######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.MinAdabTamthilGharbi.Hindawi30525258 #META# Tags: literature #META# ID: 30525258 #META# Title: من أدب التمثيل الغربي #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أحمر‏ # أصيل التمثيل‏ # الدائرة‏ # الطائر الحديث‏ # مدرسة أبناء الخمسين‏ # ملهاة السعادة‏ # كارل وأنا‏ # مدرسة المشعوذين‏ # فوز الطب‏ # هدوء السر‏ # العرق الذهبي‏ # كنت أنتظرك‏ # لم نبق بعد أطفالا‏ # سميراميس‏ # سجين‏ # برسيفونيه‏ # أحمر‏ # أصيل التمثيل‏ # الدائرة‏ # الطائر الحديث‏ # مدرسة أبناء الخمسين‏ # ملهاة السعادة‏ # كارل وأنا‏ # مدرسة المشعوذين‏ # فوز الطب‏ # هدوء السر‏ # العرق الذهبي‏ # كنت أنتظرك‏ # لم نبق بعد أطفالا‏ # سميراميس‏ # سجين‏ # برسيفونيه‏ # | من أدب التمثيل الغربي # | من أدب التمثيل الغربي # تأليف # طه حسين # | أحمر # لم تجد هذه القصة من النقاد حين مثلت إلا ثناء وإطراء؛ لأنها فيما يظهر لاءمت ميول ~~الفرنسيين عامة، والباريسيين خاصة في هذه الأيام. ولعلها من بعض نواحيها تلائم ميول ~~المثقفين والأدباء من غير الفرنسيين أيضا، فأظهر ما تمتاز به هذه القصة أنها رقيقة لينة ~~لا عنف فيها، ولا جهد، وإنما تمس الأشياء مسا سهلا هينا؛ هو إلى الإشارة والتلميح أقرب ~~منه إلى النص والتصريح. وأظن أن هذا النحو من الميل الأدبي قد أخذ يعم وينتشر في هذه ~~الأيام، وأخذ الناس يكرهون التصريح الملح، ويعودون إلى الاكتفاء بالإيماء والرمز، وباللمحة ~~الدالة كما يقولون، ولا سيما حين لا يكون الموضوع الذي يتناوله الأديب خليقا بالتصريح ~~والجلاء. # وموضوع هذه القصة في ظاهره على أقل تقدير، هو الهجاء السياسي. وقد تعود الناس في الهجاء ~~السياسي أن يكون صريحا كل الصراحة، واضحا كل الوضوح، يتجه اتجاها مباشرا إلى العاطفة ~~التي يريد الكاتب أن يستثيرها. فإذا وفق الكاتب الأديب في هذه الأيام إلى أن يحسن الهجاء ~~السياسي دون أن يورط نفسه فيما ألف الناس من تصريح لا يحتمل اللبس، ووضوح لا يتعرض ~~للغموض؛ فقد وفق إلى الإجادة التي يألفها الذوق المترف الحديث. # وصاحب هذه القصة بارع في التعريض، موفق حين يقصد إلى السخرية، التي تلذع ولا ترى، ~~وتؤذي وكأنها لا تحس. وهو قد أراد في هذه القصة أن يعبث بطائفة من رجال السياسة عرفتهم ~~الحياة العامة في هذا العصر الحديث، يتخذون لأنفسهم آراء متطرفة مسرفة في التطرف، ولكنهم ~~يتخذون لأنفسهم مع هذه الآراء سيرة ms001 تناقضها كل المناقضة، وتخالفها أشد الخلاف؛ فهم في ~~مذهبهم السياسي اشتراكيون غلاة، أو شيوعيون مسرفون في الشيوعية. ولكنهم في سيرتهم الخاصة ~~حراص كل الحرص على تقاليد بيئتهم التي نشئوا فيها؛ وهي بيئة الأغنياء، أوساط الناس، ~~يعيشون إذا خلوا إلى أنفسهم عيشة فيها ترف، بل إسراف في الترف، وفيها يسر، بل إغراق في ~~اليسر. وفيها تفنن في التماس اللذة وتذوقها. فإذا لقوا أتباعهم وأنصارهم، أظهروا زهدا في ~~اليسر والترف، وهجوما عنيفا على أصحاب اليسر والترف. وهم كذلك يخدعون الناس ويمضون في هذا ~~الخداع حتى ينتهوا أحيانا إلى خداع أنفسهم والاقتناع بأنهم اشتراكيون أو شيوعيون حقا. ~~فإذا حللت حياتهم وسيرتهم؛ لم تجد بينهم وبين الاشتراكية والشيوعية سببا، إنما هم قوم قد ~~اتخذوا السياسة صناعة يستعينون بها على إنفاق الوقت كما يستعينون بها على التماس ما يحتاجون ~~إليه من السلطان والجاه؛ فهم يكذبون على الناس، وهم يكذبون على أنفسهم، وهم يظفرون بتصديق ~~الناس، ويظفرون بتصديق أنفسهم أيضا. وما أكثر ما سمعنا عن هذا الزعيم أو ذاك من قادة الرأي ~~الاشتراكي أو الشيوعي، يظهر للناس خصما شديد الخصومة لرأس المال وما يستتبع من نظام سياسي ~~واقتصادي، صديقا قوي الصداقة للمساواة والثورة التي تؤدي إليها. ويتخذ لنفسه منزلين، ~~منزلا يلائم مذهبه السياسي يلقى فيه أنصاره وأتباعه، من العمال والبائسين، ومنزلا آخر ~~يلائم ذوقه المترف وشخصه الممتاز الحريص على الامتياز يلقى فيه أصدقاءه وأحباءه وشركاءه في ~~الترف واللهو والتماس اللذة والنعيم. # وقد ذهب الكاتب في قصته هذه مذهبا طريفا في تصوير ما أراد تصويره؛ فاعتمد على التناقض ~~في هذا التصوير، وذلك أنه صور لنا شخصين متناقضين فيما بينهما تناقضا شديدا: أحدهما خرج ~~من الطبقات الشعبية الدنيا، كان عاملا بائسا سيئ الحال، فما زال يجد ويكد ويحتمل ~~الجهد والعياء حتى أثرى وعظم حظه من الثراء، وأصبح من أصحاب الملايين، وإذا هو ينظر ~~إليه على أنه من الأغنياء، الذين يجب أن تحاربهم طبقات العمال وتحطمهم الثورة حطما. وهو ~~على ذلك يعيش بين ملايينه عيشة الرجل الساذج السهل الذي ms002 يكره الترف ويمقت اللذة، ويحرص على ~~القصد والاعتدال أشد الحرص، ويعطف على العمال والبائسين أشد العطف. # والآخر رجل خرج من بيئة غنية؛ فتعلم في المدارس، وتخرج في مدرسة الهندسة، وانتهى من ~~الترف العقلي والشعوري إلى حظ عظيم، ثم اتخذ الاشتراكية أو الشيوعية له مذهبا، واندفع في ~~نصر العمال وتأييد ميلهم إلى الثورة، حتى أحبه العمال وآثروه واتخذوه وكيلا لهم في مجلس ~~النواب، وهو على ذلك يعيش عيشتين متناقضتين: إحداهما عيشة الثائر الزاهد، والأخرى عيشة ~~المترف الحريص. # والتناقض بين هذين الرجلين في القصة واضح أشد الوضوح: فالأول مهمل في زيه وشكله، ساذج ~~في حديثه وتفكيره وسيرته كلها، والآخر ظريف لبق واضح العناية بشكله، بين الحرص على أن ~~يأخذ بحظه من نعيم الحياة، لا حظ له من سذاجة إذا قال أو فعل. على أن الكاتب لم يقف عند هذا ~~الغرض في قصته هذه، وإنما قصد إلى غرض آخر ليس أقل خطرا من الغرض الأول؛ فصور لنا انخداع ~~الفتاة التي لا تستطيع أن تحب إلا إذا أكبرت من تحبه إكبارا، وأخرجته عن طوره وجعلته أرقى ~~منها، وجعلت نفسها دونه بحيث يستطيع أن يأمر وتستطيع هي أن تأتمر. وصور لنا في الوقت نفسه ~~اضطراب الفتى الذي أحب، واستأثر الحب به، ولكنه رأى عشيقته تكبره وتراه بطلا؛ فلم يستطع ~~إلا أن يلعب دور البطل كما يقولون، ويتخذ صورة الرجل العظيم، ويسير سيرته ليحتفظ بما يملأ ~~نفس صاحبته من الحب. # ثم تتكشف الحوداث عن كل هذا الخداع والانخداع، ويظهر للعاشقين أن الحب خليق أن يعتمد ~~على نفسه، وأن يستغني بها دون أن يستعين بالعظمة أو البطولة؛ فتعود الأمور إلى حيث يجب أن ~~تكون، ويظهر الحب آخر الأمر ظافرا منتصرا. ولا بد من إتقان اللغة الفرنسية وإتقان الأدب ~~الفرنسي أيضا؛ لتذوق هذه القصة وفهم ما ترمي إليه من الأغراض، فإن الكاتب قد أخفى سخريته ~~إخفاء، وسترها سترا. وإن كثيرا من الناس لخليقون أن يقرءوا هذه القصة فلا يجدوا لها ~~خطرا ولا يتذوقوا فيها جمالا. # ثم لا بد ms003 من شيء من الصبر والأناة والثقة بالكاتب؛ لينتهي القارئ أو الناظر إلى ما ~~ينبغي أن ينتهي إليه، من الحكم الصادق على هذه القصة؛ فالحركة فيها لا تكاد تشعر، والحوار ~~فيها مشتت مختلط، شديد الاختلاط لا يكاد يضبط وليس إلى تلخيصه الدقيق من سبيل. # فالقارئ أو الناظر خليق أن يجد السأم حين يقرأ القصة أو يشهدها، ولكنه إذا فكر واستأنى ~~وجد في هذا العيب الظاهر مزية قيمة حقا. فهذا الحوار المختلط المنتشر يصور الحياة ~~الواقعة أحسن تصوير وأصدقه، ويخفي أثر الفن في هذا التصوير نفسه، ويخيل إليك أنك تحيا مع ~~هؤلاء الناس الذين تعرضهم عليك القصة وتشاركهم فيما يكون بينهم من حوار، وما ينجم بينهم من ~~خصومة أو خلاف. # ونحن حين يرفع الستار عن الفصل الأول في قصر فخم من قصور الأغنياء؛ نرى سيدة قد جاوزت ~~الشباب، ومعها فتى لم يجاوز الشباب بعد، وهما يسألان عن صاحب القصر، والخادم يدخلهما غرفة ~~الاستقبال وينبئهما بأنه سيذهب ليدعو سيده، ولكن بعد أن يهيئه للاستقبال. # ونحن نفهم من الحوار بين هذه السيدة وبين الخادم أمورا؛ منها أن السيدة تعرف صاحب القصر ~~ومن يحيط به معرفة دقيقة، ومنها أن بينها وبين الخادم معرفة قد ارتفعت منها الكلفة. فهي ~~تسأله عن أبنائه، وهو ينبئها بأن أحدهم يدرس الصيدلة، وبأن الآخر يدرس علم المكتبات، وبأن ~~الثالث يتهيأ لفن القصص. فهم إذن أبناء رجل موسر لا أبناء خادم يعيش من خدمة غيره. وهذا ~~يدلنا على أن هذا الخادم قديم في القصر، ميسر عليه من مولاه. ومنها أن صاحب القصر رجل ~~ساذج مهمل؛ فهو لا يستطيع أن يعتمد على نفسه في اتخاذ ما ينبغي له من اللباس، ولا بد من ~~أن يعينه خادمه من ذلك على الجليل والدقيق. فإذا خلت السيدة إلى صاحبها الفتى فهمنا أن ~~بينهما قرابة، وأنها قد أقبلت بهذا الفتى لتقدمه إلى صاحب القصر الذي يريد أن يتخذه ~~مربيا لابنه. وهذا الفتى غريب الأطوار، فهو دكتور في الأدب، ودكتور في العلم، ودكتور في ~~الحقوق، يجد لذة ms004 في الامتحان فيحرص عليه، ويجتهد في الظفر بما يستطيع من الدرجات الجامعية. ~~وهو شديد الحياء، شديد الكبرياء أيضا، معتدل في عيشته، كان يحب امرأة عاش معها أربع عشرة ~~سنة، ثم انصرف عنها وانصرفت عنه، فدفع لها مقدارا من المال، واشترى حريته ورد إليها ~~حريتها كذلك. # وهذا صاحب القصر يقبل فلا يكاد يلقى هذين الزائرين حتى نفهم أن قد كانت بينه وبين هذه ~~السيدة صلات حب لم تنته إلى الزواج، ولكنها انتهت إلى صداقة دائمة. وهذا الرجل كما ~~صورناه آنفا ساذج لا يحب التكلف ولا الترف، غني كريم ولكن في غير إسراف، وهو يلقى مربي ~~ابنه لقاء حسنا، ويعده منحا كثيرة إن استطاع أن يقوم ابنه ويثقفه ويجعل منه رجلا ~~صالحا لاحتمال تبعات الحياة. وهو يقدم إليه تلميذه؛ فإذا غلام في الخامسة عشرة من عمره ~~قد أفسده الترف أو كاد، فهو محب للطعام، مسرف في هذا الحب، لا يشتغل إلا بالمطبخ والطباخ. ~~وقد خلا المعلم إليه وأخذ يلقي عليه الدرس الأول، ولكن أخت الفتى قد أقبلت ومعها شابان من ~~أصحابها الذين يلعبون معها ويلهون. ويكفي أن نسمع ما بين هذه الفتاة وصاحبيها من الحوار ~~لنعرف أنها فتاة مترفة لاهية، لا ترى الحياة إلا لعبة ولذة، وقد جلست تستمع للدرس، فلم يكد ~~الأستاذ يمضي فيه حتى غضبت أشد الغضب؛ لأن الأستاذ ذكر الأغنياء والفقراء، فعطف على هؤلاء ~~وقسا على أولئك، واصطنع في ذلك لهجة الشيوعيين. والفتاة ثائرة على الأستاذ أشد الثورة، ~~والأستاذ يلقى الغضب بالغضب، والنكير بالنكير، ويعلن أنه لن يبقى في هذا القصر، وتعلن ~~الفتاة أنها أيضا لا تريد أن يبقى. وقد فسد كل شيء وخرج الأستاذ، فأمر بإعداد متاعه ~~للرحيل، وذهبت الفتاة إلى أبيها، فأنبأته بالأمر على حين لا يحفل الفتى إلا بالمطبخ ~~والطباخ. وهذا صاحب القصر قد أقبل فلم يكد يلقى الأستاذ ويتحدث إليه حتى عرف أن الأمر يسير ~~هين، وأن الأستاذ بريء من السياسة، وهو يدعو ابنته إليه، فينبئها بأنه قد قطع كل صلة مع هذا ~~الأستاذ، وأنه ms005 سينصرف الآن. ولكنه يذكر فقر الأستاذ وما سيدركه من خيبة الأمل، وإذا الفتاة ~~قد رقت ولانت وأعلنت إلى أبيها أنها قد أساءت إلى هذا الشاب وظلمته، وأنها تريد أن تعتذر ~~إليه، ثم اقترحت على أبيها أن يضاعف له الأجر. وهذا الأستاذ يقبل، فتلقاه الفتاة لقاء ~~جميلا، ولا تكتفي بالاعتذار إليه، وإنما تطلب إليه أن يكون أستاذها ومرشدها؛ فقد استكشفت ~~أنها آثمة سيئة الخلق مسرفة في البطر، فاحشة الحظ من الكبرياء. ولا يكاد الستار يلقى حتى ~~نفهم في وضوح وجلاء أن الفتاة مفتونة بالأستاذ، وقد وضعته في غير موضعه، ورأت فيه رجلا ~~عظيما. # فإذا كان الفصل الثاني؛ فقد مضت الأمور مسرعة، وتم الزواج بين العاشقين. ونحن نراهما ~~حين يرفع الستار وقد خلا كل منهما إلى صاحبه في الجناح الذي خصص لهما من القصر، والذي لم ~~تتم تهيئته بعد. والفتاة هائمة بزوجها العظيم، والزوج يتكلف العظمة ليحتفظ بهذا الحب؛ فهو ~~يتكلف الاقتناع بمذهب الشيوعية، بل هو زعيم من زعماء الحزب، وهو يتهيأ لاستئناف عمله ~~السياسي بعد أن انقطع عنه شهر العسل. فأما امرأته، فقد اعتنقت مذهب الشيوعية واندفعت فيه ~~مسرفة، فهي تعطف على البائسين أشد العطف؛ أليست قد وقفت سيارتها في الطريق لأنها رأت بائسة ~~أدركها الرعاف فدفعت إليها منديلها، ولم تلق من هذه البائسة رضى ولا شكرا، وإنما لقيت ~~منها لوما وتأنيبا لأن منديلها منديل صغير من مناديل المترفين، وكانت خليقة أن تكبر ~~حجمه وتخفف من تعطيره. أوليست قد ذهبت إلى أبعد من هذا، فمضت توزع المنشورات الداعية إلى ~~الثورة في مدرستها القديمة. وهؤلاء رجال الشرطة قد أقبلوا يتحدثون في ذلك إلى أبيها، وزوجها ~~يهدئ من هذه الحدة، ويخفف من هذا العنف. فهو فيما بينه وبين نفسه لا يحب الثورة ولا يحفل ~~بالشيوعية، وإنما يتكلف ذلك تكلفا، حتى لا يفقد إعجاب امرأته به. وهو قد دعا زعيما من ~~زعماء الشيوعيين يمثلهم في مجلس النواب، فلما خلا إليه أنبأه بحقيقة الأمر، وفهمنا من ~~حوارهما أنه حين كان فقيرا كان شديد الدفاع عن ms006 أصحاب اليمين، فلما أصهر إلى هذا الرجل ~~الغني تحول إلى الشيوعيين، ولكنه لم يتحول إلا تكلفا كما رأيت. وهو يستعين بالزعيم ~~الشيوعي على أن ينضم إلى الحزب ويخطب في الاجتماعات، وزعيم الحزب يعده بذلك ويدعوه إلى ~~اجتماع سيعقد في اليوم نفسه، وينبئ امرأته بذلك فتبتهج له وتدعو الزعيم إلى العشاء، ~~فيستجيب لها على أن يصطحب سكرتيرة الحزب. # وقد انصرف الزعيم ومعه الفتى، وأقبل أبو الفتاة وصاحبته تلك فأخذا ينصحان للفتاة، ولكنها ~~مقتنعة لا تقبل نصحا، ملحة في الشيوعية لأن فيها مستقبل زوجها العظيم. وهي تدعوهما إلى ~~العشاء فيقبلان وهم يعلمون أن الاجتماع الشيوعي سيذاع في الراديو فيتهيئون لاستماعه. ~~ولكنهم لا يكادون يسمعون حتى يتبينوا أن الفتى قد أخفق في خطبته، ولم يستطع أن يثبت ~~للمقاطعين، فلا تستيئس الفتاة وإنما تزداد أملا وثقة، وتطلب إلى أبيها وأخيها وصاحبتها ألا ~~يظهروا علمهم بما أصاب زوجها من الإخفاق. وهذا زوجها قد أقبل مع الزعيم وسكرتيرة الحزب، ~~وزوجها ظاهر الحزن، والزعيم والسكرتيرة يهونان الأمر ويعللانه بأنه أول لقاء بين الخطيب ~~والجمهور، ولكن ماذا؟ إن الزعيم رجل أنيق، حسن الزي، ظاهر الترف، والسكرتيرة فتاة جميلة ~~بارعة الزي، كثيرة الحلي، شديدة التلطف للزوج، كأنها تداعبه، وتمنيه الأماني. وامرأته تلاحظ ~~ذلك فتثور في نفسها الغيرة التي سترد الأشياء إلى نصابها. # ذلك أنها لم تكن تقدر أن يكون زعماء الشيوعيين وقادتهم من الترف والثراء بحيث ترى ~~الفتاة وهذا الزعيم. وهي تحب زوجها لأنه عظيم، ولكنها لا ترى ولا ترضى أن يكون شركة بينها ~~وبين غيرها من النساء. وهي تقبل تقسيم الثروة، وتقبل الشركة في الغنى والفقر، ولكنها لا ~~تقبل الشركة في الحب، وهي تظهر غيرتها للزوج وتحذره من هذه المرأة اللعوب وتنذره ~~بالمراقبة الشديدة. # فإذا ارتفع الستار عن الفصل الثالث؛ فقد اجتمع القوم إلى مائدة العشاء، ونحن لا نراهم، ~~وإنما نسمع حوارهم حول المائدة، أو قل نسمع خصامهم. فهم يختصمون، ويختصمون اختصاما عنيفا ~~كأقصى ما يكون العنف. ويختصمون في كل شيء، وربة البيت متعبة تحاول أن تصرفهم عن ms007 الخصومة، ~~وأن تردهم إلى حديث يمكن أن يتفق فيه الرأي، ولكنها لا تفلح؛ فهم يختصمون في الدين؛ لأن ~~الشيوعيين يلحدون، وهم يختصمون في الأدب والفن؛ لأن الشيوعيين يسرفون في التجديد، وهم ~~يختصمون في كل شيء يمس الذوق؛ لأن الشيوعيين يسرفون في الحرية، وهم يختصمون في اللغة؛ لأن ~~الشيوعيين يجرون على ألسنتهم ألفاظا مسرفة الابتذال. ومن خصوم الشيوعيين من يترك المائدة ~~محتجا أو مشمئزا، والخدم يرون ذلك ويسمعونه وهم يتندرون بذلك ويسخرون منه. وربة البيت ~~وزوجها يجتهدان في رد النافرين من المائدة إلى طعامهم، فلا يبلغون ذلك إلا بشق النفس. ~~ثم ينتهي العشاء ويقبل القوم على غرفة الاستقبال؛ فنراهم وقد بلغ الخصام بينهم أقصاه، ~~وجدت ربة البيت في التوفيق بينهم، فلم تفلح، وإذا هي تخاصم مع المخاصمين، وإذا ميلها إلى ~~المحافظة ظاهر، ونفورها من الشيوعية بين. أليست هذه المرأة الجميلة التي تداعب زوجها ~~وتحاول أن تغريه وتغويه بلمس اليد، وباللحظ وباللفظ، شيوعية؟! أليس هذا يكفي؟! بلى. وهذه ~~الزوج تنضم آخر الأمر إلى صف المحافظين، وقد انقضت السهرة كما استطاعت أن تنقضي، وافترق ~~القوم على غير فهم، ولا مودة. ولكن أزمة جديدة تبتدئ، فهذه الزوج الشابة قد لاحظت أنها ~~أفسدت الأمر على زوجها حين أغضبت زعماء الشيوعيين، فهي إذن لا تحبه كما ينبغي؛ لأنها تبث ~~أمامه العقبات، وهي نادمة وهي مشفقة وهي حائرة لا تعرف كيف ترضي زوجها، وهي تنبئ أباها بهذا ~~كله، وأبوها يهون الأمر عليها ويزعم لها أن الحب سينتصر على كل شيء. وهذا زوجها قد عاد من ~~تشييع المنصرفين وقد خلا إليها، وهي تعتذر إليه، وتلح في الاعتذار وإظهار الندم، ولكنه هو ~~سعيد بكل ما كان، فلم يكن فيما بينه وبين نفسه شيوعيا، ولا زعيما، ولا رجلا عظيما، ~~وإنما هو رجل مؤرخ لا يتمنى إلا أن يخلو إلى كتبه وحبه. وهو ينبئها بحقيقة أمره فلا ~~تصدقه، وإنما تحمل ذلك منه على حب التضحية في سبيل من يهوى. وأي تضحية أجل خطرا ~~وأبلغ أثرا من التضحية بالعظمة والزعامة والمستقبل في ms008 سبيل الحب؟ # هي ساخطة إذن على نفسها، ولكنها راضية كل الرضى عن زوجها، فهو يأبى إلا أن يكون بطلا ~~دائما. كان بطلا حين كان يريد الزعامة، وهو بطل حين يضحي بالزعامة. # أما زوجها فسعيد كل السعادة، راض كل الرضى؛ فقد تبين له أن امرأته تحبه لنفسه لا ~~لزعامته ولا لعظمته، وإنما تحبه وتجعله بطلا لأنها تحبه. وهل كان يريد غير هذا، وهذه الزوج ~~الشابة تسرع إلى التليفون فتطمئن أباها وتتمنى له نوما سعيدا، وتنبئه بأنها ما زالت مع ~~زوجها في غرفة الاستقبال. # | أصيل التمثيل # ليس حتما فيما أظن أن نتناول في كل هذه الأحاديث قصة تمثيلية أو غير تمثيلية على النحو ~~الذي ألفه الناس في هذه القصص وفيما أكتب عنها من أحاديث، بل قد يكون لي أن أتجاوز هذا ~~النحو المألوف من حين إلى حين، لأرفه على القراء مرة، ولأرفه على نفسي مرة أخرى بهذا ~~التنويع الذي يشتد الحرص عليه من وقت إلى وقت، ولأفكر وأدعو القراء إلى التفكير في بعض ~~المسائل التي يفكر الناس فيها من وراء البحر، والتي قد يكون من الخير أن نفكر فيها نحن ~~أيضا. # وأظن أن القصة التي سنتحدث عنها اليوم تجمع هاتين الخصلتين معا؛ فهي مخالفة لما ألف ~~الناس من ناحية، وهي داعية إلى الروية والتفكير من ناحية أخرى. مخالفة لما ألف الناس، فلا ~~يكاد الحب يحدث فيها أثرا ظاهرا، بل لا تكاد شخصية الأبطال الذين يمثلون القصة ويلعبونها ~~تحدث أثرا ظاهرا أيضا، بل ربما لم يكن لهؤلاء الأبطال - إن صحت تسميتهم بهذا الاسم - ~~شخصية واضحة، فهم إلى أن يكونوا رموزا لطبقات وطوائف من الناس أدنى منهم إلى أن يكونوا ~~رموزا لأشخاص متميزين. ويكفي أن تعلم أن كل فرد من الأفراد الذين يظهرون في هذه القصة إنما ~~هو رمز لطائفة من الطوائف وجماعة من الناس. فالكاتب لم يرد إلى تحليل شخصية من الشخصيات، ~~بل هو لم يرد تصوير جماعة من الجماعات، وإنما أراد إلى تصوير ظاهرة من الظواهر العامة، ~~التي نشهدها في هذه الأيام ms009 ، أو التي كنا نشهدها في وقت من الأوقات. # والقصة مع ذلك تدعو إلى الروية والتفكير لنفس السبب الذي ذكرته آنفا، وهو أنها تصور ~~ظاهرة من الظواهر العامة لا فردا من الأفراد، ولا جماعة من الجماعات. وهذه الظاهرة هي ما ~~كان يشاهد منذ حين، وما لا يزال في أوروبا إلى الآن من ضعف التمثيل وتخاذله وانهزامه ~~وإشرافه على الموت. # هذه الظاهرة شوهدت وما زالت تشاهد في أوروبا، وأظنها قد غمرتنا نحن فقضت على التمثيل ~~عندنا قبل أن يستكمل نشأته. ويكفي أن نعلم أن مصر لم تشهد فصلا تمثيليا عربيا هذا ~~العام، وأن مئات من الذين كانوا يحترفون التمثيل، وما يتصل به من المهن قد احتملوا الحياة ~~في شيء من الصبر والجلد، خليق بالرثاء والإعجاب معا، وأن وزارة المعارف قد راعها الأمر ~~فألفت للتمثيل لجنة درست شئونه ورفعت في أمره اقتراحات إلى الوزير، وأن هذه الاقتراحات ~~الآن بين يدي الحكومة تدرسها، ويقال إنها تنظر إليها في شيء من العطف كثير. # كل هذا - فيما أظن - خليق أن يدعونا إلى التفكير في أمر التمثيل من تلقاء أنفسنا، فكيف ~~إذا عرضت لنا قصة من أروع ما أخرج الكتاب الممثلون أثناء العام الماضي تمس هذا ~~الموضوع، بل تدرسه درسا عميقا. ولعل من الطريف حقا أن يتحدث التمثيل عن نفسه، وأن يدرس ~~التمثيل أمره ويبحث عن أعراض العلة التي أصابته ويتبين مصادر هذه الأعراض، ويلتمس لها ~~الدواء ويدل نفسه عليه، ويأخذ نفسه أيضا بالجد في إصلاح ما فسد من شئونه على ~~اختلافها. # فكاتب هذه القصة من أبرع الكتاب الممثلين في باريس، ومن أعلمهم بالتمثيل وبكل ما يعرض ~~له من العلل الظاهرة والخفية، وما ينتابه من الأحداث الواضحة أو الغامضة. وهو من غير شك ~~محزون حزنا عميقا لما أصاب التمثيل من ضعف، وهو قد وضع هذه القصة ليظهر فيها أسباب هذا ~~الضعف، وليظهر فيها التمثيل معترفا بعيبه، مسجلا لعيب غيره، ملتمسا الدواء لهذا العيب أو ~~ذاك. ويقال إن هذه القصة عرضت على ملعب من ملاعب باريس، فقبلها وهم ms010 بتمثيلها، ثم عرض ~~لهذا الملعب ما حال بينه وبين العمل في الفصل الماضي؛ فاشترك جماعة من الممثلين، وأنفقوا ما ~~يملكون من جهود مادية وفنية، ومثلوا هذه القصة لحسابهم كما يقولون. وقد نجحت نجاحا باهرا؛ ~~فأحبها جمهور النظارة، وشغف بها وأكثر الاختلاف إليها، وأجمع النقاد الفرنسيون على إكبارها ~~والإعجاب بها. لم يلاحظوا إلا شيئا واحدا: وهو أن القصة جاءت متأخرة في فرنسا، فقد أخذ ~~التمثيل الفرنسي ينهض من كبوته ويسترد قوته وسلطانه، ويغالب الصعاب في شيء غير قليل من ~~الفوز والانتصار. # وإذا كانت هذه القصة قد جاءت متأخرة في فرنسا، فأظن أن الحديث عنها لم يأت متأخرا في ~~مصر، وإنما جاء ملائما كل الملاءمة للوقت الذي ينبغي أن يذاع فيه؛ وهو وقت العناية بإصلاح ~~أمر التمثيل. # وسترى أن الكاتب يرد ضعف التمثيل إلى أسباب مختلفة: منها ما يتصل بالممثلين، ومنها ما ~~يتصل بالملاعب، ومنها ما يتصل بالكتاب، ومنها ما يتصل بالذوق العام، ومنها آخر الأمر ما ~~يتصل بالسينما. ونحن حين يرفع الستار في دار قديمة مهملة من دور التمثيل يشرف عليها منذ ~~ثلاثين عاما رجل يحب الفن حقا ولكنه يحب المال أيضا، وهذا الرجل قد عرف الثروة والفوز ~~حين كان الزمان زمانا، وحين كان التمثيل متسلطا على الباريسيين لا يقاومه غيره، من أسباب ~~اللهو والتسلية، فلما تغيرت الأيام ولم تتغير نفس هذا الرجل، أخذ يغالب المصاعب ما ~~استطاع، ولكنه يقاوم هذه المصاعب بأسلحة قديمة لا تلائم العصر الذي يعيش فيه، وهو يائس من ~~الفوز يهم أن يبيع ملعبه لرجل من الأمريكيين، يريد أن يحوله إلى دار من دور السينما، ~~ولكنه لا يجد الشجاعة على هذا البيع، فهو يغالي في الثمن، ويتردد في إتمام الصفقة، وهو قد ~~أجر ملعبه لممثلة غنية ضخمة الثروة وضخمة الجسم أيضا وعظيمة الحظ من الغرور والأثرة مع ~~ذلك. وهذه الممثلة تستغل الملعب وتستغل الذين يعملون فيه من الممثلين وغير الممثلين من ~~العمال، تفرض نفسها عليهم فرضا، وتتحكم فيهم تحكما عنيفا؛ لأنها صاحبة المال، تنفق ~~فتمكنهم من العيش ms011 . وهي لا تتحكم في الملعب وأهله فحسب، وإنما تتحكم في الكتاب وقصصهم أيضا، ~~فهي تريد أن تكون صاحبة الأدوار الأولى في كل قصة، وأن يمحى غيرها من الممثلين والممثلات ~~بحيث لا يظهرون إلا إذا كانوا لها تبعا. وهي من أجل ذلك تفرض على الكتاب تغيير قصصهم بما ~~يلائم أغراضها هي من الحذف، والزيادة، ومن التغيير والتبديل. وأهل الملعب ضيقون بهذا أشد ~~الضيق، منكرون له أشد الإنكار، ولكنهم مضطرون إلى الإذعان والتسليم؛ ليعيشوا. والكتاب ~~كذلك مضطرون إلى الإذعان والتمثيل لتظهر قصصهم في الملعب. ونحن نرى الممثلين أو بعض ~~الممثلين والممثلات ومعهم كاتب من الكتاب قد وضع قصة رائعة كلها شعر من أرقى ما عرف الأدب ~~التمثيلي. والممثلون معجبون بالقصة محبون لها، حريصون على أن تفوز، ولكن الشخصية البارزة في ~~هذه القصة تصور أنثى من طير الماء ألفت بحارا من الناس، فأحبته وتبعته إلى وطنه. ولا ~~بد لها من أن تكون خفيفة رشيقة ظريفة الحركة والحديث، وقد اختارت رئيسة الممثلين لنفسها ~~هذا الدور وأخذته قهرا، وأخذت تتحكم في القصة وممثليها وصاحبها حتى أفسدت القصة إفسادا، ~~وحالت بينها وبين ما كان مقدرا لها من الفوز؛ فأخفقت إخفاقا منكرا، وأجمع النقاد على ~~عيبها والتشهير بها. # وفي أثناء ذلك تأتي رسائل برقية للكاتب تنبئه بأن قصته قد أعجبت أصحاب الملاعب في ألمانيا ~~وإنجلترا وغيرهما من البلاد؛ فهم يشترون حق الترجمة وحق التمثيل، ويرى الكاتب وممثلة يحبها ~~وتحبه في هذا كله عزاء عن إخفاق القصة في باريس. فقد رأينا إذن من هذا الفصل الذي ألخصه ~~تلخيصا سريعا موجزا، سببين من الأسباب التي اضطرت التمثيل إلى الضعف والفناء؛ أولهما: ~~شره صاحب الملعب إلى المال، وإهماله في تجديد ملعبه حتى يلائم الحاجات الجديدة للفن، ~~والثاني: استبداد مدير الفرقة، وفرضه نفسه وهواه على الممثلين، وإيثاره نفسه بخير ما في ~~القصة من الأدوار، سواء أكان خليقا بتمثيلها أم لم يكن. ولاحظنا أيضا في هذا الفصل اجتهاد ~~السينما في مزاحمة التمثيل حتى على ملعبه. # فإذا كان الفصل الثاني فنحن في ألمانيا ms012 في ملعب من ملاعب برلين، وقد ترجمت القصة إلى ~~الألمانية، ودفعت إلى المخرج وأعدها المخرج للتمثيل، والمترجم الألماني مفتون بالقصة ~~حقا، والمخرج كذلك مفتون بهذه القصة، والكاتب مغتبط سعيد، ولكن انظر: أما المترجم فأديب ~~يحب في القصة جمالها الأدبي ويترجمها ترجمة حرفية دقيقة، وأما المخرج فرجل عملي حديث متأثر ~~بذوق العصر لا يحفل بالأدب ولا بالشعر، وإنما يرثي للذين يحفلون بالأدب والشعر، وهو قد أخذ ~~القصة فغيرها تغييرا تاما؛ جعل مكان الطير قردة، وجعل مكان الكلام حركات، وإشارات، ~~وأصواتا غامضة مبهمة تصور الشهوة الغليظة والحس الحاد، والشعور العنيف قطع كل صلة بين ما ~~سيخرجه في الملعب وبين القصة الأولى. والكاتب يرى ذلك فينكره ويأباه، وينذر بالمحكمة ~~وبالصحف وبما شاء من النذير، والمترجم يشاركه في هذا ولكن المخرج لا يحفل به، وإنما يعرض ~~قصته على النظارة، فتظفر بالفوز الذي لا حد له. وإذا النظارة مبتهجون يلحون في رؤية ~~الكاتب، فيعرض الكاتب عليهم رغم أنفه، وهم يلقونه بالتحية والهتاف والتصفيق، والكاتب ساخط ~~ولكنه مضطر آخر الأمر إلى أن يظهر الرضى، وهو ينصرف من ألمانيا وقد فازت فيها قصته بعد أن ~~مسخت مسخا تاما، وذهب كل ما فيها من الشعر وأصبحت كما يقول المخرج: حركات عنيفة تهيج ~~حس النظارة وشعورهم. # ثم يرفع الستار بعد ذلك عن الملعب الذي شهدناه في باريس، وقد ازداد حظه من البلى ~~والإهمال، وانصرفت عنه تلك المديرة المتحكمة، وجاء الرجل الأمريكي يفاوض مرة أخرى في شرائه، ~~وصاحب الملعب متردد يريد أن يدافع عن التمثيل إلى آخر لحظة، وقد اعتزم أن يبذل الجهد ~~الأخير، وأن يمثل قصة العاصفة من قصص شكسبير؛ فإن نجحت هذه القصة الخالدة فذاك، وإلا ~~انصرف الرجل عن التمثيل انصرافا لا رجعة فيه. # ونحن نرى الكاتب يتحدث عما أصاب قصته من الفساد في ألمانيا وإنجلترا وإيطاليا؛ فنفهم أن ~~الذوق العام في هذه البلاد قد تغير، فهو لا يحب الأدب من حيث هو أدب، والناس لا يذهبون ~~إلى الملاعب ليروا فنا، أو ليسمعوا شعرا، وإنما هم يذهبون ليروا ms013 أنفسهم كما يحبون أن ~~يروها، متأثرة بالذوق المادي الجديد، الذي يختلف باختلاف الأمم والشعوب، ولكنه على كل حال ~~يتفق في شيء واحد، وهو الانحطاط والتجافي عن الأدب والفن. ولا بد من أن نرى الذوق الفرنسي ~~الجديد نفسه، فهذه قصة شكسبير قد أخذ في تمثيلها، ولكن ماذا نرى؟ نرى أشخاصا يحصون لا ~~يكادون يبلغون العشرة قد أقبلوا لشهود هذه القصة، وهم من طبقات مختلفة، ولكنها على كل حال ~~طبقات متواضعة لم تأت إلى الملعب إلا لتنفق شيئا من الوقت. وقد شهد هؤلاء الناس الفصل ~~الأول فناموا أو كادوا ينامون، ولم يبلغهم شيء من شعر شكسبير، وإنما أعجب الرجال ببعض ~~الممثلات، وأعجب النساء ببعض الممثلين، ونحن نراهم بين فصلين يسخرون من التمثيل والممثلين، ~~ومن الشعر والشعراء، ويتحدثون عن ملاكم فرنسي يخاصم ملاكما أمريكيا في الولايات المتحدة، ~~وهم يتتبعون أخبار هذا الخصام في شغف لا آخر له. فتكون بينهم المحاورات والمراهنات ثم ~~ينصرفون عن الملعب، ليذهبوا إلى حيث تبلغهم الأخبار الأخيرة لهذه الملاكمة. # وإذن فقد أخفقت قصة شكسبير أيضا وظهر سبب آخر من الأسباب التي انتهت بالتمثيل إلى الضعف: ~~وهو فساد الذوق العام، وتأثره بهذه السخافات المادية الغليظة التي فرضها الذوق الأمريكي بعد ~~الحرب على الناس. # وينتهي الأمر بصاحب الملعب إلى التسليم بالهزيمة والاستسلام للقضاء، وهو يبيع ملعبه لهذا ~~الأمريكي، ونحن نرى موظفا من موظفي الملعب يجمع أدوات التمثيل البالية ليبيعها وليخلي منها ~~الملعب إذا كان المساء، وقد اجتمع الممثلون والعمال وهم يتحدثون عما أصاب فنهم من الإخفاق. ~~منهم المحزون الذي لا يتعزى، ومنهم المحزون الذي سيلتمس العزاء إذا عمل في السينما، ومنهم ~~السعيد بموت التمثيل، وكلهم يلتمس أسباب هذا الموت؛ فيذكر ما قدمنا من الأسباب، ويذكر سببا ~~آخر وهو ضعف الكتاب، وإهمالهم للفن، وما دفعوا إليه من التقصير أو القصور. وكم كنت أحب أن ~~أترجم لك هذا الحوار المؤثر بين الممثل الذي يحب فنه ولا يستطيع أن يتعزى عنه، وبين الممثل ~~الآخر الذي كان يعيش من التمثيل فهو لا يكره أن يعيش ms014 من السينما، ولكن الممثلين قد أخذوا ~~يتفرقون كل لوجهه بعد أن أقبل صاحب الملعب فودعهم وداعا مؤلما، وهذا الملعب قد خلا ~~إلا من آخر موظفيه الذي غلق الأبواب وخرج. ثم يرفع الستار عن آخر منظر من مناظر القصة؛ ~~فماذا نرى؟ نرى الممثل الذي يحب فنه، ويكلف به، ويشفق عليه أن يزول، وهو يتحدث إلى ~~النظارة فيذكر لهم علة الفن، وإشرافه على الموت، ويذكرهم بأنفسهم، وبأن التمثيل إن مات ~~فليس لموته معنى إلا أن النفس الإنسانية قد ماتت. وهو واثق بأن النفس الإنسانية وعواطفها ~~وأهواءها وحبها للجمال وكلفها بالفن وطموحها إلى المثل الأعلى أبقى وأرقى وأقوى من أن ~~تطغى عليها الحياة الآلية التي يمتاز بها العصر الحديث، فتصبح آلات لا تجد اللذة إلا في ~~السينما وما يشبهها من الآلات. # | الدائرة # ونمضي في تلخيص هذه الطائفة من القصص التمثيلية التي لم يضعها الفرنسيون، وإنما ترجمت ~~لهم، أو نقلت إليهم، عن اللغات الأجنبية. فقد لخصنا منذ حين قصة ألمانية ثم قصة أخرى ~~روسية، والقصة التي نتحدث عنها اليوم إنجليزية. وإنما نذهب هذا المذهب لننوع موضوع هذه ~~الأحاديث بعض التنويع، ولنعرض على القراء صورا مختلفة من الأدب التمثيلي الغربي، يمثل ~~أمزجة الأمم الأوروبية الكبرى على اختلافها وتباينها، وإذا كان الفرنسيون لا يقنعون ~~بتمثيلهم الفرنسي الخصب، القيم، على تنوعه وتباين مذاهب الكتاب والممثلين فيه، وإنما ~~يلجئون إلى تمثيل الأمم الأخرى؛ ينقلونه إلى لغتهم ويعرضونه في ملاعبهم، فلا أقل من أن نذهب ~~نحن بعض مذهبهم في هذا. وأقول بعض مذهبهم، فليس لنا أدب تمثيلي عربي مصري، أو غير مصري ~~نستطيع أن نعتمد عليه، ونطمئن إليه، ونكتفي به. وليس لنا أدباء يعنون بترجمة الأدب الأجنبي ~~أو نقله إلى لغتنا، وإنما أقصى ما نصل إليه، أن نلخص ونحلل ونتكلف هذه الصور المقاربة ~~التي قد تعطي القارئ فكرة عن بعض الأدب الأجنبي، ولكنها على كل حال تفسده إفسادا وتشوهه ~~تشويها. # فلا أقل من أن نجتهد حين نلخص هذا الأدب الأجنبي في أن يكون تلخيصا مختلفا منوعا ~~مصورا للآداب المختلفة ms015 ما وجدنا إلى ذلك سبيلا. # وكم كنت أحب أن تقوم الترجمة مقام التلخيص، بعد أن حرمنا الكتابة والإنشاء، وكم كنت أحب ~~وقد حرمنا الترجمة أيضا، أن ينهض بتلخيص الآداب المختلفة قوم يحسنونها ويتقنون لغاتها ~~إتقانا، ويلخصونها من أصولها تلخيصا مباشرا، لا من تراجمها تلخيصا بالواسطة إن صح هذا ~~التعبير. # فأنا إنما ألخص هذه القصص عن تراجمها الفرنسية، وواضح جدا أن الترجمة نفسها تذهب بجمال ~~الأصل إلى حد بعيد، وأن التلخيص يذهب بجمال الترجمة إلى حد أبعد، فلا يبقى للقارئ العربي ~~المسكين من هذه الآثار الأدبية الرائعة إلا صور ضئيلة شاحبة لا تكاد تغني شيئا. ولكني أبذل ~~جهد المقل، وأنفق ما أملك من قوة، وأحتمل ما أستطيع احتماله من مشقة، وأرى واجبا علي ~~أن آتي ما آتي من ذلك، وأرى من التقصير أن أكسل إذا كسل غيري، أو أهمل إذا آثر غيري ~~الإهمال. # ولست أدري لم دفعت إلى هذا الاستطراد، ولكني أعترف للقارئ بأني لم أقدم يوما على ~~تلخيص هذه القصص إلا وفي نفسي شيء كثير من السخط والألم. وقد كنت أحب أن تذاع هذه القصص ~~أو ما يشبهها في قراء العربية مترجمة، وأن تكون أحاديثي عنها نقدا لها لا تلخيصا. # وبعد، فإني أعتقد أن كثيرين من القراء يحبون هذه الأحاديث ويجدون فيها بعض اللذة، فأظنهم ~~يغفرون لي بعض ما أدفع إليه من الاستطراد بين حين وحين. # وهذه القصة التي أريد أن أتحدث عنها اليوم طريفة حقا: طريفة في موضوعها، طريفة في ~~حوارها، طريفة في هذه المعاني التي يجري بها الكاتب ألسنة أشخاصه، طريفة في هذا الجد المر ~~المؤلم، الذي يسوقه الكاتب في هذا المزاح الحلو اللذيذ. # فالقصة من أولها إلى آخرها فكاهة، ولا تكاد تقرأ محاورة من هذه المحاورات التي تقوم ~~عليها، دون أن تغرق في الضحك، أو تضطر إلى الابتسام. ولكنها في الوقت نفسه مأساة، ومأساة ~~شديدة الأثر في النفوس، عظيمة الوقع في القلوب، تدعو، بل تضطر من يشهدها أو يقرؤها إلى ~~التفكير المتصل العنيف. ولعل أهم ما يلفت ms016 في هذه القصة هو هذه الدعابة الإنجليزية التي ~~يتحدث الأجانب عنها كثيرا، ولكنهم يعجزون عن تصويرها فضلا عن محاكاتها، والتي لم يستطع ~~ناقل هذه القصة إلى الفرنسية أن يحتفظ بها في ترجمته كما هي في الأصل؛ لأنها لا تلائم اللغة ~~الفرنسية، ولا تلائم مزاج الفرنسيين. فاضطر إلى أن يقويها، ويثقلها - إن صح هذا التعبير - ~~لتحتملها اللغة الفرنسية وليذوقها الفرنسيون. وأنا مجتهد في أن أعرض عليك صورا من هذه ~~الدعابة أثناء التلخيص، ولكني قد قدمت عذري بين يدي؛ فأنا لا أنقل عن الأصل وإنما عن ~~ترجمة، وعن ترجمة خضعت لتصرف غير قليل. # والقصة تقع في قصر من قصور الأرستقراطية الإنجليزية، من قصور هذه الأرستقراطية العاملة ~~التي تتصل بالحياة العامة وتساهم فيها، وتحمل أثقالها، وتجني ثمراتها. فصاحب القصر؛ وهو ~~لورد كليف شوبيون شيني، كان عضوا في مجلس النواب البريطاني، فلما ترك السياسة وأخذ يحيا ~~لنفسه ويفرغ للذته، خلفه ابنه أرنولد على مكانه في مجلس العموم كما خلفه على ثقة الناخبين ~~من مواطنيه. والأشخاص الآخرون الذين سنراهم في هذه القصة، كلهم من هذه الطبقة التي لم تمسك ~~نفسها في هذه العزلة التي يلزمها نفر غير قليل من أشراف الإنجليز. # ونحن إذا رفع الستار عن الفصل الأول في غرفة من غرف الاستقبال في هذا القصر، نرى صاحبه ~~الشاب أرنولد معنيا بشيء من الترتيب والتنظيم، ينقل الأشياء من مكان إلى مكان، ويدق ~~الجرس، فإذا دخل عليه الخادم لفته إلى أنه يكره هذا الاضطراب ويريد أن يوضع كل شيء في ~~موضعه، ونبهه إلى أنه يحرص أشد الحرص على ثلاثة أشياء: النظافة، والدقة، وحسن الأدب. وهذه ~~الأشياء الثلاثة تتكرر على لسان هذا الشاب في غير موضع من القصة، فهو حريص عليها أشد الحرص، ~~مشغوف بها أشد الشغف، لا يرى اضطرابا إلا أصلحه، ولا يسمع لفظا نابيا إلا أنكره، ولا ~~يسمع حديثا إلا اجتهد في أن يرده إلى ما ينبغي له من الدقة والبعد كل البعد عن الغموض ~~والإبهام. # وهو يكرر ذلك في قوله وعمله حتى يصبح تكراره ms017 إياه مضحكا حقا، كأنه لازمة من اللوازم أو ~~مظهر من مظاهر الاضطراب العقلي اليسير. وهو يكلف الخادم أن يدعو سيدته إليزبث، وهو لا ~~ينتظر أن يدعوها الخادم، بل هو يدعوها بنفسه، يدعوها من مكانه، ويدعوها من النافذة. يسأل ~~عنها من يمر به، ويسأل عنها من يدخل عليه. هو شديد الحاجة إليها، متعجل لقاءها، كأن لديه ~~أمرا ذا بال، يريد أن يلقيه إليها. وها هي هذه قد أقبلت، فلا يكاد يراها حتى يلقي إليها ~~النبأ الخطير، وهو أن أباه قد أقبل من باريس وانتهى إلى بيته الصغير غير بعيد من القصر، ~~وأعلن أنه سيتناول عندهما طعام الغداء. ويقع هذا النبأ من إليزبث موقعا منكرا، فتعلن ~~ضيقها به في لفظ منكر مبتذل، ولكنها لا تكاد تنطق بهذا اللفظ حتى يشمئز أرنولد ويعلن سخطه ~~العنيف، فهو يحب كما قدمنا ثلاثة أشياء: الدقة، والنظافة، وحسن الأدب. وهذا اللفظ الذي ~~جرى به لسان امرأته لا يلائم حسن الأدب، وهو قد نسي النبأ الذي يزعجه، ويزعج امرأته، ودخل ~~في خصومة طارئة مع إليزبث فيما يجب من تخير الألفاظ التي تجري بها ألسنة المترفين المثقفين. ~~ولكن شابا يقبل، وهو من ضيوف القصر، جميل وسيم تظهر عليه نضرة الشباب، ونشاطه، ومرحه، ~~فلا يكاد يدخل حتى يشترك في الحديث. وهذه فتاة أخرى من ضيوف القصر، تشترك معهم جميعا في ~~الحديث، وهو حديث خطير حقا، فمقدم اللورد الشيخ من باريس فجأة قد صادف شيئا لم يكن ينبغي ~~أن يصادفه؛ ذلك أن أم أرنولد كانت قد فارقت زوجها منذ ثلاثين عاما، وتركت له ابنهما الصبي ~~ولما يتجاوز خمسة أعوام، وقد كانت هذه المرأة فاتنة رائعة الجمال، فتنت صديقا لزوجها، ~~وزميلا له في البرلمان، هو اللورد برتوز؛ فاختطفها - إن صح هذا التعبير - ذات مساء، ومضى ~~بها إلى إيطاليا، وأقام معها في مدينة فلورنسا ثلاثين عاما. ثم هما يعودان الآن إلى لندرة، ~~وتعرف إليزبث مكانهما في فندق ريتز، وهي مشوقة إلى أن تعرف أم زوجها، مشوقة إلى ذلك لأسباب ~~مختلفة نفهمها أثناء هذا ms018 الفصل. فهي قد فقدت أمها طفلة، وهي قوية الشعور، حادة الحس، ~~متعلقة بالخيال، متأثرة بهذه المثل العليا في الحب. وهي شديدة الميل إلى أن ترى هذه المرأة ~~التي ضحت بزوجيتها وأمومتها ومنزلتها الاجتماعية في سبيل الحب، وهي بعد هذا كله ليست سعيدة ~~ولا ناعمة البال في حياتها الزوجية. هي على هذا النحو الذي أصوره لك وزوجها صاحب جد، يحب ~~الدقة والنظام وحسن الأدب، ويعمل في السياسة لا يريح ولا يستريح، لا يفرغ لنفسه، ولا يفرغ ~~لامرأته أيضا. وإذن فلم تكد إليزبث تعلم بمقدم الشيخين العاشقين إلى لندرة حتى ألحت على ~~زوجها في أن يلقى أمه ويتعرف إليها، ويستأنف الصلات معها، ويدعوها إلى أن تزور القصر مع ~~خليلها فتقضي فيه أياما. وواضح جدا أن أرنولد قد أبى على زوجه وألح في الإباء، فهو لا ~~يعرف أمه إلا باسمها وبما تركت في نفسه من ألم ممض، وبهذه الذكريات التي لا يستطيع أن ~~ينساها؛ ذكريات الفضيحة التي اضطرت أباه إلى أن يطلب الطلاق، وإلى أن يستقيل من البرلمان، ~~وإلى أن يتجنب الحياة العامة، والتي تحدث الناس بها، ولجوا فيها، ووضع الشعب فيها ~~الأغاني، وتغنى بها الأطفال في الشوارع، وتحدث بها أترابه، حين كان يطلب العلم في ~~أكسفورد. ولكن المرأة إذا أرادت شيئا لم تنثن حتى تبلغ ما تريد، وقد ظفرت إليزبث من زوجها ~~بما أحبت، فزينت له أنها أمه وأن السن قد تقدمت بها، وأن من الإثم والعقوق أن تعود إلى ~~بلادها بعد ثلاثين عاما، فتعيش فيها عيشة الغريب. وقد تمت دعوة الشيخين العاشقين، وقبلا ~~هذه الدعوة، وسيبلغان القصر بعد حين. وكان أرنولد يقدر أن أباه سيقيم في باريس أسبوعا، ~~فإذا عاد إلى القصر أو إلى هذا البيت الصغير الذي يقيم فيه غير بعيد عن القصر كانت الزيارة ~~قد انتهت، وكان العاشقان قد عادا إلى فندقهما في لندرة. # ولكن الشيخ أقبل فجأة من باريس، ولم يكد يستقر في بيته الصغير حتى تحدث إلى ابنه في ~~التليفون ينبئه بمقدمه ويدعو نفسه إلى الغداء على ms019 مائدته. # وهو إذن سيلقى مطلقته، وسيلقى صديقه الخائن الذي أغوى امرأته واختطفها اختطافا. والزوجان ~~حائران من غير شك، في هذه المصادفة المنكرة، وضيفاهما حائران أيضا، وإليزبث تهدئ زوجها ~~وتعلن إليه أنها تحتمل وحدها تبعة هذا الشر، ولكن زوجها لا يفهم هذا الكلام المبهم الغامض، ~~فهو يحب الدقة والنظام وحسن الأدب، وهو لا يرى أن احتمال امرأته للتبعة وحدها يغير من ~~الواقع شيئا. والواقع أن ثلاثة من الناس سيلتقون بعد حين ولم يكن ينبغي أن يلتقوا. على أن ~~حوار الزوجين لا يطول؛ فهذا أبوهما الشيخ قد أقبل وهو يحييهما من النافذة في رشاقة ودعابة، ~~ثم يدور حتى يأتي الحجرة من بابها. وهم يتلقونه متكلفين للرضى، فإذا أعاد عليهم أنه ~~سيشاركهم في الغداء ظهر على بعض الوجوه طول والتواء، ثم يتفرق القوم جميعا ولا يبقى ~~أمامنا إلا الشيخ وإليزبث. # ونحن نسمع إليزبث تداعب الشيخ وتتلطف له، وهو يتوقع أنها ستنبئه بخبر سيئ. وهي في حقيقة ~~الأمر تريد أن تنبئه بشيء، ولكنها لن تفعل إلا إذا جلست على حجره مبالغة في التلطف ~~والدعابة. فإذا تلقاها لطيفا بها مداعبا لها ألقت إليه النبأ، فلا يظهر سخطا عنيفا، ~~ولكنه لا يخفي ضيقه بما سمع، على أنه قد فهم الآن لم طالت الوجوه والتوت منذ حين. ثم لا ~~يلبث الشيخ أن يستأنف مرحه ودعابته، ويعلن إلى امرأة ابنه أنه سيعود إلى بيته الصغير، ~~وسيتغدى فيه وهو سعيد بذلك لأنه سيشارك الخدم في طعامهم. وسيأكل إذن ما لم يكن ينتظر أن ~~يأكل. وقد انصرف الشيخ وأقبل الشاب الضيف واسمه تدي ليتون، فلا يكاد يتحدث إلى إليزبث حتى ~~نعرف أن بينهما حبا يريد أن يظهر. وهذا زوجها يعود ومعه الفتاة التي رأيناها منذ حين وهما ~~ينبئان بمقدم الزائرين المنتظرين، وما هي إلا لحظات حتى تدخل الليدي كيتي وخليلها ~~ميجي. # وصورة هذه المرأة طريفة حقا، وهي من أجمل الصور التي يعرضها الأدب التمثيلي؛ فهي قبل كل ~~شيء مخيبة لأمل إليزبث، امرأة قصيرة بادنة لا تصور حبا ولا جمالا ولا ms020 فتونا، قد ظهرت ~~عليها السن، ولكنها مع ذلك شديدة النشاط، شديدة التكلف للنشاط بنوع خاص، تتحدث في غير ~~انقطاع وفي غير عناية بما تقول، ولا تقدير له، تثب من موضوع إلى موضوع في خفة، وسرعة، وعلى ~~غير انتظار كأنها الطائر يثب من غصن إلى غصن أو من شجرة إلى شجرة، لولا أن هذه المرأة ليس ~~فيها من جمال الطائر شيء. وهي لا تعرف ابنها، ولكنها مع ذلك تسرع على الضيف الشاب فتقبله ~~معلنة أنه ابنها أرنولد، وأنه صورة لها مطابقة كل المطابقة، وأنها لو رأته في ألف رجل ~~لعرفته. فإذا نبهت إلى مكان ابنها، لم يظهر عليها اضطراب، ولا اختلاط، وإنما اندفعت إليه ~~فقبلته وأعلنت أنه صورة دقيقة لأبيه، وأنها لو رأته في ألف رجل لعرفته. وهي تتكلم في كل ~~شيء، لا تكاد تلم بالحديث حتى تدعه إلى غيره؛ فهي تتحدث في الدين، وتتحدث في الصين، وتتحدث ~~في المرضع التي كانت تسرق النبيذ، وتتحدث في التصوير، وتتحدث في الثياب، ثم ترى البيانو ~~فتسرع إليه وتأخذ في العزف. وخليلها مناقض لها أشد المناقضة، لا يشبهها إلا في الشيخوخة. ~~فهو قليل الكلام، لا يكاد يتكلم إلا زمجرة، وهو ساخط على إنجلترا لسوء الإقليم فيها، ولأن ~~طرقها غير صالحة للسيارات. وهم في هذا الاختلاط المضحك البديع حقا، وإذا الأب الشيخ قد ~~أقبل. ولم لا يفعل؟ لقد ذهب إلى بيته الصغير فرأى أن الخدم قد انصرفوا يتناولون غداءهم حيث ~~يريدون بعد أن علموا أن سيدهم سيتغدى في القصر. فرأى الشيخ أنه مخير بين اثنين: إما أن ~~يجوع، وإما أن يتغدى مع هذين الزائرين. وقد آثر الثانية وهو يرجو ألا يضيق به أهل القصر، ~~وأهل القصر لا يضيقون به، ولكنهم يلقونه لقاء حسنا ولا سيما مطلقته، فهي سعيدة بلقائه، وهي ~~تطلب إليه أن يقبلها، وهو لا يرى بذلك بأسا بشرط أن يأذن له صديقه القديم. # فإذا كان الفصل الثاني فقد مضى يومان على ما رأيت في الفصل الأول، ونحن في حجرة الاستقبال ~~نفسها بعد الغداء ms021 ، وقد جلس القوم جميعا إلى مائدة اللعب بعضهم يلعب وبعضهم يتحدث. ونفهم أن ~~أرنولد قد انصرف عنهم لبعض شأنه السياسي، فالمعركة الانتخابية قائمة والشاب يتهيأ لإلقاء ~~خطبة سياسية إذا كان الغد، وهو يحب الدقة، والنظام، وحسن الأدب. وإذن فهو يتفق منذ الآن مع ~~الذين سيقاطعونه إذا خطب من الغد. يهيئ لهم موضع المقاطعة من خطبته، ويهيئ لهم الأسئلة التي ~~يلقونها عليه، ويهيئ لنفسه الجواب على هذه الأسئلة. وعلى هذا النحو يتم الاجتماع السياسي ~~دون أن يخالف ما ينبغي له من الدقة والنظام وحسن الأدب. والقوم في هذا الحديث، ولكن الشيخ ~~العاشق يسخط ويعلن سخطه؛ لأنه لا يفهم كيف يكون الجمع بين اللعب وحديث السياسة. وقد انتقل ~~الحديث من السياسة إلى هذا الضيف الشاب الذي يعمل في تونس، والقوم يتحدثون إليه عن تونس ~~هذه، وهو يجيبهم، ولكن الشيخ العاشق يعود إلى إعلان سخطه لأنه لا يفهم كيف يكون الجمع بين ~~اللعب والحديث عن تونس. # ثم يمضون في لعبهم وحديثهم واختلافهم في اللعب، وتلاحيهم فيما يصيبون وما يخطئون، حتى ~~يضيق الشيخ العاشق بهم جميعا؛ فيكف عن اللعب ويتفرق القوم ولا يبقى منهم إلا العاشقان ~~والزوج القديم. والعاشقان مختصمان اختصاما شديدا: فأما الشيخ فيلوم صاحبته؛ لأنها متكلفة ~~ملحة في التكلف، ولأنها قد أفسدت عليه حياته وكلفته تضحيات ثقالا، ولولا حبها لأصبح الآن ~~رئيسا للوزراء، فقد كان الناس يتوسمون فيه ذلك، وهي تنكر عليه هذا الغرور، وتزعم أنه لم ~~يكن ينبئ بذكاء ولا استعداد لنباهة الشأن، وأن الناس لا يرقون إلى المناصب بذكائهم أو ~~تفوقهم، وإنما يرقون بفضل نسائهم وما يمتزن به من لباقة ورشاقة وجمال. وقد كانت هي خليقة أن ~~ترقى بزوجها إلى رياسة الوزارة، لولا هذا الحب الذي أفسد عليها كل شيء. ويرد عليها عاشقها ~~ساخطا معنفا منكرا قيمة زوجها القديم؛ فهو لم يكن يصلح للمناصب الكبرى، وإنما كان رجلا ~~متواضعا، ولو أني بلغت رياسة الوزراء لعينته وزيرا في هولندا أو في البرازيل. ولا تكاد ~~صاحبته تسمع هذا حتى يشتد سخطها، وتعلن ms022 أنها لا ترضى منصبا حقيرا كهذا المنصب في بلد صغير ~~كهذا البلد، ولا يرضيها إلا أن يكون زوجها سفيرا في باريس. # وتشتد الخصومة بين العاشقين، على هذا النحو الظريف، حتى تنتهي إلى أقصاها، وإذا العاشقة ~~الشيخة قد انصرفت مغضبة باكية، وتبعها عاشقها الشيخ كأنه يريد أن يترضاها. وبعد قليل نرى ~~إليزبث قد أقبلت وأقبل معها ضيفها الشاب، وهما يتحدثان في حبهما وقد صرح بينهما كل شيء، وتم ~~الاتفاق بينهما على أن يعيشا معا، وعلى أن تفارق المرأة زوجها وتذهب معه إلى تونس. وهي لا ~~تريد أن تهرب، وإنما تريد أن تعلن أمرها إلى زوجها وتطلب إليه الطلاق. # وهذا الزوج قد أقبل بعد حين، فلم يجد في الغرفة أحدا، ولكنه لا يكاد يستقر حتى تأتي أمه ~~فيكون بينهما حديث ظريف حقا، لا يمس شيئا، ولكنه يمس كل شيء. ثم تخلو إليزبث إلى زوجها ~~أرنولد، فتنبئه بأمرها وتطلب إليه الطلاق. وهو ساخط ولكن في دقة، ونظام، وحسن أدب غالبا. ~~على أنه يخرج عن طوره آخر الأمر، فيأبى الطلاق، ويدعو إليه ضيفه الشاب فيطرده من القصر ~~طردا لا حظ له من الدقة والنظام وحسن الأدب. # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في الحجرة نفسها بعد العشاء من مساء اليوم نفسه، ونحن نرى ~~أرنولد يتم مع أبيه حديثا كان قد بدأه قبل أن يرفع الستار، ونفهم أن هذا الحديث إنما هو ~~تشاور بين الابن وأبيه في هذه الكارثة الجديدة. وقد ألقى الأب إلى ابنه نصيحة، وهو يلح عليه ~~في أن يتبعها، ثم يقبل سائر أهل القصر فيتحدثون حديثا مختلفا مختلطا، ولكننا نتبين على ~~كل حال أن الشيخين العاشقين ما زالا على ما كانا فيه من المغاضبة والخصام، فليس أحد منهما ~~يرضى أن يتحدث إلى صاحبه. وهم ينظرون في مجموعة من الصور ويتحدثون عما يرون، وعن صور النساء ~~وأزيائهن خاصة أحاديث مختلفة جميلة ومؤثرة، ولكنهم ينتهون إلى صورة بعينها تعجبهم جميعا ~~ولا يعرفون صاحبتها، فإذا أنبأهم الزوج القديم بأنها صورة مطلقته زاد إعجابهم بما كان لهذه ms023 ~~المرأة من جمال، ولا سيما إليزبث؛ فإن إعجابها شديد حقا. أليست قد أنبئت بأن بينها وبين ~~هذه المرأة حين كانت شابة بعض الشبه؟ أليست هي آخذة الآن في إعادة التاريخ وفي تمثيل القصة ~~التي مثلتها هذه المرأة حين كانت تنعم بنضرة الشباب وحين تهيأ لها الحب فلم تستطع عليه ~~امتناعا؟ على أن الشيخة نفسها إذا نظرت في هذه الصورة لم تستطع أن تكف دموعها عن ~~الانحدار، فأين هذا الجمال الرائع من هذه المرأة المتهدمة التي تغاضب عاشقها المتهدم! وقد ~~تفرق القوم جميعا عن العاشقين الشيخين، وإذا الشيخ يدنو من صاحبته متلطفا مسترضيا ~~معتذرا مما قدم إليها من الإساءة قبل العشاء، وهي تقبل منه متلهفة؛ فلم تكن أقل منه شوقا ~~إلى الصلح، وهو يعترف لها بأنه كان مغرورا حين زعم أنه كان خليقا أن يبلغ رئاسة الوزراء ~~لولا الحب. وهي تؤكد له أنها كانت مسرفة، وأنه كان حقا جديرا أن يبلغ رئاسة الوزراء، ~~فإذا سمع ذلك منها أرضاه وأعلن إليها أنه كان مسرفا حين أنبأها أنه لو تولى الحكم لعين ~~زوجها في هولندا، والواقع أنه كان خليقا أن يعينه في باريس، وهي تستكثر باريس وترى أن في ~~هولندا أو في البرازيل ما يكفي. ويمضي الحديث بينهما على هذا النحو المؤثر الظريف، وهذا ~~الشيخ يتأمل في الصورة فيزعم لصاحبته أن السن لم تغيرها إلا قليلا وهي سعيدة بهذا الثناء، ~~ترد عليه بثناء مثله، فتزعم له أنه قوي، وأنه وسيم، وأن منظره يخلب النساء، ويلفتهن إليه. ~~ولكن هذا الزوج القديم قد أقبل وأخذ ينبئهما بقصة إليزبث واعتزامها فراق زوجها مع هذا ~~الشاب، وهو يطلب إلى الأم أن تنصح لهذه الفتاة وأن تعظها، وأن تفكر في ابنها. والأم تتردد ~~شيئا ثم ترضى، وقد أقبلت إليزبث وانصرف الرجلان، وأخذت العاشقة الشيخة تعظ العاشقة الشابة. ~~فيا له من حديث مؤثر حقا، دقيق حقا، فيه تصوير رائع لجنون الحب ثم لعواقب هذا الجنون ~~حين يفتر النشاط وتنكسر الحدة، وتتصل الحياة بين عاشقين قد فتر بينهما العشق. وفيه ms024 تصوير ~~رائع لهذه الغيرة الملتهبة التي تحرق فؤاد المرأة حين تحس انصراف العاشق عنها، وفيه تصوير ~~رائع لضعف المرأة وسوء حالها في الجماعة إذا خرجت عن الحياة المنظمة وخالفت ما ألف ~~الناس. # ولكن شيئا من هذا لا يؤثر في الفتاة ولا يغير عزيمتها بحال من الأحوال، وهي مصرة على ~~هذا الفراق محتملة تبعاته، واثقة بصاحبها، أشد الثقة. # ثم يقدم أرنولد بعد حين ويخلو إلى امرأته، وإذا هو قد تغير تغيرا تاما، فهو معتذر إلى ~~امرأته من ذلك الحديث الغليظ الجاف الذي لقيها به حين طلبت إليه الطلاق، وهو يترضاها فلا ~~ترضى، ويستعطفها فلا تعطف، فإذا يئس من ذلك عرض عليها أن يعينها بشيء من المال لأنها فقيرة ~~ولأن صاحبها ليس غنيا، وهي تأبى، ولكنه يعلن مصمما أن المال سيوضع في أحد المصارف ~~لحسابها، وقد كان يأبى الطلاق فهو يقبله الآن، ولكن شرط أن يكون هو المذنب وأن يكون الحكم ~~عليه لا عليها. وهي تسمع هذا فتتأثر له تأثرا عميقا، ويتركها الفتى وهي في أشد ما تكون من ~~التردد والاضطراب والاعتراف بالجميل. على أن صاحبها الشاب قد أقبل يتعجلها، فتأبى عليه ~~إباء شديدا لما سمعت من زوجها، والفتى يلح وهي تأبى. وإنهما لفي هذا الحوار وإذا الشيخان ~~العاشقان قد أقبلا واشتركا في حوارهما، وهما ينصحان أول الأمر للفتاة بألا تفارق زوجها ولا ~~تتعرض لحرب النظام الاجتماعي، فهي غير قادرة على هذه الحرب، ولكن الفتى لبق حسن الحديث، ~~عاشق، صادق العشق، مقنع قوي الإقناع، وها هو ذا قد أثر في نفس الفتاة وسيطر عليها. وانظر ~~إلى هذين الشيخين وقد ذكرا شبابهما واستحضرا قصتهما، وهما يعينان على تمثيل القصة. فأما ~~الشيخ فيعيرهما سيارته ليهربا بها في جنح الليل، وإذا الشيخة تعير الفتاة معطفها لتتقي به ~~برد الليل، وإذا العاشقان الشابان ينصرفان وقد تركا في نفس هذين الشيخين وجدا وحنينا ~~وعطفا كثيرا. وهذا الأب الشيخ قد أقبل راضيا، سعيدا، مبتهجا ينبئ بأنه قد نصح ابنه ~~فاستمع لنصيحته فنجح إلى أقصى حدود النجاح. رد إلى ms025 امرأته حريتها فحمدت ذلك منه وزهدت في ~~هذه الحرية وقررت أن تقيم. والشيخ فخور بهذا الفوز، وهو يضحك فخرا والشيخان العاشقان ~~يضحكان منه فيحسب أنهما يضحكان له، ويرخى الستار عليهم جميعا، وهم مغرقون في ضحك مظهره ~~واحد ولكن سببه مختلف أشد الاختلاف. # | الطائر الحديث # للكاتب الفرنسي رستان برنار # ليس هذا العنوان ترجمة صادقة ولا دقيقة للعنوان الفرنسي، وإنما هي ترجمة مقاربة، أو قل هي ~~إشارة إلى معنى العنوان الفرنسي؛ لأن نقل العنوان إلى لغتنا ليس باليسير. # ولسنا نقصد بهذا الحديث عادة إلى الدقة العلمية في الترجمة، وإنما نقصد إلى تقريب الصور ~~الفنية التي يعرضها كتاب التمثيل إلى قراء العربية الذين لا يستطيعون أن يروا بأنفسهم هذه ~~الصور في أصولها الأولى. والصورة التي أريد أن أقربها إلى القراء في هذا الحديث جميلة رائعة ~~حقا، وهي لا تستمد جمالها ولا روعتها من ثورة العواطف وحدة الحس وعنف الشعور، وإنما ~~تستمدها من هذه الفلسفة الهادئة المبتسمة الساخرة التي امتاز بها هذا الكاتب الفرنسي ~~العظيم، فهو أستاذ السخرية في فرنسا بعد كورتلين، ولكنه أستاذ السخرية التي لا يكاد يشعر ~~بها إلا الذين أوتوا حظا عظيما من دقة الذكاء، ونفاذ البصيرة، وحسن القراءة بين السطور. ~~وهو على هدوء فلسفته وخفة سخريته، ورقة دعابته، لاذع ممض حقا لمن عرف كيف يقرأ، وكيف ~~يفهم، وكيف يذوق، بل هو قد يتجاوز السخرية اللاذعة الممضة إلى السخرية القاسية، التي تريد ~~أن تكون عنيفة، وتبلغ من العنف ما تريد دون أن يظهر عليها ذلك ظهورا واضحا. # وقد أراد رستان برنار في هذه القصة أن يصور، من ناحية، نزق الشباب وخفته، وطيشه، وضعفه عن ~~فهم ما يحيط به من الأحداث، بل عن فهم نفسه، وأقرب الناس إليه، وانخداعه بأيسر الأشياء. ومن ~~ناحية أخرى عبث الظروف بالناس وتحكمها فيهم بما يسوءهم في كثير من الأحيان، وبما يرضيهم ~~ويمنعهم في بعض الأحيان. والنقاد مجمعون على إكبار هذه القصة، ومنهم من يبلغ بها منزلة ~~الآية الأدبية الخالدة التي لن يعرض لها الفناء، وهم يعجبون ms026 بهذه البراعة التي أتاحت للكاتب ~~العظيم أن يتخذ موضوعا يسيرا ضئيلا كهذا الموضوع الذي ستراه، فينشئ منه قصة تمثيلية ~~ممتعة، ترضي، بل تمتع النظارة والقراء جميعا دون أن تشق عليهم، أو تخيل إلى أحدهم أنه أحس ~~شيئا من الجهد قليلا أو كثيرا في مسايرة القصة منذ ابتدأت باسمة ساخرة إلى حيث انتهت ~~باسمة ساخرة أيضا. # والموضوع - كما قلت - يسير ضئيل؛ فهناك صديقان؛ أحدهما شاب في السادسة والعشرين من عمره، ~~وهو تيبو، والآخر كهل قد بلغ الأربعين، وهو تييري، وقد صدقت بينهما المودة، وتمت الثقة، ~~وكلاهما صاحب لهو وعبث، ولكن الشاب الحدث، مطمئن إلى الكهل المجرب، فهو يلجأ إليه، ويعتمد ~~عليه كلما تعقدت أموره في الحب بعض التعقيد. وهذا الكهل المجرب محبب إلى النساء، فاتن ~~لهن، فلا يكاد يعرض مخلصا لحل ما يتعقد على صاحبه الشاب من الأمر حتى يضطر إلى خيانته ~~اضطرارا. وصاحبه الشاب لا يحس ذلك ولا يلمحه، وإنما هو ماض في ثقته، دافع صاحبه إلى ~~الخيانة دفعا، والظروف تعينه على ذلك، وتغريه به، كما تعين صاحبه على الخيانة، وتورطه فيها ~~حتى يأذن الله لفتاة هي أليس بأن ترد الشاب إلى الرشد، وتحول بين هذا الكهل وبين المضي في ~~الإثم على غير عمد أو على عمد، غير متعمد، إن صح هذا التعبير الغريب. # فموضوع القصة - كما ترى - هين لا خطر له في نفسه، ولكن الكاتب قد استطاع أن يرتفع به، إلى ~~أرقى منزلة من منازل التفكير الخلقي الفلسفي الخصب. ومهما ألخص هذه القصة ومهما أتحر ~~الدقة في هذا التلخيص، فلن أستطيع أن أعطيك من جمالها الفني صورة مقاربة، فجمالها الفني ~~مستقر في هذا الحوار البديع الذي لا بد من ترجمته، ومن ترجمته كله لتذوق ما فيه من فن دقيق. ~~وترجمته ليست شيئا يسيرا؛ لأن الكاتب - كما قدمت - من أدق الكتاب الفرنسيين في التصوير ~~والتعبير معا. # ونحن حين يرفع الستار في فندق فخم من فنادق الصيف في مدينة مترفة من مدن الساحل، هي ~~مدينة دوفيل، نرى هذا الكهل المجرب تييري ms027 يتحدث إلى خادم من خدم الفندق، وهو يهيئ له غرفة ~~الاستقبال في الجناح الذي احتجزه لنفسه، ليقضي فيه بعض الصيف. والخادم ينبئه بأن فتاة قد ~~أقبلت تطلب لقاءه، وهي تنتظر في بهو الفندق واسمها أليس إرسان. فإذا أذن لها بالصعود رأينا ~~فتاة جميلة ولكنها شديدة الاحتشام، شديدة الذكاء، متئدة فيما تعمل وفيما تقول. وفهمنا من ~~أول حديثها إلى هذا الرجل أنها قريبة صديقه تيبو، وأنها تعمل في قصره كرفيقة لأمه الغنية ~~التي تقدمت بها السن، ولكنها تأبى أن تشيخ. فهي تلهو وتعبث وتختلف إلى الكازينو كل مساء ~~تقامر مع المقامرين، وهي تربح حينا فتزعم أنها خاسرة، وتخسر حينا فتزعم أنها رابحة: تعلن ~~الخسارة في أوقات الربح لترد عن نفسها أصحاب الحاجات، وتعلن الربح في أوقات الخسارة لترد عن ~~نفسها العذال والشامتين. وهي في حقيقة الأمر لا تحفل بخسارة ولا بربح؛ لأنها واسعة الغنى ~~عظيمة الثراء، وحسبك أن بعض مواردها يغل لها أربعة عشر مليونا من الفرنكات. # وهذه الفتاة تعمل في القصر رفيقة لقريبتها هذه، ولكنها لا تراها ولا تتصل بها، وإنما ~~تلزمها من بعيد، تشتري لها الكتب، وتقرؤها نيابة عنها، وتلخصها لها تلخيصا موجزا لتكون ~~على علم بها إذا تحدثت إلى الناس، وقد ترافقها إلى الكازينو ولكنها لا ترافقها إلى غرفة ~~اللعب، وإنما تنتظرها في مكان آخر. وهي قد أقبلت اليوم تبلغ هذا الرجل أن قريبها تيبو ~~سيزوره بعد حين، ليتحدث إليه في أمر ذي بال، وما دامت قد ذكرت تيبو، فهي تصوره لنا كما ~~صورت أمه؛ فهو فتى رائع الشباب، ولكنه لا يقدر شبابه قدره، وإنما يبذر فيه تبذيرا ~~وينفقه بغير حساب، قد أفسده الغنى فاتبع هواه، وتنقل به هواه من حب إلى حب، ومن لذة سريعة ~~إلى لذة سريعة، حتى فقد قلبه وعقله، وكل هدوء، وكل استقرار. # والفتاة ترى ذلك محزونة له، ساخرة منه، ملاحظة دقائقه مع ذلك مستخرجة منها العبر والعظات ~~التي لا يحسن استخراجها إلا المجربون الذين مارسوا الحب واللذة وعرفوا آثامهما وآثارهما، ~~وهي تزعم أنها ms028 تجد من نقاء ضميرها، وصفاء سريرتها، وحسن سيرتها ما يمكنها من أن تفهم الحياة ~~وتستخلص عظتها وعبرتها أحسن مما يفعل المجربون الممارسون. وهذا الفتى تيبو قد أقبل، فذكرته ~~الفتاة بأنه مضطر إلى أن يتناول العشاء مع أهله هذه الليلة؛ لأنها ليلة عيد من أعياد أمه، ~~قد اجتمعت لها الأسرة كلها على كره من الأم التي كانت تؤثر على مائدة العشاء مائدة القمار. ~~وقد انصرفت الفتاة وخلا الصديقان، فلم يكادا يتحدثان حتى فهمنا قصة هذا الفتى. فهو يحب منذ ~~عهد بعيد امرأة جميلة غنية، هي هنرييت هربلان، ولكنه لقي في بعض زياراته امرأة أخرى جميلة، ~~هي لورنس هربر، فأحبها وأحبته، وأبعدا في الحب حتى كادا يبلغان الزواج. وكانت خليلته الأولى ~~تصطاف مع زوجها في أقصى الغرب الجنوبي على الأطلنطيك، بينما يصطاف هو مع صاحبته في هذه ~~المدينة الجميلة على ساحل المانش. ولكن الظروف الخادعة الماكرة زينت لهذا الزوج الأحمق أن ~~يفارق امرأته أياما لتزور إسبانيا، فأسرعت هذه المرأة إلى دوفيل ونزلت ضيفا على أسرة ~~صديقة تقيم من الفندق غير بعيد. # والفتى حائر بين هاتين الخليلتين، فهو يحب لورنس ويريد أن يتخذها له زوجا، وهو يريد أن ~~يتخلص من هنرييت، ولكن في شيء من الرفق، ومن غير أن يؤذيها في حبها إيذاء عنيفا. وقد خطر ~~له أن السبيل إلى التوفيق بين هذين الأمرين، إنما هو أن يقلل من لقاء لورنس ويحتاط في هذا ~~اللقاء، حتى تسافر هنرييت من دوفيل. ولكنه لا يجرؤ على أن يبين حقيقة الأمر للورنس، فهو ~~يعتمد على صديقه تييري في ذلك، ولا شك في أنه سيؤدي إليه هذه الخدمة راضيا سعيدا. وهو قد ~~نظم له لقاء لورنس فستزوره بعد لحظات، وهو من أجل هذا ينصرف مسرعا وينبئ صاحبه بأنه سيلقاه ~~في الغد ليعرف منه ما سيكون بينه وبين لورنس من حديث. # وما هي إلا لحظات حتى تستأذن لورنس على صاحبنا الكهل، فيأذن لها ويلقاها، ولا يكاد يأخذ ~~معها في الحديث حتى يرى أنها تعلم من أمر صاحبه كل ms029 شيء. فليس من المعقول أن يتقرب رجل من ~~امرأة بالحب دون أن يسعى الساعون إليها بأنباء هذا الرجل، ما ظهر منها وما بطن. # وهي ليست غافلة ولا جاهلة فتظن أن صاحبها قد ظل ينتظرها طول حياته نقيا بريئا من الحب، ~~فهي إذن تعذره ولكنها تلومه لأنه لم يتحدث إليها بنفسه في هذا الموضوع. على أنها لا تكره ~~آخر الأمر أن تعفو له عن هذا النزق الذي دفعه إليه الشباب، وهي تهم أن تنصرف ولكن تييري ~~يستبقيها ليتحدث إليها طرفا من حديث، ولينبئها بأنه سعيد حقا بها، فما كان يقدر أنه ~~سيلقى امرأة يرتفع بها الذكاء والفطنة وحسن التقدير للأشياء إلى حيث تتجاوز المألوف، وتعرض ~~عن الصغائر، وهو سعيد بأن يثني عليها غير طامع فيها لأنها خليلة صديقه، وهي سعيدة أيضا ~~بالاستماع لهذا الحديث الذي ليس وراءه طمع ولا رغبة، والذي لا يفسده تملق ولا تقرب؛ فقد ~~سئمت ثناء المحبين، كما سئم هذا الرجل أيضا حديث المحبات. وهما سعيدان حقا بهذا الود ~~الذي أخذ ينبت بينهما؛ لأنه ود بريء يرتفع عن الحب ويكتفي بالصداقة. لقد ظفرت هي يإعجاب ~~الرجال حتى أذلتهم، وظفر هو بإعجاب النساء حتى أذلهن. فما يمنعهما أن يلتقيا كما يكتفي ~~الفاتحان الظافران فيتحدثا في غير الفتح والظفر، ويسمرا في غير الحب والغرام. # وليس من شك في أن هذه المرأة لا تستطيع أن تحب هذا الرجل؛ لأنه متقدم في السن، ولأنها تحب ~~صديقه الشاب. وليس من شك أيضا في أن هذا الرجل لا يستطيع أن يحب هذه المرأة؛ لأنها شابة ~~بالقياس إليه، ولأنها خليلة صديقه، فلن يكون بينهما إلا ود الأصدقاء، وإذن فسيجتمعان إلى ~~العشاء وستعتذر هذه المرأة إلى قوم دعوها للعشاء معهم، ولن يتعشيا في الفندق، ولا في ~~الكازينو، ولكنهما سيذهبان إلى مطعم بعيد، ولن يشربا على طعامهما الشامبانيا، ولا هذه ~~الأنبذة التي تدير الرأس وتحجب العقل، ولكنهما سيشربان نبيذا من هذه الأنبذة التي تطلق ~~اللسان وتبعث الحرارة في القلب وتحبب حديث الصداقة إلى الأصدقاء. # وقد نهضت لتتهيأ ms030 للخروج، فهم أن يقبل يدها، فردته عن ذلك ردا، فما ينبغي للصديق أن ~~يقبل يد الصديق وإنما يتصافح الأصدقاء في قوة كما يتصافح الرجال. # ويرفع الستار عن الفصل الثاني من الغد، فإذا نحن في الغرفة نفسها نرى هذين الصديقين، وقد ~~أحدث الليل بينهما ما لا يحدث بين الأصدقاء، وهما يعتنقان اعتناق العاشقين وقد فتن كل ~~منهما بصاحبه وسقط بينهما ذلك الفتى الغر، فمرا على جثته إلى حبهما العنيف ثم تم الاتفاق ~~بينهما على أن يرحلا بحبهما عن هذه المدينة لينعما به في مأمن من الرقباء. وستسافر هي أول ~~النهار، ويدركها هو إذا كان المساء أو إذا كان الغد؛ لأنه ينتظر اليوم مقدم أخيه. # وقد انصرفت عنه على كره منها وعلى كره منه، ولكنه لم يكد يخلو إلى نفسه حتى أفاق من نشوة ~~الحب، ونظر إلى نفسه فازدراها وإلى صديقه فرثى له وعطف عليه. # وهذا الخادم قد أقبل يصلح من شأن الغرفة، فإذا هذا الرجل لا يستطيع أن يمنع نفسه من ~~التحدث إليه؛ لأنه شقي بالندم الذي يملأ قلبه. وهو يسأل الخادم عن سنه، ثم عن حبه، ~~ثم عن خليلته، فينبئه الخادم بأنه يحب امرأة صديق له، فقد وجد هذا الرجل إذن زميلا له في ~~الخيانة، فهو يسأله كيف أقدم على هذه الخيانة وكيف وجد أثرها في نفسه، والخادم ينبئه بأنه ~~كره ذلك أول الأمر ولكنه ألفه وتعوده بعد قليل. # ولكن التليفون ينبئ بأن الفتاة التي رأيناها في الفصل الأول تستأذن في لقاء هذا الرجل، ~~فإذا أذن لها رأيناها قد أقبلت اليوم كما أقبلت بالأمس تحمل رسالة من تيبو إلى صديقه، فهو ~~قد أنفق الليل كله أو أكثره خارج القصر وعاد مع الصبح، فسيزور صاحبه متأخرا بعض ~~الشيء. # والفتاة ساخرة من قريبها، ساخرة من صديقه، تزعم له أن قريبها يثق به الثقة كلها، فلا يكاد ~~الرجل يسمع لفظ الثقة حتى يضطرب له، وتثور نفسه، وإذا هو ساخط أشد السخط على هؤلاء الأصدقاء ~~الذين يثقون بأصدقائهم، وعلى هؤلاء الضعفاء الذين يثقون بالأقوياء ms031 ، وعلى هؤلاء الناس الذين ~~يعجزون عن تدبير أمورهم، فيعتمدون على غيرهم في تدبير هذه الأمور. والفتاة لا تفهم هذه ~~الثورة المفاجئة، ولكننا نحن نفهمها حق الفهم؛ فالرجل نادم على ما فرط في ذات صديقه، ولكنه ~~يحمل صديقه تبعة هذا التفريط؛ فهو الذي وثق به وكلفه تدبير أمره عند لورنس، ولو لم يفعل ~~لما لقيها، ولما فرط في ذات الصديق. # وهذا تيبو قد أقبل، فانصرفت الفتاة وخلا الصديقان، ولم يكد تييري ينبئ صاحبه كارها ~~متكلفا بأنه قد دبر الأمر عند لورنس، وأن لورنس قد قبلت عذره ورأت أن تسافر أياما تجنبا ~~لكل مضايقة، لم يكد ينبئه بهذا حتى سمع منه عجبا. سمع منه أنه لا يحفل بلورنس ولا يريد أن ~~يراها؛ لأنه لقي هنرييت فتجدد حبه لها وشق عليه فراقها، وأنفق الليل كله في إقناعها ~~بأنه لم يخنها وبأنه لم يحب لورنس ولم يزد على أن أكثر معها الحديث، وقد اقتنعت هنرييت ثم ~~شكت، ثم اقتنعت، ولكنها ستعود قطعا إلى الشك. ومن أجل ذلك يعتمد الفتى على صديقه في أن ~~يمحو من نفسها كل ريب، ويرد إليها الثقة والاطمئنان. # والصديق سعيد بما يسمع؛ فهو يبرئه من الخيانة. وأي بأس عليه من أن يحب لورنس، وقد ~~انصرفت عنها نفس صاحبه، وأي بأس عليه من أن يقنع هنرييت بأن الفتى لم يخنها؛ فذلك يرد هذين ~~العاشقين إلى عشقهما، ويخلي له وجه صاحبته. فهو إذن يقبل هذه المهمة الثانية، وينصرف عنه ~~الفتى بعد أن ينبئه بأن هنرييت قادمة للقائه وبأنه هو سيلقاه بعد الغداء. # وما هي إلا لحظات ينعم فيها الرجل براحة الضمير وهدوء البال، حتى تدخل عليه هنرييت، فإذا ~~امرأة في الثالثة والعشرين من عمرها جميلة ضعيفة محزونة كثيرة البكاء، لا يكاد الرجل يراها ~~حتى يرفق بها، ويخلص في النصح لها، وفي تشجيعها وتبرئة صديقها من الخيانة، ولكن حديثه لا ~~يخلو من نبرات فيها حنان وعطف وشيء قد لا نستطيع أن نسميه الإغراء، ولكنه ليس بعيدا من ~~الإغراء. # وقد أخذت المرأة تتأثر بهذا ms032 العطف وترق لهذا الحنان، وتسحر بهذا الصوت، وإذا هي تدنو ~~منه، وتستدنيه، وهو يحس بهذا الخطر فيبعد عنها ويتكلف الجد، ولكن بعد أن فات وقت الجد. ~~فقد دنت منه المرأة وأخذت في استعطافه، وهو قريب العطف، وما هي إلا أن تلح عليه في قبلة ~~وداع، فإذا منحها القبلة الأولى أخذه الشرك وألقي الستار من دونهما وهي تقول: لن أفارقك؛ ~~لأني لا أحب إلا إياك. # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في قصر تيبو بعد الظهر من اليوم نفسه نرى تييري يتحدث إلى ~~الفتاة «أليس» يسألها عن صديقه أين هو، فتنبئه بأنه خرج يلتمسه، وكان شديد الاضطراب كأن ~~أمرا ذا بال يعنيه، فينبئها هو بأنه سيغيب لحظة ليسعى إلى أخيه الذي سيقبل من سفر بعيد ثم ~~يعود بعد ذلك، ولا يكاد يخرج حتى يقبل تيبو ثائر النفس بادي الاضطراب يسأل عن صديقه، ~~فتنبئه الفتاة بأنه سيعود بعد قليل، ولكنه لا يملك نفسه من أن يتحدث إلى الفتاة ببعض ~~اضطرابه، وإذا الفتاة تقص عليه من أمره كل شيء قد علمت ذلك من نفسها، وفهمته من أحاديث ~~الناس، وهي تزدري الفتى وتزدري حبه، وتحزن على هذا الشباب الضائع الذي يسرف فيه صاحبه بغير ~~حساب، وعلى هذه العواطف المبتذلة التي تنحط لها نفوس كان ينبغي أن ترتفع، وتنبئ الفتى أن ~~صاحبته هنرييت لم تكن تحبه حين أظهرت ما أظهرت من الغيرة، وإنما كانت تريد أن تنتقم لما ~~أحست من الخيانة، فإذا سألها الفتى: وما أنت وهذا وما علمك بهذه الأشياء وهل أحببت قط؟ ~~أنبأته بأنها قد أحبت، ولكنها لم تجد صاحبها أهلا لحبها، فأعرضت عن هذا الحب وأخذت ~~نفسها بحياة العزوبة، وأنبأته بأنها تعاف هذه الحياة التي تحياها وبأنها مسافرة مع المساء ~~لتعيش مع أختها وتعنى بابنيها الصبيين، فإذا سألها عمن أحبت أنبأته بأنها أحبته هو، ثم ~~عافته لما رأت من سيرته، ولولا ذلك لما أنبأته بهذا الحب. # ولا يكاد الفتى يسمع بهذا النبأ حتى يفتنه ويسحره، وإذا هو يتلطف للفتاة ويعلن إليها حبه، ~~فتعرض ms033 عنه وتفر منه، ويهم أن يتبعها، لولا أن صديقه قد أقبل ومعه أخوه، فلا يلقاهما إلا ~~ريثما يستأذن منهما لحظة ويمضي في أثر الفتاة. ويخلو الأخوان فيتحدثان عن اضطراب الفتى وعما ~~كان من سوء حظه مع صاحبتيه، وعن ندم الصديق الخائن، وعما ينبغي أو لا ينبغي أن ينبئ به ~~صديقه من الأمر، ولكن الفتى قد عاد، وخلا إلى صديقه، ولم يكد صديقه يحدثه عن هنرييت حتى ~~يرده عن الحديث ردا ويعلن إليه أنه يحب أليس، وأن أليس أحبته. ومن يدري لعلها ما زالت ~~تحبه ولكنها لا تريد أن تعترف بهذا الحب. وهو يعتمد على صديقه في إقناعها ... ولكن الصديق ~~يثور هذه المرة ويأبى أن ينهض بهذه المهمة، وهو يلح في الإباء وصديقه الفتى يلح عليه في ~~الرجاء، ثم ينبئه فجأة بأنه قد أنبأ أليس بتوسطه عندها، ثم ينهض فيدعو أليس وينصرف. # والرجل ضيق النفس مضطرب الضمير، كاره لهذه المهمة مشفق من خيانة ثالثة، ولكن الفتاة قد ~~أقبلت فلم يكد يتحدث إليها حتى أحس أنه يتحدث إلى امرأة ليست من جنس النساء اللاتي عرفهن من ~~قبل. يتحدث إلى امرأة لا تحب عن عاطفة، ولا عن شهوة، ولا عن هوى، وإنما تحب بقلبها كله، ~~وبعقلها كله، تحب عن علم بالحياة والأحياء، وعن بصيرة بما تأتي وما تدع، لا ترى في الحب لذة ~~سريعة عارضة، وإنما ترى في الحب ثقة وأمنا وسعادة ومتاعا متصلا. # وإذا هو يحاول أن يغري الفتاة بنفسه، وقد كان يخاف أن تتهالك عليه الفتاة، وإذا هو يرى ~~الفتاة ترده عن نفسها ردا، رفيقا ولكنه حازم، وإذا هو ينهض معتذرا معترفا بضعفه، وفساد ~~سيرته وسوء مستقبله في كل ما يمس السعادة الراقية النقية مستعطفا على صديقه محسنا الدفاع ~~عنه، منتهيا آخر الأمر إلى حمل الفتاة على شيء إن لم يكن هو الرضى فهو قريب من الرضى. وإذا ~~هو يفتح هذا الباب المغلق ويدعو صديقه، فإذا أقبل تلقاه بهذه الجملة: لقد كانت تريد أن ~~تفرغ لابني أختها الصبيين، ولكنها قبلت أن ms034 تفرغ لك. فيدنو الفتى منها هائما، ولكنها ~~ترده عن نفسها في رفق وتجلس مفكرة قد أخفت وجهها بين يديها، والفتى يهمس في أذن صديقه: ~~ستعنى أنت بأمر هنرييت. فيجيبه الصديق: ليس من ذلك بد. # | مدرسة أبناء الخمسين # أما قصة اليوم فسيرة ضئيلة لا تحتمل نقدا ولا تحليلا، ولا تحتاج من القارئ إلى روية ~~أو تفكير، إنما هي حديث سهل عذب فيه فكاهة حلوة، وفيه حزن شاحب مر، ولكن مرارته لا تبلغ ~~الألم الممض، وإنما تحمل بعض الناس على أن يلتفتوا إلى ما مضى من أيامهم، ثم ينظروا إلى ما ~~يستقبلون من هذه الأيام، وقد أحسوا أسفا خفيفا ولكنه مقيم، فيه إذعان لما لا بد من ~~الإذعان له من هذا السلطان الصارم الحازم؛ سلطان القضاء. # ولم ينظم الشاعر قصته هذه الصغيرة ليعظ ولا يهدي، ولا ليكون صاحب فلسفة وأخلاق، ولا ليقصد ~~إلى شيء من هذه المقاصد التي يتوخاها أصحاب التمثيل حين يريدون الوعظ والإرشاد أو التصوير ~~وتسجيل الحقائق. وإنما قصد إلى دعابة مريحة يتخفف بها من أثقال الحياة ويتيح لغيره من ~~النظارة أن يتخففوا بها من أثقال الحياة ساعة من ليل أو ساعة من نهار. ومن أجمل ما يدخر ~~الأدب للناس أنه يستطيع أن يكون مريحا مسليا، لا يشق عليهم ولا يكلفهم جهدا، ولكنه ~~يمنحهم لذة هادئة لا تكاد تشغلهم عن أنفسهم، ولكنها مع ذلك تصرفهم عن همومهم وتنسيهم ~~أحزانهم بعض الشيء. # وهذه القصة فصل من فصول هذا الأدب الهادئ المريح. والفرنسيون يحسنون هذا الفن من فنون ~~الأدب ويتصرفون فيه تصرفا خصبا كثير التنوع في التمثيل وغير التمثيل من القصص القصيرة، ~~ومن هذه المقطوعات الشعرية التي تمتعك وتسليك دون أن تكلفك مشقة أو جهدا. وقد حدثتك منذ ~~حين عن كاتب فرنسي عظيم خالد برع في هذا النحو من التمثيل المريح، هو كورتلين، والكاتب الذي ~~أحدثك عنه اليوم والذي حدثتك عنه في الأسبوع الماضي هو نظير كورتلين وشريكه في هذا ~~النحو من الأدب. ولست أكره أن ألم بهؤلاء الكتاب بين حين وحين ms035 ، فقد يحسن التنويع في هذه ~~الأحاديث، وقد يحسن بنوع خاص أن نفتح لشبابنا أبوابا متفرقة من الأدب لعلهم أن يدخلوا من ~~بعضها في يوم من الأيام. # ونحن حين يرفع الستار عن هذا الفصل الفذ في بهو فندق من الفنادق الكبرى مشرف على البحر، ~~أو على المحيط في مدينة من مدن البحر أو مدن المحيط. ونحن نرى القادمين يصلون إلى الفندق ~~ويطلبون إلى الخادم ما يحتاجون إليه؛ هذا يطلب الثقاب، وهذا يطلب لفافات التبغ، وهذا يطلب ~~الدواة والقرطاس، والخادم مسرع يجيبهم إلى ما يريدون في رشاقة وخفة ونشاط. ولكننا نرى أخوين ~~قد تقدمت بهما السن، أحدهما رجل هو جاك وقد نيف على الخمسين، والأخرى امرأة هي كرستين، ~~وقد تجاوزت طور الشباب. وفي الرجل بقية من نشاط ومرح، وعلى أخته مسحة من جد وتحرج. وقد ~~أرادت الأخت أن تخلو إلى أخيها، فلما بلغت من ذلك ما تريد قالت له لائمة: لقد رآك من رآك في ~~الغابة أمس. فيقول مداعبا: نعم، إني أفر إليها من هواء الساحل أحيانا. فتقول الأخت: ~~ولكنك كنت سعيدا ولم تكن وحيدا، وإنما كانت معك هذه الفتاة التي كنت تأخذ بيدها. فيجيبها ~~ماضيا في الدعابة: لعلي لقيتها في بعض الطريق. فتقول: منذ ثلاثة أعوام؟ فيجيب: بل منذ ~~عامين. # وهنا تمضي أخته في لومه لأن هذا العبث لا يليق بسنه ولا بمكانه في المدينة. أما هو فلا ~~يرى بذلك بأسا لأنه لم يبلغ الشيخوخة بعد، ولكنه في طريقه إليها ومن حقه أن يلهو ما دام ~~قادرا على اللهو. فإذا زعمت له أخته أنه لا يليق أن يلقى هذه الفتاة ولا مصادفة، قال لها ~~مداعبا: إذن فينبغي أن تنصرفي لأنها ستأتي بعد حين. # وقد انصرفت أخته مغضبة وخلا هو إلى نفسه، فهو يتحدث إليها في صوت عال لأنه يريد أن ~~تسمعه، وهو يتحدث عن أخته التي يحبها ولكنه يضيق بها؛ يحبها لأنها أخته ولأنها طيبة القلب، ~~ولأنها تحسن تدبير البيت وتهيئة المائدة، وتكفل له حياة مريحة يملؤها النعيم، ويضيق بها ~~لأنها ms036 تراقبه وتثقل عليه وتدخل فيما لا يعنيها من أمره. ثم هو يحدثنا عن نفسه، فهو في ~~السادسة والخمسين من عمره لم يشخ قلبه بعد، ولم يفتر جسمه عن المرح واللهو، ولكن آيات ~~ظاهرة تدل الناس على سنه وتحملهم على أن يراقبوا ويسخروا منه ويلوموه إن تجاوز الوقار. ~~وقد ماتت امرأته وتزوجت ابنته، وهو غني لا عمل له، وإذن فماذا يصنع بالحياة، وبم يستعين ~~على الحياة؟ بشيء من اللهو. وهو يلهو، ولكن الناس ينغصون عليه لهوه بهذا اللوم الذي ~~يلقونه به حينا، ويسرونه من دونه حينا آخر. وهو يحدثنا عن صاحبته، فهي فتاة في العشرين من ~~عمرها جميلة رائعة الجمال ذكية حادة الذكاء، قد اختلفت إلى المدرسة، ثم إلى معهد التمثيل، ~~وهي متقنة للتاريخ، وهي من هذه الطبقات الذكية القوية الفقيرة، التي تنبت في أحياء الفقراء ~~من باريس. وهو يحدثنا بهذا كله في شعر سهل حلو، لا يتكلف له لفظا مختارا، وإنما يرسل ~~لسانه على سجيته فيأتي باللفظ المنتقى وباللفظ المبتذل الشائع، وفي صوته حنان حزين كأنه ~~يتغنى غناء هادئا مريحا. ثم هو ينهض إلى النافذة فينظر إلى البحر ويطيل النظر. ثم هو ~~يلاحظ أن صاحبته قد أبطأت عليه، وأن سنها تبيح لها التأخر عما تضرب من المواعيد، وأن سنه ~~تفرض عليه الانتظار والانتظار دائما. ولكن صاحبته كلارا قد أقبلت، فهو يلقاها باسما، وهو ~~يدعوها إليه في لفظ ظريف رقيق تملؤه الدعابة ذات المعنى، فهو يذكر لها أن قلبها وفي دقيق ~~في الوفاء، ولكن ساعتها لا تأمن الاضطراب والاختلاط. # فإذا سألته الفتاة عما يصنع؛ أنبأها في شعر جميل بأنه ينظر إلى نفسه في مرآة البحر، ثم ~~مضى يصف البحر وصفا ظريفا حقا، ويشبهه ألوانا من التشبيه؛ منها الرائع، ومنها الذي ~~يضحك أو يثير الابتسام. وانظر إليه يشبه انتظام المد والجزر بانتظام الموظفين حين يذهبون ~~إلى الوزارات وينصرفون عنها. # وهو يمضي في هذا الشعر، ولكن الفتاة معرضة عنه لا تسمع له، فإذا سألها عن رأيها فيما ~~يقول طلبت إليه في سخرية أن ms037 ينبئها إذا فرغ من حديثه؛ فإن لديها شيئا ذا بال تريد أن تعرضه ~~عليه، وهو يستمهلها لحظة لأنه مفتون بهذا الموقف الشعري، يرى جمال البحر الرائع أمامه، ويرى ~~جمال صاحبته إلى جانبه، ويرى نفسه تواقة إلى أن تمتلئ بهذين الفنين من فنون الجمال، ثم يفرغ ~~للفتاة بعد حين، وإذا هي تنبئه بأن ابنته قد أقبلت إلى المدينة، وبأنها هي تخشى الفضيحة ~~وحديث الناس، وتريد أن تسافر مع الظهر. وهي تقدر شعور الأسرة وما يفرضه هذا الشعور على ~~صاحبها من التزام الحشمة والاحتفاظ بالوقار، وهي لا تحب لصاحبها أن يعق أسرته، أو يزدري ~~الواجب أو يخرج على التقاليد. ولكنه هو ثائر لا يقبل أن تكلفه الأسرة وتقاليدها ما لا ~~يحب، وهو مصر على أن يحتفظ بحب الفتاة ولقائها جهرة في هذه المدينة إن أقامت، وفي غير ~~هذه المدينة إن سافرت. # وهو سيدعو ابنته وسيعلن إليها ما صمم عليه لا يقبل في ذلك حوارا ولا جدالا، وهو يضرع ~~إلى الفتاة في ألا تهجره، ولا تنصرف عنه، ولا تتركه نهبا للوحدة القاسية. وقد انصرف عنها ~~لحظة فإذا الفتاة آسفة لأنها لم تبلغ ما كانت تريد. كانت تريد أن تقطع ما بينها وبين هذا ~~الرجل من سبب، ولكنه أثار في نفسها الرحمة؛ فرقت له، وبقيت معه، وعجزت عن إيذائه. وهذا ~~فتى شاب قد أقبل عليها، فلما رأته طلبت إليه أن يعود أدراجه، فليس له في حبها أمل، وهذا ~~الفتى يحبها ويعجبها، وهي تميل إليه، بل تفتن به. ولكن ماذا تصنع؟ وقلبها رحيم رقيق لا يريد ~~أن يؤذي هذا الشيخ، والفتى يلمح لها بالزواج فلا تحفل بتلميح ولا بتصريح؛ لأن لها قلبا ~~قد يحب الشباب، ولكنه يرحم الشيوخ. وهذا الشيخ يقبل فينصرف الفتى، ولكن الشيخ قد رابه ~~مكان هذا الشاب، فهو يسأل عنه الفتاة في خوف، والفتاة ترده إلى الأمن في حزم؛ لأنها تريد أن ~~يصدر وفاؤها عن اختيار، لا عن مراقبة، ولا عن قهر. ويطمئن الشيخ إلى هذا الحزم، ويمضي ~~الحديث بينه وبين صاحبته ms038 في الحب، والأسرة، يتكلف الشيخ الشجاعة والجرأة والقوة، وتضحك منه ~~الفتاة في شيء من العطف وتنصح له بألا يتخذ لغة الأبطال حين يتحدث عما سيكون بينه وبين ~~ابنته من حوار. وهذا الخادم قد أقبل ينبئ الشيخ بمقدم ابنته، فتنصرف عنه الفتاة، وقد أوصته ~~بالشجاعة والجلد، وهذه ابنته قد أقبلت عليه، فقبلته وقبلها، ثم أخذ يتحدث إليها عن أمره ~~في لهجة الحازم المصمم الذي لا يقبل مراجعة ولا جدالا. وكلما همت ابنته أن تتحدث اضطرها ~~إلى الصمت، ومضى في حديثه، حتى إذا استطاعت ابنته أن تقول شيئا أعلنت إليه أنها تشجعه ~~وتؤيده وتعجب به كل الإعجاب. هنا يدهش الشيخ لأنه لم يكن ينتظر من ابنته كل هذا، بل هو كان ~~ينتظر منها نقيض هذا. # ولكن ابنته تنبئه بأن حياتها وآراءها قد تغيرت منذ ثلاثة أشهر، فهي ضيقة بأسرة زوجها، ~~وهي ضيقة بزوجها نفسه، وهي ضيقة بهذه الحياة المنظمة المتشابهة المطردة التي لا خروج فيها ~~عن التقاليد ولا تجاوز فيها للمألوف. وهي تواقة إلى الحرية مشوقة إلى الهواء الطلق، وقد ~~أتيح لها منذ حين ما كانت ترغب فيه وتشتاق إليه، فقد عاد من أفريقيا الوسطى صديق لزوجها شاب ~~كان زميلا له في المدرسة، ثم فرقت بينهما الأيام. # عاد من أفريقيا الوسطى عودة الظافر المنتصر الذي جاهد حتى فاز، والذي كون لنفسه في ~~الأخلاق والحياة والتقاليد آراء لا يألفها الناس. وهو حلو الحديث، طريف الأنباء، خصب العقل، ~~واسع القلب، وهو يرى الحرية قوام الحياة ويبيح طلب اللذة والانتهاء إليها حين تشتهيها ~~النفس. وهي لم تقع في شركه بعد، ولكنها تحب حديثه وتمضي معه على أجنحة الخيال إلى آماد ~~لا تحد، وهي تستمد منه الدفاع عن أبيها حين تهاجمه أسرة زوجها، فهو يعلمها أن من القلوب ~~ما لا يبلغه الشيب، وأن اللهو مباح للإنسان ما وسعه اللهو، والشيخ يسمع من ابنته هذا الحديث ~~في هدوء ظاهر، واضطراب خفي، ولكنه عنيف، فإذا فرغت ابنته من حديثها، كان الحق قد استبان ~~للشيخ، وكان قد كون لنفسه ms039 رأيا لن ينصرف عنه، فهو لن يمضي في حبه لتلك الفتاة؛ لأن ما ~~يبيح لنفسه من الحرية التي قد لا ينكرها القانون يغري ابنته بحرية آثمة يأباها النظام. هو ~~في لهوه لا يخون أحدا، ولكنه يغري ابنته بخيانة زوجها. هو إذن ليس حرا؛ لأنه لم يخلق ~~وحيدا في الحياة، ولأنه ليس ملكا خالصا لنفسه من دون ابنته، ومن دون أسرته، ومن دون ~~الناس. هو إذن مضطر إلى أن يثوب إلى الرشد الاجتماعي، وإلى أن يضحي بحبه في سبيل ابنته، ~~وفي سبيل النظام الاجتماعي الذي لا يقوى الفرد على إنكاره والخروج عليه. أكانت ابنته صادقة ~~فيما ألقت إليه من حديث؟ أكانت ماكرة به، تريد أن تصور له الغي، وآثاره البشعة وأن ~~ترده إلى الرشد وصراطه المستقيم؟ من يدري؟ ولكن الشيخ أعلن إلى ابنته تضحيته لهذا الحب، ~~وهي تطلب الروية والأناة، فيأبى عليها، ويصرفها عن نفسه، ثم يدعو الفتاة التي كانت تنتظر ~~فينبئها محزونا صادق الحزن بانهزام الحب وانتصار العرف، وتهم الفتاة أن تقاوم مخلصة، ~~ولكنه يأبى عليها الحديث، ويصرفها في حنان، وقد وعدها أن يكتب إليها، وسألها أن تكتب إليه. ~~وهذه أخته التي رأيناها في أول الفصل قد أقبلت تهنئه برجوعه إلى الرشد، وهو يلقاها في غير ~~نشاط ويصرفها في غير عنف، فإذا خلا إلى نفسه تحدث إليها بهذا الشعر الجميل: # إني لأعرف على الساحل نهيرا حكيما، صافي الماء إلى أقصى غايات الصفاء، فإذا ~~نظرت فيه رأيت شابا قد ذوى شبابه وأدركه الذبول، ليس فرحا ولا مبتهجا، ولكنه ~~على ذلك راض مطمئن. # | ملهاة السعادة # وأظنك لا تكره أن تلهو بعض الشيء عن حياتنا هذه اليومية التي يستقبلنا صبحها بما يحزن، ~~ويلقانا مساؤها بما يسوء. ولا بأس من أن تقرأ الجهاد هذه المرة، فتجد فيه ما يسليك عن قصة ~~وزير التقاليد مع مدرسة أسيوط، ومتاعها اليسير الذي اشتراه وزعم أنه هدية، والذي أخذه وزعم ~~أنه حمل إليه. فمن الخير أن تألم لهذه المأساة الصغيرة الحقيرة، ولكن من الخير أن تسلو عن ~~هذه ms040 المأساة الصغيرة الحقيرة أيضا. وأنا متطوع يا سيدي بأن أسليك وأسلي وزير التقاليد نفسه ~~عما في هذه القصة مما يخجل، ويحزن، ويسوء. وأؤكد لوزير التقاليد أني دفعت إلى قراءة ~~هذه القصة لألتمس فيها التسلية عن قصته، وأني دفعت إلى الحديث عن هذه القصة لأسلي القراء ~~عن قصته، وأن شيئا من العطف عليه والرفق به، فهو خليق بالعطف والرفق، يدعوني إلى أن أسليه ~~هو عما قد تثير هذه القصة في نفسه من ألم وحسرة واستحياء. # وقصتي هذه خليقة أن تسلي وأن تلهي؛ فصاحبها لم يضعها إلا لهذا. أستغفر الله، بل هو وضعها ~~لهذا، ووضعها لما يناقض هذا كل المناقضة. وضعها للتسلية والتلهية، ووضعها كذلك للتأمل ~~والتفكير. ففي القصة عبث مضحك، وفي القصة فلسفة عميقة خالدة، وحسبك أنها تعرض عليك غرور ~~الحياة. والناس جميعا يعرفون غرور الحياة، ويؤمنون به، ولكنهم ينسونه أحيانا حين يملأ هذا ~~الغرور قلوبهم ونفوسهم، فليس عليهم بأس من أن يذكروه، وقد يستكشفونه أحيانا فتضيق به ~~صدورهم وتتأذى له نفوسهم، ولا بأس عليهم من أن يعزوا عن هذا الأذى وذلك الضيق، ومن أن ~~ينبهوا إلى أننا قد خلقنا لنغر وإلى أننا محتاجون إلى هذا الغرور لنتعزى به عن أثقال الحياة ~~ولنستعين به على احتمال هذه الأثقال، ولنستمد منه النشاط الخصب لكل عمل منتج مفيد. # وكاتبنا قد لاحظ هذا كله، وفكر فيه تفكيرا قويا حين وضع قصته هذه الجميلة الرائعة، ~~بل هو قد ذهب - كما سنرى - إلى أبعد من هذا، فود لو عنيت الدولة بتلهية الناس وتسليتهم ~~وشغلهم بالغرور عن أن يطيلوا التفكير في آلام الحياة وأثقالها، فإن ذلك بعض ما يجب على ~~الدولة لدافع الضرائب. وما دامت الدولة تكفل الأمن والعلم والسلم للمواطنين، فقد يكون من ~~الحق عليها أن تكفل لهم اللهو أيضا، وأن تحميهم من اليأس من هذا العدو المنكر الذي يأتيهم ~~من أنفسهم، كما تحميهم من غارة العدو الخارجي الذي يتربص بهم الدوائر ليغير على الوطن، ~~وليقتحم الحدود. وأنا أعلم أن هذا المذهب في السياسة قد لا ms041 يرضي وزير التقاليد؛ لأن فيه ~~شيئا من الدعابة، ووزير التقاليد صاحب جد، ولأن فيه شيئا من العبث، ووزير التقاليد لا يحب ~~العبث. أليس قد أغلق معهد التمثيل لأن فيه شيئا من الإسراف في أموال الدولة؟ فأموال الدولة ~~لا تجبى لتنفق في اللهو، ولكنها تجبى لتنفق في تأثيث بيوت الوزراء بما تحتاج إليه وما لا ~~تحتاج إليه من أكواب الشاي وموائد اللعب. ولكن وزير التقاليد يستطيع أن يقبل هذا المذهب ~~السياسي ما دام بعيدا عن الحكم، فأما حين يرقى إلى المنصب ويستقر فيه، فهو يستطيع أن يرفضه ~~رفضا وأن يعرض عنه إعراضا. # ولست أدري ما الذي يغريني بوزير التقاليد اليوم، وما الصلة بين هذا الحديث وبين وزير ~~التقاليد، ولكنها قصة تذكر بقصة، وعبث يدعو إلى التفكير في عبث، فلندع وزير التقاليد - وإن ~~كنا لا نحب أن ندع وزير التقاليد - ولنتحدث عن قصة هذا الكاتب الروسي العظيم. # ولا بد من أن تهيئ نفسك لقصة كثيرة الدوران والتعقيد، محتاجة إلى شيء غير قليل من الصبر ~~والأناة، فأنا سأبذل كل ما أملك من الجهد لتيسيرها، ولكنها رغم ذلك لن تكون يسيرة كهذه ~~القصص التي تعودت أن تسمع حديثي عنها. وحسبك أنها قصة روسية، وأن كاتبها متأثر بالكاتب ~~الإيطالي العظيم بيراندلو أو مؤثر فيه، فالنقاد يختلفون في ذلك اختلافا كثيرا. # نحن على كل حال في غرفة غريبة مظلمة مضيئة في وقت واحد. في غرفة من غرف الأسرار هذه التي ~~تملؤها الألغاز وتجري فيها أمور غير مألوفة. ولا غرابة في ذلك، فنحن في غرفة امرأة عرافة ~~تنبئ بالغيب، تقص ما كان، وتصف ما هو كائن، وتنبئنا بما سيكون. # وبين يدي هذه المرأة العرافة سيدة جميلة غنية ظاهرة الغنى، كثيرة الكلام، منطلقة ~~اللسان، لا تكاد تكف عن السؤال، ولكنها في الوقت نفسه لا تكاد تكف عن الشرح والتفسير، ~~والتعليق على ما تقوله. وهي قد جاءت تسأل العرافة عن أمرها وتستعين بها على أن تهتدي إلى ~~زوجها الذي خانها خيانة غريبة. فهو قد اتخذها له زوجا حين كانت ms042 فتاة فقيرة بائسة تعيش عند ~~خالة أو عمة لها وتلقى كثيرا من الألم والحرمان في حياتها. فلما اتخذها له زوجا أتاح لها ~~من النعيم ومنحها من الحب ما حبب إليها الحياة وسلاها عن كل ما وجدت من شقاء. # وقد ضمن لها السعادة عشر سنين، ثم ماتت خالتها أو عمتها وأصبحت هي غنية واسعة الغنى، وإذا ~~زوجها يتركها فجاءة دون أن يعدها لذلك أو ينبهها إليه؛ وهي تبحث عنه، وتلح في البحث، ~~ولكنها لا تهتدي إليه، وإنما تهتدي إلى أنه قد تزوج امرأة أخرى خرساء صماء، فمنحها حظا من ~~سعادة. ثم استخفى، وبحثت عنه الخرساء الصماء، فلم تهتد إليه، ولكنها اهتدت إلى أنه قد تزوج ~~امرأة ثالثة، كانت مومسا، ملحة في الغي، فاستنقذها من الإثم، ومنحها حظا من سعادة وحب، ~~ثم استخفى منها، فلم تقف له على أثر. وصاحبتنا هذه لم تيأس، ولم تكل، فهي ملحة في البحث ~~عنه، قد وكلت به من يلتمسه في كل مكان وفي كل بيئة، وجاءت تسأل عنه العرافة لأنها ~~تحبه أشد الحب، ولا تستطيع أن تسلوه ولا أن تتعزى عن هذه السعادة التي وجدتها في عشرته. ~~وهي لا تكتفي بسؤال العرافة عن أمر نفسها، ولكنها تسأل العرافة أيضا عن أمر كلبها هذا الذي ~~تصطحبه، والعرافة تعبث بها، وترثي لها، وتنبئها من أمر الكلب بما ترضى وما تكره. فإذا خرجت ~~هذه المرأة أقبل على العرافة رجل شيخ ضعيف مريض محزون يستعينها على ابنه الشاب الذي يطلب ~~العلم في الجامعة، والذي أفسدت أزمات الشباب عليه أمره، فهم أن يقتل نفسه، فلما حيل بينه ~~وبين ذلك مرة هم به مرة أخرى. والعرافة تعده بالنظر في ذلك والجد في شفاء ابنه من هذا ~~الداء العضال. ويخرج هذا الرجل وتدخل امرأة جميلة تصطنع الرقص في بعض ملاعب التمثيل، جاءت ~~تستعين بهذه المرأة على زوجها الشاب الذي لا يحبها ولا يحرص على عشرتها، وإنما هو يهملها ~~إهمالا، ويلهو عنها بكل من تعرض له من صاحبات العبث والمجون، والعرافة تعدها وتمنيها ~~وتشجعها ms043 وتؤكد لها أنها تعرف زوجها حق المعرفة ولا تشك في أنه ثائب إليها إذا عرفت كيف تثير ~~الغيرة في نفسه، ثم تتنبأ لها بأن حياتها ستتغير إذا كان المساء. فسيعرض عليها في الملعب ~~شيء ذو بال. فإذا خرجت هذه المرأة أقبلت امرأة أخرى متقدمة في السن، ومعها ابنتها وشاب آخر ~~لا نكاد نسمع حديثه حتى نعرف أنه طالب في الجامعة مفتون بعلم العلماء، ساخر من هذه العرافة ~~ومن سخفها، وحتى نعرفه فهو ابن ذلك الشيخ الذي تحدثنا عنه آنفا، وهو الشاب الذي هم أن ~~يقتل نفسه مرات. # أما الفتاة التي تصاحب هذه الشيخة، ففتاة بائسة قبيحة الشكل دميمة الصورة مريضة قد أصابها ~~السل، وهي تأبى أن تستشير الطبيب؛ لأنها يائسة من الحياة أشد اليأس. وهي اليوم تشكو ألما ~~في أسنانها، وقد زعمت لها أمها أن هذه العرافة تشفي من كل داء، فأقبلت تلتمس عندها شفاء مما ~~تجد. وهذه العرافة تنهض وتصطحب الفتاة لحظة ثم تعود، فتطلب إلى الفتى أن ينصرف، وتتحدث إلى ~~الشيخة حديثا نفهم منه أنها قد سلطت على الفتاة النوم المغناطيسي لتعرف سرها ولتتبين ~~مصدر هذا اليأس الذي يملأ قلبها، ويزهدها في الحياة. ثم تدعو الفتاة، فإذا أقبلت سألتها عما ~~تجد، فتعلن الفتاة أنها محزونة يائسة؛ لأنها قبيحة الشكل دميمة الصورة، تتمنى الحب، ولا تجد ~~إليه سبيلا. ومن ذا الذي يحب فتاة مثلها لها هذا الشكل البغيض. ثم توقظ العرافة هذه ~~الفتاة، وإذا هي قد برئت مما كانت تجد من ألم. فإذا انصرفت المرأة وابنها أقبل رجل آخر لا ~~يريد أن يسأل العرافة عن شيء، وإنما يريد أن يلقى طبيبا يقيم في هذا البيت، واسمه الدكتور ~~فريجولي، فلا يكاد يسأل العرافة عن هذا الطبيب حتى تلقي عن نفسها ثوبا وعن رأسها شعرا، ~~وإذا هي من دون ذلك رجل كان مستخفيا قد اتخذ زي المرأة، وهو الدكتور فريجولي نفسه. وصاحبه ~~الذي جاء سائلا عنه ودهش أشد الدهش، لم يكن يقدر أن الطبيب يتخذ زي المرأة ويحترف صناعة ~~العرافة ويعبث ms044 بعقول الناس ويأخذ أموالهم، ولكننا نفهم من هذا الحديث أن الطبيب ليس صاحب ~~لهو ولا عبث، وإنما هو رجل قد وقف جهوده على معونة الفقراء والبائسين، وهو يأخذ المال من ~~الأغنياء ولكنه يعين به الفقراء، وهو إنما ضرب لصاحبه هذا الموعد ليتحدث معه في بعض هذا ~~الشأن، وليتم معه اتفاقا غريبا له خطره وقيمته. # فهذا الرجل مدير ملعب من ملاعب التمثيل، وقد أقبل يتم مع الطبيب عقدا يبيح للطبيب أن ~~يأخذ من فرقته بعض الممثلين؛ ليستعين بهم على تمثيل قصة خاصة في ملعب خاص، على نحو غير ~~مألوف. وقد تم الاتفاق بين الرجلين وأمضى العقد ودفع الأجر في حديث ممتع لذيذ. # وقد خرج الرجلان ليذهبا إلى الملعب حيث الممثلون يتهيئون للتمثيل، وحيث يستطيع الطبيب أن ~~يختار من بينهم من يريد. # ويتغير المنظر، فإذا نحن في الملعب نشهد الممثلين وهم يجربون أنفسهم للتمثيل، وهم يعدون ~~قصة معروفة تصور الحياة الرومانية في عصر نيرون. وكم كنت أحب أن ألخص لك هذا الموضع من ~~القصة، فهو طريف حقا؛ لما فيه من تصوير حياة الممثلين إذا خلوا إلى أنفسهم وأخذوا يتهيئون ~~من وراء الستار للتمثيل أمام النظارة. ولكني مضطر إلى أن أهمل هذا القسم البديع من القصة ~~اجتنابا للإطالة، ولما تستتبعه من الشرح والتفسير. ولكننا نتبين بين هؤلاء الممثلين ثلاثة ~~أشخاص ممتازين، فأما أحدهم فشاب جميل وسيم له حظ عظيم من الرشاقة وخفة الروح، وهو يمثل في ~~القصة رجلا رومانيا جميلا خلابا، وهو زوج الراقصة التي أشرنا إليها في أول الحديث. ~~والشخص الثاني هو الراقصة نفسها، وهي فتاة جميلة خلابة تحب الفن وتخلص له. والشخص الثالث ~~رجل خفيف الروح غليظ الجسم محبب إلى النفوس، كان يمثل في القصة الرومانية مضحك نيرون. وقد ~~اختار الطبيب هؤلاء الأشخاص الثلاثة واتفق معهم على قصته الخاصة، وعرض على كل واحد منهم ~~دوره في هذه القصة وأرضاه فيما طلب من أجر. وهذه القصة الخاصة التي يريد الطبيب من هؤلاء ~~الأشخاص أن يمثلوها يسيرة جدا. فهي ستمثل في غير ملعب ms045 ، وهي ستمثل بغير قصة مكتوبة. هي ~~قطعة من الحياة اليومية سيمثلها هؤلاء الناس ليعينوا بها قوما بائسين على احتمال البؤس، ~~وينقذوا بها قوما أشقياء مما يجدون من شقاء. # فأنت قد رأيت في أول الفصل هذه الفتاة البائسة اليائسة التي تؤثر الموت؛ لأنها دميمة لا ~~تجد سبيلا إلى الحب، ورأيت هذا الفتى الذي هم أن يقتل نفسه مرتين، ورأيت هذا الشيخ ~~البائس المريض المشفق على ابنه من الموت، فلا بد من أن يتعزى هؤلاء الأشخاص الثلاثة، ~~وعزاؤهم هو قصة هؤلاء الممثلين. فأما الممثل الجميل فيجب أن يتكلف حب الفتاة الدميمة حتى ~~يرد إلى قلبها الأمل وإلى جسمها الصحة. وأما الراقصة الجميلة، فيجب أن تتراءى لهذا الفتى ~~اليائس وتتلطف له وتظهر له حبا وكلفا، حتى ترد إلى نفسه الرجاء والإيمان بالحياة. وأما ~~مضحك نيرون فيجب أن يتكلف صداقة الشيخ المريض حتى يعينه على احتمال مرضه وفقره، ويجب أن ~~ينهض مع ذلك بتلهية القوم جميعا. ومن أجل هذا كله ستصبح الراقصة خادما عند تلك الشيخة، ~~وسيصبح الفتى موظفا في بعض الشركات يستأجر غرفة من الغرفات عند هذه الشيخة أيضا، وسيصبح ~~المضحك طبيبا من أطباء الجيش قد أحيل إلى المعاش. أما الدكتور فريجولي نفسه فسيتغير اسمه ~~مرة أخرى، فيصبح تاجرا لأسطوانات الفنوغراف يسمى شميدت. # ثم يرفع الستار بعد شهر من هذا التدبير، وإذا نحن في الفصل الثاني من فصول هذه القصة ~~نشهد الممثلين وهم يعملون. فأما الفتاة الراقصة فهي خادم تغسل الأرض، وقد وقف الفتى الذي ~~كان بائسا منها غير بعيد ينظر إليها، وينظر في كتاب من كتب الفقه الروماني يتحدث إليها ~~ويتكلف القراءة في الكتاب، والفتاة رفيقة به مغرية له شفيقة عليه، وهو من غير شك مشغوف بها، ~~يحبها أشد الحب، ويريد أن يعرب لها عن ذلك، ولكنه لا يجد الجرأة على هذا الإعراب. وأما ~~الفتاة التي كانت مريضة يائسة منذ شهر، فقد عاد إليها شيء من الصحة، وكثير من النشاط، وأخذت ~~تحب الحياة وتتزين لها، فأصلحت من زيها ومن شكلها؛ لأنها أخذت ms046 تحس أن الممثل الجميل يظهر ~~ميلا إليها، وعناية بها. ولم لا؟ إنه يتعلم عليها الكتابة على الآلة الكاتبة. وانظر إليه ~~وقد أقبل يتلقى درسه فإذا هو يداعب الفتاة ويلاطفها، ثم ينتهي به الأمر إلى أن يعلن إليها ~~حبه، وإذا الفتاة قد ردت إليها الحياة، وانفتحت لها أبواب الأمل على مصاريعها، وهي ~~مجنونة أو كالمجنونة مرحا وفرحا، تضحك وتبكي في وقت واحد. # وأما الشيخ الذي كان مريضا منذ شهر مشفقا على ابنه متألما لفقره، فقد عاد إليه شيء من ~~صحة ونشاط أيضا، أليس المضحك قد أصبح له رفيقا يذهب معه إلى الكنيسة ويلعب معه الشطرنج، ~~ويسليه ويسلي غيره من أهل البيت عن آلام الحياة؟ كلهم راض وكلهم مبتهج، إلا امرأة تقيم في ~~البيت وتعمل في بعض المدارس قد أحبت العلم، وآمنت به، واستسلمت له، فجفف عقلها تجفيفا، ~~وملأ قلبها قسوة وجدا، فهي تنكر ما ترى، وتأنف من هذا العبث الذي تراه بين هؤلاء الناس، ~~ومن هذا الحب الآثم الذي تحس نشأته بين هؤلاء الشبان. وإن كانت هي في حقيقة الأمر تكذب ~~نفسها بعض الشيء؛ فهي تحب هذا المضحك وتخفي هذا الحب، حتى على نفسها. وهي تتكلف المرض ~~لتستشير هذا المضحك الذي ينتحل الطب، والمضحك لا يكره هذا الحب لأنه ينتظر من ورائه ~~مالا. # وقد جاء وقت الغداء واجتمع القوم إلى طعامهم وهم يعبثون ويمضون في تمثيلهم هذا على أحسن ~~وجه، لا يحس أحد أن في الأمر مكرا مدبرا، إلا أن الممثلين أنفسهم يعرفون ما يأتون، ~~ويجدون في إتقان التمثيل. وهذه المعلمة تنكر تكلف ذلك العبث، كما تنكر تكلف الأدب، وكما ~~تنكر التكلف كله. وهنا يصطدم الجد والهزل ويصطدم الصدق والكذب، وتصطدم الصراحة والمصانعة، ~~وتتبين الحقيقة واضحة جلية مؤلمة؛ لأننا لا نريد أن نعترف بها. فهذه المعلمة تريد أن يعود ~~الناس إلى طبيعتهم، وأن يطرحوا التكلف والرياء، وهؤلاء الناس يبينون لها أن التكلف والرياء ~~أصل من أصول الحياة المنظمة وأساس من أسس الحضارة التي لا تستقيم بدونها، فإذا أنكرت عليهم ~~ذلك أظهروا ms047 الرجوع إلى الطبيعة، فملئوا قلبها خوفا ورعبا واضطروها إلى الفرار. أما هذا ~~فيأكل بملء يديه، وأما هذا فيتجشأ في غير احتياط، وأما هذا فيتجرد من ثيابه، والمعلمة ترى ~~فتنكر ثم تفزع ثم تولي منهم فرارا. وإذن فلا حياة بين الجماعات إلا إذا قامت على التكلف، ~~ولا حضارة إلا إذا قامت على الرياء. والخير أن يتخذ الرياء الذي لا بد منه وسيلة إلى ~~السعادة وسببا إلى الأمل والرجاء. ~~••• # ثم يرفع الستار بعد ستة أشهر، وقد أشرفت هذه القصة الغريبة القريبة على آخرها، فلا بد ~~لكل قصة من آخر. وهذا اليوم الذي نحن فيه هو الذي سيشهد انتهاء التمثيل. ولا بد من أن ~~ينتهي التمثيل انتهاء حسنا، والقوم مبتهجون مضطربون يتهيئون لعيد من أعياد الكرنفال سيكون ~~فيه عبث كثير وسيكون فيه تنكر وتغيير للأزياء. وهم يعدون ثياب الكرنفال، كل قد اختار ~~الزي الذي يرضيه والشكل الذي يلائمه، وإنما يعنينا من هذه الأزياء والأشكال زيان اثنان؛ ~~أحدهما هذا الزي الذي اختاروه للمرأة المعلمة، وهو زي يمثل الموت، وهم يقدرون أنها سترفض ~~اتخاذ هذا الزي، بل سترفض اتخاذ أي زي آخر. والثاني زي الدكتور فريجولي، فهو قد اتفق معهم ~~على أنه سيتخذ زي شخص من أشخاص اللهو، ولكنه اتفق سرا مع الممثل الجميل على أنه سيرى في ~~بعض الوقت مقدم راهب من الرهبان؛ ذلك أن هذا الممثل الجميل يشتغل بحرفة أخرى يكتمها، فهو ~~جاسوس، وهو يبحث لأولئك النسوة الثلاث اللاتي أشرت إليهن في أول القصة عن هذا الرجل الذي ~~خدعهن وتزوج بهن جميعا. وقد وعدته العرافة بأن تدله على هذا الرجل، وقد أنبأته بأن هذا ~~الرجل سيشهد العيد معهم اليوم في زي راهب. فما عليه إلا أن يدعو هؤلاء النسوة ليستكشفنه ~~وليظفرن به وليدفعنه إلى موقف القضاء. # ونحن نفهم مما نسمع من أحاديث القوم أن أعضاء الفرقة التمثيلية سيحضرون جميعا متنكرين ~~ليشهدوا هذا العيد، وأهل البيت يعلمون حق العلم أن القصة تنتهي اليوم. فأما الممثل الجميل ~~فقد أنبأ الفتاة التي كانت بائسة بأنه يحبها ms048 حقا، ولكنه متزوج وامرأته مريضة فلا بد له ~~من أن يسعى إليها. وأما الراقصة فقد أنبأت الفتى الذي كان بائسا بأنها مضطرة إلى أن تعود ~~إلى أهلها في الريف، وإن كانت تجد في هذه العودة ألما شديدا لأنها تحبه حقا، وقد رضيت ~~الفتاة عن سفر صاحبها، فهي تحبه ولكنها لا تريد أن تدفعه إلى القسوة والإثم. والحب الصادق ~~لا يدفع إلى قسوة ولا إثم، وحسبها أنها ظفرت منه بهذه السعادة التي ردت إليها الأمل ~~والحياة، والفتى راض عن صاحبته، وإن كان يحزنه هذا السفر؛ فهو يحبها ولكنه لا يستطيع أن ~~يفرق بينها وبين أهلها. فالحب الصادق لا يحتمل القسوة ولا الجحود، وحسبه منها أنها أسعدته ~~وردت إليه الأمل والحياة. وهذه المعلمة قد أقبلت وهم يتحدثون إليها عن زيها، فتعلن كما ~~كان مقدرا أنها لن تشترك في هذا العبث، وليس في الأرض قوة تستطيع أن تكرهها على ما لا ~~تريد. ولكن صاحبها المضحك قد تبعها إلى غرفتها وخرج يعلن إلى أصحابه أنها قد رضيت أن تشترك ~~معهم في لهوهم، وقبلت أن تتخذ زي الموت. والحب من غير شك هو الذي استطاع أن يردها إلى قبول ~~ما كانت ترفضه منذ حين. # ولكن انظر هذا الدكتور فريجولي قد خلا لحظة إلى المضحك، وإذا هو يعلم منه أنه قد خدع ~~المعلمة وخيل إليها أنه يهواها فانخدعت له وصدقته، وأنه قد انتهى إلى ما كان يريد، ~~فستمنحه مقدارا ضخما من المال يستعين به على إنشاء ملعب خاص له. ولا يكاد الدكتور يسمع ~~منه هذا حتى ينكره أشد الإنكار، ويشفق على هذه المرأة من هذا الكذب والتضليل، ومن هذا ~~الخداع الذي اتخذ وسيلة إلى الشر. وهو يحاور صاحبه ويريد أن يصرفه عن ذلك فصاحبه يأبى ~~عليه. والخصام بينهما شديد قد انتهى إلى الفرقة، وهذا المضحك يعلن إلى الطبيب أنه سيفضح ~~الأمر كله، وسيعلن أن القصة من أولها إلى آخرها كيد متكلف لا أصل له، فليس هناك حب ولا شيء ~~يشبه الحب، وكل هذه الأسماء، وكل هذه ms049 الأعمال قد اخترعت اختراعا ودبرت تدبيرا. ويلح ~~الطبيب على صاحبه ألا يفعل فلا يسمع له، فيدعه وما يريد بعد أن يعلن إليه أن أحدا لن يصدقه ~~ولن يطمئن إلى ما يقول. وهما في هذا الحوار، وإذا باب المعلمة قد فتح ووقفت المعلمة من ~~دونه تسمع لهما دون أن يشعرا بها، ثم يغلق الباب وقد فهمنا نحن ولم يفهما أن المعلمة قد ~~عرفت كل شيء، وعرفت بنوع خاص أن صاحبها قد كان كاذبا فيما زعم لها من حب. وقد افترق ~~الرجلان؛ فأما المضحك فذهب ينبه أهل البيت جميعا إلى أن القصة كلها كيد وخداع، ولكن أحدا ~~لا يسمع له، ولا يحفل به، وإنما هم جميعا يسخرون منه، ومنهم من يتجاوز السخرية إلى البغض ~~وإلى النذير. ويعود الرجل مستيئسا، ولكنه ينظر فيرى شبح الموت، فيتحدث إليه يظن أنه ~~المعلمة، ولكنه ينظر فلا يرى شيئا، فيرتاع لذلك ويستغيث، فإذا أسرع إليه أهل البيت دخلوا ~~معه غرفة المعلمة فوجدوها ميتة. وبينما هم جميعا مرتاعون لما يرون مشغولون به، يقبل ~~النساء الثلاث يلتمسن الراهب فيجدنه، فإذا كشف لهن عن وجهه عرفنه، وهذه زوجته الغنية ~~تعنفه وتريد أن تقوده إلى القضاء، ولكن هذه زوجته التي كانت مومسا فاستنقذها من الإثم ~~تحبه وتدافع عنه، وتقوم دونه وتراه قديسا، وتتحدث إليه بنفس اللهجة التي كانت تتحدث بها ~~الخاطئات إلى المسيح. وزوجه الخرساء الصماء مضطربة بين المرأتين، ثم منتهية إلى الرضى ~~والصفح، والغنية تحس الخذلان من صاحبتيها فتنصرف معهما راضية أو كالراضية. بل راضية، أليست ~~مستعدة لأن تدفع إلى الجاسوس أجره، وإن لم يصنع شيئا؟ وهذا الجاسوس قد أقبل وأراد أن يأخذ ~~الراهب ليقدمه إلى القضاء، ولكن الراهب قد ألقى عن نفسه ثياب الرهبان، فإذا هو يظهر في ~~زيه الذي تم عليه الاتفاق، وإذا هو يعرف نفسه إلى صاحبه، فهو الطبيب، وهو العرافة، وهو ~~الزوج الخائن، وهو الراهب. هو كل هؤلاء الأشخاص، وهو يدفع إلى الجاسوس ما كان ينتظر من أجر. ~~وهذا شخص آخر يقبل راضيا، فالمعلمة لم تمت ms050 وإنما همت أن تذوق الموت حين عرفت خيانة ~~صاحبها فردت إلى الحياة. وهؤلاء قوم كثيرون يقبلون متنكرين في أزياء مختلفة، وهم أعضاء ~~الفرقة التمثيلية الذين اختار الطبيب من بينهم أشخاصه الثلاثة الممثلين. فقد تمت القصة ولا ~~بد من أن تعرف لها خاتمة. وهم يتساءلون فيما بينهم عن هذه الخاتمة كيف تكون أو كيف ~~يقدر النظارة أنها ستكون. وهم يقترحون حلولا لهذه العقد، فمن يدري لو استمرت القصة، لعل ~~الراقصة كانت تحب صاحبها البائس حبا صحيحا وترغب في فراق زوجها، ولعل زوجها كان يحب ~~صاحبته حبا صحيحا ويرغب في فراق امرأته. ولكن الطبيب يريد أن يريح جمهور النظارة من هذا ~~التفكير الطويل، وأن يظهر لهم حقيقة الأمر. وحقيقة الأمر سهلة جدا، فكل هؤلاء الذين تراهم ~~على المسرح ممثلون من أولهم إلى آخرهم. الطبيب ممثل، والشيخة ممثلة، والفتاة البائسة والفتى ~~البائس والشيخ المريض والمعلمة؛ كلهم ممثلون، ولكنهم أرادوا أن يمثلوا الحياة وأن يمثلوا ~~التمثيل نفسه، فوفقوا من ذلك إلى ما رأيت. وهم جميعا يعلنون الحق ويعترفون به، وينبئونك ~~أنت وينبؤنني أنا بأنهم لم يكن فيهم خادع ولا مخدوع، وإنما كانوا جميعا خادعين، يخدعونك ~~أنت ويخدعونني أنا، ويخدعون غيرك وغيري من هؤلاء النظارة الذين يملئون دار التمثيل. وهم ~~يريدون أن يعزوك ويعزوني ويعزوا النظارة جميعا عن هذا الخداع، فيفرحون ويمرحون ويرسلون ~~نيران الفرح والمرح. وتنتهي القصة التمثيلية في هذا الابتهاج العام: ممثلون قد أتقنوا ~~التمثيل حتى خدعوك وغروك وهم مبتهجون بهذا الإتقان، ونظارة قد أحسنوا الاستماع، وأحسنوا ~~الانخداع، وأحسنوا التأثر بالتمثيل، وهم مبتهجون لهذه الحقيقة التي تتجلى لهم، بعد أن خفيت ~~عليهم وغرتهم عن أنفسهم غرورا. # أرأيت إلى هذا الفن الطريف في التمثيل؟ فاعلم إذن أن بيراندلو قد أتقنه وبرع فيه ووضع فيه ~~قصصا ثلاثا، هي حديث النظارة والنقاد في هذه الأعوام الأخيرة، وأنا أرجو أن أتحدث إليك ~~عنها أو عن بعضها في يوم من الأيام. # | كارل وأنا # للكاتب الألماني ليونارد فرانك # يجب أن تكون قلوب الناس قد صيغت من الصخر أو من ms051 الحديد، أو يجب أن تكون ذاكرة الناس أضعف ~~وأوهى من أن تذكر شيئا أو تستبقي شيئا، أو يجب أن تكون شهوات الناس ومنافعهم العاجلة أقوى ~~وأعظم سلطانا على النفوس من أن تحفل بالأهوال أو تتعظ بالخطوب، أو يجب أن يكون الإنسان ~~إنسانا ليقدم اليوم على ما لقي منه أمس الشر كل الشر، وليستأنف غدا ما يجني منه اليوم ~~أخبث الثمر وأمره وأشده إفسادا للحياة. # فهؤلاء الأوروبيون يتحدثون عن الحرب حديث المنتظر لها المتوقع لمقدمها، ومنهم من يهيئ لها ~~تهيئة ويدبرها تدبيرا. ولو قد أقبلت الحرب لرأيتهم ينفرون إليها خفافا ويقدمون عليها ~~سراعا، كأنها لم تعذبهم أثقل العذاب، ولم تبلهم بأعظم المحن التي عرفها الإنسان منذ بضع ~~عشرة سنة. ومع ذلك فهم كانوا وما يزالون يذكرون سيئات الحرب الكبرى ويصورون في آدابهم ~~وفنونهم وعلى ملاعبهم ومسارحهم روعها وهولها وطائفة من آثارها التي تسجل قسوة الناس على ~~الناس، وتسجل عجز الحضارة الحديثة عن أن ترقى بالإنسان إلى مثله الأعلى الذي هو السلم ~~والأمن. # وهذه القصة التي ألخصها لك اليوم في إيجاز صورة من هذه الصور المنكرة التي استحدثتها ~~الحرب الأخيرة، والتي عرضت على الأوروبيين فزعموا أنها أثرت في نفوسهم أعظم تأثير وأبلغه. # 1 # والنقاد يحدثوننا بأن هذه القصة عرضت في سبعين ملعبا من الملاعب الألمانية في وقت واحد، ~~وبأنها قد عرضت قبل ذلك في السينما، وهي بعد هذا كله قد ترجمت إلى لغات مختلفة ومثلت في ~~ملاعب أجنبية مختلفة، منها ملاعب باريس، وظفرت بإعجاب النظارة في هذه البلاد كلها، واستأثرت ~~بثناء النقاد في هذه البلاد كلها أيضا، وهي مع ذلك لم تعظ أحدا، ولم تصرف عن الحرب ~~أحدا من القادرين على أن يشبوا أو يخمدوا نار الحرب. فلنسلم راضين أو كارهين بأن طبيعة ~~الإنسان أقوى من الحضارة، وبأن منافع الإنسان أقوى من مثله الأعلى، وبأن غرائز الإنسان أقوى ~~من فنه وأدبه. ولننتظر راضين أو كارهين أن تشرق على الإنسان غدا أو بعد غد في هذا القرن أو ~~في القرن الذي يليه، شمس ms052 ذلك اليوم الذي يسمع الناس فيه القول فيتبعون أحسنه، ويرى الناس ~~فيه الشر فيجتنبونه، ويرون فيه الخير فيسعون إليه. # أما الآن فلنكتف من إكبار الفن بحبنا له وإعجابنا به والتوسل إلى الله في أن يهيئ له ~~الفوز والاستئثار بالنفوس. # وهذه القصة التي أريد أن ألخصها اليوم تصور طائفة من آثار الحرب لا غلو فيها ولا ~~مبالغة، وإنما هي أمور شهدها الناس في بلاد المحاربين، وسمعوا الحديث عنها وقرءوا ما كان ~~يكتب فيها. ولعلهم رأوا بأنفسهم بعض ما أثارت من هذه الخصومات المنكرة التي لم تمح ~~آثارها بعد. والكاتب متأثر في هذه القصة بكاتبين أجنبيين قد بعد أثرهما في كتاب هذا العصر ~~الذي نعيش فيه؛ أحدهما الكاتب الإيطالي العظيم بيراندلو، والآخر الفيلسوف النمسوي ~~فرود. # ولست أريد أن أطيل عليك في تفصيل الأثر الذي تركه هذان الكاتبان في هذه القصة، وإنما ~~الخير أن يدلك التلخيص نفسه على هذا الأثر دون أن أضيع وقتك ووقتي في الشرح ~~والتعليل. ~~••• # نحن أمام سجن من هذه السجون التي كانت تتخذ في البلاد المحاربة لاعتقال الأسرى، وهذا ~~السجن في روسيا بين أوروبا وآسيا كما يقول الكاتب في بعض أجزاء القصة. # ونحن نشهد في حجرة من حجر هذا السجن أسيرين ألمانيين؛ أحدهما ريشار؛ وهو أكبرهما سنا، ~~والآخر كارل؛ وهو أدناهما إلى الشباب. ونحن نرى ريشار مريضا يألم أشد الألم؛ لأن ساقه ~~تؤذيه، وهي متورمة، وتورمها يزداد من حين إلى حين. وهو يشفق على حياته من هذا المرض، وهو ~~يتمنى أن يعنى به الجراحون قبل أن ينتهي به الداء إلى طور لا ينفع فيه الجراحة. ولكنه لا ~~يدري كيف يسعى إلى ذلك أو يبلغه، فحياة الأسرى لا تسمح بالمرض ولا بذكره ولا بالشكوى منه ~~ولا بالتماس العلاج له، وليس من سبيل إلى إبلاغ أمر هذا المرض إلى الطبيب ولا إلى من هو دون ~~الطبيب. فرقيب هذا السجن رجل منكر خبيث شرير، والشكوى في هذا السجن ذنب يعاقب عليه بالموت. ~~ألم ينفذ حكم الموت في نيف وستين من الأسرى مرة ms053 واحدة لأنهم تأخروا قليلا عن الاستجابة ~~لدعاء الليل؟ وهؤلاء الأسرى مع هذا كله لا يتعظون ولا يعتبرون. وهم يشكون من سوء حالهم ~~يكتبون شكواهم في ورقة ويقترعون بينهم على أيهم يعلق هذه الورقة بحيث يراها مدير السجن. ~~وهم يعلمون أن من ستقع عليه القرعة ميت لا محالة إن أخذ وهو يعلق ورقته أو استكشف بعد ~~ذلك. ولكنهم مع ذلك يتمون أمرهم ويجمعون على أن لا بأس بأن يذهب واحد في سبيل الجماعة، ~~وإن كانوا يخافون أن الروسيين ربما أماتوا الجماعة في سبيل واحد. # حياة هؤلاء الأسرى شر كلها، وشر لا يكاد يحتمله الإنسان؛ غذاؤهم رديء، وعيشتهم كلها ~~ألم وأذى، وهم يحتملون راضين أو كارهين، وهم يتعزون عن هذه الآلام التي لا توصف كما ~~يستطيعون. أما هذان الأسيران اللذان نراهما، فليس لهما عزاء إلا المودة والحديث. وأي حديث ~~هو حديث امرأة غائبة، ولكنها على ذلك شاهدة تملأ نفسيهما وتملك قلبيهما وتستأثر بعقليهما ~~استئثارا، وهي «آنا» زوج ريشار. وماذا تريد أن يصنع هذا الأسيران اللذان قضي عليهما ~~بالإسار منذ ثلاثة أعوام، منذ أول الحرب، وأنفقا أكثر هذا الوقت وحيدين يعملان معا في ~~احتفار الخنادق في بعض الفضاء الروسي؟ هما مضطران إلى الحديث، وإلى أن يعيدا الحديث ويبدآه. ~~وفيم يتحدثان؟ أحدهما وحيد في الأرض، كان وحيدا قبل الحرب وهو وحيد بعد الإسار، ليس له إلا ~~صديقه هذا، والآخر وهو ريشار له امرأته التي أحبها أشد الحب، ثم اختطفته الحرب من بين ~~ذراعيها، ولما يطل عهده بها. فهو يتحدث بحبه، وهو يتحدث بشوقه، وهو يتحدث بحرمانه، وهو يقص ~~على صاحبه تفصيل حياته قبل أن يتزوج وبعد أن يتزوج، وهو يقص عليه تفصيل حياة امرأته قبل ~~الزواج وبعد الزواج. وهو يحدثه بدقائق هذا كله وهو يصف له بيته المتواضع في برلين، ويصف له ~~مكان الأشياء في غرفته المتواضعة التي تجمع بين نومه واستقباله وطعامه وكل ما يحتاج إليه ~~الزوجان. وهو ينبئه بمكان هذا الكرسي وبلون هذا الفراش وبوضع هذه المائدة وبهذا الصفير الذي ~~يحدثه الغاز ms054 إذا أشعلت النار فيه. وهو يحدثه بكل شيء يمكن أو لا يمكن أن يكون موضوعا ~~للحديث. # وهذا الحديث لا يتصل يوما ولا أياما ولا شهرا ولا أشهرا، وإنما يتصل ثلاثة أعوام ~~كاملة. فأي غرابة في أن يعرف الفتى من أمر صاحبه كل شيء؟ بل أي غرابة في أن تمتزج حياة ~~الفتى بحياة صاحبه، وأن يحس مثل ما يحس، ويجد مثل ما يجد، ويفكر في «آنا» كما يفكر ~~فيها صاحبه، وينتهي إلى حب «آنا» كما يحبها صاحبه؟ ويشتد به هذا الحب حتى ينتهي إلى ~~أقصاه، بل حتى ينتهي إلى ما ينتهي إليه الحب عادة من هذه الغيرة العنيفة من الزوج نفسه، بل ~~ينتهي إلى هذه الجرأة التي لا تتصور إلا في حياة الأسرى الذين استيأسوا من الحرية أو كادوا ~~يستيئسون، والذين طالت بهم العزلة حتى أشرفت بهم على الجنون أو ما يشبه الجنون. كلاهما ~~يتمنى محضر هذه المرأة، وكلاهما يتعلق بهذه الأمنية، وكلاهما يجسم هذه الأمنية تجسيما ثم ~~يمضي بعد ذلك إلى أبعد ما يدفعه إليه الخيال. وهذا الفتى يسأل صديقه الزوج لو أن امرأته ~~حضرت، أفيأذن له في ... ثم يتردد، ثم يلمح، وهذا الزوج لا يضيق أول الأمر بهذا السؤال، ~~ولا يبخل بالإذن على ألا يتكرر، فإن تكرر فمن ورائه الموت. # قلت لك إن العزلة قد انتهت بهما إلى الجنون، ولكنها قد انتهت بالفتى على كل حال إلى طور ~~من هذه الأطوار التي يصورها بيراندلو أقوى تصوير وأروعه. فهو لا يحب «أنا»، ولكنه يراها، ~~وهو يحقق مكانها وما تأتي من الحركات. وهو يتحدث بأنه يراها الآن في شارع من شوارع برلين ~~قائمة تنتظر تحت الأشجار. وهو يرى ثوبها ويفصله ويحقق لونه وصورته. وهو يتحدث إلى صديقه من ~~أمره ومن أمر زوجه بما جهله أو نسيه هذا الصديق. وهو يقص على صديقه حلما رأى فيه «آنا»، ~~وهو يصف له ما رأى في البيت حين زاره، ويصف له وضع الأشياء في هذا البيت كما يعرفها؛ قد ~~انتهى به الحب وانتهى به طول ms055 ما سمع وطول ما فكر وطول ما استحضر من الصور، إلى شيء يشبه ~~الكشف الذي يتحدث عنه أصحاب التصوف. # وهما في هذا كله وإذا الرقيب أو المفتش يقبل ساخطا صاخبا يسبق الشر مقدمه، فإذا دخل دخل ~~معه مكر سيئ وحقد لا حد له. وهو يهين هذين الرجلين أبشع الإهانة وينذرهما أقبح النذير؛ ~~فأما الفتى فصابر مالك نفسه، وأما الآخر فمغتاظ محفظ يريد أن يخرج عن طوره ولكنه يكظم غيظه ~~في مشقة. ولا يكاد المفتش ينحني على أحد الأسرة ليتبين نظافته حتى يثب ريشار إلى أداة ~~حادة يريد أن يهوي بها على المفتش ليقتله، ولكن صديقه ينزع الأداة من يده انتزاعا ويرده ~~عما أراد ردا سريعا فيه عنف، فيسقط مغشيا عليه لأن ساقه المريضة قد مست في عنف. ~~ويلتفت المفتش فيرى الفتى قائما وفي يده الأداة الحادة، فيدعو بالحرس ليأخذوه وقد وثق أنه ~~كان يريد قتله، وهو ينذره بالموت وبالعذاب قبل الموت. ولكن الفتى قد استطاع أن يفلت من ~~الحرس وأن يمضي أمامه كالسهم، ونحن نسمع طلق الرصاص ولكن الستار يلقى دون أن نعرف ~~شيئا. # فإذا كان الفصل الثاني، فنحن في برلين بعد سنة كاملة من هذه القصة التي سمعت خلاصتها. ~~ونحن في بيت ريشار نرى زوجه «آنا» تتحدث إلى صديقتها ماري حديثا عاديا أول الأمر؛ حديث ~~البؤس والضنك وما انتهى إليه أمر الألمان من الإعدام بتأثير الحرب، حتى أصبحوا لا يجدون ~~الخبز كلما طلبوا وإنما يوزع عليهم توزيعا؛ توزعه عليهم الحكومة على أن يدفعوا ثمنه. وهذه ~~الفتاة تتحدث عن هذا في غير تكلف ولا شكوى، فهو شيء مألوف. ولكن الحديث لا يلبث أن يأخذ ~~شكلا آخر حادا خطيرا ملؤه الشر والنكر، فأخت هذه الفتاة قد خانت زوجها مضطرة إلى ~~الخيانة: زوجها في ميدان القتال قد طالت غيبته، وعجزت هي عن أن تجد ما تنفق، ثم أتيح لها ~~رجل أعانها وأعان بقية أسرتها على الحياة. وقد عاشت مقاومة نقية حينا، ولكن الضرورة ~~والحاجة الملحة والجوار المتصل في غرفة واحدة إذا كان ms056 الليل وإذا كان النهار؛ كل ذلك قد ~~انتهى إلى غايته المحتومة. وهذه المرأة قد أصبحت أما، ولكن زوجها قد أرسل ينبئ بأنه قادم ~~في إجازة عسكرية. وهو قادم اليوم والفتاة خائفة على أختها وعلى نفسها أيضا، ولها في ذلك ~~فلسفة تصور حياة هذه الطبقات الفقيرة البائسة في ذلك الوقت تصويرا دقيقا، فلا بد من أن ~~يعقل الرجال ومن أن يلتمسوا المعاذير لنسائهم البائسات، أو من أن يقبلوا هذه المعاذير على ~~أقل تقدير. ومنهم من يلتمسها، ومنهم من يقبلها، ولكن منهم مع ذلك من لا يستطيع أن يرضى هذه ~~الكوارث أو يطمئن إليها، وإنما تأخذه غيرة تنتهي به إلى أن يقتل نفسه أو إلى أن يقتل غيره. ~~والفتاة تشفق من هذا كله وصديقتها آنا تهدئها جاهدة، وإن كانت فيما بينها وبين نفسها تعذر ~~الرجال؛ فهم يلقون في الميدان ما يلقون من الشر ويحتملون ما يحتملون من الجهد، ومن حقهم إذا ~~عادوا إلى دورهم أن يستمتعوا بحياة نقية هادئة فيها خفض ولين. ولكن النساء البائسات ماذا ~~يصنعن وكيف يعشن وما ذنبهن إذا اضطرتهن الحياة إلى ما لا يحببن ولا يردن؟ على أن هذه ~~الصديقة العاقلة الرشيدة تتمنى أن تنقضي هذه القصة في أقل ما يمكن من الشر. وهي تريد أن ~~تعين تلك المرأة البائسة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، فهي تطلب إلى ماري أن ترسلها إليها ~~لتقيم معها ساعات، حتى إذا أقبل زوجها لم يلقها وحدها. فلعل محضرها أن يخفف الصدمة بين هذين ~~الزوجين. # وقد خرجت ماري وخلت آنا إلى طعامها تهيئه، ولكنها لم تكد تخلو حتى يطرق الباب. ولا تكاد ~~تأذن حتى يدخل عليها فتى لا تعرفه، ولكنه يدعوها باسمها ويتحدث إليها حديث الزوج المحب. وقد ~~عرفناه نحن، فهو كارل، وقد نجا إذن في هربه وقضى عامه متنقلا من مكان إلى مكان، حتى انتهى ~~إلى برلين وانتهى إلى آنا. وهو يتحدث إليها حديث الزوج الذي يعرف من أمرها كل شيء جملة ~~وتفصيلا، هي تنكر ذلك أشد الإنكار وترتاع له أشد الارتياع ms057 وتكاد تفقد له صوابها؛ فهي لا ~~تعرف هذا الرجل ولم تره قط، وهي لا تدري كيف عرف من أمرها ما عرف حين تزوجت وبعد أن تزوجت، ~~وعرف أمرها حين كانت صبية تلعب في فناء الدار، وحين كانت صبية تختلف إلى المدرسة. وهو لا ~~يكتفي بهذا الحديث، ولكنه يزعم لها أنها تحبه الآن، وأنها أحبته دائما، وأنها انتظرته وما ~~زالت تنتظره وقد أقبل لميعاده. وأنت بالطبع تقدر وقع هذه الأحاديث الغريبة المروعة في نفس ~~هذه المرأة الهادئة المطمئنة؛ لما هي فيه من بؤس وحرمان، ولا سيما منذ أنبأتها الحكومة بأن ~~زوجها قد سقط في ميدان الشرف منذ أول الحرب. فهي أرملة منذ أربعة أعوام، تعيش مع الذكرى ~~واليأس من لقاء الزوج. وهذا الرجل قد أقبل عليها فجأة يحدثها كل هذه الأحاديث، ويزعم لها ~~أنها تحبه وأنه يحبها، وأنها كانت تنتظره وأنه لم يخلق إلا لها. وهو لا يزعم في صراحة أنه ~~زوجها ريشار، ولكنه لا ينكر ذلك ولا يأباه، وإنما يلمح به ويشير إليه. ونحن حين نشهد هذا أو ~~نقرؤه نتبين تأثير بيراندلو في الكاتب وفي قصته. ولكن امض معي قليلا فسنتبين تأثير الكاتب ~~الآخر «فرود»؛ ذلك أننا نحس في وضوح واضح أن هذه المرأة قد أخذت تستكشف أنها أحبت هذا ~~الرجل الغريب، وهي تقاوم هذا الحس وتجاهده وتريد أن تخفيه، وهي تعنف هذا الرجل وتزجره، ~~ولكننا نحس مع ذلك في صوتها ونرى في بعض ما يبدو على وجهها أنها تحبه، وأن شيئا خفيا كان ~~مختبئا في أعماق نفسها غير الشاعرة، قد أخذ يظهر شيئا فشيئا؛ وهو هذه الصلة الجنسية أو ~~هذا الميل أو هذه الجاذبية الجنسية التي لا نشعر بها والتي تسيطر على ما نعمل وعلى ما نقول، ~~والتي يتخذها «فرود» موضوعا لبحثه وفلسفته. # هذه المرأة تحب هذا الرجل، وتحاول أن تنكر هذا الحب وأن تخفيه، ولكن الحياة الممتعة ~~ستكرهها على التسليم والإذعان لهذا الحب الخفي الذي لا سبيل إلى إنكاره ولا إلى الإفلات من ~~سلطانه العظيم. وهذه امرأة تقبل ms058 ومعها طفل ترضعه، هي التي تحدثنا عنها آنفا، ولا تكاد ~~تدخل ويستقر بها المقام حتى يقبل زوجها فرحا مسرورا؛ لأنه سيقضي أسبوعا مع امرأته. على ~~أنه لا يكاد يراها ويرى معها هذا الطفل وتنبئه باسم أبيه، حتى يعود أدراجه صامتا لا يقول ~~شيئا، متوجها نحو المحطة ليأخذ القطار وليعود إلى الميدان. لقد يئس من إجازته ومن حبه ومن ~~حياته، فعاد إلى حيث الموت يسعى إلى الناس ويسعى الناس إليه. # وهذا المشهد المريع خليق أن ينبه «آنا» إلى الخطر الذي تتعرض له إن أطاعت هذا الحب ~~الخفي أو استسلمت لهذا الرجل. وهي تقاوم لأنها شعرت بهذا الخطر، ولأنها امرأة شريفة نقية لم ~~تفقد صوابها بعد. ولكن انظر هذه صديقتها ماري قد أقبلت، ولا تكاد ترى هذا الرجل حتى يتحدث ~~إليها حديث من يعرفها ويعرف حياتها معرفة دقيقة، فتنكر ذلك وتسأل هذا الرجل من هو فلا ~~يجيبها، فتسأل صديقتها عن هذا الرجل، من هو؟ فتنبئها بأنه ريشار، فإذا أنكرت الفتاة ذلك ~~لأنها تعرف ريشار ولأنها تعرف أنه قد قتل في أول الحرب، زعمت لها صاحبتها أنه ريشار وأنه لم ~~يقتل وأنه قد عاد. والفتاة تلح في الإنكار وترمي الرجل بأنه كاذب خادع، ولكن آنا تدافع عنه ~~وتزعم أن لا كذب مع الاقتناع. وقد فهمت الفتاة أن صديقتها تحب هذا الرجل، فقبلت ذلك وانصرفت ~~محزونة يائسة راثية لهذا الزوج البائس، ولكنها عاذرة صديقتها في الوقت نفسه. ولا تكاد (آنا) ~~تخلو إلى كارل حتى تستأنف مقاومتها له وامتناعها عليه، ولكن ماذا تجدي المقاومة وماذا يفيد ~~الامتناع بعد هذا الإذعان الذي ظهر آنفا، وبعد هذا الاعتراف الذي أعلنته منذ حين إلى ~~صديقتها الفتاة. إنها مذعنة آخر الأمر، مذعنة في شيء من الحزن والرثاء لزوجها، قد ضعفت ~~واستسلمت وأخذت دموعها تنهمل، ولكن كارل قد نهض إليها فالتزمها، ولذا هي تستسلم له وتمنحه ~~من حبها ما يريد. # فإذا كان الفصل الثالث، فقد مضت أشهر خمسة على هذه القصة التي يصورها الفصل الثاني، وقد ~~انقضت الحرب منذ وقت ms059 قصير ، وقد أخذ الجنود يعودون إلى أوطانهم، وقد انقضت الحرب في ميدان ~~القتال، ولكنها استؤنفت في الدور بين الرجال والنساء؛ بين هؤلاء الذين كانوا يؤدون واجبهم ~~الوطني وهؤلاء النساء اللاتي عجزن عن مقاومة الشر والامتناع على الإثم؛ إما لأنهن عجزن عن ~~النهوض بأثقال الحياة، وإما لأنهن عجزن عن مقاومة الطبائع الإنسانية التي لا تذعن للخلق ~~والدين والقانون إلا كارهة وبشرط أن تعينها الظروف على هذا الإذعان. # هذا الزوج يعود فإذا امرأته قد خانته، فهو يقتلها أو يقتل خليلها أو يقتل نفسه، أو لا ~~ينتهي إلى القتل ولكنه يعذب نفسه أو يعذب امرأته أو يعذب نفسه وامرأته جميعا. وهذا الزوج ~~قد يذعن لما لا بد من الإذعان له؛ فيعيش على مضض. وهذا الزوج قد يكون أيسر طبيعة وأهدأ ~~مزاجا، فيقبل ما لا يقبل ويطمئن إلى ما لا يطمئن الناس إليه. وصاحبتنا آنا سعيدة من غير ~~شك، قد استكشفت أنها تحب صاحبها كارل حبا خاصا لم تحسه لزوجها، بل لم تحس لزوجها حبا ~~يشبهه أو يقاربه. وهي حامل، وهي مبتهجة بهذا الحمل الذي لم يتح لها مع زوجها؛ لأنها لم ~~تكن تجد من حب زوجها مثل ما كانت تجد من حب هذا الفتى. وليست الحياة في برلين ناعمة، وإن ~~كانت الحرب قد انقضت؛ فالبؤس شديد، والفقر ملح، وحاجات الناس على اختلافها عسيرة ليس إلى ~~إرضائها من سبيل. # انظر إلى هؤلاء النساء دهشات أشد الدهش؛ لأن إحداهن رأت برتقالة تعرض في بعض الحوانيت. ~~هذا عجيب، هذا خيال، هذا حلم من غير شك. برتقالة تعرض في الأسواق؟ لعلها مصنوعة. كلا، هي ~~برتقالة حقا ولكنها معروضة لترى لا لتباع. # آنا إذن سعيدة، ولكنا نرى صاحبها كارل شقيا بائسا قلقا أشد القلق مشفقا أشد ~~الإشفاق؛ فقد عاد إلى بيته وامرأته غائبة في بعض شأنها، فوجد كتابا فضه وقرأه، فليته لم ~~يقرأ، فالكتاب من ريشار وهو ينبئ بنجاته وبمقدمه. # والفتى قلق خائف من غير شك. هو لا يخاف من ريشار، ولكنه يخاف من آنا. فستعلن الحرب بينه ms060 ~~وبين الزوج، وستكون آنا موضوع هذه الحرب، فمن تختار وإلى من تميل؟ وهذه آنا قد أقبلت فرحة ~~مبتهجة مستبشرة بالحياة، وهو يلقاها محبا لها، عطوفا عليها، مشفقا أن يؤذيها الجهد. ~~ولكنه يتحدث إليها بأمر الكتاب فلا تظهر الاحتفال به أول الأمر، فإذا ألح عليها أدركها ~~ضميرها ففرغت وسمعت منه. وكان في نفسها هذا الصراع العنيف بين الوفاء الذي يفرضه عليها حبها ~~القديم وصدق زوجها في هذا الحب، ويفرضه عليها الدين والقانون، وبين الحب؛ هذا الحب الذي كان ~~خفيا فظهر، وهذا الصراع عنيف ولكنه قصير. فهي لا تستطيع أن تعيش إلا مع صاحبها كارل. وكيف ~~تستطيع الحياة مع غيره وهو أبو هذا الجنين الذي يضطرب في أحشائها؟ ثم هي تحبه مهما تكن ~~الظروف ومهما ترد أوضاع الحياة. هي تحبه وهي عاجزة كل العجز عن أن تخلص من هذا الحب. وهي ~~راضية بما فرض القضاء، فستلقى زوجها وستنبئه بكل شيء. فإن شاء أرسلها فعاشت سعيدة، وإن شاء ~~قتلها فأدت ثمن السعادة التي استمتعت بها في هذه الأشهر الخمسة الماضية. وهي قد اطمأنت إلى ~~هذا واستأنفت حركتها في البيت، وهي تهيئ المائدة، وتهيئها اليوم على خير حال؛ تضع عليها ~~غطاء أبيض ناصعا وتضع عليها بعض الزهر. تريد أن يكون عشاؤها مع صاحبها فرحا مبتهجا. ~~فمن يدري؟ وقد انصرف الفتى لبعض شأنه وصعدت هي عند صديقتها لحظة، ولكن ماذا؟ هذا الباب يطرق ~~ثم يفتح ثم يدخل ريشار، رثا، سيئ الحال، قذرا، عظيم اللحية، كأنه متوحش قد أقبل من بعض ~~الغابات. ولكنه مبتهج سعيد شديد الرضى، كثير الاستبشار. ولم لا؟ أليس في بيته الذي طالما ~~ذكره وذكره وحن إليه؟ فقد بلغه الآن، وهو يراه ويستمتع بالحياة فيه، وسيرى امرأته بعد ~~حين. # وهو يراها في الفصل الرابع، فلا تسل عن ابتهاجه ولا تسل عن وجومها، فهو يتحدث ويتحدث ~~ويتحدث في غير انقطاع. يريد أن يقبلها فتنفر منه، فيعلل ذلك بلحيته العظيمة وبما عليه من ~~آثار السفر الطويل. وهو يتحدث معربا عما يملأ قلبه من بهجة وغبطة، ms061 ولكن امرأته قد أفلتت ~~منه إفلاتا وانصرفت مدبرة. فلا يشق عليه ذلك، وإنما يفسره بالدهش وطول أمد الفراق ويجلس ~~مطمئنا. ثم يخرج من متاعه شيئا ضئيلا يضعه على المائدة. وهو في ذلك وإذا كارل يقبل، ~~فلا يكاد يراه حتى يبتهج لمقدمه، ولكنه لا يرى شرا ولا ريبة، وإنما يرحب بصديقه ويذكر ~~أيام الأسر، ويذكر ذلك اليوم الذي افترقا فيه، ويتحدث عن نفسه وعن زوجه حديثا لا ينقطع. ~~وكلما هم كارل أن يقول كلمة لم يجد إلى ذلك سبيلا؛ لأن الرجل سعيد سعيد مغتبط لا حد ~~لسعادته ولا لاغتباطه. # وهذه ماري قد أقبلت، فلا تكاد ترى ريشار حتى تعرفه وتسرع إليه، وهو يتحدث إليها في غير ~~انقطاع كما كان يتحدث إلى صاحبه في غير انقطاع أيضا. وكلما سألته أو سأله صاحبه عن آنا، ~~قال إنها ذهبت لبعض الشئون وستعود من غير شك بعد قليل. وأكبر الظن أنها عرفت مقدم كارل ~~فذهبت تشتري ما تتم به العشاء. # وما هي إلا لحظة حتى تعود آنا، وكأنها ذهبت تلتمس صاحبها، فإذا دخلت واجمة ذاهلة مضى ~~صاحبنا في الحديث. ولكن صديقه يطلب إليها أن يخلي بين آنا وبين حريتها، فلا يظهر الاستماع، ~~فإذا كرر عليه الطلب واستمع له وفهم عن صاحبه، ثار واضطرب وهم أن يقتل صاحبه، ولكن آنا ~~تحول بينهما ثم تطلب إليه إذا لم يكن بد من القتل أن يقتلها هي أيضا؛ لأنها لا تستطيع أن ~~تعيش بدونه. # وقد كان الرجل مذعنا لا يريد إلا أن يقتل هذا الفتى، وكان فيما يظهر مستعدا للعفو عن ~~امرأته والعناية بأمر هذا الجنين. فإذا رأى حب هذه المرأة لصاحبه ودفاعها عنه واستعدادها ~~للموت دونه، أخذه اليأس فصعق وسقط على كرسيه أبله حائرا لا يدري ماذا يصنع ولا يعرف كيف ~~يقول! وهذا الحب الخفي الذي كان قد ظهر، ثم أخذ يستحيي لمقدم الزوج؛ هذا الحب الخفي قد ~~عاد إلى الظهور واسترد قوته كلها وصراحته كلها. وهذه المرأة تهيئ أمرها للسفر وتأخذ من ~~ثيابها ما لا بد من ms062 أخذه ، يعينها صاحبها على ذلك، والرجل ينظر مخذولا وصديقتها ماري تنظر ~~إليهما حائرة مبهوتة، فهي تحب صديقتها ولكنها تحب ريشار أيضا، وقد طالما تكلفت إخفاء هذا ~~الحب وفاء لصديقتها وحياء منها ومن نفسها. # وقد مضت آنا ومضى معها كارل، وبقي الرجل صعقا مخذولا وبقيت ماري. وينظر الرجل إلى ~~المائدة فيرى هذا الشيء الضئيل الذي كان قد استخرجه من متاعه منذ حين، وكان يعده هدية قيمة ~~لامرأته، فيأخذه بيده ويدفعه إلى الفتاة وهو يقول بصوت محزون متهدم يائس: «إنها قطعة من ~~الشوكولاتة.» # | مدرسة المشعوذين # مثلت منذ أعوام في باريس فأثارت لغطا كثيرا، كما مثلت قصة أخرى من قبلها في موضوع ~~مقارب لموضوعها فأثارت لغطا ودهشا وإعجابا لم ينقض بعد. # ذلك أن موضوع القصتين يتصل بالطب والأطباء، وبالمرضى والمرض، وبالصلات بين الأطباء والذين ~~يحتاجون إليهم من المرضى والأصحاء جميعا. وتعرض التمثيل للطب والأطباء وللمرض والمرضى ~~قديم، قد سن فيه موليير سنة ما زالت آثارها باقية ومناهجها واضحة، وما زال الكتاب ~~الممثلون يتبعونها ويذهبون مذهبه فيها. # فقصة الطبيب على كره منه، وقصة المريض الواهم ما تزالان من الآثار الأدبية الخالدة التي ~~يقرؤها الناس أو يشهدونها فيعجبون بها أعظم الإعجاب، على اختلاف العصور وتباين الظروف ~~وتفاوت البيئات. بل يقرؤها الناس المرة بعد المرة ويشهدونها كذلك المرة بعد المرة، فيتجدد ~~إعجابهم بها وإكبارهم لها وضحكهم لما تعرض من المشاهد واعتبارهم بما تثير من الملاحظات، ~~لا يبلغون من ذلك أقصى ما يريدون؛ لأن اللذة الفنية الخالدة من طبيعتها أن تجدد هذه اللذات، ~~وأن تحدث لنا إعجابا وإمتاعا كلما أحدثنا لها قراءة أو استماعا. وقد أراد الكاتب ~~الفرنسي العظيم جول رومان أن يذهب مذهب موليير في العناية بالطب والأطباء، وفي تسليط سخرية ~~الفن ودعابته وهجائه اللاذع أيضا على هذه الطائفة الموقرة التي نتملقها جميعا؛ لأننا ~~جميعا نحتاج إليها ونشفق منها، ونذعن لما تأمر، ونؤمن لما تقول. فوضع قصته المعروفة كنوك ~~أو انتصار الطب، ثم قدمها إلى ملاعب التمثيل، فلم تضحك باريس وحدها وإنما أضحكت فرنسا ~~كلها، ثم ms063 أضحكت وما زالت تضحك العالم المثقف كله. وأكبر الظن أنها أضحكت الأطباء أنفسهم ~~قبل أن تضحك غيرهم من الناس؛ فقد أظهر الكاتب فيها الفروق القوية بين الطبيب الشيخ، ~~المحافظ، المعتدل، المتواضع أيضا، الذي يعيش في قرية من القرى ويتكسب بمهنته صادقا ~~ناصحا لا مسرفا على المرضى ولا مسرفا على الأصحاء، فهو يكسب حياته وشيئا من الثروة ~~معتدلا، ولكنه لا يستغل فنه كما يستغل التجار المسرفون تجارتهم، أو كما يستغل المرابون ~~المسرفون ما بين أيديهم من المال؛ وبين الطبيب الشاب الذي لم يفرغ لدرسه ولم يقصد إليه عن ~~عناية واستعداد، وإنما دفعته إلى ذلك المصادفة، فواتته الظروف وأسعدته الحيلة، وانتهى إلى ~~الظفر بالإجازة الطبية، فهو يريد أن يستغل هذه الإجازة كأشد ما يكون الاستغلال، وأن يكرهها ~~على أن تجلب له من المال أكثر ما يمكن أن تجلب له. وهو يخلف الطبيب الأول في قريته، وقد ~~اتخذ لنفسه قاعدة هي أن الأصل في الناس أن يكونوا مرضى وأن الصحة شذوذ. وهو يجد في أن ~~يقنع الناس بهذه القاعدة، يستعين على ذلك بالوهم والخوف، وهو يبلغ من ذلك ما يريد، وهو يملأ ~~القرية وما حولها من القرى إيمانا بالطب ويقينا بالمرض. فهو يشتغل في الليل ويشتغل في ~~النهار، وهو يمكن الصيدلي من أن يشتغل في الليل والنهار أيضا، وهو يمكن الفندق من أن ~~يمتلئ دائما حتى يضيق بالقاصدين إليه من الأصحاء الذين بلغتهم شهرة الطبيب في قراهم ~~البعيدة فتأثروا بها واستيقنوا أنهم مرضى وأقبلوا يلتمسون الصحة والشفاء عند هذا الطبيب ~~البارع. # وليس جمال هذه القصة فيما بين الطبيبين من التناقض، ولا في تطبيق هذه القاعدة الغريبة ~~وتحويل الأصحاء إلى مرضى فحسب، وإنما يأتيها الجمال من هذا ومن نواح أخرى قد أعرض لها ~~حين أحلل هذه القصة في غير هذا الفصل. وكأن هذه القصة قد ألهمت الكاتبين اللذين أتحدث عنهما ~~اليوم، وأثارتهما للرد على جول رومان نحوا ما، فكتبا قصتهما هذه ووضعا أمر الطب والأطباء ~~والمرض والمرضى وضعا آخر مخالفا كل المخالفة للوضع الذي ms064 لخصته لك آنفا، معاكسا له كل ~~المعاكسة. فقد كان الطب متسلطا على الناس سواء منهم المرضى والأصحاء. في القصة الأولى كان ~~الطب يضطهد طلاب الشفاء ويستبد بهم، أما في هذه القصة فالمرضى هم الذين يضطهدون الطبيب، وهم ~~الذين يريدون أن يخرجوه من طوره وأن يضطروه إلى أن يتخذ طبه تجارة وإلى أن يستغل هذه ~~التجارة استغلالا عنيفا مسرفا لا قصد فيه. والقصة صراع بين الطبيب الذي يريد أن يكون ~~شريفا وأن يظل شريفا مخلصا لنفسه ولشرفه ولحاجة المرضى الذين يعتمدون عليه، وبين الناس ~~الذين يريدون أن يكونوا مرضى وإن أتم الله عليهم نعمة الصحة، ويريدون أن يكرهوا الأطباء ~~على أن يعترفوا لهم بهذا المرض ويداووهم منه، ويمنحوهم من الوقت والجهد والعناية ما ينبغي ~~أن يمنحوه للمحتاجين إليه حقا. وقد نستطيع أن نقول في عبارة موجزة: إن الكاتبين اللذين ~~وضعا هذه القصة أرادا أن يثأرا للأطباء، وأن يضحكا النظارة والقراء من الناس بعد أن عبث ~~جول رومان بالأطباء فأضحك منهم النظارة والقراء. # وكلتا القصتين مع ذلك صادقة كل الصدق موفقة كل التوفيق، لا تضحكنا إلا لأنها تصور ما ~~يضحك حقا، ولا تحزننا إلا لأنها تصور ما يحزننا حقا؛ فمن الذي يستطيع أن ينكر أن بين ~~الأطباء في كل زمان وفي كل بيئة مشعوذين يتخذون الطب تجارة وتجارة خاطئة آثمة، يخيلون إلى ~~الصحيح أنه مريض ويخيلون إلى المريض أنه مشرف على الموت، لا يبتغون بهذا التضليل إلا الربح ~~وبعد الشهرة والصوت. # فجول رومان إذن لم يخلق طبيبه المشعوذ من لا شيء، وإنما نظر فرآه بين يديه، فوصفه أصدق ~~وصف وصوره أجمل تصوير. وكلنا يستطيع أن ينظر فيرى الطبيب المشعوذ بين يديه، ولكننا جميعا ~~لا نستطيع أن نصفه ولا أن نصوره، وإن كنا جميعا نستطيع أن نشكو منه حين ينشب فينا أظفاره ~~فيبتز منا المال ويوشك أن يبتز منا الحياة، بل هو يبتزها من كثير من الناس. ومن ذا الذي ~~يستطيع أن يشك في أن الترف والفراغ والوهم وقراءة الصحف والكتب في غير ms065 فهم ولا تمييز؛ كل ~~ذلك يحمل كثيرا من الناس على أن يعنوا بأنفسهم أكثر مما ينبغي، ويراقبوا صحتهم أكثر مما ~~ينبغي، ويقفوا تفكيرهم على ملاحظة أجسامهم وما يعرض لها أو ما يظنون أنه يعرض لها من العلة ~~أو مما يتوهمون أنه العلة. هذا يلاحظ قلبه فهو يتسمع خفقانه وهو يتلمس النبض ويعده، ~~وهذا يلاحظ معدته، وهذا يلاحظ كبده، وهذا ينظر إلى لسانه بين حين وحين. وكلهم يظن بصحته ~~الظنون، وكلهم يحدث نفسه عن صحته إذا خلا إلى نفسه، ويحدث الناس عن صحته إذا لقي الناس. ~~وكلهم يود لو أنفق حياته مع الطبيب لا يبخل عليه بالمال، وقليل منهم تتيح له الظروف أن يرضي ~~حاجته وأن يلقى الطبيب متى أراد، وأن يؤثره بخير ما يملك من المال. والأطباء أمام هؤلاء ~~الناس بين رجلين: رجل شريف نزيه ينظر إلى فنه نظرة الجد، ويضن على وقته بالضياع، ويكره أن ~~ينفق جهده في العناية بمن لا يحتاجون إلى العناية، ويكره كذلك أن يأخذ المال في غير استحقاق ~~له؛ فهو يعرض عن هؤلاء الناس ولا يحفل بهم، وإنما يصرفهم عن نفسه صرفا. ورجل آخر يرى ~~العناية بهؤلاء الناس والفراغ لهم مذهبا يسيرا في كسب المال والشهرة لا يكلف صاحبه ~~جهدا ولا جدا، وإنما يغل عليه المال الكثير ويقيم له الثروة الضخمة دون أن يأرق لذلك ~~ليله أو يكدح لذلك نهاره أو يكلف عقله مشقة البحث والتحصيل؛ فيندفع في هذه الطريق السهلة، ~~ويبلغ من رضى هؤلاء الناس عنه ومن بذلهم له ما يريد وفوق ما يريد. # فكما أن جول رومان لم يخلق طبيبه المشعوذ من لا شيء، فهذان الكاتبان لم يخلقا طبيبهما ~~النزيه من لا شيء، وإنما نظرا فوجداه قائما مجاهدا في الحياة يحمي المرضى من عدوان المرض ~~ويحوط العلم والخلق من فساد المشعوذين، فصوراه تصويرا صادقا جميلا. وأكثر قراء العربية ~~يجهلون في أكبر الظن أن أحد هذين الكاتبين، وهو ترستان برنار، من أبرع الكتاب الفرنسيين ~~في الدعابة الحلوة والفكاهة اللاذعة التي تثير الابتسام على الثغور، ms066 ولكنها مع ذلك تثير ~~العبرة في النفوس؛ لأنها صادقة مستمدة من الحقيقة الواقعة لا من الخيال المتكلف ولا من ~~التصنع السقيم. وحظ قصتنا من فكاهة هذا الكاتب العظيم لا بأس به؛ فقد انتثرت فيها ~~الملاحظات الصادقة والفكاهات الحلوة انتثارا، فجعلت قراءتها لذيذة حلوة في كل وقت. وأنت ~~تقرأ القصة أو تشهدها، فلا تجد في ذلك مشقة، ولا تحس أن الكاتبين قد وجدا في إنشائها مشقة ~~ما. وأنت مع ذلك تسأل نفسك كيف يمكن تصوير هذا الحق وتوفير هذه اللذة الفنية في غير تعب ولا ~~جهد؟ وجواب ذلك يسير، فهذا ممكن؛ لأن الكاتبين اللذين حاولاه من الفنيين الذين يعرفون كيف ~~يجهدون ويخفون الجهد، وكيف يشقون ويخفون الشقاء. # ونحن في أول القصة في بيت متواضع يقوم في قرية جديدة غير بعيد من باريس، نرى خادما تهيئ ~~مائدة الطعام وهي تتغنى ببعض هذه الأغاني الشعبية المضحكة التي يكلف بها الفرنسيون، وإنها ~~لفي ذلك وإذا سيدتها هيلانة تدخل عليها وتطلب إليها أن تلاحظ طعامها الذي يوشك أن يحترق ~~لكثرة ما أهملته وأعرضت عن ملاحظته إعراضا. ولكن الخادم مطمئنة على طعامها محتاجة إلى أن ~~تتحدث إلى سيدتها حديثا يظهر فيه العبث والمزاح، ولكنه مع ذلك جد كله. فالخادم ساخطة غير ~~راضية، ترى أن مقام سادتها في هذه القرية الناشئة لا يغني عنهم شيئا؛ لأن سيدها طبيب وسكان ~~القرية قليلون، وهم بخلاء لا يثقون بالطب ولا يحسنون البذل للأطباء. وهي تؤكد في ظرف أنها ~~خادم تعلم حق العلم أن ليس لها أن تدخل فيما لا يعنيها وأن تتحدث في مثل هذه الأشياء، وأنها ~~قد رسمت لنفسها خطة ألا تدخل في أمور سادتها وأن تلزم حدها، ولكنها مع ذلك تتجاوز هذا الحد ~~وتلاحظ في غير تحرج أن حياتها وحياة سادتها ليست سهلة في هذه القرية، وهي لا تحب أن تنصح ~~ولا أن تلوم فليس ذلك من حقها، ولكنها مع ذلك تأسف أشد الأسف وتلوم سيدتها أشد اللوم لأنها ~~خالفت رأي والديها وتزوجت من هذا الشاب الطبيب الذي ms067 قد يكون بارعا في الطب متقنا للعلم، ~~ولكنه غير محسن لكسب المال ولا موفق إلى تيسير الحياة. وسيدتها تزجرها عن هذا الحديث وتلح ~~عليها في أن تلاحظ طعامها، ولكنها لا تزدجر، ولا تحفل بإلحاح سيدتها ولا تنصرف إلا حين تسمع ~~صوتا تحس منه مقدم سيدها فتسرع إلى المطبخ. وقد فهمنا من حديثها حال هذه الأسرة الصغيرة ~~التي تبتدئ الحياة الزوجية في شيء من الجهد والضيق. ويدخل الزوج جورج فإذا شاب ذكي شديد ~~النشاط، محب لزوجته مفتون بصناعته، ولكنه شقي في بدء حياته لأنه بعيد من المستشفيات التي ~~يستطيع أن يلاحظ فيها المرضى ويتابع فيها البحث العلمي. وهو على ذلك لا يكسب من المال ما ~~يمكن أن يعزيه عن هذا الحرمان؛ فهو في قرية ناشئة لا تطيب نفوس أهلها عن المال، وهو قد ذهب ~~لعيادة طفل مريض فأبعد في المشي ثم رأى الطفل فلم يجد به بأسا، فلما أنبأ أمه بذلك قالت ~~له: فهل ترى بأسا في أن تأخذ نصف الأجر ما دام الطفل لا بأس عليه؟ وغاظه هذا الجواب وهذا ~~البخل فانصرف ولم يأخذ من المرأة شيئا. # والزوجان ينتظران زيارة بعد حين، وهي زيارة ينكرانها ويدهشان لها؛ فهذا عم هيلانة كان ~~ممانعا في اقترانها بهذا الفتى أشد الممانعة، مقاطعا للزوجين منذ اقترنا، وهو الآن ينبئ ~~بزيارته فجأة وبأنه سيشارك هذين الزوجين في الغداء. وهما يتساءلان عن هذه الزيارة ما سببها، ~~وما غايتها. فأما الفتى فيظن أن هذا الرجل إنما أقبل ليرى سوء حال الزوجين وليشمت بهما، ثم ~~ليعود بعد ذلك إلى أسرة الفتاة فيصور لها ما رأى ويلومها على أنها لم تسمع له، ولم تمانع ~~في هذا الزواج. وأما الفتاة فلا تظن ذلك، ولكنها لا تخفي دهشتها من هذه الزيارة، وهي تنتظر ~~وتؤثر الانتظار. على أن الانتظار لا يطول، فهذا صوت العم مقبلا، وما أسرع ما يستخفي الفتى ~~معتلا بالعمل؛ لأنه يكره أن يرى هذا الرجل ويريد أن لا يلقاه إلا على المائدة. ولا يكاد ~~العم يقبل ويتحدث إلى الفتاة ms068 حتى يتغير كل شيء، فهو لم يكن يعرف هذا الفتى، ولم يكن ~~يقدر قيمته، حتى لقي أستاذا عظيما من أساتذة الطب منذ أيام فسمع منه ثناء جميلا على ~~هذا الفتى، فأعجب به وأقبل يزوره ويحمل إليه نبأ سارا، وهو يأبى أن يعلن هذا النبأ إلى ~~الفتاة. والفتاة محتاجة إلى أن تعرف النبأ، فهي لا ترى بأسا بأن تدعو زوجها وبأن تصرفه عن ~~العمل الذي كان يريد أن ينقطع له. # ويقبل الفتى، فيكون اللقاء الفاتر أول الأمر، ولكن العم يتقرب إليه ويتلطف له ثم ~~ينبئهما النبأ؛ وإذا هما سعيدان، وإذا المودة بينهما وبين هذا الرجل قوية حقا، وإذا هم ~~جميعا يستعدون لغداء فيه كثير من الفرح والابتهاج وفيه الشمبانيا التي أحضرها العم معه من ~~باريس. ذلك أنه أقبل يعرض على الفتى عملا يعجبه حقا، عملا في مدينة من مدن الاستشفاء ~~قريبة من سويسرا، يقصد إليها المرضى المترفون من أهل أمريكا الجنوبية خاصة وهم يحملون إليها ~~أجساما معتلة تعبث بها أمراض مختلفة غريبة، فسيجد الفتى إذن فرصة للتجربة وفرصة للاستكشاف، ~~وسيجد الزوجان فرجا بعد حرج وسعة بعد ضيق. # ثم يرفع الستار عن الفصل الثاني، فإذا نحن في مدينة الاستشفاء هذه، وإذا الكاتبان يقدمان ~~إلينا نموذجا من هؤلاء المرضى الذين صورتهم في أول هذا الفصل. وهم رجال ونساء مترفون ~~مسرفون في الترف لم تشغلهم هموم الحياة ولم تثقلهم أعباؤها، فشغلوا بأنفسهم عن هذه الهموم ~~والأعباء. وهم مستيقنون بأنهم مرضى وبأن أمراضهم خطيرة حقا. هذه تزعم أن الطبيب السابق قد ~~أنبأها بأن مرضها قد هزم علم الطب، وهذه تزعم أن الطبيب السابق قد أكبر علتها وعني بها ~~عناية علمية خاصة، فكتب عنها فصلا في مجلة طبية كبرى، ولفتها إلى هذا الفصل فاشترت خمسين ~~نسخة من هذه المجلة. وهذه تزعم أن الطبيب السابق قد زعم لها أن علتها قد اضطرت الطب الحديث ~~إلى الإفلاس. فأما هذا الرجل الذي أقبل منذ حين، فصرف هؤلاء النساء عما كن فيه من الحديث؛ ~~فرجل غريب الأطوار حقا؛ هو لا ms069 يثق بموازين الحرارة لأنها تفسد في سرعة، وقد يتعمد أصحاب ~~الفنادق إفسادها حتى لا يضطروا إلى الإسراف في التدفئة. وهو من أجل ذلك قد استكشف طريقة ~~خاصة يقيس بها حرارة الجو، فهو ينفخ أمامه نفخا يسيرا إذا دخل غرفة من الغرفات، فإذا رأى ~~نفسه فليس من شك في أن الجو بارد إلى حد ما لا ترتفع الحرارة فيه إلى ثماني عشرة درجة، ~~وإذا لم ير نفسه فالجو معتدل أو حار. وهم جميعا ينفخون ليروا أتظهر لهم أنفاسهم. وكلهم ~~يتحدث في المرض والصحة وفي المرضى والأصحاء، وكلهم يشكو من هؤلاء الأصحاء الأثرين الذين ~~يخدعون المرضى ويخيلون إليهم أن ليس عليهم بأس، لا يصدقون في ذلك وإنما يريدون أن يتخففوا ~~من واجب العناية بهم والتفرغ لهم. وكلهم قد شغله مرضه عن كل شيء، عن الأزواج والزوجات وعن ~~البنين والبنات، بل عن قراءة الكتب التي تصل إليهم من أهلهم. ولا ينتهي هذا الفصل حتى يكون ~~الكاتب قد شفى نفسه من هجاء هؤلاء الأثرين الذين تضعف عقولهم وإرادتهم، فيرون أنفسهم مرضى ~~وليسوا من المرض في شيء. # فإذا كان الفصل الثالث، فقد استقر الطبيب الجديد في عيادته، وقد أخذ يعرف من شئون هذه ~~المدينة شيئا غير قليل، وهو مزدر للطبيب الذي سبقه وإن كان الناس يحبونه، وهو مزدر لأكثر ~~الذين استشاروه من المرضى، قد أغضب منهم جماعة لا بأس بها، زعم لهم أنهم أصحاء وصرفهم وأبى ~~أن يعنى بهم؛ فمنهم من سافر مغضبا، ومنهم يتهيأ للسفر. وأصحاب الفندق وأصحاب الكازينو ~~مغضبون ثائرون، يشفقون من كساد التجارة ومما يتعرض له الكازينو من الخسران. وهم يتقدمون إلى ~~الطبيب في أن يتلطف للمرضى ولا يزهدهم في المدينة ولا يصرفهم عن الفندق والكازينو، ولكن ~~الطبيب لا يحفل بهذا لأنه لم يأت تاجرا ولا مقامرا، وإنما جاء طبيبا. ومع ذلك فزوجه ~~سعيدة في هذه الحياة، قد ضمنت السعة واليسر والترف أيضا. ها هي هذه تشتري فروا غالي الثمن ~~ما كانت لتحلم بشرائه لولا هذا العمل الجديد. وها هي هذه قد ms070 أخذت تخالط الأغنياء وتجد في ~~مخالطتهم لذة ونعيما، والطبيب يرى هذا ويقدره ويألم له، ولكنه مع ذلك طبيب لم يهيأ للشعوذة ~~ولا للتأثر لمدرسة الشعوذة هذه، فلن يكون تلميذا نجيبا من تلاميذ هذه المدرسة. وقد انتهى ~~الطبيب بالنزاهة إلى أقصاها، فقد رد أكثر المرضى وهم يسافرون أفرادا وجماعات، وصاحب ~~الفندق جزع ومدير الكازينو ليس أقل منه جزعا. # ويرفع الستار عن الفصل الرابع، وقد اجتمع مجلس إدارة الفندق والمستشفى للتشاور في الأمر ~~وهم يئسون، فليس لهم أمل في التغيير من خطة الطبيب، وهم مضطرون إلى أن يلغوا ما بينهم وبينه ~~من عقد، ولكنهم مشفقون من أن يقاضيهم، لا لأن مقاضاتهم ستكلفهم مقدارا ضخما من المال؛ ~~فأمر المال هين ومهما يتكلفوا منه فلن يكون ما ينفقونه شيئا بالقياس إلى ما يخسرونه في كل ~~يوم بفضل النزاهة التي يتشدد فيها الطبيب. # ورئيس المجلس وهو شيخ قانوني يتوسل إلى الطبيب في حوار ممتع حقا، ولكن الطبيب متشدد. ~~ورئيس المجلس يحاول أن يستعين بحب هيلانة للترف لعلها تقنع زوجها وتغير من خطته، ولكن ~~هيلانة تحب زوجها وتكبره وتكره أن تتقدم إليه فيما لا يريد، وهي تحب الترف وتألم إن حيل ~~بينها وبينه، ولكنها مع ذلك مستعدة للشقاء والحرمان، تضحي بالترف والنعيم في سبيل الاحتفاظ ~~بحب زوجها ورضاه. # ويزيد الأمر تحرجا أن جماعة من الأمريكيين الأغنياء قد أقبلوا يستشفون، وهم الآن يسعون ~~إلى الطبيب. أفتراه يقرهم على أنهم مرضى، أم تراه يزعم لهم أنهم أصحاء؟ وقلوب القوم واجبة ~~ووجوههم واجمة، ونفوسهم في قلق لا يطاق، وهم ينتظرون أنباء الفحص الطبي. وهذه امرأة الرئيس ~~عجوز فانية قد ذهبت إلى الكنيسة تتوسل إلى الله في أن يحفظ الفندق والكازينو ويحميها من ~~الخسران. وهذه الممرضة مقبلة فتتعلق بها أيضا أبصار القوم وقلوبهم ونفوسهم؛ لأنها تحمل ~~إليهم رأي الطبيب في هؤلاء المرضى الأمريكيين. # يا له من رأي! هذه الوجوه تشرق، وهذه الثغور تبتسم، وهذه الألسنة تنطلق، وهذه العجوز تحمد ~~الله؛ فقد استجاب دعاءها وحمى الفندق والكازينو من الخسران ... فقد قرر ms071 الطبيب أن هؤلاء ~~الأمريكيين مرضى حقا، وأنهم يحتاجون إلى علاج دقيق طويل. # | فوز الطب # للكاتب الفرنسي جول رومان # أظن أن المثقفين المصريين لم ينسوا بعد هذا الكاتب الفرنسي العظيم الذي زارنا في مثل هذه ~~الأيام من الشتاء الماضي، وألقى في الإسكندرية والقاهرة محاضرات قيمة أثارت كثيرا من ~~التفكير وشيئا من الحديث، والذي سبقته إلينا كتبه الكثيرة المتنوعة التي يمس بعضها القصص ~~ويمس بعضها التمثيل ويمس بعضها البحث عن حل بعض المشكلات الاجتماعية والسياسية منذ ~~شبت الحرب، سواء من هذه المشكلات ما يتصل بأوروبا وأمريكا، وما يتصل بأوروبا وحدها، أو ما ~~يتصل بالحياة الفرنسية وما ثار فيها من الأزمات بعد الحرب الكبرى. وكل هذه الكتب التي سبقت ~~إلينا مسيو جول رومان، أو وصلت إلينا بعد ارتحاله عنا، قيمة ممتعة إلى أقصى حدود الإمتاع. ~~ليست من هذه الكتب التي تقرأ لإنفاق الوقت أو الترفيه على النفس، وإنما هي من هذه الكتب ~~النادرة التي تجمع لقارئها بين الراحة واللذة والمتاع والانتفاع في وقت واحد. # وتمثيل جول رومان خصب ممتاز حقا، فهو مريح وهو مضحك، وهو في الوقت نفسه درس لمسألة من ~~أهم المسائل التي تشغل الناس في وقت من الأوقات، أو نقد للون من ألوان الحياة قلما يحفل به ~~الناس على حين أنه جدير بالعناية خليق بالبحث والتفكير. وقد يقصد جول رومان في قصته إلى أن ~~يلقي إليك رأيا من آرائه أو يدعوك إلى مذهب من مذاهبه أو يحملك على نحو من أنحاء التفكير. ~~وقد يقصد إلى أن يثير في نفسك الخواطر ويوجه عنايتك إلى المسألة التي تشغله دون أن يلقي ~~برأي معين أو مذهب خاص، وإنما يكفيه أن يخلق في نفسك العناية ويثير فيها الاهتمام، وهو موفق ~~من ذلك إلى كل ما يريد أحسن توفيق. وإذا اتصل الحديث بينك وبيني في القصص التمثيلي، فإني ~~أرجو أن أتحدث إليك عن غير قصة من قصص جول رومان التمثيلية، فهي كلها خليقة بالحديث ~~والتحليل. # أما اليوم فإني أريد أن أحدثك عن هذه القصة التي داعب ms072 فيها الأطباء منذ أعوام فأضحك بها ~~الفرنسيين بل الأوروبيين وما زال يضحكهم إلى الآن، واضطر بها الفرنسيين إلى أن يذكروا ~~موليير وإن لم ينسوه، وهل من سبيل إلى نسيان موليير؟! ولكن كاتبنا العظيم على كل حال قد ~~اضطر الفرنسيين وغير الفرنسيين إلى أن يذكروا موليير كلما قرءوا هذه القصة وأمثالها من ~~قصصه. فالصلة قريبة جدا بينه وبين أرستوفان الفرنسيين. # وأظنك لم تنس بعد تلك القصة التي حدثتك عنها في الأسبوع الماضي «مدرسة المشعوذين»، ~~فظهورها كان نتيجة لظهور هذه القصة التي أتحدث عنها اليوم كما قلت، وهي إلى أن تكون ردا ~~على جول رومان أقرب منها إلى أي شيء آخر. وأنت تذكر من غير شك أن تلك القصة كانت تصور ~~تعلق الأصحاء بالمرض، وإلحاحهم في أن يكونوا مرضى، ومحاولتهم إكراه الأطباء على أن يعترفوا ~~لهم بالمرض ويعالجوهم ليستنقذوهم منه وإن لم يكونوا منه في قليل ولا كثير، ومقاومة الأطباء ~~لهذا الوهم المطبوع أو المصنوع إيثارا للطب ورفعا له عن أن ينحط إلى الشعوذة ~~والخداع. # فهذه القصة التي أتحدث عنها اليوم تصور عكس هذا الرأي؛ تصور الطبيب الذي يريد أن يكره ~~الناس على أن يكونوا مرضى، وأن يقنعهم بأن صحتهم وهم من الأوهام، وغرور يخدعون به أنفسهم، ~~وجهل يدفعون إليه دفعا ويتورطون فيه لأنهم غافلون عن أصول الطب، فهم يجهلون مكان هذه ~~العلل الفتاكة التي تكمن لهم في الطعام الذي يأكلونه وفي الماء الذي يشربونه وفي الهواء ~~الذي يتنفسونه، وفي كل شيء يمسهم من قريب أو من بعيد. والناس يقاومون هذا الطبيب كما كان ~~ذلك الطبيب يقاوم أولئك الناس في قصة الأسبوع الماضي، ولكن طبيب جول رومان يقهر الناس قهرا ~~ويخضعهم لسلطان الطب إخضاعا. # وهو يمضي في هذا الجهاد لإعلاء كلمة الطب متكلفا منصفا مشعوذا أول الأمر، ولكنه لا ~~يلبث أن يقنع نفسه، أو يخيل إلينا أنه قد أقنع نفسه، بأنه مجاهد صادق مخلص في جهاده، لا ~~يبتغي إلا حماية الطب ورفع شأنه وبسط سلطانه على الناس. والغريب من أمره، أو من ms073 أمر جول ~~رومان، أنه يحملك على أن تساير الطبيب، وعلى أن تتأثر بحاله النفسية الخاصة، فالطبيب في أول ~~القصة غير مقتنع، بل هو متكلف متصنع يظهر من أمره أنه يعبث بالطب ويعبث بالناس، وأنت كذلك ~~تشعر بهذا الشعور شعورا واضحا، وتمقت هذا الطبيب وتضحك منه وتعرف فيه الشعوذة وتنكره لذلك ~~وتسخر منه. ولكن امض معه في القصة فسيتغير رأيك فيه شيئا فشيئا؛ لأن رأيه في نفسه أو ~~موقفه من نفسه سيتغير شيئا فشيئا. وليس في هذا شيء من الغرابة، فأنت ممثل في القصة نفسها، ~~يمثلك هذا الطبيب النزيه في الطب الذي لا يفرض المرض على الناس فرضا ولا يكلفهم من العلاج ~~والعناية بأنفسهم ما لا يحبون، والذي يكره الشعوذة أشد الكره ويسخر منها أشد السخر، ولكنه ~~مع ذلك ينتهي إلى أن يقف منها موقفا مريبا، وإلى أن يتأثر بها إلى حد ما، ثم إلى أن يخضع ~~لها خضوعا ويذعن لها إذعانا. # إذا رفع الستار عن الفصل الأول من القصة، فنحن عند الباب الخارجي لإحدى المحطات الفرنسية ~~في إقليم من أقاليم الألب، وأمامنا طبيب قرية من القرى هو الدكتور برباليه ومعه زوجه، ثم ~~رجل آخر طبيب أيضا هو الدكتور كنوك. وواضح جدا أن الدكتور كنوك قد أقبل من باريس، وأن ~~الدكتور برباليه قد جاء يستقبله. ولا نكاد نسمعهما يتحدثان حتى نفهم أن الطبيب الباريسي قد ~~أقبل يمارس الطب في القرية، وهو قد اشترى من صاحبه مكانه وجاء ليتسلم منه هذا المكان ~~وليتسلم منه المرضى أيضا. والدكتور برباليه وامرأته يلقيان صاحبهما في كثير من الابتهاج ~~والتلطف أو من تكلف الابتهاج والتلطف. يريدان أن يصورا له الصفقة التي اشتراها على أنها ~~صفقة رابحة. وهما لا يكتفيان بذلك، يريدان أن يتما معه صفقة أخرى، يريدان أن يبيعاه ~~سيارتهما. وأنت تنظر إلى هذه السيارة فإذا هي من الطراز العتيق الذي طال عليه الأمد، ولكن ~~الزوجين يمدحانها ويثنيان عليها ويسرفان في ذلك. والطبيب الباريسي يسمع لهما في غير معرفة ~~وفي غير إنكار. وإنما يخلي بينهما وبين ms074 الكلام . وهما يدعوانه إلى ركوب السيارة وإلى أن يضع ~~فيها أمتعته، فهي واسعة رحبة لا تضيق بهم ولا تضيق بالمتاع، وهي سريعة وهي خفيفة وهي متينة ~~في الوقت نفسه. وانظر إليهم وقد أخذوا أماكنهم من السيارة والسائق يبذل جهدا عنيفا ليدفع ~~السيارة إلى الحركة، وهي تعصيه وتأبى عليه، والزوجان يلهيان الطبيب عن ذلك بالحديث الكثير ~~وبالإسراف في الثناء، ولكن السيارة قد أخذت تنطلق في كثير من التعثر وفي كثير من الضوضاء. ~~وهم ماضون في أحاديثهم عن السيارة حينا وعن مناظر الطبيعة حينا آخر، وعن الجو مرة ثالثة. ~~ولكن ماذا؟ هذه السيارة قد وقفت وأبت أن تتقدم، ولا بد من أن ينزل السائق ومن أن يعالج ~~أدواتها ألوانا من العلاج، ولا يرى صاحب السيارة وزوجه بأسا بهذا، فمنظر الطبيعة جميل ~~وليس ما يمنعهم من الاستمتاع به لحظة من اللحظات. # وما يزالون في هذه الأحاديث حتى يضطر الطبيب الباريسي إلى أن يظهر فطنته لهذه المداورة ~~وإعراضه عن هذه السيارة وشكه في أنه قد أتم مع زميله صفقة رابحة حقا. فهو يلقي أسئلة ~~متصلة، منها ما يمس القرية، ومنها ما يمس القرى المجاورة، ومنها ما يمس السكان ودينهم ~~ومذهبهم السياسي وحياتهم الاجتماعية وما فيها من العيوب والآفات، ومنها ما يمس الثروة. ~~والطبيب وامرأته دهشان لهذه الأسئلة. أما نحن فنفهم حق الفهم أن صاحبنا يريد أن يتعرف ~~استعداد القرية للحياة الطبية كما يتصورها، وكما يريدها، وقد ظهر له أن القرية بعيدة كل ~~البعد عن هذا الاستعداد، فأهلها أصحاء وقليل بينهم المريض. والمرضى من أهلها لا يحفلون ~~بالمرض ولا يهتمون له ولا يعنون بالعلاج؛ لأنهم بخلاء حراص على المال، وإذن فصفقة صاحبنا ~~خاسرة. # وأكثر من هذا أن أهل هذه القرية إذا جادت أنفسهم بالمال وسمحت لهم باستشارة الطبيب ~~ومعالجة ما يصيبهم من العلل، فهم لا يؤدون إلى الطبيب أجره إلا في آخر سبتمبر من كل عام، ~~ونحن في أول أكتوبر، ومعنى ذلك أن صاحبنا سيعمل عاما كاملا دون أن يصيب أجرا قليلا أو ~~كثيرا. وهو ms075 يصارح صاحبه بأنه قد خدعه، ويصارحه أيضا بأنه يريد أن يخدعه ويعبث به حين يزين ~~له شراء هذه السيارة العتيقة. على أنه لا يضيق بهذا الخداع ولا يرفض هذه المعركة، وإنما ~~يقبلها ويقبل سكان القرية كما هم على بخلهم الشديد وامتناعهم على الطب، ويعلن أنه سيغير هذا ~~كله تغييرا. ثم يتحدث في لهجة ظريفة مضحكة حقا عن درسه للطب واتخاذه له صناعة، فينبئنا ~~بأنه لم يدرس الطب إلا مصادفة. نال الشهادة الثانوية في الآداب وعجز عن إتمام الدرس، فعمل ~~بائعا في بعض الثغور. وإنه ليتنزه ذات يوم قريبا من الساحل وإذا هو يقرأ إعلانا من إحدى ~~السفن الراسية في الثغور أنها في حاجة إلى طبيب، وأنها لا تشترط فيه أن يكون قد ظفر بدرجة ~~الدكتوراه. فيتقدم إلى هذه السفينة لا يخدع أصحابها ولا يكذب عليهم، وإنما ينبئهم بأنه ليس ~~طبيبا متخرجا في الطب ولكن له بالطب علما. وهم يقبلونه على ذلك، وهو لم يكذب عليهم؛ فقد ~~تعود منذ طفولته أن يقرأ الإعلانات الطبية فحفظ صيغا واصطلاحات، وألم ببعض الأوليات ~~وعرف كيف يعالج الصداع أو الإمساك. # وها هو ذا طبيب في السفينة يسمى الدكتور وليس بدكتور، ولكنه اشترط ذلك على أصحاب ~~السفينة فقبلوه. وهذه السفينة قد أبحرت في طريقها إلى الهند، وهو يعالج أصحابها وركابها ~~وينفذ فيهم رأيه، وهو أن كل إنسان مريض بطبعه، وأن الصحة وهم من الأوهام. وقد أصبحوا ~~جميعا مرضى كما أصبحوا جميعا أصحاء، فهم يتناوبون العمل وهم يتناوبون العلاج. وينفق ~~صاحبنا في هذه الصناعة أعواما حتى إذا قضى منها وطرا وجمع منها مالا لا بأس به، ترك ~~السفينة وعمل في التجارة، وأي تجارة، تجارة الفول السوداني. ولكنه لا ينسى الطب ولا يستطيع ~~أن يسلوه، وهو يعلم أنه لا يستطيع أن يكون طبيبا في وطنه إلا إذا ظفر بالدكتوراه. فهو يفرغ ~~لها وهو يظفر بها منذ أشهر قصار، وهو يبحث عن مكان هادئ يبدأ فيه عمله الطبي الجديد حريصا ~~قبل كل شيء على أن يجرب نظريته، وهي أن ms076 الأصل في الناس أن يكونوا مرضى، وأن الصحة ليست ~~شيئا موهوبا أو لم تبق شيئا موهوبا، وإنما هي شيء يلتمس التماسا ويلتمس عند ~~الأطباء. وهو يتحدث بهذا كله إلى صاحبيه حديثا تظهر فيه السخرية ويظهر فيه شيء يشبه ~~الازدراء للناس ولما اتفقوا عليه من القواعد والأصول. وصاحباه دهشان أشد الدهش لما يسمعان ~~منكران له أشد الإنكار، ولكن سائق السيارة قد استيأس من سيارته وهو يرى أن لا سبيل إلى ~~انطلاقها إلا إذا دفعت دفعا، فيتم الاتفاق على أن يقوم صاحب السيارة مقام السائق، وعلى أن ~~يتكلف السائق دفع السيارة من وراء، وينتهي الفصل على هذا المنظر المضحك: صاحب السيارة يجلس ~~في مجلس السائق، وامرأته والدكتور كنوك قد أخذا مكانهما منها، والسائق يدفعها إلى أمام ~~دفعا. # فإذا كان الفصل الثاني، فنحن في القرية وقد سافر الطبيب القديم، وهم الطبيب الجديد أن ~~يبدأ عمله، وهو يبدأ عمله أحسن بدء ممكن، فهو يدعو إليه منادي القرية ويتفق معه في حوار ~~بديع على أن ينادي في الناس أن الدكتور كنوك يستقبل المرضى بغير أجر صباح الاثنين من كل ~~أسبوع. وهو لا يكاد يفرغ من حوار المنادي حتى يقنعه بأنه مريض وبأنه في حاجة إلى علاج طويل ~~دقيق. وقد هم المنادي أن يسرع إلى بيته لينام، ولكن الطبيب يطمئنه فلا يطمئن، فيقنعه بأن ~~من شكا مثل علته لا ينبغي له أن يبدأ النوم بين مشرق الشمس ومغربها، وإنما ينبغي أن يظل ~~قائما نهاره حتى إذا أقبل الليل أوى إلى مضجعه فلم يقم إلا بإذن الطبيب. ثم تتتابع المناظر ~~سراعا في هذا الفصل، وكل واحد منها رائع ممتع حقا. فلا يخرج المنادي حتى يأتي المعلم ~~وكان الطبيب قد دعاه، وإذا الحديث بينهما غريب حقا، ظاهره النصح الذي لا شك فيه، وباطنه ~~المكر الذي لا مزيد عليه، ونتيجته الإقناع الذي ليس بعده إقناع. # فالطبيب مقتنع بوجوب التعاون بينه وبين المعلم، وهو يظهر الثقة بأن هذا التعاون قد كان ~~قائما خصبا بين المعلم والطبيب السابق. فإذا عرف من ms077 المعلم أن هذا التعاون لم يكن موجودا ~~وأنه لم يخطر له على بال، أنكر ذلك ودهش له، ثم جد في إقناع المعلم بوجوب هذا التعاون، ~~وأخذ يبينه وينظمه له تنظيما. فالناس يجهلون المرض ويطمئنون إلى الصحة ويغفلون عن هذه ~~العلل المخبوءة لهم في أجسامهم ومن حولهم، ولا بد من تنبيههم إليها ودلالتهم عليها ~~بمحاضرات تلقى فيهم من حين إلى حين تبين لهم المكروب وأنواعه وآثاره ومكره وأخطاره. تبين ~~لهم التيفود كيف تستخفي الدهر الطويل، وهي في أثناء ذلك تبيض وتفرخ وتملأ الجسم وتنتشر من ~~حوله فتمس الأجسام الأخرى. وتبين لهم أن الصحة كلمة لا تدل على شيء، ويجب أن تلغى من ~~المعاجم إلغاء، وأن من لم يكن عليلا فهو حامل لجراثيم العلة. وما يزال بالمعلم حتى يقنعه ~~ويروعه معا، فيخرج المعلم مؤمنا بنظرية الطبيب وجلا أشد الوجل لأنه حامل لجراثيم علة من ~~العلل ما في ذلك شك. # ولا يكاد يخرج المعلم حتى يدخل الصيدلي على موعد من الطبيب أيضا. ولن يكون حديثه مع ~~الصيدلي أقل روعة ولا أضعف إقناعا من حديثه مع المعلم. فهو واثق بأن الصيدلي يربح خمسة ~~وعشرين ألفا من الفرنكات في العام. فإذا أنبأه الصيدلي بأنه لا يبلغ عشرة آلاف دهش أشد ~~الدهش، وأنكر أشد الإنكار، وبين أن هذا ناشئ من التقصير في حماية الناس من المرض وصيانتهم ~~من الأدواء. وما يزال بالصيدلي حتى يقنعه بأن العام لن يمضي حتى يكون ربحه موفورا ملائما ~~لما ينبغي له ولما يجب عليه من العمل، ولما ينبغي للناس من اتقاء المرض، ولما يجب على ~~الطبيب والصيدلي من مقاومة العدو المشترك وهو الداء. ولا يخرج الصيدلي حتى يكون نداء ~~المنادي قد أحدث آثاره، فبدأ الناس يقبلون على هذه العيادة المجانية، وكان أسرعهم إليها ~~أكثرهم ثروة. # فهذه امرأة من أهل الريف قد أقبلت، ولا يكاد الطبيب يتحدث إليها حتى يعرف ثروتها، وإذا هي ~~ثروة لا بأس بها. ولولا أن العيادة مجانية لما أقبلت المرأة تستشير الطبيب فيما تجد من ~~فتور. وهو لا ms078 يشير عليها إلا بعد أن يقنعها أشد الإقناع، معتمدا في ذلك على الرسم ~~والمشاهدة بأنها مريضة حقا، وبأنها قد سقطت أثناء طفولتها عن أعلى سلم فانحرف بعض أعضائها ~~عن مكانه. وهذا مرض خطير يحتاج إلى علاج طويل دقيق، وهو يتكلف مالا كثيرا، وهو بعد ذلك ~~يخيرها بين الصحة الغالية وبين الموت الذي لا يكلف إلا الإهمال وادخار المال. وقد كانت ~~المرأة تتردد أول الأمر، ولكن الطبيب قد صور لها الموت تصويرا، والموت بشع، فلا بد من ~~اتقائه مهما يكلفها ذلك من المال. وقد جاءت ماشية من دارها، ولكنها ستعود في عربة؛ لأن ~~المشي يؤذيها أشد الإيذاء، ولا بد لها إذا وصلت إلى دارها من أن تنام وتعرض عن الطعام ~~وتنتظر عيادة الطبيب في كل يوم. # ولا تكاد تخرج هذه حتى تأتي امرأة أخرى من أرستقراطية الريف، لم تجئ مستشيرة وإنما جاءت ~~مهنئة للطبيب بحبه للفقراء وعطفه عليهم، وجاءت لتضرب المثل للفقراء ولتسهل عليهم زيارة ~~الطبيب، ولا سيما حين لا تكلفهم هذه الزيارة مالا. ومع ذلك فلا تكاد تهم بالخروج حتى ~~تسأل الطبيب عن شيء يحميها من الأرق، فلا يكاد الطبيب يتحدث إليها حتى يتبين لها أنها مصابة ~~بمرض خطير في المخ، وأن هذا المرض يحتاج إلى علاج طويل دقيق متصل غال. فأما المال فهي لا ~~تحفل به، ولكن أين الطبيب الذي يواظب على عيادتها في كل يوم؟ وصاحبنا يتمنع ويتأبى ثم يتعطف ~~ويرضى، وتخرج السيدة على أن تذهب إلى قصرها لتنام وتعرض عن الطعام وتنتظر عيادة ~~الطبيب. # وهؤلاء الفقراء من الفلاحين قد أقبلوا وأقبل بينهم شابان عابثان يهزآن بالطب والأطباء، ~~وقد دخلا على الطبيب ليضحكا منه ومن علمه، ولكنهما لا يخرجان إلا وقد ملئت قلوبهما فرقا ~~ورعبا. فأما أحدهما فيائس من الحياة، وأما الآخر فخائف أن يمتحنه الطبيب فيضطره إلى ~~اليأس. # فإذا كان الفصل الثالث فقد انقضت أشهر ثلاثة على استقرار الطبيب في هذه القرية، ولكن كل ~~شيء في القرية قد تغير، بل كل شيء فيما يجاور القرية من قريب ms079 أو بعيد قد تغير. فأما فندق ~~القرية فقد استحال إلى مستشفى وأصبح خدمه ممرضين، وأصبح أهل القرية جميعا وأهل القرى ~~المجاورة جميعا مرضى. منهم من يعالج في بيته، ومنهم من يعالج في الفندق المستشفى. ~~والطبيب لا يريح ولا يستريح، والصيدلي لا يهدأ في نهار ولا يستقر في ليل، والمعلم نشيط في ~~نشر الدعوة للطب. وقد أصبح الطبيب محببا إلى الناس جميعا، لا يختلف في حبه اثنان ولا ~~يشك في كلامه أحد. وهذا الطبيب القديم قد أقبل يتقاضى صاحبه بعض الثمن الذي باع به مكانه في ~~القرية، فما أشد دهشه حين يرى الفندق وصاحبة الفندق وخدم الفندق، وحين يرى الصيدلي؛ كلهم ~~ينكره وكلهم يتبرم به. وهو يحاور الطبيب الجديد ويطول بينهما الحوار، وإذا هو متأثر بهذه ~~النظرية الجديدة التي كان ينكرها، وإذا هو يعرض على صاحبه أن يرد عليه مكانه وأن يذهب هو ~~إلى ليون، والطبيب الجديد لا يقبل منه، ولكنه يظهر القبول أمام الصيدلي وأمام صاحبة ~~الفندق، فتظهر معارضة يا لها من معارضة! ويسمع الطبيب القديم ما يكره، وترفض صاحبة الفندق ~~أن تئويه لولا أن الطبيب الجديد يتوسط له ويعلن إلى صاحبة الفندق أنه مريض، وأن الطب لا ~~يأذن له بالسفر إلا بعد أن يستريح. فإذا خلا الطبيبان مضيا في الحوار، فأما الطبيب القديم ~~فيذكر الشرف، يذكر الحق ويذكر الإخلاص، ويذكر ضمير الطبيب وما ينبغي له من الأمانة والنقاء. ~~وأما الطبيب الجديد فيذكر الطب، وأن سلطانه يجب أن يبسط على الناس جميعا، وأن واجب ~~الطبيب إنما هو أن يخلص لمهنته وأن يخضع الناس لها، وأن كل صحيح متمرد على الطب يجب أن ~~يقاوم حتى يلقي بيده ويذعن للطب إذعانا تاما. وهو يعرض على صاحبه الخرائط التي رسمها ~~فصور فيها القرية وما حولها، وصور فيها انبساط سلطان الطب على هذه القرى قليلا حتى ~~عمها جميعا، وأخضعها لهذه المهنة المقدسة. # وقد بهر الطبيب القديم بما رأى وبما سمع، ولكن شيئا قد استقر في نفسه. ألم يسمع صاحبه ~~يعلن إلى صاحبة الفندق أنه ms080 مريض وأنه لا يستطيع أن يعود إلى مدينة ليون دون أن يستريح؟ وهو ~~في حقيقة الأمر يحس شيئا من الألم، وهو يريد أن يعرف فيه رأي صاحبه، وهو يسأله في استحياء ~~وتردد. ولكن الطبيب الجديد يدعوه هادئا باسما إلى أن يتناول معه طعام الغداء، فإذا فرغا ~~من طعامهما فقد يستطيع أن يمتحنه على مهل في عيادته كما يمتحن غيره من الناس. وإذن فقد ~~انتصر الطب على المرضى، وانتصر على الأصحاء، وانتصر على الطب والأطباء أيضا. وأي انتصار ~~أعظم من إقناع هذا الطبيب نفسه بأنه مريض؟! # ولم ألخص لك القصة إلا تلخيصا مشوها حقا، فقد أهملت ما فيها من حوار رائع وملاحظات ~~دقيقة يجدر بالأدباء ويجدر بالأطباء خاصة أن يقرءوها، فإنهم سيجدون فيها متاعا لا يشبهه ~~متاع. # | هدوء السر # قد يغضب المجمع اللغوي لهذا العنوان الذي يصور لغة العامة أكثر مما يصور لغة الفصحاء، ~~ولكني مع ذلك أوثره لأني أجد فيه الترجمة الصادقة للعنوان الفرنسي: # La paix ~~chez soi là ~~، كما أجد فيه تصويرا صحيحا دقيقا للقصة نفسها كما ~~سيراها القارئ. ولست في هذه المرة ملخصا ولا ذاهبا ذلك المذهب الذي ألفه القراء فيما ~~تعودت أن أكتب لهم من هذا الحديث كل أسبوع، وإنما أنا مترجم أضع لفظا عربيا مكان لفظ ~~فرنسي، وقد أختصر بعض الجمل إيثارا للإيجاز وأترك للقارئ أن ينقد ويفسر ويقضي. فلا بأس بأن ~~أريح القارئ من هذا التوسط بينه وبين كتاب الغرب من حين إلى حين، ولا بأس بأن أقف القارئ ~~من وقت إلى وقت أمام هؤلاء الكتاب وجها لوجه. # والمسرح يصور غرفة لأحد الكتاب وقد قام الكاتب أمام مائدة مرتفعة يكتب عليها لأنه من ~~الذين يؤثرون الكتابة وهم قيام. والكاتب حين يرفع الستار يحصي الأسطر التي كتبها ليعرف ما ~~بقي عليه أن يكتبه من الجزء الذي يرسله إلى صحيفته في كل يوم، فهو يكتب في هذه الصحيفة قصة ~~مسلسلة. # المنظر الأول # ترييل وحده قائما أمام مكتبه ومحصيا بطرف قلمه الأسطر التي كتبها بعد جهد شديد 274، ~~276، 278، 280، 285، لا ms081 بد من ثلاثين سطرا منها تقع في عشرين فقرة، ويضاف إليها ~~مقدار ضخم من نقط التعليق، ثم جملة مقطوعة قطعا حسنا يؤثر في القارئ ويختم به الفصل، ~~فإذا لم يرض القارئ مع كل هذا فله أن يذهب لينام. يا لها من مهنة! ثم يغمس قلمه في ~~الدواة ويتهيأ للكتابة ويتنفس ويتمطى ويتثاءب تثاؤبا طويلا، ثم يتحدث إلى نفسه. وهذا ~~يضايقك. تعلم، أيها الشيخ تشجع، خذ حظك من زيت كبد الحوت! ثم يستقر رأيه على الكتابة ~~ويأخذ فيها ممليا على نفسه بصوت مسموع: «ومع أن ساعة سان سفيران القديمة كانت منذ وقت ~~طويل قد أسمعت الدقات الثلاث للساعة الثالثة في صمت الليل» ... ثم يتحدث إلى نفسه: الدقات ~~الثلاث للساعة الثالثة. يا لها من مهنة! ثم يسخر ويرفع كتفيه ويمضي في الكتابة ~~والإملاء: «... كان الشيخ ماضيا على بطء في الذهاب والمجيء، وقد التف من رأسه إلى قدمه ~~في معطف قاتم اللون، وكانت تنحدر من عينيه دموع تتدحرج على لحيته البيضاء كأنها البرد.» ~~ثم يقطع الإملاء. ما أشد شبه هذا بكلام الحمير! ثم يمضي في الإملاء: «وكان يغمغم بهذه ~~الكلمات: يا للخزي! لقد أحسسته منذ عشرين سنة وما زال مع ذلك مضطرما لاذعا!» ثم يقطع ~~الإملاء ويقول متحدثا إلى نفسه ومثيرا للاضطراب لشدة سخفه. ثم يمضي في الإملاء: ~~«ماذا؟ أأحمل إلى الأبد ثقل هذا الخزي؟ ماذا؟ أأشعر إلى باب القبر بأن الدم يسيل من ~~جرحي قطرة قطرة؟» ثم يقطع الإملاء متحدثا إلى نفسه: هذا الكتاب سخيف لا يشبهه في السخف ~~إلا القارئ الذي قد يجد فيه متاعا. ثم يستأنف الإملاء: «وقد أخذ البرد يسقط.» وهنا ~~يطرق الباب طرقا عنيفا. حسن. امرأتي الآن. يضع قلمه، ولكن طرق الباب يستمر كأنه ~~المطر. نعم دقيقة، يا للشيطان! يذهب إلى الباب فيفتحه. # المنظر الثاني # ترييل وفالنتين # فالنتين ~~: # ما هذا التستر؟ أتراك تزيف النقد؟ # ترييل ~~: # لا شيء. لقد أغلقت الباب لأني محتاج إلى أن أكتب على عجل ومشفق أن أصرف عن ~~الكتابة. ادخلي. # فالنتين ~~(وهي داخلة) ~~: # أغلق الباب ms082 مسرعا حتى لا يفلت الإلهام. # ترييل ~~: # إن لديك دائما تحية حسنة تهدينها إلي. # فالنتين ~~: # وماذا تريد؟ وفيم إغلاق الباب من دونك وإكبارك نفسك إلى هذا الحد كأنك جوهرة ~~من جواهر الترف! إنك لتنظر إلى نفسك نظرة الجد وترى نفسك شيئا. # ترييل ~~: # إنك لسخيفة. # فالنتين ~~: # على كل حال لم أصل من السخف إلى حيث أقيس نفسي إلى لورد بيرون ~~(ثم تغمز بعينها) ~~. # ترييل ~~: # لا تتخذي الإساءة مذهبا يا فالنتين ... أين استكشفت أني أقيس نفسي إلى اللورد ~~بيرون؟ إنما أنبئك بأن عملي ... ~~(فلا تكاد تسمع كلمة ~~العمل حتى تغرق في ضحك عال) ~~، لست موفقة حين تلقين هذا الضحك في ~~وجهي. إنك لتخطئين إن ظننت أني أجد في هذا العمل لذة. # فالنتين ~~: # وأنت أشد خطأ إن ظننت أن غيرك يجد في عملك لذة ما. # ترييل ~~: # أي لذة تجدين في أن لا تقولي لي إلا ما يسوء أو ما تريدين أن يسوء؟ ... ومع ~~ذلك فسنرى أينا يضحك أخيرا ~~(فالنتين دهشة تنظر ~~إليه) # صبرا يا حبيبتي صبرا. # فالنتين ~~: # ماذا؟ # ترييل ~~: # أقول لك اصبري فالساعة قريبة. # فالنتين ~~: # أتعرف بماذا تذكرني؟! # ترييل ~~: # بالغزال. # فالنتين ~~: # هذا غريب. ما أصدق حدسك! # ترييل ~~: # أليس كذلك؟ وهكذا نحن حين نكتب في الصحف التي تأجر الكتاب ثلاثة فلوس على ~~السطر. ولعلنا نحسن إذا لم نمض في المغازلة إلى أبعد من هذا الحد. وإذا ~~انتقلنا إلى الجد. أتريدين أن تقولي لي شيئا؟ # فالنتين ~~: # في أكبر الظن، إلا أن أكون قد جئت لأستمتع بلقائك ولأتلقى حديثك كأنه جني ~~النحل. # ترييل ~~: # لا أجرؤ على أن أرجو ذلك. وإذن فأنت تريدين! # فالنتين ~~: # أريد النقد. # ترييل ~~: # أنفد ما عندك؟ # فالنتين ~~: # ما أجمل هذا السؤال! نعم قد نفد. فنحن في أول أكتوبر. # ترييل ~~: # هذا صحيح. # فالنتين ~~: # قد نفد ... قد نفد ... وكم أحب أن أعرف من أين يكون لي شيء من النقد الآن. أتظن ~~أني أستيقظ في الليل لأسرقك؟ # ترييل ~~: # من حدثك عن السرقة؟ وما هذه الخصومة التي تتكلفينها؟ لا أظن شيئا. فأنا ~~أعطيك في أول الشهر ما يحتاج ms083 البيت إليه من النقد. وبينما يمضي الشهر يمضي معه ~~النقد، فإذا انتهى فرغ الكيس؛ هذا يسير كما ترين. # فالنتين ~~: # وإذن فأد إلي النقد واحتفظ بجملك هذه الرائعة لتضعها في قصصك، فهي أحوج ~~إليها مني ~~(ثم تغمز بعينها) ~~. # ترييل ~~: # صبرا. # فالنتين ~~: # ماذا تقول؟ # ترييل ~~: # إن الساعة قريبة، بل هي أقرب مما كنت أظن. # فالنتين ~~: # أتعرف ماذا تصنع بي؟ # ترييل ~~: # أثقل عليك حتى أجهدك. # فالنتين ~~: # هذا غريب حقا. يحسن بك أن تصطنع قراءة النفوس. # ترييل ~~: # سأفكر في ذلك حين أدنو من الشيخوخة. أما الآن فسنتم حسابنا ~~(ثم يذهب نحو مائدته ويخرج من بعض أدراجها أوراقا ~~مالية) # وإذن. # فالنتين ~~: # ثمانمائة فرنك كما تعلم. # ترييل ~~: # ثمانمائة ~~(ثم يقلب في الأوراق) ~~، واحد، ~~اثنان، ثلاثة ... # فالنتين ~~: # وأجرة البيت؟ # ترييل ~~: # سأؤديها على حدة. أربعة. خمسة. ستة، وسأدفع إليك الباقي نقدا. # فالنتين ~~: # إن شئت. # ترييل ~~: # هذا أيسر لك ~~(ثم يخرج من جيبه ذهبا وفضة فيرصهما ~~على المائدة) ~~، وخمسين، فالمجموع ستمائة وخمسون. هذا حقك. # فالنتين ~~(دهشة) ~~: # ما هذا؟! # ترييل ~~: # نقدك. # فالنتين ~~: # أي نقد؟ # ترييل ~~: # ما يحتاج إليه البيت في هذا الشهر. # فالنتين ~~: # ليس الحساب دقيقا. # ترييل ~~: # كيف ذلك؟ # فالنتين ~~: # كلا. # ترييل ~~: # بلى. # فالنتين ~~: # كلا، أصرت مغفلا؟ اطرح خمسين وستمائة من ثمانمائة. # ترييل ~~: # يبقى خمسون ومائة فرنك. # فالنتين ~~: # وإذن؟ # ترييل ~~: # وإذن ماذا؟ # فالنتين ~~: # فأدها إلي. # ترييل ~~: # كلا. # فالنتين ~~: # لماذا؟ # ترييل ~~: # لأنك مدينة بها لي. # فالنتين ~~: # أنا؟! # ترييل ~~: # نعم أنت. # فالنتين ~~: # ما هذا الهذيان؟ لم تقرضني نقدا، على أني لم أتعود أن أقترض منك، فلعلي أحسن ~~تدبير أمري في شيء من الاقتصاد والنظام، ولعلك تنبهت إلى ذلك منذ زواجنا الذي ~~مضى عليه خمسة أعوام. # ترييل ~~: # إنك تبعدين عن الموضوع، فليس الأمر يمس فضائلك النادرة، ولكنه يمس عيوبك ~~التي لا تحصى مع الأسف. أتسخرين مني؟ والغرامة؟ # فالنتين ~~: # يظهر أني أتحدث إلى مجنون. أي غرامة؟ # ترييل ~~: # الخمسون ومائة فرنك التي فرضتها عليك غرامة - مع الأسف - لأنك تجاوزت ما ~~ينبغي في حديثك إلي ساخرة مرة، عاصية مرة أخرى. ~~(فالنتين تلقاه بالصمت والدهش.) # ترييل ~~: # ألا ms084 تفهمين؟ # فالنتين ~~: # لا أفهم حرفا. # ترييل ~~: # سأقرأ عليك التفصيل وحينئذ تفهمين ~~(ثم يخرج من ~~جيبه دفترا صغيرا فيفتحه ويقرأ فيه) ~~: أول سبتمبر: لأنها قطعت ~~بالرأي في مسألة دون أن تعلم منها شيئا، فلما اقتنعت بخطئها تعلقت به مع ذلك ~~سيئة النية؛ لتفرض رأيها فرضا ولتغيظ السيد ترييل، وهو رجل معتدل صابر حلو ~~الشمائل. تفرض عليها غرامة قدرها ثلاثة فرنكات وخمسة وتسعون سنتيما. # فالنتين ~~: # أي شيء هذا؟ ماذا؟ ما تقول! # ترييل ~~: # اليوم الثاني من سبتمبر: لأنها هيأت الغداء متأخرا عن موعده ربع ساعة على ~~حين كان السيد ترييل قد طلب إليها أن يتقدم الغداء ربع ساعة. فلما شكا من ذلك ~~قالت له: إذا لم يعجبك هذا فالتمس عشاءك حيث شئت. تفرض عليها غرامة قدرها ستة ~~فرنكات وسبعون سنتيما. # فالنتين ~~: # هذا ... # ترييل ~~: # اليوم الثالث من سبتمبر: لأنها سبت السيد ترييل ووصفته بأنه دنس وقذر، وذلك ~~حين أبى عليها أن تشتري مصباحا زجاجيا ملونا قصد به إلى تقليد الحديد ~~المصنوع. تفرض عليها غرامة قدرها فرنكان وخمسون سنتيما. # في اليوم الرابع من سبتمبر: لأنها قالت للسيد ترييل حين شكا خلو الحساء من ~~أطراف الدجاجة: إنك تعيد دائما ما تبتدئ، وهذا مع الأسف صحيح. تفرض عليها ~~غرامة قدرها فرنك وخمسة وأربعون سنتيما! # في اليوم الخامس: لأنها قالت له: أتذكر يوم عفوت عنك بعد أن عدت إلى البيت في ~~الساعة السابعة صباحا؟ تفرض عليها غرامة قدرها واحد وسبعون فرنكا. # فالنتين ~~(دهشة) ~~: # كم؟ # ترييل ~~: # واحد وسبعون. # فالنتين ~~: # ليس الثمن غاليا. # ترييل ~~: # من عفا عن إنسان فلا ينبغي له أن يذكر عفوه كل يوم. ومع ذلك فعم عفوت؟ فقد ~~بينت لك أني لم أدرك القطار. # فالنتين ~~: # لا أصدقك. # ترييل ~~: # صدقي ما شئت، ولكن إن آثرت أن تتعبيني برحمتك وتعذبيني بعظمة نفسك وتضطهديني ~~حتى يدركني الموت بذكرى إحسانك؛ فاحتفظي لنفسك بهذا الإحسان؛ فإني أوثر عليه ~~الموجدة والضغينة. فإذا لم يكن بد من أن أكون فريستك فإني أوثر ألا يكون لك ~~علي فضل. ~~(ثم يغمز بعينه) # ولا يتم. # في السادس: ms085 لأنها فوجئت وهي تحطم مصباح الدهليز لتكره السيد ترييل على أن ~~يشتري لها المصباح الزجاجي الملون الذي يقلد الحديد المصنوع. تفرض عليها غرامة ~~قدرها أربعة فرنكات وتسعون سنتيما. # في اليوم السابع ... # فالنتين ~~: # أيستمر هذا وقتا طويلا؟ # ترييل ~~: # ماذا؟ نظام الغرامات؟ سيستمر هذا النظام إلى أن تعودي إلى ما ينبغي لي من ~~الاحترام الذي لن أتسامح به منذ اليوم. # فالنتين ~~: # احترام! # ترييل ~~: # نعم. # فالنتين ~~: # هذا مضحك. # ترييل ~~: # طبعا. منذ خمسة أعوام قد اجتهدت في أن أغفر ذنوبك وأخلق لنفسي واجبات لأشغل ~~بتأديتها. أما اليوم فإني أغلو في الغرور حتى أفرض أنك ولو مصادفة قد لاحظت ذلك ~~وتأثرت به. فأنا إذن مخطئ. وإذن يا ابنتي فسأبقى على هذا الخطأ، فقد ضقت بك وقد ~~أخذت تخرجينني عن طوري. # فالنتين ~~: # لسنا في إصطبل، ولم أتعود أن أخاطب على هذا النحو. # ترييل ~~: # لن تحتاجي إلى أن تعلمي ذلك. # فالنتين ~~: # سنرى. # ترييل ~~: # لقد رأيت. # فالنتين ~~: # أيها العزيز ... # ترييل ~~: # تريدين أن ندخل في الشروح؟ فلندخل، ففي هذا رياضة. لقد مضت أعوام خمسة وعفوي ~~يشمل ذنوبك، وأنا أتبع قلبك كما يتبع الصائد طريدته، قلبك الذي هو هنا وأنا ~~أعفو كل يوم متعلقا بأمل لا يكاد يدركه الغد حتى يخيب. فأما في أول عهدنا ~~بالزواج وقد كنت أحاول الإقناع وأمدح لك فضائل الوفاق ومزاياه ولذة الاتحاد ~~الذي لا يفسده شيء، وأحدثك أحاديث تمليها حلاوة الشمائل والعطف. فكان هذا كله ~~جهدا ضائعا. # وذات يوم أضعت ساعة في هذا الإقناع من غير جدوى، ففقدت الصبر. فنهضت وأخذتك ~~من أذيال ثيابك، فلما أقررتك إقرارا محكما تحت ذراعي اليسرى أدرت ذراعي ~~اليمنى كما تصنع الغاسلة بثيابها ومنحتك ... # فالنتين ~~: # يا له من عمل عظيم! ما أجدرك أن تفتخر أيها الأحمق! أيها الجبان! أيها ~~الوضيع! # ترييل ~~: # سأنتفع بإذنك وسأفاخر بحقي. فإذن هذا العمل القوي الذي لم يذهب ضياعا قد ~~ألهمك خواطر نافعة، وقد عرفت دهرا كيف أستبقي نفعه حين كنت أهدي إليك من حين ~~إلى حين بعض هذه الضربات في الظروف المناسبة وفي غير جور ms086 ولا ظلم. فلست في ~~حقيقة الأمر جبانا ولا وضيعا كما تحبين أن تقولي، وإنما أنا رجل أديب ~~بائس. # فالنتين ~~: # لا حظ له من كفاية ... # ترييل ~~: # نعم لا حظ له من كفاية، ولكنه يطمع في أن يجد في بيته من الهدوء ما يمكنه من ~~الظفر بها أو بشيء منها. ولكنكن - مع الأسف - أيتها النساء تتعودن بسرعة أحسن ~~الأشياء. فقد رأيت مع الحزن وقتا أخذت لا تحفلين فيه بالضرب، وكاد يقبل وقت ~~آخر تجدين فيه للضرب لذة، فتحولت إلى نوع آخر من التمرين. هنالك خطر لي أن ~~أنتقم من أثاث البيت. # فالنتين ~~(ساخرة) ~~: # لقد كنت ذكيا. # ترييل ~~: # كنت ذكيا جدا، فلم أكد أحطم بضربة ~~واحدة تلك المرآة حتى رأيتك واجمة، فابتهجت لذلك وفرحت به حتى لم تمض ستة ~~أسابيع إلا وقد ضحيت في سبيل حاجتي الشديدة إلى الهدوء كرسيين، وإبريقا، ~~ومكتبة الموسيقى، والمصباح، والساعة، وآنية الحساء، وتمثال عمك أرسين الذي كان ~~زينة صالوننا المتواضع، وأشياء أخرى تمس إليها الضرورة. ولكن المحزن يا فالنتين ~~أن الأثاث ليس كذلك الطائر الذي يبعث بعد أن يصير رمادا. فلما رأيت أني مضطر ~~إلى أن أعوض ما أحطم، فسدت علي اللذة التي كنت أجدها في تحطيم الأثاث، ~~واضطررت إلى أن ألتمس شيئا آخر، ولكن ماذا؟ الرحيل! ولكن إلى أين؟ فهذه هي ~~المسألة بالقياس إلى رجل من الطبقة الوسطى يكره الحياة التي لا تبيحها القوانين ~~كما يكره الحياة المضطربة في الفنادق. وقد أخذت أجد اليأس لولا أن الله ألهمني ~~أن أفرض عليك أن تدفعي ثمن أغلاطك من جيبك الخاص. حل سعيد فيما أظن. حل ~~حاسم على كل حال لن أتحول عنه، فمنذ الآن إذن تستطيعين بكل هدوء، قوية بهذه ~~اليمين التي أقسمها لك، على أني لن أغضب مهما يكن ما يدعو إلى الغضب. تستطيعين ~~أن ترسلي أخلاقك الجهنمية على سجيتها. مهما تقولي ومهما تفعلي، فلن تنالك مني ~~أية لطمة ولا أقل دعوة إلى النظام، إنما أقيد ذلك في الدفتر ليس غير، وتؤدين ~~آخر الشهر. صيحي، اجأري، ازأري، اصخبي. ms087 أعلني ما استطعت من الفضائح، أزعجي ~~الجيران كما تريدين، فلن يشغلك شيء، ستؤدين آخر الشهر. لا خصومة فقد زهدت ~~فيها، لا نضال فقد تعبت منه. لقد أزمعت في حزم أن أظفر بالهدوء في بيتي، وإذ لم ~~أستطع أن أبلغه لا بالحسنى ولا بالعنف فقد آثرت أن أشتريه بمالك الخاص. وقد كان ~~لك مندوحة عن هذا لو منحتني هذا الهدوء بغير ثمن. لقد قلت فلن أؤخرك بعد الآن. ~~بونجور. تستطيعين أن تنصرفي إلى ما يشغلك. إني لمحزون لفراقك في هذه السرعة، ~~ولكن الواجب يدعوني والساعة تحثني وصحيفتي لا تنتظر. # فالنتين ~~: # إذا بلغت حاجتك من الكلام فأنبئني. # ترييل ~~: # لقد بلغت حاجتي منه. # فالنتين ~~: # هذا خير، والخمسون ومائة فرنك؟ # ترييل ~~: # لا شيء. # فالنتين ~~: # لا تريد أن تؤديها إلي؟ # ترييل ~~: # لا. # فالنتين ~~: # هذه فكرة ملحة. # ترييل ~~: # نعم. # فالنتين ~~: # إن البيت ثقيل. # ترييل ~~: # أعلم ذلك. # فالنتين ~~: # وأعباؤنا كثيرة. # ترييل ~~: # لا أنكر ذلك. # فالنتين ~~: # فأنا أنبئك أن من المستحيل أن أستقبل هذه الأعباء بخمسين وستمائة ~~فرنك. # ترييل ~~: # فاستدبريها إذن. # فالنتين ~~: # كما تريد، فسنعيش إذن على الخبز والماء النقي. # ترييل ~~: # كلا لا تظني هذا، ستنظمين أمرك كما تستطيعين. ولكن إذا لم أجد في أوقات ~~الطعام الغذاء الصحي الغزير الذي تحتاج إليه شهيتي، وهي آية ضمير المستريح؛ ~~فسألتمس غذائي في المطعم على حسابك بالطبع. فقد يكون من المضحك أن يفرض علي ~~الخبز الجاف كلما ساء خلقك أو فوجئت وأنت تحطمين المصباح. # فالنتين ~~: # أهذه كلمتك الأخيرة؟ # ترييل ~~: # الأخيرة. # فالنتين ~~: # حسن ~~(ثم تمد ذراعيها نحو النافذة) # ستدفع ~~إلي هذا المقدار أو سألقي نفسي من النافذة. # ترييل ~~: # من النافذة؟ # فالنتين ~~: # من النافذة! # ترييل ~~(يذهب متئدا إلى النافذة فيفتحها) ~~: # شبي! ... لحظة ... هلمي شبي! # فالنتين ~~(تبقى ساكنة وقد علقت بزوجها عينين يملؤهما البغض، ثم ~~تقول) ~~: # تبتهج لهذا أيها القاتل؟ ~~(ترييل يغلق النافذة ويعود إلى المكتب.) # فالنتين ~~(وهي تتبعه) ~~: # قاتل، قاتل، قاتل. # ترييل ~~(إلى مائدته وقد انحنى على الدفتر) ~~: # أول أكتوبر: لأنها أنذرت السيد ترييل ~~بأن تقتل نفسها بين يديه مستغلة بذلك حنان زوجها ms088 المخلص، تفرض عليها غرامة ~~قدرها ... أربعة فرنكات وخمسة وتسعون سنتيما. # فالنتين ~~: # جبان، جبان، جبان! # ترييل ~~(ممليا على نفسه) ~~: # ولأنها لم تنفذ نذيرها تفرض عليها غرامة قدرها خمسون سنتيما. # فالنتين ~~: # إني لأعلم ما تريد أن لا أعلمه. إنما تتمنى مهلكي. # ترييل ~~: # مهلك ... ~~(ثم يكتب) # خمسة وسبعون سنتيما؛ ~~لأنها استعملت في الحديث كلمة أخذتها من المعجم. # فالنتين ~~: # ما أكثر ما تألمت دون أن أشكو، لأعودن إلى أهلي ~~(ثم تخرج مسرعة) ~~. # المنظر الثالث # ترييل وحده # ولا بأس بالإعراض عن هذا المنظر، فقد عاد الكاتب إلى ما كان فيه أول القصة من الكتابة ~~والإملاء على نفسه. # المنظر الرابع # ولا بد من تلخيص هذا المشهد اجتنابا للإطالة، وتستطيع أنت أن تقرأه إن شئت. فهذه ~~فالنتين تمر في طريقها إلى الباب فتلقي إلى زوجها كلمة الوداع، ويرد عليها معرضا عنها، ~~ولكنها تتلكأ تسأله أليس يريد أن يقول لها شيئا؟ فإذا أجابها سلبا، ألقت إليه كلمة ~~الوداع مرة أخرى ورد عليها معرضا عنها كذلك. وما تزال تتلكأ وما يزال هو يعرض عنها حتى ~~يضطرها إلى الخروج. ولكنها لا تكاد تتجاوز الباب حتى تعود إليه فتتعلق به وتسأله أن ~~يؤدي إليها هذا المقدار الذي اقتطعه منها، فإذا أبى ألحت، وينتهي الإلحاح بها إلى ~~التوسل ثم إلى التضرع والاستعطاف، ثم إلى أن تقبل منه اقتطاع هذا المقدار، ولكن في ~~الشهر المقبل لأنها محتاجة إليه اليوم. # ويفهم هو، بل يرى، من حديثها ومن شكلها أنها محتاجة إلى هذا المقدار حقا، فإذا ~~سألها عن ذلك واستوثقت من أنه لن يشق عليها في الغضب والعقاب، اعترفت له بأنها قد ~~اشترت المصباح الذي كان يأباه عليها، واشترته نسيئة وكتبت صكا بالدين وزورت إمضاء ~~زوجها ليقبل البائع منها هذا الصك. ولا يقف أمرها عند هذا الحد، فلم تكد تعود بالمصباح ~~إلى بيتها حتى وجدته محطما. فإذا قصت على زوجها هذا كله مستخذية خجلة باكية رق لها ~~وعطف عليها، ولكنه مع ذلك يتكلف الجد والغضب، ثم ينتهي برد المقدار الذي كان اقتطعه ~~منها، فترضى وتطلب ms089 مثله، فإذا سألها دهشا: لماذا؟ أجابته بأنها قد أخذت حقها وبقي عليه ~~أداء الدين. هنالك يفقد ما يتكلف من الجد ويلقي السلاح ويعدها بأن يؤدي هذا الدين ~~بنفسه. # وأمام هذا الوعد تدهش فالنتين وتنظر إلى زوجها نظرة يملؤها العجب كأنها تستكشفه لأول ~~مرة، ثم تعرب عن هذا الاستكشاف بهذه الجملة: «حقا إنك زوج كريم.» وإذا هي بين ذراعي ~~زوجها نادمة معتذرة ملاطفة، قد وضعت رأسها على كتفه وهو يقول جملة يونانية معناها: رأس ~~جميل، ولكن فيه عقلا صغيرا. فإذا سمعت هذه اللغة الغريبة سألته عما يقول، فينبئها ~~بأنه يقول كلاما يونانيا، فتظهر ما أخفت من الإعجاب به، ثم تنصرف عنه ويخلو الفتى ~~إلى نفسه لحظة، ثم يعود إلى ما كان فيه من الكتابة فيحصي أسطره، حتى إذا انتهى من ~~الإحصاء رأى أنه قد بلغ ما يكفي لحاجة الصحيفة، فيكتب هذه الكلمة التي يمليها على نفسه ~~بصوت مسموع: «يتبع». # | العرق الذهبي # للكاتب الإيطالي بيراندلو # ولا بد من أن أقدم بين يدي هذا التلخيص أمرين: # أحدهما: # أن القصة التي ألخصها قديمة مثلت لأول مرة قبل الحرب الكبرى، وقد أعجب ~~بها الإيطاليون إعجابا شديدا، فعرضت عليهم مئات من المرات، وهي من أجل ~~هذا قد تظهر غريبة بعض الشيء أو غريبة كل الغرابة لهذا الجيل الذي ظهر بعد ~~الحرب الكبرى، وبعد أن تغيرت عقول الناس ومذاهبهم في الحكم على الأشياء، بل ~~في إحساس الأشياء والشعور بها. # على أن الترجمة الفرنسية لهذه القصة لم تمثل إلا منذ أعوام كما ترى في ~~العنوان. وقد أحس الفرنسيون غرابة القصة عما ألفوا في التمثيل المعاصر، ~~ولكنهم لم ينكروها ولم تنب عنها أذواقهم؛ لأن الموضوع الذي طرقته موضوع ~~خالد ثابت في نفسه مهما تتغير الأطوار والظروف، ولأن المشكلة التي عرضت لها ~~القصة مشكلة خليقة أن تظهر، بل هي تظهر بالفعل في كل زمان وفي كل بيئة، ~~فإذا تغيرت طرق الناس في الشعور بها، ومذاهبهم في حلها؛ فإن المشكلة في ~~نفسها لا تتغير ولا تمتنع من الظهور. # الثاني: # أن هذه ms090 القصة شديدة التأثر بمذهب معين في الأدب الإيطالي، وهو مذهب ~~الشاعر الإيطالي العظيم ديونزيو الذي كان شديد العناية بتصوير بيئة خاصة ~~لتمثيله تتألف قبل كل شيء من المظاهر والمعاني والأوضاع والأشكال التي تثير ~~شعور الفنان، وتدفع الشاعر إلى الحنين ثم إلى قول الشعر. فهو يخلق بيئة ~~شعرية فنية إن صح هذا التعبير، وهو يعرض عليك من المناظر هذه الصور ~~والأشكال التي تعجب الشعراء وتدفعهم إلى قول الشعر؛ فهو في إحدى القصص ~~مثلا يعرض قصرا جميلا، ولكنه مهمل قد تهدم، وأخذت آثاره يدركها ~~العفاء، وهو في قصة أخرى يعرض قصرا جميلا فخما، ولكنه قد أثث تأثيثا ~~سيطر عليه الذوق الراقي في جملته وتفصيله. ثم هو - كما سترى بعد حين - ~~يعتمد في قصته نفسها على مثل ما يعتمد عليه في المناظر من هذه المعاني ~~الفنية الشعرية الخالصة، ومعنى هذا أنه يلتمس المؤثرات في أشخاص القصة وفي ~~القصة وفي النظارة أنفسهم من الخارج، من أشياء لا تتصل بنفوس الممثلين ~~والنظارة ولا تصدر عنها، وإنما تسعى إلى نفوس الممثلين والنظارة وتؤثر ~~فيها. # والذين يحسنون العلم بالأدب الإيطالي الحديث، يعرفون أن بيراندلو قد غير هذا المذهب ~~تغييرا، وأخذ يلتمس عناصر قصته، ومظاهرها، من داخل النفس الإنسانية لا من خارجها؛ فهو ~~يواجه المشكلات النفسية مباشرة، وهو يلتمس لها الحلول من الطرق النفسية الخالصة كأنه أستاذ ~~يدرس ناحية من نواحي النفس، على أساليب العلماء البسكولوجيين. # فليس غريبا إذن أن يكون الحديث عن هذه القصة شيئا من الحديث عن تاريخ الأدب التمثيلي. ~~فإذا لاحظنا أن حياة الناس مفعمة في هذه الأيام بالحوادث العظام التي تنسيهم أو تكاد تنسيهم ~~الماضي، مهما يكن قريبا؛ عرفنا أننا لا نتحدث عن قصة معاصرة وإن كانت قد أنشئت، وعرضت على ~~النظارة، في هذا القرن الذي نعيش فيه. # والآن وقد فرغنا من هذه المقدمة التي لم يكن منها بد، نعمد إلى القصة نفسها، فنعرض ~~خلاصتها عليك في إيجاز، ونترك لك الحكم على قيمتها الفنية الخالصة، وإن كان النقاد ~~الفرنسيون والإيطاليون قد أجمعوا على الثناء ms091 عليها إجماعا لم يكد يشذ عنه شاذ. # والمشكلة التي عرض لها الكاتب الإيطالي مألوفة - كما قلت - في كل زمان وفي كل بيئة، وهي ~~مشكلة المرأة التي لا تتاح لها الحياة الزوجية إلا ريثما تصرف عنها صرفا، ولكنها تصرف عنها ~~وقد تركت لها ابنا أو بنتا فهي تشغل بتربية الابن أو البنت وتنشيئهما عن نفسها وقتا ما، ~~حتى إذا استكمل الفتى أو الفتاة حظه من التربية أتيح لهذه الأم من الفرص ما يذكرها بنفسها، ~~ويوقظ عواطفها وميولها وأهواءها وغرائزها التي كانت نائمة أو كالنائمة. وإذا هي موضوع صراع ~~عنيف بين غريزة الأمومة من جهة، وغريزة المرأة من جهة أخرى، وإن كانت غريزة الأمومة قد أرضت ~~حاجتها، وأدت واجبها وأصبحت تستطيع أن تهدأ وتستقر. فانظر كيف صور الكاتب هذه المشكلة، ~~وانظر إلى الحل الذي عرضه لها. # فأما حين يرفع الستار عن الفصل الأول، فنحن في قصر من قصور الأغنياء الإيطاليين في مدينة ~~بولونيا، والخادم يدخل زائرا من الزائرين إلى حجرة الاستقبال، ويرجو منه أن ينتظر ريثما ~~ينبئ سيده بمكانه. وهذا الزائر - كما سيظهر لنا أثناء القصة - شاعر قوي الشاعرية، قد بدأ ~~يعرف في البيئات الأدبية، واسمه جي منفريدي. وهو ينتظر كما طلب إليه أن ينتظر، ولكنه أثناء ~~ذلك معجب بما حوله من التحف التي نسقت تنسيقا حسنا، يدل على ذوق حسن؛ فهو ينظر كأنه ~~يمتحن. وإنه لكذلك وإذا رجل شيخ قد دخل عليه وهو شديد النشاط، كثير المرح، لا يحب الصمت ولا ~~يطيقه؛ فهو يتحدث إلى نفسه ويبذل جهدا غير قليل لحمل هذا الشاعر على الحديث. وسنعرف بعد ~~قليل أن هذا الشيخ أستاذ من أساتذة الطب العقلي، واسمه ألباني، وهو صديق للأسرة ملازم لها ~~منذ عهد بعيد، له عندها حقوق وعليه لها واجبات. ثم يأتي سيد القصر بعد قليل، وهو شاب قد بلغ ~~العشرين من عمره، عظيم الثروة، جميل الشكل، قوي، شديد النشاط، شديد الميل إلى الجد، قليل ~~الحظ من اللهو والعبث، واسمه كونراد. وهو صديق الشاعر قد عرفه في روما، وقويت ms092 الصلة بينهما، ~~وهو سعيد بمقدم صديقه ، يريد أن يقضي معه وقتا غير قصير في هذه المدينة، وهو يذهب ليدعو ~~أمه، وتأتي أمه بعد قليل، ولكننا نعرفها قبل أن تقبل، فهي امرأة شابة قد زوجت ولما تكد ~~تبلغ السابعة عشرة من عمرها، ولم تقض مع زوجها إلا خمسة أشهر، ثم هجرها هذا الزوج وفارق ~~إيطاليا كلها مع خليلة له روسية، ثم انقطعت عنها أخباره فلم تعرف من أمره شيئا، ولكنه ~~تركها حاملا. ولم تكن قد أحبته حين زفت إليه، فلم يكن حزنها لهجرانه إياها شديدا، ولا ~~لاذعا، وإنما تعزت بانتظار الجنين، ثم شغلت بابنها نفسه بعد مولده، فانصرفت عن الحب ~~والحزن إلى هذا الطفل الذي وقفت عليه حياتها كلها. وها هي هذه تقبل فلا يكاد الشاعر يراها ~~حتى يملكه إعجاب بها، ودهش لجمالها وشبابها، لا يكاد يخفيه. وليس من شك في أنها هي أيضا لم ~~تكد ترى الشاعر وتسمع بعض حديثه حتى وقع من نفسها موقعا خاصا، ولكن التليفون يدعو. فإذا ~~استجاب لدعائه عرف أن قريبة له هي إميلي تنبئه بمقدمها مع جماعة من أصحابها، وتريد أن تقضي ~~في القصر ساعات فيها لهو، وشراب، وطعام. # ونعلم نحن بعد حين من أمر هذه السيدة أنها صاحبة دعابة ومجون، وأنها تتبع فتى القصر ~~بدعابتها ومجونها؛ لأنها تهواه كما تهوى كل فتى له حظ من جمال وشباب. وقد أقبلت وأقبل معها ~~أصحابها، وهيئ لهم مجلس اللهو في الحديقة، فخرجوا يلهون. ولكنها انتهزت فرصة فتحدثت إلى ~~الفتى بحبها ودعته إلى زيارتها، وسمع لها الفتى في غير رفض وفي غير إباء. وقد أحست أمه ~~هذا وهي مشفقة عليه من هذه المرأة بعض الشيء، تخاف أن تصرفه عنها. على أننا لا نلبث أن نرى ~~ماريا، وهي سيدة القصر قد أقبلت إلى الغرفة كأنها تريد العزلة، فهي في غير حاجة إلى الطعام، ~~ولا إلى الشراب، ولا إلى اللهو. ولكنها لا تلبث أن ترى الشاعر قد أقبل؛ لأنه أيضا ليس في ~~حاجة إلى شراب ولا إلى لهو. وهما يتحدثان، ms093 ويتحدثان عن كنيسة قريبة قد زارها الشاعر منذ ~~أعوام حين استكشف قسيسها في فنائها قبرا قديما عليه نقش قديم، وقد عرف الشاعر والقسيس من ~~هذا النقش أن صاحبة القبر فتاة يونانية، وأن القبر كان قد أعد لها ولزوجها، فدفنت فيه ~~وحدها لأن زوجها قد دفع إلى ما كان يدفع إليه حكام الأقاليم في ذلك الوقت من حروب قلما ~~يعود المدفوعون إليها، فهي في قبرها وحدها تنتظر زوجها منذ عهد بعيد، وانتظارها هذا يلهم ~~الشاعر ويثير في نفسه موضوعا سينظم فيه ديوانا خاصا. وواضح جدا أن قصة هذه الفتاة ~~اليونانية التي تنتظر زوجها في القبر منذ قرون تشبه إلى حد ما قصة صاحبة القصر التي ذهب ~~عنها زوجها منذ أعوام طوال، فهي تنتظره أو تنتظر غيره. هي تنتظر على كل حال، وقد فهمنا نحن ~~من الحديث بين الشاعر وهذه المرأة أن صلة قوية قد نشأت بين نفسيهما وإن كانا لم يشعرا بها ~~شعورا واضحا. # ومهما يكن من شيء فإن الستار لا يكاد يرفع عن الفصل الثاني حتى يتبين أن هذه الصلة لم ~~تكن عبثا ولا ظنا، وإنما كانت حقا، وكانت أدنى إلى الجد من كل تقدير. فنحن حين يرفع ~~الستار عن الفصل الثاني في نفس المكان الذي كنا فيه أثناء الفصل الأول، ونحن نرى كونراد ~~كئيبا كاسف البال، مشرد النفس، لا يكاد يحفل بأحد ولا يكاد يفرغ لشيء، وقد أقبلت عليه ~~صاحبته فهي تحدثه وتداعبه وتنبئه بأنها انتظرته للموعد الذي كان بينهما، فلما أبطأ عليها ~~سعت إليه، ولكنه عنها مشغول، لا يكاد يلتفت إليها، ولا يحفل بحديثها، وهذا الأستاذ الطبيب ~~قد أقبل، فلم يظفر من عناية الفتاة بشيء. ونحن نفهم من حديثهم جميعا أن قد مضت أشهر على ما ~~رأينا في الفصل الأول، وأن صاحبة القصر قد خرجت مع الشاعر كعهدها منذ زمن طويل، تزور الآثار ~~والمناظر الطبيعية الرائعة. لم يمنعها من ذلك هذا البرد الشديد ولا هذا الثلج الذي يسقط ~~متصلا ملحا. ثم لا تكاد تمضي لحظات حتى تعود صاحبة ms094 القصر، ومعها شاعرها، وهما مفتونان ~~بجمال ما شهدا من المناظر، وما زارا من المتاحف والآثار، وهي خاصة سعيدة كل السعادة بما ~~رأت وبما شهدت، تتحدث عن ذلك كله حديث المشغوف به، إلى أقصى حدود الشغف، وهي تحس من ابنها ~~فتورا وازورارا، فتسأله عن ذلك، فلا يجيبها بشيء. على أنها لا تلح في السؤال، كأنها ~~مشغولة عن ابنها بما يملأ نفسها من جمال ما رأت وما سمعت وما أحست. ونشعر نحن بأن الفتى ~~يألم لذلك أشد الألم، ويضيق به أشد الضيق، على أن أمه لا تكتفي بخروجها مع هذا الشاعر ~~وانصرافها إليه وافتتانها به. ولكنها تدبر في غير تكلف لاتصال العلاقات بينهما، فهي تنظم ~~خروجها معه إذا كان الغد، وسفرها معه بعد أيام لزيارة بعض الآثار، وهي تدعوه للعشاء معها ~~هذا المساء، وللإفطار معها من الغد، والفتى يسمع ويرى وينكر في غير قول. حتى إذا تفرق الناس ~~ولم يبق إلا الفتى وأمه، وهذا الشاعر، لم تلبث الخصومة أن تظهر بين الفتى والشاعر يسيرة ~~أول الأمر، ثم قوية شديدة العنف. فالفتى مغيظ محنق، وهو يسخر بهذه الآثار التي تزورها أمه ~~مع هذا الشاعر، ويسخر خاصة بمذهب الشاعر في فهم الأشياء، والحكم عليها. فهذا الشاعر يفسد ~~الأشياء الجميلة بتصوره لها على هذا النحو الغريب. هذه الفتاة اليونانية التي استكشف قبرها ~~في الكنيسة والتي زعم الشاعر أنها كانت عاشقة فحيل بينها وبين زوجها وظلت تنتظره قرونا، ~~هذه الفتاة كان الناس يرونها قديسة، وكانوا يلتمسون عندها ما يلتمس عند القديسين من المعونة ~~والعزاء، فأصبحت الآن عاشقة مفتونة يلهو بحديثها الشعراء وأصحاب المجون ولا يلتمس الشعب ~~عندها معونة ولا عزاء. وما يزال الحديث بين هذين الرجلين يسوء ويسرف في السوء حتى يبلغ ~~الفتى الغيظ، وإذا هو ينصرف من الحجرة ثائرا مهتاجا، ويدع الشاعر وأمه حائرين بل مختلطين، ~~فهما قد عرفا ما يحزن الفتى وما يسوءه، فقد استكشف الفتى ما بينهما من حب، وقد ثارت الغيرة ~~في نفسه فأفسدت عليه أمره ومزاجه، وأخرجته عن طوره. وهما يستيقنان ms095 الآن بأن بينهما حبا، ~~دفعا إليه دفعا، وليس فيه من شك. وهذه الأم نادمة على حبها، محزونة على ابنها، مدفوعة إلى ~~التضحية بهذه الحياة الحلوة التي كانت تبسم لها، لتقصر حبها على ابنها الشاب. # وهذان العاشقان يفترقان إلى غير لقاء، وهذه المرأة محطمة تبكي أملها، الذي لم يشرق إلا ~~ليستحيل إلى ظلمة قاتمة، ويأس مهلك. ويعود الفتى بعد حين، فتنبئه أمه بأن الشاعر قد مضى إلى ~~غير رجعة، وإذا هو يجثو أمامها، ويضع رأسه في حجرها ويبكي بكاء مرا. # ثم يرفع الستار عن الفصل الثالث بعد عام، وإذا نحن في الغرفة نفسها نرى الأم ضعيفة ~~منهوكة قد بلغ منها الجهد، وابنها يمرضها، ويطب لها، مخلصا شفيقا. ويفهم من الحديث ~~أنهما أنفقا عامهما في السياحة التماسا لشفاء هذه المرأة من علتها المجهولة فلم يظفرا ~~بشيء. وقد أقبلت صاحبة الفتى زائرة مسلمة، وأقبل الطبيب كذلك زائرا مسلما، وهو يلح على ~~هذه المرأة في أن تخرج معه، ليمتحنها أولا، ثم ليزور معها ملجأ لليتامى كثيرا ما كانت ~~تزوره قبل سفرها. وهي تخرج ويتبعها الطبيب، ثم يعود بعد حين فيخلو إلى الفتى وينبئه بأن أمه ~~لا تشكو علة معروفة وإنما تشكو شيئا غامضا، وهو يحاول أن يوضح هذا الشيء الغامض فيجد في ~~ذلك مشقة، ولكنه ينتهي إلى الصراحة فيلفت الفتى إلى أن أمه ما زالت في ريعان الشباب، وأنها ~~قد كظمت عواطفها وغرائزها، ومن الجائز أن تكون هذه العواطف والغرائز المكظومة قد صادفت ما ~~أثارها، فلا بد من الاعتراف بالحق ومن مواجهته بشجاعة وصراحة، فعواطف الناس وغرائزهم ~~موجودة، ولها قوتها وسلطانها، وقد تستطيع الإرادة أن تقهرها ولكنها هي تستطيع أن تحطم الجسم ~~تحطيما، تفنيه إفناء. والفتى يدافع الطبيب عن هذا القول، ولكن الطبيب قد ألقى كلامه، وطلب ~~إلى الفتى أن يكون شجاعا وأن يواجه الحقائق الواقعة في غير جبن ولا نفاق. # وقد انصرف الطبيب وظل الفتى وحده لحظة، وقد انجلى له الأمر، ووضحت أمامه الحقيقة، فهو جزع ~~يبكي ما وسعه البكاء. وهذه صاحبته قد ms096 عادت إليه، وهي تتحدث بأحاديثها أثناء غيبته، وهي ~~تدعوه إليها يائسة منه، ولكنه يستبقي ردها، وحبها أيضا. وهي تنبئه بأن الشاعر في المدينة ~~يتردد على الكنيسة منذ شهرين، فلا يكاد يسمع ذلك حتى يعود إليه تفكيره فيما كان يفكر فيه، ~~وإذا هو يتناول القلم ويخط أسطرا ويدعو الخادم ويدفعها إليه، ولا يكاد يخلو إلى نفسه ~~لحظات، حتى يعود الخادم فينبئه بأن الشاعر مقبل في أثره. وهذا الشاعر قد أقبل والفتى يلقاه ~~باكيا مغرقا في البكاء. والفتى يريد أن يتحدث إليه بما في نفسه فلا يستطيع؛ لأن موضوع ~~الحديث دقيق عسير، والشاعر يسأل الفتى ما خطبه، وما يحزنه، ولكن لا يحير جوابا، وما يزال ~~الشاعر يسأل والفتى يتعثر في الجواب حتى يفهم عنه الشاعر بعض ما كان يريد، وإذا الشاعر ~~يهون على الفتى ويعزيه، ويقول له: لقد رأيت قوما يحفرون في الأرض وينغمسون في التراب ~~والطين حتى يعلوهم الكدر، بل يشملهم، ولكنهم آخر الأمر ينتهون إلى العرق الذهبي الذي كانوا ~~يبحثون عنه، فهم سعداء بما انتهوا إليه، لا يحفلون بما علق بهم من التراب والطين ما داموا ~~قد انتهوا إلى الذهب. وأنت كهؤلاء الناس قد أخذت تبحث في أعماق نفسك، بل في أعماق النفس ~~الإنسانية، وتنغمس في كدر الغرائز وسيئاتها وآثامها، حتى انتهيت إلى العرق الذهبي وعرفت أن ~~للطبيعة حقها وأن الأمومة لا تقضي بأن تفنى الأم في ابنها، وأن البنوة لا تقضي بأن يملك ~~الابن أمه. وقد فهم كل من الرجلين عن صاحبه. وهذا الفتى يدعو الشاعر إلى أن يستأنف تردده ~~على القصر، ثم تقبل الأم متعبة مكدودة فيلقاها ابنها متجلدا، وهو ينبئها بأنه قد رأى ~~الشاعر، وبأن الشاعر سيستأنف زيارته كل يوم منذ هذا المساء، والأم تسمع هذا الحديث فيكاد ~~يصعقها، وقد فهمت عن ابنها، وعرفت أنه قد فهم، وهي مستخذية وهي سعيدة، وهي صامتة ودموعها ~~تنحدر متصلة في غير كلام، ولا حركة، وقد نهض الفتى إلى أمه فضمها إليه، وألصق وجهها إلى ~~وجهه، وامتزجت دموعهما. # | كنت أنتظرك # قد ms097 لا تكون هذه القصة ملائمة لما ألف القراء أن أتحدث إليهم فيه؛ لأن موضوعها يتجاوز ~~إلى حد بعيد ما نحب نحن ألا نتجاوزه في أحاديثنا من الأوضاع والتقاليد، ولكنها مع ذلك خليقة ~~بأن نقف عندها اليوم؛ لأنها قيمة ممتعة من جهة، ولأنها تمثل لونا من ألوان الأدب التمثيلي ~~الفرنسي عاش أعواما، ثم انقضى عهده واستحال إلى طور جديد، وهو أدب الشباب الذين أخذوا ~~يكتبون في أعقاب الحرب الكبرى متأثرين بما أحدثت هذه الحرب في حياة الناس وأخلاقهم، ~~وأحكامهم على الأشياء، وتقديرهم لها من فساد واضطراب. كان أخص ما يمتاز به هذا الأدب لا في ~~التمثيل وحده بل في غيره من الفنون الأدبية: ازدراؤه للعرف، وخروجه على التقاليد، واستهزاؤه ~~بما ألف الناس، وانصرافه عما أحبوا، واسقباله للحياة على أنها لغو لا غاية لها، ولا قوام من ~~المثل الأعلى، وإنما هي أيام تقضى فرضت على الناس فرضا، دخل الناس فيها كارهين، وسيخرجون ~~منها كارهين، لا يملكون لها إصلاحا، ولا تدبيرا، وإنما تملكهم هي وتقهرهم ظروفها الطارئة ~~فتعبث بهم، وتجشمهم ما يكرهون. فلا بد للناس إذن من أن يأخذوا هذه الحياة كما هي، ومن أن ~~يسخروا من الظروف كما تسخر منهم الظروف، ومن أن يزدروا التقاليد التي أقيمت عليها حياة ~~الجيل السابق فانتهت إلى كارثة الحرب، وأقامت الأدلة الناصعة على أن حضارة الناس، وقواعدهم ~~كلها، عبث لا خير فيه. # ومن أجل هذا كله أصبح الشباب الذين ظهروا في الأدب بعد الحرب أصحاب لذة وتهالك على ~~المنفعة واستخفاف بالخلق، يقبلون على ذلك في سيرتهم العملية ويصورون ذلك في آثارهم ~~الأدبية. وكان الجيل الذي سبقهم يكره ذلك منهم ويضيق به، ويقاومهم رفيقا بهم حينا وعنيفا ~~عليهم حينا آخر. وما زال هذا النزاع متصلا بين شيوخ الجيل القديم وشباب الجيل الحديث، حتى ~~فعلت الأيام فعلها وأحدثت الحياة آثارها وثاب إلى الشباب بعد أن تقدمت بهم السن قليلا شيء ~~من رشد، وفضل من صواب. فأما الذين كانوا يتخذون الخروج على التقاليد وازدراء المألوف مذهبا ~~وطريقا إلى الظهور، ms098 دون أن تكون لهم من وراء ذلك قيمة صحيحة؛ فقد خمدت نارهم، وذهبت ريحهم، ~~وغمرتهم الحياة. وأما الذين كانوا يذهبون في ذلك مذهب المجاراة ولهم من ورائه قوة فنية تقدر ~~على المقاومة وتثبت للتطور؛ فقد ردوا شيئا فشيئا إلى القصد والاعتدال، وانجلت عنهم ~~الغمرة، وقد استقرت قلوبهم في صدورهم، وهدأت عواطفهم الثائرة، واتخذت نفوسهم الجامحة سبيلا ~~قصدا إلى الإنتاج الأدبي القيم. وكان كاتبنا من هؤلاء، فقد قدم قصته الأولى إلى الملعب ~~ولما يتجاوز العشرين، وكان أشخاص قصته الأولى كلهم غلمانا مثله، وكان يشهد تمثيل هذه القصة ~~ويرى إعجاب الناس بها، ورضاهم عنها، وهو هادئ مطمئن لا يزدهيه الفوز ولا يبطره النجاح، ولا ~~يخرجه عن طوره إسراع أمه إليه تقبله فيما بين الفصول، بأعين النظارة الذين كانوا يرون ذلك ~~فيشتد إعجابهم به وتصفيقهم له. # ومضى هذا الشاب أو هذا الغلام الحدث في إنتاجه الأدبي الجريء، يخرج القصة والقصتين في كل ~~عام، ويظفر بالفوز المتصل، وعقله في أثناء ذلك ينمو، وقلبه في أثناء ذلك يعتدل، حتى انتهى ~~سنة 1928 إلى هذه القصة التي أتخذها اليوم موضوعا لهذا الحديث، ولم يكن حين قدمها للملعب ~~قد جاوز الثامنة والعشرين، وإذا النقاد يلاحظون تطوره واستقرار قلبه وهدوء نفسه، وتغلب ~~عقله على عواطفه، وتسلط عقله على فنه أيضا، فيسمونه الشاب الحكيم. وأحب أن تلاحظ أن هذه ~~القصة قد استبقت بعض ما ألف هؤلاء الشباب من التقاليد الفنية، ولكنها مع ذلك قد خطت نحو ~~الروية والاعتدال خطوات بعيدة، فهي صراع على الحب بين الشباب المحدثين والكهول الذين تقدمت ~~بهم السن، وهي من هذه الناحية حرة طلقة لا تكاد تتقيد بعادة أو تقليد. وحسبك أنها تنشأ في ~~حانة من الحانات بين الرقص والعزف والتهالك على الشراب. وحسبك أن أشخاصها جميعا عشاق أصحاب ~~لذة ولهو غير مباح، فكلهم خليل أو خليلة. ولا تكاد ترى فيهم زوجا، بل نحن نسمع أثناء القصة ~~حديث امرأة متزوجة، تهم باللهو والخيانة، ولكنها في آخر الأمر تحجم عنهما إحجاما، تخاف ~~العاقبة، فتأبى أن تتجاوز ms099 حدود القانون. # ولكن القصة من ناحية أخرى تنتهي إلى شيء من تحكيم العقل والإذعان لما ليس منه بد، ~~والتسليم بأن الفتيات للفتيان، والشيخات للشيوخ، وبأن من الخطأ أن يعدو الشيوخ على الشباب ~~فيستأثروا بحبهم دون الذين يلائمونهم في السن ويقاربونهم في النشاط وتصور الأشياء، والحكم ~~عليها. وأخرى لا بد من أن نلاحظها، وهي مهارة الكاتب في هذه القصة، هذه المهارة التي مكنته ~~من أن ينشئ القصة متحدة متسقة متناسبة الأجزاء، ولكن كل فصل من فصولها يستطيع مع ذلك أن ~~يستقل ويكون قصة قائمة بنفسها يمكن الوقوف عندها، والاكتفاء بها. # ولست أطيل في ذكر ما تمتاز به هذه القصة أيضا من جمال الحوار ورشاقته، وتكونه من جمل، ~~قصار سراع يلي بعضها بعضا، في خفة كأنها الطير تستبق في جو جميل. # ونحن نشهد في أول القصة حانة من الحانات، ذات شقين، يفصل بينهما ستار يحجب الأشياء ~~والأشخاص، ولكنه لا يحجب الأصوات. فأما أحد هذين الشقين فمستقر الخدم، والخزانة، ومستودع ~~الشراب، وفيه مجالس قليلة للذين يحبون العزلة ويؤثرون الهدوء. وأما الشق الثاني من وراء ~~الستار، ففيه المرقص، وفيه مجالس اللاهين واللاهيات، ونحن نسمع أصوات الموسيقى، فنفهم اتصال ~~الرقص حتى إذا ما انقطعت هذه الأصوات عرفنا أن الرقص نفسه قد انقطع. ونحن نرى الخدم يذهبون ~~ويجيئون ويحملون إلى الناس من وراء الستار ما يطلبون من شراب. ونحن نرى أشخاصا قد آثروا ~~العزلة، فجلسوا في الناحية الهادئة المطمئنة، ولكن بعضهم يختلف إلى المرقص بين حين وحين ~~ليتمكن بعضهم الآخر من أن يفرغ للحديث ويدبر من أمره ما يريد. # وهؤلاء الأشخاص، الذين سنراهم يضطربون في القصة كلها ليسوا كثيرين، وإنما هم فتى مصور في ~~الخامسة والعشرين، هو جان فافييه، وخليلته مادلين امرأة قد تقدمت بها السن، ولعلها قد ~~نيفت على الثلاثين، وصديق لهما اسمه جاستون ساذج ضعيف الرأي، يكاد يكون مضحك القصة، ثم ~~رجل آخر قد تقدمت به السن، ولعله جاوز الأربعين، وهو بيير فروملان. وهو يحب فتاة في الرابعة ~~والعشرين من عمرها، واسمها كوليت. ونحن ms100 في أول القصة نرى رجلا غريبا يتردد في الحانة في ~~شيء من الحذر ومدير الحانة ينكره، أو هو يعرفه ولكنه ينكر وجوده في هذه الحانة ويدعوه إلى ~~أن ينصرف أو إلى أن يستخفي، ونفهم نحن أن هذا الرجل شخص من هؤلاء الأشخاص الذين يصطنعون ~~تتبع الناس والبحث عن أسرارهم ودخائلهم واستكشاف ما يقدمون عليه من أمر حين يذهبون أو ~~يجيئون. # وهذا جاستون الذي قدمت ذكره قد أقبل ساذجا مغرورا، فاحتجز مائدة هادئة في ناحية معتزلة، ~~وأنبأ أن صديقيه قادمان بعد حين، وهو يداعب مدير الحانة ويمازحه، وهذان الصديقان قد أقبلا ~~فإذا امرأة جميلة هادئة النفس، حلوة الحديث عذبة الروح قوية الحب، وإذا معها فتى قلق مضطرب، ~~شديد الحيرة لا يكاد يستقر ولا يرضى عن شيء، ولا يطمئن إلى شيء، ولا يعرف ما يريد، وهو يحب ~~صاحبته ولكنه معتدل في حبه، صادق فيه أيضا. وهي تود لو كان حبه أقل اعتدالا، وأشد حرارة، ~~ولكنها تعلم أن ليس إلى ذلك من سبيل. فصاحبها مصور يحب فنه، ويخضع لما يخضع له أصحاب الفن ~~من هذه الخصال الشاذة التي تدفعهم إلى غير المألوف، والتي تحببهم إلى النساء أيضا. فصاحبته ~~مذعنة على كره منها لهذا الحب المعتدل، صابرة على ما تقاسي من شقاء، ومن حرمان. وقد خلا ~~الفتى لحظة إلى صديقه، ففهمنا من حديثهما أن هذا الفتى المصور كثير التنقل بهواه وحبه. وهو ~~يحب صاحبته هذه، ولكنه يفلت منها بين وقت ووقت، ليستمتع بلذات الحياة بين ذراعي هذه المرأة ~~أو تلك، على أنه لا يستقر بين هذه الأذرع التي تتلقاه إلا ريثما يفلت منها ليعود إلى صاحبته ~~مادلين. هو يطلب شيئا لا يبلغه، وهو لا يبلغه لأنه لا يحققه في نفسه. وهذه ضحية من ضحاياه، ~~قد كانت في المرقص، فلما رأت مادلين مشغولة مع بعض الناس أقبلت إلى الفتى تعاتبه وتستعطفه، ~~ثم استيأست منه فعادت إلى حيث كانت تلتمس في اللهو عزاء عن هذا الهجران. # ولكن الفتى شديد الاضطراب هذه الليلة، في نفسه أمر عظيم، ms101 فقد رأى في طريقه عربة يركبها ~~اثنان : رجل لم يحفل به، وامرأة لم يكد يراها حتى راعته. وكأنه قد راعها أيضا، فقد اشتبكت ~~أعينهما، ولم تكد تفترق إلا بعد جهد. وهو مستيقن بأن هذه المرأة هي مثله الأعلى الذي يسمو ~~إليه ويلح في طلبه، ولا بد له من أن يصل إلى هذه المرأة. هو لا يعرفها ولا يعرف من أمرها ~~شيئا، ولكنه مع ذلك واثق بأنه سيهتدي إليها؛ فقد أخذ رقم العربة التي كانت تركبها، وسيسأل ~~في دائرة الشرطة عن صاحب هذه العربة، فإذا عرف اسمه فقد يسر له كل شيء. وصديقه جاستون يسخر ~~منه، ويهدئ من اضطرابه، ولكن الظروف لم تكن تسخر منه، وإنما كانت تريد أن تؤاتيه وتعينه على ~~ما يحب. فهذان شخصان يقبلان ولا يكاد الفتى يراهما حتى يعرف صاحبته التي رآها في العربة، ~~وهي أيضا قد عرفته، وقد اشتبكت أعينهما مرة أخرى، ولا بد من أن يلتقيا ومن أن يتحدثا. ~~وليس في ذلك مشقة، فقد أراد الكاتب أن يحمل الظروف ما لم تتعود أن تحتمل، ويكلفها أن تكون ~~مؤاتية دائما. # فهذه مادلين قد أقبلت من المرقص، فإذا هي تعرف هذا الرجل الذي يصحب هذه المرأة. تعرفه ~~معرفة قوية متينة، وتعرفه منذ زمن بعيد. وهي إذن ستحييه وستقدم إليه صاحبها الفتى، وهو إذن ~~سيقدم إليهما وإلى صديقهما صاحبته الفتاة، وها هم أولاء جميعا قد عرف بعضهم بعضا وجلس ~~بعضهم إلى بعض، واشتركوا في الشراب والحديث، إلا هذا الفتى، فإنه قد اختفى لحظة ليتحدث في ~~التليفون. على أن لحظة التليفون هذه قد طالت وأسرفت في الطول، وفي أثناء ذلك شرب القوم ~~وتحدثوا ونهض بيير ومادلين، إلى المرقص، وخلت كوليت، فهي تطلب إلى الخادم أن يدعو هذا الفتى ~~المستخفي في غرفة التليفون. ويقبل الفتى فيتعارفان ويتحادثان، ويجهر كل واحد منهما لصاحبه ~~بحب قوي عنيف فيه صراحة وفيه جرأة وفيه أمل وفيه إشفاق، وفيه على كل حال محاولة للتجربة. ~~فكلا العاشقين لم يرض عن نفسه، ولا عن حبه، قبل الليلة، ms102 وكلاهما يرجو أن يظفر بهذا الرضى، ~~غدا حين يلتقيان مع المساء، ولا بأس في أثناء ذلك من أن يصرف الفتى مدير الحانة لحظة ليخلو ~~إلى صاحبته خلوة تمكنه من الحديث الحر والقبلة المختلسة. على أن الأمر لا يلبث أن يعود إلى ~~نظامه المألوف؛ فقد رجع الراقصون من رقصهم، واستأنف القوم جميعا ما كانوا فيه من شراب ~~وحديث. # وإذن فقد عرض الكاتب علينا في هذا الفصل صورة هذين الشابين اللذين يملكهما حب عنيف لا ~~موضوع له، واللذين يعيش كل واحد منهما مع شخص آخر أكبر منه سنا، يرضيه ولكنه لا يواتيه، ~~ولا يحقق مثله الأعلى. وقد التقى هذان الشابان، فكان كل واحد منهما بادئ الرأي مرآة لصاحبه، ~~فهما يريدان أن يتصل بينهما اللقاء لعلهما يبلغان هذا المثل الأعلى الذي يسعيان ~~إليه. # فإذا كان الفصل الثاني، فالتجربة فيما يظهر ناجحة نجاحا حسنا - كما يقولون - والعاشقان ~~يمضيان فيها يريدان أن ينتهيا بها إلى غايتها. كانا يلتقيان في المساء من كل يوم فيخيل ~~إليهما كلما التقيا أنهما يلتقيان لأول مرة، وكانا يضيقان بهذه الخيانة التي يمعنان فيها ~~لصاحبيهما البريئين فيزمعان أن يكون لقاؤهما لآخر مرة، فإذا هما أن يفترقا ضربا موعد ~~اللقاء للغد، وقد استيقنا بنجاح التجربة. ولكنهما يريدان أن يخطوا بها خطوة أخرى، فلا ~~بد لهما من أن يقضيا معا ليلة كاملة، ومن أن يفرق بينهما النوم، ثم تجمعهما اليقظة. فإن ~~ظهر بعد ذلك أنهما عاشقان، وأن أحدا منهما لم يشق بصاحبه، ولم يكره من عشرته في اليقظة ~~والنوم شيئا، أقدم على الحب الصحيح والعشرة المتصلة الصريحة. وهما من أجل ذلك قد تواعدا ~~على أن يلتقيا في مدينة غير باريس هي مدينة أورليان. فأما الفتى فقد زعم لصاحبته مادلين أن ~~عملا يدعوه إلى هذه المدينة، وأنه سيغيب عن باريس أربعا وعشرين ساعة. وأما الفتاة، فقد ~~زعمت لصاحبها بيير أنها تريد أن تزور جدتها في مدينة ليست بعيدة عن أورليان، وأنها ستغيب عن ~~باريس أربعا وعشرين ساعة أيضا. وسافر الفتى في سيارته وسافرت الفتاة ms103 