناس، وسكنوا وتحرك الناس. وإذا هؤلاء ~~الأقلون يحاولون إيقاظ الكثرة النائمة، ويبلون في ذلك أحسن البلاء، ويحتملون في سبيله ~~فنونا من النكير والتشهير والأذى. # وما أظن المصريين نسوا جهاد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده - رحمهما الله - ~~في هذه السبيل، وما لقيا من السخط عليهما والمكر بهما، والتنكر لمن ذهب مذهبهما أو ~~اختلف إلى دروسهما. وليس لهذا مصدر إلا أن النائمين يكرهون اليقظة، ويكرهون بالطبع من ~~يدعوهم إليها، كما أن الذين استراحوا إلى الجمود لا يبغضون شيئا كما يبغضون الحركة ~~والداعين إليها. # ومع ذلك فقد نامت الأمة الإسلامية قرونا طوالا، ولكنها حين استيقظ بعض الممتازين ~~منها ودعوها إلى اليقظة في إلحاح، أتيح لها في الوقت القصير شيء لا بأس به من ~~التنبه، بل شيء لا بأس به من التقدم وإن لم تزل بعيدة أشد البعد عن أن تكون ~~جديرة بتاريخها الإسلامي البعيد. # وما أحب أن أثبط الهمم، ولا أن أفل العزائم، ولا أن أشيع اليأس، ولكني أقول تقوية ~~للأمل وتمضية للعزم وإلحاحا مع الملحين في أن يثوب الناس إلى أنفسهم، ويتمثلوا ~~هذه الآماد البعيدة أشد البعد بينهم وبين قدمائهم من جهة، وبينهم وبين الأمم الحديثة ~~المتحضرة المسيطرة على العالم الحديث من جهة أخرى. ليعلموا أن الطريق بينهم وبين ~~الرقي الصحيح طويلة شديدة الطول، شاقة عظيمة المشقة، وأنهم قد أتيح لهم الآن شيء ~~من يقظة تمكنهم من أن يختاروا بين اثنتين: إحداهما أن يظلوا كما ms179 هم الآن أيقاظا ~~كالنيام، ونياما كالأيقاظ؛ فيتعرضوا لخطوب أشد هولا وأعظم أثرا من الخطوب التي ~~تتابعت عليهم. والثانية أن يستيقظوا حقا ويستدركوا ما فاتهم حين وقفوا ومشى الناس، ~~ليصبحوا أكفاء لقدمائهم من جهة، وأندادا للذين يحاولون أن يستذلوهم من جهة أخرى. ويجب ~~عليهم أن يذكروا أن حكامهم من الأجانب في العصور الماضية كانوا جهالا ففرضوا عليهم ~~الجهل، وأن الطامعين فيهم الآن بعيدون كل البعد عن الجهل، فسيكون ظلمهم لهم أقوى وأعنف ~~من ظلم حكامهم الأجانب فيما مضى. # والمستعمرون في هذا العصر الحديث يوشكون أن يفرضوا عليهم ضروبا من العلم قد تخرجهم ~~من الجهل، ولكنها ستقطع الأسباب حتما بينهم وبين تاريخهم وتفنيهم في الأمم المستعمرة ~~إفناء. # فلينظروا بين هاتين الخطتين وليختاروا إحداهما، وما أرى إلا أنهم سيختارون، بل عسى ~~أن يكون كثير منهم قد اختار بالفعل، خطة اليقظة والنهوض. # 8 # وسبيلهم إلى هذه اليقظة الخصبة واحدة لا ثانية لها، وهي أن يذكروا ما نسوا من تراثهم ~~القديم، لا ليقولوا إنهم يذكرونه، بل ليعرفوه حق معرفته، ويفقهوه جد الفقه، ويحسن ~~المتخصصون منهم العلم بدقائقه وتيسيره لغير المتخصصين. # هذه واحدة، والثانية أن يستدركوا ما فاتهم من العلم الحديث، ويبتغوا إليه الوسائل ~~التي تتيح لهم أن يتحققوه كما يتحققه أصحابه، وأن يوطنوه في بلادهم ويجعلوه ملكا ~~لهم، وأن يبذلوا من الجهد ما يمكنهم في يوم قريب من ألا يكونوا عيالا على المستأثرين ~~به، بل