######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.MinBacid.Hindawi60473902 #META# Tags: literature #META# ID: 60473902 #META# Title: من بعيد #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول: من باريس‏ # القسم الثاني: أسبوع في بلجيكا‏ # القسم الثالث: خواطر سائح‏ # القسم الرابع: بين العلم والدين‏ # القسم الخامس: بين الجد والهزل‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: من باريس‏ # القسم الثاني: أسبوع في بلجيكا‏ # القسم الثالث: خواطر سائح‏ # القسم الرابع: بين العلم والدين‏ # القسم الخامس: بين الجد والهزل‏ # | من بعيد # | من بعيد # تأليف # طه حسين # | مقدمة # هذه فصول متفرقة لا يكاد يجمع بينها إلا أنها كتبت من بعيد. كتبت من بعيد في المكان، ~~وكتبت من بعيد في الزمان أيضا. فأكثرها كتب من باريس، وبعضها كتب من ڤينا، وقليل ~~جدا منها كتب في القاهرة. # وأقدم هذه الفصول عهدا كتب سنة 1923، وأحدثها عهدا كتب سنة 1930؛ فهي كما ترى جاءت من ~~بعيد في المكان والزمان جميعا. # وقد يظهر للنظرة الأولى أن بعد المكان لا يؤثر في كتابة الكاتب، ولكنك إذا قرأت هذه ~~الفصول وما يشبهها فستتبين في غير شك أن النأي عن الدار والتنقل في أقطار الغربة يثيران ~~في نفس الكاتب من العواطف والخواطر ما لا تثيره الإقامة والاستقرار، ومما يهيئان الكاتب ~~تهيئة خاصة للشعور والحس، وللتفكير والتعبير، لا تستقيم له حين يكون مقيما مستقرا في ~~داره بين أهله ومواطنيه، يرى في كل يوم مثل ما كان يراه من قبل، لا تكاد تختلف الظروف التي ~~تحيط به إلا اختلافا يسيرا بطيئا، لا يكاد يحس. # فليس من شك إذن في أن لبعد المكان أثرا في إعداد الكاتب للكتابة، أثرا فنيا خاصا، ~~غير هذا الأثر الظاهر الذي يراه الناس حين يقرءون ما يكتبه المسافر عما يرى ويشهد من ~~الأقطار. # ومن أجل هذا جمعت هذه الفصول التي كتبت من بعيد في سفر واحد، وقد يظهر للنظرة الأولى ~~أيضا أن بعد الزمان بفصل من الفصول، أو كتاب من الكتب، لا أثر له في ذلك الفصل أو هذا ~~الكتاب، ولكن قليلا من التفكير أيضا يدل على أن من الخير أن نعود بين حين وحين، إلى ما ~~كنا نكتبه في الأعوام التي مضت، وبعد بها العهد؛ لنرى ~~كيف كنا ms001 نكتب ، وكيف كنا نحس ونشعر ونفكر، وكيف أصبحنا نحس ونشعر ونفكر، وكيف أصبحنا نرى ~~الناس والأشياء؛ لنتبين في جملة موجزة مقدار ما أدركنا من تطور الحس والشعور والتفكير ~~والتعبير أيضا. ولست أخفي عليك أني قد قرأت هذه الفصول التي كتبت كلها أثناء ثمانية ~~أعوام، ومضى بيني وبين آخرها أكثر من خمسة أعوام في شيء من الحنان إلى تلك العهود التي كنا ~~نشكو فيها المشقة والجهد، ونضيق فيها بالحياة والأحياء، ثم أصبحنا الآن نود لو تعود إلينا ~~أو لو نعود إليها لا ليعود إلينا معها الشباب؛ بل لتعود إلينا معها حياة هي من غير شك خير ~~من الحياة التي نحياها الآن. # كنا في تلك العهود أحرارا نفكر ونقول، كما نريد أن نفكر ونقول، كنا نلقى ألوانا من ~~المقاومة فلا تزيدنا إلا طموحا إلى الحرية وإمعانا فيها، وكنا ننظر إلى الجهاد في سبيل ~~الرأي وحرية الرأي على أنه حاجة من حاجات الحياة، وضرورة من ضرورات الوجود الحر، فأين نحن ~~من هذا الآن؟ # كنا نشكو أحيانا ظلم الحكومات وجنوحها إلى الاستبداد ونصرها للجمود، ولكنا كنا نجد ~~الشعب دائما مواتيا لنا، يمنحنا نصره، ووده، وعطفه، وتأييده. أما الآن فقد اشتد عنف ~~السلطان، وأسرف في الشدة حتى اضطر الكتاب والخطباء إلى أن يفكروا ويقدروا، ويطيلوا ~~التفكير والتقدير قبل أن يكتبوا أو يقولوا، وقد وجد الاستبداد الرسمي المتصل لنفسه أنصارا ~~وأعوانا من طبقات الشعب لم يكن ليظفر بهم من قبل. فوجدت أحزاب مهما تكن ضئيلة قليلة ~~الخطر؛ فهي أحزاب منظمة تناصر الجور والاستبداد، وتدعو إلى التأخر والرجوع إلى وراء، وليس ~~في هذا شيء من الغرابة؛ فقد كثر الاضطراب في نظمنا السياسية، وطال عهد البلاد بحكومات لم ~~تكن تقدر الحق ولا العدل ولا القانون، ولم تكن تقصر في التماس الأعوان ولا الأنصار، ~~بألوان الترغيب والترهيب. فليس الغريب أن توجد الأحزاب التي تكره النظر إلى أمام وتحب النظر ~~إلى وراء، وإنما الغريب ألا توجد، والغريب أيضا أن تكون من الضعف والضآلة وقلة الخطر بحيث ~~هي الآن. # وكثير من ms002 الذين سيقع في أيديهم هذا السفر قد قرءوه حين نشر فصولا مفرقة، ولكن كثيرا ~~جدا من الذين سيقع في أيديهم هذا السفر لم يقرءوه، ولم يعرفوا من فصوله شيئا؛ لأنهم ~~كانوا أطفالا يدرجون، وصبية يختلفون إلى المدارس الابتدائية حين نشرت كثرة هذه الفصول، ثم ~~هم الآن شباب يتمون درسهم الثانوي، أو يأخذون في درسهم الجامعي، فمن حقهم أن يروا كيف كنا ~~نجاهد الحياة حين كانوا هم يستقبلون الحياة باسمين. فإلى هؤلاء القراء الناشئين أهدي هذه ~~الفصول سعيدا راضيا؛ لأنهم سيرون حين يقرءونها أني كنت أتحدث إلى الذين سبقوهم بنفس ~~الآراء التي أتحدث بها إليهم الآن، وأني كنت أدعو الذين سبقوهم إلى نفس المثل العليا التي ~~أدعوهم إليها الآن، ولست أدري إلى أي حد أتيح لي التوفيق مع الذين سبقوهم، ولكن أرجو أن ~~يكون توفيقي معهم أعظم وأقوى وأبقى أثرا. # يونيو سنة 1935 # طه حسين # | القسم الأول: من باريس # (1) في السفينة # تحية طيبة زكية إليك أيها القارئ الكريم من كاتب حرم التحدث إليك حينا، وكثيرا ما ~~نازعته نفسه إلى هذا التحدث فلم يجد إليه سبيلا. # مرضت أسبوعا، وسافرت أسبوعا، فلم أستطع أن أتحدث إليك، ولقد كنت إلى ذلك مشوقا، ~~ولم تكن تنقصني الخواطر التي تصلح موضوعا للأحاديث، فإن المرض والسفر كليهما ممتلئان ~~بهذه الخواطر التي تصلح موضوعا للنجوى بين الكاتب وقارئه، ولكني كنت عاجزا العجز كله ~~عن أن أملي الخواطر أو أسطرها، وأحسب أني لا أزال عاجزا عن إملاء هذه الخواطر أو ~~تسطيرها؛ لأن بعضها قد ذهب مع المرض والسفر، فلست أذكر منه قليلا ولا كثيرا، ولأن ~~بعضها الآخر قد بقي في نفسي، ولن يذهب ولن يجد النسيان إليه سبيلا، ولكن ليس من سبيل ~~إلى إملائه وتسطيره؛ لأن الوفاء بحقه ليس بالشيء اليسير. # وكيف أستطيع مثلا أن أفي لهؤلاء الأصدقاء الكرام البررة الذين عادوني فأحسنوا ~~العيادة، وودعوني فأحسنوا التوديع، بما أنا مدين لهم به من شكر وثناء. كيف أفي لهم ~~بذلك وهو أجل من أن يفي به كاتب، وأدق من أن ms003 يصل إليه واصف، ولا تظن أني أغلو أو أسرف ~~كما جرت بذلك عادة الكتاب إذا أرادوا شكرا أو ثناء، فأنا أبعد الناس عن الغلو، ~~وأشدهم بغضا للإسراف، ويكفيني إذا أردت شيئا أن أسميه باسمه، أو أدل عليه باللفظ ~~الذي وضع له، ولكني كنت أريد أن أحدثك عما بعثت في نفسي عيادة العائدين، وتوديع ~~المودعين، من عواطف مختلفة، وألوان من الشعور متباينة، تختلف باختلاف العائدين ~~والمودعين، وما لهم في نفسي من منزلة، وما لي في قلوبهم من مكانة، ففي ذلك شيء من ~~النفع، وفيه بنوع خاص شيء من اللذة، ولكن محاولة ذلك شاقة؛ لأن هناك عواطف قد لا تجد ~~لها أسماء، وضروبا من الشعور قد لا تجد لها عبارات تؤديها وتفي بما لها من حق. فليس ~~الناس جميعا سواء في حبهم لك، وعطفهم عليك، وليس الناس جميعا سواء فيما تضمر لهم من ~~حب، وما تدخر لهم من مودة. وإذن فتأثرك بعيادتهم وتوديعهم يختلف باختلاف منزلتك في ~~نفوسهم ومكانتهم من قلبك، ولكن هل تستطيع أن تصف ذلك حق الوصف؟ أم هل تستطيع أن تجهر ~~منه بالشيء الكثير؟ أما أنا فأعتقد أن ذلك على نفعه ولذته محال؛ لأن الحياة ~~الاجتماعية وما تواضع الناس عليه في صلاتهم وعلاقاتهم، تحول بيننا وبين ذلك وتأباه كل ~~الإباء، فلأكتف إذن بما كان ينبغي أن أكتفي به منذ بدأت هذه الكلمة، وبما يكتفي الناس ~~به من تسجيل الشكر والثناء للعائدين جميعا والمودعين جميعا، دون أن أفرق بينهم في ~~اللفظ، وإن اضطررت واضطر غيري من الناس إلى التفرقة بينهم في نجوى النفس وحديث الضمير. ~~ولنحتمل إذن، راضين أو كارهين، هذا الظلم البين الذي تضطرنا إليه حياة الاجتماع، فليس ~~هو أثقل ما تضطرنا إليه الحياة الاجتماعية من ضروب الظلم والتقصير، ولو أننا ذهبنا نحلل ~~هذه الحياة وما فيها من ظلم وبغي، ومن إفراط وتفريط، لما انتهينا إلى حد، ولما فرغنا من ~~القول. # ومهما يكن من شيء فإن هناك شعورا لذيذا لا يستطيع أن يتقيه إنسان حساس. يحدث في ~~نفسك أثناء ms004 المرض وأوقات السفر حين ترى من حولك ناسا يعطفون عليك ويرقون لك، ويؤثرونك ~~بالمودة واللطف. لذيذ جدا هذا الشعور الذي ينبعث في نفسك حينئذ، فيشعرك بأنك لست ~~وحيدا في الحياة، وبأن هناك قلوبا قد تخفق مع قلبك، ونفوسا قد تشاركك في الألم ~~وتشاركك في اللذة، ولست أعرف شعورا يفوق هذا الشعور لذة وحسن موقع في النفس، والحق أن ~~حظي من هذا الشعور العظيم، وأن اغتباطي به واستعذابي إياه قد رافقاني من القاهرة إلى ~~باريس فحمدت مرافقتهما، وأنست إليهما في أوقات الوحشة. # نعم؛ في أوقات الوحشة! فأنت إذا سافرت إلى مكان بعيد فعبرت البحر وقطعت الفجاج، تحس ~~شيئا من الوحشة غير قليل، مهما تكن لذة السفر، ومهما يكن اغتباطك بما ستلقى إذا استقر ~~بك المقام، ومهما يكن رفاقك في هذا السفر الطويل اللذيذ. ولقد كان يرافقني في هذا السفر ~~أحب الناس إلي، وأعزهم علي، وأرأفهم بي، وأشدهم مشاركة لي في لذات الحياة وآلامها؛ ~~كانت ترافقني زوج برة كريمة، وطفلان هما كل ما آمل في الحياة، ومع هذا فقد وجدت ~~شيئا من الوحشة تسليت عنه بهذا الشعور اللذيذ الذي كان يرافقني، بذكرى أولئك ~~الأصدقاء العائدين والمودعين، بألفاظهم الحلوة، وعباراتهم التي كانت تمتلئ رفقا وودا ~~وإيثارا. # أعبرت البحر؟ أأحسست في السفنية ما أجد من ضروب الحس، وما أشعر به من مختلف الشعور؟ ~~يتحدث الناس بأن الأمد بين مصر وأوروبا قصير، وبأن عبور البحر لذيذ، وبأنه أمن لا خطر ~~فيه، أو لا يكاد يوجد فيه شيء من الخطر، وبأن المسافر ليس عليه إلا أن يركب السفينة، ~~ويستسلم لما فيها من راحة ولذة وتسلية، حتى ينقضي السفر، ولا سيما إذا كان مثلي لا يخشى ~~الدوار ولا يتعرض لشره. بذلك يتحدث الناس، ولعلهم محقون، بل لا أشك في أنهم محقون، ~~ولكني أعترف بأني لم أشعر بذلك، ولم أحس هذا الأمن وهذه الدعة يوما من الأيام منذ ~~ألفت عبور البحر، وإنما وجدت ويظهر أني سأجد دائما إلى جانب هذه اللذة التي يحسها من ~~يعبر البحر شعورا خفيا ms005 جدا. لا أقول إنه الخوف، ولا أقول إنه يشبه الخوف، وإنما ~~أقول إنه يظهر الإنسان على قيمته الحقيقية، وعلى مكانته الصحيحة من هذا الوجود. نعم، ~~ليس هذا الشعور خوفا، وليس شيئا يشبه الخوف، ولكنه شيء ينبئ الإنسان بأنه ضئيل، ضئيل ~~جدا لا يكاد يذكر، وبأن حياته شيء أوهن من نسج العنكبوت، لا قدرة له على الثبات، ~~ولا على مقاومة الأحداث. وإذا أحس الإنسان أنه ضئيل إلى هذا الحد، وأن أسباب حياته ~~واهية واهنة إلى هذا الحد، ملكه شيء من البؤس والإشفاق أحسب أن وصفه عسير. # اضطرب البحر ذات ليلة اضطرابا شديدا، واصطخبت أمواجه وعصفت الريح، فكنت لا تسمع ~~إلا هدير البحر، وعصف الريح، وصوتا لأخشاب السفينة يشبه الشكوى، وكان السفر نياما ~~فكنت لا تسمع صوت إنسان، وكان هذا المزاج المؤتلف من هذه الأصوات الثلاثة التي ذكرتها ~~لك وحده يملك عليك سمعك ونفسك، ويضطرك إلى أن تحلله وتفكر فيه، وإلى أن تفكر في نفسك ~~وتقيسها إلى هذا الروع الذي يكتنفك، والهول الذي يحيط بك، ولم يكن في نفسي شيء من الخوف ~~ولا من الإشفاق؛ لأني أعلم أن ذلك شيء مألوف، وأنك تعبر البحر كما تقطع شارعا من ~~الشوارع، ومع ذلك فقد شعرت حقا في هذه الليلة بأن الإنسان ليس شيئا مذكورا، كما ~~أنه لم يكن شيئا مذكورا، وكما أنه لن يكون شيئا مذكورا ما دامت الطبيعة على ما هي ~~عليه من القوة والجلال. # في مثل هذا الوقت يذكر المؤمن ربه ويلجأ إليه، ويتقرب إليه بضروب العبادة وفنون ~~التقوى، وفي هذا الوقت يؤمن الملحد إن كان ضعيفا، ويزداد عتوا إن كان ممعنا في ~~الإلحاد، فيسخر من الحياة كما يسخر من الموت، يهزأ بما اشتملت عليه هذه، ويزدري ما عسى ~~أن يخفيه هذا، وأعترف بأني في هذا الوقت أحسست شيئا قد ينكره علي المؤمنون والملحدون ~~جميعا، أحسست أن إيمان المؤمن وإلحاد الملحد ضرب من الكبرياء، وغلو الإنسان في تقدير ~~نفسه وإكبار منزلتها. فإن هذا المؤمن الذي يعتقد أن خالق الكون ومدبره، خالق هذا ms006 الكون ~~العظيم الذي لا تشعر بعظمته وأنت مستقر في دارك، أو لاه بالتحدث إلى رفاقك، أو القراءة ~~في كتابك، وإنما تشعر بعظمته حين لا تسمع إلا هدير البحر، وعصف الريح، وشكوى السفينة، ~~وحين تشعر شعورا واضحا جدا بأن أسباب الحياة ضعيفة واهية، وبأن أقل شيء يستطيع أن ~~يحطم هذه السفينة التي تقلك، وأن يقطع كل ما بينك وبين النجاة من سبب فتصبح نسيا ~~منسيا، كأنك لم تكن قط، وكأنك لم تعرف أحدا، وكأن أحدا لم يعرفك. أقول إن المؤمن ~~الذي يعتقد أن خالق هذا الكون العظيم ومدبره يختصه بالبر والرحمة، فيعنى به ويحوطه ~~ويحفظه من الطوارئ، ويعصمه من الأحداث، ويرعاه في كل لحظة، بل في كل جزء من أجزاء ~~اللحظة، متكبر يرى نفسه شيئا مذكورا يستحق هذه العناية المقدسة العظمى، مع أن في هذا ~~الكون ما لا يقاس الإنسان إليه عظمة وجلالا. # وهذا الملحد الذي يستشعر الإلحاد ويتخذه مذهبا وعقيدة، فيعاند وينازع، ويدفع عن ~~إلحاده كما يدفع المؤمن عن إيمانه، وينكر الله كما يثبته المؤمن، ويعتقد أن العقل كل ~~شيء، وأن آثار العقل وحدها خليقة بالإجلال والإكبار، وأن نجاة الإنسان في عبادة العلم ~~والإذعان له، لا في إكبار الدين والخضوع لأوامره ونواهيه. هذا الملحد الذي يمعن في ~~الغرور بقوة العقل والعلم وآثارهما، وبأنه قد سخر لنفسه الطبيعة فذلل الماء والهواء ~~والبخار، واتخذ الطبيعة لنفسه عبدا يأمر فتطيع وينهى فتنتهي، مغرور متكبر؛ لأن عقله ~~وعلمه وقوته وذكاءه مهما تبلغ من العظمة والسلطان، فلن تستطيع أن تعصمه من الأحداث، ولا ~~أن تجعله بمأمن من أقل هذه الأحداث خطرا وأحطها مكانة. بهذا شعرت وفي هذا فكرت، ~~وأعترف بأني لم ألم المؤمن على إيمانه، ولا الملحد على إلحاده، وإنما أحسست شيئا من ~~الإشفاق على هذا وذاك، وتمنيت لو أتيح للإنسان أن يكون مؤمنا وعالما دون أن يغلو في ~~التعصب للدين أو للعلم. تمنيت للإنسان لو استطاع أن يجمع بين هاتين القوتين اللتين ليس ~~له عنهما غنى ولا منصرف. فإن قوة الدين تعصمه من اليأس ms007 والهلع، وتفتح أمامه أبوابا من ~~الأمل الذي ليس له حد، وتمكنه أن يلقى الخطوب ويتجشم الأخطار راضيا مطمئنا راجيا ~~مستبشرا، وقوة العلم تمكنه من الحياة. ولكن أيستطيع الإنسان حقا أن يجمع في نفسه ~~بين هاتين القوتين، وأن يطمئن إلى كلتيهما اطمئنانا بريئا من التناقض والاضطراب، ~~يطمئن إلى الدين دون أن ينكر العقل، ويطمئن إلى العقل دون أن يجحد الدين؟ # يتحدثون أن كثيرا من العلماء قد وفقوا إلى هذا، وأن «باستور» على جلال خطره وبعد ~~أثره في العلم كان أشد الناس تدينا وأكثرهم إيمانا، فمتى يكثر في الناس أمثال ~~«باستور»؟ # على أن هذا الشعور وما استتبع في نفسي من تفكير أو هذيان لم يكن كل شيء أحسسته في ~~السفينة، فقد كانت هناك أشياء أخرى لا تخلو من نفع. كان أكثر رفاقنا في السفينة من ~~الإنجليز، وكنت أجهل الإنجليز، وما زلت أجهلهم، ولكني كنت أتصورهم قوما أميل إلى الجد ~~منهم إلى الهزل، وأميل إلى القطوب منهم إلى الابتهاج، وأميل إلى السكون والتؤدة منهم ~~إلى الحركة والنزق، ولعلهم كذلك، ولكنهم لم يكونوا كذلك في السفينة، فلم أر جماعة أميل ~~إلى الفرح وأشد تعلقا بأسبابه ولا أكثر إمعانا في الضحك، وهذه اللذة البريئة من هذه ~~الجماعات الإنجليزية التي كانت تملأ السفينة، والتي كانت تقضي يومها وجزءا من ليلها في ~~فرح ومرح ونشاط عظيم، وحسبك أن غرفة المائدة لم يكن يملؤها أثناء الطعام إلا قهقهة ~~عالية جدا متصلة جدا لا تعرف الهدوء ولا الانقطاع، تمتزج فيها أصوات الرجال والنساء ~~امتزاجا لا يخلو من لذة، ولا يعجز عن أن يحملك على الضحك وإن كنت أشد الناس جدا ~~وأكثرهم عبوسا. # شيء آخر وجدته في السفينة فأذكرني أول يوم قضيته في فرنسا، بل أول ساعة قضيتها في ~~باريس سنة 1914، هذا الشيء، أو بعبارة أصح: هذا الشخص، هو حلاق السفينة. اضطررت إلى ~~غرفة هذا الحلاق، واضطررت طبعا أيضا إلى أن أسمع لحديث هذا الحلاق، وأحاديث الحلاقين ~~مشهورة من قديم الزمان وفي جميع البيئات، في بغداد والقاهرة، في آسيا وأوروبا، ms008 في العصر ~~القديم والعصر الحديث، بالثقل والسخف، وبأنها مصدر الملل والأذي، ولكني أؤكد لك أن حديث ~~حلاق «الإسفنكس» لم يكن ثقيلا ولا سخيفا ولا مملا، بل أؤكد لك أن حديثه كان لذيذا ~~ممتعا، بل أوصيك بأن تتحدث إلى حلاق «الإسفنكس» إذا ركبت «الإسفنكس». # تحدث إلي حلاق «الإسفنكس» في سياسة فرنسا وفي ساسة فرنسا من جميع وجوهها: مع ~~ألمانيا ومع إنجلترا، في سوريا وفي الجزائر، وقارن لي حلاق «الإسفنكس» بين المذهبين ~~الإنجليزي والفرنسي في الاستعمار، وألم لي حلاق «الإسفنكس» بطرف من سياسة الأحزاب ~~البرلمانية في بلده، وكان حلاق «الإسفنكس» اشتراكيا من الوجهة النظرية، ولكنه يائس من ~~مذهبه الاشتراكي، فهو كغيره من الناس في الحياة العملية، وأؤكد لك أني وجدت لذة جديدة ~~عظيمة في الاستماع إلى حلاق «الإسفنكس»، وذكرت أول خادم فرنسية لقيتها في مرسيليا سنة ~~1914، فتحدثت إلي بما يشبه هذا الحديث، وتمنيت لو كنا جميعا في مصر كحلاق ~~«الإسفنكس»! وأحسب أنا سنقطع زمنا طويلا جدا قبل أن تصل كثرتنا المطلقة من ~~التعليم والتهذيب إلى حيث وصل حلاق «الإسفنكس». # قرأت في السفينة قصة تمثيلية صغيرة عنوانها «الملك»، وضعها الكاتبان الفرنسيان «روبير ~~دي فلير» و«كيافيه» فضحكت لها كثيرا، وأعجبت بها كثيرا، ودعوت بالحياة للحرية كثيرا، ~~وكنت أحب أن أحدثك عن هذه القصة، ولكن أخلاقنا السياسية والاجتماعية لا تسمح بذلك، ومع ~~هذا فليس في القصة شيء غريب، وإنما يصف الكاتبان زيارة ملك خيالي لمدينة باريس، ويتخذان ~~هذا الوصف سبيلا إلى تناول النظم السياسية والاجتماعية كلها بأشد النقد شناعة وأكثره ~~مرارة، يذمان نظام الملكية، ويذمان نظام الجمهورية، ويسخران من الديمقراطية كما يسخران ~~من الأرستقراطية، وكما يسخران من الاشتراكية. القصة هجاء شنيع للجماعة الإنسانية في كل ~~مكان وفي كل زمان، وقد اختار الكاتبان باريس موضعا لهذه القصة؛ لأن باريس تكاد تختصر ~~العالم الإنساني على اختلاف أزمنته وأمكنته. # لا أستطيع أن أحدثك عن هذه القصة، ولكني أستطيع أن أوصيك بقراءتها، فستجد فيها نفعا ~~وستجد فيها لذة. ثم وصلت إلى باريس صباح أمس، فإذا الناس جميعا يلهجون بشيء ms009 واحد ، ~~تنطق به أفواههم، وتكتب فيه صحفهم، لا يلقى أحدهم الآخر إلا سأله عنه وتحدث إليه فيه ~~أسفا مرة أشد الأسف، معجبا مرة أخرى أشد الإعجاب، جامعا في أكثر الأحيان بين ذلك ~~الأسف وهذا الإعجاب، وهو موت الممثلة الفرنسية «سارة برنار»، ولكنني قد أطلت، فسأحدثك ~~عن «سارة برنار» في غير هذا المقال. # باريس في 28 مارس سنة 1923 ~~(2) سارة برنار # تركت القاهرة يوم الأربعاء ووصلت إلى باريس يوم الثلاثاء، فإذا الناس يتحدثون بموت ~~«سارة برنار» أو لا يتحدثون إلا بموت «سارة برنار»، وإذا كثير منهم لا يكتفي بالحزن ~~الصامت أو الإعجاب المقتصد، بل يتحدث ويشرح ويفصل، ويروي ما سمع وما رأى، ويصف ما أحس ~~وما شعر به حين شهد «سارة برنار» تلعب في «ذات الكاميليا» أو في «النسير» أو في «المجد» ~~أو في غيرها من القصص، وربما تحدث عما رأى وسمع من أبهة «سارة برنار» ومجدها وافتتان ~~الناس بها وافتتانها هي بالناس، وعما كانت تكسب من مال لا يحصى فتنفقه وتستدين، ثم ~~تكسب فتؤدي الدين ثم تستدين من جديد، وعما كان بينها وبين كبار الناس وزعمائهم في ~~العالمين من صلات قوية أو ضعيفة، متينة أو رثة، وعما قدم إليها الملوك من تجلة، وأهدى ~~إليها العظماء من تكرمة، وعن جمالها الباهر، وصوتها الساحر، وأعاجيبها وألاعيبها ~~وافتنانها في كل شيء: في الهزل والجد، في التمثيل والتصوير والنقش والكتابة والعبث، وعن ~~هذا الضعف الشديد الذي كان يلازم جسمها فيجعل حياتها في أكثر الأحيان معلقة بين اليأس ~~والرجاء، أقرب إلى اليأس منها إلى الرجاء، وهذه القوة المدهشة التي كانت تلازم نفسها في ~~كل وقت من أوقاتها، وفي كل طور من أطوار حياتها؛ فتجشمها الأهوال، وتكلفها الأعاجيب، ~~وتثب بها من أوروبا إلى أمريكا وإلى أستراليا ثم إلى مصر، ثم إلى فرنسا، ثم إلى السويد ~~والنرويج وغيرها من بلاد الله، وتقف الناس منها موقف الحائرين الدهشين الذين يعجبون ~~ويعجبون إلى غير حد، وهم لا يدرون بم يعجبون؟ بالذكاء النادر؟ بالجمال الباهر؟ بالصوت ~~الساحر؟ بالقوة التي لا ms010 حد لها؟ بالأمل الذي لا يخشى اليأس ولا يحسب له حسابا؟ بالنفس ~~التي ليس لها مثيل ...؟ بهذا كله كان الناس يعجبون؛ سواء منهم من أحبها، وسواء منهم من ~~أبغضها. كل بها معجب، وكل لها مكبر في كل وقت وفي كل طور. # بهذا كله كان الناس يتحدثون يوم نعيت إليهم «سارة برنار»، ومن قبل ذلك أنبأتهم ~~الصحف بأن «سارة برنار» مشرفة على الموت؛ فجزعوا وهلعوا، وأسرعت جماعاتهم المختلفة إلى ~~بيت المريضة فازدحمت حوله وامتلأ بها الشارع، وكان من هذه الجماعات من يتاح له الدخول ~~إلى بيت المريضة فيسأل ويستعلم ويكتب اسمه ثم ينصرف، وكان من هذه الجماعات من لا يتاح ~~له هذا الحظ فيرابط في الشارع يتنسم الأنباء ويتصيد الأخبار، يرى الصحفي فيسأله، ويلمح ~~الطبيب فيستنبئه، كذلك قضى جمهور ضخم من أهل باريس يوم احتضار «سارة برنار»، فلما كان ~~الموت لم يخل الشارع ولا البيت من هذا الجمهور، وإنما ازداد به امتلاء وازدحاما، وما ~~هي إلا أن جهزت الميتة بجهازها الأخير حتى أذن للناس فأقبلوا على البيت أفواجا، ~~وأخذوا يمرون أمام هذه الجثة الهامدة التي طالما بعثت فيهم الحياة يوما كاملا ثم ~~تشييع الجنازة، فتقول الصحف: إن 600 ألف من أهل باريس اشتركوا فيه، وإن ألفين من الشرطة ~~اشتركوا في حفظ النظام، وإن أرصفة الشوارع التي مرت بها الجثة كانت مكتظة بالناس على ~~اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وأسنانهم، وإن الزهر كان ينثر على التابوت من أولئك الذين ~~ثقلت بهم سطوح الدور والحوانيت وامتلأت بهم نوافذها. ولم يكن الشعب وحده المحتفل بتشييع ~~هذه الممثلة، وإنما احتفلت به الجمهورية وبلدية باريس، وتنافستا أيهما تقوم بنفقات ~~الجنازة، ولم تكن فرنسا وحدها المحتفلة بتشييع هذه الممثلة، وإنما اشتركت فيه أوروبا ~~وأمريكا، ومن الملوك والملكات من أرسل إلى أسرة الممثلة يعزيها ويعطف عليها. # كان هذا كله في الأسبوع الماضي، وكنت في باريس أسمع الناس يتحدثون به، وأقرأ ما كانت ~~الصحف وما لا تزال تكتب فيه، فكنت أسأل نفسي إلى أي حد يبلغ إعجاب الناس بالنبوغ ~~وإكبارهم للنابغين، ms011 إذا كان هؤلاء الناس من الرقي العلمي والخلقي بحيث يفهمون النبوغ ~~والنابغين ...؟ وكنت أذكر مصر في هذا كله، وكيف يستطيع مصري ألا يذكر مصر وأهل مصر كلما ~~رأى أو سمع ما يبهره ويسحره! كنت أذكر مصر وأسأل نفسي: متى يتاح لمصر نابغة «كسارة ~~برنار»؟ أو على أقل تقدير متى يبلغ أهل مصر من الرقي العلمي والخلقي ما يمكنهم من أن ~~يقدروا نابغة «كسارة برنار»؟ لم تنبغ في السياسة، ولا في الدين، ولا في العلم، وإنما ~~نبغت في الفن، وفي فن هو سيء الحظ جدا عند المصريين، نبغت في التمثيل الذي يزدريه ~~أكثر المصريين، ويفهمه قليل من المصريين على غير وجهه، ولا يفهمه حقا بين المصريين ~~إلا نفر يكادون يحصون. # لم أسمع «سارة برنار» ولم يتح لي على طول ما أقمت في باريس أن أحضرها في ملعب من ~~ملاعب التمثيل، فلست أستطيع أن أحدثك برأيي فيها، ولست أستطيع أن أكون لي فيها رأيا، ~~ولكني أستطيع أن أحدثك برأي الناس فيها، وبرأي الناس الذين لا يتهمون، ولا تستطيع أنت ~~ولا أنا أن نضع آراءهم وأحكامهم موضع الشك، ولكن من «سارة برنار»؟ لا يعرف أبوها، ~~وإنما يقولون إنها ولدت سنة 1844 في باريس أو في برلين، ولا يتفق الذين يقولون إنها ~~ولدت في باريس على موضع ميلادها، بل إن «سارة برنار» نفسها ذكرت لهذا الميلاد موضعين ~~مختلفين، وتحدثت أن تذكرة ميلادها قد مزقت أو ضاعت، ويقول الناس إن أباها كان ~~هولانديا إسرائيليا تنصر، ويقول آخرون إن أباها كان فرنسيا عظيما مشتغلا ~~بالسياسة الدولية، ويتفقون جميعا على أن أمها «جولي برنار» لم تكن تنتسب إلى أسرة ~~مستقرة، وإنما كانت من هؤلاء الناس الرحل الذين ينتقلون من مكان إلى مكان لا يستقرون ~~في وطن ولا يطمئنون إلى دار، كانت أمها يهودية وكان أبوها مسيحيا أو يهوديا تنصر، ~~كان اسمها الأول «روزين برنار»، ويقال إن أباها النصراني أو المتنصر ألح في أن تكون ~~تربيتها دينية، فنشأت في الدير، وتأثرت بحياته تأثرا شديدا حتى أظهرت الرغبة في ms012 أن ~~تكون راهبة، ولكنها اشتركت في تمثيل قصة دينية مدرسية؛ فأعجب بها أحد من رآها «الدوق دي ~~مورني» ونصح بأن تتخصص للتمثيل، وشملها منذ ذلك الوقت بحمايته، فذهبت إلى الكونسرڤتوار # Conservatoire ~~(مدرسة التمثيل) ونالت فيه إعجاب ~~أساتذتها، ولكن فوزها في المسابقة لم يكن باهرا ولا متصلا، ثم اتصلت بملاعب كثيرة ~~مختلفة فلم تنل من الفوز ما كانت ترجو، فيئست أو كادت تيأس من التمثيل ومن ~~فرنسا. # وليس في هذا شيء من العجب، فأكثر النابغين عرف سوء الحظ قبل أن يعرف المجد ونباهة ~~الذكر، وربما كان من أهم الأسباب التي حالت بين الممثلة وبين الفوز الباهر نفس نبوغها، ~~فقد كانت لها طرائق مختلفة ومذاهب غريبة لم يألفها الجمهور ولم يطمئن إليها، فلم يكن ~~غريبا ألا يشتد إعجابه وتهالكه عليها. على أن «سارة برنار» لم تكد تبلغ الثلاثين حتى ~~كانت عضوا شريكا في أكبر دار من دور التمثيل في «بيت موليير»، وكانت تلعب القصص ~~المختلفة على تباين عصورها ومذاهبها، وكانت تبلغ في هذه القصص فوزا عظيما في كثير من ~~الأوقات حتى كتب إليها «فكتور هوجو» سنة 1877 يقول: «لقد كنت عظيمة خلابة. لقد أثرت ~~في أنا المجاهد الشيخ، ولقد كان الجمهور في وقت من الأوقات سعيدا يملؤه الحنان ~~فيصفق، أما أنا فكنت أبكي.» # ربما كان من الحق أن توازن بين «سارة برنار» وبين «السيبياد» الأتيني المشهور، كلاهما ~~كان فتنة المدينة التي نشأ فيها، وكلاهما كان يحب إعجاب الناس به وتحدثهم عنه، ويتكلف ~~لذلك الأعاجيب، ويفعل في سبيله ما لا تبيحه العادة ولا تسمح به الأوضاع المألوفة. يقال ~~إن «السيبياد» كان له كلب فتن الأتينيين فتحدثوا عنه دهرا، فلما انتهى إعجابهم به كفوا ~~عن الحديث فيه، فقطع «السيبياد» ذنب الكلب ليعود فيذكروه. وكانت أعاجيب «السيبياد» ~~ونفقاته أكثر من أن تحصى، وكان لا يتكلف هذه النفقات وتلك الأعاجيب إلا ليفتن الناس، ~~ويحملهم على إطالة الإعجاب به والتفكير فيه، كان سيئ السيرة وكان له زوج برة شريفة ~~جزعت لسوء سيرته فذهبت إلى «الأركون» تطلب الطلاق، ms013 وبلغ ذلك «السيبياد» فأسرع إلى مجلس ~~«الأركون»، فلما رأى زوجته بين يديه انهال عليها لثما وتقبيلا وملاطفة، وحملها بين ~~ذراعيه وعاد بها إلى بيته، والأتينيون من حوله يصفقون له ويهتفون باسمه وامرأته بين ~~ذراعيه قد رضيت عنه واطمأنت إليه. كذلك كان «السيبياد» وكذلك كانت «سارة برنار»، كانت ~~فتنة باريس، وكانت تحرص على أن تظل فتنة باريس، فكانت تفعل كل شيء يجعلها حديثا لأهل ~~باريس. # كانت تملأ غرفتها بالهياكل العظمية، وتنام بمنظر من الناس في تابوت مبطن بالحرير ~~الأبيض، وتستأنس كثيرا من الحيوان الوحشي. كانت تدهش الناس بأزيائها المختلفة الغريبة، ~~تتخذ زي الرجال حينا، وبدعا من أزياء النساء حينا آخر. كانت تدهش الناس بأحاديثها ~~ومقالاتها وصورها، وكانت على اختلاف متصل عنيف مع مدير «بيت موليير» حتى كان يسميها ~~هذا المدير «الآنسة ثورة». # 1 # فلما كانت سنة 1880 ضاقت «سارة برنار» بالحياة في باريس، وأحست أن هذه المدينة لا ~~تسعها، بل إن فرنسا كلها لا تسعها، فاستردت حريتها، وخرجت من «بيت موليير» خروجا ~~عنيفا وقفها أمام القضاء الذي قضى عليها بغرامة، وسافرت إلى لندرة، ثم إلى السويد ~~والنرويج، ثم إلى أمريكا، وكان سفرها إلى أمريكا فخما ضخما كثر حوله الضجيج والعجيج، ~~وقال كثير من مؤرخيها: إن كثيرا من الملكات لم تظفر بما ظفرت به هذه الممثلة من الفوز ~~والإكبار في هذه السياحة. ولم تقف أسفارها إلى هذا الحد، بل زارت أكثر أقطار الأرض ~~المتحضرة، ونالت فيها فوزا باهرا لم يكن مقصورا عليها، بل كان يتناول فرنسا معها، ~~ولقد ذهبت في بلاد المجر مرة فرفعت الأعلام الفرنسية في كل مكان ذهبت إليه رغم الأوامر ~~التي صدرت من فينا بحظر ذلك. # ولهذا فتن الممثلون بهذه الممثلة التي كانت أحسن سفير نشر الدعوة الفرنسية في ~~أقطار الأرض، وأحسن تمثيل العقل الفرنسي والفن الفرنسي والأدب الفرنسي، حتى قرنها ~~كثير من الكتاب إلى نابليون، ولست أدري إلى أي حد تصح هذه المقارنة، ولكني لا أشك في ~~أن «سارة برنار» خدمت فرنسا ورفعت ذكرها إلى حد لم يبلغه ms014 كثير من قوادها ~~الفاتحين. # أما نبوغها الفني، فلست أستطيع أن أحدثك عنه، وإنما أترك ذلك للناقد الفرنسي «جول ~~ليتمر» الذي كان بها مفتونا، والذي يحدثنا بأن مصدر نبوغها وافتتان الناس بها ثلاثة ~~أشياء: صوتها الذي سماه فكتور هوجو ومن بعده الفرنسيون جميعا: «الصوت الذهبي»، يقال ~~إنها كانت تتغنى في تمثيلها بالنثر والشعر جميعا، وكانت ماهرة في تصوير صوتها صورا ~~مختلفة ملائمة غريبة لموضوع الحديث الذي كانت تتناوله، فكان صوتها مرة يشبه الغدير ~~المنساب، وأخرى يتلوى ويتهدج، ومرة يرتفع، وأخرى ينخفض، حتى كان الجمهور معلقا بهذا ~~الصوت الضئيل القوي الشفاف. # الثاني: حركاتها في الملعب، فقد يحدثنا «جول ليمتر» بأنها أحدثت في التمثيل ما لم ~~يحدثه أحد قبلها، فكانت تلعب بجسمها كله؛ أي إنها كانت تحقق ما تمثله، فلم تكن تخيل إلى ~~الناس أنها تلثم أو أنها تعانق، وإنما كانت تلثم وتعانق بالفعل، وكانت تفعل ما هو أبلغ ~~في الدهشة من اللثم والمعانقة. # الثالث: ذكاؤها، فقد كانت أقدر الممثلين على فهم الفصول التي كانت تلعبها، كانت تفهم ~~هذه الفصول كما فهمها المؤلف، وربما فهمتها خيرا مما فهمها المؤلف، ومن هنا خلقت «سارة ~~برنار» كثيرا من القصص، وكثيرا من المؤلفين، ولن يستطيع «فرنسوا كوبيه» ولا «إدمون ~~روستان» أن يستأثرا بما أدركا من فوز في ملاعب التمثيل إنما «لسارة برنار» الحظ الموفور ~~من هذا الفوز. # وانظر إلى هذا الوصف الذي نشرته «الألستراسيون» وكتبه «إدمون روستان»، فهو وحده يعطيك ~~منها صورة خليقة بها: # تقف عربة أمام باب، فتسرع بالنزول منها امرأة قد التفت في الفرو الكثير، ~~تشق الجماعات التي اجتمعت حين سمعت جرس عربتها تاركة لهذه الجماعات إحدى ~~بسماتها، ثم تصعد في خفة سلما ملتوية، وتغير على «لوج» مزدهر شديد الدفء، ~~فتلقي في ناحية حقيبتها ذات الشرائط التي تحتوي على كل شيء، وفي ناحية أخرى ~~قلنسوتها، تزينها أجنحة العصافير، وإذا هي قد نحفت فجأة حين خرجت من فروها فما ~~هي إلا غمد من الحرير الأبيض، ثم تقذف بنفسها على ملعب مظلم، فلا تكاد تصل حتى ms015 ~~تبعث الحياة في جماعة ممتقعة تتثاءب في الظلام، تذهب، تجيء ، تبعث الحمية في كل ~~ما تمس، تأخذ مجلسها في المخبأ، تنظم المنظر، تشير إلى ما ينبغي من الحركات ~~ونبرات الصوت، تقف، تطلب الإعادة، تزأر غضبا، تجلس، تبسم، تشرب الشاي، تمسح ~~جبينها، توشك أن يغمى عليها، تثب فجأة إلى الطبقة الخامسة من الملعب وتظهر ~~لصاحب الأزياء مطربة، وتبحث في خزائن «الأقمشة» وتؤلف الأزياء، تنظم، ترتب، ~~تهبط إلى «لوجها» لتعلم النساء اللاتي يظهرن في الملعب كيف ينبغي أن يرجلن ~~شعورهن، ثم تعيد منسقة طاقات الزهر، ثم تسمع مائة رسالة، وترق لبعض ~~الاستعطافات، تفتح غالبا حقيبتها الرنانة التي تحوي من كل شيء، تفاوض حلاقا ~~إنجليزيا، تعود إلى المسرح لتنظم إضاءة منظر من المناظر، تسب أدوات الإضاءة، ~~تقف عامل الضوء على إساءته، يمر بها أحد العمال فتذكر غلطة اقترفها أمس فتصعقه ~~بسخطها، تعود إلى لوجها لتتعشى. تجلس إلى المائدة ممتقعة في جلال مهيئة ما ~~ستعمل، تأكل في ضحك غريب، ليس لديها الوقت لتتم عشاءها، تلبس ثيابها للتمثيل ~~بينما يحدثها المدير من وراء ستار ألوانا من الأحاديث، تمثل متهالكة، تدبر ~~ألف شيء بين الفصول، ينتهي التمثيل فتبقى في الملعب لتدبر أمرها إلى الساعة ~~الثالثة صباحا، ولا تعتزم السفر إلا حين ترى الناس جميعا من حولها ينامون ~~وقوفا احتراما لها، تصعد إلى عربتها، تتمطى في فروها مفكرة فيما ستجد من لذة ~~حين تستلقي في السرير، ثم تقهقه لأنها ذكرت أن هناك من ينتظرها في البيت ليقرأ ~~عليها قصة ذات خمسة فصول، تعود إلى البيت، تسمع القصة، تفتن بها، تبكي، ~~تقبلها، لا تستطيع النوم، فتنتهز الفرصة لتدرس دورا من أدوار التمثيل ~~... # كذلك وصفها «إدمون روستان»، أما أنا فلست أدري أأعجب بالوصف أم بالموصوف؟! ولكني ~~أعتقد أني بهذه الترجمة السقيمة قد أعطيتك حسن صورة لهذه الممثلة النابغة، ولست أريد أن ~~أختم أنا هذا المقال، وإنما أريد أن يختمه «جول ليتمر» بهذه الكلمة الحلوة التي كتبها ~~يودع بها «سارة برنار» وقد اعتزمت أحد أسفارها إلى أمريكا: # نتمنى لك يا ms016 سيدتي سفرا سعيدا، آسفين أشد الأسف؛ لأنك ستفارقيننا زمنا ~~طويلا ، ستظهرين نفسك هناك لقوم حظهم من الفن والأدب قليل، يسيئون فهمك ~~وينظرون إليك كما ينظرون إلى عجل ذي قوائم خمس، ويرون فيك الشخص الغريب الصاخب ~~لا الفنانة الخلابة إلى غير حد. قوم لن يقدروا نبوغك إلا لأنهم دفعوا ثمنا ~~باهظا ليستمعوا إليك، اجتهدي في أن تحتفظي بظرفك وأن تعيديه إلينا كاملا، ~~فإني آمل أن تعودي وإن كانت أمريكا بعيدة الشقة، وإن كنت قد تحملت من ~~الخطوب وتجشمت من الأخطار ما لم تتحمل ولم تتجشم أبطال الأساطير، إذن عودي إلى ~~«بيت موليير» واستريحي إلى الإعجاب والحب اللذين يدخرهما لك هذا الشعب الباريسي ~~طيب القلب الذي يعفو لك عن كل شيء؛ لأنه مدين لك بكثير من لذاته الكبرى، ثم في ~~مساء لذيذ موتي فجأة على مسرح التمثيل في صيحة هائلة من صيحات الجزع، فإن ~~الشيخوخة أثقل من أن تحتمليها، وإذا كان لديك من الوقت ما يمكنك من التفكير قبل ~~أن تنغمسي في الليل الأبدي فاحمدي - كما يفعل مسيو «رينان» - العلة الأولى ~~الخفية. لعلك لم تكوني من أشد النساء في هذا العصر حكمة واعتدالا، ولكنك عشت ~~أكثر مما عاشت جماعات ضخمة، وكنت من أجمل مظاهر الظرف التي أطافت بالناس فأحسنت ~~عزاءهم في هذا العالم المتغير، عالم الظواهر الطبيعية. # باريس في أول أبريل سنة 1923 ~~(3) بينيلوب # لم يطل ليلي ولكن لم أنم # ونفى عني الكرى طيف ألم # ولكنه لم يكن طيف هند ولا عبدة، ولم يكن طيف عربية ولا مصرية ولا أوروبية، وإنما كان ~~طيف امرأة بقي اسمها في ذاكرة الإنسانية، وذهبت بشخصيتها الغير والأحداث، ولعلها لم ~~توجد قط، ولعل التاريخ لم يعرف من أمرها قليلا ولا كثيرا، ومع ذلك فقد قضيت الليل ~~أفكر فيها، بل أسمع إلى حديثها ومناجاته، هادئة مرة ثائرة مرة أخرى، يملؤها الحنان ~~حينا، وتملكها الوحشية حينا آخر، قضيت الليل أفكر فيها وأسمع لأحاديثها ونجواها حين ~~كانت تتحدث إلى خدمها، وحين كانت تتحدث إلى عاشقها، وحين كانت تتحدث إلى مرضع ms017 زوجها، ~~وحين كانت تناجي الآلهة متلطفة آنا ومحنقة آنا آخر، ثم حين كانت تناجي خيال زوجها ~~الغائب، وتتحدث إلى زوجها وقد آب بعد غياب طويل. قضيت الليل أفكر فيها وأستمع لحديثها، ~~وأعجب بقدرة الفن - لا أقول على إحياء من مات وتجديد ما اندثر، بل - على خلق ما لم ~~يوجد، والتخييل إليك أنه قد وجد، وأثر في الحياة آثارا أبقى من أن ينالها الفناء، لم ~~يكن هذا الطيف طيف عربية ولا مصرية ولا أوروبية، وإنما كان طيف يونانية، كان طيف ~~«بينيلوب» زوج «أوليس» # ulysse # بطل «الأودسا». # سمعتها أمس في دار من دور الموسيقى «في الأوبرا كوميك» # opera-comique # تتغنى عشقها ولوعتها وحزنها لبعد من ~~أحبت وجزعها لقرب من كرهت، ففتنت بها ولم أفارق صوتها ولا عواطفها طوال الليل وجزءا ~~غير قليل من النهار. # لست أدري أقرأت «الأودسا» أم لم تقرأ، وأنا أسمح لنفسي بهذا الشك لأني أعلم علم يقين ~~وتجربة أن الأدب اليوناني سيئ الحظ في مصر، وأن سوء حظه قد بلغ من الشدة إلى حيث لا ~~نستطيع تقديره أو تقدير عواقبه السيئة. نجهل الأدب اليوناني - لا أقول جهلا تاما بل ~~أقول - جهلا فاحشا مخزيا لا يليق بقوم يحبون الحياة أو يطمعون فيها، نجهل هذا الأدب ~~جهلا فاحشا بحيث نستطيع أن نحصي المصريين الذين يعلمون ما «الأودسا» وما «الإلياذة» ~~ومن «أوليس» ومن «بينيلوب»، ومع ذلك فقد كانت «الأودسا» و«الإلياذة» وما زالتا وستظلان ~~دائما ينبوع الحياة للأدب والفن: للشعر والنثر والنحت والتصوير والتمثيل والموسيقى، ~~بليت القرون ولم تبل «الإلياذة» و«الأودسا»، فنيت الأمة اليونانية وفنيت الأمة ~~الرومانية، واختلفت العصور والظروف على أوروبا في العصر المتوسط وفي العصر الحديث، ~~وستفنى أمم وتختلف عصور وظروف، وتظل آيات «الإلياذة» و«الأودسا» جديدة خالدة محتفظة ~~بقوتها وبهائها ورونقها على وجه الدهر وتعاقب الأحداث، ولا نكاد نحن نفترض وجود ~~«الإلياذة» و«الأودسا»، فإذا افترضنا وجودهما فلا نكاد نعلم بشيء مما فيهما. # إلى هذا الحد وصلنا من الجهل بمصدر الحياة للأدب والفن، ويظهر أنا إذا لم نستطع أن ~~نمعن النظر في هذا ms018 الجهل أكثر مما أمعنا، فليس وراء هذا الحد مطمع لمن يحب الجهل ويرغب ~~فيه. أقول إذا لم نستطع أن نمعن في هذا الجهل أكثر مما أمعنا فيظهر أنا لا نريد، ~~ولا نحاول أن نخلص منه قليلا أو كثيرا، يظهر أنا سنظل على ما نحن فيه من جهل الأدب ~~اليوناني والفن اليوناني؛ لأنا نرى كل شيء يتغير في مصر، ونرى الرقي تناول كل شيء إلا ~~التعليم، فهو بحمد الله باق حيث كان؛ لأن المشرفين عليه لا يفكرون في تغييره، ولعلهم ~~غير قادرين على أن يفكروا في تغييره. سيظل تلاميذنا يخلطون بين أتينا وصقلية كما يخلطون ~~بين الإسكندر وهانيبال، ولكني بعدت عن هذا الطيف الذي أرقت له آخر الليل بعد أن ~~طربت له أول الليل ... قلت إن «الأودسا» و«الإلياذة» كانتا وستظلان ينبوعا للحياة ~~الأدبية والفنية، فقد ألهمتا شعراء اليونان على اختلاف فنونهم وأساليبهم، وألهمتا ~~الفنيين من اليونان، بل ألهمتا فلاسفة اليونان، وكذلك صدر عنهما شعراء الرومان، وكذلك ~~صدر عنهما وما يزال يصدر عنهما شعراء الإفرنج منذ القرن السابع عشر إلى ما شاء الله، ~~ولقد كانت القصة الموسيقية التي شهدتها أمس أثرا من آثار «الأودسا» اجتمع فيه جمال ~~الشعر وجمال الموسيقى وجمال الغناء وجمال الفن الآلي في التمثيل، فكنت تجد لذة لا ~~تعدلها لذة حين تسمع أصوات الآلات الموسيقية وألحانها، واختلاف نغمها الذي كان يرق حتى ~~لا يكاد يسمع، وكان يغلظ حتى يكاد يصم السامعين، وكنت تجد لذة لا تعدلها لذة حين تسمع ~~هذه الأصوات الإنسانية العذبة الرخيمة تمازج نغم الموسيقى متغنية بهذا الشعر الجميل ~~الرقيق الذي يمثل أرق العواطف الإنسانية وأصدقها وأدناها من الوفاء والحب والإخلاص، ~~وكنت تجد لذة لا تعدلها لذة حين تسمع هذا كله وتنظر إلى مسرح التمثيل فترى هذه الجزيرة ~~اليونانية القديمة كما وصفتها «الأودسا» في جمالها القديم الرائع الذي يزيده بهجة ~~وسحرا ما اتخذ الممثلون من أزياء، وما اصطنعوا من آنية ومتاع. كنت تجد لذة لا تعدلها ~~لذة حين كنت تسمع ما تسمع وترى ما ترى، ولم يكن ms019 ينغص عليك هذه اللذة إلا أنها كغيرها من ~~جميع لذات الحياة قصيرة محدودة المدى لن تتجاوز ساعة أو ساعتين. ذلك فيما أعتقد أخص ما ~~تمتاز به اللذة الحقيقية التي تملك عليك نفسك وعواطفك، وتسحر السحر كله. # تمتاز هذه اللذة بأنك تشعر حين تشعر بها بشيء من الحزن يصاحبها؛ لأنها ستنقضي بعد حين ~~طويل أو قصير، وأنت تحب ألا تنقضي، وأنت تود لو كانت خالدة، أو لو انقضت بانقضائها ~~الحياة. # اشترك في هذه القصة الموسيقي الفرنسي «جبرئيل فوريه» # gabriel ~~faure ~~، والشاعر الفرنسي «رينيه فوشو» # renee ~~fauchois ~~، ومثلت منذ عشر سنين فأعجب بها الجمهور، وابتهج لها ~~الناقدون، ولكنهم لم يجرءوا على أن يحكموا لها أو عليها؛ ذلك لأن فيها شيئا من الغرابة ~~كثيرا، فهي لا تمثل الحياة في عصر نفهمه فهما يسيرا سهلا، وإنما تمثل الحياة في عصر ~~بعيد منا كل البعد، بل لعل هذا العصر لم يعرفه التاريخ، وإذن، فليس من اليسير أن يصدق ~~تمثيلها للحياة، وليس من اليسير أن نحسها نحن كما نحس الحياة التي نحياها بحيث تتأثر ~~لها نفوسنا، وتهتاج لها عواطفنا، فتبعث فينا ضروب الإحساس والشعور التي تبعثها فينا ~~الحياة الواقعة. # تردد الناس في الحكم لهذه القصة أو عليها، ولكن كانت الحرب العظمى فهزت النفوس ~~والعواطف، وسهلت على الناس فهم هذا الشعر القصصي القديم الذي مثل ما أصاب الإنسان من ~~محن فأحسن تمثيله، وصور ما اختلف على حياة الأفراد والجماعات من أحداث فأجاد التصوير. ~~فلما استؤنف تمثيل هذه القصة لم يتردد أحد، ولم يشك إنسان، وإنما ظهر الإعجاب صريحا ~~قويا لا يعدله إعجاب، فأجمع الناقدون على أن هذه القصة آية من آيات الموسيقى ~~الفرنسية، وكان يكفي أن ترى الجمهور أمس لتعلم أن الناقدين لم يخطئوا ولم ~~يسرفوا. # عزيز علي أن أجهل الموسيقى، وأن يضطرني هذا الجهل إلى ألا أتحدث إليك بجمال هذه ~~القصة من الوجهة الموسيقية، ولكني إذا جهلت الموسيقى وعجزت على الحديث فيها، فإني أحسها ~~وأشعر بها، وأستطيع أن أعلم أني سمعت شيئا طربت له، أو سمعت ms020 شيئا نفرت منه، وأشهد ~~أني لم أنفر أمس، بل إني لم أطرب أمس، وإنما سحرت سحرا ليس فوقه سحر ... أشهد أني لم ~~أكن أشك حين كنت أسمع هذه الموسيقى أني في جزيرة «إيتاك» وأني بمحضر من أولئك الأبطال ~~القدماء، بل أشهد أني حين كنت أسمع هذه الموسيقى لم أكن في حاجة شديدة إلى أن يصف لي ~~واصف ما يمثله المنظر من هذه الجزيرة المشرفة على البحر التي يعمرها هواء رقيق ناعم ~~شفاف، والتي تزدان بكثبانها وتلالها الصغيرة تهبط إلى البحر متدرجة قليلا ~~قليلا. # نعم لم أكن في حاجة شديدة إلى أن يوصف لي المنظر؛ لأن الموسيقى كانت تغنيني عن هذا ~~الوصف، فكنت أحس في الموسيقى القرب من البحر، وكنت أسمع في الموسيقى أمواج البحر تضطرب ~~وتصطخب رقيقة حينا كأنها حديث العاشقين، غليظة حينا آخر كأنها قصف الرعد، وكنت أجد في ~~الموسيقى رقة الهواء ونعومته، وكنت أسمع هذه الموسيقى فلا أشك في أن الجو كان صافيا ~~رائقا، أو أنه كان كدرا يهيئ للعاصفة، كنت لا أشك في شيء من هذا، وكنت لا أشك في شيء ~~آخر هو أجل من هذا خطرا وأعظم شأنا، كنت لا أشك في أن هذه القطعة الموسيقية تمثل ما ~~يحدث في نفسي الآن من اضطراب العواطف واصطخابها، وما يقع بينها من تنازع ومشادة، وكنت ~~لا أشك في أن هذه القطعة الأخرى تمثل الضعف الذي ليس بعده ضعف، تمثل هذا الضعف الذي ~~يسلبك كل قوة على المقاومة، ويجعلك غير قادر إلا على أن تفتح جفنيك لتسقط منهما قطرات ~~الدمع متتابعة منهمرة! وكنت لا أشك في أن هذه القطعة الأخرى تمثل الغيظ والحنق، هذا ~~الغيظ الذي تنقبض له أعصابك، فإذا جبينك مقطب، وإذا الدم يغلي في رأسك، وإذا أنت قد ~~أطبقت يديك، وإذا أنت تقاوم هذا الميل الشديد الذي يدفعك إلى أن تثب وتهجم على فريستك، ~~لم أكن أشك في شيء من هذا؛ لأني كنت أحسه، وأتنقل فيه من طور إلى طور، بل هناك ما هو ~~خير من هذا، ms021 هناك هذه القطع الموسيقية التي تبعث في نفسك شيئا من الحنان والرحمة ، ومن ~~الطمأنينة والدعة لا أستطيع أن أصفه، ولا يستطيع إنسان أن يصفه؛ لأن وصفه لم يتح ~~للجمل والألفاظ، إنما أتيح للأنغام والألحان وحدها، ولكني عاجز - كما قلت - عن أن أصف ~~جمال هذه القصة من الوجهة الموسيقية. # أفتريد أن أصف جمالها من الوجهة الأدبية؟ لقد كنت أحب ذلك وأرغب فيه، ولكن أليس خيرا ~~من هذا الوصف الذي لا يمكن إلا أن يكون موجزا مختصرا أن ترجع إلى هذا الجمال في أصله، ~~وأن تستقيه من ينبوعه، فتقرأ النشيد الرابع والعشرين من «الأودسا» تجد في هذا النشيد ~~قصر الملك «أوليس» قد غاب عنه صاحبه منذ عشر سنين؛ لأنه ذهب إلى «تروادة» وانتصر فيها، ~~فلما أراد العودة إلى بلده عبث به وبأسطوله «بوزيدون» إله البحر فأضله الطريق، وأخضعه ~~لطائفة من المحن، وبينما كان الملك وأصحابه يخضعون لعبث «بوزيدون» وغيره من الآلهة، ~~كانت الملكة «بينيلوب» تنتظر زوجها في لوعة وحسرة، وفي حب ووفاء، وكانت طائفة من زعماء ~~اليونان قد احتلت قصر الملك، وأخذت تعبث بما فيه ومن فيه، فتأكل شاء الملك وثيرانه، كما ~~تقول القصة، وتشرب خمره، وتعبث برقيقه، وتلح على الملكة في أن تختار من بينهم رجلا ~~يكون لها زوجا فيخلف «أوليس» على ملك «إيتاك». # كانت هذه الطائفة تلح وكانت الملكة تقاوم، فلما أعيتها المقاومة أخذت تراوغ، فأعلنت ~~إلى هؤلاء الزعماء أنها ستختار من بينهم زوجا إذا فرغت من نسج كفن، أخذت نفسها بنسجه ~~لأبي زوجها، وقبل الزعماء منها ذلك، فأخذت تنسج الكفن يومها حتى إذا كان الليل نقضت ~~ما أبرمت، ثم تستأنف النسج إذا أصبحت، والنقض إذا أمست، والزعماء ينتظرون ويعبثون ~~بالقصر وما فيه ومن فيه. # فإذا كان الفصل الأول من القصة ظهرت خادمات القصر يغزلن ويتحدثن فيما بينهن، وحديثهن ~~لذيذ، فهن يتغنين ما هن فيه من ألم وحرمان، وهن يتغزلن بجمال الزعماء، وترغب كل واحدة ~~منهن في واحد منهم، وهن يرثين للملكة وينكرن عليها غلوها في الوفاء، وإنهن لفي ذلك ms022 إذ ~~يقبل الزعماء يريدون أن يتحدثوا إلى الملكة، وتأبى الخادمات إنباء الملكة بمكانهم؛ ~~لأنهن لا يستطعن أن يدخلن عليها إلا إذا دعين. وبينما الزعماء في حوار مع الخادمات ~~تقبل مرضع الملك فتمانعهم، ويكون بينها وبينهم حوار ومسابة، ثم تقبل الملكة فيشتد ~~الخلاف بينها وبين الزعماء، تهينهم وتنعي عليهم وهم يتملقونها ويتلطفون بها، تمانعهم ~~وتأبى عليهم ما يريدون وهم يلحون عليها في أن تسرع فتختار من بينهم زوجا، ثم يقدم شيخ ~~رث فان يطلب الصدقة والمأوى، فينبذه الزعماء وتئويه الملكة، وهذا الشيخ هو «أوليس» ~~قد وصل إلى جزيرته وأمرته الإلهة «أتينا» أن يتنكر ويحتال في طرد الغاصبين والانتقام ~~منهم، لا تعرفه الملكة، ولكن المرضع تعرفه وتعاهده على أن تخفي أمره. ينصرف الزعماء ~~وينصرف الشيخ إلى طعامه، وتبقى الملكة وحدها فتنقض ما نسجت، ولكن الزعماء كانوا قد ~~رصدوا لها فاستكشفوا حيلتها؛ فيغيظهم ذلك، ويعلنون إلى الملكة أن الغد لن ينقضي حتى ~~تكون قد اختارت لها زوجا، ثم ينصرفون وتخرج الملكة ومرضع الملك لتذهبا إلى شاطئ البحر ~~كما اعتادتا منذ سنين تترقبان سفينة ما لعلها تقبل وعلى ظهرها الملك، ويتبعهما الشيخ. ~~فإذا كان الفصل الثاني رأيت رعاة الملك يتحدثون فيما بينهم، ويتمنى بعضهم لبعض ليلا ~~سعيدا، ويتغنون جمال الطبيعة وسحرها، ثم تقبل الملكة ومن معها فيكون بينها وبين ~~الشيخ حديث بديع يظهر فيه ما يضمر الزوجان من حب ووفاء، ومن لهفة ولوعة، ولكن الملك ~~يخفي نفسه، فإذا سئل عن أمره أخبر بغير الحق، واتخذ هذا الإخبار وسيلة إلى التغزل بزوجه ~~من طرف خفي، ولكن في جمال ورقة وحسن مدخل، ثم تجزع الملكة إشفاقا من غد؛ فيقترح ~~عليها الشيخ أن تعلن إلى الزعماء أنها ستختار من بينهم من يستطيع أن يشد قوس «أوليس»، ~~ثم تنصرف الملكة، ويتعرف الملك بعد ذلك إلى رعاته، ويأمرهم أن يكونوا في القصر غدا، ~~وأن يتخذوا السلاح ليعينوه على الانتقام. فإذا كان الفصل الثالث رأيت الملك وحده يتغنى ~~غضبه وسخطه، وحرصه الشديد على الانتقام، ثم يكون بينه وبين مرضعه ورعاته ms023 أحاديث قصيرة، ~~ثم يقبل الزعماء وقد تهيئوا للقصف واللهو، فيسخرون من الشيخ ويريدون طرده، ثم يبدو ~~لهم فيتخذونه سخرية يسقونه ويضحكون منه، ويظهر الشيخ أنه سكران، وتقبل الملكة فتعلن ~~إليهم أن من شد قوس «أوليس» ورمى عنها فهو زوجها، فيعجزون جميعا، ويتقدم الشيخ الفاني ~~إلى القوس فيشدها ويرمي عنها، ولكن في صدر أحد الزعماء. # هنا يظهر الملك نفسه وينتقم لشرفه وثروته وملكه، يعينه الرعاة على هذا، ثم تنتهي ~~القصة بمظهر الحب والغبطة بينه وبين الملكة من جهة، وبينه وبين الشعب من جهة ~~أخرى. # فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب، وأنها من السذاجة والسهولة بحيث تلائم القرن ~~التاسع أو العاشر قبل المسيح أيام أنشئت «الإلياذة» و«الأودسا»، ولكني أضمن لك لذة ~~عظيمة إذا قرأت هذه القصة، ولذة لا حد لها إذا قرأتها في «الأودسا»، فأما إذا شهدت ~~القصة الموسيقية في «الأوبرا كوميك» فلست أدري ماذا أضمن لك، وإنما أحدثك صادقا ~~بأني قضيت ليلة سعيدة كنت أحسبني أثناءها في عالم آخر، ولم أتنبه إلى أني في الأرض إلا ~~حين سمعت ابنتي تتغنى وتصيح، ورأيت ابني يعبث بما حوله، وسمعت أمه تزجره وتنهاه. # باريس في 4 مايو 1923 ~~(4) شك ويقين # قوم يشكون فيغلون في الشك، وقوم يوقنون فيسرفون في اليقين، وأولئك وهؤلاء معرضون ~~للخطأ الشديد، ومخاصمون للعلم الصحيح. الشاكون مخطئون ومخاصمون للعلم؛ لأنهم ينكرون ~~أنفسهم وينكرون العلم، والموقنون مخطئون ومخاصمون للعلم؛ لأنهم ينكرون التطور الذي هو ~~قوام الحياة، ولكن أولئك وهؤلاء معذورون؛ لأنهم لا يختارون الشك ولا يختارون اليقين، ~~وأحسب أنهم إنما يشكون أو يوقنون لأن أمزجتهم قد ألفت بحيث تستتبع الشك أو اليقين، بل ~~أحسب أن لما نأكل وما نشرب وما نحس، بل وللهواء الذي نتنفسه، والجو الذي نعيش فيه، ~~والكتاب الذي نقرؤه، والخطبة التي نسمعها، أثرا فيما يعرض لنا من شك أو يقين. # زعم بعض الكتاب أن أبا العلاء إنما شك لأنه أسرف في أكل العدس والزيت، فساء هضمه، ~~وتبع ذلك سوء رأيه في الحياة، قد يكون هذا حقا، وقد ms024 يكون باطلا، ولكني لا أشك في ~~أننا مدينون بأطوارنا العقلية لهذه المؤثرات الكثيرة المختلفة التي تكتنفنا سواء منها ~~المادي والمعنوي. # حدثتك في مقال مضى بهذه المحاورة التي شهدتها في المؤتمر حول وجود سقراط والشك فيه، ~~ولقد قرأت اليوم شيئا أغرب وأدعى إلى العجب من الشك في سقراط. # قرأت أن هناك عالما فرنسيا من علماء الفلك المعروفين قد كتب في هذه الأيام الأخيرة ~~كتابا سماه «مملكة السموات»، وفي هذا الكتاب الذي يقال إنه ممتع جدا فصل يبحث فيه ~~المؤلف عن حركة الأرض، ويثبت فيه أن من المستحيل أن تثبت بطريقة علمية قاطعة أن الأرض ~~تدور ... إذن فنحن لا ندري من شأن الأرض شيئا، أدائرة هي أم ساكنة، وكل هذه الأدلة ~~الكثيرة المختلفة التي جمعها العلماء منذ حوكم «جاليله» # galilee # إلى الآن ليثبتوا بها أن الأرض تدور، كل ~~هذه الأدلة فاسدة أو غير منتجة، بل يذهب الأستاذ «نورمان» # nordmann # صاحب الكتاب المذكور، إلى أبعد من هذا ~~جدا، فيزعم أن دوران الأرض شيء ليس إلى إثباته أو نفيه من سبيل، وإذن فقد قضي علينا - ~~إن صحت آراء الأستاذ «نورمان» - أن نجهل أبدا شأن الأرض فلا نعلم أساكنة هي أم ~~دائرة! # سنقول: وأي شيء يصيبنا إن علمنا بأن الأرض دائرة أو ساكنة أو جهلنا دورانها وسكونها؟ ~~ربما لم يصبنا شيء، فسنأكل ونشرب وننام ونستمتع باللذات ونتجرع مرارة الآلام سواء أكانت ~~الأرض ساكنة أم دائرة، ولكن ماذا تقول في أولئك العلماء الذين يبحثون عن العلم للعلم، ~~لا تعنيهم نتائجه العملية، والذين يموت أحدهم غما إذا ظهر خطؤه في رأي من الآراء أو ~~نظرية من النظريات؟ # كنت أقرأ في أعداد «السياسة» الأخيرة محاضرة صاحب الفضيلة أستاذنا الجليل الشيخ محمد ~~بخيت في الرد على «نورمان»، فرأيته يبذل كل ما يستطيع من قوة وجهد وينفق علمه الواسع ~~ليثبت أن الإسلام دين العلم، بل ليثبت شيئا آخر غير هذا، وهو أن القرآن الكريم لا ~~يناقض بلفظه ولا بمعناه أصلا من أصول العلم الحديث، بل هو فوق هذا يشتمل على ms025 أصول ~~العلم الحديث. ورأيت الأستاذ يستنبط من القرآن الكريم كروية الأرض وحركتها حول الشمس ~~وحول نفسها واختلاف الفصول واختلاف الليل والنهار، فأعجبت بهذا الجهد العنيف الذي لا ~~مصدر له إلا البر والتقوى، ومن قبل ذلك قرأت أشياء كثيرة للأستاذ الإمام الشيخ محمد ~~عبده - رحمه الله - حاول فيها مثل ما حاول الأستاذ الشيخ محمد بخيت، والناس في مصر وفي ~~الشرق يعجبون بمثل هذه المحاولة؛ لأنها تظهرهم في منزلة من الحضارة ليست أقل ولا أدنى ~~من منزلة الأوروبيين الذين اخترعوا العلم الحديث، وإن كنت أنا لا أحب هذه المحاولة ولا ~~أتكلفها، وربما كرهتها ونفرت منها؛ لأنها تفسد النصوص، وتحمل على الغلو في التأويل. كنت ~~إذن أقرأ محاضرة الأستاذ الشيخ بخيت وأعجب بها، فلما قرأت ما قرأت اليوم تحدثت إلى ~~نفسي بما يأتي: # لو صح ما ذهب إليه الأستاذ «نورمان» وأقره العلماء، وأصبح الإجماع منعقدا على أن ~~الأرض لا تدور كما كان منعقدا على ذلك منذ قرون وحين أنزل القرآن الكريم، فأين يذهب ~~هذا الجهد العنيف الذي بذله الأستاذ الشيخ بخيت والأستاذ الشيخ محمد عبده ليثبتا أن ~~القرآن يدل على أن الأرض تدور؟ وهل يبذل الأستاذ الشيخ محمد بخيت وخلفاء الأستاذ الشيخ ~~محمد عبده جهدا عنيفا ليثبتوا أن القرآن يدل على أن الأرض لا تدور؟ وإذن فكيف نستطيع ~~أن نفهم دلالة القرآن على أن الأرض تدور وعلى أن الأرض لا تدور؟ # ليس هناك من شك في أن المسلمين في العصور الأولى كانوا يعتقدون أن الأرض لا تدور، وأن ~~القرآن يدل على أنها لا تدور؛ لأن الإجماع كان منعقدا يومئذ على أنها لا تدور، ثم جاء ~~علماء أوروبا وشياطينهم فزعموا أن الأرض تدور، وكانت حرب بينهم وبين عامة الناس وزعماء ~~الديانات، ثم انعقد الإجماع على أن الأرض تدور، وجاء قسيس من دعائم «الفاتيكان» الذي ~~حكم على «جاليله» فجمع أدلة لا تحصى على أن الأرض تدور، ثم جاء الأستاذ «نورمان» ~~وشيطانه فزعما لنا أن الأرض قد لا تدور، وربما جاء العلماء وشياطينهم فأقروا صاحبنا ~~وشيطانه ms026 على أن الأرض لا تدور، أو على أنه من المستحيل أن نجزم بأنها تدور، أو بأنها لا ~~تدور! وإذن، وإذن فما قيمة الشك وما قيمة اليقين، وما قيمة العلم، وما قيمة النص، وما ~~قيمة التأويل؟ أليس من الخير ألا نغلو في الشك ولا نغلو في اليقين؟ أليس من الخير أن ~~نكتفي بالترجيح؟ ثم أليس من الخير ألا نحمل نصوص القرآن وغير القرآن من الكتب الدينية ~~أوزار الشك وأوزار اليقين، وهذه النتائج الكثيرة المختلفة المضطربة المتناقضة التي تنشأ ~~عن أمزجتنا المختلفة المضطربة المتناقضة، والتي تنشأ عما نأكل وما نشرب وما نرى وما ~~نسمع وما نحس؟ أليس من الخير أن نجعل القرآن الكريم وغيره من الكتب الدينية في حصن مقدس ~~منيع لا تصل إليه أبخرة العدس والفول والزيت والطعمية وغير ذلك مما نأكل لنهضمه مرة ولا ~~نهضمه مرة أخرى، وينشأ عن سهولة الهضم وعسره حسن تفكيرنا أو سوءه، اللهم إني أعتقد أن ~~الأرض قد تدور وقد لا تدور، وأنها قد تكون كرة أو سطحا أو كمثرى، وأن الزمان قد يوجد ~~وقد لا يوجد، وأن المكان قد يوجد وقد لا يوجد، وأن «نيوتن» # newton # قد يصيب وقد يخطئ، وأن «إنستين» # enstein # قد يحق وقد يبطل. كل هذا ممكن، ولكن هناك ~~شيئا لا أحب أن يحتمل أوزار هذا الإمكان وهذا التناقض وهذا التردد، وهو القرآن وغير ~~القرآن من الكتب الدينية، إنا لنحسن الإحسان كله إذا رفعنا الدين ونصوصه عن اضطراب ~~العلم وتناقضه، فماذا يرى العلماء؟ # باريس في 27 أبريل سنة 1923 ~~(5) العلم والثروة # في مصر أغنياء كثيرون، ولكن معظمهم أشد بؤسا من الفقراء المعوزين؛ لأنهم لا يفقهون ~~الثروة ولا يقدرونها، ولا يفهمون ما ينبغي أن توجد هذه الثروة من صلة بينهم وبين ~~مواطنيهم وهم أغنياء، وكل حظهم من ثروتهم أن يأكلوا كثيرا، ويستمتعوا بلذات مادية لا ~~تتجاوز الحس إلى القلب، أو إلى العقل. ثروتهم مقصورة على أجسامهم، فإن وصلت إلى نفوسهم ~~فهي لا تمس منها إلا موضع الضعف والغرور، تمس الفخر والتيه، تمس العجب ms027 والخيلاء، لكنها ~~لا تمس الذكاء، ولا تمس عاطفة الرحمة بالبائس، ولا تمس عاطفة الإعانة على الخير. # في مصر أغنياء كثيرون، ولكنهم أشد بؤسا من الفقراء المعوزين؛ لا ينتفعون بثروتهم ~~أحياء، ولا ينتفع الناس بثروتهم بعد موتهم. هم لا يملكون الثروة، وإنما يحملونها على ~~ظهورهم لينقلوهم من جيل إلى جيل، يحملون الثروة عن آبائهم لينقلوها إلى أبنائهم ليعبروا ~~بها النهر، وكثيرا ما تنوء بهم هذه الثروة فتغرق ويغرقون معها، ولا يظفر أبناؤهم منها ~~إلا بالتعس والبؤس وسوء الحال. # في مصر أغنياء كثيرون، ولكنهم في الحق معوزون! # وفي أوروبا أغنياء، ولكنهم أبعد الناس عن الفقر، وأدناهم إلى الغنى حقا؛ لأنهم ~~يفهمون الثروة، ويحسنون الانتفاع بها في حياتهم الخاصة، وفي حياة أممهم ومدنهم وقراهم ~~وأسرهم، فهم يتمتعون بالثروة حقا، يجنون منها لذة الجسم، ولذة القلب، ولذة العقل. بل ~~يجنون منها اللذة الصحيحة في الحياة وتخليد الاسم بعد الموت. ينفعون وينتفعون، ليسوا ~~عالة على قومهم، وليس قومهم عليهم عالة. إنما هم يفهمون أن الثروة أداة من أدوات ~~المنفعة العامة المشتركة التي ينبغي أن يستمتع بها الناس جميعا، كل على القدر الذي ~~يتاح له. هم يملكون الثروة ويحسنون التصرف فيها، لا يشترون بها الطعام والشرب واللباس ~~فحسب، وإنما يشترون بها أيضا الحب والعطف والإجلال وحسن الأحدوثة في الحياة وبعد ~~الموت. ليسوا أنعاما ينقلون أثقال الثروة من جيل إلى جيل، وإنما هم ناس يملكون الثروة ~~ويستثمرونها فيفيدون ويستفيدون. ليسوا عبيدا للمادة، وإنما هم سادتها، يملكونها ~~ويسخرونها لحياة الإنسان والترفيه عليه. # اقرأ في جريدة «الطان» أن رجلا أهدى إلى جامعة باريس عشرة ملايين، لإقامة حي خاص ~~يسكنه الطلبة الذين يدرسون في هذه الجامعة، بحيث يتاح لهؤلاء الطلبة أن يعيشوا في منازل ~~صحيحة يجدون فيها ما يمكنهم من الدرس النافع بين ضروب الراحة والنعيم، واقرأ في جريدة ~~«الطان» أن امرأة أوصت بثروتها كلها لجامعة باريس، وثروتها تكاد تبلغ الخمسة عشر ~~مليونا، واقرأ في جريدة «الطان» أن هذه المرأة قبل أن تموت أهدت إلى كثير من الجامعات ~~مقادير مختلفة ms028 من المال، وأنها أهدت مرة إلى جامعة باريس مقدارا من المال تنفقه في طبع ~~الرسائل التي يقدمها الطلبة الفقراء لنيل الدكتوراه، وأهدت مرة أخرى إلى جامعة باريس ما ~~يمكنها من إنشاء درس لأدب القرن الثامن عشر وتاريخه، وأن امرأة أخرى أهدت إلى جامعة ~~باريس ثروة تغل عليها 35000 فرنك في السنة؛ لترقية البحث عن «الراديوم» في الطب، ~~وأن رجلا ترك لها نصف مليون، وأن أستاذا في مدرسة ثانوية ترك ثروته التي تبلغ 76408 ~~فرنكات لإعانة طلبة التاريخ الحديث، وأن امرأة تركت مليونا لإعانة المؤرخين على بحثهم ~~التاريخي. واقرأ في الصحف المختلفة أن دور التمثيل والموسيقى ومنازل اللهو واللعب قد ~~خصصت جزءا من دخلها في يوم من الأيام لإعانة العلماء على تأسيس المعامل العلمية ~~المختلفة. بل اقرأ ما هو أغرب من هذا؛ اقرأ تعاون الفقراء والمعوزين وافتنانهم في جمع ~~المقادير المختلفة من المال لإعانة العلماء على تأسيس المعامل وتكميلها، واقرأ في الوقت ~~نفسه مقالات طويلة مرة ملؤها السخط والغضب والغيظ؛ لأن العلماء يشكون فقر المعامل ~~ونقصها، ويستعينون الجمهور فلا يعينهم ولا يمنحهم من المال ما ينبغي أن يمنحهم. هذا ~~الجود وهذا البذل اللذان أشرت إليهما في أول هذه الكلمة لا يرضيان ولا يقنعان، ومع ذلك ~~ففقر العلم في فرنسا إضافي جدا؛ لأن الدولة والأفراد والجماعات يخصونه بعناية عظمى، ~~وآية ذلك ما وصلت إليه فرنسا من الرقي العلمي الذي لا يزال مطمح أمم كثيرة في أوروبا ~~بعد. # كتبت في غير هذا المقال منذ أشهر أن العلم مهما اشتد غناه وعظمت ثروته فهو فقير محتاج ~~إلى المعونة؛ لأنه يحيا، وحاجة من عاش لا تنقضي، فسيظل العلماء يشكون وسيظل الناس ~~يبذلون. هذا في فرنسا، أما في مصر فالثروة كثيرة ضخمة تنوء الأغنياء، ولسنا نستطيع أن ~~نذكر فقر العلم أو حاجته إلى المعونة؛ لأننا لا نستطيع أن نذكر العلم في مصر، فليس لمصر ~~علم، وإنما هي في علمها عالة على أوروبا وأمريكا تستعير منهما كل شيء، وهي لا تحسن ~~الاستعارة، ولا تستطيع أن تستعير منهما ms029 ما هي في حاجة إليه أو جزءا موفورا مما هي في ~~حاجة إليه؛ لأنها لا تجد من المال ما يمكنها من أن تستعير هذا المقدار العلمي الذي هي ~~محتاجة إليه لتعيش، أما إذا احتاجت إلى السيارات والدراجات والحلي وفاخر اللباس وبديع ~~الأداة والآنية، فما أكثر المال وما أيسر البذل! هنا تظهر ثروة الأغنياء ويظهر سخاؤهم ~~فتكثر في مصر هذه الأدوات المختلفة التي يفيد قليلها ويضر كثيرها. # نعم، نحن أغنياء أجواد إذا احتجنا إلى متاع الدنيا، فأما إذا احتجنا إلى غذاء العقل ~~والقلب ففقرنا لا يعدله فقر. هناك علوم مزهرة في أوروبا وأمريكا ونحن لا نسمع بها في ~~مصر؛ إما لأننا لا نحاول أن نسمع بها، وإما لأننا نضع أصابعنا في آذاننا حتى لا نسمع ~~بها، فنحتاج إلى أن ننفق المال في جلبها إلى بلادنا، ولكني واثق بأن لونا من ألوان ~~البدع في الحلي أو الملابس أو السيارات أو الأزرار لا يكاد يظهر في باريس أو في نيويورك ~~حتى نسمع به، ونرغب فيه، ونتهالك عليه، والنتيجة أننا في حياتنا الظاهرة كأرقى الشعوب ~~مدنية وحضارة، وربما كنا أفخر لباسا وزينة من أغنياء باريس ونيويورك ولندرة، فإذا ~~رآنا الأوروبي خيل إليه أننا ناس مثله نلبس كما يلبس بل خيرا مما يلبس، ونزدان كما ~~يزدان بل خيرا مما يزدان، يحسبنا مثله إذا رآنا، ولكنه لا يكاد يمتحننا ويخبرنا حتى ~~يشعر بأن وراء هذه الزينة وهذه المظاهر الفناء أو شيئا يشبه الفناء، وماذا تريد من ~~قوم يجلبون من أوروبا كل ما ييسر عليهم الحياة المادية، ويمكنهم من الاستمتاع بلذاتها ~~المادية، فإذا ذكر العلم والأدب والفن هزوا الرءوس والأكتاف، بل هم يفعلون شرا من ~~هذا، فالعلم في بلادهم ولكنهم يعمون أو يتعامون عنه، لا يرونه ولا يشعرون به، ويحسه ~~الأوروبيون والأمريكيون على بعد الشقة فيسعون إليه ويحملونه إلى بلادهم، حتى إذا نبه ~~منا نابه فأحس كما يحس الناس، واشتاق إلى ما يشتاق إليه الناس، وأراد أن يكون مصريا ~~يعرف مصر كما يعرف الفرنسي فرنسا، اضطر إلى ms030 أن يبحث عن مصر في باريس أو لندرة أو برلين، ~~يا للخزي! بل قد يحتاج إلى أن يبحث عن مصر في أثينا! # لقد قلنا هذه الأشياء، وقلناها وسنقولها ونقولها، فلم يحفل بنا أحد، ولن يحفل بنا ~~أحد، اللهم إلا جماعة الراغبين اليائسين وهم قليلون، فأما القادرون على أن ينفعوا، فأما ~~القادرون على أن يفيدوا بلادهم، فهم عن النفع والفائدة في شغل، وما أنت والعلم تحدثهم ~~به وتثقل عليهم فيه، وهم أرغب في هذا المتاع الباطل الذي يبهر العين ويخلب النظر ويحمل ~~فلانا على أن يقول: لقد رأيت سيارة فلان فأعجبتني ولأشترين مثلها! رأيت عالما ~~مصريا أو أديبا مصريا أو فنيا مصريا يروقنا أن يكون لدينا مثله، فذلك شيء لا ~~يخطر لأغنيائنا على بال، ولقد أكتب هذه الكلمة وأنا أثق الثقة كلها بأن كثيرا من ~~أغنيائنا سيقرءونها، وينالون كاتبها بالسخط والنعي؛ لأنه يحدثهم بما لا خير فيه. # لدينا جامعة أنشئت منذ خمس عشرة سنة، ولولا لطف الله بها لماتت، على أنها ليست بعيدة ~~من الموت، ولقد أظهر أغنياؤنا ميلا شديدا إلى تأييد هذه الجامعة وإعانتها؛ لأن ذلك ~~كان بدعا يومئذ وكان فيه فخر للباذلين. فلما انقضى البدع هبطت الرغبة، وفتر الميل، ~~وحبس الذين بذلوا المال أموالهم فلم يعطوا، ولم يفوا بما وعدوا أن يعطوا. لا تذكر ~~الحرب فإن الحرب لم تسئ إلى مصر، ولم تنزل الفقر بأهلها، ولقد أساءت الحرب إلى فرنسا ~~فزعزعت ثروتها وخربت جزءا عظيما منها، بل زعزعت نظامها الاجتماعي فلم يزدها ذلك إلا ~~حبا للعلم وتشجيعا للعلم وإعانة للعلماء، ولم يضع عليها من ذلك شيء؛ فقد أتاح لها ~~العلم أن تنتصر، أما أغنياؤنا فقد ضاعف الله عليهم ثروتهم أضعافا مضاعفة، فلم يزدهم ~~ذلك إلا ضنا وحبسا للمال عن وجوه الخير، وتهالكا على اللذات المادية، والحكومة ~~والأفراد في ذلك سواء، فلست أنسى الوزارة النسيمية الأولى وما أنفقت من المال لإصلاح ~~سيارات الحكومة، فقد كان ذلك يكاد يبلغ نصف المليون من الجنيهات، أما الجامعة، فكانت ~~الحكومة تعينها بألفي جنيه قبل ms031 أن تبلغ ميزانيتها عشرين مليونا، فبلغت هذه الميزانية ~~أربعين مليونا، ولم تزد إعانة الجامعة، وإنما أنذرت الجامعة مرات بقطع هذه الإعانة ! ~~وكانت وزارة الأوقاف تمنحها معونة قدرها خمسة آلاف جنيه أيام النظام القديم، فلما أقبل ~~النظام الجديد نقصت هذه الإعانة حتى بلغت 1800 جنيه! ولست أدري أفتقرت وزراة الأوقاف، ~~ولعل افتقارها كافتقار الحكومة المصرية؟ ثم نحن نطلب الاستقلال، نزعم أن ليس بيننا وبين ~~أهل أوروبا فرق، وأن من حقنا أن نستمتع بنظام الحياة الذي يستمتعون به، وقد يكون هذا ~~حقا، ولكن يجب أن نعترف بأن أهل أوروبا وأمريكا لم يصلوا إلى حياتهم الراقية الحرة ~~بالتهالك على السيارات والحلي وملابس الحرير وما يشبهها، وإنما وصلوا إليها بالتهالك ~~على العلم والرغبة فيه، يجب أن نحمد الله على أن الدستور قد صدر، فلئن يئسنا من الحكومة ~~ومن الأفراد فلن نيأس من الأمة ممثلة في البرلمان، ويقيننا أن هذا البرلمان لن يغفر في ~~المستقبل لوزارة المعارف مثل هذه الأغلاط المنكرة، لن يغفر لوزارة المعارف ما وصلت إليه ~~حال التعليم في مصر من ضعف وفساد، ولن يغفر لوزارة المعارف أن تظل مصر من الجهل والضعف ~~بحيث توجد علوم لا تسمع بها مصر ولا يأخذ المصريون منها بنصيب. # باريس في 11 مايو سنة 1923 # | القسم الثاني: أسبوع في بلجيكا # 1 # مؤتمر العلوم التاريخية # كنا ألفا أو نزيد على الألف، كلنا يعنى بالتاريخ أو بعلم أو فن من هذه العلوم ~~والفنون التي يحتاج إليها التاريخ، وقد اجتمعنا من أطراف الأرض على اختلاف أوطاننا، ~~وأدياننا، ولغاتنا، ومناهجنا في الحياة، لا يجمع بيننا إلا شيء واحد، هو أننا نشتغل ~~بالتاريخ أو بفن يتصل بالتاريخ. # كنا ألفا أو نزيد على الألف، وكنا مختلفين مؤتلفين، مفترقين متفقين، ولقد أريد أن ~~أحدثك عن هذا المؤتمر، ولقد أريد أن أحدثك عن هذا الأسبوع الذي قضيته في بلجيكا، ولكني ~~لا أدري كيف أحدثك؛ لأني لا أدري كيف أبدأ الحديث. # في نفسي أشياء كثيرة، كثيرة جدا، أريد أن أتحدث بها إليك، ولكني أشعر بشيء من ms032 ~~الاضطراب في تنظيم هذه الأشياء الكثيرة وترتيبها، وتقديم بعضها على بعض، كل هذه الأشياء ~~خليقة أن تقال، وكل هذه الأشياء جليلة الخطر، فلأتحدث إليك كما تلهمني المصادفة على غير ~~نظام، وفي غير ترتيب. # أشعر بأن كثيرا من المصريين سيسخرون من التاريخ والمؤرخين ومن المؤتمر والمؤتمرين؛ ~~لأن التاريخ ليس من هذه العلوم التي تظهر فائدتها في الحياة العملية اليومية، وليس من ~~العلوم التي تعين صاحبها على أن يفلسف كما يقتضي العصر الذي نعيش فيه، وإنما هو علم ~~متواضع يزيد في تواضعه أنه قد نزل في هذا العصر الحديث عن ميزة قديمة كانت ترفع شأنه ~~وتعلي مكانته، ذلك أن الناس كانوا يتخذون الماضي وسيلة إلى فهم المستقبل، أو بعبارة ~~أوضح: وسيلة إلى الاستعداد للمستقبل، وكانوا يتخذونه وسيلة إلى فهم الإنسانية وتفسير ما ~~في حياتها من غموض، فكان التاريخ يختلط بالفلسفة أو كان التاريخ فنا من فنون الفلسفة، ~~وكان الناس يعتقدون أن له فائدة عملية؛ لأنه يعين على حسن الاستعداد للحياة، فكانوا ~~يكلفون بالتاريخ ويتهالكون عليه، وكانت للتاريخ مكانة عليا بين العلوم، وكانت للمؤرخين ~~مكانة عليا بين العلماء. # ولكن التاريخ تواضع ونزل عن هاتين الميزتين، وأصبح لا يزعم لنفسه الفضل فيحسن ~~الاستعداد للمستقبل، ولا يزعم لنفسه القدرة على حل ألغاز الحياة، بل أصبح التاريخ ~~يحذر الناس من تلك الأساليب القديمة التي كانت تقيس غدا إلى أمس وتفسر اليوم بما وقع ~~منذ قرون. أصبح التاريخ يحذر الناس من هذه الأساليب القديمة، ويسخر من أولئك الذين ~~يبحثون عن الثورة الفرنسية وما أحدثت من نظم في السياسة والاجتماع في تاريخ اليونان ~~والرومان، ثم يرثي لأولئك الفرنسيين الذين خدعتهم هذه الأساليب في أواخر القرن الثامن ~~عشر فظنوا أنهم يحيون بثورتهم الديمقراطية اليونانية أو نظم السياسة الرومانية، ~~واتخذوا لهذه النظم أسماء اقتبسوها من تاريخ أتينا وتاريخ روما. أصبح التاريخ ينكر هذه ~~الأساليب، ويحذر الناس منها، ويسخر من المستمسكين بها، بل أصبح التاريخ ينكر فلسفة ~~التاريخ ويقنع بشيء واحد متواضع، ولكنه جليل الخطر، وهو الوصول إلى استكشاف الحقائق ~~التي ms033 وقعت في الماضي استكشافا علميا صحيحا معتمدا على البحث لا على ~~الفلسفة. # فهو كالكيمياء لا يزعم لنفسه القدرة على تحويل المعادن وإيجاد الذهب، وإنما يزعم ~~لنفسه البحث عن الحقائق من حيث هي حقائق لا أكثر ولا أقل. # إلى هذه المنزلة وصل التاريخ، فما أسرع ما زهد فيه الناس ورغبوا عنه، ولا سيما في ~~مصر! ولقد أذكر حديثا طويلا جرى بيني وبين أحد المصريين الأذكياء، كان ينكر فيه قيمة ~~التاريخ؛ وكانت حجته في هذا الإنكار أن التاريخ لا يفيد فائدة عملية، ولا يمكن الناس ~~من أن يكسبوا حياتهم أو يرفهوا هذه الحياة. # أذكر هذا الحديث وأحاديث أخرى فأشعر بأن ناسا كثيرين في مصر سيسخرون من التاريخ، ومن ~~مؤتمر التاريخ، ولكني أؤكد لك أيها القارئ أني لا أسخر من هذا ولا ذاك، وإنما أكلف ~~بالتاريخ، وأعجب بمؤتمر التاريخ، وأرجو أن يكلف كثيرون بالتاريخ، ولكننا قد نصل إلى هذه ~~المنزلة يوم نشعر بأن العلم يجب أن يطلب لأنه علم، لا لأنه يمكنك من أن تعيش أو من أن ~~تعيش عيشة مترفة. # لا أسخر من التاريخ، وفي الأرض ناس كثيرون لا يسخرون من التاريخ. فقد حدثتك في أول ~~هذا المقال بأننا كنا ألفا أو نزيد على الألف، وكنا من جميع أقطار الأرض، ولم يكن منا ~~من يسخر من التاريخ، ولقد كان الذين نظموا المؤتمر ودعوا إليه في دهش وحيرة لا حد لهما، ~~كانوا لا يطمعون في أن يبلغ عدد المؤتمرين خمسمائة، فإذا عدد المؤتمرين قد تجاوز الألف. ~~كانوا يطمعون في أن يستجيب لهم الناس من أطراف الأرض، وإنما كانوا ينتظرون أن يستجيب ~~لهم أهل أوروبا الغربية، وأهل أمريكا الشمالية، فإذا القارات الخمس يستجبن لهذه الدعوة، ~~وإذا البرازيل والهند وأستراليا ومصر وأفريقيا الجنوبية وأوروبا الشمالية والصين ~~واليابان والروسيا ترسل من يمثلها في هذا المؤتمر. وأحب أن تلاحظ أن ألمانيا لم تستطع ~~أن تشترك في المؤتمر لأنها لم تدع إليه، وأن الروسيا لم تستطع أن تشترك في المؤتمر ~~كما ينبغي لأنها لم تدع، وإنما اشتركت في ms034 المؤتمر الجماعات الروسية المتفرقة في أنحاء ~~أوروبا، وأن النمسا اعتذرت عن الاشتراك في المؤتمر؛ لأنها لم تجد من المال ما يمكنها من ~~إيفاد من يمثلها ، ومع هذا كله فقد بلغ هذا المؤتمر الخامس من الفوز ما لم يبلغه مؤتمر ~~تاريخي من قبل. # زاد عدد أعضائه على الألف، وزاد عدد الخطب التي ألقيت فيه والمذكرات التي قدمت إليه ~~على ثلاثمائة، ولم يستطع المؤتمر أن يجتمع للاشتراك في البحث والمناقشة، إنما اضطر أن ~~يوزع العمل ويقسم نفسه أقساما بلغت ثلاثة عشر قسما. اضطرت أقسام كثيرة إلى أن تقسم ~~نفسها وتوزع العمل فيما بينها، فانقسم بعضها أربعة أقسام، ولم يكن من الممكن لعضو من ~~أعضاء المؤتمر أن يتتبع العمل في المؤتمر، وإنما كان كل عضو مضطرا إلى أن يتتبع العمل ~~في القسم الذي هو فيه، وربما أباح أحدنا لنفسه أن يترك قسمه ليسمع خطبة أو مذكرة تلذه ~~أو تعنيه في قسم آخر، فيفعل ذلك كارها؛ لأنه يترك في قسمه خطبا ومذكرات كان يود لو ~~يستمع لها. ولقد كان أعضاء المؤتمر يلتقون فيسأل أحدهم صاحبه: هل قدمت إلى المؤتمر ~~شيئا؟ نعم في موضوع كذا. فيجيبه: هذا شيء لا يحتمل! لقد كنت أريد أن أسمع لك ولكني ~~شغلت في قسمي بموضوع لم يكن بد من الاستماع له. أما أنا فضيق الصدر، فقد فاتتني ~~خطبة فلان ومذكرة فلان. وماذا تريد أن نصنع وقد أبت الطبيعة أن تستطيع تعديد أشخاصنا ~~والاستماع في وقت لكل ما نحب أن نستمع له؟ # وكان المؤتمر يفكر في طبع ما سيلقى فيه من الخطب أو يقدم إليه من المذكرات، فألفى ~~نفسه أمام مشكلة مالية لا قدرة له على حلها، وحسبك أنه كان يلقى في الساعة الواحدة وفي ~~أكثر من عشرين غرفة أكثر من عشرين خطبة! وكنا في هذا المؤتمر كالتلاميذ في المدرسة، ~~نجتمع في الساعة التاسعة صباحا فما نزال مجتمعين إلى الظهر، ثم ننصرف للغداء ونعود في ~~الساعة الثانية فما نزال مجتمعين إلى الساعة الخامسة. فإذا كانت الساعة الخامسة انصرفنا ~~إلى زيارات ms035 واستقبالات قد نظمت في القصر مرة، وفي البلدية مرة أخرى، وعند وزير المعارف ~~مرة ثالثة، وفي المتاحف والمجامع العلمية مرة رابعة، بحيث كان من المستحيل أن يفكر ~~العضو في شيء غير المؤتمر وأعمال المؤتمر إذا كان عضوا مخلصا في عمله معنيا بفنه ~~حقا، وهنا يجب أن ألاحظ أن الأعضاء لم يكونوا جميعا على حظ واحد من الإخلاص للفن ~~والعناية به، وذلك شيء حسن في نفسه؛ فحسبك ثلاثمائة خطبة أو مذكرة وما استتبعت من البحث ~~والمناقشة، ولو أن الأعضاء جميعا خطبوا أو قدموا المذكرات أو اشتركوا في البحث ~~والمناقشة لما انتهت أعمال المؤتمر في أسبوع أو أسابيع. # كثير من الأعضاء أقبل يسمع ويرى، ويتعرف إلى المؤرخين على اختلاف مذاهبهم ومناهجهم، ~~وكثير منهم أقبل للرياضة والسياحة، واتخذ المؤتمر تعلة لما كان يريد. # كثيرة جدا الفوائد المختلفة التي تنتجها مثل هذه المؤتمرات، فلست أذكر الفائدة ~~الأساسية التي يستفيدها علم التاريخ، وإنما أذكر فوائد أخرى غير هذه ليس بينها وبين ~~التاريخ صلة. فيكفي أن تكون فطنا دقيق الملاحظة لتجد لذات متنوعة في ملاحظة هؤلاء ~~الناس المختلفين في الوطن والجنس والطبيعة والمزاج، وما لكل واحد منهم من عادة أو خلق ~~أو مزية أو نقيصة. والحق أني قد استفدت كثيرا من الوجهة العلمية التاريخية، ولكني مع ~~هذا ضحكت كثيرا وسخطت كثيرا، فقد كان حولي من الناس من يضحك كما كان حولي منهم من ~~يبعث السخط، ولكني سأحدثك عن هذا كله في مقال آخر بعد أن أقص عليك طرفا من أعمال ~~المؤتمر. # باريس في 16 أبريل سنة 1923 # 2 # لا أذكر ما كان يضطرب في نفسي من خواطر الأسى والإعجاب، ومن عواطف الأسف والأمل أثناء ~~الطريق بين باريس وبروكسل، حين كنا نعبر هذه البلاد التي دمرتها الحرب تدميرا فلم تذر ~~فيها شيئا إلا أتت عليه، والتي كان أهلها مشردين في أقطار فرنسا، يتكلفون ألوان ~~المشقة، ويستجدون ضروب الإحسان، ليستقروا بعد تشريد وليشبعوا بعد جوع، فأصبحت هذه ~~البلاد، ولما تمض على الحرب أعوام، عامرة ومزدهرة مستكملة أو آخذة ms036 في استكمال وسائل ~~الحياة العاملة المنتجة الناعمة المترفة. كنت آسف وكنت آمل، كنت آسى لقسوة الإنسان على ~~الإنسان، وكنت أعجب بقدرة الإنسان على إصلاح ما أفسدت يد الإنسان ، ولكني لا أريد أن ~~أذكر ذلك أو أطيل فيه، وإنما أحدثك بما وجدت حين وصلت إلى مدينة بروكسل ظهر الأحد 8 ~~أبريل. # كان البرد شديدا، وكانت تعصف في المدينة ريح قوية مثلجة، ولكن المدينة كانت هائجة ~~مائجة، أو بعبارة أصح: كانت فرحة مرحة، كان الناس يتغنون ويضحكون ويفتنون في اللذات ~~البريئة. فكنت لا تسمع إلا أصواتا صافية مجلوة، تنبعث بألفاظ الهناء والسرور، وكنت لا ~~ترى إلا أعلاما منشورة تعبث بها الريح، كنت لا تسمع ولا ترى إلا شيئا يسر ويرضي ~~ويبعث البهجة في النفوس. كان أهل بلجيكا ذلك اليوم في عيد، كانوا يحتفلون بميلاد الملك ~~ألبير. لم يكن احتفالهم رسميا فحسب، لم يكن مقصورا على قصر الملك ودواوين الحكومة. ~~لم يكن احتفالا تراد به المجاملة، وإنما كان احتفالا حقا. كانت القلوب تحتفل بالملك ~~ألبير، وكانت الألسنة تنطلق بما يملأ القلوب من فرح، وكان الوجوه تصف ما يغمر النفوس من ~~ابتهاج، وكانت هذه الجماعات المختلفة التي تنطلق في الشوارع منها ما ينشد النشيد ~~البلجيكي، ومنها ما يتغنى «بالمرسيلييز»، ومنها ما يتغنى بأحدث الأغاني الباريسية التي ~~تتردد في «مونمارتر». أقول: كانت كل هذه الجماعات آية ساطعة على أن البلجيكيين يحبون ~~ملكهم ويعجبون به، ويحتفلون ببلجيكا الناهضة حين يحتفلون بعيد ألبير؛ لأن ألبير يمثل في ~~نفوسهم هذا الوطن الذي تألم وأهين، ولقي ضروب الذلة ثم انتصر وثأر لنفسه، وهو الآن ~~ينهض ويستأنف الحياة قويا نشيطا كأقوى وأنشط ما كان قبل الحرب. # نعم: كانت هذه الجماعات آية بينة على أن البلجيكيين يحبون ملكهم، ويرونه رمز آلامهم ~~وآمالهم حقا، ومهما أنس فلن أنسى جماعة من الرجال والنساء صادفناها في أحد الشوارع، ~~وقد تبادلت القلانس، فلبس الرجال قلانس النساء ولبس النساء قلانس الرجال، وامتلأ الشارع ~~بهم حتى وقف الترام، وانقطعت الحركة وهم يتغنون: # اصعد فوق! اصعد فوق! فسترى ms037 مونمارتر. # وكن واثقا جدا بأنك سترى شيئا جديدا. # من فوق إذا كان الجو صحوا فسترى من باريس إلى شارتر. # إذا كنت لم تر هذا فاصعد فوق، اصعد فوق فسترى مونمارتر. # بذلك كانوا يتغنون، وكانت تقطع هذا الغناء من وقت إلى وقت قهقهة عالية تصعد في ~~السماء، وتحملها الريح وتفرقها في أنحاء المدينة، وإنهم ليمضون كذلك وإننا لنتبعهم وإذا ~~الغناء قد انقطع، وإذا الأصوات قد خفتت، وإذا الرءوس حاسرة، وإذا جلال مهيب قد انبسط ~~على هذه الجماعات الفرحة، وإذا صمت رهيب يشعرك بأن هناك شيئا جديدا. بأن هناك شيئا ~~مقدسا. # كان هناك شيء جديد مقدس. كانت الجماعة قد وصلت إلى عمود المؤتمر، وهو الذي أقيم سنة ~~1830 حين استقلت بلجيكا وصدر دستورها، وهو الذي يظل قبر الجندي المجهول الذي اتخذ ~~رمزا لما قدمت بلجيكا من ضحايا في الحرب الماضية، وصلت الجماعة إلى هذا العمود ~~فتبدل فرحها ومرحها إجلالا وتقديسا لرمز الاستقلال ورمز الجهاد الوطني! # وما أشك أن هؤلاء الناس الذين كانوا يجلون استقلالهم، ويقدسون رمز ضحاياهم، كانوا ~~يذكرون في هذه اللحظة نفسها مع الإجلال والإكبار الملك ألبير، الذي جاهد وتألم واحتمل ~~كل ما يمكن أن يحتمله الملك المخلص للدفاع عن وطنه أولا وعن عرشه ثانيا! في هذا اليوم ~~عرفت قيمة ما يمكن أن يوجد بين الشعوب والملوك من صلات الحب والمودة والعطف. # الحب وحده مصدر هذا الابتهاج والإجلال، فليس الملك ألبير مستبدا ولا راغبا في ~~الاستبداد، وليس الشعب البلجيكي خانعا ولا مستعدا للخنوع، ولعل الذين قرءوا تاريخ ~~بلجيكا يعلمون أن الصلة بين البلجيكيين وملوكهم قائمة على أن الملوك يتلقون سلطانهم ~~من الشعب، فهم نوابه وممثلوه، لا سادته وزعماؤه. # وما لي أذهب بعيدا وقد افتتح المؤتمر التاريخي يوم الاثنين 9 أبريل بمحضر من الملك ~~والملكة وولي العهد والبرنس شارل وأخته البرنسيس ماري جوري. فلما قدم رئيس المؤتمر ~~إلى الملك والملكة والأمراء تحية المؤتمر، ذكر الديمقراطية ورقيها في بلجيكا، واقتناع ~~الملك بأن لا رقي للشعوب ولا استقرار للعروش إلا إذا كانت الديمقراطية الصحيحة ms038 الواسعة ~~أساس الصلة بين الشعوب والعروش، فصفق الناس جميعا وابتسم الملك والملكة. # باريس في 17 أبريل سنة 1923 # 3 # قلت في أول هذه الفصول: إن كثرة أعضاء المؤتمر من جهة، وكثرة مواد العمل من جهة أخرى، ~~قد اضطرتا المؤتمر إلى أن يقسم نفسه إلى لجان، ولست أرى بأسا من ذكر هذه اللجان ليرى ~~المشتغلون بالتاريخ في مصر كيف يتصور علماء أوروبا التاريخ، وكيف يقسمونه إلى أقسامه ~~المختلفة. # انقسم المؤتمر إلى ثلاث عشرة لجنة وهي: ~~(1) # تاريخ الشرق. ~~(2) # تاريخ اليونان والرومان. ~~(3) # تاريخ العصر البيزنطي. ~~(4) # تاريخ القرون الوسطى. ~~(5) # التاريخ الحديث والتاريخ العصري، وهذه اللجنة تنقسم إلى أربع لجان جزئية: # الأولى: # لجنة التاريخ الحديث التي ينتهي عملها إلى الثورة ~~الفرنسية. # الثانية: # لجنة التاريخ العصري التي يبتدئ عملها من الثورة. # الثالثة: # لجنة تاريخ القارة الأمريكية. # الرابعة: # لجنة تاريخ الاستعمار والاستكشاف. # وأحب أن تلاحظ أن هذين القسمين الأخيرين - تاريخ القارة الأمريكية وتاريخ ~~الاستعمار - لم يستقلا بالبحث وتخصص العلماء إلا في هذه السنين الأخيرة، ~~وهما يوشكان أن يصبح كل واحد منهما قسما مستقلا استقلالا تاما عن ~~غيره من بقية أقسام التاريخ. ~~(6) # التاريخ الديني، وهذه اللجنة تنقسم إلى لجنتين جزئيتين: # الأولى: # لجنة تاريخ الديانات من حيث هي؛ أي من وجهتها الفكرية ~~والعملية. # الثانية: # لجنة تاريخ الكنيسة، وهي تنقسم إلى لجنتين، تبحث الأولى ~~عن تاريخ الكنيسة منذ نشأتها إلى آخر القرن الثاني ~~عشر. # وتبحث الثانية عن تاريخ الكنيسة منذ أول القرن الثالث ~~عشر. ~~(7) # تاريخ الحقوق، وهذه اللجنة تنقسم إلى لجنتين: # الأولى: # لجنة تاريخ الحقوق في العصر القديم. # الثانية: # لجنة تاريخ الحقوق في القرون الوسطى وفي العصر ~~الحديث. ~~(8) # التاريخ الاقتصادي. ~~(9) # تاريخ الحضارة، وقد انقسمت هذه اللجنة إلى ثلاث لجان: # الأولى: # لجنة تاريخ الحضارة في العصر القديم. # الثانية: # لجنة تاريخ الحضارة في القرون الوسطى وفي العصر ~~الحديث. # الثالثة: # لجنة تاريخ الطب. ~~(10) # تاريخ الفن والآثار، وتنقسم إلى لجنتين: # الأولى: # لجنة تاريخ الفن. # الثانية: # لجنة الآثار. ~~(11) # المناهج التاريخية والعلوم المتصلة بالتاريخ، وقد انقسمت هذه اللجنة إلى لجنتين: # الأولى: # لجنة مناهج البحث التاريخي. # الثانية: ms039 # لجنة العلوم المتصلة بالتاريخ كعلم النقوش والخطوط، وما ~~إلى ذلك. ~~(12) # لجنة البحث عن مصادر تاريخ العالم أثناء الحرب العظمى. ~~(13) # لجنة المحفوظات ونشر النصوص التاريخية. # وكان المنظمون للمؤتمر قد خصصوا له قصر المجامع العلمية، فظهر أن هذا القصر على سعته ~~وكثرة غرفه أضيق من أن يسع هذه اللجان، واضطر المنظمون إلى أن يقرروا لجانا كثيرة في ~~مواضع مختلفة قريبة أو بعيدة من قصر المؤتمر. # وكانوا قد أجمعوا أن يفتتح المؤتمر بعد ظهر الاثنين 9 أبريل، وأن يشرع في أعماله بعد ~~ذلك، ولكن كثرة الأعمال وكثرة ما كان يجب أن يلقى من الخطب ويقدم من المذكرات؛ اضطر ~~المؤتمر إلى أن يبدأ في عمله قبل أن يفتتح رسميا. فاجتمعت اللجان، وبدأت بسماع الخطب ~~والمذكرات صباح الاثنين؛ أي قبل أن يفتتح المؤتمر رسميا. # وكنا قد ذهبنا يوم الأحد إلى سكرتارية المؤتمر فوجد كل منا طائفة من الأوراق ~~تنتظره، وقد كتب عليها اسمه، وهذه الأوراق عبارة عن برنامج أعمال المؤتمر ومختصر ما ~~كان قد قدم من المذكرات وبطاقات الدعوة إلى القصر، وعند وزير المعارف، وفي الجامعة، ~~وفي البلدية، ثم بطاقة شخصية تثبت أن صاحبها عضو في المؤتمر، ثم علامة من المعدن يعلقها ~~العضو في صدره ليتميزه الناس، وليستغني بها عن إظهار بطاقته كلما أراد أن يدخل دارا من ~~دور المؤتمر. # وعلمنا حينئذ أننا سنبدأ أعمالنا صباح الاثنين قبل الافتتاح الرسمي، فلما كان يوم ~~الاثنين ذهبنا جميعا إلى الأماكن التي خصصت للجان التي يجب أن يشترك فيها كل ~~منا. ذهبت إلى لجنة المحفوظات ونشر النصوص التاريخية، وفي هذه اللجنة قدمت مذكرتي ~~صباح الاثنين، وكان موضوعها «نص معاهدة دفاعية هجومية» عقدت سنة 692 للهجرة (1292 ~~للمسيح) بين الملك الأشرف خليل بن قلاوون وابن جايم الثاني ملك أراجون وأخويه وصهريه، ~~وكلهم ملوك لإسبانيا المسيحية. وجدت نص هذه المعاهدة العربي في الجزء الرابع عشر من ~~كتاب صبح الأعشى، وفي هذا النص اضطراب كثير، وضروب من التحريف غريبة، فكنت أمام ~~صعوبتين؛ الأولى: تصحيح هذه النص، وتقويم ما فيه من الاضطراب ms040 والتحريف. الثانية: إثبات ~~أن هذا النص صحيح من الوجهة التاريخية، وأن هناك معاهدة عقدت حقا بين مصر وإسبانيا ~~المسيحية في ذلك العصر. # وقد وفقت إلى تذليل هاتين الصعوبتين بواسطة استكشاف النص أو الترجمة الإسبانية ~~اللاتينية لهذه المعاهدة التي لم يكن نصها العربي معروفا للمؤرخين قبل اليوم، ولم يكن ~~هذا البحث يسيرا ولا سهلا. فحسبك أن القلقشندي الذي روى نص هذه المعاهدة عن كتاب لابن ~~المكرم سماه «تذكرة اللبيب ونزهة الأديب» قد روى هذا النص دون أن يفهم قيمته التاريخية، ~~بل دون أن يفهمه بوجه ما، فحرف وبدل ولم يصف المعاهدة إلا بأنها حسنة الإنشاء. ~~وحسبك أن أسماء الملوك والبلاد كانت من التحريف بحيث كان يكفي أن تقرأها لتشك في صحة ~~المعاهدة. # فملك أراجون جايم الثاني يسمى في المعاهدة «دون حاكم»، ولفظ حاكم لفظ عربي خالص لا ~~يمكن أن يكون اسما لملك مسيحي من ملوك إسبانيا، وتحريفه ظاهر سهل، ولكن بشرط أن تصل ~~إلى أصله المسيحي، ولست أدري على من تلقى تبعة هذا التحريف، أعلى المؤلف أم على الناسخ ~~أم على المصحح؟ ولكني أعلم أن هذا الكتاب الجليل الذي سأخصه بفصل أو فصلين لو أنه ~~صحح تصحيحا علميا متينا، وأشرف على طبعه ناس يتقنون هذا الفن، ويلمون بأصوله ~~وباللغات الأجنبية، ويستطيعون أن يتصرفوا في هذه اللغات كتابة وترجمة، لخرج من ~~المطبعة الأميرية نافعا حقا ميسرا للباحثين، من المصريين وغير المصريين، سبل ~~البحث عن التاريخ، ولكن الذين أشرفوا على طبع هذا الكتاب، على حسن نيتهم وإتقانهم للغة ~~العربية وما إليها، وتصحيح الحروف، يجهلون التصحيح العلمي وما يحتاج إليه من بحث وتنظيم ~~جهلا تاما، وهم إلى ذلك لا يعرفون لغة أجنبية، وأحسب أنهم لم يدرسوا التاريخ، ولا ~~يستطيعون التصرف فيه، ولا تأول نصوصه وتفسيرها، ولهذا كان نفع الكتاب قليلا وعسيرا ~~جدا بنوع خاص. وحسبك أنك لا تجد فيه ثبتا بأسماء الأشخاص والأمكنة، فأنت مضطر إلى ~~أن تقرأ الكتاب كله - أو تتصفحه على أقل تقدير - لتعرف: أألم الكتاب بالموضوع الذي ~~تبحث عنه أم لم ms041 يلم؟ ومع هذا فأنا أعتقد أن هذا الكتاب أنفع كتاب تاريخي طبع باللغة ~~العربية لمن أراد أن يدرس النظم السياسية في البلاد الإسلامية عامة وفي مصر خاصة، ~~ولمن أراد أن يدرس العلاقات الدولية بين المسلمين من جهة وبينهم وبين غيرهم من جهة ~~أخرى، ولكن صبح الأعشى أنساني ما كنت فيه من قصص المؤتمر. # سمعت في هذه اللجنة يوم الاثنين مذكرة قدمها أحد المندوبين «لتشيكوسلوفاكيا» عما ~~كان من تبادل المحفوظات الرسمية بين النمسا و«تشيكوسلوفاكيا» بمقتضى معاهدة سان جرمان ~~بعد الحرب العظمى، ودارت حول هذه المذكرة مناقشة قيمة اتخذت اللجنة بعدها قرارا لو ~~عمل به لاستفادت منه مصر، وخلاصة هذا القرار أن المحفوظات في كل بلد تتبع هذا البلد ~~فهي حق من حقوقه لا يصح أن يعتدي عليه معتد بحكم الفتح أو بأي سبب آخر، وإنما يجب أن ~~تبقى هذه المحفوظات ملكا للبلد الذي هي فيه، وليس يتناول هذا القرار المحفوظات التي ~~تمس الإدارة أو الشئون السياسية وحدها، وإنما يتناول المحفوظات جميعا إدارية كانت أو ~~سياسية أو فنية أو علمية، ومهما يكن تاريخها. # أقول: لو عنيت الدول بهذا القرار الذي اتخذه العلماء لاستفادت مصر فائدة عظيمة جدا، ~~فنحن نعلم أن من حقنا أن نطالب تركيا وإنجلترا بمحفوظات كثيرة نقلت إلى قسطنطينية وإلى ~~لندرة في عصور وظروف مختلفة، ولعلك تعلم أن من يريد أن يدرس التاريخ السياسي الدولي ~~لمصر في القرن التاسع عشر مضطر إلى أن يذهب إلى لندرة، ويراجع محفوظات كثيرة في وزارة ~~الخارجية الإنجليزية، وهناك أشياء نجهلها وقد نعلمها في يوم من الأيام حين نعنى ~~بمحفوظاتنا السياسية والإدارية عناية علمية، ولعلك تعلم أن من يريد أن يدرس التاريخ ~~السياسي والعلمي والأدبي لمصر أيام المماليك مضطر إلى أن يختلف إلى مكاتب ~~القسطنطينية، وأن دار الكتب المصرية أوفدت منذ حين سماحة السيد محمد الببلاوي؛ ليستنسخ ~~في مكاتب القسطنطينية كتبا عربية كثيرة. ولعلك لم تنس أن الترك حين فتحوا مصر حملوا ~~إلى قسطنطينية كنوزها العلمية والأدبية والفنية. فمن هذه الكنوز ما تبدد، ومنها ما ms042 لا ~~يزال محفوظا في القسطنطينية، ومن الحق أن يعود هذا كله إلى مصر، ولكن أتظن أن قرارا ~~يتخذه العلماء يستطيع أن يؤثر في رجال السياسة سواء أكانوا من الإنجليز أم من ~~الترك؟ # ثم كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، فافتتح المؤتمر رسميا. اكتظت غرفة الاحتفالات في ~~قصر المجامع العلمية بأعضاء المؤتمر، وأقبل الملك والملكة والأمراء فافتتح المؤتمر، ~~وقدم رئيسه التحية إلى الملك والملكة كما ذكرت في الفصل الماضي، وهنا لا أستطيع أن أخفي ~~ابتهاجي حين سمعت لفظ مصر يذكر في كلمة التحية. # فقد كنت ثاني اثنين مصريين حضرا المؤتمر، وكان الآخر جورج أفندي قطاوي، العضو بالبعثة ~~السياسية المصرية في باريس. كان يمثل الجمعية الجغرافية الملكية، وكنت المصري الوحيد ~~الذي يلبس الطربوش، ولم أكن أعلم بحضور مواطني في هذه الجلسة، فكنت أشعر بالغربة حقا. ~~فلما سمعت لفظ مصر يذكر في تحية الملكة، بمناسبة زيارتها الأخيرة، أحسست شيئا من ~~الابتهاج والحنان، ولعلي لا أغلو إذا قلت إني أحسست شيئا من الكبرياء أيضا. # لم أخفي عليك الحق؟ كنت قبل هذه السياحة في بلجيكا مقتصدا كل الاقتصاد في الافتخار ~~بمصريتي إذا تحدثت إلى الأجانب أو جمعتني وإياهم المجامع؛ ذلك لأني أشعر دائما بما ~~نحن فيه من ضعف ونقص قبل أن أشعر بما كان لنا من مجد وبما يدخر لنا الزمان من رقي. ~~أستحضر دائما ضعفنا ونقصنا الاجتماعيين، كما أستحضر دائما ضعفي ونقصي الشخصيين. ~~فأتواضع في الحديث وأقتصد في الفخر، ولست أدري أمزية هذه أم نقيصة، ولكني أعلم أن هذا ~~خلق من أخلاقي. # أما الآن وقد زرت بلجيكا، وتحدثت إلى هؤلاء الناس المختلفين، وسمعت ما ذكرت وما ~~تذكر به مصر، وعرفت رأي كثير من هؤلاء الناس في مصر. فقد أشعر بأن من حقي أو من الحق ~~علي ألا أسرف في التواضع وألا أغلو في الاقتصاد إذا ذكرت مصر وذكر المصريون؛ ذلك أن ~~رأي الأجانب في مصر حسن جدا، ولا سيما إذا كان هؤلاء الأجانب بعيدين عن السياسة ~~وأوزارها ... نعم، رأي الأجانب في مصر حسن؛ لأنهم يفهمون ms043 مصر خيرا مما نفهمها، يقدرون ~~مجدها القديم؛ لأنهم يفهمونه حقا، ويقدرون مركزها الحديث؛ لأنهم لا يتعصبون لمذهب ~~سياسي، ولا يميلون مع الهوى إلى حزب من الأحزاب. # يجب أن أعترف بالحق لأهله، يجب أن أثني على ثروت باشا، وعلى تصريح 28 فبراير، وعلى ~~إعلان الاستقلال في 15 مارس؛ فالناس في مصر يزدرون هذا كله، ويسخرون منه، ويرون أنا ~~غير مستقلين. وقد يكون من الحق أنا غير مستقلين بالفعل، وأنا لن نستقل بالفعل إلا ~~يوم يجلو الإنجليز، ولكن من الحق أيضا أن الأجانب الذين لا يشتغلون بالسياسة والذين ~~يشتغلون بها ينظرون إلى مصر كما ينظرون إلى إنجلترا؛ أي إنهم يعترفون بأن مصر مستقلة ~~كما أن إنجلترا مستقلة وكما أن بولونيا مستقلة، وهم يعجبون بمصر قديمها وحديثها. يعجبون ~~بقديمها؛ لأنه خليق بالإعجاب، ويعجبون بحديثها؛ لأنه يدهشهم ويملك عليهم أهواءهم، ولقد ~~سمعت أكثر من عشرين أجنبيا منهم البلجيكي والفرنسي والبولوني والأمريكي يذكرون مصر ~~الحديثة فيعجبون بها؛ لأنها تتطور في سرعة مدهشة، ولأن نهضتها الحديثة فذة في ~~التاريخ. # سمعت اسم مصر إذن فابتهجت، وامتلأ قلبي حنانا، وشعرت بشيء من الكبرياء؛ لأني كنت ~~أو لأن طربوشي كان رمزا لمصر بين هذه الرءوس الحاسرة التي كانت تزيد على الألف. # ولكني بعدت عن المؤتمر وغلوت في الاستطراد، وبماذا تريد أن أحدثك عن هذه الجلسة ~~الرسمية، التي هي كغيرها من الجلسات الرسمية: ثناء على الملك والملكة، وتحية من الحكومة ~~البلجيكية للمؤتمر. ثم خطبة مطولة من رئيس المؤتمر ألم فيها ببحث تاريخي قد أذكره في ~~غير هذا الفصل، ثم تلاوة قرارات اتخذت لحسن نظام الأعمال، ثم ينصرف الأعضاء. اتصلت هذه ~~الجلسة ساعتين، وسمع الملك والملكة والأمراء كل ما قيل، وانصرفوا مع الناس دون أن يظهر ~~عليهم ملل أو ضجر. أكانوا حقا مغتبطين بهذا الحدث الطويل الكثير الثقيل على آذان ~~الملوك؟ أم كانوا مجاملين؟ # باريس في 18 أبريل سنة 1923 # 4 # كان لذيذا جدا ذلك اليوم الثاني من أيام المؤتمر؛ كان لذيذا وكان مفيدا. لم نكد ~~نبدأ أعمالنا في ذلك اليوم ms044 حتى سمعت في لجنة المحفوظات مذكرة نافعة قدمها مدير ~~المحفوظات في بلجيكا عن نظام إدارة المحفوظات، وما يجب أن يتخذ من ضروب الحيطة، حتى لا ~~تضيع هذه المحفوظات ولا تتعرض للخطر، وسأحدثك عن هذه المذكرة في مقال آخر أصف فيه دار ~~المحفوظات في بروكسل، وألم فيه بالموضوع إلماما مفيدا. # سمعت هذه المذكرة ثم تركت لجنتي وذهبت إلى لجنة أخرى مجاورة هي لجنة تاريخ الحضارة في ~~العصر القديم، أو بعبارة أصح: لجنة التاريخ العقلي في العصر القديم. في هذه اللجنة كان ~~ينتظرني دهش عظيم ولذة أعظم؛ لأني سمعت محاورة ما كنت أظن أني سأسمعها في يوم من ~~الأيام، وكانت هذه المحاورة بين عالمين خطيرين: أحدهما فرنسي والآخر بلجيكي. كان موضوع ~~هذه المحاورة غريبا، وكانت المناقشة فيه حادة طويلة، حتى صرفت اللجنة عن أعمالها صباح ~~الثلاثاء. ذلك أن أحد الفلاسفة البلجيكيين الأستاذ «دوبريل» ألف منذ حين كتابا في ~~تاريخ الفلسفة اليونانية، وزعم في هذا الكتاب أن البحث التاريخي الصحيح ينتهي بالباحث ~~إلى أن سقراط شخص خرافي لم يوجد ولم يعرفه التاريخ، وأن خلاصة حكم التاريخ فيه كخلاصة ~~حكم التاريخ في هوميروس؛ كلاهما شخص آمن به القدماء وأظهر التاريخ أنه لم يوجد قط، ~~وكلاهما شخص اتخذ رمزا لنوع من الآداب؛ فاتخذ هوميروس رمزا لكل الشعر القصصي ~~الذي عرفه اليونان وتناقلوه قبل القرن السابع، واتخذ سقراط رمزا لهذه الفلسفة التي ~~عرفها اليونان وافتنوا فيها منذ أواخر القرن الخامس، وطول القرن الرابع قبل ~~المسيح. # أعترف بأني دهشت الدهش كله حين قرأت عنوان هذه المحاورة قبل الذهاب إلى المؤتمر. فما ~~كنت أظن أن وجود سقراط يصل في يوم من الأيام إلى أن يكون موضوع بحث، فضلا عن أن يكون ~~موضوع شك، بل فضلا عن أن يكون موضوع إنكار؛ ذلك لأن سقراط لم يعش في عصر جهل وبداوة، ~~ولا في أيام خرافة وأساطير، وإنما عاش في عصر علم وحضارة، وفي أيام تحقيق وتاريخ، ~~والناس مجمعون منذ أوائل القرن الرابع قبل المسيح على أن هناك آتينيا كان اسمه ms045 سقراط، ~~وكان معروفا طول حياته بالميل إلى الفلسفة والكلف بها، وكان ممتازا بأطوار حياته ~~الغريبة، ومناهج بحثه الجديدة. كان يمشي حافيا في الشوارع ويتلكأ في الميادين، متحدثا ~~إلى الشيوخ والشبان، متلطفا مع هؤلاء، محاورا مناقشا سائلا مجيبا، حتى استحدث في ~~الأدب اليوناني فنا جديدا، هو فن الحوار الفلسفي، وحتى رسم للعقل الإنساني طريقا ~~جديدة لم يقطعها العقل الإنساني بعد. الناس مجمعون على ذلك، ومجمعون على أن سقراط هذا ~~كان له خصوم وأنصار، وعلى أن خصومه حاربوه فسخروا منه، ثم اتهموه أمام المحكمة، وعلى ~~أنه أساء الدفاع عن نفسه عمدا، ثم سخر من القضاة فقضوا عليه بالموت، ثم انتظر الموت ~~شهرا، ثم شرب السم، وظل يحاور تلاميذه في خلود النفس حتى مات، ثم تفرق تلاميذه فأنشئوا ~~المدارس والمذاهب الفلسفية المختلفة في بلاد اليونان على اختلافها وتباعد أطرافها، وعاش ~~من هذه المذاهب مذهب واحد هو مذهب أفلاطون الذي أخذ يتطور ويستحيل حتى أنتج فلسفة ~~أرسطاطاليس، وكثيرا من المذاهب الفلسفية الأخرى التي لا تزال متاعا عاما للنوع ~~الإنساني إلى الآن. # الناس مجمعون على هذا كله، ولديهم أدلة ظاهرة تبيح لهم هذا الإجماع. فليس من شك في ~~وجود أرستوفان الممثل اليوناني المضحك، وليس من شك في أن أرستوفان قدم إلى الملعب ~~الآتيني نحو سنة 424 قبل المسيح قصة السحاب التي يتداولها الناس، والتي تدور حول سقراط، ~~وتتخذه وسيلة إلى تسلية الجمهور الآتيني وإضحاكه، وليس من شك في أن كتب التاريخ ~~اليونانية والرومانية ذكرت موجزة أو مطنبة قضية سقراط وموته والمذاهب الفلسفية التي ~~نشأت عن حواره ومناقشته، ليس من شك في هذا كله، ولكن الأستاذ «دوبريل» وجد طريقا إلى ~~الشك، وفي الحق أنه لم يخترع هذه الطريق، فهي موجودة من قبل، وفيها ما يبعث على الدهش ~~والحيرة. فمن الواضح أن أحدا لم يشك في وجود سقراط قبل الأستاذ «دوبريل»، ولكن من ~~الواضح أيضا أن المحدثين من مؤرخي الفلسفة عاجزون إلى الآن كل العجز عن تحقيق فلسفة ~~سقراط، وبيان ما كان له من مذهب في الأخلاق ms046 أو في غير الأخلاق. فهم يؤمنون بوجود سقراط ~~وبأنه أبو الفلسفة، ولكنهم لا يستطيعون أن يبينوا فلسفته. بل هناك ما هو أغرب من هذا: ~~لا يستطيعون أن يصفوا سقراط ولا أن يتميزوا شخصيته المعنوية. فلسقراط شخصيات كثيرة ~~تختلف باختلاف تلاميذه. فأفلاطون يعطي من سقراط شخصية تخالف تلك التي يعطيها ~~«كسنوفون # Xenophon ~~»، وهذه الشخصية تخالف ما يمكن ~~أن يستخلص من «فيدون # phedon ~~»، وكل هذه الشخصيات ~~تخالف ما نجد في قصة السحاب، وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يمنع من الشك في وجود ~~سقراط؟ وكيف نستطيع أن نتصور شخصا وجد من غير شك وكان أبا الفلسفة وملهم الفلاسفة، ~~وأحدث في العالم اليوناني خاصة والإنساني عامة ضجة هائلة أعدت العالم للضجة التي أحدثها ~~المسيح، دون أن نتميز شخصيته أو أن نتبين أصلا واضحا جليا من أصول فلسفته؟ # نعم، قد يجاب على هذا بأن سقراط لم يكتب شيئا، وإنما تحدث فاختلطت أحاديثه وعبث ~~بها تلاميذه، ومن هنا اختلطت شخصيته الفلسفية، وأصبح تميزها شيئا عسيرا، ولكن فلاسفة ~~كثيرين وجدوا قبل سقراط ولم يكتبوا، ومع هذا فقد تميزت شخصياتهم، مع أن فلسفتهم فشلت ~~ولم تظفر من الفوز ببعض ما ظفرت به الفلسفة التي تضاف إلى سقراط. هذا مصدر الشك في وجود ~~سقراط، وقد افتن فيه الأستاذ «دوبريل» ولم يكتف بتسجيله، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ~~هذا فأثبت أو حاول أن يثبت شيئين؛ الأول: أن شخص سقراط شخص خرافي كشخص «جحا»، كان موضوع ~~العبث والسخرية في قصص الممثلين، وأن الفلاسفة الذين جاءوا في أواخر القرن الخامس وفي ~~القرن الرابع قد اتخذوا هذا الشخص الخرافي - الذي هو موضوع السخرية والعبث - مثالا ~~للجد، ولكن للجد الحلو الذي هو أقرب إلى الفكاهة منه إلى الجد الخالص؛ ليحببوا فلسفتهم ~~إلى الناس. ثم أخذ هذا الشخص الهزلي قديما الجدي حديثا، يتطور في جده ويمعن في ~~فلسفته، حتى أصبح مثالا للجد الخالص، وأبا للفلاسفة، ورمزا للفلسفة، وحتى نسجت حوله ~~هذه الأسطورة الغريبة التي جعلته بطلا من أبطال الإنسانية. الثاني: أن فلسفة ms047 سقراط ~~ليست جديدة، ولم تنشأ كما يعتقد المؤرخون لمحاربة السوفسطائية، وإنما هي طور من أطوار ~~الفلسفة اليونانية القديمة، لم يستحدثها فيلسوف بعينه في عصر بعينه، ويثبت الأستاذ ~~«دوبريل» نظريته هذه بالرجوع إلى نظريات الفلاسفة اليونانيين قبل سقراط، وما يوجد فيها ~~من أصول الفلسفة السقراطية . هذه نظرية الأستاذ «دوبريل» أوجزتها إيجازا شديدا أخشى ~~أن يكون قد أفسدها وانتقص من أطرافها. # نهض لنقض هذه النظرية أستاذ فرنسي هو الأستاذ «لفيفر» من علماء مدينة «ليل»، وأعترف ~~بأني كنت معجبا بهذا الأستاذ حين كان يتكلم، ولم أكن منفردا بهذا الإعجاب، وإنما كان ~~أعضاء اللجنة جميعا - ومنهم الأستاذ «دوبريل» نفسه - يشاركونني فيه، ولم يكن مصدر هذا ~~الإعجاب فيما أظن اقتناعا بردود الأستاذ، وإنما كان مصدره قبل كل شيء حبنا لسقراط، ~~وحرصنا على أن يكون شخصا حقيقيا تاريخيا، وشعورنا بأن الأستاذ «لفيفر» يحاول أن ~~يثبت لنا وجود هذا الشخص الذي نحبه ونكلف له. الحق أن الوقت لم يسمح للأستاذ «لفيفر» ~~بمناقشة خصمه كما ينبغي؛ فهناك نصوص يونانية ولاتينية لم يكن بد من تحليلها ~~ومناقشتها، وذلك يحتاج إلى كتاب لا إلى محاضرة، وإلى أشهر لا إلى ساعة، ولكن هناك شيئا ~~يظهر أنه لا يقبل الشك، وهو أن الأستاذ «دوبريل» غلا في نظريته، وسلك فيها مسلك ~~الفيلسوف لا مسلك المؤرخ. فيجب أن نلاحظ أن سبيل المؤرخ تخالف سبيل الفيلسوف، وقد ~~تضادها مضادة كاملة فتذهب إحداهما إلى الشمال وتذهب الأخرى إلى الجنوب؛ ذلك لأن ~~الفيلسوف يخضع في فلسفته لقواعد معينة مرسومة في ذهنه، فمن المعقول جدا أن ينتقل من ~~مقدمة إلى مقدمة حتى يصل إلى النتيجة التي يسعى إليها، سواء أكان بحثه صحيحا أم غير ~~صحيح في نفسه. فإذا رأى الأستاذ «دوبريل» أن فلسفة سقراط تكاد تكون موجودة برمتها عند ~~الفلاسفة الذين تقدموه، وأن شخصية سقراط غامضة متناقضة عند تلاميذه وفيما تركوا من ~~الأسفار، وأن شخص سقراط كان موضوع العبث والسخرية عند الشعراء الممثلين، كان من اليسير ~~عليه أن يصطنع المنطق فينظم مقدماته ويرتبها حتى يصل إلى هذه النتيجة، ms048 وهي أن سقراط ~~شخص خرافي. هذه النتيجة مطمعة خلابة؛ لأنها تخرق الإجماع أولا، ولأنها تخيل إلى ~~صاحبها أنه قد رد الأمر إلى نصابه فأثبت اتصال الفلسفة ونفى انقطاعها، ولأنها بعد هذا ~~وذاك إن أفلحت كانت خليقة أن تخلد اسم صاحبها في تاريخ الفلسفة كما خلد اسم «ولف» في ~~تاريخ الأدب اليوناني. # هذه سبيل الفيلسوف، أما سبيل المؤرخ فمخالفة كل المخالفة لهذه السبيل، فهي لا تتبع ~~قوانين منطقية معينة، وإنما تتبع الحياة الإنسانية العملية. والحياة الإنسانية العملية ~~لا تزال تظهر لنا إلى الآن مختلفة مضطربة متناقضة؛ لأننا لم نوفق بعد إلى استكشاف ~~قوانينها الخفية. فمن المعقول جدا أن يظهر للفيلسوف شيء يراه منتظما منتجا ولا يقره ~~التاريخ، ومن المعقول أن يرجح المؤرخ شيئا لا يقره الفيلسوف، وليس في هذا شيء من ~~الغرابة. فالفيلسوف بطبيعته منكر لحياة الناس العاديين، يزدريها ويستخفها، والناس ~~العاديون منكرون لحياة الفلاسفة، يزدريها بعضهم ويكبرها أكثرهم، ولكنهم جميعا يرون ~~أنها تخالف أطوارهم وعاداتهم، ومن هنا وجد التناقض بين حياة الناس وفلسفة ~~الفلاسفة. # وسبيل التاريخ أن يبحث عن حياة الناس كما يحيونها لا كما يتصورها الفيلسوف. فليس ~~غريبا أن يؤمن المؤرخ بوجود سقراط، ويعجز في الوقت نفسه عن شخصيته وإزالة ما حولها من ~~الغموض. أضف إلى هذا أن هناك أشياء يخرج الشك فيها عن طور المعقول؛ فالعصر القديم ~~والقرون الوسطى والعصر الحديث لا تعرف قبل المسيو «دوبريل» نصا يشير إلى الشك في وجود ~~سقراط. بل هناك شيء آخر ذكره الأستاذ «لفيفر» وعجز الأستاذ «دوبريل» عن دحضه، وهو أن ~~قصة سقراط تصم الآتينيين بجناية منكرة، هي قتل هذا البطل العظيم ظلما وفي غير إنصاف، ~~والتاريخ يثبت أن الآتينيين كانوا يغارون على شهرتهم وحظهم من حسن الذكر. فكيف نتصور أن ~~هؤلاء الناس وصموا أنفسهم بهذه الوصمة؟ أو سكتوا عن الذين وصموهم بهذه الوصمة: عن ~~أفلاطون وكسنوفون وغيرهما من تلاميذ سقراط؟ ألم يكن معقولا أن يغضب الآتينيون لهذه ~~التهمة المنتحلة التي كان يستغلها أعداؤهم الكثيرون؟ هناك شيء آخر، وهو أننا إذا ~~استبحنا ms049 لأنفسنا الشك من غير حساب، لم ندر إلى أي حد ينتهي بنا الشك في التاريخ. فما ~~الذي يمنع الأستاذ «دوبريل» من أن يشك غدا في وجود أفلاطون، وبعد غد في وجود ~~أرسطاطاليس؟ ومن يدري! لعل شخص نابليون بعد زمن قليل أو كثير يصبح عند بعض الباحثين ~~شخصا خرافيا كشخص هوميروس أو كشخص سقراط عند الأستاذ «دوبريل»! # قلت لك إن سبيل المؤرخ تخالف سبيل الفيلسوف، وإن الأول يستطيع، بل يجب عليه أحيانا، ~~أن يقر ما ينكر الفيلسوف، وأن ينكر ما يقر الفيلسوف، ولقد انتقلت من هذه اللجنة إلى ~~لجنة أخرى هي لجنة تاريخ الديانات، وكنت غير مقتنع برأي الأستاذ «دوبريل»، فسمعت في هذه ~~اللجنة الثانية أحد أساتذتي وهو الأستاذ «جينيبير» يتكلم، ورأيت الناس من حوله في هرج ~~ومرج، ووددت حين سمعت ما كان يقول لو حضر الأستاذ «دوبريل»؛ ذلك لأن الأستاذ «جينيبير» ~~كان يعلن مبتسما ساخرا أن أعداء التاريخ ثلاثة: عالم الدين، ورجل القانون، والفيلسوف. ~~ضحك ناس وسخط ناس واحتج آخرون، أما أنا فضحكت ولم أسخط ولم أحتج، وإنما هنأت الأستاذ، ~~وهنا أعتذر إلى علماء الدين وإلى رجال القانون، وأسأل صديقي منصور عن رأيه في هذا: أحق ~~أن الفيلسوف عدو للتاريخ؟ # باريس في 20 أبريل سنة 1923 # 5 # فكرت في مصر، وفي نص الدستور على السودان، وفي وزارة الشعب، وفي الوزارة القائمة يوم ~~الثلاثاء 10 أبريل، حين كنت أسمع بعد الظهر في جلسة عامة للمؤتمر خطبة قيمة دقيقة ممتعة ~~كان يلقيها الأستاذ الفرنسي «بريمون». كانت الخطبة قيمة ممتعة؛ لأنها كانت تفسر لنا ~~لغزا من ألغاز التاريخ - الفرنسي الإنجليزي - وتوضح لنا ألقابا وعنوانات نجدها في ~~نصوص السياسة الخارجية الفرنسية والإنجليزية قبل الثورة الفرنسية، وكانت دقيقة لذيذة؛ ~~لأنها كانت تلقى بمحضر من قوم مختلفين يمثلون أمما مختلفة، وبمحضر كثير جدا من ~~الإنجليز وكثير جدا من الفرنسيين، وكان الذي يلقيها فرنسيا، وكان رئيس المؤتمر ~~حينئذ إنجليزيا، والناس يذكرون ما بين فرنسا وإنجلترا من خلاف ومشادة ومنافسة في ~~الشرق والغرب؛ فلم يكن بد للأستاذ الفرنسي ms050 من أن يصطنع الدقة والتلطف وحسن المدخل حتى ~~لا يؤذي أولئك ولا يهيج هؤلاء. ولا تقل كان المؤتمر علميا والعلماء فوق السياسة، ~~فسأحدثك في غير هذا المقال بما يثبت لك أن العلماء ليسوا فوق السياسة، وأنهم كغيرهم من ~~الناس يخضعون للعاطفة الوطينة ويندفعون معها، والفرق بينهم وبين العامة أنهم يجتهدون في ~~أن يزنوا هذا الاندفاع، وألا يضحوا بالعلم في سبيل السياسة، وقلما يوفقون، ولكني ~~أثنيت على الخطبة، وأطلت الثناء، ولم أحدثك بموضوعها. # كان موضوع هذه الخطبة لقبا من ألقاب ملك إنجلترا؛ فقد كان ملوك إنجلترا يلقبون ~~أنفسهم بهذا اللقب؛ وهو «ملك فرنسا»، وكانوا يصطنعون هذا اللقب، ويحرصون عليه الحرص كله ~~في علاقاتهم السياسية بملوك فرنسا. ولم يكن ملوك فرنسا يستطيعون أن يصطنعوا هذا اللقب. ~~فكانوا يلقبون أنفسهم بأصحاب الجلالة المسيحية جدا. وحاول لويس الرابع عشر أن يحمل ~~ملوك إنجلترا على أن ينزلوا عن هذا اللقب فلم يفلح، ولم يفلح بعده لويس الخامس عشر، ~~وغريبة جدا الحيل التي كان يتخذها المندوبون السياسيون للويس الرابع عشر وللويس ~~الخامس عشر، ليمحوا هذا اللقب من ألقاب الإنجليز، أو ليخفوه، دون أن يوفقوا، حتى لقد ~~حاول بعضهم أن يمحو هذا اللقب من النص الفرنسي لمعاهدة بين البلدين على أن يبقى في النص ~~اللاتيني؛ لأن الجمهور يقرأ النصوص الفرنسية ولا يقرأ النصوص اللاتينية، فلم يفلح، ~~وحتى لقد كان أحد ملوك إنجلترا منفيا مخلوعا، وكان يأوي إلى فرنسا، وكان ضيفا على ~~لويس الرابع عشر، وكان لويس الرابع عشر يحميه ويدفع عنه، وكان مع ذلك يلقب نفسه ملك ~~فرنسا، ولم يوفق الفرنسيون إلى محو هذا اللقب من ألقاب ملوك الإنجليز إلا أيام الثورة، ~~أو بعبارة أصح: أيام القنصلية. فقد اشتد الخلاف بين مفوضي الجمهورية الفرنسية ومفوضي ~~المملكة الإنجليزية حول هذا اللقب، وكانت حجة الفرنسيين أن الثورة قد ألغت الملكية من ~~فرنسا، فهي لا تعترف بلقب يخيل أن لفرنسا ملكا، كائنا من كان، سواء أكان هذه الملك ~~فرنسيا أم غير فرنسي، وسواء أكان ملكا حقا أم لفظا، وأن الإنجليز ms051 الذين يريدون أن ~~يعترفوا بالجمهورية يجب عليهم - ليكونوا منطقيين مع أنفسهم - أن يمحوا هذا اللقب من ثبت ~~الألقاب الملكية. وأبى الإنجليز ذلك، فانقطعت المفاوضات، واستؤنف الجهاد بين البلدين. ~~فلما كانت القنصلية، وظهر الميل إلى الصلح بين الإنجليز والفرنسيين، وأخذ الساسة في ~~البلدين يوطئون لمعاهدة «أميان» # amiens ~~، أحس الإنجليز ~~أنهم إذا لم ينزلوا عن هذا اللقب فستنقطع المفاوضات، وأحسوا في الوقت نفسه أنهم إن ~~نزلوا عن هذا اللقب بمقتضى مفاوضات بينهم وبين فرنسا، كان هذا النزول انتصارا لفرنسا ~~وخزيا وطنيا للإنجليز. فانتهزوا فرصة ضم إرلندا إلى المملكة الإنجليزية، وصدر آخر ~~ديسمبر سنة 1800 مرسوم ملكي يعلن أن ملك إنجلترا سيلقب من أول يناير سنة 1801 ملك ~~«بريطانيا العظمى وإرلندا»، ولم يذكر اللقب الذي كان عليه الخلاف؛ وهو ملك فرنسا. وبهذا ~~محي هذا اللقب ولم يحتج الفرنسيون إلى أن يفاوضوا في محوه، ولم يحتج الإنجليز إلى ~~أن ينخذلوا في المفاوضة. ولكن هذا لم يمنع المؤرخين الإنجليز من أن يعترفوا في أواسط ~~القرن الماضي بأن هذا النزول كان خزيا وطنيا وامتهانا لكرامة التاج. # ذكرت مصر، وذكرت نصوص الدستور على السودان، وذكرت تلقيب ملك مصر بأنه ملك السودان، ~~وذكرت هذه السهولة التي أظهرتها وزارة مصرية في النزول عن هذا اللقب، ولو إلى أجل. ذكرت ~~ذلك فاستخزيت لوزارتنا، ومن ذا الذي يذكر هذا ولا يستخزي؟! جاهدت إنجلترا قرونا ~~لتحتفظ بلقب لا خير فيه، فلم يكن ملك إنجلترا ملكا لفرنسا أيام لويس الرابع عشر، بل ~~كان ملك إنجلترا يخشى ملك فرنسا، ومع هذا كان يلقب نفسه ملك فرنسا. لم يكن هذا اللقب ~~مفيدا، بل كان مضحكا، ومع ذلك لم تنزل عنه إنجلترا إلا حين اضطرت اضطرارا شديدا إلى ~~النزول عنه. أما نحن - أستغفر الله! - أما وزارتنا فقد نزلت عن هذا اللقب: «ملك ~~السودان»، وهي تعلم أنه ليس لقبا لفظيا، وهي تعلم أنه لقب يمثل الحق والعدل ~~والقانون، وأن الاحتفاظ به احتفاظ بحق مصر، والتفريط فيه تفريط في حق مصر. نزلت عنه ~~ولما تضح في الاحتفاظ به ms052 بالقليل ولا بالكثير. نزلت عنه لأن ممثل إنجلترا قطب ~~جبينه ولوى وجهه. ذكرت هذا كله وذكرت جهاد الإنجليز في الاحتفاظ بلقب سخيف، ثم إصرارهم ~~على ألا تحتفظ مصر بلقب هو كما قلت مثال الحق والعدل والقانون. استخزيت لوزارتنا وسألت ~~الله أن يمنح مصر ساسة يستطيعون أن يقاوموا ساسة الإنجليز! ثم سمعنا خطبتين؛ إحداهما عن ~~نقوش يونانية استكشفت في آسيا الصغرى ألقاها عالم إنجليزي، والأخرى عن أثر الخرافات ~~والنبوات في سياسة الجمهورية الرومانية ألقاها عالم بولوني. # ثم انصرفنا إلى القصر، وكانت الساعة الخامسة من هذا اليوم قد ضربت موعدا لمثول ~~أعضاء المؤتمر بين يدي الملك والملكة، فرأيت في هذا القصر أشياء كثيرة تركت في نفسي ~~آثارا قوية. رأيت قبل كل شيء مظهرا من مظاهر حب العلم والتهالك عليه والافتنان في ~~نصره، ومظهرا من مظاهر الوطنية الصادقة القوية، ومظهرا من مظاهر إجلال أوروبا ~~لعلمائها وإكبارها لمكانتهم ومفاخرتها بهم، وكان الذي يمثل هذه المظاهر رجلا شيخا ~~فانيا قد تجاوز السابعة والثمانين، وانحنى على العصا فما يستقيم له ظل، وانحلت قواه ~~فما يمشي إلا متثاقلا، وما يكاد يستقل بنفسه، فهو محتاج أبدا إلى من يعتمد عليه، وكان ~~مبتسما، وكان فرحا، وكان يتلطف في الحديث إلى كل من ذهب يحييه، وقد ذهبنا كلنا نحييه، ~~وكان وحيدا؛ أي لم يكن يمثل بلده سواه، وكان جالسا على كرسي في ناحية من نواحي ~~البهو الذي كنا ننتظر فيه وقوفا أن يؤذن لنا بتحية الملك. هذا الشيخ الذي كانت تحوطه ~~بلجيكا، والذي كان يرعاه المؤتمر كله، هو الأستاذ «شميت» # Schmidt ~~، أقبل من كوبنهاجن يمثل الدنمارك في ~~المؤتمر، وألقى في لجنة الشرق خطبة عن مقدار علم المصريين القدماء بتاريخ مصر القديم، ~~فكان لخطبته فوز، وتحدثت بها صحف بلجيكا. ذهبت إلى هذا الرجل فحييته وشكرت له عنايته ~~بتاريخ مصر. فما أشد ما أثرت فيه تحيتي وشكري! وما أحسن ما أظهر ميله إلى مصر، ~~وإعجابه بمصر، وأمله في مستقبل مصر! # أذن لنا في الدخول، ورتبنا حسب أحرف الهجاء. فدخل أعضاء المؤتمر البلجيكيون، ms053 ثم ~~ممثل البرازيل، ثم الشيخ الفاني ممثل الدنمارك، وكنا اثنين يمثلان مصر، وكانت زوجتي ~~تصحبني، وكنا وراء هذا الشيخ، فسمعنا تحية الملك له، وسمعناه يتحدث بكلام كثير إلى ~~الملك لم نفهم منه شيئا، ولم يفهم الملك منه شيئا؛ لأن الرجل متقدم في السن فهو لا ~~يكاد يبين إذا تكلم الفرنسية. ثم أراد الرجل أن ينصرف فزلت قدمه وكاد يسقط، ثم صافح ~~الملكة وأراد أن ينصرف وكاد يسقط، ولولا أن كبير الأمناء كان يسنده لهوى إلى ~~الأرض. # مررنا أمام الملك والملكة فصافحنا الملك، وأعلن إلينا أنه سعيد برؤية مصري، وأن ~~الملكة كانت سعيدة جدا بما أظهر المصريون لها من الكرم وحسن الضيافة، وصافحتنا ~~الملكة فأعلنت إلينا اغتباطها بهذه السياحة البديعة التي ساحتها في هذا البلد الذي ليس ~~له مثيل. ثم مرت بعدنا إنجلترا فذكرت أنا مستقلون، وأنا لا نتبع تركيا، وأنا لا نتبع ~~إنجلترا، وأن تصريح 28 فبراير ليس لغوا ولا حديثا من الأحاديث، وإنما هو حقيقة واقعة ~~ليست عبثا بالعقول كما يظن كثير منا في مصر. # خرجنا من غرفة الاستقبال، وكنت أظن أن لم يبق لنا إلا أن ننصرف، ولكني دهشت حين وجدت ~~نفسي في غرفة قد مدت فيها الموائد، ووقف خدم القصر يقدمون إلى أعضاء المؤتمر الشاي ~~وأنواع الحلوى والأشربة (التي يبيحيها الإسلام)، وإنا لفي شاي وحلوى وبرتقال يتبع بعضنا ~~بعضا، كلما فرغت طائفة من تحية الملك تقدم إليها الخدم فسألوها عما تشتهي، حتى انتهت ~~المقابلة. # أقول إنا لفي هذا كله وإذا بالملك والملكة والأمراء قد خرجوا من غرفة الاستقبال ~~واختلطوا بالناس، وانبثوا في أنحاء الغرفة يتحدثون إلى المؤتمرين مع شيء من السذاجة ~~وارتفاع الكلفة غريب، وكان الرئيس البلجيكي للمؤتمر الأستاذ «بيرين» # pirenne # يتتبع كبار العلماء وذوي المكانة منهم ~~فيقدمهم إلى الملك مرة، وإلى الملكة مرة أخرى، وكان المؤتمرون البلجيكيون يتتبعون بقية ~~الأعضاء فيقدمونهم حينا إلى ولي العهد وحينا آخر إلى أخيه وحينا آخر إلى أخته، وقد ~~قدمت أنا وزوجي إلى هذه الأميرة الصغيرة، وهي فتاة في الثامنة عشرة ms054 من عمرها، مشرقة ~~يتحدث وجهها بما يملؤها من قوة الشباب، وبما لا يزال يملكها من سذاجة الطفولة ونعومتها، ~~في زي ساذج عادي، كالذي تصطنعه الفتيات في أسر الطبقات الوسطى في أوروبا وفي مصر. ~~قدمنا إليها على أننا نمثل مصر، وقال مقدمنا إننا نمثل بلدا غريبا لا لما تتكشف ~~عنه المباحث العلمية من عجائب تاريخه القديم، بل لما يبهر عقول الأوروبيين من حركته ~~المدهشة ونهضته السريعة التي بدأت منذ سنين فقطعت في زمن قصير ما أفنت أوروبا في قطعه ~~طوال الأعوام. فسألت الأميرة زوجي عن المرأة المصرية ومقدار رقيها، وإن زوجي لتصف لها ~~سرعة رقي المرأة المصرية إذ أقبلت سيدة بولونية عالمة مؤرخة من أعضاء المؤتمر، فاندفعت ~~إلى الأميرة دون أن تقدم إليها، ودون أن تستأذن، ثم أسرعت إلى يد الأميرة فهزتها ~~هزا عنيفا، وسألت الأميرة بصوت غليظ: أتحبين التاريخ؟ أجابت الأميرة في استحياء: نعم ~~يا سيدتي. وأي فرع من فروع التاريخ تحبين؟ بهتت الفتاة لحظة، ثم قالت: إني لم أحسن درس ~~التاريخ ولا أعلم منه إلا قليلا، فلا أستطيع أن أوثر فرعا من فروعه دون الآخر. ضحكت ~~السيدة ضحكا عاليا، ثم هزت يد الأميرة هزا عنيفا، وقالت في صوتها الغليظ: ادرسي ~~تاريخ الفن فهو سهل والناس جميعا يستطيعون أن يفهموه. ثم مضت لشأنها. وقدم إلى ~~الأميرة ناس آخرون، ولبثنا كذلك ساعة، ثم انصرف الملك والملكة والأمراء، فانصرف كل ~~منا إلى مأواه. # عرفت في هذه المرة أيضا لم يحب البلجيكيون ملكهم وملكتهم وأمراءهم، وكيف لا أفهم ~~ذلك وقد أقبل من قدمنا إلى الأميرة فصاح بي: مسيو حسين، تعال أقدمك إلى أميرتنا ~~الصغيرة. وكيف لا أفهم ذلك وقد سمعت الأستاذ «بيرين» يصيح بأعلى صوته: «برنس ليو بولد! ~~أين البرنس ليو بولد؟ أين ذهب؟ إني أريد أقدم إليه ...» فيجيبه أحد البلجيكيين: «ها هو ~~ذا يتحدث إلى فلان»، فيذهب الأستاذ «بيرين» ويمهل الأمير حتى إذا فرغ من حديثه أخذ ~~بذارعه ومضى حتى يقدمه إلى أحد العلماء، والملكة تتنقل بين صفوف المؤتمرين فتتحدث إلى ~~هذا، ms055 وتسأل ذاك، وتبسم لهذا، وتصافح ذاك. # كيف لا أفهم حب البلجيكيين لملكهم وملكتهم وأمرائهم وهم على هذا الحظ من ~~الديمقراطية؟ # ألا إننا في عصر تنتصر فيه الديمقراطية انتصارا مدهشا، لا تستقر في مجالس النواب ~~ولا في مجالس الشيوخ، وإنما تتجاوز هذه المجالس إلى قصور الملك، فينزلها هؤلاء الملوك ~~من قصورهم أحسن منزل؛ لأنهم يفهمون أن عروشهم لا تستطيع أن تقوم إلا عليها، لأنهم ~~يفهمون أن نظام الملك قد أصبح لا يلائم هذا العصر؛ لأنه أثر قديم لا معنى له الآن إلا ~~إذا لم يكن بين الملوك ورؤساء الجمهوريات فرق ما. إلا إذا اعتمدت عروش الملوك على قلوب ~~الشعب لا على قوة الجيش ولا على قوة السنة القديمة. # فهم بعض ملوك أوروبا هذا فاستقرت عروشهم، ويظهر أنها تريد أن تستقر أبدا، ولم يفهمه ~~بعضهم الآخر، فهم الآن يذوقون مرارة النفي على شواطئ بحيرة «ليمان» # leman # في سويسرا. # باريس 25 أبريل سنة 1923 # 6 # أصبحنا يوم الأربعاء 11 أبريل فتفرقنا لا في أنحاء بروكسل بل في أنحاء بلجيكا؛ ذلك ~~أن الذين أشرفوا على تنظيم المؤتمر لم يفكروا في جمع المؤرخين من أقطار الأرض وإيجاد ~~الصلة بينهم وتمكينهم من أن يعلم كل منهم ما عند صاحبه من التاريخ، وإنما فكروا مع ذلك ~~في شيئين آخرين، وإن شئت فقل في أشياء أخرى: فكروا في أن البحث العلمي الجاف ثقيل حتى ~~على أنفس العلماء، ولا بد من أن يتخلل بحثهم العلمي شيء يسر ويرضي ويفيد، دون أن تكون ~~الصلة منقطعة بين هذا الشيء وبين البحث العلمي الذي يشتغل به العلماء، وأي شيء ألذ ~~وأنفع وأشد صلة بالتاريخ من زيارة الآثار التاريخية المختلفة التي تنبث في جميع أنحاء ~~بلجيكا بكثرة مدهشة؟ ولا سيما إذا لم تكن هذه الآثار تاريخية فحسب، بل كانت مع ذلك آيات ~~بينات من آيات الفن الجميل على اختلافه. # فكر البلجيكيون في ذلك، وفكروا في شيء آخر، وهو أن بلدهم يخرج من حرب ضروس قد ~~أخضعته لضروب من المحن والحرمان لم يعرفها قبل ms056 هذه الأعوام الأخيرة، وهو الآن يجتهد في ~~إصلاح ما أفسدت الحرب، وهو محتاج في هذا الإصلاح إلى عطف الأمم على اختلافها، ومن هنا ~~كان محتاجا إلى نشر الدعوة وبعث عواطف الإعجاب والإجلال والإشفاق. والفرصة سانحة، ~~فالمؤتمر يمثل أكبر أمم الأرض، وأعضاء المؤتمر من خيرة الذين يمثلون الأمم؛ لأنهم علماء ~~وكلهم أستاذ أو مؤلف، وإذن فكلهم قادر على نشر الدعوة ، ماهر فيه، وإذن فلا بد من ~~التأثير في هؤلاء العلماء، وإحياء هذه العواطف المختلفة في نفوسهم، وأي سبيل أهدى إلى ~~ذلك من زيارة الآيات الفنية البينة؟! أضف إلى هذا أن تفرق المؤتمرين في أنحاء بلجيكا ~~لا يخلو من فائدة اقتصادية في بلد ساء القطع فيه واشتد فيه غلاء الحياة. فكثير جدا ~~من المؤتمرين قد وفدوا من بلاد غنية مثرية، فهم يستطيعون أن ينفقوا عن سعة، دون أن ~~يخسروا كثيرا، وبلجيكا في حاجة إلى أن ينفقوا، وليس ينبغي أن يقتصر إنفاقهم على مدينة ~~بروكسل، فهناك مدن بلجيكية أخرى تحتاج إلى هذا الإنفاق. وإذن فيحسن أن يتفرق المؤتمرون ~~في أنحاء بلجيكا لينتفعوا هم، ولتستفيد بلجيكا من الوجهة المادية والمعنوية. لهذا كله ~~خصص الذين نظموا المؤتمر يوم الأربعاء 11 أبريل لسياحات تاريخية أو أثرية أو فنية، ~~وعينوا مدنا مختلفة يختارها من شاء من المؤتمرين، وندبوا في كل مدينة أستاذا أو ~~أساتذة يقودون المؤتمرين ويرشدونهم ويفسرون لهم ما يرون، فذهب بعض المؤتمرين إلى مدينة ~~«بروج» # Bruges # وبعضهم إلى «جان» # Gand # وبعضهم إلى «لييج» # Liege # وآخرون إلى «أنفرس» # Anvers ~~، وكثير إلى المدينة الشهيدة المعذبة مدينة ~~«لوفان» # Louvin ~~. # وكنا بين الذين ذهبوا إلى «بروج»، فوصلنا إلى هذه المدينة في الساعة الثامنة من صباح ~~يوم صحو قد صفت فيه السماء، وانتشرت فيه الشمس الفاترة على هذه المدينة المشرفة على ~~الموت، والتي أزهرت في القرون الوسطى إزهارا لم تعرفه مدينة بلجيكية أخرى، والتي لا ~~تكاد تقع فيها العين على شيء حديث، وإنما كل شيء فيها قديم. كل شيء فيها يرجع عهده إلى ~~القرن العاشر والحادي عشر، وأحدث ما فيها ms057 يرجع عهده إلى القرن السادس عشر. مدينة هادئة ~~مطمئنة لا تكاد تحس حركة ولا اضطرابا إلا ما يحدثه الترام على هذه الأرض التي لم ~~يصطنع فيها «الأسفلت ولا المكدام»، وإنما حجرت على طريقة القرون الوسطى. فالمشي فيها ~~شاق متعب مهلك للأحذية، وللترام والعربات فيها ضجيج شديد. مدينة هادئة مطمئنة فقيرة ~~جدا ولكنها غنية جدا؛ فقيرة لأن الحياة الاقتصادية الحديثة صرفت عنها الحركة ~~التجارية والصناعية، وغنية بما فيها من آثار الفن، وبما فيها من مصادر التاريخ. فقيرة ~~غنية، فأهلها يعيشون من الأجانب كما حدثنا الأستاذ الذي كان يرشدنا إلى الآثار في هذه ~~المدينة. مدينة هادئة مطمئنة لا تكاد تشعر بأنها تعيش في القرن العشرين؛ لأنك لا تنظر ~~فيها إلا إلى شيء قديم. فهي مدينة خليقة حقا بأن يعيش فيها من يكلف بالتاريخ، ومن ~~يكلف بالفن على اختلاف ضروبه بنوع خاص. كل شيء في هذه المدينة يحببها إلى المؤرخ، ~~ويحببها إلى الفني، ويحببها إلى الشاعر؛ لأنها كلها آثار، ولأنها كلها فن، ولأنها كلها ~~شعر، وهي إلى هذا كله من الهدوء والطمأنينة والدعة بحيث يستطيع المؤرخ والفني والشاعر ~~أن يستمتع فيها بتاريخه أو فنه أو شعره دون أن تصرفه عما يحب جلبة الحياة أو ضوضاء ~~الأحياء. # تلقانا في هذه المدينة مدير المحفوظات وعالم آخر من علماء الآثار، وكنا نحو الخمسين، ~~فقضينا اليوم كله على أقدامنا واقفين أمام مشهد من المشاهد، أو منطلقين من هذا المشهد ~~إلى مشهد آخر. نخرج من كنيسة إلى كنيسة، ومن دار إلى دار، ومن متحف إلى متحف، ونحن ~~عجلون؛ لأننا لن نجد من الوقت ما يمكننا من أن نشهد كل شيء، أو أن نحقق النظر في شيء، ~~وإنما نمر سراعا أمام الأشياء كأننا في دار الصور المتحركة، إلا أننا نحن الذين ~~يتحركون بينما الصور هادئة مستقرة في أماكنها. قضينا اليوم كله على الأقدام إلا ثلاث ~~ساعات قضينا إحداها في الفندق للغداء، وأؤكد لك أن أصحاب هذا الفندق عرفوا أننا أجانب ~~وعرفوا كيف يستفيدون من هؤلاء الأجانب، وأؤكد لك أنهم ms058 حمدوا للذين نظموا المؤتمر هذه ~~الفكرة التي حملتهم على أن يرسلوا بعض المؤتمرين إلى مدينتهم. # يظهر أنه لم يكن هناك ماء للشرب، فكنت مضطرا إلى أن تشرب النبيذ أو الجعة أو الماء ~~المعدني، وكل هذا يباع ويشرى، وأؤكد لك أن ثمنه ليس بالبخس ولا بالقليل؛ فزجاجة الماء ~~المعدني لم تكلفنا أقل من ثلاثة فرنكات، ولم نخرج من الفندق حتى أنفقنا أنا وزوجي خمسة ~~وأربعين فرنكا ، ولم يكن الطعام رديئا ولكنه لم يكن من الجودة بحيث يستأهل هذا الثمن ~~الباهظ. قضينا ساعة في الفندق، وقضينا ساعتين أخريين أحسبهما من أسعد ساعات الحياة، ~~قضيناهما في زوارق صغيرة طافت بنا حول المدينة. ذلك أني أنسيت أن أنبئك بأن «بروج» ~~تسمى «فينيس» الشمال؛ لأن الماء يتخللها في جميع أنحائها، ولأنك تصطنع فيها الزوارق كما ~~تصطنع العربات في مدينة أخرى، ولست أدري ماذا تنتج المقارنة بين مدينة «فينيس» ومدينة ~~«بروج»، فكلتا المدينتين غنية بآثارها، وكلتا المدينتين غنية بجمال منظرها وحسن موقعها ~~الطبيعي، ولكني أحسب أن الذي يبحث عن الهدوء والدعة، ويريد أن يستمتع بالجمال والفن في ~~غير اضطراب، إنما يجد ذلك في هذه المدينة الشمالية الميتة أو التي توشك أن تموت. في هذه ~~المدينة التي لا تمنحها الشمس حظها من الضوء إلا بمقدار، والتي يكاد الضباب يجللها ~~دائما فيمنحها شيئا من الروعة والجلال ما أحسب أنك تجدهما في «فينيس»، وإن وجدت ~~مكانهما هذا الجمال المبتهج المشرق الذي تمتاز به مدن الجنوب. # لقد أريد أن أحدثك عما في هذه المدينة من الآثار ومن آيات الفن، ولكني عاجز كل العجز ~~عن هذا، وأحسبك لا تجهل مصدر هذا العجز، وبم أحدثك؟ لقد زرنا آثارا كبيرة، وسمعنا ~~دروسا قيمة، ولو أني ذهبت أحدثك بما سمعت أو بما وصف إلي في أثر من الآثار أو صورة ~~من الصور، لاحتاج ذلك إلى مقال طويل، وأنا بعد أريد أن أجتزئ وأن أفرغ من نبأ ~~المؤتمر. # في هذه المدينة أجمل ما في بلجيكا من نماذج العمارة في القرون الوسطى، وفيها أجمل ما ~~في ms059 بلجيكا من نماذج التصوير في القرن الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر، وفيها إلى ~~هذا آثار مختلفة تمكن المؤرخ من أن يتصور كيف كان يعيش أهل بلجيكا في القرون الوسطى. ~~زرنا قصرا قديما يسمى قصر «جريتوس»، فإذا القصر نفسه أثر من أبدع آثار القرون الوسطى، ~~ولكن ما في القصر أبدع وأجمل، فقد اجتهدت المدينة في أن تحول قسما منه إلى متحف نظمت ~~فيه الأدوات المنزلية كما كانت منظمة في القرون الوسطى. فإذا زرت هذا المتحف عرفت كيف ~~كان أهل البيت يجتمعون إلى طعامهم، وكيف كانوا يعدون هذا الطعام، وكيف كانوا يجتمعون ~~إلى سمرهم، وماذا كانوا يتخذون في حياتهم من أداة ومتاع. وأجمل ما في هذا القصر من ~~المعروضات «الدنتلا»، فقد عرضت منها ضروب غيري أقدر على أن يصفها، ولكني أعلم أنها بهرت ~~المؤتمرين جميعا، ولم يكن إعجاب السيدات بها أشد من إعجاب الرجال. # ذكرت الزوارق والطواف حول المدينة، ولكني لم أذكر - ويظهر أني لن أستطيع أن أذكر - ~~أثر هذا الطواف في نفسي وفي نفس غيري من المؤتمرين. يكفي أن تتخيل هذه الأقنية الضيقة ~~تخترق المدينة في جميع أرجائها، وقد قامت على جنباتها هذه الأبنية الجميلة الجليلة، ~~واصطفت على شواطئها الخضراء أشجار طوال تكاد أغصانها تقبل الماء من مكان إلى مكان، ~~وانبعث على هذه الشواطئ وخلال هذه الأشجار أطفال كثيرون يلعبون ويمرحون ويبسمون للحياة، ~~وقد عقدت على هذه الأقنية من مكان إلى مكان جسور بديعة قديمة لم يغير منها شيء، ~~وما أنس لا أنس صوت الملاح يصف لنا ما كنا نمر به من الأبنية والعمارات، ثم يقطع وصفه ~~من حين إلى حين بهذه الكلمة: «رءوسكم أيها السادة»؛ ذلك لأنا كنا نقارب جسرا من ~~الجسور، فكان يجب أن نحني رءوسنا حتى لا تصطدم بالعقد. # أشد شيء أثر في نفسي هو إعجاب أهل «بروج» بمدينتهم ومفاخرتهم بما فيها من جمال، ~~وحرصهم على أن يظهروا دقائق هذا الجمال للأجنبي حتى لا يفوته منه شيء، وابتهاجهم حين ~~يرون إعجاب الأجنبي، وحين يسمعون ثناءه وتقريظه، وهم ms060 في ذلك كله سواء. ليس هناك فرق بين ~~الأستاذين اللذين كانا يصحباننا وبين الملاحين الذين كانوا يطوفون بنا حول المدينة. ~~بل ماذا أقول؟ لقد كنا في أحد المتاحف، وكان الأستاذ يصف لنا بعض الآثار، ولست أخفي ~~عليك دهشي وإعجابي حين رأيت الأستاذ يخطئ في تاريخ من التواريخ أو في شيء من الأشياء ~~فينبهه إلى خطئه حارس من حرس المتحف، ويقبل الأستاذ منه ذلك راضيا شاكرا . ولقد كنت ~~أذكر أثناء هذا متحفنا المصري وجهل المصريين بما في ذلك المتحف، ولقد كنت أقارن مع شيء ~~من الاستحياء كثير بين حرس المتاحف البلجيكية وزملائي من الأساتذة المصريين، فلم تكن ~~المقارنة مرضية، ويظهر أنها لن تكون مرضية قبل زمن طويل، قبل أن يمن الله على مصر برجال ~~في وزارة المعارف يفهمون العلم والتعليم، ويقدرونهما ويقدرون الحاجة إليهما، ويشعرون ~~بأن مناصبهم ليست مقصورة على تدبير الأموال وتدبير الألعاب الرياضية. # شيء آخر دهشت له وأعجبت به، هو وطنية هؤلاء الناس، كنت لا أكاد أشك في أن أحد ~~الأستاذين اللذين كانا يصحباننا مجنون أو قريب من الجنون؛ ذلك لأنه كان لا يتحدث إلينا ~~إلا متأثرا ثائرا شديدا فرحا مرة حتى يبلغ الضحك، ومحزونا مرة أخرى حتى يبلغ ~~البكاء. ولست أغلو، فقد كان الأستاذ يضحك ويبكي، وكنا في عجب من أمره، ثم علمنا أنه عاش ~~في مدينته أثناء الحرب، وأنه كان بطلا من أبطال هذه المدينة، وأنه جاهد جهادا عنيفا ~~ليحتفظ بآثار هذه المدينة وآياتها من غارات الألمانيين الذين كانوا يريدون أن يستأثروا ~~بكل شيء. ولقد أثر في نفسي صوت هذا الرجل حين كان يقول لنا: «تعالوا أيها السادة إلى ~~الميدان الكبير، فستسمعون فيه صوت جرسنا العتيق الذي لا يجهله مؤرخ، واذكروا أيها ~~السادة حين تسمعون صوت هذا الجرس أني أنقذته في آخر لحظة حين كان الألمان يريدون أن ~~يرسلوه إلى المسبك.» ذهبنا إلى الميدان الكبير وسمعنا صوت الجرس: صوتا يملأ المدينة، ~~وليس في ذلك غرابة، فهو قد أنشئ لذلك. سمعنا صوت الجرس يوقع ألحانا موسيقية مختلفة، ~~وإننا ms061 لكذلك وإذا الرءوس حاسرة؛ لأن الجرس كان يوقع النشيد البلجيكي، وإذا الأستاذ ~~ينتحب ويقول في صوت متهدج: «معذرة أيها السادة، فإني بلجيكي.» ولم يكن الأستاذ يبكي ~~وحده وإنما بكى معه بعض المؤتمرين. # باريس في 5 مايو 1923 # 7 # عدنا إلى العمل صباح الخميس 12 أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن ~~الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ ~~لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» # Louis Massinion ~~، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة ~~طويلة حادة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد ~~الدينية عند المسلمين»، والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المحاضر، وإن كنت قد ~~اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض لأنه لم يكن بينا، ولأن أساس البحث الذي ذهب ~~إليه المحاضر خطأ فيما أعتقد، فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على ~~مهارتهم وحسن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها، يخطئون في فهم هذه اللغة أحيانا، ~~ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء. لم أفهم الغرض ~~الذي رمى إليه الأستاذ وأحسب أن كثيرا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد ~~تناقشنا كثيرا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير تصوف في ~~تكوين العقائد الدينية عند المسلمين. # فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي ~~أثر خالص من آثار العرب، أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى. أما ~~الأستاذ ماسينيون فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيا خالصا، ~~وأن ما يمكن أن نجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يؤخذ عن هذه الأمم، وإنما هي ~~المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف ~~البيئات. فليس حتما إذا فكر العربي كما فكر اليوناني أن يكون اليوناني والعربي ms062 قد فكرا ~~بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا ~~عن غيرهم هذه النظرية أو تلك. # هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن، بل إنه واقع، بل إن هناك ~~نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذتها عن الأخرى، ولكن إمكان ~~الشيء غير وجوده بالفعل، وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض، فذلك شيء قد ~~يكتفي به الفلاسفة والمفكرون. فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة، ولا يلجئون إلى ~~الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرا مؤقتا حتى يتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة ~~التي تفسر ما لديهم. فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية توافق ما رأينا عند ~~اليونان أو عند الفرس، كان لنا أن نفترض توارد الخواطر، وكان لنا أن نفترض الأمرين ~~جميعا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك، وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة ~~التاريخ، وليس يجب أن نجد النص التاريخي الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن ~~اليونان أو عن الفرس لننفي توارد الخواطر، فكثيرا ما تضيع النصوص دون أن يكون ضياعها ~~مصدرا لضياع الحقيقة، وليست النصوص كل شيء في التاريخ، فهناك الصلات التي تختلف قوة ~~وضعفا وتتفاوت متانة ووهنا بين الأمم، وهذه الصلات إذا أثبتت ثبوتا تاريخيا ~~كافيا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض، وليس يجب أن يكون هذا التأثير ~~ظاهرا يعلمه الناس جميعا، يعلمه من أثر ومن تأثر، فأشد أنواع التأثير عملا في الحياة ~~الاجتماعية، بل في الحياة الدولية - إن صح هذا التعبير - هو ما كان خفيا يجهله مصدره ~~كما يجهله قابله. # فإذا ثبت أن اليونان مثلا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ~~ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق، ونقلوا إليه ~~علمهم وفلسفتهم، وتركوا فيه عادات وضروبا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ~~ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة ms063 العرب ولا عن صدر الإسلام، ~~كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية أو في ~~التصوف العربي - بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت ~~هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبها باليونانية - أثر من آثار ~~الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي. وقل مثل هذا في ~~الفقه، فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسا منظما، ولكنا لا ~~نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلا أو كثيرا، سواء أعلم بذلك ~~الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرا، ~~ولأن هذه القوانين قد درست درسا مزهرا في الشام والجزيرة العربية ومصر. فيجب أن يترك ~~حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها، ~~وأن تتكون من هذه الآثار الحياة الاجتماعية لهذه الشعوب، والعرب لم يهدموا كل شيء، ~~وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبا، بل ليس من شك في ~~أن كثيرا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء ~~بذلك. فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية. لا يغضب العلماء، ~~فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من ~~مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما يكون من النظام اليوناني والروماني والفارسي، هذه ~~النظم التي تعاقبت على الشام ومصر والجزيرة، وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من ~~التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض. ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي أو ~~هذه النظرية أثر عربي خالص أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك - إذا لم توجد ~~النصوص - هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح. # حول هذه النقطة دارت المناقشة، ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا ms064 ~~الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير ~~الأستاذ «ماسينيون» وغيري، وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعا يلمون بتاريخ ~~الدين الإسلامي إلماما حسنا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص؛ بل إن أحدهم ~~كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص ~~فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم ~~من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود، وبقراءة ما كتب الفرس أو ~~ما كتب الهنود في الدين. وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة ~~العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية والإنجليزية فقد يكون ذلك واجبا ~~محتوما، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ~~ينبغي. والدين الإسلامي عربي ولكن أمما غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه، ~~وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرا وتأثر بها كثيرا، وإذن؟ ~~وإذن فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام، لا في مصر والشام وحدهما، بل ~~فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام، ولو أن لي كلمة مسموعة بين ~~علماء الإسلام، لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تدرس اللغات الأجنبية الإسلامية في ~~الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية، وأخرى في درس التركية، وأخرى ~~في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تدرس ~~كتب الدين التي كتبت بالفارسية أو بالتركية أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلا في فرنسا ~~وإنجلترا وألمانيا وأمريكا وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف! # والأزهر الشريف بعد هو الجامعة الإسلامية الكبرى! # هلموا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تدرس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية ~~درسا مفصلا نافعا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقه في أن يكون الجامعة ~~الإسلامية الكبرى. # وليس ينبغي أن تكون ms065 مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف. # أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من ~~مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟ # أما مساء الخميس فقد كان لذيذا؛ لأنا قضينا شطرا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا ~~الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. # اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول»، وكنا ~~قد دعينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة. ~~هنا خطبنا قسيس، فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يفسر لنا إصحاحا من الإنجيل أو ~~آية من التوراة، وإنما تحدث إلينا في الفن، وتحدث إلينا في الآثار، ذلك أن هذه الكنيسة ~~قديمة بعيدة العهد بالتاريخ، بدئ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار ~~الفن والعمارة من آخر القرن السابع عشر. فخطبنا هذا القسيس ساعة وبعض ساعة مبينا لنا ~~هذه الأطوار المختلفة التي مرت بها الكنيسة، مقارنا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من ~~كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشا آراء بعض الفنيين والأثريين من ~~الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد. أعترف ~~بأني لم أكن أفهم شيئا كثيرا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريا ولا فنيا، ولا أكاد ~~أتصور فن العمارة، ولكني مع هذا كنت أعجب بهذا القسيس إعجابا شديدا لا يعدله إلا ~~إعجابي بقسيس آخر خطبنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول ~~نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نسخت فيه، فيرى بعضهم أنها نسخت في القرن ~~العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين. كنت ~~إذن أعجب بهذين القسيسين، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء. # وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم، وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير ~~لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم فلنا عليهم بعض ms066 الحقوق؛ لأننا نريد ~~أن يكون علماء الدين فينا أئمة وفخرا في وقت واحد، ويؤلمني جدا أن أقارن بينهم ~~وبين رجال الدين في أوروبا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ~~ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ ~~قرون. # هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي ~~يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم ~~المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم ~~تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا ~~إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حر، وأن القسيس ليس له ~~من الحرية مثل هذا المقدار العظيم، ومع ذلك فالقسيسون في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين ~~وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ~~ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن ~~فينهضهم ويتفوق عليهم. # وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم ~~التاريخ، وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت ~~فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أظهر عناية شديدة بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى، ~~وأؤكد لك شيئا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فيشترك معهم القسيسون، وأن علماء ~~الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وقل مثل ذلك في الأطباء وقل مثل ذلك في ~~علماء الحياة، وقل مثل ذلك في علماء الرياضة، وما لي أذهب بعيدا وفي مصر مدارس ~~اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء ~~الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم ~~يكونوا أقل نجاحا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزا. # فأحب الآن أن تحدثني عن ms067 علمائنا في مصر، مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم ~~يجهلون جهلا تاما تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، ~~وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟ أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟ ~~سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في ~~بروكسل أسقفا فرنسيا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أن سيشترك في ~~مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا ~~المؤتمر. # أليس يحسن ... أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ~~ليكونوا كغيرهم من رجال الدين، ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم ~~الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا ~~يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا)؟ # أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ ~~أيشعرون بأنهم يحسنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البعد؟ ويحسنون إلى أمتهم أيضا؛ لأنها ~~تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقا، وأن تأتم بهم حقا في دينها ودنياها؟ # سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبا من الموسيقى الدينية القديمة التي أحدثها ~~يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد أني أعجبت بهذه الموسيقى، وأشهد أني طربت لهذا الغناء ~~اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن ~~مساجدنا إنما أنشئت لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطالب بذلك ولا أفكر ~~فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه ~~الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا من يستطيع أن يحدثنا عن تاريخ الأزهر ~~الشريف، وجامع قلاوون وجامع برقوق، من الوجهة الفنية، كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا ~~عن كنيسة «سانت جودول». # سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وضع ~~ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد ms068 تقدموا فحملوه ومضوا فتبعهم المؤتمرون ~~في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل ~~يمثل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم. # أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين ~~كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ~~ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكموتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه ~~الجماعات، ولولا أن وزير المعارف كان قد أنبئ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن ~~الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه فحياني تحية حسنة ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه. ثم لقيت ~~أثناء السهرة مؤرخا شابا بولونيا تعرف إلي؛ لأن زوجه تعرفت إلى زوجي، ودعاها ~~إلى هذا التعرف الطربوش، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوب عصبة الأمم في مؤتمر ~~العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية، وكيف لا ~~تفعل وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟ # صافحني هذا الشاب وقال: هناك مسألة تحيرني، ولعلك تجيبني عليها، ما بال مصر لم تمثل ~~في عصبة الأمم ومتى تطلب هذا التمثيل؟ هنا أعترف أيها القارئ بأني كذبت ولم يكن مصدر ~~الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبت سائلي على الفور: «ستطلب مصر الانضمام إلى عصبة الأمم ~~في هذه السنة.» قال صاحبي: إذن فسيرد طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلت: أعتقد ~~ذلك. # فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير ~~حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟ # باريس في 7 مايو سنة 1923 # 8 # كان يوم الجمعة 12 أبريل يوم الشرق في المؤتمر، وبعبارة أخرى يوم مصر، ولم يكن يوم ~~الشرق أو يوم مصر في المؤتمر وحده، بل كان في بروكسل كلها ... فقد اشترك كثير جدا من ~~أهل هذه المدينة رجالا ونساء في جلسة المؤتمر العامة التي عقدت بعد الظهر ms069 لسماع ~~خطيبين، تكلم أحدهما على استكشافات فرنسية على شاطئ الفرات، وتكلم الآخر عن مقبرة توت ~~عنخ آمون، وكان كلا الخطيبين يصطنع الفانوس السحري لعرض صور مما استكشف على شاطئ الفرات ~~أو في مصر، وكانت الصحف قد أعلنت هاتين الخطبتين وتحدثت بهما، فأسرع المؤتمرون وغير ~~المؤتمرين إلى استماعهما، وما أشك أننا كنا آلافا من الساعة الثانية إلى الساعة ~~الخامسة بعد الظهر. على أن صباح هذا اليوم قد أنفق في أعمال هادئة، فاجتمعت اللجان، ~~وسمعت ما ألقي فيها من الخطب، وما قدم إليها من المذكرات، وسمعت أنا في صباح هذا ~~اليوم مذكرات ثلاثا ممتعات؛ إحداها في نقد بعض الطبعات لمحفوظات رسمية فرنسية تتصل بما ~~قبل الثورة، والأخرى في إظهار تزوير كتب رسمية نشرها أحد السفراء الرسميين للويس الرابع ~~عشر عن أعمال قام بها في إنجلترا وهولندا باسم لويس الرابع عشر، والثالثة فيما كان من ~~تبادل المحفوظات الرسمية بين النمسا وبولونيا بعد الحرب الكبرى، ولكني لا أطيل في ذكر ~~هذه المحاضرات وقيمتها، فقد لا تصلح الصحف السيارة لمثل هذه المباحث العلمية الجافة ~~التي ليس بينها وبين مصر صلة ما. # عدنا إلى الاجتماع إذن بعد الظهر، وكأن رئيس المؤتمر كان يشعر بشوق الناس إلى استماع ~~هاتين الخطبتين، وكان يجد لذة شيطانية في ممانعة هذا الشوق، فقدم إلى الخطابة عالما ~~روسيا تحدث عن التاريخ الروماني، وعما كان من الأزمة الاجتماعية في الإمبراطورية ~~الرومانية أثناء القرن الثالث بعد المسيح، وكانت خطبته لذيذة مفيدة، وكان الناس يستمعون ~~لها في شيء من الضجر والسأم؛ لأنهم لم يحضروا لاستماعها وإنما حضروا لشيء آخر، ومع أنه ~~أطال فلم يكتف رئيس المؤتمر بخطبته بل قدم أمريكيا تكلم عن أخلاق «كاترين دي ~~ميديسيس»، وكان يتكلم بالإنجليزية فلم يفهمه إلا قليلون، ثم قدم الرئيس خطيبا ~~إيطاليا تكلم عن نقوش مسيحية استكشفت في إيطاليا، وعن جمعية إيطالية أسست للبحث عن ~~النقوش المسيحية التي نقشت بعد انتهاء عصر التاريخ القديم، وقدم إلى المؤتمر مجلدات ~~نشرتها هذه الجمعية مشتملة على بعض هذه النقوش. ثم قدم الأستاذ ms070 «كيمون» فتحدث عن ~~الاستكشافات الفرنسية على شاطئ الفرات، هنا ابتهج الناس وأظهروا سرورا ما أظن إلا أنه ~~ساء الخطباء الأولين، وكانت خطبة الأستاذ «كيمون» ألذ ما سمعت في المؤتمر، بل أعترف ~~بأنها لذتني أكثر من الخطبة التي تلتها عن مقبرة فرعون. # ذلك لأن هذه الخطبة التي تناولت استكشاف الفرات كانت تتناول موضوعا أفهمه، وأستطيع ~~أن أستفيد منه فائدة ما، ولم يكن هذا الموضوع ضئيلا ولا قليل الخطر، وإنما كان عظيم ~~الخطر جدا، وحسبك أن هذه المدينة التي استكشفت وهي مدينة «دورا» كانت من أعمال ~~«تدمر»، وكانت ملتقى لحضارات ثلاث، كلها تعنينا، وكلها نستطيع أن نفهمها ونستطيع أن ~~نبحث عنها، ونخرج من البحث بشيء من الفائدة. كانت ملتقى الحضارة السامية والحضارة ~~اليونانية والحضارة الرومانية، وقد استكشفت هذه المدينة أثناء الحرب، ولكن استكشافها ~~والبحث عنها لم يتما إلا في ديسمبر الماضي. فإذا الآثار اليونانية والسامية والرومانية ~~متجاورة يفسر بعضها بعضا، ويضيف بعضها إلى بعض، وإذا نقوش سامية ويونانية ولاتينية ~~توجد في المعابد وعلى الجدران، وإذا الفن اليوناني والسامي يمتزجان ويؤثر كلاهما في ~~صاحبه، وإذا الساميون يتعلمون اليونانية، ويصطنعون الفن اليوناني، ويتسمون بالأسماء ~~اليونانية، ويؤدون العبادة لآلهتهم السامية في ضروب ليست بالسامية الخالصة، ولا ~~باليونانية الخالصة، وإنما هي مزيج مما ألف الجنسان، وإذا الساميون ينحتون التماثيل ~~لآلهتهم فيدخلون في فنهم شيئا من رقة الفن اليوناني، وإذا اليونانيون ينحتون التماثيل ~~لآلهتهم فيدخلون في فنهم شيئا من غلظة الفن السامي. وكان أجمل ما عرض فأعجب الناس، ~~صورة فوتوغرافية لتمثال الزهرة إلهة الحب؛ فإذا هي صورة سامية، وإذا الإلهة تمثل امرأة ~~شرقية تمتاز بما كان يمتاز به مثال الجمال الشرقي في هذه القرون الأولى للتاريخ المسيحي ~~من الضخامة والفخامة وكثرة الحلي والميل إلى شيء من النعومة والإسراف في الترف، يخالف ~~ما ألف الناس في الفن اليوناني من صور «أفروديت» إلهة الحب والجمال التي كانت - على ~~أنها مصدر الفتنة - لا تخلو من قوة وشهامة توشك أن تكون حربية، وإذا هذه المدينة ~~الصغيرة التي لم يتم درسها بعد ms071 تمثل ما كان من الجهاد بين الإمبراطورية الرومانية وبين ~~الإمبراطورية التدمرية، فقد نرى أن الساميين واليونانيين قد وجد بينهم اختلاط شديد، ~~بل امتزاج شديد فكان بينهم الأصهار والتزاوج، وأثر هذا الامتزاج في فنيهم فأخذ من جديد ~~يوجد فن ليس هو بالسامي القديم، ولا باليوناني القديم، ولكن الآثار الرومانية منفصلة، ~~أو تكاد تكون منفصلة، انفصالا تاما عن الآثار اليونانية السامية. # أعجبت بهذه المحاضرة؛ لأني ألم بشيء من التاريخ اليوناني، وبشيء من التاريخ الروماني، ~~وبشيء من الجهاد بين «تدمر» وروما، ولأن اسم تدمر يذكرني الزباء، وما روي عنها في أمثال ~~العرب من هذه الأساطير اللذيذة التي تفيض حكمة، وتملؤها الأمثال السائرة، ولكني لما ~~سمعت خطبة الأستاذ «كابار» الذي رافق ملكة بلجيكا في مصر، لم أجد ما كنت أنتظر أن أجد ~~من اللذة. وبينما كان الناس يعجبون ويصفقون كنت أنا هادئا مطمئنا، ولعلى أعرف سبب ~~هذا الهدوء والاطمئنان؛ فأنا أولا أجهل التاريخ المصري القديم، ولا أعرف منه أو لا ~~أكاد أعرف منه شيئا. فإذا سمعت أخبار توت عنخ آمون أو غيره من فراعنة مصر، لم تحدث هذه ~~الأخبار في نفسي هذه الحركة العلمية التي تحدثها أخبار اليونان والرومان والعرب، ~~فتمكنني من أن أصل شيئا بشيء، وأنتقل من شيء إلى شيء، أو تمكنني من أن أستفيد فائدة ~~علمية ما، ومثل هذا يستطيع أن يقوله الذين يعلمون تاريخ مصر القديم ويجهلون تاريخ ~~الرومان واليونان والعرب، وإن كان هؤلاء الناس لا يكادون يوجدون. فإذا وجد مصري يجهل ~~تاريخ مصر، فقد لا يوجد أجنبي يجهل تاريخ اليونان والرومان. فإذا أضاف إليهما تاريخ مصر ~~استطاع أن يعجب بمحضارة الأستاذ «كيمون» وبمحاضرة الأستاذ «كابار». فإذا سألت عن مصدر ~~هذا النقص الذي يجده المصري في نفسه حين يشعر بحهل تاريخ مصر، وحين يسمع محاضرة في ~~تاريخ مصر فلا يلذ لها كما يلذ لها الإنجليزي والفرنسي، فالجواب يسير، وهو تقصير ~~الحكومة المصرية أو وزارة المعارف المصرية في نشر التاريخ المصري. فلو أن التاريخ ~~المصري القديم يدرس في مصر كما ينبغي، لكان ms072 لكل مصري متعلم حظ من الإعجاب بما استكشف ~~اللورد كارنارفون، ولكن ماذا نقول وفي مصر أساتذة في الأدب والحقوق والفلسفة والطب ~~يجهلون تاريخ مصر، ولا يعرفون من أمر توت عنخ آمون إلا ما يقرءون في الصحف، وكثير منهم ~~لا يقرءون ما تنشره الصحف. يجب أن نحمد الله على صدور الدستور، فلن يغفر البرلمان في ~~المستقبل لوزارة المعارف المصرية مثل هذه الجرائم. # وهناك سبب آخر حال بيني وبين الإعجاب بخطبة الأستاذ «كابار»، وهو أن الأستاذ لم يقل ~~شيئا جديدا أكثر مما نشرته «التيمس» و«السياسة»، فكان من المعقول وقد قرأت هذا وذاك ~~ألا يشتد إعجابي به حين يعاد، وهل أستطيع أن أضيف سببا ثالثا أعترف بأنه لا يليق بعضو ~~في مؤتمر علمي، وهو أن الأستاذ «كابار» كان شديد الميل في محاضرته إلى الإنجليز، وكان ~~يسرف في الثناء عليهم وعلى ما بذلوا من جهود، وما أدوا إلى مصر وإلى العلم من خدمة، ~~وكنت أحب أن تذكر مصر بشيء من الخير، وإن لم تكن أهلا له في هذا الموضوع؛ لأنها لم ~~تعمل شيئا في استكشاف مقبرة توت عنخ آمون، ومهما يكن من شيء فقد خرجت عن طور العلماء، ~~وضاق صدري بهذا الثناء الكثير يهدى إلى الإنجليز. كنت متأثرا بالسياسة أكثر مما كنت ~~متأثرا بالعلم. # كان إعجاب الناس شديدا جدا بهذه الصور الفوتوغرافية التي عرضها الأستاذ «كابار» ~~ولا سيما السيدات، فقد كانت هذه الصور، وصور الجواهر بنوع خاص، تفتنهن فتنة شديدة ~~فيصفقن ويتهامسن ويجتهدن في أن يملأن أعينهن بهذه الصور التي لن تلبث أن تلهم الصاغة ~~وأصحاب الفن، فتعرض جواهر على مثالها في الأسواق والمحال التجارية، ولعل كثيرا من ~~هؤلاء السيدات كن يتحدثن إلى أنفسهن باليوم الذي يستطعن فيه أن يتخذن من الحلي والآنية ~~ما يشبه الحلي والآنية التي وجدت في مقبرة توت عنخ آمون. # كانت هذه الجلسة جلسة مصر، أعجب فيها الناس إعجابا شديدا بمصر القديمة، وذكروا فيها ~~مصر الحديثة، وكانت هذه الجلسة آخر الجلسات العلمية للمؤتمر. فنستطيع أن نقول إن هذا ~~المؤتمر ابتدئ ms073 بذكر مصر في تحية الملكة، وختم بذكر مصر في خطبة الأستاذ «كابار». # ذهبنا بعد ذلك إلى قصر البلدية فتناولنا هناك الشاي، وكنت أحب أن أصف لك ما في هذا ~~القصر من آيات الفن، ولكني مع الأسف قاصر عن هذا كل القصور. ثم كان يوم السبت فانقسم ~~قسمين: أما الصباح، فخصص لزيارة دار المحفوظات «الدفترخانة»، وأما المساء، فخصص للتفرق ~~في أنحاء بلجيكا القريبة من بروكسل، والتي تمثل فائدة تاريخية ما. أريد أن أذكر دار ~~المحفوظات هذه، وأريد أن أقارن بينها وبين دار المحفوظات في مصر، ولكن أصول المقارنة ~~تنقصني؛ لأني أجهل نظام الدفترخانة المصرية، ولا أعلم من أمرها إلا أن زيارتها مستحيلة ~~على العلماء والباحثين إلا بعد عناء ومشقة وإذن من وزير المالية قلما يظفر به من يطمع ~~فيه، فالدفترخانة المصرية ديوان من دواوين الحكومة تنتفع به الحكومة وحدها في أعمالها ~~الرسمية، ولا ينتفع به العلماء والمؤرخون. بل لست أدري علام تشتمل الدفترخانة المصرية؟ ~~وهل فيها حقا ما يفيد المؤرخ إذا أراد أن يبحث عما قبل العصر الحديث الذي نعيش فيه؟ ~~وإلى أي عصر من عصور مصر التاريخية يرجع أقدم ما في الدفترخانة المصرية من المحفوظات؟ ~~لا أعلم من هذا شيئا، كما أني لا أعلم شيئا من النظام الذي يصطنع في الدفترخانة ~~المصرية، ولا مما يتخذ فيها من وسائل الاحتياط لوقاية الأوراق والمحفوظات القديمة، ولا ~~شيئا من النظام الذي يتخذ لتسجيل هذه المحفوظات، واتخاذ فهارس وأثبات تسهل البحث على ~~من يريد أن ينتفع بها. أجهل إذن مقدار المحفوظات المصرية وقيمتها ونظم حمايتها ~~والانتفاع بها. # ولكني أعلم أن قسما واحدا من أقسام الدفترخانة البلجيكية يشتمل على أكثر من 50000 ~~دفتر من دفاتر الحساب والقرارات التي كانت تتخذها الحكومات المختلفة منذ القرن الثالث ~~عشر إلى الآن. # وأعلم أن هذه الدفترخانة البلجيكية كغيرها من دور المحفوظات في أوروبا مباحة للعلماء ~~والباحثين، قد اتخذت فيها كل الوسائل التي تمكن العلماء من البحث، وتسهل عليهم أسبابه، ~~فاتخذت فيها الأثبات المتقنة والفهارس البديعة، واختص بكل قسم من ms074 أقسامها نفر لا أقول ~~من الموظفين، وإنما أقول من العلماء النابغين يقومون على حفظه وتنظيمه والاستفادة منه، ~~وتسهيل الاستفادة على من أرادها سواء أكان بلجيكيا أم أجنبيا، ولكن في دار ~~المحفوظات البلجيكية شيئا أعجبت به حقا، وأتمنى على الحكومة المصرية أن توجد لنا ~~مثله في مصر؛ لأنه يفيد فائدة لا تقدر سواء في ذلك الدفترخانة ودور الكتب المختلفة، ~~وجدت في دار المحفوظات البلجيكية معملا واسعا فيه كثير من العمال يشتغلون في أشياء ~~مختلفة غريبة، يشتغلون مثلا في تنظيف الأوراق القديمة التي بعد بها العهد وأفسدها ~~الزمان فطمست الأحرف التي فيها، ويشتغلون بتقوية الأوراق التي بعد بها العهد وأفسدها ~~الزمان فوهت ورثت حتى أصبحت لا تحتمل لمس الأيدي، ويشتغلون بما يشبه هذا مما يمكن ~~الاستفادة بكل ورقة قديمة مخطوطة مهما تكن أعراض البلى التي أصابتها، ولقد رأينا العمال ~~يشتغلون في ذلك، رأيناهم قد أخذوا أوراقا قذرة لا تكاد تقرأ، بل لا تقرأ، فما زالوا ~~بها في غسل وتنظيف حتى زال عنها الدنس، وبدت أحرفها جلية واضحة للقارئ، ورأيناهم يتخذون ~~أوراقا بالية لا تكاد تمس فما يزالون بها يسلطون عليها بعض مواد الكيمياء حتى تقوى ~~وتثبت، وتستطيع أن تتناولها وتقلبها كما تقلب ورقة صنعت أمس. # أليس مثل هذا المعمل مفيدا في مصر؟ أليس الأستاذ لطفي بك السيد محتاجا إلى مثله في ~~دار الكتب المصرية؟ # شيء آخر أعجبني؛ هو استفادة دار المحفوظات البلجيكية استفادة تجارية بما يوجد فيها من ~~المحفوظات. ففيها نماذج لا تكاد تحصى لأختام الملوك والأمراء والقواد والإمبراطرة ~~والرؤساء على اختلافهم منذ القرون الوسطى. فهي تنتفع بهذه النماذج فتتخذها على المعدن ~~أو على الجبس أو على غير ذلك وتعرضها للبيع، وأؤكد لك أن تهافت الناس عليها شديد، ولا ~~سيما العلماء وأصحاب الفن والآثار الذين يريدون أن يدرسوا هذه النماذج كل من وجهته ~~الخاصة. فهم لا يطلبون الدفاتر والأوراق، وهم إن استطاعوا أن ينظروا إلى هذه الدفاتر ~~والأوراق لا يستطيعون أن ينقلوها، ولا أن يستعيروها، ولا أن يخرجوها من دارها فضلا عن ms075 ~~بلجيكا، بينما هذه النماذج المصنوعة مباحة لهم يصنعون بها ما يشاءون، وهذه النماذج ليست ~~سهلة ولا يسيرة، فلا بد من أن تتخذ بطريقة علمية. # ولا بد من أن تنظم وترتب وتتخذ لها الفهارس والأثبات، ولست أنسى محاضرة ألقتها علينا ~~في دار المحفوظات فتاة بلجيكية هي القائمة بالقسم العلمي من إدارة هذه النماذج، ولست ~~أنسى مناقشة كانت بينها وبين عالم فرنسي في نظام «الفيش» الذي يجب أن يتخذ لهذه ~~النماذج. لا أنسى هذه الفتاة، ولا أنسى محاضرتها ولا مناقشتها، وأتمنى على الله أن أجد ~~بين فتياتنا، بل بين كهولنا، من يستطيع أن يقوم في دار المحفوظات المصرية أو في دار ~~الكتب المصرية مقام هذه الفتاة البلجيكية. # تفرقنا بعد الظهر فاخترت الذهاب إلى «واترلو»، ولكن لا أستطيع أن أذكر لك من أمرها ~~شيئا. فقد تغيرت فيها المعالم، ومحيت فيها آثار هذا اليوم العظيم الذي اندك فيه عرش ~~نابليون، وكل ما هو قائم فيها الآن صناعي متكلف إلا القليل. # ولكني لاحظت شيئا له قيمته في هذه الأيام، وهو أن الذين ذهبوا إلى واترلو كانوا ~~جميعا من الإنجليز، ولم يكن منهم فرنسي واحد إلا زوجي. أما الفرنسيون فتفرقوا إلى ~~الجهات الأخرى حول بروكسل. # ثم اجتمعنا يوم الأحد في الجلسة الأخيرة للمؤتمر فاتخذت قرارات مختلفة، أهمها هذا ~~القرار الذي أتمنى ألا تهمله مصر، وهو تأليف جمعية تاريخية دولية دائمة تشترك فيها ~~الأمم على اختلافها إلا ألمانيا طبعا. اتخذ هذا القرار وظل مجلس إدارة المؤتمر باقيا ~~بعد انحلال المؤتمر لوضع نظام هذه الجمعية. فهل تتصل بها مصر؟ وهل تقوم بما عليها، وبما ~~لها من الحق في خدمة التاريخ ونشر التاريخ؟ # الكلمة في ذلك إلى وزارة المعارف. # باريس في 10 مايو سنة 1923 # | القسم الثالث: خواطر سائح # (1) في الطريق # كانت السفينة تجري في بحر هادئ مطمئن، وكانت نفوس السفر هادئة مطمئنة أيضا، وكان قد ~~شمل السفينة ومن فيها شيء من الدعة والأمن لا يكاد يوصف، كأنما اشترك في تكوينه هدوء ~~البحر وجماله، وصفو السماء وإشراقها، ونزوع المسافرين ms076 جميعا إلى هذا الأمل الذي كانوا ~~يترقبونه منذ حين، والذي هم مشرفون عليه الآن، وهو الراحة بعد تعب والهدوء بعد اضطراب، ~~وكنت أشد الناس اطمئنانا وأكثرهم دعة وأعظمهم اغتباطا بالحياة، أفكر فيما تركت من ~~ألم، وأتمثل ما أستقبل من لذة، وأعبث من حين إلى حين مع هذين الطفلين المبتسمين اللذين ~~لا يعرفان من الحياة إلا صفوا وابتهاجا. # كنت أقص على ابنتي ألوانا من أحاديث «هوميروس» في «الأودسا» فأجد منها ابتهاجا ~~للقصص واستعذابا للحديث، فأمضي في القصص والحديث ، وتغرق هي في اللذة والابتهاج، ثم ~~تسألني أحق هذا الحديث أم أنت تمزح؟ فلا أجد لهذا السؤال جوابا. لست أمزح وإنما أقص ~~شيئا قرأته وابتهجت له، وقرأته الأجيال من قبلي وابتهجت له، وسمعته أجيال قبل هذه ~~الأجيال فابتهجت له وآمنت به واتخذته يقينا، بل اتخذته دينا. وهل كان يخطر لأحد من ~~أولئك اليونان الذين كانوا يستمعون لأقاصيص الأودسا وأعاجيبها أن يسأل المنشد: أحق ~~هذا الحديث أم أنت تمزح؟ كلا! لقد كان هؤلاء الناس يؤمنون بأعاجيب الأودسا وأساطيرها ~~كما تؤمن أنت وأنا بالبخار والكهرباء، وكانوا يتخذون من أحاديث الأودسا وأعاجيبها ~~مقاييس للخير والشر ونماذج ينظمون عليها حياتهم الخاصة والعامة كما نبحث نحن عن هذه ~~المقاييس والنماذج في علم الأخلاق والاجتماع الآن. # ثم تتابعت الأجيال، واتصلت العصور، وتطور العقل الإنساني حتى أصبحت هذه الطفلة في ~~السابعة من عمرها تسألني حين أقص عليها أحاديث الأودسا وأعاجيبها، وأخبار السندباد ~~البحري: أحق هذا الحديث أم أنت تمزح؟ وكنت أترك ابنتي تلاعب أخاها وتلهو مع أترابها، ~~وأنصرف إلى قرينتي فنأخذ في ألوان من الحديث منها الجد والهزل، وربما انتهزنا غفلة ~~الطفلين فقرأنا فصلا من كتاب أو مقالا من صحيفة، حتى إذا أقبل الليل جلس السفر ~~بعضهم إلى بعض يتحدثون، وانصرفت طوائف منهم إلى «البيانو»، فمنهم من يعزف ومنهم من ~~يرقص، وانصرفت طوائف أخرى إلى ألوان من اللعب بين نرد وشطرنج وورق حتى يتقدم الليل، ~~وعلى هذا النحو قضينا أربعة أيام وبعض يوم لم تخل من بهجة لا تعدلها بهجة ms077 حين ظهرت ~~السواحل الإيطالية، وحين مضت السفينة بنا في مضيق «مسينا» فالناس جميعا ينظرون، منهم ~~من يعجب بالساحل وجماله، ومنهم من يذكر كوارث مسينا، ومنهم من يمضي في الذكرى إلى عهد ~~بعيد فيتمثل الحياة اليونانية والرومانية والفينيقية على هذه السواحل وفي هذا البحر، ~~ويذكر ما امتلأت به هذه الحياة القديمة من لذة وألم ومن جمال وكآبة، ويذكر ما تغنى به ~~الشعراء القدماء من ألوان هذه الحياة. ثم تحدث الناس أننا سنصبح في مرسيليا، وانصرف ~~الناس عن حديثهم ولهوهم إلى حقائبهم يحزمونها وإلى متاعهم يعدونه، ولكن السفينة التي ~~كانت هادئة مطمئنة أخذت تضطرب قليلا قليلا، وما هي إلا ساعات حتى كان اضطراب البحر قد ~~انتهى إلى أقصاه، وحتى كان الناس لا يكاد يسمع بعضهم بعضا إذا تحدث بعضهم إلى بعض. ~~فالموج مصطخب والريح تعصف عصفا، والسفينة لا تتمايل، وإنما يتقاذفها الموج. وقضينا ~~الليل في هذا الهول، وأصبحنا وقد أشرفنا على الساحل الفرنسي بل بلغناه، فهذه أبنية ~~مرسيليا يراها الناس ويشيرون إليها، وليس من شك أننا سنترك السفينة بعد ساعة أو ساعتين. ~~كلا! لن نترك السفينة بعد ساعة أو ساعتين ولا ساعات. لماذا؟ تستطيع أن تبحث، وأن تتكلف ~~العناء في البحث دون أن تجد جوابا على هذا السؤال، فيحسن أن أجيبك أنا. # كان بين أهل السفينة شرقي أخذه حر شديد، بينما كانت السفينة تجتاز القناة، فما هي ~~إلا أن رأى بطيخ مصر فاندفع إليه اندفاعا وأكل بطيخة بأسرها، ثم كأن البطيخة لم تنقع ~~غلته فعمد إلى ماء مثلج فشرب منه ما أذن الله له أن يشرب، ولم تكد السفينة تتجاوز مصر ~~حتى أخذ صاحبنا قيء ومشاء، ودعي الطبيب فلم يؤمن للبطيخ ولا للماء المثلج، ولا سيما ~~وقد حسنت حال صاحبنا بعد يوم وليلة فلم يبق من قيئه ومشائه إلا بطن منتفخ، ولم يشك ~~الطبيب في أن الرجل مطعون ... وكان هذا الرجل في الدرجة الرابعة، فلا أحدثك عن عناية ~~الطبيب به وإشفاقه عليه. فانظر إليه تحوطه عناية الطبيب والخدم، وانظر إليه في سرير ms078 ~~نظيف نقي، وانظر إليه تقدم إليه ألوان الطعام مختارة منتقاة، وانظر إليه يحمل من ~~حين إلى حين إلى حيث يتنسم هواء البحر، وكأن الرجل قد استعذب هذه الحياة واستلذها ~~فتمارض وأمعن في الشكوى، وشك الطبيب وأمعن في الشك، فأبرق إلى مرسيليا أن قد ظهر ~~الطاعون في السفينة، وكتم الطبيب وربان السفينة الخبر عن المسافرين حتى لا يأخذهم وهم ~~ولا وجل. فلما أشرفت السفينة على مرسيليا أنبئنا أن السفينة ملوثة، وأن لا بد من ~~الحجر الصحي، وأننا سنمكث على بعد من الساحل خمسة أيام نرى الأرض ولا نستطيع أن نطأها. ~~تستطيع أنت أن تتمثل نفسية المسافرين - كما يقولون - عندما وقع عليهم هذا النبأ وقع ~~الصاعقة، ولكن المسافرين ولا سيما الذين أبحروا من مصر ليسوا شيئا إلى جانب البحارة ~~والذين أبحروا من أقصى الشرق، فقد كان هؤلاء الناس قد قضوا في البحر شهرين أو أكثر من ~~شهرين، وكانوا يتحرقون شوقا إلى فراق البحر، وإذا هم يقضى عليهم أن يحجزوا في ~~السفينة خمس أيام. # وقضينا ساعات في هذا الاضطراب، ثم أقبلت زوارق تحمل الأطباء، وذاع النبأ أن هؤلاء ~~الأطباء قد أقبلوا ليمتحنوا المسافرين واحدا واحدا؛ فمن رأوه بريئا أذن له بترك ~~السفينة، ومن رأوه مريضا أو كالمريض حجروه، ولكن الأطباء لم يمتحنوا أحدا، وإنما قضوا ~~ساعات يدفعون إلى المسافرين جوازات صحية، ويكلفونهم أن يقدموا هذه الجوازات في أمد لا ~~يتجاوز خمسة أيام إلى عمدة المدينة أو القرية التي يقصدون إليها؛ ليتحقق هذا العمدة من ~~أمر المسافرين أمطعونون هم أم بارئون من الطاعون؟ وكانوا كلما دفعوا إلى مسافرا جوازا ~~كتبوا كتابا إلى عمدة المدينة أو القرية ينبئونه بأن فلانا قادم إلى مدينته أو قريته، ~~وأن حالته الصحية تدعو إلى الحذر والاحتياط، فلا بد من امتحانه والاحتياط لأمره، وانقضى ~~أكثر النهار في هذا العبث الصيني كما يقول الفرنسيون، وأذن للمسافرين جميعا أن يطئوا ~~الأرض إلا البحارة وعمال السفينة، فقد قضي عليهم بالحجر خمسة أيام، وبلغنا القرية التي ~~كنا نقصد إليها، وذهبنا في اليوم الخامس إلى ms079 العمدة، وكنت أتحدث بأن لا نذهب، ولكن ~~الجواز الصحي الذي دفع إلينا كان يشتمل على طائفة من مواد القانون الصحي تبين العقوبات ~~أو الغرامات التي نتعرض لها إذا أهملنا. فذهبنا ولم نر العمدة، وإنما رأينا سكرتير ~~العمدة، وسكرتير العمدة في معظم القرى الفرنسية هو معلم القرية، وهو يشبه فقيه الكتاب ~~عندنا. رأينا هذا المعلم وقصصنا عليه قصتنا فلم يكد يسمع أول الحديث حتى أظهر عناية؛ ~~لأنه تسلم كتاب الأطباء منذ أيام، وأخذ يبحث عن هؤلاء المسافرين الذين يوشكون أن ~~يحملوا الطاعون إلى قريته دون أن يوفق إليهم، فلما رآنا خيل إليه أن قد ظفر بطلبته. ~~وأؤكد لك أنا قد تكلمنا كثيرا لنقنعه بأنه ليس في حاجة إلى إحالتنا على الطبيب. على ~~هذا النحو انتهت رحلتنا، وما كنت لأقص عليك هذا القصص لولا أن فيه عبرة لا بأس بالتفكير ~~فيها. أرأيت إلى مئات من المسافرين يضطربون ويحزنون يوما كاملا؟ أرأيت إلى مصلحة ~~الصحة في مرسيليا تضطرب وتعنى هذه العناية وتتكلف هذه النفقات؟ أرأيت إلى مئات من ~~العمد في قرى فرنسا يضطربون ويشفقون من الطاعون أن يصيب قراهم؟ كل ذلك لأن رجلا ظمئ ~~فأكل بطيخة وشرب أقداحا من الماء المثلج! # أشهد أن هذه الحياة لا تخلو من عبث، بل أشهد أن هذه الحياة كلها لون من ألوان العبث ~~وفن من فنون المزاح، تضحك حينا وتحزن حينا آخر، وهي مضحكة حين تحزن ومحزنة حين تضحك، ~~هي عبث كلها. نعم! إني لأفكر في أمر هذه البطيخة التي استتبعت ما استتبعت من الأحداث ~~فلا أضحك ولا أمزح، وكثيرا ما ضحكت ومزحت حين كنت أفكر في أمرها، ولا أضحك الآن ولا ~~أمزح، وإنما أفكر في هذا الأمر مع حزن شديد؛ لأني أرى أن الحياة كلها تجري على نحو ما ~~جرى أمر هذه البطيخة؛ ذلك أن أنباء مصر قد وصلت إلي فقرأت فيها ما قرأت، وابتسمت فيها ~~لأشياء، وبكيت فيها لأشياء أخرى، ولم يبق لي من هذا البكاء وذلك الابتسام إلا أني تركت ~~أصدقاء كنت أتمنى لقاءهم ms080 بعد عودتي، وأتحدث بما سأجد من لذة حين ألقاهم، وأستأنف معهم ~~صلات الصفاء، وتركت كذلك خصوما كنت أفكر في أني سأعود إلى خصومتهم، وسألقى منهم شرا ~~وسيلقون مني شرا، فإذا أنا الآن مقتنع بهذه الحقيقة المؤلمة، وهي أني لن أجد هؤلاء ~~الأصدقاء ولن أجد هؤلاء الخصوم. لن أصافي أولئك ولن أخاصم هؤلاء؛ لأن الله قد آثرهم ~~بالحياة في تلك الدار التي لا تجري فيها الأمور على نحو ما تجري عليه في حياتنا من ~~اللهو والعبث. ~~••• # انتهى بنا سفر طويل لم يخل من مشقة إلى هذا البلد الصغير الذي قضينا فيه أسابيع ما ~~أظن أني قضيت مثلها في بلد قبله. ليس بالقرية ولا بالمدينة، ولكنه شيء بين بين، فيه ~~حضارة المدن ولا سيما في الصيف حين يأوي إليه الناس من كل صوب يلتمسون الراحة، ~~ويستمتعون بالطبيعة التي تريك فنونا من الجمال قلما تظفر بها في غير هذه البيئة من ~~فرنسا، فيه حضارة المدن وفيه سذاجة القرى، فأنت تجد فيه من العادات والخصال ما يذكرك ~~بما كنت تقرأ من تاريخ هذا القسم من فرنسا قبل أن تبلغ أوروبا ما بلغت من هذا الرقي ~~الحديث. تجد قوما يحتفون بأزيائهم القديمة، ويتحدثون لهجتهم الخاصة التي لا يفهمها ~~الفرنسيون من غير هذا الإقليم، فإذا تحدثوا الفرنسية فلهم فيها لهجة تميزهم من غيرهم من ~~الناس، ولهم عاداتهم في عباداتهم وفي غير عباداتهم من مظاهر حياتهم العامة، ولكني لم ~~أكتب لأحدثك عن هؤلاء الناس، ولا لأحدثك عن هذا البلد، فلست أكتب رحلة، وإنما هي خواطر ~~خطرت لي أتحدث بها إليك من حين إلى حين. # لا أعرف مكانا كهذا المكان يدعو إلى التفكير والتأمل، ويبعث فيك نشاطا نفسيا ~~غريبا ينطقك بالشعر إن كنت شاعرا، ويحبب إليك قراءة الشعراء إن لم يكن لك حظ من ~~الخيال. لا أغلو ولا أبالغ؛ فأنت لا تكاد تخطو في هذا البلد أو حوله خطوة إلا سمعت هذه ~~الأنغام الموسيقية اللذيذة التي تختلف لينا وعنفا، وتتباين نحافة وضخامة، والتي تتغنى ~~بها هذه الغدران المتدفقة ms081 من أعلى الجبل. في كل مكان غدير ينحدر أو نهير يجري أو سيل ~~يتدفق. هنا غدير هادئ يسعى في لين ورقة فيسمعك نغما رقيقا عذبا، وهنا نهير ليس ~~بالهادئ ولا بالثائر، تسمع له فلا تستنيم ولا تضطرب، وإنما تقف وقد استعذبت الحياة ~~ووددت لو تستزيد منها، وهنالك سيل ثائر ينحدر في عنف، ويدفع بين يديه صغار الأحجار ~~وضخامها، ويسمعك هديرا كقصف الرعد يأخذ عليك سمعك، ثم يأخذ عليك نفسك، ثم يبهرك فإذا ~~أنت لا تسمع من حولك ، وإذا أنت كلك إعجاب بهذا الجلال الذي لا حد له، وكل هذه الغدران ~~والنهيرات والسيول تسعى وتجري وتتدفق شاقة غابات تختلف كثافة ونحافة، وتأخذ جوانبها من ~~كل مكان، وقد اختلفت فيها الأشجار، وانبثت في أرضها أنواع من العشب والزهر لا يبلغها ~~الإحصاء ولا ينالها العد، وامتلأ الجو من عبير هذه الأزهار، وأنفاس هذه الأشجار، وريح ~~هذه الأعشاب بشيء من العطر لا تستطيع أن تميزه ولا أن تحلله إلى أجزائه، ولكنك تستمتع ~~به استمتاعا غريبا، وتكاد تلمس بيديك ما يبعث في جسمك من الحياة، وإلى هذا النغم ~~المائي، وإلى عبير هذه الغابات تضيف الطير ألحانها المختلفة التي تصل إلى أذنيك في ~~سهولة ويسر إذا كنت إلى غدير هادئ أو نهر غير ثائر، والتي لا يصل إلى سمعك منها إلا ~~أطراف خفية دقيقة مختلفة إذا كنت إلى سيل ثائر مضطرب. ثم أنت لا تسعى في هذه الأرض على ~~مكان سهل منبسط، وإنما أنت مصعد أبدا أو منحدر ~~أبدا، ويظهر أن الذين يبصرون يجدون في هذا التصعيد والانحدار روعة لا تعد لها روعة، ~~يشرفون فيروعهم منظر ثم ينحدرون فيروعهم منظر آخر، ويظهر أن هذه المناظر المختلفة ~~الرائعة تتباين إلى غير حد باختلاف الجو صفوا وكدرا، وباختلاف ما ترسل الشمس من ~~أشعتها على هذه القمم المحيطة بك، والتي يجللها الثلج أبدا، والتي تقدم إليك من مختلف ~~الألوان نماذج ساحرة. # وأجمل ما يكون هذا المكان وأشد ما تكون فيه تأثرا وشعورا بضآلة الإنسان وجلال ~~الطبيعة حين يظلم الجو، ms082 وتكفهر السماء، وتتكاثف السحب بعضها فوق بعض؛ منها ما هو فوقك، ~~ومنها ما هو تحت قدميك، ومنها ما يكاد يحاذيك. ثم يضطرب هذا كله ويصطدم فإذا رعد يقصف ~~قصفا رائعا مهيبا، وإذا برق يأخذ أنحاء الجو، وإذا الجبال المحيطة تردد أصداء هذا ~~الرعد القاصف، وإذا هذه السحب قد انشقت فانهمر المطر انهمارا، وإذا هي ساعة أو بعض ~~ساعة وقد هدأ كل شيء، واستنار كل شيء، وظهرت الشمس ساطعة بهية، ومر بهذه الغابات ~~والأزهار والأعشاب نسيم عليل بليل يحمل إليك عطرا نديا. # في هذا البلد «أرجليس» «جازو» قضينا ثلاثة أسابيع، وفيه فكرت كثيرا وتأملت كثيرا ~~ووددت كثيرا لو استطعت أن أكتب، ولكن الله أراد ألا أكتب، وكنت قد أردت ذلك ~~أيضا. # نعم، كنت قد بلغت من التعب حظا عظيما قبل أن أترك مصر، وكنت قد انتهيت من ذلك إلى ~~أن كرهت القراءة والكتابة وكل ما يقرأ وكل ما يكتب، فعزمت إذا أتاح الله لي السفر أن ~~أقضي شهرا كاملا لا أقرأ فيه ولا حتى أسمع بقراءة ولا إملاء، وقد تم لي ذلك وأقسم لقد ~~كنت به شقيا كل الشقاء، ذلك أنا نخطئ الخطأ كله في تقدير آلامنا وفي تقدير لذاتنا ~~وفي تقدير حاجاتنا. يبلغ بنا الألم أقصاه أحيانا فيخيل إلينا أنه قد بلغ بنا أقصاه ~~حقا، وأنا لن نستطيع أن نحتمل ألما فوق ما احتملنا، ثم نتمنى الراحة ونطمح إلى ~~اللذة، فنقيس الراحة التي نتمناها، واللذة التي نطمح إليها بمقياس التعب الذي لقيناه ~~والألم الذي احتملناه، نتمنى راحة مطلقة ولذة لا حد لها، فإذا أتيح لنا أن نستريح فما ~~أسرع ما نمل اللذة وما أسرع ما نتمنى الألم! كذلك كنت في «أرجليس» ضيق الذرع بهذه ~~الراحة التي اضطررت نفسي إليها، شديد السأم لهذه اللذة التي طالما طمعت فيها، عظيم ~~التمني لذلك الألم الذي طالما شكوت منه، وكانت زوجتي تضحك مني وتتخذني سخرية، وربما ~~رقت لي فقرأت علي فصلا أو فصولا من كتاب، ولكنها كانت قد آلت كما آليت أن أستريح ~~فلا ms083 أحدثك عن هذه الراحة الثقيلة. # هناك خاطر يخطر لي في كثير من الأحيان، ولست أدري أيخطر لغيري من الناس أو هو مقصور ~~علي؛ لأن حالي الطبيعية هي التي تضطرني إليه ... ذلك أني أبغض نفسي أشد البغض، وأبغض معها ~~الحياة، وأرى كل شيء سيئا مرذولا، فأسأم كل شيء، وأزهد في كل شيء، وإنما تعرض لي هذه ~~العلة إذا اتصلت خلوتي إلى نفسي كما اتصلت في هذه الراحة التي أكرهت نفسي عليها. إذا ~~اتصلت خلوتي إلى نفسي فلم أقرأ ولم أكتب ولم أشترك في الحياة العامة، وإنما انقطعت إلى ~~نفسي أحيا هذه الحياة الخاصة الفاترة التي تكاد تنحصر في الحياة الجسمية، في هذا الطور ~~من أطوار الحياة يخلو الإنسان إلى نفسه حقا، وإذا كان العقل الإنساني لا يعرف الراحة ~~ولا يستطيعها، وإنما هو مفكر أبدا مشتغل أبدا، فإن العقل في أول هذه الخلوة يمضي في ~~عمله وتفكيره معتمدا على ما بقي له من المادة الفكرية أثناء العمل وقبل الراحة. فإذا ~~فرغ من هذه المادة بحثا وتفكيرا احتاج إلى تجديدها، احتاج إلى الغذاء المعنوي كما ~~يحتاج الجسم إلى الغذاء المادي، ولكنه قد أكره نفسه على الراحة، وأخذ نفسه بألا يقرأ ~~ولا يعمل، وهو مع ذلك مضطر إلى التفكير بطبيعته، وهنا الشر كل الشر، فهو يبدأ في أن ~~يفكر تفكيرا خطرا، يبدأ في أن يتخذ نفسه موضوعا للتفكير كما تبدأ المعدة الخالية في ~~هضم نفسها، يفكر الإنسان في نفسه فيحللها، ويبالغ في تحليلها، ويدرس الدقائق من عواطفه ~~ومشاعره وأهوائه درسا مفصلا دقيقا، فلا يرى من هذا كله إلا ما يشعره بأنه ضئيل ضعيف، ~~بأنه ليس شيئا يذكر، بأنه ليس شيئا يستحق الحياة، وربما فكر في الحياة فرأى أنها ليست ~~شيئا يستحق العناية. # وإذن فالسأم يقوم شيئا فشيئا حتى ينتهي إلى السخط وإلى سوء الخلق وإلى التشاؤم، وما ~~أظن إلا أن كثيرا من هؤلاء الفلاسفة المتشائمين قد اتخذوا مذهب التشاؤم دينا لهم؛ ~~لأنهم فكروا في أنفسهم وحللوها، ودرسوها أكثر مما ينبغي. لا أميل إلى أن ms084 يفكر الإنسان ~~في نفسه كثيرا، فالإنسان لا يستحق هذا التفكير، وإنما أميل إلى أن يشغل الإنسان نفسه ~~عن نفسه بالقراءة والحديث والعمل، والاستمتاع بلذات الحياة التي أباحاها الله والأخلاق. ~~ولولا هذه اللذات التي قدمت لك وصفها في أول الكلمة، ولولا أني كنت أشغل بها نفسي عن ~~نفسي كلما أحسست الحاجة إلى التفكير، لأصابني شيء من سوء الخلق غير قليل؛ لذلك تعبت في ~~«أرجليس» ولم أسترح. فلم أقض يوما هادئا، ولعلي لم أقض ساعات متصلة في اطمئنان ~~وهدوء ، وإنما كنت طوال الوقت أضطرب في الأرض، وأهيم في أنحائها متنقلا من غابة إلى ~~غابة ومن شاطئ إلى شاطئ ومن قرية إلى قرية، أترك هذا المرج لأسعى إلى مرج آخر، وأدع هذه ~~القرية لأزور قرية أخرى، وكذلك قضيت هذه الأسابيع لم يحس عقلي جوعا، ولم يستمتع جسمي ~~براحة، وكان من بين القرى أو المدن التي قضيت فيها يوما وفكرت فيها كثيرا مدينة ~~«لورد». # البوليجين في 12 اغسطس سنة 1924 ~~(2) مدينة لورد # Lourdes # يجب أن نعدو مع الطير لندرك القطار الأول ولنبلغ «لورد» في مبتدأ النهار، وغدونا مع ~~الطير فإذا جو بارد يلفح الوجه زمهريره، وينسيك أنك في أواخر شهر يوليو، وإذا الحاجة ~~ماسة شديدة إلى المعطف، وإذن لا بد من إخفاء اليدين ومن ستر العنق والوجه، ولكنا أبينا ~~أن نصطنع من ذلك شيئا عنادا لهذا الجو ولهذه الطبيعة التي تريد أن تغير الأشياء فتقر ~~الشتاء مكان الصيف. أبينا إلا أن نحتفظ بلباس المصطافين، ومضينا في طريقنا لا نحفل بهذا ~~الهواء البارد، ولا نحفل بهذا المطر الذي أخذ ينهمر بعد حين، والذي ما أسرع ما اخترق ~~ثيابنا الصيفية، وبعث فينا اضطراب العصفور بلله القطر، ولكننا مضينا في عنادنا ولم نحفل ~~بهذا الاضطراب، وأبينا إلا أن نعتبر أنفسنا في الصيف، ولم لا؟ ألم نتعود في مصر ضروبا ~~من الصبر والمقاومة وألوانا من الجلد والاحتمال؟ ومضى القطار بنا حتى بلغنا «لورد» قبل ~~الساعة التاسعة صباحا. فإذا مدينة كأحسن ما نعرف من المدن الفرنسية موقعا، يشرف عليها ms085 ~~الجبل ويجري من تحتها النهر، يتردد فيها هواء خفيف ولكنه ممتلئ حياة ونشاطا لا يكاد ~~يمسك حتى يجعلك حياة ونشاطا، فإذا أنت أقدر ما تكون على الحركة وأرغب ما تكون فيها، ~~وإذا أنت أقدر ما تكون على التفكير وأشوق ما تكون إليه، ولم نكد نترك المحطة ونندفع في ~~الشارع الذي ينتهي إلى المغارة حتى أحاطت بنا جموع من الرجال والنساء كلهم يعرض بضاعته، ~~وكلهم يلح في عرضها، وكلهم يتملقك ويترضاك، وما هذه البضاعة إلا الفنادق وإلا الغرف في ~~منازل بعض السيدات اللاتي نزلن في هذا الفصل عن بعض حجرهن وغرفهن واتخذنها تجارة ~~ومصدرا للكسب. # يتقدم إليك هذا السائق ليأخذ متاعك إلى سيارته الفخمة التي ستنتهي بك إن شئت إلى فندق ~~كذا، وهو ليس غاليا ولا مسرفا في الشطط، على أن فيه كل ما تحتاج إليه من أسباب الراحة ~~ووسائل النعيم، ويتقدم إليك هذا السائق ليأخذ متاعك إلى عربته التي ستنتهي بك إلى فندق ~~كذا، وهو فندق حسن الموقع تشرف منه على مناظر بديعة، وليس بينه وبين الغار إلا دقائق، ~~أما الأجر فقليل، وتتقدم إليك هذه السيدة باشة مبتسمة تعرض عليك غرفة جميلة واسعة حسن ~~الأثاث تشرف منها على الغار، أما الأجر فنستطيع أن نتفق عليه، وثق بأن ستكون مسرورا، ~~ولكننا نجتهد في أن نخلص من هؤلاء الناس جميعا، فلم نأت «لورد» لنأوي إلى فندق أو ~~خان، ولا لنمكث فيها أياما، وإنما أتيناها لنمكث فيها ساعات ثم نعود أدراجنا، فقد زرنا ~~«لورد» وزرناها وأكثرنا من زيارتها، ولولا شيء سمعناه أمس لما فكرنا هذه السنة في أن ~~نراها، ولكننا نتحدث فيما بيننا ونحن نشق صفوف هذه الجموع المزدحمة أمام المحطة بأن ~~الفصل سيئ هذه السنة في «لورد»، وأن تجار هذه المدينة سيشقون بهذا الصيف. فقد كانت ~~«لورد» دائما شديدة الغلاء، ولا سيما في شهري يوليو وأغسطس؛ حيث يزدحم عليها الحجيج من ~~كل صوب، وحيث تضيق بالأجيال المختلفة التي تؤمها من أقطار الأرض المسيحية كلها. # نعم! الفصل سيئ في هذه السنة؛ فالحجيج قليل ms086 والفنادق بعيدة كل البعد عن أن تسترد ~~شيئا من نفقاتها الضخمة، وهذه الحوانيت الكثيرة التي لا تكاد تحصى، والتي تكتظ بألوان ~~البضائع المختلفة، ولا سيما هذه البضائع التي تخصص للتقوى والعبادة. هذه الحوانيت ~~محزونة كئيبة تحس الكساد وتألم له، فالناس لا يزدحمون عليها، وهم لا يستبقون إلى ~~الصلبان والسبح والتمائم، وإنما يمرون بهذا كله معرضين عنه زاهدين فيه، وما مصدر هذا ~~الكساد؟ وما علة هذا الإحجام عن الحج في هذا العام؟ أما أنا فضحكت، وعللت ذلك بانتصار ~~حزب الشمال في الانتخابات الفرنسية الأخيرة. فأنت تعلم أن حزب الشمال الفرنسي ملحد مسرف ~~في الإلحاد إلى حد أنه يتخذ الإلحاد دينا، وإذ قد انتصر هذا الحزب، وانتصر بالطرق ~~الديمقراطية الصحيحة؛ أي برضا الفرنسيين وإرادتهم، فلا بد من أن يكون هناك اتصال بين ~~انتصار الإلحاد وكساد التجارة في «لورد» وإحجام الناس عن الحج إليها، وأما زوجي فضحكت ~~وسخرت مني ومن حزب الشمال ومن أحزاب اليمين أيضا، وأخذت تلتمس العلة لهذا الكساد، ~~وإحجام الناس عن الحج إلى «لورد» في ظروف الحياة الاقتصادية التي ارتفعت لها حاجات ~~الناس ارتفاعا شديدا. ألم ترتفع أجور السكك الحديدية ارتفاعا فاحشا أحجم له الناس ~~لا عن الحج إلى «لورد» وحدها، بل عن الحج إلى هذه المواقع الطبيعية البديعة في الجبل ~~وعلى سواحل البحر. فالفصل ليس سيئا في «لورد» وحدها، وإنما هو سيئ في هذا الإقليم كله، ~~وما أحسب إلا أنه سيئ في جميع مواضع الراحة في فرنسا. ومن هم الذين يحجون إلى «لورد»؟ ~~ألم تكن كثرتهم المطلقة من الفقراء، والذين يشبهون الفقراء، والذين يحتاجون إلى الحساب ~~والتدقيق في الحساب ليعيشوا فضلا عن أن يستمتعوا بشيء من اللهو والراحة، أو أن يبيحوا ~~لأنفسهم سياحة من السياحات؟ # الظروف الاقتصادية إذن هي التي صرفت الناس عن «لورد» لا الظروف الدينية ولا الظروف ~~السياسية، ومهما يكن من شيء فقد زرنا «لورد» ومضينا في شوراعها، وانتهينا إلى الغار ~~وإلى الينبوع، فإذا حولهما جماعات من الناس لا تذكر بالقياس إلى تلك الجماعات التي كنا ~~نراها ms087 من قبل، ولكنها مع ذلك كثيرة، ولكنها مع ذلك بائسة، ولكنها مع ذلك تملأ القلوب ~~حزنا وحسرة، ولكنها مع ذلك تدعو العقل إلى التفكير، وتبعث الإنسان إذا كان جافيا ~~غليظ الطبع على أن يسخر من الإنسان، وتبعثه إن كان رقيقا حساسا على أن يعطف على ~~الإنسان. انظر إلى هؤلاء الناس الذين انبثوا حول الغار والينبوع حاسرين يصلون ويضرعون ~~ويتوسلون، ويتمسحون بالأحجار، ويغمسون أيديهم في الماء ويشربون منه، وفيهم المكفوف ~~وفيهم المقعد وفيهم من أصابته ضروب الشلل وفيهم من ألح عليهم الجذام وفيهم من أنهكتهم ~~العلل المتباينة، وفيهم الأصحاء أقبلوا يتضرعون لأبنائهم وبناتهم وآبائهم وأمهاتهم ~~وإخوانهم وأخواتهم، كل هؤلاء منبثون حول الغار والينبوع لا يضحكون ولا يلهون، ولا ~~يحفلون بجمال الطبيعة، ولا يستمتعون بروعة المنظر، ولا يكترثون لهذا الجو الذي قد يبرد ~~حتى يبعث الرعدة وقد يسخن حتى يتصبب له العرق، وهم منصرفون عن هذا كله إلى صلاتهم ~~يبتهلون إلى العذراء التي ظهرت في هذا المكان سنة 1858 للفتاة «برنديت» وأوحت إليها أن ~~تأمر الناس بإقامة كنيسة لها في هذا المكان، وأثبتت ظهورها بإخراج هذا الينبوع الذي ~~تفجر عنه الصخر أمام هذه الفتاة الراعية فرآه الناس وآمنوا له، وصدقوا الفتاة، وتحولت ~~له هذه القرية التي كانت خاملة إلى مدينة ضخمة فيها من أسباب الترف وألوان النعيم ما لم ~~تبلغه مدن كثيرة قديمة العهد بالنمو في هذا الإقليم. # يبتهل هؤلاء الناس إلى هذه العذراء أن تشفي مرضاهم، وينتظرون الساعة المعينة التي ~~يقوم فيها رجال الدين بحركاتهم اليومية فيغمسون المرضى في الماء المقدس، ماء الينبوع، ~~ويصلون ويبتهلون وينتظرون المعجزة، فتواتيهم حينا وتخلفهم حينا، ومن سوء حظ «لورد» ~~ورجال الدين في هذا العام أن العذراء لم تحدث معجزة منذ ابتدأ الفصل، وهم يبتهلون ~~ويتضرعون ويلحون في الابتهال والتضرع، ويغمسون المرضى في الماء ويخرجونهم منه، ثم ~~يردونهم إليه ويخرجونهم منه، والأساقفة يترددون على المدينة ويشرفون على هذه الحفلات ~~والصلوات، ولكن العذراء عنهم معرضة لا تسمع لهم ولا تلتفت إليهم، وكانت قد عودتهم أن ~~تحدث لهم ms088 في كل عام معجزة أو معجزات، فما لها هذا العام قد تركت مدينتها وأعرضت عن ~~عبادها؟ أما أنا فضحكت هذه المرة كما ضحكت في المرة الأولى، وقلت إن العذراء مغضبة؛ لأن ~~حزب الشمال قد انتصر في الانتخاب، ولو قد انتصر حزب اليمين لما تصرم يوم من أيام هذا ~~الفصل دون أن تحدث العذراء معجزة تضطرب لها أرجاء الأرض، ولو قد انتصر حزب الوسط الذي ~~ليس هو بالمؤمن ولا بالملحد، ولكنه على كل حال قد استأنف العلاقات السياسية مع «البابا» ~~لما رضيت العذراء أن يتصرم الفصل أو جزء عظيم منه دون أن تحدث معجزة أو معجزات، ولكن ~~زوجي زجرتني زجرا شديدا وهي تقول: ما يصلح هذا الوضع لمثل هذا الهذيان، فأرجئه إلى ~~حيث تخلو إلى نفسك فلا تؤذ به أحدا ... فسكت، ولكني لم أحدثك إلى الآن عن السبب الذي من ~~أجله فكرت في أن أزور «لورد» هذا العام، وهو سبب لا يحتاج إلى أن يكون موضوعا للحديث، ~~ولكنه مع ذلك كلفني هذه السياحة القصيرة، وأزعجني عن مضجعي ولما تشرق الشمس. ذلك أني ~~سمعت القسيس يخطب الناس في «أرجليس» ويقرأ عليهم منشورا أصدره «البابا» رفع به ~~«برنديت» - هذه الفتاة الراعية التي ظهرت لها العذراء في «لورد» - إلى منزلة السعداء، ~~التي ليس فوقها إلا منزلة واحدة فيما أظن هي منزلة القديسين. # قرأ القسيس هذا المنشور، ثم انتقل منه إلى حياة «برنديت» فذكرها مفصلة، حتى إذا بلغ ~~ظهور العذراء لهذه الفتاة الراعية أخذ يلح في إثبات ذلك بالأدلة المختلفة، ثم أخذ يسرد ~~المعجزات أو طائفة من المعجزات التي أحدثتها العذراء في «لورد»، فإن هذه المعجزات لا ~~يمكن أن تحصى، وأخذ يذكر لنا معجزات قائمة بين أيدينا لا سبيل إلى جحودها، فهذه السيدة ~~التي تتردد في الكنيسة لتجلس الناس وتتقاضى منهم أجور الكراسي وتتقاضى منهم الصدقات، ~~هذه السيدة التي ترونها جميعا في حركاتها ونشاطها وخفتها، هذه السيدة انظروا إليها ~~تسعى بينكم. ليس بينها وبين أشدكم قوة فرق. انظروا إليها، لقد كانت مقعدة فأطلقت ~~العذراء ساقيها ms089 في «لورد»، وأنتم أهل هذه المدينة تعرفون فلانة وتعرفون علتها التي أعيت ~~الأطباء أعواما، لقد شفتها العذراء في العام الماضي، وما أظن أن منكم من يجرؤ على ~~إنكار هذه الواقعة ... # وفي الحق أن أهل المدينة لا ينكرون هذه الواقعة ولا الواقعة التي سبقتها، ولكن في ~~الحق أيضا أني رأيت امرأتين؛ إحداهما بدالة تبيع ألوان البقل وضروبا من المتاع وهي ~~عرجاء أصابها ألم في القدم منذ سنين، وعجز الأطباء عن شفائه، ولم تغن فيه المياه ~~المعدنية المختلفة شيئا، وهذه المرأة تتردد كل عام إلى «لورد» فتشرب من ينبوعها، ~~وتستحم في أحواضها كما كانت تتردد إلى المدن والقرى التي تمتاز بمياهها المعدنية الحارة ~~والباردة، وتصلي إلى العذراء وتبتهل دون أن تحدث العذراء فيها معجزة، وهي غير يائسة ~~ولا قانطة، بل هي تعتزم السفر إلى لورد بعد أيام. والأخرى امرأة عرجاء أيضا، ولدت ~~معوجة الساقين فهي لا تمشي وإنما تحجل، وتجد في ذلك مشقة شديدة. رأيتها في بعض ~~الرياضات؛ لأنها مكلفة أن تحرس ممر القطار في طريق مسلوكة، وكنا قد أخطأنا الطريق إلى ~~المدينة فما زالت معنا حتى اهتدينا، وقد قطعت بنا طرقا مجهولة شاقة، فتحدثنا إليها ~~أكثر من نصف ساعة، وعرفنا علتها، وعرفنا أنها ألحت على العذراء، وشربت كثيرا من ينبوع ~~«لورد»، وانغمست كثيرا في أحواض «لورد»، ولكن العذراء لم تلتفت إليها، فيئست من ~~العذراء، وجحدت «لورد» وسخرت منها، ورضيت علتها واطمانت إليها. رأيت هاتين المرأتين ~~ولكنهما - فيما يظهر - لا تصلحان حجة على أنصار «لورد»؛ فالعذراء ليست مكلفة أن تشفي كل ~~مريض، وإنما هي تشفي من تريد أن تشفي. ومن يدري؟ لعلها تشفي المرأتين في يوم من الأيام. ~~سمعت ما سمعت ورأيت ما رأيت، فاشتقت إلى زيارة «لورد» وطمعت في أن تظهر معجزة يوم ~~زيارتي، ولست أمزح ولا ألهو فإن المعجزات قد ظهرت في «لورد»، وما أظن إلا أنها ستظهر ~~أيضا، غير أن العلماء يعللون هذه المعجزات تعليلا ويعللها القسيسون تعليلا آخر، وأنت ~~حر في أن تصدق العلماء أو في أن تصدق ms090 القسيسين. أما أنا فقد طمعت في أن أرى المعجزة، ~~ولكني لم أر شيئا. ثم طمعت في أن أسمع بالمعجزة أثناء إقامتي في «أرجليس»، على مسافة ~~قصيرة من «لورد»، ولكني لم أسمع شيئا. ثم سافرت من «أرجليس» وإني لفي القطار إلى حيث ~~أقيم الآن، وإذا سيدتان تتحدثان ... ماذا أسمع؟ أصغيت ثم استعادت السيدتين ~~حديثهما. # ظهرت المعجزة في لورد منذ يومين اثنين، ذلك أن أسرة إسبانية أقبلت إلى لورد ومعها ~~فتاة مقعدة فلم يكد رجال الدين يغمسون هذه الفتاة في الحوض، ويفرغون من صلاتهم ودعائهم ~~حتى نهضت الفتاة معتدلة القوام. لا أقول تسعى بل تجري. ظهرت المعجزة في لورد، وذاع ~~أمرها، وتحقق الناس صحتها، واعترف بذلك مكتب الإثبات الطبي الذي أقيم في لورد؛ ليثبت ~~صحة المعجزات أو ينكرها، وإذن فسيحسن الفصل في لورد هذا العام، ولكني آسف الأسف كله؛ ~~لأني لم أسمع بهذه المعجزة إلا في القطار على بعد عشر ساعات من لورد. # بوليجان «فرنسا» في 19 أغسطس سنة 1924 ~~(3) الخيل! الخيل! # دوى هذا النداء في أرجاء الغابة، وما أسرع ما استجاب له الفرسان يهرعون من كل صوب ~~حتى بلغوا جيادهم فامتطوها، وما هي إلا أن أخذت تعدو بهم عدوا سريعا، ولكنه منسجم ~~تنظمه ألحان الموسيقى التي لا تخلو من عذوبة ساذجة، ولا تبعث على حرب، ولا تدعو إلى ~~قتال؛ ذلك أن هؤلاء الفرسان لم يكونوا رجالا، وإنما كانوا أطفالا، وأن هذه الخيل لم ~~تكن جيادا مطهمة كريمة النسب، وإنما كانت جيادا من الخشب. # دعا الداعي: الخيل! الخيل! فأسرع الأطفال إلى الخيل فامتطوها، وأسرعت الخيل فدارت ~~بهؤلاء الأطفال، وأسرعت الموسيقى فعزفت لهم ألحانها، ووقف الكبار من رجال ونساء ينظرون ~~ويبسمون فرحين مبتهجين بما يستمتع به أبناؤهم من هذا اللهو البريء، ثم انتهت دورة الخيل ~~وآن دفع الأجر، وتقدم الناس يؤدون هذا الأجر عن أبنائهم، فإذا هذا الأجر مضاعف هذا ~~المساء، وإذا الذي يتقاضاه من الناس قسيس يزدان بلباسه التيلي، وإذا الناس يبذلون ما ~~يطلب إليهم عن طيب نفس وقرة عين، وإذا القسيس ms091 يستأنف دعاءه بصوته الضخم: الخيل! الخيل! ~~وإذا الأطفال يسرعون إلى هذه الخيل فيمتطونها وإذا الموسيقى تستأنف لحنها. وقضى القسيس ~~مساءه على هذه الحال يدعو إلى الخيل ويشرف على دورة الخيل ويتقاضى أجور الخيل. # وعلى مسافة قصيرة من هذا القسيس الذي وقف مساءه على تلهية الأطفال وجمع المال طائفة ~~من السيدات، من خيرة السيدات من ذوات المكانة في المدينة، قد اتخذن لباس الخدم وطفن على ~~الناس يقدمن إليهم ألوان الحلوى وصنوف الفاكهة وأكؤس الشاي، ويقدمن مع هذه الأطعمة ~~والأشربة بسمات عذبة وضحكات حلوة ولحظات فتانة، ويتقاضين أجر هذا كله أضعافا مضاعفة. ~~وعلى مسافة من هؤلاء السيدات طائفة أخرى من الفتيات الناشئات يطفن على الناس بأوراق ~~النصيب، والناس يتهافتون على هذا كله يطعمون ويشربون ويشترون الورق ويمزحون ويفتنون في ~~اللهو النزيه افتنان الأطفال في اللهو البريء. ذلك أن المدينة قد أقامت في هذا اليوم ~~حفلا لعمل من أعمال البر، فأدى كل واحد من أهل المدينة ما للبر عليه من حق، دفع هذا ~~ماله ووقف هذا وقفه، وآثر هذا بلهوه هذا العمل الخيري. وليس في هذا الأمر بدع، فحفلات ~~البر مألوفة في أوروبا ومصر، وأسواق البر معروفة هنا وهناك. والخلقيون يختلفون اختلافا ~~شديدا في الحكم على هذه الحفلات والأسواق، قوم يحمدونها لأنها تؤدي إلى الخير، وقوم ~~يمقتونها لأنها لا تخلو من لهو وتكلف، ولأن الخير خليق أن يصدر عن الإنسان كما تصدر ~~الأشياء الفطرية في غير حيلة ولا تصنع. ليس في هذه الحفلات بدع إذن، وما كنت لأحدثك ~~عنها لولا أن رأيت هذا القسيس قد اختار لنفسه هذا النوع من العمل، فقضى ساعات من نهاره ~~لا يقدس الله، ولا يقرأ الإنجيل، ولا يتغنى بهذه الأغاني التي يقصر عليها القسيسون ظهر ~~يوم الأحد عادة في كنائسهم، وإنما يشرف على لهو الأطفال، ودورة الخيل، ويصيح بأعلى ~~صوته من حين إلى حين: الخيل! الخيل! ويتوسم وجوه الناس فيأخذ منهم أجر الخيل متناسبا ~~مع ما توسم في وجوههم من ثراء أو عسر. لولا أني رأيت هذا القسيس ms092 وسمعته لما فكرت في أن ~~أتحدث إليك بشيء عن هذا الحفل، بل لقد كنت أود لو لم أكتب بهذا الحديث إلى «السياسة» ~~ولا إلى صحيفة سيارة. كنت أود لو جعلت هذا الحديث موضوع رسالة خاصة أبعث بها إلى صديق ~~من أصدقائي علماء الدين الإسلامي في مصر، أبعث بها إلى الأستاذ الزنكلوني مثلا! ولكني ~~أحببت أن تكون هذه الرسالة ذائعة يقرؤها الأزهريون جميعا، ويفكرون فيها قليلا أو ~~كثيرا. # لست أخفي على الأزهريين وعلى علماء الدين خاصة، أني أعجبت بهذا القسيس، وتمنيت لو ~~أرى علماء الدين عندنا يشرفون على مثل هذه الخيل، ويدعون إليها مثل هؤلاء الأطفال، ~~ويتقاضون على ذلك مثل هذا الأجر، يضاعفونه ما شاءت لهم حاجة الأعمال الخيرية التي يدعو ~~إليها الدين أو التي تمس إليها حاجة الفقراء والبائسين في مصر. # أعتقد أن علماء الدين في حاجة شديدة إلى الوقار والمهابة، وأن حاجتهم إلى الوقار ~~والمهابة تحظر عليهم حركات ومواقف تباح لغيرهم من الناس، ولكني أعتقد أن هذا القسيس ~~الذي كان يدعو الأطفال إلى الخيل لم ينزل من وقاره عن قليل ولا كثير، وإنما أضاف إلى ~~هيبته هيبة، وإلى وقاره وقارا، وأدى عمله الديني كما ينبغي أن يؤديه حين سلك إلى ~~الخير هذه السبيل الخصبة التي تجمع له من المال ما يحتاج إليه دون أن يتكلف استجداء أو ~~يتحمل العناء في دعوة الناس إلى الصدقة والإحسان. فما الذي يمنع رجال الدين في مصر أن ~~يسلكوا مثل هذه السبل؟ ما الذي يمنع رجال الدين؟ يمنعهم أنهم يعيشون في عصرهم هذا دون ~~أن يكونوا من أهله، ودون أن يشعروا شعورا صحيحا بحاجاته وضروراته ووسائل العيش فيه، ~~ثم يمنعهم أن الدولة تدر عليهم أرزاقا قد لا تكون كثيرة ولا غزيرة ولكنها الآن أكثر ~~وأغزر منها منذ عشر سنين، هي بحيث تمكنهم من الحياة الهادئة المطمئنة، وما أحسبهم ~~يطمعون - مع الأسف الشديد - في أكثر من الحياة المطمئنة. ثم يمنعهم شيء آخر هو أجل من ~~هذا كله خطرا، وأنا قائله ومعتذر إلى علماء الدين من ms093 هذه الصراحة في القول؛ يمنعهم أن ~~الواجب الذي يشعرون به ويعتقدون أنهم مكلفون أداءه في هذه الحياة ضيق جدا، أضيق من ~~الواجب الحقيقي الذي يفرضه عليهم الدين وحاجة الاجتماع. هم يعتقدون أنهم علماء؛ أي إن ~~الله قد أودعهم علوم الدين؛ فهم يبذلون هذه العلوم للناس في الأزهر وملحقاته، وهم ~~يصلون ويشرفون على إقامة الشعائر الدينية الرسمية. وإذا ألقوا دروسهم، وأدوا صلواتهم، ~~وألقى بعضهم من حين إلى حين خطب الوعظ، فقد أدوا ما يجب عليهم لله والناس. وإذ كان ~~الناس لا يطمعون في علوم الدين اليوم كما كانوا يطمعون فيها في القرن الماضي، وإذ كان ~~الناس لا يختلفون إلى المساجد في هذه الأيام كما كانوا يختلفون إليها في الأيام ~~الماضية، فقد أصبح نفع العلماء للهيئة الاجتماعية - كما يقولون - محدودا، قليلا، ~~وسيشتد قلة مع مضي الزمن؛ لأن اختلاف الناس إلى الأزهر سيقل غدا كما قل اليوم، ومن هنا ~~يزيد العلماء على حاجة الاجتماع، وتصبح طائفتهم بعد زمان طويل أو قصير طائفة لا تشتد ~~الحاجة إليها. إذن فالعلماء بين اثنين، إما أن يقاربوا بين أنفسهم وبين العصر الذي ~~يعيشون فيه، وأن يصبحوا كغيرهم من الناس يشعرون بما يشعر به معاصروهم، وإما أن يستعدوا ~~لهذا اليوم الذي ليس منه بد، والذي يصبحون فيه عالة على الجماعة المصرية لا يرجى منهم ~~خير، ولا يعتمد عليهم في نفع. # نعم! يتصور العلماء واجبهم تصورا ضيقا جدا، فهم مكلفون شيئا آخر غير إلقاء ~~الدروس وإقامة الصلوات، هم مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولم يقل أحد إن ~~إلقاء الدروس وإقامة الصلاة هما كل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هم مكلفون أن ~~يشتركوا في جميع أعمال الخير، هم مكلفون أن يحتملوا ألوان العناء في كشف الضر عن ~~البائسين. هم مكلفون ألا تخلو منهم جماعة خيرية. هم مكلفون ألا تخلو محلة في مصر من ~~آثارهم الخيرية. هم مكلفون أن يتصوروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصورا صحيحا ~~واسعا يجعلهم عضوا نافعا في الجماعة. # لو يعلم رجال الدين عندنا ماذا ms094 يصنع رجال الدين في أوروبا من هذه الناحية لدهشوا ~~دهشا عظيما، ولعلموا أنهم بعيدون كل البعد عن أداء واجبهم الديني. كتبت من أوروبا في ~~السنة الماضية فصولا عن رجال الدين الغربيين، وعن هذا الجهد العظيم الذي يبذلونه ليكون ~~حظهم من العلم والفن كحظ غيرهم من رجال العلم والفن، وذكرت هذا الأسقف الذي اشترك في ~~مؤتمر التاريخ في بروكسل، وذكرت هؤلاء القسيسين الذين قدموا إلى هذا المؤتمر مذكرات ~~قيمة تمس فروع التاريخ على اختلافها، وتمنيت لو استطاع عالم من علماء الدين عندنا أن ~~يشترك في المؤتمر الجغرافي الذي سيقام في مصر في العام المقبل. أما في هذا الفصل، فلست ~~أذكر علم رجال الدين الغربيين، ولا اجتهادهم في تحصيل العلم، وإنما أذكر تصورهم لواجبهم ~~الديني، وهو مع الأسف الشديد أصح وأرقى من تصور علمائنا لواجبهم. # اذهب إلى أصغر قرية وأحقرها من قرى أوروبا وتبين عمل القسيس في هذه القرية، تجده ~~عظيما، شديد التشعب، فهو يؤدي قبل كل شيء واجبه الديني المعقد في الكنيسة، يقيم هذه ~~الصلوات الكثيرة المتنوعة، ويتقبل اعترافات المؤمنين إلى غير ذلك من أعمال الكنيسة. وهو ~~يعنى بكنيسته عناية مادية، فيشرف لا على أن تكون نظيفة حسنة النظام، بل على أن تزدان ~~بما استطاع أن يزينها به من آثار الفن، ثم هو بعد هذا أستاذ ديني لأطفال القرية جميعا ~~يختلفون إليه في كل يوم يأخذون عنه مبادئ الدين وأصوله، ثم هو موسيقي بحكم عمله الديني، ~~وهو أستاذ للموسيقى في قريته، ثم هو متغلغل في حياة القرية لا يفلت من يده مولود ولا ~~ميت، يتلقى المولود ليعمده ويزور المحتضر ليصلي عليه ويلهمه كلمة الدين، وهو يجود ~~بنفسه، ويودعه إلى قبره. ثم هو بعد هذا كله مكلف بحكم الدين أن يبحث عن الضعفاء وذوي ~~الحاجة فيواسيهم ويعزيهم، ويلقى ألوان العناء في حمل الناس على الصدقات، يأخذ من ~~أغنيائهم ما يرده على فقرائهم، ثم هو بعد هذا وذاك رجل طلعة يريد أن يتعلم، فهو يختص ~~بدرس نوع من أنواع العلم أو لون من ms095 ألوان الفن. # هذه خلاصة حياة القسيس في قرى أوروبا ومدنها، فأين منها حياة رجال الدين في الشرق ~~الإسلامي؟ ومن هنا انتهت أوروبا إلى ما انتهت إليه من الإلحاد والكفر ورفض الدين، ~~ولكنها لم تستطع - ولن تستطيع - أن تخلص من القسيسين؛ ذلك لأن القسيسين يتطورون مع ~~أوروبا، ويحتالون في ألا تفوتهم الجماعات أو تفلت من أيديهم، ويسلكون السبل المختلفة ~~ليصلوا إلى قلوب الناس من طريق الدين إن كانوا مؤمنين، ومن طريق العلم إن كانوا علماء، ~~ومن طريق الفن إن كانوا فنيين، ومن طريق الخير إن كان شيء من هذا لا يعنيهم. ومن هنا ~~كان القسيس في أوروبا جزءا غير منفصل من الجماعات، لا يستغني عن الجماعة، ولا تستغني ~~الجماعة عنه. ومن هنا انفصلت الكنيسة عن الدولة في فرنسا - مثلا - وانقطعت معونة ~~الدولة للكنيسة، فما انهارت الكنيسة، ولا افتقر رجالها، وإنما أدى الناس إلى الكنيسة ~~ورجالها أضعاف ما كانت تؤديه إليهم الدولة. وهذه مدارس الكنيسة في فرنسا تزاحم مدارس ~~الدولة فتزحمها، فأين رجال الدين في الشرق الإسلامي من رجال الدين في الغرب المسيحي؟ ~~وماذا يرى الأستاذ الزنكلوني والأستاذ أبو العيون وأصحابهما في هذا كله؟ وأيهما أجدى ~~وأليق بالكرامة؟ أن يعمل رجال الدين حتى يكرهوا الدولة والأمة على أن يشعروا بالحاجة ~~إليهم، أم لا يعملوا وإنما يلحون في الطلب، ويبالغون في الإلحاح، ويحرصون على أن ~~يتدخلوا في كل شيء دون أن يشعر الناس بنفعهم حين يتدخلون في كل شيء؟ أما إني أتمنى على ~~الأساتذة علماء الدين أن يفكروا في هذا ويطيلوا التفكير فيه، فقد يجدون فيه عظة وعبرة. ~~ثم لا أخفي عليهم أني معجب بهذا القسيس الذي سمعته يدعو الأطفال إلى الخيل، وأتمنى أن ~~أجد بين شيوخنا من يستطيع في يوم من الأيام أن يدعو الأطفال إلى الخيل دون أن يجد من ~~جبته وعمامته ما يصرفه عن ذلك أو يزهده فيه. # البوليجين في 21 أغسطس سنة 1924 ~~(4) باريس # أريد أن أكتب عن باريس، ولكني لا أدري ماذا أقول عن باريس، لا لأن الكلام ms096 يعوزني، ولا ~~لأن الخواطر تنقصني، بل لأن لدي خواطر لا أستطيع أن أحصيها، ولا أن أنظمها، ولأن لدي ~~كلاما لا أستطيع أن يؤثر بعضه على بعض، فما أكثر ما أريد أن أقول، وما أشد عجزي عن ~~تسطير ما أريد أن أقول! وماذا تريد أن أفعل ولست من الفن ورقة القلب بحيث كان الكاتب ~~الفرنسي «رينان» الذي زار عاصمة العالم القديم فقدم إلى آلهتها هذه الآية الفنية ~~الخالدة التي هي صلاته إلى آلهة الحكمة في أتينا؟ ماذا تريد أن أفعل وليس لي حظ «رينان» ~~من الفن ، ولا من رقة القلب، وقد حرمني الله كل خيال أو قدرة على التصرف في الخيال، ومع ~~ذلك ففي باريس آلهة يستحقون أن يتقدم إليهم الإنسان بالصلاة كما تقدم «رينان» إلى آلهة ~~الحكمة في مدينة أتينا؟ # في باريس علم لا يقاس إليه علم الأتينيين، وفي باريس فلسفة لا تقاس إليها فلسفة ~~الأتينيين، وفي باريس حرية لا تذكر معها حرية الأتينيين، وفي باريس حضارة تهينها إن ~~قرنت إليها حضارة الأتينيين، وفي باريس حياة يعجز الفرد مهما تكن قوته عن فهمها ~~والإحاطة بها، والتعمق في تحليلها، ثم يعجز الفرد مهما تكن قوته عن أن يعطيك منها صورة ~~صحيحة أو مقاربة. ليس بين أتينا وباريس إلا شبه واحد، وهو أن أتينا كانت عاصمة العالم ~~القديم، وأن باريس عاصمة العالم الحديث. فإذا قررنا هذا الشبه فيجب أن نقرر ما بين ~~المدينتين من فرق، وهو عظيم أعظم من أن نتصوره، هو الفرق بين العالم القديم والعالم ~~الحديث. # أنا مفتون بأتينا وفلسفتها وفلاسفتها وحريتها وزعمائها، ولكني على هذه الفتنة لا ~~أستطيع أن أقيس أتينا إلى باريس. # علم الأتينيين وفلسفتهم، ماذا كانا بالقياس إلى ما في باريس من علم وفلسفة؟ كانا ~~محاولة ساذجة غليظة فيها ضعف الأطفال وغرورهم لفهم الحياة وتفسيرها. حرية الأتينيين، ~~ماذا كانت بالقياس إلى الحرية في باريس؟ كانت نوعا من الامتياز لطائفة من الناس وضربا ~~من التسلط والاحتكار انتهى بمصادرة حرية الرأي وبالحكم على سقراط بالموت. أما باريس ~~فيكفي أن ms097 تصل إليها، وأن تعيش فيها يوما أو بعض يوم لتشعر بما لها من عظمة وجلال وحق ~~في الخلود. لست في حاجة إلى أن تفهم، ولست في حاجة إلى أن تحلل، ولست في حاجة إلى أن ~~تكون عالما أو أديبا لتكبر باريس أو تقدر مكانتها في الحياة الحديثة، وإنما يكفي ~~أن تكون قادرا على أن ترى، وقادرا على أن تسمع، وقادرا على أن تتنسم الهواء، وأنا ~~زعيم لك بأنك ستقدر باريس وتكبرها وتحبها. # ليس لي حظ «رينان» في الفن لأقدم إلى باريس الخالدة مثل ما قدم هو إلى أتينا ~~الخالدة، وليس لي حظ هذا الصديق المسافر الذي يرسل مذكراته إلى «السياسة» من حين إلى ~~حين والذي أحسبه عاد الآن إلى مصر، أقول ليس لي حظ من حلاوة الفكاهة ودقة الملاحظة وخفة ~~الروح وسلامة الذوق لأحدثك عن باريس بشيء يشبه ما حدثك به عنها، وإنما أنا بعيد كل ~~البعد عن هذه الخصال التي امتاز بها هذا الصديق، فجعلت فصوله ومقالاته حلوة عذبة، أو ~~جعلتها الحلاوة والعذوبة نفسهما. ولكن لي وجها خاصا في حب باريس والإعجاب بها ~~والحياة فيها. وأحسب أن لكل إنسان يحب باريس وجها خاصا في حبه لهذه المدينة، فأنت لا ~~تستطيع أن تحبها من كل وجه؛ لأنها أوسع من حياتك وأعظم من قدرتك على الحب، وأرفع وأجل ~~من أن يحيط بها فرد أو أفراد. أما حين كنت مقيما في الجبل أخرج من حين إلى حين للرياضة ~~فأزور القرى وأتبين ما فيها من جمال طبيعي أو إنساني، فقد كنت لا أصل إلى قرية أو محلة ~~إلا حاولت أن أشرب من مائها، وكان يخيل إلي أني متى ذقت هذا الماء الذي ينحدر إلى هذه ~~القرية أو المحلة، ويعيش منه أهلها فقد اتصلت نفسي بهذه القرية أو المحلة، وشاركت أهلها ~~في شيء من الأشياء. كذلك كنت وأحسبني سأكون أبدا لا أبلغ مكانا إلا حاولت أن تكون ~~بيني وبينه صلة قوية أو ضعيفة. أما إذا بلغت باريس فلست أطمع في أن أشرب من مائها ms098 لأوجد ~~الصلة بيني وبين أهلها، وإنما أطمع في أشياء أخرى بها توجد هذه الصلة. ولا أعتقد أني في ~~باريس حقا إلا إذا أرضيت نفسي من هذه الأشياء، يجب أن أشتري كتابا في العلم أو في ~~الأدب، وأن أقرأ منه فصلا أو فصولا، ويجب أن أذهب إلى ملعب من ملاعب التمثيل الهازل ~~أو الجاد، وأن أصفق مع المصفقين، وأضحك مع الضاحكين، أو أبكي مع الباكين. ثم يجب أن ~~أذهب إلى مكان من هذه الأمكنة التي يختلف فيها الباريسيون إلى آيات الموسيقى فأستمع ~~لهذا اللحن البديع، وأنسى أمامه نفسي ساعة أو ساعتين. فإذا اشتريت كتابا وقرأت، وإذا ~~ذهبت إلى ملعب التمثيل وتأثرت، وإذا سمعت الموسيقى وذهلت لها، فأنا في باريس حقا، ~~أشعر بما يشعر به الباريسيون، وقد وجدت بيني وبينهم هذه الصلة التي أحب أن توجد بيني ~~وبين كل مدينة أو قرية أزورها. # ولغيري وجوه أخرى في حب باريس. هناك من يحب باريس لما يجد فيها من هذه الحركة ~~العنيفة، حركة الحياة العملية، وهناك من يحب باريس لأن فيها «مونمارتر»، وهناك من يحب ~~باريس لأن فيها للفرد حرية لا تعدلها حرية، وضروبا من اللذات منها المباح ومنها ~~المنكر، منها ما يستطيع الإنسان أن يعلنه إلى الناس جميعا، ومنها ما يحب الإنسان أن ~~يخفيه حتى على نفسه. وهناك وجوه أخرى لا يكاد يبلغها الإحصاء، ولكنها كلها تنتهي إلى ~~نتيجة واحدة وهي أن شعوب الأرض جميعا قد تحب فرنسا وقد تكرهها، وقد تكون سلما لها أو ~~حربا عليها، ولكنها كلها مجمعة على حب باريس وإيثار الإقامة فيها حينا من الدهر أو ~~شطرا من العمر. # ولقد قرأت منذ أسابيع فصلا نقلته جريدة «الطان» عن إحدى الصحف الأمريكية الكبرى، ~~حاول فيه كاتبه أن يتقصى الأسباب التي تحمل الناس جميعا على أن يحبوا فرنسا ويؤثروا ~~الإقامة فيها وفي باريس خاصة، فأعجبني هذا الفصل؛ لأنه لا يخلو من صواب ولا من طرافة، ~~ولكنه بعيد كل البعد عن أن يحيط بأطراف المسألة حقا. يظهر أن الأميركيين يحبون فرنسا ~~عامة ms099 وباريس خاصة؛ لأن فيها سهولة العيش ولين الحياة، وضروبا من اللذة لا يجدونها في ~~بلادهم، أهمها لذة الطعام والشراب. فيظهر أن الله لم يرزق بلدا من البلاد من المهارة ~~في إجادة الطعام ما رزق فرنسا، ويظهر أنه لم يرزق بلدا من البلاد من جودة الأشربة ما ~~رزق فرنسا، فكثير من الأجانب الذين يهرعون إلى فرنسا في جميع أجزاء السنة إنما يهرعون ~~إليها لأنهم يأكلون فيها فيجدون الأكل، ويشربون فيها فيجدون الشراب. وكثير منهم يهرعون ~~إلى فرنسا وإلى باريس خاصة لأنهم يجدون في الشعب الفرنسي والباريسي لينا في الخلق، ~~وصفاء في الطبع، ورفقا في المعاملة، وحلاوة في الصلات لا يجدونها في بلد آخر. ~~وكثير منهم يهرعون إلى فرنسا وإلى باريس لأنهم يجدون في فرنسا وفي باريس شيئا من ~~الفرح والابتهاج والابتسام للحياة مهما تكن صروفها، ومهما تكن خطوبها، لا يجدونه في غير ~~فرنسا وفي غير باريس. وهناك أسباب أخرى ذكرها هذا الكاتب وأسباب لم يذكرها. وماذا ~~يعنينا أن نوفق إلى إحصاء الأسباب التي تحجب فرنسا إلى الناس وتحملهم على أن يهرعوا إلى ~~باريس كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا؟ ماذا يعنينا من هذا كله ونحن لا نكتب تاريخا ولا ~~فلسفة، وإنما نلاحظ حقيقة لا تحتمل شكا ولا إنكارا: وهي أن الناس جميعا مهما تختلف ~~أهواؤهم بالقياس إلى فرنسا فهم يحبونها ويحبون منها باريس بنوع خاص. # لست كهذا العالم المصري الذي كان يحب باريس، وكان إذا وصل إليها تمرغ على أرضها كما ~~كان يتمرغ قيس بن ذريح على آثار لبنى! لست كهذا العالم. فما حدثتني نفسي في يوم من ~~الأيام أن أهوي إلى أرض باريس لثما وتقبيلا، بل إن في باريس لأماكن كثيرة يعرفها ~~المصريون الذين اختلفوا إلى هذه المدينة ولا أعرفها ولم تحدثني نفسي بأن أعرفها. وإن في ~~باريس لأماكن كثيرة أكرهها وأمقت الاختلاف إليها، ولكني أعشق في باريس مكانا أعتقد أنه ~~أقدس مكان في العالم الحديث، وأنه الرأس المفكر لهذا العالم، لا أستثني منه بلدا ولا ~~مكانا، وهو الحي اللاتيني. أنا ms100 أعشق هذا الحي وأهيم به هياما، وأعلن في ضعف وتواضع ~~أني لا أكاد أحس نفسي فيه ولا أكاد أشعر بأني أمشي في شوارعه حتى أشعر أن قد تجدد ~~شبابي واستأنفت كل ما فقدت من نشاط، فأنا أتنفس في حرية، وأفكر في حرية، وأتحرك في ~~حرية، وأنا أحب الحياة وأحرص عليها، وأتمنى منها المزيد. وأقول إن هذا الحي اللاتيني هو ~~أقدس مكان في العالم الحديث وهو الرأس المفكر لهذا العالم، ولست أقول هذا عبثا، ولا ~~يدفعني إليه الحب والإعجاب، وإنما هو الحق الذي لا يقبل شكا ولا جدالا. وإني لأشعر ~~بشيء من المهابة والإجلال لا أستطيع وصفه كلما ذهبت إلى هذه الرقعة من الأرض التي يقوم ~~فيها «البنطيون»، وترتفع فيها كنيسة «سانت جنفييف». أشعر بهذه المهابة وهذا الإجلال لأن ~~هذه الرقعة الصغيرة من الأرض كانت مصدر النور الذي انبعث في أوروبا المظلمة أثناء ~~القرون الوسطى قبل أن تظهر النهضة في إيطاليا؛ لأن هذه الرقعة كانت مهد الفلسفة ومأواها ~~حين لم تكن فرنسا كلها ولا أوروبا كلها إلا ميدانا تصطرع فيه المطامع والمنافع أقبح ~~صراع وأشنعه. كانت هذه الرقعة من باريس مصدر الحياة العقلية لأوروبا كلها في القرون ~~الوسطى. ولقد تغير الزمان ودارت الأيام دوراتها المختلفة وعبثت الخطوب والأهوال ~~بالعالم الحديث، وظل هذا المكان من باريس مصدر الحياة العقلية للعالم كله، أليست تقوم ~~فيه جامعة «السربون»؟ أليست تقوم فيه «الكوليج دي فرانس»؟ ولقد أحب أن أجد مهدا ~~علميا في أوروبا أو أمريكا أقرنه إلى «السربون»، وإلى «الكوليج دي فرانس»، وأحصي له ~~من الآثار في إحياء العقل الإنساني وترقيته ما يقرب من آثار «السربون» و«الكوليج دي ~~فرانس»، فيعييني البحث ويخطئني ما أريد. # إن فرنسا تستطيع أن تتعرض للأزمات المختلفة، وأن تتجشم من الأهوال ضروبا وصروفا، ~~وأن تنزل بها المحنة بعد المحنة والبلاء بعد البلاء، وإن فرنسا لتستطيع أن تبلغ من ~~المجد ما تريد وما لا تريد، وأن تحرز من ألوان الظفر ما تحب وما لا تحب، وإن فرنسا ~~لتستطيع أن تنزل من قلوب ms101 الناس منزلة البغض أو منزلة الحب. تستطيع فرنسا أن تفعل هذا ~~كله وأن تتعرض لهذا كله، ولكنها واثقة بالخلود، واثقة بإكبار الناس إياها، وتقديسهم لها ~~ما بقي فيها الحي اللاتيني، وما قامت في هذا الحي «السربون» و«الكوليج دي ~~فرانس». # باريس في 9 سبتمبر سنة 1924 ~~(5) في ملاهي باريس # نعم! فقد لهوت، وكانت رغبتي في اللهو من البواعث القوية التي حببت إلي الذهاب إلى ~~باريس. ولم أخفي ذلك وأكتمه وأنا أعلم والناس جميعا يعلمون أن المسافر إلى باريس أو ~~غيرها من مدن أوروبا إنما يتخذ اللهو غرضا من الأغراض الأساسية في برنامج رحلته؟ وهل ~~كان السفر نفسه إلا ضربا من اللهو، وفنا من فنون العبث، يعمد إليه المتعبون ~~ليستريحوا، ويرغب فيه المستريحون ليتعبوا؟ # وكنت متعبا، وكنت أريد أن أستريح. وكنت أرى الراحة في أن ألهو عن هذه الأشياء التي ~~قضيت فيها العام كله فأجهدتني، وبغضت إلي الحياة. # وكنت وما زلت أعتقد أن من الحق للناس علي، وأن من الحق لي على نفسي، أن أعود إلى ~~هذه الأشياء التي سئمتها نفسي وسئمتني، وأن أستأنف هذا العمل الذي أجهدني طوال العام ~~الماضي حتى بغض إلي الحياة. وكنت أعلم أني لن أستطيع العودة إلى هذه الأشياء ~~واستئناف هذا العمل إلا إذا استرحت ولهوت، وأخذت من الراحة واللهو بحظ عظيم. وقد ~~فعلت، وقد عدت إلى مصر، وقد استأنفت هذا العمل الشاق، فإذا هو هين لين لا عسر فيه ~~ولا مشقة، ولكني أعلم أنه سيعسر، وأنه سيشق، وأني سأسأمه وأنه سيسأمني، وأني سأنصرف عنه ~~وأنه سيزهد في، وأني سأحتاج إلى الراحة واللهو وأني سأستريح وألهو ثم أستأنف الجد ~~والعمل. # وكذلك حياتنا نتعب لنستريح ونستريح لنتعب حتى يأتي هذا اليوم الذي لا تعب بعده ولا ~~راحة. # إذن فقد لهوت في باريس، لا أكتم ذلك ولا أخفيه، ولم أكتمه أو أخفيه وليس فيه والحمد ~~لله مأثم ولا مدعاة إلى لوم، وإنما هو ضحك بريء، وعبث تطمئن إليه النفس الهادئة التي لا ~~تعبث بها الأهواء، ولا تعصف بها الشهوات؟ ms102 # لهوت في باريس واختلفت فيها إلى أندية اللهو التي هي زينة تلك المدينة وبهجتها، ولها ~~في رفع شأن باريس وتقديمها على غيرها من مدن الأرض أثر قد لا يكون أقل من أثر «السربون» ~~و«الكوليج دي فرانس» والمجامع العلمية المختلفة. ولم لا؟ أليست جامعة باريس ومعاهدها ~~العلمية ملجأ للعقل الإنساني تأوي إليه ثمراته ونتائج بحثه في العلوم والفنون المختلفة؟ ~~وهل أندية اللهو الباريسي البريء إلا ملاجئ للعقل الإنساني والشعور الإنساني؟ فيها تظهر ~~ثمراتها الحلوة والمرة، وفيها يتعلم الإنسان من الإنسان، ويظهر الإنسان على الإنسان، ~~وفيها يتعلم الإنسان كيف يكون حيوانا اجتماعيا كما يقول أرسطاطاليس، أو مدنيا ~~بالطبع كما يقول فلاسفة العرب. # لست أدري أيشعر المصريون المتعبون الذين يذهبون إلى باريس بمثل ما كنت أشعر به هذا ~~الصيف، فقد كنت شديد الميل إلى أندية الهزل والضحك، شديد الانصراف عن أندية الجد ~~والعبوس. لم أكن أميل في هذا الصيف إلى بيت موليير ولا إلى ما يمثل فيه من جد، بل لم ~~أكن أميل بوجه ما إلى التراجيديا، إنما كان ميلي كله إلى الكوميديا من جهة وإلى ~~الموسيقى من جهة أخرى. # ولقد حاولت أن أتبين في نفسي أسباب هذا الميل إلى ما يضحك ويلهي والانصراف عما يحزن ~~ويعظم، فلم أوفق إلا إلى سبب واحد لا أدري أخطأ هو أم صواب! ذلك أننا «مفطومون» في مصر ~~- كما يقول الفرنسيون - من اللهو الصريح البريء، ومن الضحك الذي يريح النفس حقا ويجلو ~~عن القلب أصداء الحياة العاملة. وهذه الحياة العاملة نفسها كئيبة في مصر منذ سنين، وقد ~~أثقلتها الهموم وأفعمتها الأحزان، فنحن مشفقون على منافعنا العامة نخشى أن يعبث بها ~~الخصوم في الخارج أو أن يضيعها المواطنون في الداخل. ونحن مشفقون على منافعنا الخاصة ~~نخشى أن تعبث بها الخصومات الحزبية وتأتي عليها العواصف السياسية. نحن قلقون لا نطمئن ~~إلى شيء ولا نثق بشيء ولا نبسم لشيء. فليس عجيبا إذا خلصنا من هذا الجو القلق المضطرب ~~أن نتهالك على هذه الأشياء التي حرمناها في مصر وحال بيننا وبينها ms103 طبعنا من جهة ~~واضطرابنا السياسي والاجتماعي من جهة أخرى. # نعم! فطبعنا لا يخلو من ظلمة، ومزاجنا أقرب إلى المراراة والحزن منه إلى الدعابة ~~والابتسام. # نحن لا نلهو لأننا لا نعرف اللهو، ولأن في طباعنا نفورا من اللهو. ولست أدري أمخطئ ~~أنا أم مصيب في هذه الملاحظة، وهي أننا كنا بعد الثورة الوطنية الأخيرة قد أخذنا نتعلم ~~اللهو بل نسرف فيه، فكانت الأغاني الفكاهية ذائعة عامة، وكان التمثيل الفكاهي رائجا ~~منشرا، وكنت لا تكاد تمضي في الشوارع العامة إلا سمعت الأطفال والشبان من العمال ومن ~~آليهم يتغنون أغاني «كشكش»، وكنت لا تكاد تمر بين الدور في الأحياء الراقية إذا أقبل ~~المساء أو جن الليل، إلا سمعت البيانو يوقع ألحان كشكش، وربما وقفت لاستماع صوت رخيم ~~عذب يتغنى مع هذا الإيقاع. وكان أصحاب الأخلاق وأهل الحرص على الآداب العامة ينكرون هذا ~~الفساد ويشفقون منه، وكنا نقول إن هذا الانحلال الخلقي عرض من أعراض الثورة. وكنا ~~نستبشر به لأن الثورة الفرنسية قد استتبعت مثله، فكان الفرنسيون يجاهدون أعداءهم ~~الداخليين والخارجيين، وكانوا يحتملون آلام الجوع والفاقة، ولكنهم كانوا يلهون ويسرفون ~~في اللهو، وربما كانوا يستعينون باللهو على ما كانوا يأتون من جلائل الأعمال ويحتملون ~~من أثقال الحياة. # كنا كذلك، وأظن أن السلطة العامة احتاجت في بعض الأحيان إلى أن تدخل في الأمر وتكفكف ~~من غلواء المسرفين، فأقفلت - أو حاولت تقفل - بعض المراقص. أما الآن فأحسب أن هذا قد ~~تغير وأننا قد انصرفنا عن اللهو انصرافا واضحا. # انصرفنا عن اللهو دون أن يعظم حظنا من الجد، فليست حياتنا العامة والخاصة أكثر ~~إنتاجا وأشد خصبا الآن منها حين كنا نلهو ونعبث. ولعلي لا أغلو في الخطأ إذا لاحظت أن ~~حياتنا الدستورية هي التي صرفتنا عما كنا فيه من لهو، وأزالت عن شفاهنا هذا الابتسام ~~للحياة؛ ذلك لأننا اعتقدنا يوم نفذ الدستور وأشرف البرلمان على الحكم أن الأمر قد رد ~~إلى أهله، وأننا مقبلون على ساعات الجد والعمل فانتظرنا وما زلنا ننتظر. # ولم لا نقول كلمة الحق؟ ms104 كانت الوزارات التي أشرفت على الحكم قبل الدستور قليلة الحظ ~~من ثقة الجماهير، فلم يكن الناس يحفلون بها، ولا ينتظرون منها خيرا، بل كانوا يسيئون ~~بها الظن ويتخذونها موضعا للعبث والنقد، وكانت أعمالها وقراراتها تلهم الممثلين ~~الهازلين والمغنيين العابثين. وكان الناس يرتاحون إلى الضحك منها واتخاذها سخرية ~~وهزءا. أما الآن فقد أشرف على الحكم رجال كانت تحبهم الجماهير وتفتن بهم، فلم يكن من ~~الميسور أن تتخذهم الجماهير موضوعا للهو والعبث. وإذا لم تعبث الجماهير بحكامها ولم ~~تسخر من وزرائها ونوابها فهي مضطرة إلى الحزن والكآبة. # سلني عما يميز الديمقراطية حقا، أجبك بأن النظام الديمقراطي الصحيح هو الذي يتيح ~~للجماهير أن تلهو على حساب حكوماتها بل على حساب أبطالها. فإذا أردت دليلا ناطقا بصدق ~~هذا التعريف فاذهب إلى باريس واختلف إلى أندية اللهو فيها واسمع إلى ما يقال عن «هريو» ~~و«دومرج» وعن «بوانكاريه» و«ملران»، وانظر إلى هذه الجماهير الفرنسية المختلفة تتهالك ~~ضحكا من وزرائها ورؤساء جمهوريتها، أستغفر الله، بل من علمائها وكتابها. ومهما أنس ~~فلن أنسى أغنيتين سمعتهما في باريس ورأيت ابتهاج الجماهير لهما. في إحداهما مقارنة بين ~~أمعاء المسيو هريو رئيس الوزارة الفرنسية القائمة وأمعاء المسيو بوانكاريه رئيس الوزارة ~~الفرنسية المستقيلة، وفي الأخرى عبث بالمسيو هريو حين يعمد إلى التليفون. # ولكني قد بعدت أشد البعد عما كنت أريد أن أتحدث إليك فيه، وهو ملاهي باريس، وقد يحسن ~~أن أعود إلى هذا الحديث. # لم أكن حسن الحظ هذا الصيف، وما أظن أن غيري كان أحسن حظا مني، فقد وصلنا إلى باريس ~~أيام الراحة حين يتفرق عنها الممثلون النابهون ليجوبوا أقطار الأرض الفرنسية والأجنبية ~~وليعرضوا فنهم على المصطافين في سواحل البحر ومدن المياه، وحين يستريح الكتاب ~~استعدادا لفصل الشتاء؛ إذ يعرضون آثارهم الجديدة على الجمهور الباريسي، وقد عاد من ~~مصايفه إلى باريس، وحين تجتهد الملاعب التمثيلية في أن تستغل ما لديها من قصص الفصل ~~الماضي لتلهي بها السائحين الذين يمرون بباريس. ومع ذلك فقد لهوت حقا وضحكت ~~كثيرا. # ولقد يكون من العسير ms105 أن أذكر دون أن أضحك قصة شهدتها في ملعب «الباليه رويال» عنوانها ~~«قبلني»، كان الممثلون يمثلونها للمرات الأخيرة ويستعدون لتمثيل قصة أخرى ظهرت أول ~~هذا الشهر، ومع ذلك فقد كان الملعب مكتظا بالنظارة. والغريب من أمر باريس أنك تستطيع ~~أن تزورها في أي فصل من فصول السنة، وأن تختلف إلى ملاعبها وأنديتها وبيوتها التجارية، ~~فستجدها دائما مكتظة بالناس، وستضطر دائما إلى أن تتخذ الحيطة لتبلغ منها ما ~~تريد. # تريد أن تشهد قصة تمثيلية فيجب أن تؤجر كرسيك في الملعب قبل يوم التمثيل . تريد أن ~~تشتري شيئا في أحد البيوت التجارية الكبرى فيجب أن تذهب في الصباح أو أن تكون صبورا ~~محتملا إن ذهبت في المساء. # ذهبت إلى الملعب بعد ظهر يوم من أيام الآحاد الباريسية، ولم أكن قد احتطت وكان المطر ~~عنيفا ثقيلا، فلم أجد إلا كراسي فاحشة الغلاء، فاتخذت منها كرسيين، وأعترف بأني لم ~~آسف على ما أنفقت؛ لأني ضحكت بأكثر من ستين فرنكا! # أسرة شريفة كانت غنية ثم أصابها الفقر، تقيم في قصرها المرهون محتملة ألوانا من ~~الضيق، ثم تصبح ذات يوم وإذا القصر قد بيع من أجنبي، وإذا هي مضطرة إلى أن تترك هذا ~~القصر الذي تتوارثه منذ خمسة قرون. ولكن لهذه الأسرة شابا مسرفا في اللعب والعبث قد ~~أدى واجبه الوطني أثناء الحرب، وعرف في الخندق صديقا من الطبقات المنحطة أمه تبيع ~~الفاكهة، وقد انقضت الحرب واغتنى ابن بائعة الفاكهة حتى أصبح ضخم الثروة، فكتب إليه ~~صديقه الشريف يقترض منه مالا لأنه خسر في اللعب، وأقبل هذا الصديق يحمل إلى صديقه ما ~~أراد. فانظر إلى هذه الأسرة النبيلة تأبى أن تقبله في القصر، وأن تضيفه أياما، حتى ~~إذا قبلت ذلك بعد مشقة أخذت تتبرم بالفتى وتزدريه؛ لأنه لا يعرف طرائق الحياة ~~الأرستقراطية. وكانت عمة الشاب النبيل أشد الأسرة بغضا له وتبرما به، لا تكاد تلحظه ~~ولا تكاد تحسب لوجوده حسابا. ولكن الفتى علم ببؤس هذه الأسرة واضطرارها إلى أن تترك ~~القصر، فأسرع فاشتراه سرا، ثم أخذت ms106 الأسرة تظهر شيئا فشيئا على هذا السر حتى علمت ~~به، وإذا هي ألعوبة في يد هذا الشاب الذي تزدريه ولا تضيفه إلا كارهة. ولكن هذا الشاب ~~كريم خير؛ فهو يعرض القصر على الأسرة ولا يبتغي له إلا ثمنا ضئيلا، هو أن ~~«يقبل» هذه المرأة التي تزدريه وتغلو في بغضه، فإذا عرض عليهم هذه الصفقة اضطربوا ~~لها اضطرابا شديدا، فأما الأسرة كلها فتقبل، وأما هذه المرأة فتأبى وتنفر، ثم تذكر ~~أنها قد تطرد من القصر، وأن الأسرة قد تصبح مشردة، فتضطر إلى القبول مقتنعة بأنها تقدم ~~نفسها ضحية في سبيل الاحتفاظ بالكرامة والتراث القديم. وقد استعدت لهذه التضحية كما ~~استعدت «إيفيجيني» لتضحي على مذبح أرتميس. ثم خلت إلى الفتى فوقفت موقف الجلال، وقالت ~~له في ازدراء وسخرية وإذعان للقضاء المحتوم: «قبلني.» ولكن الفتى كريم، فهو لا يريد ~~أن يقبل هذه المرأة، وإنما يكفيه أنها قد أذعنت لما يريد، وهو مستعد لأن ينزل للأسرة عن ~~هذا القصر. ولكن المرأة قد دهشت لهذا الانصراف عن تقبيلها، وكأنها تعجب بكرم هذا الفتى، ~~وكأنها في الوقت نفسه تسخط على هذا الكرم، وكأنها كانت تحرص على هذه القبلة دون أن تعلم ~~بهذا الحرص، وكأنها ترى عدول الفتى عن تقبيلها إهانة لها وإصغارا لجمالها. تشعر بهذا ~~كله شعورا واضحا غامضا في وقت واحد. # وكنت ترى الفتى يكره هذه المرأة ويريد أن يذلها. ولكنك تراه الآن لا يكرهها بل ~~يكبرها، ولا يريد أن يذلها بل يريد أن يجلها، وإذا هو يعلن إليها حبه في هذه ~~اللغة الشعبية الغليظة الصريحة، وإذا هي تضطرب لهذا الحب اضطرابا عنيفا، وإذا الحب قد ~~أزال ما كان بينهما من مسافة مادية ومعنوية، وإذا هو يتجاوز القبلة، فإذا كان الصبح فهي ~~آسفة نادمة تنقطع لوعة وندما لأنها اقترفت هذا الإثم مع رجل ليس من طبقتها، وهي تعلم ~~أن نساء من أسرتها قد اقترفن هذه الخطيئة، ولكن إحداهن اقترفتها مع رجل من رجال القصر ~~الملكي والأخرى مع كردينال، أما هي فقد اقترفتها مع رجل أمه ms107 كانت تبيع الفاكهة. وهي ~~تريد أن تأخذ نفسها بأشد أنواع العقوبة، تريد أن تزهد في الحياة وأن تذهب إلى الدير، ~~والفتى بين يديها يعتذر ويستغفر، ويعلن إليها في ضراعة ومذلة أنه سيبرح القصر حتى لا ~~ترى وجهه البغيض، فإذا سمعت هذه الجملة غضبت غضبا لا حد له وعنفت الفتى تعنيفا ~~ثقيلا قائلة: أهكذا تريد أن تسليني عن هذه النكبة المنكرة؟! ثم فهمنا أنها تريد نوعا ~~آخر من أنواع التسلية، وفنا آخر من فنون النسيان والعزاء ...! # ولست أتم لك تلخيص القصة، وإنما يكفي أن تعلم أنها تنتهي بالزواج بين هذين المحبين؛ ~~لأن شريفا إنجليزيا تبنى الفتى ومنحه ألقاب شرفه، فأصبح كفئا لعشيقته. # ولم تبنى الشريف الإنجليزي هذا الفتي؟ لا تسل عن ذلك؛ فقد يكون في الجواب على هذا ~~السؤال ما يفضح أم هذا الفتى وقد ماتت؛ ولا ينبغي أن يذكر الموتى إلا بخير. # على أني قد زرت ملاعب أخرى وشهدت فيها قصصا أخرى، وسأتحدث عنها في فصل آخر. ~~(6) زوج ألين # كنت أريد أن أضحك حين ذهبت إلى ملعب ميشيل لأشهد تمثيل هذه القصة «زوج ألين»، وكنت ~~واثقا بأنني سأضحك وسأضحك كثيرا؛ لأن العنوان في نفسه مضحك، ولأن القصة كانت تمثل ~~لأول مرة، فلم يكن النقاد قد كتبوا عنها بعد، ولأن أسماء الممثلين الذين اشتركوا في ~~تمثيلها كانت تدل على طائفة من الذين مهروا في الفن المضحك. فأسرعت إلى الملعب مبتهجا، ~~وكأني كنت أضحك مقدما، وكذلك شأن الناس في باريس يذوقون مقدما ما يبتغون من لذة؛ ~~لأنهم يعلمون أن هذه اللذة ستكون قوية حادة، وأنهم سيظفرون منها بأكثر مما ~~يبتغون. # ذهبنا إلى الملعب ضاحكين، ولم يكد يرفع الستار حتى أغرقنا في الضحك، ولكن ما هي إلا ~~دقائق حتى استحال هذا الضحك إلى حزن وعبوس، وحتى أحسسنا في أنفسنا شعورا غريبا ليس من ~~اليسير تفسيره؛ لأنه شيء ليس بالسرور الخالص ولا بالحزن الخالص، أو قل إنه شيء أبلغ ~~أثرا في النفس من الحزن الخالص، ولكنه يكرهك مع ذلك على الابتسام، وربما أكرهك على ms108 ~~الضحك والإغراق فيه. تبسم وأنت عابس، وتضحك وأنت محزون. # ذلك لأن الممثل يعرض عليك من خصال الإنسان ما يضحكك مظهره أردت أم لم ترد، وما ~~يحزنك مخبره رضيت أم لم ترض. # لا يكاد يرفع الستار حتى ترى امرأة متقدمة في السن، أقرب إلى الشيخوخة منها إلى ~~التوسط في العمر، لباسها ملائم لسنها وملائم لمصدرها ولطبقتها الاجتماعية، فلا تكاد ~~تسمع حديثها حتى تحس أنها ليست من باريس، وإنما وفدت من الأقاليم، وحتى تفهم أنها من ~~هذه الطبقة الغامضة التي لا تبلغ أوساط الناس ، ولا تريد أن تنحط إلى سفلتهم. قد مات ~~عنها زوجها وترك لها ابنة هي «ألين»، وهي بارعة الجمال، رشيقة القد، عذبة الصوت، وقد ~~ضاقت الحياة بها وبابنتها، فلجأتا إلى باريس، وآواهما رجل موسيقي بارع في فنه، ولكنه ~~سيئ الحظ بهذا الفن، لا يكسب حياته إلا بمشقة، أحب الفتاة فآواها وآوى أمها، وأصبح ~~أستاذها وعشيقها والقيم على حياتها. وقد مهرت الفتاة في الغناء كما مهرت في الرقص، ~~وتقدمت إلى أحد الملاعب الباريسية، فقبلت فيه مغنية راقصة، وهي تبدأ عملها هذه الليلة ~~وأمها تنتظرها متأثرة، مضطربة فرحة، مشفقة تقدر الفوز وتريد أن تحتفل به، فهي تعد مائدة ~~عليها من الطعام والشراب هذه الألوان التي لا يرضاها الموسرون، ولا يظفر بها المعسرون ~~إلا بعد الجهد والعناء، وهي تتحدث بكل ما في نفسها إلى خادم لها حديثة السن، خفيفة ~~الحركة، مسرفة في القول، فلا تكاد تسمع حوارهما حتى يأخذك الضحك فتغرق فيه حين ترى هذه ~~المرأة التي تكاد تكون شيخة تتحدث في لهجة الجد إلى هذه الفتاة التي تكاد تكون طفلة! ~~وهما في هذا الحديث الذي تريانه جدا ونضحك نحن منه، إذ يدخل الموسيقي فرحا، قد ~~ملأه الفرح اضطرابا، فهو يبكي ولكن بكاءه نفسه مضحك، وهو يعلن إلى الأم فوز ابنتها ~~ويحاول أن يمثل لها هذا الفوز، فيجتهد في تقليد الفتاة حين غنت بعض المقطوعات التي ~~أعجب بها الجمهور، والأم سعيدة مغتبطة، ولكنها مع ذلك ليست راضية؛ لأنها تكره الملاهي، ~~وكانت تود ms109 لو استطاعت أن تجد عنها منصرفا لابنتها. أما الموسيقي فسعيد بهذا الفوز ~~ولكنه مشفق منه؛ مشفق لأنه يخشى أن تنصرف الفتاة عنه إلى هؤلاء النظارة الأغنياء الذي ~~سيرونها في الملهى وسيتملقونها. # تحس منه ذلك، وتحس أيضا أنه يحاول كتمان هذا الخوف، وقد أقبلت الفتاة فرحة، مبتهجة، ~~متأثرة، فهي تقبل أمها وتضم عاشقها وتشكره، ولكن لن يتاح لهؤلاء الناس أن يحتفلوا ~~بهذا الفوز فيما بينهم، فقد أقبل مدير الملهى وأعوانه ورجل غني من زعماء الصناعة، ~~يهنئون الفتاة بهذا الفوز، ويدعونها إلى أن تنفق معهم شطرا من الليل في حانة من هذه ~~الحانات التي يفد إليها الباريسيون إذا خرجوا من الملاعب، فيأكلون ويشربون ويعبثون، ~~ونحن نحس أنهم عرضوا ذلك على الفتاة فقبلته قبل أن تعود إلى أهلها. ولكنها تظهر ~~التردد الآن؛ لأنها لا تريد أن تترك صاحبها. ما أسرع ما يدعو القوم صاحبها إلى الذهاب ~~معهم، فيعتذر ويلحون، وتظهر هي الرغبة فيقبل كارها، وينصرفون على أن يرسلوا إليهما ~~السيارة بعد حين. فإذا خلا العاشقان رأينا هذه الأشياء التي تطير القلوب سرورا وتقطبها ~~حزنا. رأينا هذا الموسيقي يريد أن يلبس زي السمر، فإذا ثيابه وأدواته من الرداءة ~~والبلى بحيث يخجله ذلك ويؤذيه، ولكنه مبتسم يجتهد في أن يكون حسن الزينة، وإذا هو يفتقد ~~أزراره، فإذا وجد منها واحدا أخطأه الآخر، وصاحبته تتزين، وقد أعارها الملعب ثوب الرقص ~~فهي فيه خلابة بارعة. ولكن كثيرا من أدوات الزينة ينقصها، وهي تشكو ذلك مغتاظة، فإذا ~~أحست من صاحبها الألم ابتسمت وتكلفت تهوين الأمر عليه، وصاحبها يعدها بمضاعفة العمل ~~ليكسب لها ما تحتاج إليه. وقد أقبلت السيارة فانظر إلى الأم مبتهجة، مفتونة بجمال ~~ابنتها، وانظر إليها تتبع ابنتها وقد أخذت بفضل ثوبها حتى لا يصيبه غبار السلم، وانظر ~~إلى الخادم الطفلة تسبقهم جميعا وفي يدها الشمعة تضيء السلم، وانظر إلى العاشق محزونا ~~يتكلف الابتهاج، وبائسا يتكلف النعيم. # فإذا كان الفصل الثاني فقد تغير هذا كله، وسترى قوما تنكرهم لأن النعمة ألمت بهم ~~فأزالت كل ما رأيت في ms110 الفصل الماضي من مظاهر البؤس؛ ذلك لأن «ألين» قد اشتهر أمرها وظهر ~~نبوغها، فابتسمت لها الثروة وأصبحت لا تشكو عسرا ولا ضيقا، وظهرت آثار ذلك حولها، ~~فأما أمها فليست شيخة ولا كالشيخة، وإنما هي امرأة وسط فيها قوة وشباب، تلبس على آخر ~~طراز، وتزدان على آخر طراز، وقد تغيرت لهجتها فهي باريسية، وتغير صوتها فهو رخيم، ~~وتغيرت حركاتها فهي رشيقة ممتازة. وأما الموسيقي فقد أصبح شابا قويا بادي الظرف، ~~حسن الزينة، رائع المنظر، وقد اقترن بصاحبته. وكذلك الخادم تغيرت وامتازت. والغريب أنها ~~ليست وحدها في البيت، بل يشاركها غلام عليه العناية بغرف الاستقبال وما إليها. ولسنا في ~~باريس ولا في ذلك البيت الذي يضاء بالشمع ويخشى غباره على فضل الثياب، وإنما نحن في ~~بيت أنيق فخم في مصطاف على ساحل البحر، يجمع أرقى الطبقات وأغناها إذا أقبل الصيف من كل ~~عام. ونحن نرى مدير الملعب وصاحبته وأعوانه وذلك الرجل الغني يترددون على «ألين» ~~فيلعبون ويصفقون، ونحن نرى زوج «ألين» سعيدا مغتبطا ينبئ صديقه بأن الله قد أذن له أن ~~يكون غنيا، وأنه يضع قصة موسيقية ستنال الجائزة من غيرك شك، وأنه سيكون ناقدا ~~موسيقيا لصحيفة كبرى، وأن كل شيء في الحياة يبسم له. ولكن انظر إلى القوم قد أقبلوا، ~~وانظر إلى الموسيقي قد خرج مع صديقه في بعض شأنه، وانظر إلى «ألين» قد خلت إلى الرجل ~~الغني بينما يجلس الآخرون أمام غرفة الاستقبال يرقبون عودة الزوج وكأنهم يلعبون. واسمع ~~إلى هذا الحديث يقع بين «ألين» وبين صاحبها الغني، فإذا هما عاشقان وإذا هي تخون زوجها، ~~وإذا هذه الخيانة مصدر ما ترى من نعيم، ولكن هذا الرجل ضيق الصدر بهذا الزوج ~~الغبي. # ضيق الصدر لأنه يريد أن يستأثر بصاحبته، وهذا الزوج الغبي يحول بينه وبين ذلك. وفي ~~الحق أغبي هذا الزوج حقا أم هو متغاب؟ أليس يتكلف الغفلة ليستمتع بنعيم ~~الحياة؟ # ذلك شيء يفترضه الغني وتأباه «ألين»، وهما في الحديث والعبث إذ يسمعان صياح أصحابهما ~~الذين يلعبون: «لقد أقبل فلان! لقد ms111 أقبل فلان!» # تنبها، فانفصلا، ودخل الموسيقي وانصرف القوم، وأخذ الزوجان يتحدثان، فإذا الرجل ~~محزون بائس، وإذا امرأته اللعوب تسأله عن مصدر هذا الحزن، فيتردد ثم يجيبها بأنه سمع ~~الناس يذكرونه فيقولون «زوج ألين» ولا يسمونه باسمه، وبأنه رآهم يشيرون إليه ويبتسمون، ~~فهو إذن يشك، وهي تدافعه عن هذا الشك بما أوتيت من حيلة ودل ودعابة. وانظر إليه قد أخذ ~~حقيبة امرأته ونظر فيها فإذا مقدار ضخم من المال فلا يزداد إلا شكا. وانظر إليه يذكر ~~أن امرأته لعبت الميسر أمس وخسرت كثيرا ولم تنبئه بشيء، وإنما سمع بذلك عفوا، فهو لا ~~يزداد إلا شكا. وانظر إليه قد استكشف عند امرأته عقدا من الجوهر لا علم له به، فلا ~~يزداد إلا شكا. ولكنها ماهرة وهو عاشق، فتستطيع أن تخدعه عن أمرها وأن تستميله إليها، ~~وأن تخلبه بما تبذل من لذة، وهو أغبى من غلامه الذي يفهم كل شيء، ويتحدث إلى زميلته ~~الخادم بكل شيء. # فإذا كان الفصل الثالث تحدث الموسيقي إلى صديقه وقد استيقن كل شيء، وأصبح لا يشك في ~~خيانة امرأته. # ذلك أن القوم اعتزموا الخروج للنزهة وتخلف عنهم متكلفا العمل، ثم تبعهم وهم لا ~~يعلمون فلم ير فيهم زوجه، ولم ير فيهم ذلك الرجل الغني، وإذن فقد كذبت عليه امرأته ~~حين زعمت أنها خارجة للنزهة وأنفقت يومها مع صاحبها. ونحن نعلم ذلك لأننا سمعناه في ~~الفصل الثاني. وانظر إلى هذا الموسيقي متألما محزونا ولكنه متجلد صبور، يعلن إلى ~~صديقه أنه سيترك هذه الحياة كلها وسيعود إلى حياته الأولى: حياة البؤس والشرف والكرامة، ~~ولكنه يريد أن يلهو قبل هذه العودة، وإنه للهو أليم. # أقبل القوم جميعا من نزهتهم وفيهم «ألين» وفيهم الرجل الغني، وكلهم يقص ما رآه ويصف ~~جمال النزهة، والموسيقي مبتهج يتحدث إليهم جميعا حديث من لا يشك في شيء، وأنت ترى من ~~القوم جميعا أنهم يسخرون منه، ويرون فيه الغفلة، وقد هموا بالانصراف ليلتقوا بعد حين ~~إلى مائدة العشاء في الحانة. وإذا الموسيقي يمسك الرجل الغني ليبقى معه ms112 حينا. فإذا ~~انصرف القوم وخلا الزوجان إلى هذا الرجل الغني بدأت طائفة من المواقف المؤثرة التي ~~تملؤك عطفا على الزوج، وسخطا على امرأته، وإعجابا بالكاتب والممثلين. انظر إلى هذا ~~الزوج الموتور يريد أن ينتقم لنفسه ولكرامته، ولكنه لا يريد أن يكون سخيفا، ولا ~~ضحكة، ولا مجرما، فهو لا يريد العنف ولا سفك الدم، وإنما يريد أن يكون مترفقا في ~~انتقامه. انظر إليه يعذب الخائنين عذابا أليما لأن موضعه الضمير، يستثير غيرة الرجل ~~الغني بما يبدي من التلطف لامرأته، وبما يتكلف من مداعبتها وقد ضمها إليه، ثم أجلسها ~~على حجره، وأخذ يداعبها هذه المداعبة المشروعة بين الزوجين، والتي لا تكون إلا في ~~الخلوة، والرجل ينظر ويتألم دون أن يستطيع اعتراضا أو احتجاجا، والمرأة خجلة ذليلة ~~بين هذين الرجلين اللذين يتقاسمانها، وهي تتكلف الحياء لتخلص من هذا الموقف الأليم، ~~ولكن الزوج لا يحفل بحيائها ولا بألمها. وهو الآن ينتقل من المداعبة إلى الحديث، فيقص ~~على صاحبه أسرار الزوجية، وما تمنحه امرأته من لذة إذا خلت إليه. حتى إذا قضى وطره من ~~تعذيب الخائنين وإذلالهما أطلق امرأته فذهبت لتصلح من شأنها قبل العشاء، وخلا هو إلى ~~الخائن. # وهنا موقف ليس أقل من الموقف الذي سبقه جمالا وتأثيرا. هذا الزوج يتحدث إلى عاشق ~~امرأته، فما هي إلا أن يعلن إليه أنه يعلم كل شيء، فإذا وجم الرجل وسأله عما يريد ~~وانتظر الكارثة، أعلن الزوج إليه أنه لا يريد شيئا وأنه راض بهذه الحال، وإذا الرجل ~~الخائن شديد الازدراء لهذا الزوج الذي لا يجري الدم في عروقه، والذي يرضى أن تكون ~~امرأته شركا بينه وبين غيره. يريد أن ينصرف فيمسكه الزوج؛ إذ ليس بد من الاتفاق على ~~أشياء وتدبير مصالح لا بد من تدبيرها، هما شريكان في المرأة وقد يمكن أن يكونا غدا ~~شريكين في طفل تلده هذه المرأة. وما زال هذا الزوج يرقى في تمثيل الضعة والمهانة ~~والخيانة والإثم حتى يكشف عن أخس ما في النفس الإنسانية من عاطفة. إنه يلهو، وهو يلهو ~~بازدراء ms113 الإنسان، فإذا بلغ من ذلك ما يريد أطلق الرجل وقد اتفق معه على أن يأتي بعد حين ~~ليحمل هذه المرأة في سيارته إلى حيث يريد. ثم تقبل المرأة فيلقاها زوجها مبتسما، وتأخذ ~~في عتابه على ما أباح من أسرار الزوجية، فما يزال بها حتى يعلن إليها أنه عالم بكل شيء، ~~وراض عن كل شيء، وقابل لهذه الشركة التي تضمن لهما الثروة والنعيم. # وإذا المرأة تزدري زوجها حقا وتحتقره احتقارا لا حد له، وإذا هي تتألم حقا لأنها ~~كانت تريد أن يحبها زوجها ، وأن يكون شديد الغيرة عليها، فإذا هي ترى نفسها متاعا ~~يتقسمه رجلان. ولكن الزوج قد أطال الصبر والتكلف وغلا في كظم عواطفه، فهو لا يستطيع ~~الآن صبرا، وانظر إليه وقد انفجر كما ينفجر البركان، فهو ثائر فائر لا يكاد يملك نفسه، ~~ولا يكاد يمسكها عن اغتيال هذه المرأة، وقد ظهر حبه قويا عنيفا، وظهرت غيرته، وكلها ~~روع وهول وهو يصيح بامرأته: «أترين في ما يدلك على أنني قواد؟» والمرأة وجلة مضطربة ~~ولكنها سعيدة مغتبطة لأنها تشهد الحب والغيرة، ولأن زوجها لا ينظر إليها نظره إلى ~~المتاع، وهي تريد أن تستغفر وتريد أن تتوب، ولكن الزوج يحاول طردها، ثم يبدو له فيطرد ~~نفسه، وقد أنبأها أن صاحبها سيأتي بعد حين ليحملها في سيارته، وقد انصرف وتركها تعسة، ~~بائسة تنتحب وتصيح. ولكن السيارة قد أقبلت، وهي تدعو بالباب، فانظر إلى هذه المرأة قد ~~نهضت متثاقلة إلى المرآة، فأصلحت من شعرها ووجهها، وخرجت في هدوء تجيب داعي اللهو ~~والثروة والنعيم. # | القسم الرابع: بين العلم والدين # 1 # الناس معنيون في هذه الأيام عندنا بالخصومة بين العلم والدين. وقد بدأت عنايتهم بهذه ~~الخصومة تشتد منذ السنة الماضية، حين ظهر كتاب «الإسلام وأصول والحكم»، فنهض له رجال ~~الدين ينكرونه ويكفرون صاحبه، ويستعدون عليه السلطان السياسي. وزادت هذه العناية ~~شدة حين ظهر في هذه السنة كتاب «في الشعر الجاهلي»، فنهض له رجال الدين أيضا ينكرونه، ~~ويكفرون صاحبه، ويستعدون عليه السلطان السياسي. # والحق أن هذه الخصومة ms114 بين العلم والدين - كما قلت في غير هذا الموضع - قديمة يرجع ~~عهدها إلى أول الحياة العقلية الفلسفية. والحق أيضا أن هذه الخصومة بين العلم والدين ~~ستظل قوية متصلة ما قام العلم وما قام الدين؛ لأن الخلاف بينهما - كما سترى - أساسي ~~جوهري، لا سبيل إلى إزالته ولا إلى تخفيفه إلا إذا استطاع كل واحد منهما أن ينسى صاحبه ~~نسيانا تاما، ويعرض عنه إعراضا مطلقا. وقد نعرض بعد قليل لهذا الموضوع في شيء من ~~التفصيل والإسهاب. ولكن الذي نحب أن نلاحظه منذ الآن هو أن التفكير في هذه الخصومة بين ~~العلم والدين قد حمل بعض المفكرين على أن يلتمسوا لها أسبابا قريبة أو بعيدة، وعلى أن ~~يسألوا أنفسهم أليس إلى إزالتها من سبيل؟ وقد نشأ عن هذا التفكير نوع من الفلسفة قيم، ~~كثرت فيه الكتب والمباحث. ولسنا نريد أن نعرض له إلا من ناحية واحدة وهي الناحية التي ~~تتصل بالسياسة وتحملها على أن تنتصر للعلم مرة وللدين مرة أخرى، وعلى أن تعتز حينا ~~بهذا وحينا بذاك. وإذا عرضنا لهذا الموضوع فلسنا نريد إلا شيئا واحدا هو تحقيق ~~التوازن بين هذه المؤثرات الثلاثة في حياة الأفراد والجماعات، وهي العلم والسياسة ~~والدين. # الحق أن الخصومة لم تكد تنشأ بين العلم والدين، أو بين العقل والدين، حتى دخلت فيها ~~السياسة فأفسدتها وانصرفت بها عن وجهها المعقول إلى وجه آخر، لم يخل من الإثم بل من ~~الإجرام. # أول خصومة ظاهرة بين العقل والدين هي هذه التي نشأت في آخر القرن الخامس قبل المسيح، ~~حين أخذ سقراط يطوف في شوارع أتينا ومعه حواره وفلسفته، يقف بهما حينا عند هذا الحذاء، ~~وحينا آخر عند الحمام، ومرة في أحد الميادين العامة، ومرة أخرى في نادي الألعاب ~~الرياضية، ويدعو إليه الشبان والكهول والشيوخ أحيانا فيحاورهم في الحق والعدل والواجب ~~والقصد، وما إلى ذلك من هذه المسائل التي كانت تشغل الشعب الأتيني في ذلك الوقت. # لم يكن سقراط يتخذ عداوة الدين مذهبا، ولا الخروج عليه غاية لفلسفته أو حواره، بل ~~نستطيع ms115 أن نقول إنه كان من أشد معاصريه محافظة واعتدالا، فهو إنما كان يخاصم ~~السوفسطائية، ويريد أن يهدم مذاهبهم في الشك، وأن يرد إلى العقل سلطانه، ويبين أن حقائق ~~الأشياء ثابتة، ولكنه كان يحاور على طريقة السوفسطائية، وكان يتخذ الشك سبيلا إلى ~~اليقين، ولم يكن يكره أن يضع كل شيء موضع البحث، وأن يعرض كل شيء للشك حينا وللإنكار ~~حينا آخر، فلم يسلم الدين ولا غيره مما كانت تحتفظ به الجماعة الأتينية من خطر هذا ~~الشك والإنكار. ولم يسلم الدين من خطر هذا الشك ، ولم يسلم منه النظام السياسي الأتيني ~~أيضا، فقد كان سقراط يحاور في كل شيء، ويعرض - كما قلنا - كل شيء للشك والإنكار. وكان ~~الشعب الأتيني في آخر القرن الخامس قبل المسيح حريصا مسرفا في الحرص على نظامه ~~الديمقراطي الذي ائتمر به الأرستقراطيون غير مرة، فعرضوه للخطر وأزالوه حينا ما. فلم ~~يكن من الغريب أن يكره الشعب الأتيني كل فلسفة تمس هذا النظام الديمقراطي، أو تعرضه ~~للشك، أو لتصرف عنه الشباب قليلا أو كثيرا. ولم تكن الديمقراطية الأتينية قد وصلت إلى ~~ما وصلت إليه بعض الديمقراطيات الحديثة من الفصل بين الدولة والدين، وإنما كانت تقيم ~~السياسة على الدين وترى الدين أصلا من أصول وجودها، أساسا من أسس حياتها، وفصلا من ~~فصول نظامها السياسي. فكانت فلسفة سقراط أمام الديمقراطية الأتينية آثمة من وجهين: آثمة ~~لأنها تعرض النظام نفسه للخطر، وآثمة لأنها تعرض الدين للخطر. ومن هنا لم يكد خصوم ~~سقراط يقفونه موقف القضاء من الشعب حتى تظهر تدخل السياسة في الخصومة بين العقل والدين، ~~وكان موقف سقراط من قضاته أثناء الدفاع وبعد الحكم محنقا، يثير السخط ويدعو إلى ~~القسوة. فقسا القضاة وأثمت السياسة حين قضت بالموت على أبي الفلسفة. # ومن ذلك الوقت أصبحت الخصومة بين العقل والدين، أو قل بين العلم والدين، أمرا لا ~~مندوحة عنه: يخاف الدين كل فلسفة وكل علم، ويرتاب العلم بكل دين. ومن ذلك الوقت تحدد ~~موقف السياسة بين هذين الخصمين، وظهر أنه لن يكون موقف ms116 إصلاح بينهما، وإنما هو موقف ~~إفساد وإحراج وإثارة للحفيظة والحقد. # لم يقف سخط السياسة الأتينية على الفلسفة عند القضاء على سقراط وإنفاذها هذا القضاء ~~فيه، وإنما تجاوزه إلى اضطهاد تلاميذه والشك فيهم، فتفرقوا في الأرض، واستخفت الفلسفة ~~من أتينا حينا. فلما عادت إليها وسعتها، ولكن مع شيء كثير جدا من التحفظ ~~والارتياب، فما اطمأنت الديمقراطية الأتينية يوما إلى أفلاطون، ولا رضيت على أرسطاليس، ~~والناس جميعا يعلمون أن المعلم الأول كاد يقف من القضاء موقف سقراط لولا أن هرب من ~~أتينا. # 2 # ليست الخصومة بين العلم والدين إذن مقصورة على ما نعرف من الخصومة بين الديانات ~~السماوية والعلم والفلسفة أثناء القرون الوسطى وفي هذا العصر الحديث، وإنما هي - كما ~~رأيت - قديمة، قد ظهرت بين الديانة الوثنية اليونانية وبين فلسفة سقراط وتلاميذه. ومع ~~ذلك فقد كانت الديانة الوثنية اليونانية من أيسر الديانات وأقربها إلى السذاجة وأقلها ~~حظا من التعصب. وحسبك أن هذه الديانة اليونانية كانت تخلو خلوا تاما من مؤثرين ~~عنيفين: أحدهما الكلام، والآخر الإكليروس. لم يكن للديانات اليونانية كلام أو لاهوت، بل ~~لم تكن للديانات اليونانية عقائد محددة، وإنما كانت هذه الديانات عبادات وطقوسا - كما ~~يقولون - لا أكثر ولا أقل. لم تكن للآلهة صفات معروفة معينة يكفر من ينكرها أو يشك ~~فيها، ولم يكن لليونان علم يشبه هذا العلم الذي يتقنه اليهود والنصارى والمسلمون وهو ~~علم اللاهوت. وكذلك لم يكن لليونان قسيسون يحتكرون هذا العلم ويقومون على حماية الدين ~~وصيانته من عبث العابثين، أو إلحاد الملحدين، وإنما كان كل يوناني قادرا على أن يؤدي ~~للآلهة ما يجب لهم من عبادة. وكان زعيم الأسرة قسيسها، وكان زعماء المدينة كهنتها. وإذا ~~لم يكن للدين لاهوت يفرضه على الناس فرضا، وإذا لم يكن للدين هيئة قسيسين أو كهنة ~~يحتكرون حمايته والقيام عليه، فخليق بهذا الدين أن يكون قليل الحظ من التعصب والجمود، ~~وخليق بهذا الدين أن يكون قليل الحظ من مصادرة العقل ومخاصمة حرية الرأي والوقوف في ~~سبيل التطور والرقي. # ومع هذا كله فقد ms117 اختصم هذا الدين الساذج اليسير مع الفلسفة وانتهت الخصومة بموت ~~سقراط؛ ذلك لأن الخلاف بين العلم والدين لا يستمد قوته وعنفه من الفرق بين جوهري العلم ~~والدين فحسب، وإنما يستمد قوته وعنفه من مصدر آخر، هو أن الدين حظ الكثرة، والعلم حظ ~~القلة، فسواد الناس مؤمن ديان، مهما يختلف العصر والطور والمكان، والعلماء أو ~~المفلسفون قلة دائما. فليس غريبا أن تظهر الخصومة قوية عنيفة بين هذه القلة الشاذة ~~التي نسميها العلماء أو الفلاسفة، والتي تفكر على نحو خاص لم يألفه الناس، وليس من ~~اليسير عليهم أن يألفوه، والتي لا تكتفي بالتفكير لنفسها، وإنما تريد أن تفكر لنفسها ~~وللناس أيضا، والتي إذا فكرت وانتهى تفكيرها إلى رأي لم تكتف بإذاعته وترويجه، وإنما ~~تذود عنه وتجادل، وتسرف في الذود والجدال. والتي لا تكتفي بهذا كله، وإنما تحرص على ~~التأثر بتفكيرها وما ينتهي إليه من رأي، وتحرص على أن تلائم بين حياتها العملية وحياتها ~~العقلية، فتمتاز من الناس من ناحيتين مختلفتين: تمتاز منهم في حياتهم اليومية، وتمتاز ~~منهم في القول والتفكير. وأنت تعلم أن السواد أشد ما يكون كرها للتفوق، وأعظم ما يكون ~~بغضا للامتياز؛ فهو يريد دائما أن يكون الناس سواسية في كل شيء، سواسية في القول ~~والعمل، سواسية في الأكل والشرب والنوم والمشي، وغيرها من مظاهر الحياة. وأنت مهما تبحث ~~عن أسباب التطور التي اضطربت لها المدن القديمة ودالت لها الدول الحديثة، فستجد في ~~مقدمة هذه الأسباب سببا محققا هو بغض السواد للتفوق والامتياز، وطموحه إلى المساواة ~~بين الناس. فإذا كان هذا التفوق يمس أصلا من أصول الحياة العامة، بل يمس أيسر هذه ~~الأصول وأقربها تناولا وأشدها اتصالا بالضمائر والنفوس وتأثيرا في الحياة اليومية، ~~نقول إذا كان التفوق يمس هذا الأصل الذي هو الدين، فخليق بالسواد أن يبغضه ويثور به، ~~وينكل بالمتفوقين تنكيلا متى استطاع إلى ذلك سبيلا. # وكذلك كان ميل السواد في أتينا، وكذلك كان موقفه من سقراط وتلاميذه. # 3 # على أن تقرير هذا الأصل، وهو بغض السواد للجديد، لا ms118 ينتهي بنا إلى هذه النتيجة ~~وحدها، وإنما يعيننا على فهم حقائق أخرى وقعت في العصور القديمة والوسطى، ولم يحاول ~~الباحثون أن يردوها إلى أصولها الصحيحة، فالسواد لا يكره تفوق العلماء وحدهم، وإنما ~~يكره التفوق من حيث هو. قل إن شئت إنه يكره كل جديد، وهو مضطر بحكم هذا الكره إلى أن ~~يقاوم هذا الجديد ما استطاع، فإما أن ينتصر فلا جديد، وإما أن ينخذل فيتسلط الجديد ~~شيئا فشيئا حتى يصبح قديما، ويستعير من خصمه الأول كل الأسلحة التي حاربه بها، ~~ليدافع بها عن نفسه، ويناهض بها كل جديد. ومن هنا نستطيع أن نفهم أن السواد القديم ~~اليوناني والروماني لم يحارب الفلسفة وحدها، وإنما حارب الدين أيضا. فأما اليونان فقد ~~وقفوا موقف الخصومة من ديانات شرقية حاولت أن تنبث في بلادهم، ووفقوا بعض التوفيق ~~في هذا الموقف، فلم تستطع الديانات الشرقية أن تنتشر في البلاد اليونانية جهرة، وإنما ~~ارتدت عنها ارتدادا أو انتشرت فيها خلسة فكونت لنفسها جماعات سرية تؤدي واجباتها من ~~وراء ستار. # وأما الرومان فكرهوا في أول الأمر فلسفة اليونان أشد الكره؛ لقوها بالازدراء، ثم ~~قاوموها مقاومة سياسية، فحظروا درسها، وبلغ بهم ذلك أن زعيما من زعمائهم هو «كاتو ~~القديم» توسل إلى مجلس الشيوخ في أن يتعجل في قضاء حاجة لبعض السفراء اليونانيين ليترك ~~هؤلاء السفراء المدينة ويستريح منهم سواد الشعب. وكان بين هؤلاء السفراء فلاسفة انتهزوا ~~سفارتهم فرصة لإلقاء محاضرات فلسفية في روما. ولكن الرومان لم يكرهوا الفلسفة اليونانية ~~وحدها، وإنما كرهوا معها كل جديد أيضا، وليس أدل على ذلك من اللفظ الذي اصطلح الرومان ~~عليه للتعبير عن الثورة وقلب النظام فهو «الشيء الجديد». فهم لا يقولون إن فلانا يريد ~~أن يثور، أو إن فلانا ثار، وإنما يقولون: إن فلانا يريد أن يحدث شيئا جديدا. ذلك ~~أن الرومان كانوا من أشد الشعوب القديمة في الغرب محافظة وحرصا على القديم. ومع أن ~~دينهم لم يكن أشد من الدين اليوناني تعقيدا، ومع أنه لم يكن كالديانات السماوية يعتمد ~~على كلام ms119 أو لاهوت، فقد كان يمتاز من الدين اليوناني امتيازا قويا من وجهين؛ الأول: ~~أنه كان أشد من الدين اليوناني تسلطا على حياة الفرد والجماعة، فقد كان الفرد الروماني ~~من أشد الناس طيرة واشفاقا، يخاف من كل شيء، ويرى تأثير الآلهة في كل شيء، ويحرص على ~~أن يتملقهم ويترضاهم. وكان وجود الأسرة نفسها قائما على أصول من الدين. وكانت الجماعة ~~الرومانية كالفرد الروماني حذرة متطيرة، وكان وجودها السياسي كوجود الأسرة قائما ~~على أصول ثابتة من الدين. ونحن لا نعرف عند اليونان زجرا ولا عيافة ولا قيافة ، ~~ولكننا نرى هذا كله عند الرومان، ونراه مؤثرا أشد التأثير في الحياة الخاصة والعامة ~~جميعا. الثاني: أن هذا الفرق بين الفرد اليوناني والروماني من حيث التأثر بالدين قد ~~استتبع نتيجته الطبيعية، وهي أن تكون عناية