في القطار، واتفقا ~~على أن يلتقيا في فندق عيناه في مدينة أورليان. على أن الفتى قد قدم بين يديه صديقه ~~جاستون ليعينه على انتظار صاحبته، وليغنيه عن التكاليف المادية ليفرغ هو لعشقه وهواه. ولم ~~يرد جاستون أن يكون وحيدا في هذه الرحلة، فاتفق مع امرأة يعرفها على أن تلحق به في ~~الفندق، وقدر أنه لن يكون وحيدا بينما ينعم صاحباه بحبهما هذا الغريب. # ونحن في أول الفصل الثاني نرى جاستون قد سبق إلى الفندق، فاحتجز غرفتين؛ إحداهما لصاحبه ~~والأخرى له ولصاحبته. وهو يتحدث بكل هذا الذي قدمته إلى خادمة الفندق في غير تحفظ ولا ~~احتياط؛ لأنه لا يستطيع أن يخفي شيئا. وهذا صاحبه قد أقبل وهما جميعا ينتظران، كل ينتظر ~~صاحبته، ولكن القطار يقبل فتأتي كوليت وقد استخفى جاستون؛ ذهب يلتمس صاحبته. وخلا ~~العاشقان، فحدث ما شئت عما يجدان من سعادة وغبطة. هذه الخادم تحمل إليهما طعامهما، فلا ~~يكادان يصيبان منه شيئا، إنما يشربان ويمضيان في حديث الحب ... ولكن الباب يطرق ويدخل جاستون ~~محزونا ينبئ بأنه انتظر قطارا وقطارا، فلم تأت صاحبته. وقد رأت كوليت هذا الرجل فضاقت ~~به، وأفاقت من نشوة الحب والخمر، وعرفت أن حبها ليس سرا، وأن صديقها قد أشرك ثالثا في ~~هذا السر، فأحفظها ذلك، وهمت أن تنصرف لولا أن الليل قد تقدم. ولكنها على كل حال، قد يئست ~~من حبها، وأعرضت عن صاحبها، وذرفت على آمالها بعض الدموع. والفتى خزيان يحاول الاعتذار، فلا ~~يبلغ شيئا، وقد فتر حبهما وضاق كل منهما بصاحبه، وأخذا يلتمسان أسباب التسلية، فهو يعرض ~~عليها الخروج للنزهة، ولكن الليل قد تقدم، وهما قد شربا وأسرفا، فخير ما يستطيعان أن يصنعا ~~هو النوم. # وقد ذهب كل منهما ليصلح من شأنه قبل النوم، ولكن رجلا يدخل الغرفة متنكرا في زي خادم من ~~الخدم ويأخذ في البحث. وإنه لكذلك وإذا جاستون يعود فيفاجئه ويفضح أمره؛ فهو هذا الرجل الذي ~~رأيناه في الفصل الأول يتتبع أسرار الناس ويراقبهم، وقد فهمنا أن صاحبة الفتى وصاحب الفتاة ms104 ~~قد شكا في الأمر، وفزعا إلى هذا الرجل، كل على انفراد وطلبا إليه أن يتتبع هذين العاشقين ~~ويبلو أخبارهما. وقد عاد العاشقان، ورأيا هذا الرجل وأنذراه بالشرطة، ثم اتفقا معه على أن ~~ينظم أمرهما وأمره إذا كان الغد. وأقبلا على سريرهما فاستقبلا فيه النوم. # ثم يرفع الستار بعد لحظة قصيرة، ولكنها تصور الليل كله، وشطرا من النهار، وإذا الخادم ~~تطرق الباب تريد أن تحمل إليهما طعام الإفطار، فيستيقظان دهشين أشد الدهش، فهما سعيدان، قد ~~أسرا سعادتهما إلى الليل، واستقبلا النهار المشرق بآثار هذه السعادة، وهما مبتهجان قد ~~استيقنا نجاح التجربة ولم يبق لهما بد من الإذعان لحكم هذا الحب، فسيعيشان معا عيشة لا ~~تحفظ فيها ولا تستر. وهذا رقيبهما قد أقبل، فلم يكد يراهما حتى استيقن أنه يرى عاشقين، ~~وإذا هو يساومهما في إخفاء السر، ويملي شروطه، فيدفعان إليه ما طلب من مال. على أنه لا يكاد ~~ينصرف حتى يلقي نظرة على هذين العاشقين السعيدين يمتلئ لها قلبه حنانا، فيرد إليهما نصف ما ~~أخذ وينصرف مسرعا. # فإذا رفع الستار عن الفصل الثالث، فنحن في باريس عند مادلين في مساء اليوم نفسه، ونحن ~~نراها ظاهرة القلق بينة الاضطراب، تنظر إلى الساعة وتسأل في التليفون، تتعجل مقدم الفتى ~~وتنتظر مقدم الرقيب. ثم تحمل إليها رسالة برقية تنبئها بمقدم الفتى للعشاء. وإنها لفي هذا ~~الاضطراب، وإذا شريكها في الحزن والخوف، بيير، قد أقبل فتلقاه باسمة ويحاول كل منهما أن ~~يخفي على صاحبه قلقه، ولكن هذا القلق أقوى من أن يخفى، فيفضي كل منهما بخوفه إلى صاحبه ~~ويظهر كل منهما الرسالة البرقية التي تلقاها. وهذا الرقيب قد أقبل فأنبأهما بأنه راقب ~~الفتى وأن أحد أعوانه راقب الفتاة وبأنهما لم يلتقيا، وإنما ذهب كل منهما إلى الوجهة التي ~~أنبأ بأنه ذاهب إليها، وينبئهما بالرسالتين البرقيتين وقد حفظا نصهما، ثم يأخذ أجره وينصرف ~~وهما سعيدان قد عادت إليهما الثقة ورجع إليهما الاطمئنان. وهما يلومان أنفسهما على الشك ~~ويعيبان أنفسهما بهذه الريبة العجلة. ولكن طارقا يطرق ثم ms105 يدخل، وهو جاستون، ولا يكاد ~~يتحدث إليهما حتى يزعم لهما أن الجو كان صحوا صباح اليوم، فيدهشان لأن المطر لم يقلع عن ~~باريس طول النهار، فإذا ألحا عليه في السؤال اضطرب ثم افتضح سره فأنبأ بكل شيء، وانصرف ~~خزيان، وقد أفسد صدقه ما كان قد أصلحه كذب الرقيب. وهنا أروع أجزاء القصة؛ حوار من أرقى ما ~~كتب الفرنسيون في هذه الأعوام الأخيرة. هذه المرأة ثائرة يائسة محنقة على هذه الفتاة التي ~~اختلست منها أملها وحياتها اختلاسا، وهذا الرجل محزون يكاد يقتله الكمد، ولكنه مع ذلك ~~يتجلد ويحكم عقله، ويهدئ صاحبته ويثبت لها أن من الإثم أن تطغى الكهولة على الشباب، وأن ~~من حق هذين الفتيين أن يتحابا؛ فقد خلقا كل منهما لصاحبه، وانتظر كل منهما صاحبه، ثم ~~التقيا كأنما كانا على ميعاد. ثم هو يتعمق نفسه ويبحث عن أسرار قلبه وينظر إلى الماضي ~~البعيد، فيحيي ذكريات كانت بينه وبين مادلين، كان فيها شيء من حنان أوشك أن يكون حبا. ~~وإذن فما يمنعهما أن يستعينا بهذه الذكريات الحلوة على هذه الأحداث المرة، وأن يستقبلا ~~الخطب متعاونين، وأن يبتسما للحياة الشاحبة ابتساما شاحبا، يلائم سنهما ويلائم محنتهما! ~~وهذا التليفون يدعو فلا تشك مادلين في أن الفتى ينبئها بمقدمه، وهي ثائرة، ولكن صاحبها ~~يهدئها وينصح لها تكلف الجهل لكل شيء، وهي تجيب صاحبها في التليفون وتتكلف الجهل في مشقة ~~وجهد، ولا تكاد تفرغ حتى يدعو التليفون مرة أخرى، وإذا كوليت تسأل عن صاحبها، وإذا الرجل ~~يريد أن يتكلف الجهل والصبر، فلا يوفق إلى ذلك إلا في مشقة وعنف. كان قادرا على إسداء ~~النصح لغيره، فلما عرضت له المحنة كان حبه أكبر من عقله وأقوى. وهذه مادلين تبكي، وهو مع ~~ذلك يمضي في تعزيتها وتسليتها، ويحاول أن يفتح لها ولنفسه أبوابا من الأمل في حياة يشتركان ~~فيها اشتراكا. وهذا طارق يطرق فلا يشكان في أنه الفتى، فيأخذ بيير صديقته بأن تلقاه كما ~~تعودت أن تلقاه دائما باسمة مبتهجة كأنها لم تعلم شيئا. وهي تتكلف ms106 ذلك فتحسن تكلفه وتنهض ~~للقاء صاحبها مغتبطة راضية، فتحييه تحية العاشقة التي يملأ قلبها الحنان، بينما يسدل ~~الستار على ما في هذه القلوب كلها من أهواء مختلفة وعواطف متباينة وغرائز وميول يشتد بينها ~~الجهاد والصراع. # | لم نبق بعد أطفالا # أما اليوم فسندع الطب والأطباء، والصحة والأصحاء، والمرض والمرضى، وسننصرف إلى حديث آخر ~~لا يمس طائفة بعينها من الناس، وإنما يمس الناس جميعا، وهو من هذه الناحية يرتفع بموضوعه ~~إلى درجة الأحاديث الفنية العليا التي يجد فيها كل إنسان صورة لنفسه، وينظر إليها كل إنسان ~~كما ينظر إلى المرآة الصافية الصادقة، فيرى فيها بعض ما يحس ويشعر مهما تختلف عليه الظروف ~~والبيئات والعصور. ثم هو في الوقت نفسه حديث عن ناحية من هذه النواحي التي لا يستطيع ~~الإنسان مهما يكن أن يلهو عنها أو يعرض عن التفكير فيها؛ لأنها تمس نواحي الحياة بما يبتسم ~~له من أمل وما يظلم أمامه من يأس وما يحبب إليه الحياة ويزهده فيها، وما يجعل دهره سرورا ~~وبهجة كله أو حزنا وشقاء كله. # هي ناحية الشباب والشيخوخة، أو قل هي ناحية الأمل الذي نود لو أنه يبقى مبتسما دائما ~~والبأس الذي نود أن تلقى بيننا وبينه الحجب والأستار. أو قل هي ناحية السعادة التي نود لو ~~تدوم والشقاء الذي نود لو لم توصل بيننا وبينه الأسباب، أو قل في شيء من الإجمال المحزن ~~الموئس هي ناحية الحياة كما نحبها وكما نكرهها. فالكاتب لم يرد أن يصور إلا كلفنا ~~بالشباب وحرصنا عليه ورغبتنا الملحة في استبقائه ما وجدنا إلى ذلك سبيلا، وتهالكنا الشديد ~~على استرجاعه ما أتاح لنا الغرور والوهم والأمل في ذلك، أو تصور القدرة عليه. وقد استطاع ~~الكاتب أن يصور هذه الناحية من نواحي حياتنا تصويرا رائعا مؤثرا ضمن له إجماع النقاد ~~والنظارة معا على إكباره والثناء عليه. وذهب بعض هؤلاء النقاد، وهو أستاذ من أساتذة الأدب ~~في السوربون، إلى أن يتنبأ لهذه القصة بالبقاء الطويل، ويؤكد أنه لن ينقضي غير خمسة عشر ~~عاما حتى ms107 تصبح من التراث الخالد لبيت موليير. # ومصدر هذا الجمال الذي انعقد إجماع النقاد وجمهور النظارة والقراء عليه، هو أن الكاتب لم ~~يغل ولم يسرف ولم يتوخ إغرابا ولم يقصد إلى شذوذ ولم يحاول ابتكارا، فوفق إلى أحسن ~~الابتكار وأقومه وأغناه. وفق إلى هذا الابتكار الذي لا يفاجئك ولا يصدمك ولا يأخذ عليك ~~الطريق من أول لحظة، وإنما يخدعك عن نفسه وعن نفسك، فإذا أنت تشهد القصة أو تقرؤها فلا تحس ~~دهشا ولا غرابة، وإنما تحس أنك تشهد أو ترى شيئا مألوفا، لا تكلف فيه ولا تصنع ولا ~~محاولة لاتخاذ هذه الهيئة الخاصة التي يتخذها الكاتب حين يريد أن يكتب شيئا جديدا، فهو ~~يستعد لكتابته ويعدك لقراءته وكأنه يقول لك: تأهب وخذ حذرك؛ فستقرأ شيئا لا عهد لك به. ~~كلا، أنت تشهد القصة أو تقرؤها دون أن تحس شيئا من هذا، إنما تحس أنك تشهد أو تقرأ شيئا ~~شائعا كأنك تشهده وتقرؤه كل يوم. ولكنك مع ذلك لا تكاد تشهده أو تقرؤه، حتى تحس أنك متصل ~~به وأنه متصل بك، وأنك لا تريد أن تفرغ منه أو أن تنصرف عنه. ومن يدري، لعلك إنما تتصل به ~~لأنك ترى فيه نفسك وما يختلف عليك من حس وشعور وما يثور فيها من عاطفة وميل. ترى نفسك وترى ~~غيرك أيضا من هذه الناحية التي تجعل بينك وبين الناس شبها، والتي تعطفك على الناس وتعطف ~~الناس عليك. # ثم لا تكاد تمضي في شهود القصة أو قراءتها حتى يأخذك سحر غريب فيه شيء من الخفاء، ولكنه ~~على ذلك شديد الأثر في نفسك والاستهواء لقلبك، وهو يأتي من جمال العبارة وحسن الأسلوب ~~ورشاقة الحوار. فأنت تمضي في النظر إلى القصة أو النظر فيها، وقد فتنك موضوعها المألوف ~~الجديد، وسحرك تعبيرها اليسير الطريف. وما تزال بين تلك الفتنة وهذا السحر منتقلا من منظر ~~إلى منظر ومن فصل إلى فصل حتى تنتهي إلى آخرها، وإذا أنت تنتهي إلى هذا اليأس المريح الذي ~~تضطرك الحياة إلى أن تطمئن إليه اطمئنانا؛ ms108 لأنك لا تستطيع غير هذا مهما تبذل من جهد ومهما ~~تتكلف من حيلة، وإذا أنت تنتهي إلى هذا اليأس محزونا شديد الألم إن كنت من أصحاب الشعور ~~العنيف والمزاج الحاد، راضيا مذعنا إن كنت من عامة الناس الذين لا يطيلون التفكير في أمس، ~~ولا يمعنون النظر في غد. وقد تنتهي إلى هذا اليأس دون أن تحسه أو تشعر به إلا أن تنبه إليه ~~تنبيها؛ لأنك قد ألفت الحياة واطمأننت إلى ما تعودت منها، وعرفت أنك مهما تفعل فلن تستطيع ~~لها تغييرا ولا تبديلا. # والكاتب يعرض عليك أطوار هذا الموضوع يسيرة كل اليسر، سهلة كل السهولة، وينقلك من بعضها ~~إلى بعض، دون أن تحس عنفا في هذا الانتقال. ومع ذلك فهو يميز لك هذه الأطوار بعضها من بعض ~~أوضح التمييز وأقواه، يباعد بينها في الزمان أو في المكان، حتى لا تخدعك وحتى لا تختلط ~~عليك. فأنت في أول الأمر أمام شابين يضيقان بالشباب ويتعجلان تقدم السن، لا لشيء في أكبر ~~الظن إلا لأنهما شابان، ولأن طبيعة الشباب لا تحب الراحة والسكون، وإنما هي تطمع أبدا في ~~الحركة وتكلف أبدا بالانتقال من حال إلى حال، وتغلي غليانا متصلا قويا لتبلغ الأرب ~~وتحقق الأمل وتشعر بأنها مسيطرة حقا على الحياة. ثم أنت بعد ذلك أمام رجل قد أتاحت له ~~الظروف ما كان يريد، وحققت له من آماله ما كان يطمح إلى تحقيقه. وإذا هو مطمئن إلى ذلك أو ~~كالمطمئن، ولكن في نفسه حسرات قوية لا يكاد يشعر بها؛ لأنه مشغول عنها بخطوب الحياة ~~وأثقالها وما تفرضه على الأحياء من جهد وتفكير. غير أن الحياة نفسها ترفع الأستار عن هذه ~~الحسرات الخفية، فإذا الرجل الذي كان راضيا مطمئنا قد أصبح ساخطا ثائرا ممعنا في ~~السخط والثورة، مندفعا فيهما إلى أبعد أمد ممكن، مخالفا لقوانين العادة والعرف والنظام. ~~ثم أنت بعد هذا كله أمام هذا الرجل نفسه، وقد تكشفت له الحياة عن حقيقتها، ونظر فإذا هو يرى ~~في غير شك ولا ريب أن محاولة المحال ms109 عبث، وأن تكلف ما لا سبيل إليه نوع من الجنون، وأن ~~الشباب موقوت لا بد من أن ينقضي، وأن ما تذهب به الأيام لا سبيل إلى أن يعود، وأنه لا بد ~~مما ليس منه بد، وأن الحياة إذعان ورضى قبل أن تكون طمعا وطموحا وثورة وسخطا واضطرابا. ~~وإذا هو يرضى كما رضي غيره من قبل، وكما سيرضى غيره من بعد، وإذا هو يعود راضيا أو كارها ~~إلى ما لا بد منه من طاعة القوانين والنظم التي فرضتها الطبيعة أو فرضتها الحياة على ~~الأحياء فرضا، وإذا هو لا يستبقي من أمله ويأسه ومن رضاه وسخطه ومن استقراره وثورته، إلا ~~ذكريات قد تكون حزينة لاذعة وقد تكون جميلة حلوة، ولكنها على كل حال ذكريات لا أكثر، ذكريات ~~لا قوام لها، ذكريات هو مضطر إلى أن يقنع بها ويتعزى حتى يأتيه اليوم الذي لا بد من أن ~~يظل الناس جميعا. # أما إذا رفع الستار فأنت في قهوة من هذه القهوات الباريسية القريبة من الأوبرا، والتي ~~يختلف إليها أواسط الناس ويكثرون فيها آخر النهار، وحين ينتهي التمثيل منتصف الليل. وهي من ~~هذه القهوات التي تؤثر الجد ولا تتكلف المجون، ولكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تبرأ منه؛ ~~لأن في ذلك شيئا من العسر. وأنت ترى في القهوة إذا رفع الستار رجلين: أحدهما تظهر عليه ~~الثروة والجد والاحتشام وامتياز الشكل وحسن التربية، والآخر يظهر عليه الغنى، ولكن يظهر ~~عليه أيضا أنه من أهل الأقاليم الذين إذا زاروا باريس لم يحبوا أن ينفقوا زيارتهم كلها في ~~الجد، وإنما هم يريدون شيئا من المجون يلتمسونه في موضعه وفي غير موضعه، ويطلبونه في وقته ~~وفي غير وقته. # فأما صاحب الجد فهو ينظر في جريدة الطان، وأما الرجل الآخر فهو لا ينظر في شيء ولكنه ضيق ~~بما هو فيه من الفراغ. وهو يتحدث إلى الخادم ألوانا من الحديث يضحك منها الخادم ويضيق بها، ~~وإنه لفي ذلك وإذا فتاة حديثة السن جميلة رائعة، ولكنها ظاهرة الجد والاحتشام، تقبل فتدخل ms110 ~~القهوة في عزم وتصميم وفي اطمئنان إلى النفس وثقة بها. ولا تكاد تدخل حتى يخيل إلى هذا ~~الرجل من أهل الأقاليم أن الظروف قد ساقت إليه ما كان يبتغي من أسباب العبث واللهو، وإذا هو ~~يغرى بالفتاة ويتقرب منها، والفتاة تدفعه عن نفسها في حزم رفيق أول الأمر، فلا يزيده ذلك ~~إلا تعلقا بها وتعرضا لها. فتزجره الفتاة زجرا، فلا يغني الزجر شيئا. ويضطر صاحب الجد ~~إلى أن يرده عن الفتاة في شيء من الحزم والنذير، وإذا هو مضطر إلى أن يترك القهوة ساخطا ~~أشد السخط. ولكن المكان قد خلا لصاحب الجد هذا، فهو يدنو من الفتاة ويجلس معها، يزعم لها أن ~~في ذلك صرفا للناس عن التعرض لها، فما ينبغي لمثلها أن تجلس منفردة في القهوات حين يتقدم ~~الليل. والفتاة تقبل منه معونته ونصحه وتشكرهما له. # وهما يمضيان بعض الشيء في الحديث، وإذا هذا الرجل الذي كان يحمي الفتاة ويرد عنها ~~الطامعين فيها قد أغري بها إغراء، ولكن إغراء الرجل الذي يعرف ما يحسن وما لا يحسن، ~~والذي لا يقول إلا بمقدار. وهو يسأل الفتاة عن نفسها وعن حالها، فنعرف أنها قد أقبلت تنتظر ~~صاحبها الذي يشهد التمثيل في الأوبرا مع بعض أقاربه الذين أقبلوا من الأقاليم. فهي إذن ~~صاحبة عبث وإن ظهر عليها الجد، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، فهي غرة ضعيفة الرأي، لا تدري ~~كيف تستقبل ما يعرض لها من الأمر، وهي مطمئنة إلى صاحبها هذا الذي تنتظره لأنها تحبه وتعلم ~~أنه يحبها، وإن كانا يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف؛ فهو من الطبقة الوسطى التي لها حظ ~~من يسار، والتي تحرص على مكانتها الاجتماعية. وهي من الطبقة الدنيا، كانت بائعة في بعض دور ~~التجارة، فلقيت هذا الفتى فأحبها وأحبته، وهما سعيدان بهذا الحب، وإن كانا كثيرا ما ~~يختصمان. وهي مطمئنة إلى هذا الحب، ولكن هذا الرجل يخوفها ويحذرها ويغريها في رشاقة ~~وخفة تفهمهما أحسن الفهم وتأباهما أشد الإباء، ولكن صاحبها لا يحفل بإبائها، وإنما يلفتها ~~إلى ms111 شبابها وإلى أنها بحكم هذا الشباب تجهل أمس لأنها لا ماضي لها، وتجهل الغد لأنها ~~مشغولة عنه باليوم، والخير لها في أن تحتاط، وأيسر أنواع الاحتياط أن تأخذ هذه البطاقة ~~فتحفظها عندها، ففيها عنوان قد تحتاج إليه في يوم من الأيام. # وإنه لفي ذلك وإذا فتى يقبل فينصرف الرجل وقد ترك عنوانه للفتاة. وتهم هي باستقبال الشاب ~~ويتحدثان، فنفهم أنه ليس صاحبها الذي كانت تنتظره، ولكنه رفيق ملازم لصاحبها في الدرس ~~وملازم له في اللعب أيضا، وهما يعيشان معا، أو قل هم يعيشون معا، فهم ثلاثة؛ أحدهم هذا ~~الفتى روجيه، والآخر ذلك الفتى جان الذي لم يأت بعد من الأوبرا، والثالث هذه الفتاة روبرت ~~عشيقة جان. والفتاة تسأل روجيه عما يعلم من حب صديقه لها، وهو يعبث منها مؤكدا هذا الحب ~~الذي لا يحتاج إلى تأكيد، وهو ضيق بهذا الحديث الذي لا ينقضي عن حب هذين العاشقين اللذين ~~ما ينفكان في سخط ورضى وفي خصام وصلح، وهو يتحرق شوقا إلى أن يتحدث عن نفسه وعن آماله في ~~الحياة، فهو أديب قد خلق للأدب ولم يخلق لغيره، وخلق لفن معين من الأدب، هو الأدب ~~التمثيلي، وهو قد بدأ قصة لم يكد يعرض بعضها على أمه حتى رقت لما سمعت وبكت وأغرقت في ~~البكاء. فهو كاتب بارع من غير شك، ولن يمضي العام حتى تكون قصته الأولى حديث باريس، ولن ~~تمضي أعوام حتى يكون رئيسا لجماعة الأدباء، ثم أعوام أخرى وإذا هو في المجمع اللغوي، ثم ~~تتصل الحياة الأدبية بما تفرضه على الأدباء من تكاليف المجد وأثقاله. # وصاحبنا يتحدث بهذا حديث المؤمن به المطمئن إليه؛ فقد تقدمت به السن ولم يبق طفلا بعد. ~~أليس قد بلغ الثالثة والعشرين؟ والفتاة ضيقة بحديثه عن نفسه وأدبه، كما كان ضيقا ~~بحديثها عن نفسها وحبها. وهما يختصمان في ذلك، ولكن صديقهما جان يقبل فيعفيهما من هذا ~~الخصام. وهم يأخذون في أحاديثهم يرضون قليلا ويسخطون كثيرا. وقد انصرفت الفتاة عن ~~الصديقين لحظة، فلا يكادان يخلوان حتى نفهم ms112 من حديثهما أن جان قد استكشف شيئا خطيرا ~~حقا؛ استكشف أنه لم يبق طفلا بعد، فقد رأى في رأسه شعرة بيضاء، وإن كان في الخامسة ~~والعشرين، فلا بد من أن يستقبل حياة الرجال بما ينبغي لها من الجد، وأول ذلك أن يتهيأ ~~للزواج، وأن يأخذ في العمل. وتقبل الفتاة فتقطع عليهما الحديث، ولكن شيئا يحدث له خطر ~~أي خطر؛ فقد أقبل على القهوة رجل شيخ ومعه فتاة حديثة السن، فاستخذى لمقدمها جان، واضطر ~~إلى لقائهما والتحدث إليهما والجلوس معهما لحظة، وأخذت روبرت وصاحبها يسمعان الحديث، فإذا ~~الفتاة التي أقبلت خطب # 1 # لهذا الفتى، وإذا هو قد قضى معها المساء في الأوبرا، وإذا هو قد كذب على صاحبته ~~حين زعم لها أنه كان مع بعض أقاربه من أهل الأقاليم. # وإذا نبوءة ذلك الرجل تتحقق في سرعة غريبة، وما يكاد الشيخ ينصرف مع ابنته، وما يكاد جان ~~يقبل على صاحبيه حتى يرى الشر في وجه روبرت. فأما روجيه فيسرع إلى الانصراف فرارا من ~~الخصام، وأما الصديقان فيختصمان. وكم كنت أحب أن أترجم لك هذا الخصام، فهو يمثل سذاجة ~~الشباب واندفاعه السريع إلى اليأس الذي لا حد له، ورجوعه السريع إلى الأمل واندفاعه إلى ~~الغضب ورجوعه إلى الرضى، واضطرابه بين النقائض على كل حال. ولكن الفتاة أثبت رأيا وأمضى ~~عزما من صاحبها، فهي تستيئس وتستمسك باليأس وتقطع ما بينها وبينه من صلة، وتأبى أن تنتظر ~~بذلك مطلع النهار. وتنصرف عن صاحبها الذي يغرق في حزن صادق، ولكنه سريع الزوال. # ثم تمضي على هذا الفصل أعوام طوال تقع في أثنائها الحرب الكبرى، وتضطرب فيها الحياة أشد ~~الاضطراب، ثم تعود إلى الاستقرار. ويرفع الستار لنا عن بيت من بيوت الطبقات الغنية التي ~~تكسب ثروتها الضخمة من الصناعة، وهو بيت جان، وقد تزوج وسلك طريقه في الحياة بعد أن أدى ~~واجبه في الحرب. وقد استقل بإدراة مصانع ضخمة، وقد فقد أباه منذ عام، وقد رزق صبيا يختلف ~~إلى المدرسة، وزوجه سيسيل منصرفة إلى بيتها تدبر شئونه ms113 في عناية وجد وترف، وهو منصرف إلى ~~مصانعه يدبر شئونها في حزم ودقة، وينميها إنماء مطردا. ونحن نفهم من اتصال المناظر وما ~~يكون فيها من حديث أن صاحبي البيت ينتظران قوما سيتناولون معهم العشاء، وهما معنيان ~~بهؤلاء الناس أشد العناية؛ فقد يظهر أن جان ينتظر نفعا عظيما لمصانعه من هؤلاء الزائرين. ~~وهو يريد أن يتهيأ للعشاء، ولكن الخادم ينبئه بأن امرأة تريد أن تلقاه، فيأبى، وتلح ~~المرأة، فيلقاها كارها؛ ولا تكاد تتحدث إليه حتى يعلم ونعلم نحن أنها كانت خليلة لأبيه، ~~وهو يستكشف من أمر أبيه شيئا عجبا؛ فهو كان يعرف أباه صاحب جد وحياة خشنة ونفس ضيقة ~~وانصراف شديد عن الضحك فضلا عن اللهو، ولكن هذه المرأة تبين له أن أباه كان يحيا نوعين من ~~الحياة؛ فهو كان صاحب جد وخشونة في أهله، ولكنه كان صاحب فرح ومرح إذا خلا إلى نفسه وإلى ~~صاحبته. وهي تقدم له من كتب أبيه ما يثبت ذلك في غير شك، ثم تقدم له وثيقة يوصي الرجل فيها ~~بشيء من المال يضمن لهذه المرأة حياة مطمئنة، فيعد جان بإنقاذ امرأة أبيه، ولكن ما استكشفه ~~قد أثار في نفسه خواطر متفرقة، واضطره إلى كثير من التفكير. وهذا حموه قد أقبل، فلا يكاد ~~يتحدث إليه ببعض ما علم حتى يسمع منه عجبا أي عجب؛ فهو أيضا صاحب جد وخشونة في بيته، ~~ولكنه صاحب لهو ومرح إذا خلا إلى نفسه وإلى صاحبته حين كانت له صاحبة وقبل أن تتقدم به السن ~~إلى هذا الحد. # والحوار بين الرجلين طريف ممتع حقا، فهو يصور حزن الشيخ على شبابه وخوفه من أن تعلم ~~ابنته، وخوفه أيضا من أن يقتدي صهره به وبأبيه فيخون ابنته، ويحيا حياتين. وصهره متأثر ~~بهذا لا يبديه، ولكننا نحس ذلك منه، فهو ضيق بحياته من المصنع إلى البيت ومن البيت إلى ~~المصنع. ولكن ماذا؟ هذان زائران قد أقبلا ولا يكادان يدخلان حتى يبهت جان ويكاد يفقد رشده؛ ~~لأنه يرى صاحبته روبرت التي فارقها في الفصل الأول. ms114 كان قد نسيها نسيانا تاما، وقدر أن ~~أمواج الحياة قد ذهبت بها غير مذهب، ورمتها إلى هذه المواطن التي تذهب فيها أمثالها من ~~فتيات المجون، ولكنه ينظر فإذا هي أمامه قد اقترنت بهذا الرجل الغني، وأصبحت سيدة لها ~~مكانتها الاجتماعية العليا، وهي محتفظة بجمالها وحزمها ورشاقتها، وهو مضطرب النفس مستعد أشد ~~الاستعداد ليتأثر بما يطرأ عليه من الطوارئ. وهو لا يملك نفسه إلا بعد جهد، وقد أخذ الرجال ~~يتحدثون في الصناعة والمال، وخلا الشيخ إلى الزائر ليتم حديثهما في هدوء. واحتال جان ~~واحتالت معه الظروف، حتى صرف امرأته إلى بعض العمل وخلا إلى صاحبته، فتذاكرا ثم تحدثا، ثم ~~طال الحديث، ثم انتهى بعد الحوار والمقاومة إلى استئناف الحب وإلى الاتفاق على اللقاء إذا ~~كان الغد. # ثم لا يمضي أسبوع واحد حتى يكون الحب قد خطا خطوات بعيدة، فذهب بعقل العاشقين جميعا ~~ودفعهما إلى شيء يشبه الجنون أو هو الجنون، فقد أزمعا أن يفرا بحبهما وأن يتركا زوجيهما ~~وأن يقضيا أياما في مدينة ديب حيث ابتدأ حبهما، حبهما القديم، ثم يكون الرحيل بعد ذلك إلى ~~إيطاليا. # ويرفع الستار لنا عنهما في غرفة من غرف الفندق في ديب قد قضيا فيها الليل وهما يستقبلان ~~النهار. ولست أعرف فصلا أبدع ولا أقوم من هذا الفصل في سذاجته ودقته وصدق ملاحظته وتأثيره ~~المؤلم في النفوس. فهذه سكرات الحب تنجلي عنهما قليلا قليلا وتنجلي في أيسر الأشياء ~~وأبعدها عن التكلف. لقد قضيا أعواما طوالا لا يلتقيان، فتغير كل واحد منهما واكتسبا عادات ~~وأخلاقا لا يعرفها صاحبه، وتغير كل واحد منهما في شكله وفي تكوين جسمه، فالأعوام لا تمضي ~~عبثا واللقاء يخدعنا أحيانا، ولكن الحياة القريبة والاختلاط المداخل يكشفان لنا ما يخفيه ~~التكلف من آثار الحياة في الأخلاق والأجسام جميعا. # وهما يستكشفان ما بينهما من الفروق قليلا قليلا، وقد استكشفا بعضها أثناء الليل، وقد ~~أخذ النهار يكشف لهما عما بقي منها. هذه العادات التي اكتسبها جان من عمله في المصنع، والتي ~~تحمله على أن يحسب ويدقق ms115 في الحساب ويقيد كل ما يتفق، وهذه العادات التي اكتسبها من حياة ~~البيت فإذا هو يحب النظام ويكلف به ويريد أن يكون لكل شيء موضعه ووقته، وهذه المعلومات التي ~~اكتسبتها روبرت وكانت تجهلها، وهذه البلاد التي رأتها روبرت وكانت تتوق إلى رؤيتها. وانظر ~~إليه يريد أن يحمل صاحبته بين ذراعيه، فيبلغ من ذلك ما يريد، ولكن التعب يظهر عليه وإن حاول ~~إخفاءه، وهي تلفته إلى أن وزنها قد زاد مع تقدم السن. ثم انظر إليه وهو يطلب إليها مثل ما ~~كان يطلب إلى زوجه من إصلاح أزراره. ثم انظر إليه وقد جلس وأخذ ينظر في صحيفة ثم يتجه إلى ~~صاحبته فيناديها باسم زوجه لينبئها بأن الوزارة قد استقالت. # وقد كذب كل منهما على صاحبه، فزعم أنه ترك لزوجه النبأ بأنه مسافر إلى غير رجعة، وهما ~~يخدعان أنفسهما يريد كل منهما أن يثبت لنفسه ولصاحبه أنه قد استأنف الحب واسترد الشباب ~~وانصرف في سبيل ذلك عن كل ما ألف وعن كل من ألف. وهذه روبرت تنصرف عن صاحبها لحظة، وإذا ~~الباب يطرق، وإذا داخل يدخل، فيا لها من مصادفة! إنه روجيه صديق جان الذي رأيناه في الفصل ~~الأول يتحدث عن مستقبله في التمثيل وفي المجمع اللغوي، وهو الآن يتحدث إلى صاحبه عن حياته ~~التي يحياها، فهو مقيم في هذه المدينة يعمل في التجارة ويفيد منها ربحا عظيما، وقد انصرف ~~عن الأدب ولم ينتج فيه شيئا، وقد تبين أنه لم يكن قد خلق للأدب وإنما خلق للتجارة ~~وللتجارة وحدها. وتقبل روبرت فإذا رآها روجيه ضاق بلقائها؛ لأنه يعلم أن صاحبه قد خرج عن ~~المألوف وأقدم على إثم خطير. وقد كان دعا صاحبه إلى أن يتناول الغداء معه ومع امرأته، فلما ~~عرف من أمره ما عرف ندم على ما قدم من الدعوة. ولا يكاد يخلو إلى صاحبه حتى يعتذر لأنه لا ~~يستطيع أن يقدم إلى امرأته خليلة لصاحبه. # وهنا يظهر الخلاف العنيف بين هذين الرجلين: أحدهما قد أذعن للحياة وخضع لقوانينها راضيا ~~قانعا ms116 لا ثائرا ولا ساخطا، والآخر قد أذعن ثم ثار ورضي ثم سخط. وهما يختصمان في ذلك ~~والهوة لا تزداد بينهما إلا اتساعا، ثم يفترقان على أن يلتقيا إن أذنت بذلك الظروف. وتقبل ~~روبرت تتكلف الرضى والحب، ويتكلف لها صاحبها مثل ذلك، ولكنهما لا يستطيعان البقاء في هذه ~~المدينة؛ فهما ينكران جوها المظلم وما ينهمر فيها من المطر، وهما يريدان أن يبحثا عن القطار ~~الذي يرحلان به عن هذه المدينة، ولكن إلام ينتهيان من هذا البحث؟ إلى القطار الذي يعود ~~بهما إلى باريس. فأما الرحلة الطويلة إلى إيطاليا وإلى غير إيطاليا، فقد كانت حلما لذيذا ~~ولكنه ذهب مع الليل. وهما يعترفان بهذه الحقيقة محزونين أشد الحزن، ولكنهما مذعنان أشد ~~الإذعان. وهما يعترفان بأنهما لم يتركا الأنباء بفرارهما، وإنما كتب كل منهما كتابا، ثم لم ~~يستطع أن يتركه فحفظه معه، ثم هي تعترف بأنها خرجت منذ حين فأبرقت إلى زوجها بأنها عائدة في ~~أول قطار بعد أن زارت صديقة لها في ديب. أما هو فقد يستطيع أن يتأخر يوما وأن يزعم لامرأته ~~أنه أقبل لبعض أعمال الصناعة والتجارة، ثم هما يتعانقان، ثم هما يفترقان وقد ودع كل منهما ~~في صاحبه شبابه الذي لا سبيل إلى أن يعود. # | سميراميس # للكاتب الفرنسي بول فاليري # ولعل الوصف الصحيح لهذا الأثر هو ما ذهب إليه بول فاليري نفسه حين وصفه بأنه تمثيل غنائي. ~~فليس هذا الأثر قصة تمثيلية بالمعنى الدقيق المعروف لهذه الكلمة، بل ليس هو تمثيلا ~~غنائيا إذا أطلقت هاتين الكلمتين على معناهما المألوف، وإنما هو فن جديد تصوره بول فاليري ~~منذ حين وحاول تحقيقه مرتين؛ إحداهما منذ أعوام حين قدم إلى الأوبرا في باريس قصته ~~المعروفة ب «آنفيون» # Amphyon ~~، والأخرى في هذا العام حين ~~قدم إلى الأوبرا هذه الصورة الجميلة التي تخيلها لأسطورة سميراميس. # وهذا الفن الجديد هو نوع من التعاون الدقيق المنظم بين الأدب والموسيقى والغناء والرقص، ~~وفن الإخراج وفن التصوير، وفنون أخرى مختلفة يعتمد عليها الممثلون واللاعبون، حين يريدون ~~إلى تلهية النظارة ms117 وإحداث الآثار المختلفة في نفوسهم. وأنا أذكر الأدب عامة ولا أذكر الشعر، ~~ف «بول فاليري» لا يقصر عنايته في الفن على أحد هذين النوعين من الكلام، وإنما هو يعبر عما ~~يريد شعرا تارة، ونثرا تارة أخرى، ولكنه يحتفظ دائما بالانسجام والتنسيق الدقيق ليلائم ~~بين كلامه وبين الموسيقى والرقص والغناء. # وقد تحدث بول فاليري عن هذا النحو من الفن إلى الموسيقي الفرنسي العظيم كلود ديبوسي # Claude Debussy ~~، ولكنه لم يستطع أن يحقق الصورة التي ~~تخيلها إلا في هذه الأعوام الأخيرة حين وجد اثنين أعاناه على تحقيقها، وهما آيدا روبنشتاين # Ida Rubinstein # الراقصة البارعة وهوندجيير # Honegyer # الموسيقي المشهور. فأما أولاهما فقد اتخذت ~~لنفسها في هاتين القصتين مكان البطل الذي تدور القصة حوله، فمثلت في القصة الأولى آنفيون، ~~ومثلت في القصة الثانية سميراميس. وأما الآخر فقد وضع الموسيقى للقصتين جميعا. ثم يشترك ~~معهما أو معهم جماعة من أصحاب الفن البارزين؛ هذا يعنى بالإخراج وهذا يعنى بالصور، وهذا ~~يعنى بتنظيم الرقص ... إلى آخر ما يحتاج إليه هذا الفن المعقد من ألوان المعونة على اختلافها ~~وتفاوتها. # والظاهر أن هذه المحاولة قد نجحت، وأعجبت الباريسيين، وأرضت بول فاليري نفسه، إلى حد ما، ~~فهو قد أعلن اغتباطه بعد تمثيل القصة الأولى، وإن كان يحتاط في إعلان هذا الاغتباط بعد ~~تمثيل القصة الثانية، كأنه يطمح إلى نوع من الكمال أرفع مما انتهى إليه. ومهما يكن من شيء ~~فالنقاد الرسميون - إن صح هذا التعبير - مجمعون على الثناء والحمد. والنقاد المحدثون، ~~والنقاد الشبان يختلفون في ذلك اختلافا كثيرا. ومهما يكن من شيء أيضا، فقد انتقلت عدوى ~~هذا الفن من بول فاليري إلى الكاتب الفرنسي المشهور أندريه جيد، فأخرج للناس في هذا العام ~~قصة بريسفون أعانته على تمثيلها آيدا روبنشتاين نفسها، ووضع لها الموسيقى سترانفسكي، واختلف ~~الناس في قيمتها وفي قيمة الفن الذي عرضت به في الأوبرا، كما اختلفوا في قصة بول فاليري. ~~وأخص ما يمتاز به هذا الفن أن الشاعر أو الكاتب لا يقول كثيرا، ولكنه يتخيل ويرسل خياله ~~حرا ms118 ويتصور القصة كأنه يريد أن يكتبها شعرا أو نثرا ثم لا يكتب، وإنما يعين الحركات ~~التي يجب أن يأتيها الممثلون والراقصون والمغنون، ويخلق الجو الذي يجب أن تضطرب فيه هذه ~~الحركات، ويصور هذا كله تصويرا دقيقا كأنه يلقي درسا على الطلاب، ثم لا يتكلم أو لا ~~ينشئ الشعر والنثر إلا حين لا يكون له من ذلك بد. # فهو يخلق حركة وحوادث وجوا، ثم يجري بين هذا كله كلمات تطول حينا ولكنها لا تسرف في ~~الطول، وتقصر حينا وقد تسرف في القصر، وهو بهذا النوع الجديد يستطيع أن يؤثر في جميع ~~الملكات التي تتأثر بفنون التمثيل دون أن يميز منها واحدة أو يقدمها على الملكات الأخرى. ~~فهو لا يعتمد على الكلام فيؤثر هذه الملكة التي تعجب بجمال الشعر أو بجمال النثر، وهو لا ~~يعتمد على الغناء أو على الموسيقى أو على الرقص أو على جمال المناظر، وإنما يقسم عنايته ~~بالقسط بين هذه الأنحاء الفنية كلها، فيخلق حول النظارة جوا كله جمال يأخذهم من جميع ~~نواحيهم. وربما كان هذا النوع من الفن هو الشعر بأدق معانيه في نفس بول فاليري، فالشعر عنده ~~قبل كل شيء صور تؤثر في النفس من ناحية، وفكرة تعطي لهذه الصور حياة من ناحية أخرى. ولكنه ~~مع ذلك لا يسمي هذا الفن تمثيلا، بل لا يريد أن يسميه فنا، وإنما يسميه محاولة فنية. وهو ~~يقول لبعض من حدثه في هاتين القصتين إنه لا يستطيع أن يسمي هذا أدبا ولا فنا؛ لأنه لم ~~يصل بعد إلى أن يوجد الصورة المتحدة ذات الأجزاء المؤتلفة التي يصب فيها كل هذه الخواطر ~~والآراء والصور والخيالات التي ينثرها في الملعب نثرا. ولعله إن مضى في هذه المحاولة أن ~~يصل في يوم من الأيام إلى تحقيق هذه الصورة التي يطمح إليها. ولا بد على كل حال من أن نسجل ~~أنه لا يرى هذا النوع إنشاء فنيا أو أدبيا، بل هو أقرب إلى أن يراه لعبا حلوا ~~ملهيا. # ومع ذلك فالذين يقرءون ما ألقاه بول ms119 فاليري من الخواطر والآراء ليكون به هذه القصة ~~الغنائية، يجدون فيها الشعر كأجمل ما يكون الشعر، ويجدون فيها الفلسفة كأصدق ما تكون ~~الفلسفة، ولعلك لم تنس أن بول فاليري لا يستطيع أن يتصور الشعر خلوا من الفلسفة. # ثم هم يجدون فيها التمثيل كأرقى ما يكون التمثيل. يجدون هذا كله في صفحات قليلة جدا ~~تقرأ في نصف ساعة أو فيما دون ذلك؛ لأن الوضوح والدقة وانتظام التفكير هي الخصال التي ~~يمتاز بها هذا الأديب العظيم. # وقد يكون من الغريب أن يذكر بول فاليري ويذكر معه الوضوح، ولكن الوضوح مع ذلك من أخص ~~صفاته بشرط أن يقرأه القادرون على فهمه، والذين يستطيعون أن يرقوا إلى حيث يعيش من عالم ~~الشعر والفلسفة. وأنت تستطيع أن تفهم قصة سميراميس كما تصورها بول فاليري وكما صورها، ولكنك ~~تجد مشقة غير قليلة في فهم ما تنطق به سميراميس من الكلام أحيانا. ولو أن هذه الملكة ~~الخرافية وجدت اليوم وسمعت ما يجريه على لسانها بول فاليري، لما ترددت في أن تعود إلى ~~صورتها الأولى فتأخذ شكل الحمامة المطوقة، وتطير فتبعد في الطيران، فهو لا ينطقها بأقل من ~~هذه الفلسفة العليا التي كان يجريها أفلاطون على لسان أصحابه وهم يحاورون سقراط. # نحن في قصر الملكة بمدينة بابل، وفي فناء هذا القصر في يوم من الأيام المشهودة، قد عادت ~~فيه الملكة منتصرة ظافرة قد أذلت الممالك وأسرت الملوك، والقصر يتهيأ لاستقبالها، وما هي ~~إلا أن يسمع ضجيج وعجيج وأصوات فيها الأمر والنهي، ثم يقبل الجند وهم يدفعون الأسرى أمامهم ~~دفعا، ثم تقبل الملكة على عربة يجرها ثمانية من الملوك الأسرى قد شدوا إليها بسلاسل من ~~ذهب. فإذا بلغت فناء القصر، أقبل الجند فحلوا هؤلاء الملوك، وألقوهم على درج العرش، ثم ~~ألقوا غيرهم من الأسرى على الأرض بين العربة والعرش، بحيث لا تمشي الملكة إلا على أجسام ~~الأسارى. حتى إذا ارتقت إلى العرش أقبل وصائفها فخلعن عنها لمة الحرب وقدمن إليها لباس ~~السلم وزينة الملك، ثم تتجلى لشعبها في جمالها ms120 الرائع المهيب، ويدخل الجند وهم يحملون ~~تماثيل الملوك الأسارى فيقدمونها إلى الكاهن الذي يأمر بتحطيمها، حتى إذا عملت فيها الفئوس ~~رفع بعض هؤلاء الملوك رأسه، ونظر إلى ذلك محنقا مغيظا، فتهم الملكة أن تقرعه بالصولجان، ~~ولكنها تلمح في وجهه جمالا فتهبط إليه وتأخذ بشعره وتجذبه جذبا عنيفا حتى تقيمه، فتنظر ~~في وجهه فتطيل النظر ثم تمتحن قامته وجسمه امتحانا دقيقا. ويرى النظارة أنه قد أعجبها، ~~وإذا هي تستبقيه وترسل غيره من الملوك إلى الموت. # ويلقى الستار، ولكنه لا يلقى ليستريح النظارة، وإنما يلقى ليظل النظارة في حال بين ~~النشاط والهدوء كأنهم يرون شيئا وكأنهم لا يرون؛ فهناك أشياء تقع من خلف هذا الستار الرقيق ~~يحسها النظارة، ولكنهم لا يتبينونها. فإذا رفع الستار عن الفصل الثاني فنحن في غرفة من ~~غرفات الملكة قد أقيم فيها سرير رحب نثرت عليه الوسائد نثرا وقد استلقى عليه العاشقان ~~كأنما أجهدا إجهادا، ولكن الملكة مفتونة لا ترضى، فهي لا تريح ولا تستريح، تداعب صاحبها ~~وتلاعبه، فإذا أظهر الفتور ألقت عليه من الأعطار وقدمت إليه من الطعام والشراب ما يرد ~~إليه نشاطه. وإذا هو قد أحس الكبرياء وشعر كأنه يملكها وكأن سلطانه عليها لا حد له. وإذا هو ~~ينظر إليها شزرا، ويرمقها في شيء من الازدراء، ويأخذها بما تؤخذ به الأمة، فلا تكاد ~~الملكة تحس منه ذلك حتى تثوب إلى نفسه، وإلى ملكها، وإلى قوتها، فتنحرف عنه بعض الشيء، ~~ويطمعه ذلك فيها، ولكنها تنفره وتستجمع قوتها، وتنهض كأنها الحية، ثم تلقي عليه نظرة مخيفة، ~~ثم تضرب على أداة قريبة منها فترفع الأستار ويقبل الجند من كل مكان، ويؤخذ الملك الأسير، ~~ويرد إلى ذلته الأولى، وترسل الملكة إليه سهما لا يخطئه. ثم يلقى الستار، ولا يلقى ~~ليستريح النظارة أيضا، ولكن ليروا هذه الملكة وقد خرجت من أنوثتها وعادت إلى بطولتها. ~~استمتعت بالحب حتى رضيت أو حتى رأت أن ليس إلى الرضى من الحب سبيل. ثم دفعت فريستها إلى ~~الموت، ثم هي تصعد إلى أعلى القصر هناك حيث ms121 المنجمون ينظرون في السماء ويذكرون الآلهة ~~ويسبحون بحمد الملكة، فإذا أحسوا مقدمها أغرقوا في الثناء عليها، وأسرفوا في حمدها حتى ~~تضيق بهم، فتزجرهم ثم تطردهم؛ لأنهم تركوها تشعر بأنها قد آجرتهم على هذا الثناء. وهي لا ~~تكاد تبلغ أعلى القصر وتقصي عنها المنجمين حتى تحس أنها لم تخرج من أنوثتها وحدها، بل خرجت ~~من ملكها أيضا! ارتقت إلى أعلى ما يستطيع الإنسان أن يبلغ من الارتفاع، فبعدت عن الدنيا ~~وبعدت الدنيا عنها، وصغرت الحياة في نفسها، وطمعت في شيء أكبر من الحياة. وهي تستقبل الفجر ~~متحدثة بما يملأ نفسها من ضيق بما كانت فيه، وأمل فيما لم تبلغ بعد. ثم تشرق الشمس فتغمر ~~الكون بنورها الوضاء، وإذا الملكة قد تبينت ما كانت تريد، فهي لا تريد إلا أن تتصل بالشمس ~~وأن تتصل الشمس بها، إلا أن تمتزج بالآلهة فتصبح منهم وتعيش معهم لأنها أكبر من الناس، ومن ~~حياة الناس. وهي تريد أن تخلص من جسمها، وأن تصبح نفسا خالصة، وهي تتحدث بذلك إلى الشمس ~~وهي تصعد إلى المذبح وتنام كما تنام الضحايا، وإذا جسمها يتبخر قليلا حتى يذوب وينحل عن ~~حمامة مطوقة تطير إلى حيث لا يعرف لها مكان ولا غاية. # وأنت تخطئ إن ظننت أن الشاعر قد حكى لك هذا كله حكاية أو صوره لك في حوار، إنما هي ~~خواطر منثورة وصور يتبع بعضها بعضا. وأنت تخطئ إن ظننت أني لخصت لك القصة، فأنا لم ألخصها، ~~وإنما مسختها مسخا، ولم أعرض عليك منها إلا ما يمكن عرضه، فأكبر ما في القصة يحس ولكنه ~~لا ينقل. هو رقص وموسيقى وغناء وحركات موقعة. # وأنت تعلم أن سميراميس قد ألهمت الكتاب منذ العصور القديمة فصولا رائعة، وألهمت ~~الكتاب المحدثين منذ القرن السابع عشر قصصا تمثيلية كثيرة وقصصا موسيقية أيضا. ولعل ~~أجمل هذه القصص كلها وأروعها قصة فولتير التي مثلت نحو منتصف القرن الثامن عشر في أواخر ~~سنة 1748 بالضبط. فأعجب بها الناس ولا نزال نقرؤها فنعجب بها، ولكن الموازنة بين قصة فولتير ms122 ~~وقصة بول فاليري تنتهي إلى تقديم الشاعر الحديث المعاصر من غير شك. ففولتير لم يخرج في قصته ~~عن تقليد اليونان على شدة جحوده لفضل اليونان فيما كتب لهذه القصة من مقدمة، فهو يصور لنا ~~سميراميس وقد قتلت زوجها وهمت بقتل ابنها واستسلمت لرجل طاغية، ثم أدركها الندم فاستعانت ~~ببطل من أبطال الجند تريد أن تخلص به من شريكها في الإثم، وهي تريد أن تتخذ هذا البطل زوجا ~~لها، وهي تجمع أشراف الدولة لتشهد على هذا الزواج، ولكن ظل زوجها القتيل يخرج من قبره فيحول ~~بينها وبين هذا الإثم، فليس البطل الذي تريد أن تتزوجه إلا ابنها قد رد إليها. # وتنتهي قصة فولتير بأن يقتل الابن أمه ويسترد ملك أبيه ويقتل الطاغية، وهذا التلخيص ~~الموجز يكفي ليبين لك أن فولتير ما كان ليكتب قصته هذه لو لم يقرأ تمثيل اليونان. فنحن نرى ~~فيها أثر سوفوكل. أليس أوديب قد تزوج أمه؟ ونحن نرى فيها أثر إيسكولوس، أليس أورست قد قتل ~~أمه؟ ثم نحن نرى فيها أثر أيسكولوس أيضا حين يظهر ظل الملك القتيل فيتحدث إلى الأحياء. ~~أليس ظل دارا الملك قد ظهر فتحدث إلى الأحياء في قصة الفرس؟ ففولتير مقلد ليس غير، قد وضع ~~الأسماء الكلدانية مكان الأسماء اليونانية. أما بول فاليري فمبتكر في كل شيء، لم يسبق إلى ~~فكرته هذه، ولا إلى هذه الصورة التي صور فيها سميراميس. هو مبتكر في القصة، وهو مبتكر ~~فيما خلق حولها من الجو، ثم هو مبتكر بعد هذا وذاك فيما أجرى على لسانها من هذه الفلسفة ~~الأفلاطونية العليا. # ما أجدر أدباءنا أن يعنوا بمثل هذه الآثار العليا، وأن يسلكوا في إنتاجهم الأدبي مثل هذه ~~الطرق التي يسلكها الكتاب المجيدون! # | سجين # ليس هذا العنوان مطابقا ولا مقاربا للعنوان الفرنسي الذي وضع لهذه القصة، فلو أني أردت ~~الترجمة الحرفية لجعلت عنوانها: «كان هناك سجين»، ولكني آثرت هذا العنوان اليسير؛ لأن ~~العنوان الفرنسي يدل على معنى خاص يأتي من وضع الفعل بغير فاعله، وليس إلى ترجمة هذا المعنى ms123 ~~الخاص من سبيل. # وأكبر الظن أن الكاتب لم يرد إلا الدعابة، فالعنوان الذي وضعته كاف كل الكفاية لتصوير ~~القصة؛ لأن الكاتب لم يرد إلا إلى شيء واحد، هو تصوير سجين طال مقامه في السجن، ثم لقي ~~أسرته بعد أن أفرج عنه، فأنكرها وأنكر الحياة الاجتماعية المألوفة كلها. # ولا بد من أن نقدم بين يدي هذا التلخيص ملاحظة تدعو إلى إكبار الكاتب، وتدعو في الوقت ~~نفسه إلى إغضاء عن بعض ما يظهر في القصة من تقصير، وهي أن الكاتب شاب لم يتجاوز الخامسة ~~والعشرين من عمره، وقد مثل قبل هذه القصة قصتين نجحت إحداهما نجاحا ظاهرا، وأخفقت ~~ثانيتهما إخفاقا ظاهرا، ووقفت هذه القصة الثالثة وسطا بين النجاح والإخفاق. # ولا شك في أن شباب الكاتب، وقرب عهده بإنشاء الأدب التمثيلي، واضطراب هذا الجيل من ~~الكتاب بين مذهب الأدب التمثيلي البطيء الذي يريد أن يحتفظ بالسنة الموروثة للملاعب ~~ومذهب الأدب التمثيلي السريع الذي يريد أن يسلك بالملعب طريق السينما، لا شك في أن هذا كله ~~قد ورط الكاتب فيما تورط فيه من الضعف والقصور. وهو من غير شك متلاف هذا الضعف وبارئ ~~من هذا القصور، إذا اتصلت تجربته وأتيح له المران، واستطاع أن يرسم لنفسه طريقا واضحة ~~بينة. ولعلك تسألني لماذا اخترت هذه القصة التي لا تخلو من ضعف وعيب؟ ولي على هذا السؤال ~~جوابان: # أولهما: # أن من الخير أن لا نلخص دائما جياد القصص وآيات التمثيل، بل قد يكون في ~~اختيار القصص المتوسطة ما يمكننا من النقد ويمكننا بذلك من تثقيف الشباب في ~~هذا الفن الذي لم تستقر به الدار عندنا بعد. # والثاني: # أن في اختيار هذه القصة التي أنشأها شاب بدأ يعرض آثاره التمثيلية في ~~الملاعب قبل أن يتم الثانية والعشرين من عمره تنبيها للشباب إلى نشاط ~~أمثالهم في الغرب، وقدرتهم على الإنتاج والظهور، ومثابرتهم على الجد مهما ~~تعترضهم المصاعب والعقاب. # على أن القصة ليست من الضعف بحيث يجب الإعراض عنها، فيكفي أنها مثلت في ~~ملعب باريسي معروف، ونشرت في الإلستراسيون، ms124 وأثنى عليها جماعة من خير ~~النقاد الفرنسيين وأرفعهم شأنا. وسترى حين ألخصها لك في إيجاز أنها إن لم ~~تعجب المتشددين من أعلام النقد الفرنسي، فقد يكفينا أن يضع لنا كتاب ~~الشباب وكتاب الشيوخ أيضا قصصا تشبهها أو تدانيها. # والقصة بعد هذا كله نقد عنيف للحياة الاجتماعية، وهجاء قاس للجماعة ~~المعاصرة، وربما جاء عنفها وقسوتها من شباب الكاتب أيضا؛ فهو ما زال ~~متأثرا بعاطفته وغريزته، مندفعا إلى الخير، لم تعلمه الأيام بعد أن ~~الجماعة الإنسانية ستظل بعيدة عن المثل الأعلى مهما تجتهد في السعي إليه. ~~والفكرة الطريفة في القصة هي أن سجينا قضت عليه المحاكم بالإجرام، وأخذته ~~الدولة بالعقوبة الطويلة الشاقة، وحمل الناس حملا على إنكاره والبراءة منه ~~والاستخذاء من عشرته أو الاتصال به، لا يكاد يخرج من السجن حتى يتبين أن ~~هذه الجماعة التي تنكره وتزدريه آثمة مغرقة في الإثم، خليقة بالازدراء، ~~خليقة بنوع خاص ألا يعيش فيها هذا المجرم السجين، فهي إذن منافقة حين تقاضي ~~المجرمين أو من تسميهم المجرمين، وحين تأخذهم بالعقاب، وحين تظهر الحرص ~~على السيرة النقية والخلق الكريم، وحين تضع القوانين وتنشئ المحاكم وتقيم ~~السجون لحماية السيرة النقية والخلق الكريم. # ونحن حين يرفع الستار عن الفصل الأول في سفينة خاصة لبعض الأغنياء المترفين، قد رست غير ~~بعيد من الساحل وفيها أسرة هذا الرجل الغني جيوم باريكو. وهي تتألف من رجال ونساء، لكل ~~منهم شخصيته الممتازة التي تستحق العناية والتفكير. # ولنبدأ من هذه الشخصيات بهذه الفتاة الجميلة آن ماري، وهي ابنة أخت صاحب السفينة، قد ~~خطبها فتى من أبناء الطبقة الوسطى، أسرته غنية رفيعة المقام، وهو مفتش في وزارة المالية، ~~ونحن نراه يتحدث إلى خطبه ويظهر لها الحب والهيام، والفتاة تستمع له في أناة واعتدال، وقد ~~نفهم من حديثهم أن الفتى يتكلف الحب، وأن الفتاة لا تتكلف شيئا، وإنما تريد الزواج. وليس ~~هذا الزواج سهلا ولا هينا، فهذه الفتاة نشأت في حجر رجل تزوج من أمها حين كان غنيا، ~~بارز المكانة في باريس، ضخم الثروة، متسلطا على ms125 كثير من الشئون العامة، ثم اضطرب أمره ~~المالي، ثم كانت الكارثة، ثم قبض عليه وحوكم وقضت عليه المحكمة بالسجن خمسة عشر ~~عاما. # فهذه الفتاة موصومة بجريمة هذا الرجل، وإن لم يكن أباها، وليس من اليسير أن تجد زوجا ~~يقبلها. فمن المعقول أن تحرص على هذا الزوج الذي أتيح لها وإن لم تجد في نفسها حبا له أو ~~ميلا إليه. وهي شديدة السخط على هذه الجماعة التي تأخذ البريء بذنب المسيء، وتعاقب الأبناء ~~على إثم الآباء، وهي مع ذلك شديدة العطف على هذا السجين لا تنكره، ولا تزدريه، ولعلها تحبه ~~وتكبره أيضا. # والفتيان يتحدثان بمقدم هذا السجين الذي أفرج عنه، والذي ينتظر وصوله إلى السفينة، بين ~~حين وحين. وهذه شخصية أخرى قد أجاد الكاتب تصويرها، وهي شخصية أدلين أم الفتاة وزوج ~~السجين. امرأة قاربت الخمسين من عمرها، ولكنها ما زالت عظيمة النشاط سريعة الحركة خفيفة ~~العقل، مضطربة بين أهوائها وعواطفها، متهالكة على زينتها ولذتها، يحسبها من رآها وسمعها ~~فتاة لم تتجاوز العشرين. # وهذا صاحب السفينة ورئيس الأسرة، رجل غني قوي ماكر ماهر، مزدر لكل شيء إلا ثروته، حريص ~~كل الحرص على أن يزوج هذه الفتاة من هذا الفتى؛ لتكون المصاهرة بين أسرته وهذه الأسرة ~~القوية البارزة، ولتصلح هذه المصاهرة من أمره المالي ما قد يحتاج إلى الإصلاح. ثم هذا الشيخ ~~أبو السجين رجل قد قارب السبعين أو جاوزها، وأثرت فيه السن؛ فهو إلى السخف والبله أقرب ~~منه إلى أي شيء آخر، ولكنه مع ذلك شديد الحرص على المال، قاسي القلب، لا يكاد يعطف على ابنه ~~ولا يكاد ينسى نفسه. وكل هؤلاء ينتظرون مقدم السجين، وينظرون إلى الساحل لعلهم أن يتبينوا ~~السيارة التي تحمله إليهم. وأنا أعفيك مما يكون بينهم أثناء ذلك من حديث فيه فكاهة حلوة، ~~ولكنه طويل مسرف في الطول، مفصل مسرف في التفصيل. وهذا السجين لودفيك قد أقبل ومعه شخص غليظ ~~ضخم، ظاهر البله، سيئ الحال، لا يلتفت أحد إليه الآن، فلندعه نحن لحظة حتى يلتفت إليه أعضاء ~~هذه ms126 الأسرة، ولنقف عند هذا السجين وقد أقبل متعبا مكدودا واجما يكاد يفقد الصواب، ويكاد ~~لا يميز أحدا من هؤلاء الناس، الذين يراهم بعد أن غاب عنهم خمسة عشر عاما. فهم يلقونه ~~مظهرين الابتهاج، وهو يلقاهم متكلفا للسرور، ولكنهم لا يكادون يتحدثون إليه حتى ينكر كل ~~شيء؛ ينكر أصواتهم لأنها مرتفعة تؤذي سمعه الذي قضى دهرا طويلا لا يكاد يسمع صوت إنسان. ~~وينكر ألفاظهم لأنها لا تدل على المعاني التي كان ينتظر أن تدل عليها، بعد أن طال عهده ~~بالعزلة. وينكر معايبهم إذا فهمها، فهي تؤذي شعوره الخلقي، بل هو ينكر أشخاصهم أيضا. لقد ~~كان يظن أنه سيلقاهم كما كانوا، يوم تركهم، ولم يكن يحسب حسابا لهذه الأعوام الطوال التي ~~مرت فدفعت بعضهم إلى الشباب وقد كان صبيا، ودفعت بعضهم إلى الكهولة وقد كان شابا، ثم ~~دفعت بعضهم إلى الشيخوخة وقد كان كهلا. وهو لا يعرف امرأته، فقد فارقها شابة لم تكد تجاوز ~~الثلاثين، فإذا هي الآن امرأة قد تقدمت بها السن وقاربت الخمسين. تزوج كما يقول زهرة فوجد ~~امرأة، بل هو لا يعرف ابنه الذي ولد بعد أن ألقي في السجن. وابنه هذا غلام قد أتم الرابعة ~~عشرة، يقرأ الصحف ويجادل في العلم ويتعرف شئون الطيران ويجهل من أمر أبيه كل شيء، إلا أنه ~~قد ذهب إلى أستراليا يلتمس الثروة، ثم عاد منها اليوم. ولا بد من أن يتعلم السجين أشياء ~~كثيرة ليستطيع أن يلقى ابنه ويتحدث إليه ويفهم عنه، بل هو ينكر الجو الواسع والهواء الطلق ~~والضوء القوي؛ فقد أقام هذه الأعوام الطوال في حجرة ضيقة ضئيلة لا يلقى أحدا ولا يلقاه ~~أحد، وقد تعود أن يخلق لنفسه أشخاصا يتحدث إليهم في وحدته هذه، ولكنه يتحدث إليهم في ~~ضميره أو يتحدث إليهم همسا، وقد تعود ضوء هذه الغرفة الضيقة ولون جدرانها الحائل، ~~وجوها الحانق، فشق على رئتيه وعينيه وأذنيه كل ما يحس وكل ما يرى. وهو بنوع خاص دهش لهذه ~~السفينة التي حمل إليها، فهو كان ينتظر الحرية ليسعى ms127 في الأرض ويهيم في الريف ويشعر ~~بالانطلاق ويستمتع بالشجر والحيوان والنبات، لا ليخرج من سجنه المستقر على الأرض إلى سجن ~~آخر تتقاذفه الأمواج. # وانظر إليه وقد رأى لأول مرة منذ خمسة عشر عاما طائرا من طير البحر، فهو دهش مبتهج شاعر ~~حين يصف هذا الطائر ويتحدث عنه. # وقد أقبل الخادم يدعو القوم إلى طعامهم، فتنبهوا لهذا الشخص الضخم الغليظ الذي أشرت إليه ~~آنفا، فسألوا عنه فإذا هو صديق لهذا السجين، كان يسكن في السجن حجرة تجاور حجرته، ولم ~~يكونا يلتقيان ولا يتحادثان، وإنما كانا يتبادلان الطرق على الحائط الذي كان يفصل بينهما. ~~وقد أنشآ لنفسيهما لغة خاصة تنطق بها الأيدي ولا تجري بها الألسنة. وهذا الرجل أخرس، وقد ~~خرج من السجن قبل صاحبه بوقت قصير، ثم التقيا وتعارفا وظهر أن هذا الرجل بائس، فاصطحبه ~~لودفيك رفقا به وعطفا عليه، والأسرة ضيقة بهذا الرجل الوضيع المجرم، تريد أن تنفيه ولكنها ~~لا تستطيع؛ لأن صاحبها قد أنذر بأن يمضي معه إذا نفي، فالأسرة تستبقيه كارهة وترسلة إلى ~~المطبخ ليصيب شيئا من طعام. وهذا السجين قد خلا لحظة إلى امرأته، وهي ترفق به وتتلطف له ~~وتدنو منه، وهو يعرض عنها إعراضا؛ لأنه لا يحبها ولا يستطيع قربها، وقد نسي أو كاد ينسى ما ~~كان بينهما من ذكريات. وهي تتركه لأخيها (جيوم) الذي أقبل يتحدث إليه في شئون خطيرة، ولكنه ~~لا يكاد يسمع منه حتى ينكر ما يسمع أشد الإنكار، ف «جيوم» يعرض عليه عملا في بعض مكاتبه ~~على أن يبقى أكثر وقته في المكتب، وهو يعرض عليه أن يخفي اسمه أمدا طويلا، وهو يبين له أن ~~هذا كله شيء لا بد منه لتحتفظ الأسرة بشرفها، ولتستطيع الفتاة أن تتزوج من هذا الفتى. فإذا ~~أظهر السجين أنه يكره هذا العمل الشاق ويريد أن يستمتع بحريته منطلقا في الأرض، أبى عليه ~~صاحبه وأنذره بالبؤس، بل بما هو شر من البؤس. وقد اشتد الخلاف بينهما حتى هم السجين أن ~~يمضي لوجهه، ولكن ماذا؟ لقد بعدت السفينة ms128 عن الساحل وعرف السجين أنه لم يحمل إلى هذه ~~السفينة إلا لتفرض عليه الأسرة ما تريد، فهو يسب أخا امرأته ويهجم عليه، ولكن ما أسرع ما ~~يقهره هذا الرجل القوي، وهو يريد أن يلقي بنفسه إلى الماء، ولكنه يمنع من ذلك أيضا. ~~ويسدل الستار وهو يقاوم صاحبه ويخاصمه. # فإذا رفع الستار عن الفصل الثاني، رأينا الفتيين اللذين رأيناهما في أول القصة يختصمان ~~أو يتحاوران حوارا فيه شيء من الخصومة؛ فقد تفاقم أمر السجين، وأخذ الفتى يخاف أو يخيف من ~~أن ترفض أسرته الزواج إذا مضى هذا الرجل على حاله هذه. والفتاة كريمة النفس، لا ترى في ~~السجين رأي الأسرة، وقد أخذت تعد نفسها لرفض الزواج كارهة ذلك، ولكنها تحتمله في ~~كبرياء. # ونفهم من حديثهما أن السجين قد لزم مع رفيقه غرفة التدخين وأغلقاها من دونهما، وأزمعا ألا ~~يخرجا منها، واتخذا خطة عداء لكل من يدنو من الغرفة، فهما يقذفانه بما تناله أيديهما من ~~الزجاج والأطباق وما إلى ذلك، حتى استيقنت الأسرة جنون السجين وأبرقت إلى طبيب كان صديقا ~~له قبل السجن. ودنت بالسفينة من الساحل، وهي تنتظر مقدم هذا الطبيب لعله يرد السجين إلى شيء ~~من الأناة واللين والموافقة. # ويقدم الطبيب بعد حين، فتصور الأسرة له أمر السجين على أنه مجنون أو كالمجنون، وترغب إليه ~~في أن يجتهد في إخراجه من هذه العزلة، وحمله على أن يقبل ما يعرض عليه. وهذا الطبيب يدنو من ~~الغرفة حذرا، ويدعو صاحبه وينبئه بمكانه فيخرج إليه، ولا سيما وقد كان أظهر الرغبة في ~~لقائه. # فإذا تحدث الصديقان عرفنا أن السجين لا يريد إلا شيئا واحدا، وهو أن يستوثق من أن ~~رفيقه في السجن لن يموت جوعا. فهو يوصي به صديقه الطبيب، فإذا عرف أن صديقه قد قبل حماية ~~هذا البائس أعلن إليه أنه سيقتل نفسه، فلم يبق له أرب في الحياة. # وهنا يظهر رأي هذا السجين في أسرته وأخلاقها، ويظهر أنه عاجز كل العجز عن أن يستأنف ~~الحياة المرة كما تعرض عليه، فهو لا ms129 يفهم أحدا، وليس من الأسرة أحد يستطيع أن يفهمه. على ~~أن صديقه يأخذه باللين مرة وبالعنف مرة أخرى، يريد أن يرده عن رأيه هذا. وما يزال به حتى ~~يجهده، فيظهر له أنه قد اقتنع، وأن نفسه قد انصرفت عن الموت، وأنه سيحيا وسيجتهد في موافقة ~~الأسرة على ما تريد. # وينصرف عنه الطبيب بعد ذلك مسرورا لينبئ الأسرة بما سمع، ولكن السجين لا يكاد يخلو إلى ~~نفسه حتى يتهيأ للموت، ويهم بالوثوب إلى الماء، لولا أن يدا قوية ترده عن ذلك ردا ~~عنيفا، فإذا التفت رأى رفيقه في السجن قد أدركه قبل أن يتم ما أراد. # فإذا كان الفصل الثالث فقد قضى السجين ليلة طويلة شاقة، عاد إليه صديقه فما زال به حتى ~~هدأ من حدته وأقنعه - أو ظن أنه أقنعه - باستئناف الحياة في شيء من الرضى. # ونحن في أول الفصل نرى الأسرة مبتهجة بهذا النبأ الذي ألقي إليها، فهي قد قبلت أن تحمي ~~هذا الرجل البائس، وهذه زوج السجين تهيئ الطعام له ولرفيقه، وهذه الأسرة كلها تجتمع لتسمع ~~من السجين نفسه استعداده لاستئناف الحياة ورضاه بما يعرض عليه. وهذا السجين قد أقبل عليهم ~~متلطفا مترفقا، فأخذ يسمع منهم ويقول لهم ويحاورهم في كثير من التفصيلات، ولكن الحوار لا ~~يكاد يتصل بينه وبين زعيم الأسرة حتى يفسد الأمر مرة أخرى، فليس إلى فهم هذا السجين لحياة ~~الجماعة من سبيل. وكيف يفهم حياة هذه الجماعة أو يطمئن إليها وهو قد استكشف أن زعيم الأسرة ~~آثم مجرم يعبث بأموال الناس، عبثا خليقا أن يدفعه إلى السجن كما دفع هو إلى السجن منذ ~~خمسة عشر عاما؟ بل هو قد دفع إلى السجن في شيء لم يكن يراه إثما ولا إجراما، وإنما كان ~~شيئا من الخطأ وسوء الحظ. وهو قد استكشف أيضا أن أباه شريك في إثم هذا الرجل وإجرامه، بل ~~هو قد استكشف من ناحية أن هذه الفتاة لا تحب صاحبها، وإنما تدفع إلى الاقتران به دفعا ~~لتستطيع أن تحيا حياة هادئة، واستكشف من ms130 ناحية أخرى أن الفتى لا يحبها وإنما يتزوجها لمال ~~الأسرة ومكانها، وهو يعلن إليهم هذا كله في غضب عنيف فيستيئسون من نزوله عند ما يريدون. وها ~~هم أولاء قد تفرقوا عنه يائسين، ولم يبق معه إلا زعيم الأسرة قد خلا إليه ليعلن إليه قراره ~~الأخير، فهو يخيره بين الإذعان لما يراد منه أو مستشفى المجانين. وأي شيء أيسر من أن ~~يستشار طبيب فيكتب الإذن بحبسه في هذا المستشفى؟! وهذا صديقه الطبيب الذي رأيناه في الفصل ~~الماضي لا يرى في ذلك بأسا على أن لا يكتب هو هذا الإذن، فلا بد إذن للسجين من أن يختار، ~~وهو لا يستطيع أن يختار ما يعرض عليه ولا يريد أن يذهب إلى المستشفى. وقد تلطف زعيم الأسرة ~~آخر الأمر فأشار عليه بأن يذهب إلى دار من هذه الدور التي يستريح فيها المرضى فينفق فيها ~~أشهرا، وهو لا يشك في أنه بعد هذه الراحة سينظر إلى الحياة والأحياء نظرة أخرى. وقد قبل ~~السجين هذا الرأي الأخير، واطمأن زعيم الأسرة إلى هذا القبول، وانصرف عنه، وإذا هو يدعو ~~رفيقه في السجن وينبئه بأن القوم لا يريدون بهما إلا شرا، وبأنهما إن دخلا هذه الدار فلن ~~يخرجا منها آخر الدهر، فلا بد لهما إذن من الإفلات إن أرادا الحرية والحياة. وكيف السبيل ~~إلى الإفلات من سفينة ليست بعيدة من الساحل، ولكنها ليست قريبة منه أيضا؟ لقد كان مخيرا ~~بين الذل ومستشفى المجانين، فليحمل نفسه وليحمل صاحبه على التماس الحياة من طريق قد يلقيان ~~فيها الموت. وانظر إليهما؛ إنهما ليتهيآن للوثوب إلى الماء؛ فإما أدركا الساحل فظفرا ~~بالحياة الحرة، وإما أدركهما الغرق فماتا كريمين. # | برسيفونيه # للكاتب الفرنسي أندريه جيد # كان الجو معتدلا، وكانت السماء صافية، وكان البحر هادئا، تكاد أمواجه تستقر فلا تصدر ~~عنها حركة ما، وكان الساحل أرضا منبسطة لولا تلال صغار قد نتأت فيها نتوءا، وكان العشب ~~الأخضر قد كساها من جماله الوديع الحلو ثوبا يروق العيون، وكانت شجرات ضخام قد قامت على ~~رءوس التلال، وارتفعت ms131 في الجو كأنما تريد أن تبلغ السماء، ومدت أغصانها في كل ناحية فأظلت ~~هذا المكان الهادئ الجميل، وكان النسيم يضطرب بين هذا كله والضوء الرفيق الرقيق يترقرق في ~~هذا الجو المريح، فكانت الينابيع ترسل مياهها العذبة هادئة تنساب على العشب كأنها ~~الحيات. # وكانت الفتاة برسيفونيه بنت الإلهة ديمتير تلعب مع أتراب لها من بنات الآلهة في هذه ~~الروضة الرائعة التي يلائم جمالها ما يمتاز به العذارى من براءة النفوس وصفاء الضمائر وطهر ~~القلوب. # وكانت عن يسار هذه الروضة الجميلة صخور ترتفع غير شاهقة، ولكنها تخيف من يدنو منها بعض ~~الشيء. وكان العذارى يشفقن من هذه الصخور، ويكرهن أن يسعين إليها أو يقربن منها. وإنهن ~~لفيما تعودن أن يأتين من اللعب والمرح ذات يوم يستبقن حينا ويسترحن حينا آخر ويرسلن ~~أصواتهن الحلوة بالأغاني العذاب من حين إلى حين، إذا شخص مروع مخيف قد انفرجت عنه الصخور، ~~فأقبل يسعى، ونفرت الفتيات مجفلات إلى برسيفونيه، فقد ثبتت له، لا آمنة شره ولا منتظرة ~~قربه، ولكن مذعنة لهذا القضاء القاسي الصارم العنيف، الذي كان يبسط سلطانه على الناس وعلى ~~الأشياء وعلى الآلهة أيضا. فلما بلغ هذا الشخص المخيف مكان الفتاة برسيفونيه مد ذراعيه ~~القويتين فاحتمل الفتاة، وعاد أدراجه والتأمت الصخور واستقرت حياة الروضة كأن لم يحدث فيها ~~شيء. وثاب الفتيات مشفقات فنظرن فلم يرين صاحبتهن، ولم يرين ذلك الشخص المخيف، فانبعثت ~~أصواتهن الحلوة لا بالغناء العذب ولكن بالصياح والعويل. # وأقبلت ديمتير إلهة الأرض والنبت والثمر على هذه الأصوات المرتاعة الملتاعة، فلما لم تر ~~ابنتها لم تسأل عن شيء، ولم ترد أن تعلم شيئا؛ لأنها فطنت لكل شيء، واستيقنت أن أديس إله ~~الحجيم قد خرج من دار الظلمة والموت، فاختطف ابنتها ليتخذها له زوجا في دار الظلمة ~~والموت. # هناك صرخت الإلهة صرخة اضطربت لها الأرض، وانشقت لها السماء، وذعرت منها الشمس، وتنبه ~~لها كبير الآلهة زيوس، فقال لمن حوله من بنيه: إن في الأرض لأمرا عظيما. وما هي إلا أن ~~ترقى ديمتير إلى كبير الآلهة ms132 العلويين، فتقص عليه إثم كبير الآلهة السفليين، وتسأله العدل ~~والرحمة والإنصاف. ويسعى السفراء بين السماء والجحيم يطلبون إلى إله الظلمة أن يرد إلى ~~الأرض ابنتها فيأبى ويلح في الإباء، وتحزن الأرض أشد الحزن وتجزع الأرض أشد الجزع، فتكف عن ~~إخراج النبت وإنضاج الثمر، وإرسال الماء من الينابيع، وإذا العيون تجمد، والأنهار تجف، وإذا ~~كل شيء مجدب، وإذا كل مكان قفر، وإذا الناس والحيوان يأخذهم الجوع والظمأ والحرمان، وإذا ~~الموت سعيد يطوف في الأرض، فيحصد من النفوس ما يعيا بحمله إلى دار الموتى، وإذا الآلهة ~~يجزعون وإذا السفراء يلحون في السعي، ثم يتم الصلح بين السماء والجحيم، أو بين النور ~~والظلمة، على أن تستقر الفتاة ستة أشهر عند زوجها الذي اختطفها قسرا، ثم تصعد فتستقر ستة ~~أشهر عند أمها التي لا تستطيع على فراقها صبرا، ولا تجد عنه عزاء. # وتعود الفتاة إلى أمها فتسيل العيون والينابيع، وتجري الأنهار والغدران، ويخرج النبات ~~ويورق الشجر، وينضج الثمر ويحيا الناس، وينعم الحيوان، وتبتسم الدنيا كعهدها قبل أن تختطف ~~الفتاة. # بهذه القصة كان يتحدث قدماء اليونان، ولهذه القصة كانوا يؤمنون كما نؤمن بأوضح الأشياء، ~~وأدناها إلى البداهة والصدق الذي لا شك فيه. وكانوا يضيفون إليها ويحذفون منها ويذهبون في ~~روايتها وتفسيرها وتأويلها المذاهب التي تختلف باختلاف البيئات وتتفاوت بتفاوت المدن، ~~وتتباين بمقدار ما كان بين اليونان من اختلاف في رقي العقل وسعة الفهم وقوة الإدراك. وكان ~~الشعر الهوميري قد سبق إلى تخليدها في نشيد من هذه الأناشيد الخالدة التي سيحفظها الزمان ما ~~استطاع أن يحفظ آثار الناس. فلما ارتقى العقل اليوناني وانشقت عنه سذاجة الطفولة واستطاع أن ~~يلقى شمس الحق ويثبت لها، لم يرفض هذه الأسطورة ولم ينكرها، وإنما اتخذها رمزا من رموز ~~الدين ومثلا لهذه الفلسفة العليا التي تدبر شئون الحياة والأحياء، فأصبحت برسيفونيه رمزا ~~للربيع وما يحمل إلى الناس من جمال وحياة، ومن خضرة ونضرة، ومن خصب وسعة، ومن بهجة ونعيم، ~~وأصبحت أمها ديمتير رمزا للشتاء الذي تجدب له الأرض وتعقم فلا تعطي ms133 الناس ثمرا ولا ~~نباتا، ولا تبعث في الشجر حركة ولا حياة، ثم أخذ اليونان يستقبلون الربيع فيحتفلون بعودة ~~الفتاة المخطوفة إلى أمها، ويستقبلون الشتاء فيحزنون لهبوط الفتاة إلى زوجها. # ثم أقيمت المعابد ورسمت العبادات ونظمت الحفلات تنظيما دقيقا، واستقر أكبر معبد لهاتين ~~الإلهتين في مدينة إيلوزيس قريبا من أثينا، وعبد اليونان والرومان فيه هاتين الإلهتين ~~عبادة منظمة خفية قد اعتبرت أصولها ومراسمها أسرارا مقدسة لا يعرفها الناس إلا إذا لقنوها ~~تلقينا، ودرسوها درسا خفيا، مقصورا على الذين قد احتكروا علمها وتعاليمها من القسس ~~والكهان. وانضم إلى هاتين الإلهتين في هذا المعبد إله ثالث هو ديونوزوس إله الخمر والكرم، ~~إله الابتهاج والابتئاس، إله السرور الذي يبلغ الجنون وإله الحزن الذي يبلغ اليأس والقنوط. ~~حتى إذا كانت غارات الأمم المتوحشة على حضارة اليونان والرومان، هدم هذا المعبد فلم تقم ~~له قائمة، ونسي الزمان إيلوزيس ومعبدها وهؤلاء الآلهة الثلاثة الذين كانوا يقيمون فيه ~~ويتلون فيه تلك العبادة الخفية التي كانت تملؤها الأسرار والألغاز. # فلما كان العصر الحديث وتذكر الزمان حضارة القدماء وآثارهم، أخذ المحدثون يدرسون تلك ~~الحضارة، وهذه الآثار. وأنت تستطيع أن تسأل هذه الكتب التي لا تعد والمعاجم التي لا تحصى ~~عن أخبار هؤلاء الآلهة وعن أسرارهم، فتظفر بشيء كثير، ولكنك ستجهل أشياء كثيرة. وحسبك أنك ~~قد عرفت الآن هذه القصة، وحسبك أن تعلم أن المؤرخين المحدثين يجدون في الشرح والتفسير وفي ~~التحليل والتعليل، ليردوا هذه القصة إلى أصولها التي نشأت عنها، وإلى أوطانها التي انبعثت ~~منها، وأكثرهم يردها إلى مصر، ويزعم أنها صورة يونانية من قصة إيزيس المصرية. حسبك هذا ~~لأني أريد أن أحدثك عما تركت هذه القصة من الآثار الأدبية، وعن آخر هذه الآثار وأقربها ~~إلينا بنوع خاص. وقد ذكرت لك أقدم هذه الآثار الأدبية، وهو هذا النشيد الذي كان اليونان ~~يضيفونه إلى هوميروس. وقد أثارت هذه القصة في نفوس الشعراء والأدباء والمتصوفة من اليونان ~~عوطف وأهواء ليس هذا موضع الحديث عنها، وقد ألهمت هذه القصة أصحاب الفنون فأحسنت إلهامهم، ms134 ~~وأتاحت لهم إنتاج طائفة ضخمة من الآثار بين عمارة ونقش وحفر وتصوير. وهذه القصة من أحب ~~القصص إلى الأطفال، يكلفون بها ويأنسون إليها. وقد رأيت منهم من يشتركون في تمثيلها، ~~فيتخذ بعضهم شخص برسيفونيه ويتخذ بعضهم الآخر شخص إله الجحيم، وتجتمع أسراب منهم على اللعب ~~والغناء، حتى يأتي هذا الإله القاسي العنيف فيختطف الفتاة الحلوة الوديعة. ولعل الكاتب ~~الفرنسي العظيم أندريه جيد شغف بهذه الأسطورة اليونانية في طفولته كما شغف بغيرها من أساطير ~~اليونان، ولكن المحقق الذي ينبئنا به أنه فكر في تمثيل هذه القصة في صورة شعرية غنائية منذ ~~عشرين سنة، ولكنه لم يوفق إلى ما كان يريد حتى أتيحت له آيدا روبنشتاين تلك التي حدثتك ~~عنها في الأسبوع الماضي، والتي حملت بول فاليري على إخراج قصتيه المشهورتين، آنفيون ~~وسميراميس، أتيحت هذه السيدة لأندريه جيد بعد أن نيف على الستين، فما زالت به حتى أحيت في ~~نفسه ذلك الخاطر القديم، وإذا هو يضع هذه القصة القصيرة، في أجمل لفظ وأعذبه، وأدناه إلى ~~النفوس، وأحسنه موقعا في القلوب، وإذا هي تأخذ منه هذه القصة الجميلة فتدفعها إلى الموسيقي ~~سترافنسكي، فيضع لها لحنا يختلف فيه النقاد. ولا أستطيع أن أقول لك عنه شيئا؛ لأني لم ~~أسمعه بعد. حتى إذا التأم الشعر والموسيقى جدت هذه السيدة في التمثيل، فأخرجت للناس في ~~هذا العام آية من آيات هذا الفن الجديد الذي حدثتك عنه في الأسبوع الماضي، والذي لا يظهر ~~فيه فن بعينه منفردا بالتأثير في نفوس النظارة، وإنما هو مظهر لطائفة غير قليلة من ~~الفنون. # ولا بد من أن ألخص لك هذه القصة القصيرة تلخيصا موجزا، ولو استطعت لترجمتها لك، فهي ~~خليقة أن تترجم، والترجمة وحدها هي التي تستطيع أن تقدم إليك منها صورة مقاربة. وأخص ~~ما تمتاز به هذه القصة التي أخرجها أندريه جيد هذا التجديد الرمزي الذي قصد إليه الشاعر ~~الفرنسي والذي أحب أن يطيل أدباؤنا النظر فيه؛ لأنه يجلو أمامهم حقيقتين خليقتين بالتفكير ~~الطويل: إحداهما أن من الآداب القديمة ما ms135 يمتاز بحياة لا يمكن أن يبلغها الفناء، فهو باق ~~دائما، وهو ملهم دائما، وهو خصب البقاء متنوع الإلهام. والثاني: أن من الأدباء من يحسنون ~~استكشاف هذه الحقائق وفهمها والانتفاع بها واستغلالها، وإذا هم يجددونها تجديدا ويعرضونها ~~على الناس في صور لم يكونوا يعرفونها ولا ينظرونها، فيلائمون أبدع الملاءمة وأرقاها بين ~~القديم والجديد. نحن في مكان كهذا الذي وصفته لك في أول هذا الفصل، نشهد العذارى الحسان ~~يلعبن ويغنين من حول الفتاة برسيفونيه، ولكن بطلا من أبطال اليونان هو إيمولبوس قد قام غير ~~بعيد يلقي على الفتيات وعلى النظارة شعرا رقيقا حلوا يرسم للفتيات ما سيأتينه من حركة، ~~ويشرح للنظارة ما سيرونه من أحداث، وهو ينبئنا بأن أم الفتاة توصي العذارى بابنتها خيرا ~~وتتركها لعنايتهن، وإن كانت تحس بأن القضاء قد هيأ لها أمرا. والفتيات يرقصن ويغنين ويدعون ~~صاحبتهن إلى الرقص والغناء والابتهاج بالحياة المبتهجة. والفتاة مستعدة لإجابة هذا الدعاء، ~~تستقبل الحياة الحلوة بقلب يملؤه حب أوسع من الحياة، ولكن البطل اليوناني يغريها بزهرة ~~النرجس هذه التي تتفتح غير بعيد، والتي تتكشف لمن يتنسم عطرها وينظر فيها عن هذه الظلال ~~التي تضطرب حزينة في دار الموتى. وتسعى الفتاة إلى الزهرة تريد أن تقتطفها، ويحاول الفتيات ~~أن يلفتنها عن ذلك، ولكنها تأبى عليهن. ولا تكاد تبلغ الزهرة وتقطفها وتشمها وتنظر فيها حتى ~~يملأ قلبها الحب والإشفاق؛ لأنها رأت ظلال الموتى، فهي تريد أن تحمل إليهم شيئا من العزاء. ~~وهي تنحدر إلى دار الموتى مستجيبة لدعوة الإشفاق معرضة عن جمال الحياة. # أرأيت إليها تهبط إلى الموتى من تلقاء نفسها تدفعها الرحمة والحنان ولا يخطفها إله ~~الحجيم؟ ثم انظر إلى هذا الظلام يغشى الملعب شيئا فشيئا حتى يغمره كله، وإذا نحن في دار ~~الموتى والفتاة مستلقية على سرير تحيط بها جوقة من الظلال، ويجري قريبا منها نهر من أنهار ~~الجحيم، وقد قامت على شاطئه طائفة من العذارى يغترفن منه الماء ليملأن به جرارا لا تريد أن ~~تمتلئ؛ لأن القضاء أراد لهؤلاء العذارى أن يقضين ms136 حياتهن الخالدة في هذا الغناء الخالد، ~~والفتاة تفيق وتسأل نفسها وتسأل من حولها أين هي ؟ فإذا أنبئت بأنها في مملكة الموت حنت ~~إلى دار الحياة، وهي مع ذلك تحاول أن تعزي من يطيف بها من الظلال. ولكن أين السبيل إلى عزاء ~~هذه الظلال الشاحبة الكئيبة التي لا تعرف ولا يمكن أن تعرف لوعة ولا بهجة، وإنما هي في كآبة ~~متصلة يلذ لها مع ذلك أن تسمع أحاديث الربيع؟ وهذا إله الجحيم يريد أن يتخذ الفتاة له ~~زوجا، وهو يقدم لها التاج، ويحمل إليها الهدايا، ويقدم لها الشراب، ولكنها لا تقبل من ~~ذلك شيئا؛ لأن إشفاقها على أهل الجحيم لا يمنع حنينها إلى الأحياء المنعمين. ثم انظر إلى ~~هذا السحاب المتكاثف في أقصى الملعب وهو ينشق عن إله من آلهة السماء، هو مرميس، قد أقبل ~~ومن حوله ساعات الزمان قد ارتدين ثيابا مختلفة الألوان؛ بعضها يصور المساء، وبعضها ~~يصور الصباح، وبعضها يصور الضحى، حتى إذا دنا هذا الإله الشاب إلى الفتاة قدم إليها ~~رمانة فأصابت منها، ثم ينصرف عنها وتنصرف هذه الساعات. فانظر إلى هذا الإله الشاب! إنه لم ~~يأت سفيرا من كبير آلهة السماء إلى كبير آلهة الجحيم، وإنما أتى مغريا للفتاة يطمعها في ~~حياة الأحياء. فإذا انصرف عنها اشتد شوقها إلى الأرض ومن عليها، وإذا جوقة الظلال تذكرها ~~بزهرة النرجس فتشمها وتنظر فيها، فماذا ترى؟ ترى أمها ديمتير شقية محزونة تحتمل الجهد ~~والمشقة في البحث عنها حتى تنتهي إلى قصر من قصور الملوك، فيعهد إليها صاحب القصر بتربية ~~وليده الجديد. والفتاة ترى أمها وهي تحنو على الطفل، وتغذوه بغذاء الآلهة، وترى الطفل يشب ~~جميلا قويا رائع الجمال والقوة، وإذا هي تدعوه باسمه تراتوليوس، وإذا هي تحبه وتدفع إليه ~~دفعا، وإذا هي تصعد عائدة إلى الأرض لتلقى أمها وزوجها وأترابها، وإذا الظلام الذي كان قد ~~غمر الملعب ينكشف عنه شيئا فشيئا حتى يتغير المنظر، وإذا نحن حيث كنا في أول القصة نرى ~~العذارى وجماعة من الأطفال قد أقبلوا يبتهجون بمقدم ms137 الربيع، ويدعون برسيفونيه إلى أن تخرج ~~إليهم من أعماق القبر. وقد وقفت أمها الحزينة ومعها الفتى غير بعيد، ثم ينشق القبر وتخرج ~~الفتاة منه ذاهلة رائعة، فلا تكاد تتنسم نسيم الأرض حتى تعود إليها الحياة ويعود إليها الحب ~~المبتهج، وإذا هي تتقدم إلى أمها فتحييها وإلى زوجها فتعانقه، ولكنها تعلن إليه أنها لن ~~تستطيع أن تبقى معه طوال الزمن، فالليل والنهار يتعاقبان وفي قلبها حب وفي قلبها إشفاق، وهي ~~زوج لهذا الفتى الذي هو رمز الحياة، ولكنها زوج لذلك الشيخ الذي هو رمز الموت. # ثم انظر إليها وقد تخلصت من ذراعي زوجها الشاب وانحدرت إلى مقر زوجها الشيخ. واستمع ~~للبطل اليوناني وهو يختم القصة بهذه الأبيات: # وكذلك تسعين بطيئة الخطى إلى الظلمة السفلية، في يدك المشعل، وقد ملكت على ~~ذلك الملك الواسع المضطرب بين اليقظة والنوم، قصاراك أن تحملي إلى الظلال قليلا من ~~ضوء النهار، قليلا من الهدوء لشفائهم الذي لا حد له، وقليلا من الحب لحزنهم ~~العميق. # يجب ليظهر الربيع أن ترضى الحية بالموت تحت الثرى لتظهر بعد ذلك حصادا ذهبيا ~~في المستقبل. ms138