من أن يشاركوا فيه مشاركة الأنداد الأكفاء. # بهذه الخطة وحدها يستطيعون أن يسلكوا سبيل قدمائهم، الذين عرفوا حق المعرفة كيف ~~يحافظون على ما ورثوا من العرب القدماء: الجاهليين والمسلمين الأولين. وكيف يدرسونه ~~أحسن الدرس وأوسعه وأعمقه. وعرفوا في الوقت نفسه كيف يأخذون الثقافات الأجنبية، وكيف ~~يسيغونها ويتمثلونها ويضيفون إليها من عند أنفسهم، وكيف ينشرون نور المعرفة بهذا كله ~~في البلاد التي تستأثر بالعلم الآن، وتريد أن تفرض عليهم سيطرتها. # وواضح أن هذا الحديث لا يطمع في أن يرسم للمسلمين خطة دقيقة للرقي، وإنما يطمع في ~~شيء هو أهون من ذلك، ms180 ولكنه عظيم الخطر إلى أبعد ما يمكن أن يعظم الخطر لأمر من الأمور، ~~وهذا الشيء متصل بالإسلام وحده، فالقرآن بين أيدي المسلمين يقرءونه ويسمعونه ويتعبدون ~~به، ولكن الذين يفهمونه حق فهمه من بينهم يمكن إحصاؤهم، ويجب أن يكونوا من الكثرة فوق ~~الإحصاء، ويجب أن يتجاوزا به أنفسهم، وأن ينشروا العلم الصحيح به بين الناس. # والثابت من سنة النبي # صلى الله عليه وسلم # محفوظ قد نشر في الكتب، وجعل كثير من الناس ينظرون ~~فيه، ولكن الذين يفقهونه أقل من القليل. ويجب أن يكثروا وأن ينشروا منها على الناس ما ~~يبين لهم حقائق القرآن أولا، ويفقههم في أمور دينهم ثانيا. # وسيرة الخلفاء الصالحين من المسلمين معروفة منشورة يقرؤها المؤرخون، ولكن العلم بها ~~لا ينبغي أن يقصر بها على المؤرخين، وإنما يجب أن يشيع بين الناس، وأن تيسر لهم قراءته ~~وفهمه. علم العلماء سجل في الكتب ينشر قليله، وأكثره ما زال نائما كما نامت الأمة ~~الإسلامية، فيجب أن يفيق من نومه، وأن يكون قريب التناول للذين يحسنون درسه وفقهه ~~من العلماء. # وهذا كله لا يكفي؛ لأنه لا يزيد على أنه ترقية للعقول وتزكية للأفهام، وويل للعلم ~~بشئون الدين وحقائقه إذا لم يتجاوز العقول والأفهام إلى القلوب والأمزجة، ويؤثر في ~~الضمائر أعمق التأثير، ويؤثر في السيرة الظاهرة لهم أعمق التأثير أيضا. # وقد عرضت في هذا الحديث صورة إن تكن شديدة الإيجاز، فإنها شديدة الوضوح لحياة النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه رحمهم الله. # فلو لم يكن لهذا الحديث أثر إلا أن يقرأه الناس، ويجتهدوا ما استطاعوا في أن يحملوا ~~أنفسهم على أن يسيروا في أمور دينهم ودنياهم سيرة النبي وأصحابه والصالحين من المسلمين، ~~وينفوا عن أنفسهم وعقولهم وقلوبهم ما أصابها من التقليد والجمود، وما استقر فيها من ~~السخف والأوهام. لو لم يكن لهذا الحديث أثر إلا هذا لكان قد بلغ بعض ما أردت، حين أخذت ~~في إملائه، وصدق الشاعر القديم حين قال: # وما أدري إذا يممت أمرا # أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا ms181 أبتغيه # أم الشر الذي هو يبتغيني # والله يعصمنا من الشر ويوفقنا إلى الخير، وهو قد قال في كتابه العزيز: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان ~~، فعسى أن يجيبنا إلى هذه الدعوة، وله الحمد أولا ~~وآخرا. ms182