السياسة بالدين ملائمة لشدة ما لهذا الدين ~~من التأثير في نفوس الأفراد والجماعات، فنظمت حماية السياسة بالدين في روما تنظيما ~~قويا، وقام في روما شيء يشبه «الإكليروس» له سلطته الدينية وله امتيازاته ~~أيضا. # وإذ كان رئيس الدولة سواء أكان ملكا أو قنصلا، إنما يستمد سلطته من الشعب بعد ~~استشارة الآلهة، أو قل من الآلهة بعد استشارة الشعب، فقد كان الواجب الأول على الملك أو ~~القنصلين حماية الدين. وكذلك قامت بحماية الدين في روما جماعة «الإكليروس» وهيئة ~~الحكومة ومجلس الشيوخ الذي كان واجبه الأول حماية ما ترك الآباء. فلا تعجب إذا رأيت ~~الرومانيين يقاومون الجديد مهما يكن، ويشتدون في مقاومته إذا مس الدين. ولا تعجب إذا ~~رأيت الرومان في عصورهم الأولى يبغضون أشد البغض ويناهضون أشد المناهضة هذه الديانات ~~الأجنبية التي حاولت أن تنبث في روما بعد أن انبسط سلطان روما على الأرض. # 4 # كل هذا يرجع إلى أصل واحد، وهو أن الدين أقوى ما يمثل نفس السواد، فالسواد به كلف، ~~وله محب، وعليه حريص، وعنه ذائد، يبذل في ذلك ما يستطيع من قوة وجهد. وقد قلت منذ حين ~~إن حرص السواد على دينه لا يكلفه محاربة العلم والفلسفة وحدهما، وإنما ms120 يكلفه محاربة كل ~~جديد من شأنه أن يمس الدين. ومن غريب الأمر أنك إذا فكرت قليلا فيما تسميه خصومة بين ~~العلم والدين، رأيت أن بعض الديانات أو أن الديانات السماوية نفسها قد كان ينظر إليها ~~كما ينظر إلى العلم؛ أي إن الديانات القديمة كانت تكره دين اليهود والنصارى وتحاربهما ~~كما كانت تكره فلسفة سقراط وتحاربها، لا لشيء إلا أن ديني اليهود والنصارى كانا جديدين ~~مخالفين لطبيعة هذه الديانات الوثنية القديمة. ولسنا في حاجة إلى أن نقف بك عند هذه ~~الحرب المنكرة التي أثارتها وثنية الرومان على دين اليهود أولا وعلى دين النصارى ~~ثانيا، فأنت تعرف من تفصيل هذه الحرب وعن اضطهاد الوثنية للهودية والنصرانية ما يغنينا ~~عن مثل هذا الاستطراد، ولكننا نلاحظ أن الأسباب التي حملت الوثنية الرومانية على أن ~~تنكر توحيد اليهود والنصارى وتنصب له الحرب وتمزق أهله تمزيقا، هي بعينها الأسباب التي ~~حملت وثنية اليونان في آخر القرن الخامس قبل المسيح على أن تقضي على سقراط وتذيقه ~~الموت. هي بعينها الأسباب التي تتصل بعواطف السواد وميوله الدينية من ناحية، وبالسياسة ~~واستخدامها لهذه العواطف والميول من ناحية أخرى. ولعلك تقتنع بهذا اقتناعا لا يقبل ~~الشك إذا فكرت في طبيعة الإمبراطورية الرومانية التي حاربت اليهودية والنصرانية قرونا ~~متصلة. # كانت هذه الإمبراطورية الرومانية تقوم على الدين كما كانت الديمقراطية الأتينية ~~والأرستقراطية الرومانية تقومان على الدين أيضا. وكان الإمبراطور قد جمع إليه السلطان ~~الديني والسياسي، وأخذ الناس بعبادته في أقطار الأرض على أنه ممثل روما التي كانت تعبد ~~إبان العصر الجمهوري، وعلى أنه خليفة الله في أرضه. وكانت الشعوب الوثنية الخاضعة ~~للسلطان الروماني لا ترى بأسا بعبادة قيصر، كما أنها لم تكن ترى بأسا بعبادة روما. ~~وكانت عبادة قيصر يسيرة على الشعوب الشرقية، وعلى المصريين منهم بنوع خاص، وقد ألفت ~~هذه الشعوب منذ أول الزمان عبادة السادة الملوك. وكانت هذه العبادة عسيرة أول الأمر على ~~اليونانيين الذين لم يألفوا من قبل عبادة الأفراد، والذين ضحكوا من الإسكندر حين تقدم ~~إليهم أن يعبدوه. ms121 ولكن اليونان خالطوا الأمم الشرقية واتصلوا بها، وكان لهم فيها ملوك ~~عبدوا كما عبد الفراعنة وعظماء الفرس، فهان عليهم الأمر ومضوا فيه جادين حينا ~~ولاعبين حينا آخر كدأبهم في كل شيء. إنما هذا الشعب السامي الذي بعد عهده بالوثنية ~~منذ حين طويل، والذي ألف التوحيد وأمعن فيه، وهو شعب إسرائيل، لم يستطيع أن يفهم ~~عبادة روما ولا عبادة قيصر، كما أنه لم يستطع أن يفهم عبادة فرعون ولا أن يدين لآلهة ~~بابل وآشور. ومن هنا كانت ديانة هذا الشعب السامي منكرة ثقيلة على الرومان لأنها تخالف ~~ديانتهم الوثنية وتخالف سياستهم القائمة على هذه الديانة. وجاءت النصرانية فكانت أشد ~~مخالفة لطبيعة الوثنية ولطبيعة السياسة القائمة عليها من اليهودية، فلم يتردد قياصرة ~~الرومان في محاربة هذه النصرانية إلا ريثما فهموا خطرها على السياسة والدين. ولدينا ~~أقدم نص تاريخي يتصل باضطهاد النصارى، وهو استفتاء من أحد حكام الأقاليم للإمبراطور ~~«تراجانوس»، آخر القرن الأول للمسيح، في أمر هذه المتنصرة وما ينبغي أن يتخذ نحوها من ~~سياسة، وقد اعتاد المؤرخون أن يثنوا على هذا الإمبراطور؛ لأن رده على مستفتيه كان ~~رفيقا لينا، ومع ذلك فإن الإمبراطور لم يطلب إلى مستفتيه أن يقر حرية الدين، ولا أن ~~يدع المتنصرة، وإنما طلب إليه ألا يحفل بما يرفع إليه الجواسيس، فأما معاقبة النصراني ~~الذي تثبت نصرانيته فلم يكن منهما بد؛ لأن النصرانية كانت خروجا على السياسة وعلى دين ~~الدولة معا. # وعلى هذا النحو من تعاون السواد وحكومة السواد، أو قل على هذا النحو من استغلال ~~السياسة لعواطف السواد سفكت دماء النصارى في الشرق والغرب. # وامض بعد ذلك في تاريخ النصرانية، فسترى أنها صبرت وصابرت وجاهدت حتى كان لها النصر، ~~وأصبحت في القرن الرابع ديانة الدولة الرومانية، فلم تظفر بهذه المكانة السياسية حتى ~~استغلتها فأسرفت في استغلالها، وسفكت دماء الأتينيين، وهدمت معابدهم وصادرت أموالهم كما ~~سفك الوثنيون دماء النصارى وهدموا بيعهم وصادروا أموالهم. ومنذ ذلك الوقت كانت محالفة ~~بين الوثنية والفلسفة، لا لشيء إلا لأن هذه الفلسفة قديمة كالوثنية، ms122 مخالفة لطبيعة ~~المسيحية كما أن الوثنية مخالفة لهذه الطبيعة. فأنت ترى أن الفلسفة كانت عدو الوثنية ~~ولقيت منها ألوان الاضطهاد. وأنت ترى أن الفلسفة هي التي أعانت على إعداد الشعوب ~~القديمة للمسيحية وترقية العقل القديم والمباعدة بينه وبين الوثنية، ولكنك ترى أن ~~المسيحية لم تكد تظفر بالسلطان حتى أنكرت العدو والصديق، ونصبت الحرب للوثنية والفلسفة ~~معا. وأنت تعلم أن الأمر انتهى بالفلسفة إلى أن التمست لها دارا لا يتسلط فيها ~~المسيح، فهاجرت إلى الفرس واستظلت بلواء الساسانين. وعندنا أن المسيحية لو لم تظفر ~~بسلطانها السياسي لما خاصمت الفلسفة ولما تورطت فيما تورطت فيه من الجحود وإنكار ~~الجميل. فهي مدينة بكثير للأفلاطونية القديمة، وهي مدينة بكثير للأفلاطونية الجديدة. ~~ويخيل إلينا أن طبيعة المسيحية الخالصة، وطبيعة الأفلاطونية الخالصة، لم يكن بينهما ~~من الخلاف ما ينتهي بهما إلى الخصومة والحرب، لولا أن السياسة قد دخلت بينهما فأفسدت ~~الأمر عليهما جميعا. # 5 # بل في الأمر ما هو أشد غرابة من هذا كله، فقد وقعت نفس هذه الخصومة بين الديانات ~~السماوية السامية نفسها وعلى النحو الذي وقعت به بين هذه الديانات وبين الديانات ~~الوثنية القديمة. نريد أن الديانات اليهودية اعتبرت المسيح مجددا مبتدعا فأنكرته، ~~ونصبت له الحرب على نفس النحو الذي أنكر الأتينيون به سقراط ونصبوا له الحرب. ونريد أن ~~نقول إن المسيحية بعد انتصارها قد اعتبرت النبي مجددا فأنكرته ونصبت له ولدينه الحرب. ~~وكل ما بين الإسلام والمسيحية من الفرق من هذه الناحية، هو أن المسيحية لبثت حينا ~~طويلا لا تعتز بالسلطان السياسي، فطال اضطهادها ولقيت ما لقيت من بلاء، وأن الإسلام لم ~~يلبث بعيدا عن السلطان السياسي إلا أعواما ريثما تمت الهجرة، فما كاد يظفر بهذا ~~السلطان حتى دافع عن نفسه فناهض الوثنية واليهودية والنصرانية، وكان النصر له آخر ~~الأمر. # فالخصومة في حقيقة الأمر ليست بين العلم والدين، ولا بين الوثنية واليهودية ~~والنصرانية والإسلام، ولا هي بين دين ودين، وإنما هي أعم من ذلك وأيسر، هي بين القديم ~~والجديد، هي بين السكون والحركة، ms123 هي بين الجمود والتطور. وإلا فكيف تستطيع أن تفهم أن ~~يلقى سقراط والمسيح ومحمد - عليهما السلام - اضطهادا من نوع واحد؟ وكيف تستطيع أن ~~تفهم أن يتشابه موقف الوثنية والمسيحية واليهودية على اختلاف الأمكنة والأزمنة وأجيال ~~الناس وطبائع جنسياتهم؟ كيف تستطيع أن تفهم تشابه هذه المواقف جميعا، إذا لم تردها ~~إلى أصل واحد، وهو الخصومة بين القديم والجديد، أو استغلال السياسة للخصومة بين القديم ~~والجديد؟ وما الذي كان بعد أن تم النصر للإسلام في ناحية من أنحاء الأرض، وانقسم العالم ~~القديم بينه وبين النصرانية، فاستأثر الإسلام بالشرق واستأثرت المسيحية بالغرب. # نحب أن تفكر في الأمر تفكيرا علميا مجردا من الهوى مبرأ من الغرض، لا يتأثر ~~بالعصبية الجنسية ولا الدينية، فسترى أن الأمر قد سار في الشرق والغرب على أسلوب واحد، ~~فلم يكد الإسلام ينتصر ويستقر في الأرض، ويظفر بالسلطان السياسي ويفرغ من الحرب ~~والفتوح، حتى كره ملوكه الجديد، وأكثروا الحرص على القديم، واستغلوا ميل العامة إلى ~~القديم وحرصهم عليه، واتخذوا هذا الاستغلال وسيلة إلى الحكم والتسلط، فأنكروا كل جديد ~~وحاربوه. وعلى هذه النحو سارت المسيحية في أوروبا. وكان لأصحاب الدينين صرعى في الشرق ~~والغرب، وكان العلم موضع الاضطهاد في هذين القطرين من الأرض. ولكن هنا وقفة يجب أن ~~نقفها لنكون منصفين، فالحق أن ليس في طبيعة الإسلام ولا في طبيعة المسيحية ما يدعو إلى ~~الاضطهاد ولا إلى محاربة الجديد ولا إلى مناهضة حرية الرأي. ولك أن تقرأ القرآن ~~والأناجيل وتمعن في القراءة، ولك أن تبحث وتمعن في البحث، فلن تجد نصا أو شبه نص ينكر ~~التجديد ويدعو إلى مناهضته، أو يأخذ العقول بالجمود أو يحظر عليها حرية الرأي قليلا أو ~~كثيرا، ليس في الإسلام ولا في المسيحية إذن ما يدعو إلى مناهضة حرية الرأي، لم يكن في ~~الوثنية اليونانية أو الرومانية ما يدعو إلى مناهضة حرية الرأي أيضا. ومع ذلك فقد أثم ~~الوثنيون وأثم اليهود والنصارى والمسلمون، واعتدوا جميعا على حرية الرأي اعتداء يختلف ~~قوة وضعفا. # أليس مصدر هذا في حقيقة ms124 الأمر إنما هو استغلال السياسة لعواطف السواد؟ بلى، ولولا أن ~~السياسة تريد أن تتخذ ما تستطيع من الطرق والوسائل لتتسلط على نفوس الناس وتتملق عواطف ~~السواد، لما قتل الأتينيون سقراط، ولما حاول اليهود صلب المسيح، وما سفك الرومان دماء ~~اليهود والنصارى، ولما أخرجت قريش محمدا وأصحابه من ديارهم، ولما عذب ابن رشد ~~و«جليلي»، ولما حرق من حرق وشرد من شرد من العلماء والمفكرين. # وشيء آخر لا بد من إثباته لنكون منصفين، وهو أن تبعات المسيحيين أثقل من تبعات ~~المسلمين في مناهضة العلم ومحاربة حرية الرأي، فأنت تستطيع أن تعد العلماء والمفكرين ~~الذين أوذوا في البلاد الإسلامية، وأنت تستطيع أن تلاحظ أنهم قليلون جدا، وأن تلاحظ ~~أيضا أنهم لم يلقوا من الأذى إلا قليلا. ولكن تستطيع أن تعد العلماء والمفكرين الذين ~~أوذوا في ظل المسيحية، فستراهم كثيرين جدا، وسترى أنهم لقوا من الأذى ألوانا منكرة ~~أخفها السجن، وأقساها الموت والعذاب بين هذين اللونين. ومصدر هذا أن الإسلام حر طلق ليس ~~له ما للمسيحية من «الإكليروس» والكنيسة المنظمة، وأن الإسلام حر طلق أيضا لا يأخذ ~~العقل الإنساني بما لا يطيق، ولا يكرهه على الإيمان بما لا يفهم، ولا يضع أمامه ~~الأسرار التي يجب أن يقبلها دون رؤية أو تفكير. ومصدر ذلك أيضا أن الإسلام حر طلق لم ~~يجعل للحكومة على الناس سبيلا فيما يفكرون ويرون، وإنما اتخذ هذه القاعدة السمحة ~~أساسا لسياسته بإزاء حرية الرأي: # لا إكراه في الدين ~~قد تبين الرشد من الغي # وهو إذن لم يمنح السلطة السياسية ~~على الناس حق الموت والحياة، وإنما بين حدود الله تبيينا وعرف الأفراد حقوقهم ~~وواجباتهم، ورسم للحكومة في هذا الوجه طريقا لا تعدوه حتى تأثم. فليس للحكومة المسلمة ~~أن تعذب مسلما أو تؤذيه وهو يعلن إيمانه بالله ورسوله، وإنما موقف الحكومة المسلمة ~~موقف الإسلام نفسه لا تتحرك إلا حين يتعرض الإسلام للخطر. هو موقف دفاع لا موقف هجوم؛ ~~ومصدر ذلك أيضا أن الإسلام من أشد الديانات نصرا للتجديد ونعيا على الذين يسرفون في ms125 ~~نصر القديم، وكثيرة جدا في القرآن هذه الآيات التي تسخر من المشركين الذين عاصروا ~~النبي أو لم يعاصروه؛ لأنهم أبوا الإجابة إلى دين الله حرصا على القديم وكراهة أن ~~يعبدوا ما لم يكن يعبد آباؤهم. # كل هذا جعل الحكومة الإسلامية وعلماء الدين من المسلمين أقل ميلا إلى الاضطهاد وأشد ~~احتراما لحرية الرأي من الحكومات المسيحية ورجال الدين من المسيحيين. وقد يكون من ~~الخير أن نلاحظ أن المسلمين لم يعرفوا اضطهادا لحرية الرأي في عصورهم الأولى، حين كانت ~~الحكومة عربية خالصة منصرفة إلى الشئون السياسية وحدها، غير متدخلة في حياة الأفراد ولا ~~فيما يرون. فلسنا نعرف أيام الخلفاء الراشدين اضطهادا لحرية الرأي، ولسنا نعرف شيئا ~~من ذلك أيام بني أمية، مع أن البدع ظهرت وكثرت في هذه الأيام؛ ذلك لأن الحكومة في تلك ~~العصور كانت عربية خالصة، والعربي حر بطبعه، ولأن الحكومة في تلك العصور كانت قريبة ~~إلى الأصول الإسلامية الخالصة، وأصول الإسلام حرة بطبعها، فلما كان عصر بني العباس، ~~وتسلطت على المسلمين حكومة عربية في ظاهر الأمر، أعجمية في حقيقته، ظهرت الخصومة بين ~~العلم والدين، وظهر اضطهاد الحكومة لحرية الرأي، فكان ما كان من تتبع الزنادقة أول أيام ~~بني العباس، على أن الزنادقة كانوا يتحدون الإسلام حقا ويحاولون الإفساد في الأرض ~~أحيانا. ثم كان ما كان من تتبع الذين يخالفون رأي الخليفة في الدين، وفتنة الناس في ~~آرائهم أيام المأمون، ثم كان ما كان من تسلط الترك وتسلط الجمود معهم على الحياة ~~الدينية والعقلية. فأنت ترى معي أن الإسلام والمسيحية بريئان من اضطهاد الرأي ومناهضة ~~العلم، وأن إثم ذلك واقع حقا على السياسة التي تدخلت بين الدين والعلم أو بين السواد ~~والعلماء. ولما كان حظ رجال الدين المسيحي من سلطان السياسة أعظم من حظ رجال الدين ~~الإسلامي، كان اعتداء «الإكليروس» المسيحي على الحرية أشد خطرا وأبعد أثرا. # 6 # ولك الآن أن تعكس الأمر، فإن الدين لم يعتد وحده على العلم، بل اعتدى العلم على ~~الدين أيضا حين آل إليه السلطان. ms126 وقد رأيت أن المسيحية اعتدت على الوثنية وحاربتها ~~بنفس الأسلحة التي حاربتها الوثنية بها. وقد رأيت أنا لا نرى الخصومة بين العلم ~~والدين من حيث هما علم ودين، وإنما نراها واقعة بين القديم والجديد من حيث هما قديم ~~وجديد. ولو أن سواد الناس عني بالمسائل اللغوية والأدبية عنايته بمسائل الدين، لكان من ~~المجددين في اللغة والأدب صرعى وشهداء كما كان من المجددين في العلم والدين والفلسفة. ~~ونحن نرى في أول هذا العصر الحديث حركة تدعو إلى حرية الرأي وإلى التجديد في كل شيء في ~~العلم والأدب والفلسفة والدين. فأما المظهر الديني لهذه الحركة فالبروتستانتية، وأما ~~المظر العلمي فحياة «جليلي» و«كوبرنيك» ومن إليهما من العلماء. وأما المظهر الفلسفي ~~فحياة «ديكارت» و«باكون» و«ولبنينز» و«سبينوزا» ومن إليهم. وأما المظهر الأدبي والفني ~~فكل هذه الحركة القوية الخاصة التي نلحظها في إيطاليا ثم في فرنسا ثم في إنجلترا، والتي ~~أخرجت من أخرجت من الشعراء والكتاب والمصورين والمثالين. نرى هذا كله ولكننا لا نرى ~~الحرب بين القديم والجديد عنيفة تنتهي إلى سفك الدماء، لا في المظهر الديني الخالص، أو ~~في ما يكون من الخصومة بين المظهر الديني والمظهر العلمي الفلسفي. # فأنت تعلم ما سفك من الدماء بين الكاثوليك والبروتستانت، وأنت تعلم ما لقي العلماء ~~والفلاسفة من أذى رجال الدين، وأنت تعلم أن ديكارت إنما آثر حياته في هولندا - كما يقول ~~رينان - لأن الناس كانوا عنه في شغل بتجارتهم. وإذن فلا بد من أمرين لتكون الخصومة بين ~~العلم والدين، أو بين الحرية والدين، عنيفة منكرة؛ أحدهما أن يعنى السواد بهذه ~~الخصومة، والثاني أن تستغل السياسة عناية هذا السواد. ولولا أن السواد عني بالخصومة بين ~~الكاثوليكية والبروتستانتية وبالخصومة بين العلم والدين، ولولا أن السياسة اعتزت بهذا ~~السواد لما سفك دم ولا حرق عالم ولا أوذي فيلسوف. على أن البروتستانتية قاومت حتى ~~كان لها النصر، واستأثرت بجزء عظيم من أوروبا، وعلى أن العلم والفلسفة قاوما حتى كان ~~لهما النصر، واستأثرا بالعقول في أوروبا أثناء القرن الثامن عشر. وليس هنا ms127 موضع البحث ~~عن الأسباب التي أتاحت للعلم والفلسفة الاستئثار بعقول كثير من سواد الناس أثناء هذا ~~القرن الثامن عشر. ولكن هناك حقيقة واقعة لا تقبل الشك، وهي أن العقل الأوروبي تطور في ~~هذا العصر تطورا شديدا غريبا، فنصب الحرب لهذين الحليفين اللذين أذلاه حينا، وهما ~~السياسة الملكية والكنيسة الكاثوليكية، نصب الحرب لهذين الحليفين، واعتز في حربه هذه ~~بالعلم والفلسفة، وظل يجاهد حتى كانت الثورة الفرنسية. وهنا انعكست الآية، وأثم العلم ~~والفلسفة، أو قل أثم أصحاب العلم والفلسفة كما أثم أصحاب الدين من قبل ، فاضطهد الدين ~~اضطهادا شديدا، ولقي رجال الدين ضروبا من المحن والفتن، وكان الذين يفتنون رجال ~~الدين ويمتحنونهم هم أولئك الذين كانوا متأثرين بفسلفة «فولتير» و«مونتسكيو» و«جان جاك ~~روسو» و«ديدرو» وغيرهم. # وكان قوام هذه الفلسفة من الوجهة العملية والنظرية إنما هو الدعوة إلى حرية الرأي ~~وإلى التسامح؛ فما بال هذه الفلسفة التي كانت تدعو إلى الحرية والتسامح قد استحالت ~~عدوا للحرية والتسامح. أما الفلسفة نفسها فلم تتغير، ولم تنكر الحرية ولم تنصب لها ~~الحرب. وإنما ذنبها وإثمها أنها ظفرت بعد الثورة الفرنسية بالمكانة السياسية الرسمية، ~~فطغت أو طغى أصحابها وأسرفوا في الطغيان. أمرها من ذلك كأمر المسيحية، كانت تعذب ~~وتضطهد وتدعو أثناء ذلك إلى الحرية والتسامح، حتى إذا أصبحت دين الدولة طغى أصحابها ~~وأسرفوا في الطغيان. فالإثم في حقيقة الأمر ليس إثم الدين ولا إثم العلم ولا إثم ~~الفلسفة، وإنما هو إثم هذه الدخيلة التي تتوسط بين هذين العدوين فتسلح أحدهما على ~~الآخر وتستغل هذا لمنفعتها الخاصة. # وفي الحق أني أحاول أن أفهم كيف يستطيع الدين أو العلم أن يعتدي على الحرية العلمية ~~أو الدينية إذا لم تمده السياسة بالذخائر والسلاح، فلا أجد إلى هذا الفهم سبيلا. ~~تصور بلدا وقفت السياسة فيه موقف الحيدة المطلقة بين العلم والدين، فكفت أيدي ~~الناس عن الناس، وأقرت الأمن في نصابه، وتركت للعلم حريته، وللدين حريته، فما الذي ~~يمكن أن يقع من العنف بين العلماء ورجال الدين؟ لا شيء إلا الخصومة الكلامية، ms128 لا شيء ~~إلا المناقشة والجدل، ومن الذي يستطيع أن يرى شرا في المناقشة أو الجدل؟ # 7 # سنظن بعد أن نقرأ هذا كله أنا لا نرى الخصومة قوية بين العلم والدين نفسهما، وإنما ~~نرى أن السياسة تستغلهما لمنفعتها، ولو تركتهما لتصافيا وائتلفا ... كلا! نحن لا نرى هذا ~~الرأي، وإنما نرى ما قلناه في أول هذا البحث من أن الخصومة بين العلم والدين أساسية ~~جوهرية لا سبيل إلى اتقائها ولا إلى التخلص منها. هي أساسية جوهرية لأن العلم والدين لا ~~يتصلان بملكة واحدة من ملكات الإنسان، وإنما يتصل أحدهما بالشعور ويتصل الآخر بالعقل، ~~يتأثر أحدهما بالخيال ويستأثر بالعواطف، ولا يتأثر الآخر بالخيال إلا بمقدار ولا يعنى ~~بالعاطفة إلا من حيث هي موضوع لدرسه وتحليله. والخصومة بين العلم والدين أساسية جوهرية؛ ~~لأن الدين أسن من العلم، ولأنه كان في العصور القديمة كل شيء: كان دينا وكان علما، ~~ولأن العلم جاء بعد ذلك فغير هذا القسم العلمي من الدين، وأبى الدين أن يذعن لهذا ~~التغيير، وأبى العلم أن ينزل عما ظفر به من الثمرات. فلن يتفقا إلا إذا جحد أحدهما ~~شخصيته كما قلت في غير هذا المكان. # والخصومة بين العلم والدين أساسية جوهرية؛ لأن الدين يرى لنفسه الثبات والاستقرار، ~~ولأن العلم يرى نفسه التغير والتجدد، فلا يمكن أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما عن ~~شخصيته. # والخصومة بين العلم والدين أساسية جوهرية؛ لأن أحدهما عظيم جليل، واسع المدى بعيد ~~الأمد، لا حد له ولا انتهاء لموضوعه، ولأن الآخر متواضع ضئيل محدود المطامع بطيء الخطى ~~يقدم ثم لا يكره أن يحجم، ويمضي ثم لا يكره أن يرتد، ويبني ثم لا يتحرج من الهدم، فلا ~~يمكن أن يتفقا إلا أن ينزل أحدهما عن شخصيته. # فالخصومة بينهما أمر لا بد منه. ولكن المسألة في حقيقة الأمر ليست في أن الخصومة ~~واقعة أو غير واقعة، وإنما هي في أن الخصومة ضارة أو نافعة، أو بعبارة أدق: المسألة هي ~~أن نعرف هل كتب على الإنسانية أن تشقى بالعلم والدين، أم ms129 هل كتب على الإنسانية أن تسعد ~~بالعلم والدين؟ أما نحن فنعتقد أن الإنسانية تستطيع أن تسعد بالعلم والدين جميعا، ~~وأنها ملزمة إذا لم تستطع أن تسعد بهما أن تجتهد في ألا تشقى بهما. وسبيل ذلك عندنا ~~واضحة، وهي أن ينزع السلاح - كما يقولون - من يد العلم والدين، أو قل سبيل ذلك أن ترغم ~~السياسة على أن تقف موقف الحيدة من هذين الخصمين. فالعلم في نفسه لا يريد ولا يستطيع ~~الأذى، والدين في نفسه لا يريد ولا يستطيع الأذى، ولكن السياسة تريد وتستطيع الأذى ~~غالبا. وهي كما قلت تتخذ العلم حينا وسيلة إلى هذا الأذى وتتخذ الدين حينا آخر وسيلة ~~إليه. وهب السياسة لم تطع رجال الدين ولم تشتر نفوسهم وضمائرهم، ولم تهيئ لهم من ~~أسباب الرغد والنعيم ما يصرفهم عن الله، ويجعل الدين في أيديهم سلعا تباع وتشترى، أو ~~هب السياسة لم تفسد نفوس العلماء وضمائرهم وأخلاقهم، ولم تشترهم بالمناصب وأسباب ~~السلطان، ولم تمنحهم من أسباب الرغد والنعيم ما يحولهم عن البحث العلمي الهادئ، إلى ~~هذه الخصومة العنيفة العقيمة. هب السياسة لم تشغل أولئك ولا هؤلاء، ولم تمكن السواد ~~من أن ينتصر لأولئك أو هؤلاء، فماذا تكون النتيجة؟ تكون أن يمضي رجال الدين في حياتهم ~~الدينية، ورجال العلم في حياتهم العلمية، وأن ينصرف السواد إلى حياته العملية المنتجة ~~منتفعا بالدين فيما بينه وبين الله، منتفعا بالعلم في تدبير شئونه اليومية، وأن تزول ~~هذه الخصومات المنكرة التي تقسم الناس شيعا وأحزابا، وتغري بعضهم ببعض وتجعل بعضهم ~~لبعض عدوا، وتبث فيهم ألوان الرذيلة وحب الكيد والوقيعة، وما إليها من الرذائل ~~الفاحشة. وهل تظن أن وقف السياسة هذا الموقف شيء عسير حقا؟ كلا! قد كان عسيرا قبل ~~هذا العصر الحديث حين لم يكن بد للحكومة من أن تستغل الدين أو من أن تستغل العلم. ~~فأما هذا العصر الذي نحن فيه فقد استطاعت السياسة أن تستقل وأن تمشي على قدميها دون أن ~~تعتمد على عصا دينية أو علمية؛ ذلك لأن فكرة الوطنية وما يتصل ms130 بها من المنافع ~~الاقتصادية والسياسية الخالصة قامت الآن في تكوين الدول وتدبير سياستها مقام فكرة ~~الدين، أو مقام هذه النظريات الفلسفية الميتافيزيقية التي كانت تقوم عليها الحكومة من ~~قبل. وأين هي الحكومة التي تستطيع الآن أن تزعم أنها تقوم على الدين أو أنها تقوم ~~لحماية الدين، أو أنها تقوم على أساس ما من هذه الأسس الفلسفية المختلفة: حماية الواجب ~~أو حماية الحق أو حماية العدل؟ أين هي الحكومة التي تستطيع أن تجهر بشيء من ذلك دون أن ~~يضحك منها الناس جميعا ، وأن يكون رعاياها أول الضاحكين؟ أتستطيع الحكومة المصرية مثلا ~~أن تزعم أنها إنما تقوم على الإسلام وبالإسلام وللإسلام؟ كلا. كما أن الحكومة الفرنسية ~~لا تستطيع أن تزعم أنها إنما تقوم على المسيحية وبالمسيحية وللمسيحية. ومع ذلك فقد كانت ~~مصر موئل الإسلام في جميع عصورها الإسلامية! ومع ذلك فقد كان ملوك فرنسا يلقبون ~~أنفسهم أصحاب الجلالة المسيحية! ومع ذلك فقد كان ملوك مصر وسلاطينها يعاهدون ملوك ~~أوروبا باسم المسلمين ويزعمون لأنفسهم حماية بيت المقدس والحرمين الشريفين! ومع ذلك كان ~~ملوك فرنسا يعاهدون دول الشرق الإسلامي باسم المسيحية، ويزعمون لأنفسهم حماية المسيحية ~~في بلاد الإسلام! # كان هذا كله، ولكن هذا كله قد تغير، فمصر لا تستطيع أن تزعم أنها حامية بيت المقدس ~~أو الحرمين الشريفين، أو أنها الناطقة بلسان المسلمين الذائدة عن حوض الإسلام. بل لست ~~أدري أتستطيع مصر الآن أن تزعم أنها تحمي الإسلام في أقطارها الخاصة ولا تتجاوز حدوده ~~عمدا أو كرها؟ ولا تستطيع فرنسا أن تزعم لنفسها حماية المسيحية في الأقطار الإسلامية، ~~بل لا تستطيع أن تزعم لنفسها حماية المسيحية في أقطارها الخاصة. لا تقوم الحكومة ~~المصرية الحديثة ولا الحكومة الفرنسية الحديثة على أساس من دين ولا من علم ولا من ~~فلسفة، وإنما تقوم الحكومة الحديثة في أقطار الأرض المتحضرة الآن على أساس سياسي خالص ~~من المنفعة الاقتصادية والمدنية لا أكثر ولا أقل. وقد فرغ الناس من هذا وأصبحوا لا ~~يفكرون في أن الحكومة تقوم على الدين أو ms131 لا تقوم عليه، فإن فكروا في صلة بين الدين ~~والحكومة - وهذا قليل نادر - فإنما يفكرون في طبيعة الموقف الذي يجب أن تقفه الحكومة ~~الحرة الصالحة من دين الكثرة والقلة. أتعترف بهذه الديانات أم تنكرها أم تجهلها في غير ~~اعتراف ولا إنكار؟ # 8 # نعم إن دستورنا المصري قد نص في صراحة أن الإسلام دين الدولة، وكان هذا النص مصدر ~~فرقة، لا نقول بين المسلمين وغير المسلمين من أهل مصر، فقد رضيت القلة المسيحية وغير ~~المسيحية هذا النص ولم تحاور فيه، ولم تر فيه على نفسها مضاضة أو خطرا، وإنما نقول ~~إنه كان مصدر فرقة بين المسلمين أنفسهم، فهم لم يفهموه على وجه واحد ولم يتفقوا في ~~تحقيق النتائج التي يجب أن تترتب عليه. فأما عامة الناس فلم تلتفت إلى هذا النص ولم ~~تحفل به، وأكبر ظننا أنها ما كانت لتشعر بشيء لو لم يوجد هذا النص في الدستور؛ فعامة ~~الناس في مصر منصرفون بطبعهم إلى حياتهم العملية، مستعدون أحسن الاستعداد وأقواه ~~للاتصال بأزمنتهم وأمكنتهم وللملاءمة بين حياتهم وبين ضرورات التطور، وهم يعلمون أن ~~الإسلام بخير، وأن الصلوات ستقام، وأن رمضان سيصام، وأن الحج سيؤدى، وهم يذهبون في ~~القيام بواجباتهم الدينية مذهب غيرهم من الناس المعتدلين، لا هم بالمسرفين في التدين، ~~ولا هم بالمسرفين في العصيان والفسوق. فسواء عليهم أنص الدستور أم لم ينص أن الإسلام ~~دين الدولة، وسواء عليهم أسيطرت الحكومة أم لم تسيطر على شعائر الدين، ما دامت هذه ~~الشعائر قائمة محترمة. # إنما وقعت الفرقة حول هذا النص بين فريقين من المسلمين المصريين: أحدهما المستنيرون ~~المدنيون، والآخر شيوخ الأزهر ورجال الدين. فأما المستنيرون فقد فهموا أن الدستور حين ~~ينص أن الإسلام دين الدولة، لا يريد أن يعلن احترامه لدين الكثرة وما توارثت من تقاليد، ~~ويكلف الحكومة مقدارا قليلا من الواجبات التي تتصل بهذه التقاليد، فلما أرادوا تحليل ~~هذا كله فهموا أن هذا النص لا يزيد على تقرير الواقع من أن رئيس الدولة في مصر يجب أن ~~يكون مسلما، ومن أن ms132 شعائر الإسلام يجب أن تقام بعد صدور الدستور، كما كانت تقام قبل ~~صدوره، فلا تغلق المساجد، ولا يعطل الحج، ولا تعمل الحكومة في أيام الأعياد ~~الإسلامية، ولا ينقطع إطلاق المدافع في رمضان، ولا يلغى الحفل بالمحمل، ولا الحفل ~~بالمولد النبوي، ولا تنفق أموال الأوقاف الإسلامية في غير ما رصدها له الواقفون، ولم ~~يخطر لهؤلاء المستنيرين في يوم من الأيام أن هذا النص سيكلف الحكومة واجبات جديدة ~~دينية، أو أنه سيحدث في الدولة نظما لم يكن لها بها عهد من قبل؛ ذلك لأنهم كانوا وما ~~يزالون يقدرون أن مصر تمضي إلى الأمام وتسرع في الاتصال بالمدنية الغربية، وتريد أن ~~تحقق ما قال إسماعيل من أنها جزء من أوروبا. ولأنهم كانوا وما يزالون يقدرون أن في ~~الإسلام من اللين والمرونة ما يمكنه من التطور مع الزمن وملاءمة الظروف المختلفة، ~~ويعصمه من الجمود والسكون، ويحول بينه وبين أن يكون عقبة في سبيل الرقي الاجتماعي ~~والاقتصادي، ولأنهم كانوا وما يزالون يقدرون أن حكومة مصر قد اضطرت بحكم هذه الحياة ~~الحديثة إلى أن تأتي من الأمر ما لم يكن يبيحه الإسلام من قبل، فهي تعامل المصارف، ~~وتنظم الربا، وتبيح ألوانا من المعصية، بل تستغلها أحيانا. فإذا كان نص الدستور أن ~~الإسلام دين الدولة يدل على معناه حقا، فلا أقل من تغيير كل هذه المحادثات، ولا أقل ~~من أن يغير نصوصا تكفل حرية الرأي وتبيح للناس أن يلحدوا، وتسوي بين المسلم وغير ~~المسلم في الحقوق والواجبات، وما كان الإسلام ليبيح الإلحاد ولا ليسمح للملحد أن يعلن ~~إلحاده وخروجه على الدين، وأحكام المرتد معروفة في الإسلام، وما كان الإسلام ليسوي بين ~~المسلم وغير المسلم في بلد يكون هو فيها الدين الرسمي. # فهم المستنيرون هذا كله، ولم يعارضوا في هذا النص حين أعلنت لجنة الدستور أنها ستضعه ~~في الدستور، بل هم فريق منهم أن يعارض لأنه خشي أن يفهم هذا النص على غير وجهه، فما ~~زالوا به حتى كفوه عن المعارضة، واضطروه إلى السكوت، وقالوا: نص فيه إرضاء ms133 لعاطفة ~~السواد وطمأنة للشيوخ فهو لا يضر، وأكبر الظن أن قد يفيد. # ولكن الشيوخ فهموا هذا النص فهما آخر، أو قل إنهم فهموه كما فهمه غيرهم، ولكنهم ~~تكلفوا أن يظهروا أنهم يفهمونه فهما آخر، واتخذوه تكأة وتعلة يعتمدون عليها في ~~تحقيق ضروب من المطامع والأغراض السياسية وغير السياسية. فهموا أن الإسلام دين الدولة؛ ~~أي إن الدولة يجب أن تكون دولة إسلامية بالمعنى القديم حقا؛ أي إن الدولة يجب أن ~~تتكلف واجبات ما كانت تتكلفها من قبل. وعلى ذلك أخذوا يطالبون بأمور ما كانوا يطالبون ~~بها قبل الدستور، وذهب فريق منهم على رأسه نفر من هيئة كبار العلماء إلى أبعد حد ممكن، ~~فكتبوا يطلبون ألا يصدر الدستور لأن المسلمين ليسوا في حاجة إلى دستور وضعي ومعهم كتاب ~~الله وسنة رسول الله، وذهب بعضهم إلى أن طلب إلى لجنة الدستور أن تنص أن المسلم لا ~~يكلف القيام بالواجبات الوطنية إذا كانت هذه الواجبات معارضة للإسلام، وفسروا ذلك بأن ~~المسلم يجب أن يكون في حل من رفض الخدمة العسكرية حين يكلف الوقوف في وجه أمة ~~مسلمة كالأمة التركية مثلا. ولكن هذه المطالب كلها أهملت إهمالا ومضت لجنة الدستور ~~في عملها حتى أتمته والشيوخ فيها ممثلون. وليس هنا موضع التعريض أو التصريح بما كان ~~للشيوخ من سعي أثناء إعداد الدستور وقبل صدوره، ولكنا نكتفي بأن نلاحظ أنهم أو بأن ~~كثرتهم لم تكن تبتسم للدستور حقا. وصدر الدستور وابتهج به الناس جميعا، واطمأن إليه ~~الناس جميعا، إلا الشيوخ، فإنهم لم يكتفوا بقبول الدستور والرضا بما فيه من المساواة ~~والحريات المكفولة، بل استغلوه استغلالا منكرا في حوادث مختلفة، أهمها حادثة «الإسلام ~~وأصول الحكم»، وحادثة كتاب «في الشعر الجاهلي»، وإليك نظرية الشيوخ في استغلال هذا النص ~~الذي ما كان يفكر واحد من أعضاء لجنة الدستور في أنه سيستغل وسيخلق في مصر حزبا خطرا ~~على الحرية، بل خطرا على الحياة السياسية المصرية كلها. يقول الشيوخ إن الدستور قد نص ~~أن الإسلام دين الدولة، ومعنى ذلك أن الدولة مكلفة ms134 بحكم الدستور حماية الإسلام من كل ما ~~يمسه أو يعرضه للخطر، ومعنى ذلك أن الدولة مكلفة أن تضرب على أيدي الملحدين وتحول بينهم ~~وبين الإلحاد أو تحول بينهم وبين إعلان الإلحاد على أقل تقدير. ومعنى ذلك أن الدولة ~~مكلفة أن تمحو حرية الرأي محوا في كل ما من شأنه أن يمس الإسلام من قريب أو بعيد، سواء ~~أصدر ذلك عن مسلم أو عن غير مسلم. # ومعنى ذلك أن الدولة مكلفة بحكم الدستور أن تسمع ما يقوله الشيوخ في هذا الباب، فإذا ~~أعلن أحد رأيا أو ألف كتابا، أو نشر فصلا، أو اتخذ زيا، ورأى الشيوخ في هذا كله ~~مخالفة للدين ونبهوا الحكومة إلى ذلك، فعلى الحكومة بحكم الدستور أن تسمع لهم وتعاقب من ~~يخالف الدين أو يمسه: بالطرد أولا إن كان موظفا، ثم بتقديمه إلى القضاء بعد ذلك، ثم ~~«بإعدام جسم الجريمة» كما يقول رجال القانون على كل حال. ومما زاد الأمر تعقيدا ~~والموقف حرجا بين المستنيرين ورجال الدين بإزاء هذا الوجه من وجوه الحرية الدستورية ~~أمران: أحدهما أن النظام السياسي القديم كان قد أنشأ في مصر شيئا يسمى هيئة كبار ~~العلماء، وجعل لهذا الشيء حقوقا وألوانا من السلطان على طائفة من الناس، وجعل لهذا ~~الشيء ضربا من السيطرة المعنوية على أمور الدين في مصر. # وكان المعقول أن صدور الدستور يجب أن يمحو من هذا النظام القديم كل ما لا يتفق مع ~~نصوص الدستور نفسه، ولكن هيئة كبار العلماء ظلت قائمة مستمتعة بحقوقها محتفظة بسلطانها ~~وسيطرتها، لا تعتز بهما ولا تستغلهما لأنها لم تكن تلتفت من هذا كله إلا إلى ما يمنحها ~~من المرتبات ومنازل الشرف، حتى صدر كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، فأحست هيئة كبار ~~العلماء، أو أريد منها أن تحس، أن لها حقوقا وسلطانا، واستغلت هيئة كبار العلماء، ~~أو أريد منها أن تستغل، تلك الحقوق وهذا السلطان. الثاني أن الدستور لم يكد يصدر حتى ~~عطل، أو كاد يعطل، فقد صدر الدستور في أوائل سنة 1923 ولكن البرلمان لم يأتلف ms135 إلا ~~في أوائل 1924، وكانت الحكومة القائمة بين صدور الدستور وانعقاد البرلمان لأول مرة ~~حكومة ضعف وتفريط في كل شيء، كانت حكومة لا تعتمد على نفسها، ولا تستطيع أن تثبت على ~~قدميها إلا أن يسندها مسند من اليمين إن مالت إلى اليمين، أو مسند من الشمال إن مالت ~~إلى الشمال، ولم يكن يسندها مسند اليمين أو مسند الشمال عفوا ولا ابتغاء مرضاة الله، ~~وإنما كان يسندها هذا المسند أو ذاك لمنافع ومطامع. فقوي في ظل هذه الحكومة الضعيفة أمر ~~الرجعية، وكثر الريش في أجنحة الشيوخ، وطلب الأزهر أمورا فما أسرع ما أجيب إليها، وكان ~~أظهر هذه الأمور إلغاء مدرسة القضاء - أو مسخها - وإنشاء أقسام التخصص في ~~الأزهر. # ثم انعقد البرلمان فانصرف بطبيعة الحال إلى ما كان ينبغي أن ينصرف إليه من المسألة ~~السياسية الخارجية. وبينما هو منصرف إلى هذه المسألة السياسية الخارجية تحرك الشيوخ، أو ~~قل تحرك الأزهر كله، أو قل حرك الأزهر تحريكا فظهرت له مطالب غريبة ضخمة فيها إعنات ~~وإحراج وتعمل، ورفعت هذه المطالب إلى الحكومة البرلمانية الشعبية يومئذ مع شيء من ~~الإلحاح ومع شيء من الضجيج والعجيج والمظاهرات الغريبة داخل الأزهر وفي شوارع المدينة ~~وميادينها وعند القصر، وهمت الحكومة البرلمانية أن تأخذ بالحزم أمام هذه الحركة ~~الغريبة التي لم يكن يعرف أيهما أعظم فيها أثرا؛ أحظ الدين أم حظ السياسة والمنفعة! ~~ولكن الحوادث المنكرة التي حدثت آخر تلك السنة ذهبت بالبرلمان وبالحكومة البرلمانية، ~~وقامت في مصر يومئذ حكومة أخرى أشبه شيء بتلك الحكومة التي كانت قائمة بين صدور ~~الدستور وائتلاف البرلمان، حكومة ضعف وتردد واضطراب، حكومة تميل إلى اليمين حينا فتكاد ~~تهوي لولا أن يسندها مسند ويتقاضى على هذا ثمنا، وتميل إلى الشمال حينا فتكاد تهوي ~~لولا أن يسندها مسند ويتقاضى على هذا ثمنا أيضا. # وكان من الأثمان التي دفعتها هذه الحكومة الاستماع للأزهريين والنزول عندما كانوا ~~يريدون، واستغلال هذا في الخصومة السياسية الحزبية، فما أسرع ما ألفت لجنة وزارية ~~درست مطالب الأزهريين وقبلتها وأخذت في تنفيذها. وبهذا ms136 تقدم الأزهر خطوة أخرى في سبيل ~~السيطرة والسلطان، وأحس الأزهريون أنهم يستطيعون أن يخيفوا الحكومات ويكرهوها على أن ~~تذعن لهم وتنزل عند ما يريدون. وكانت نتيجة هذا كله أن ألغيت أو مسخت «دار العلوم»، كما ~~ألغيت أو مسخت مدرسة القضاء من قبل، وأن احتكر الشيوخ أو كادوا يحتكرون التعليم ~~الأولي، وأن زادت مخصصات الأزهر المالية، وأن قوي في وزارة المعارف الميل إلى نشر ~~التعليم الديني في مدارس الحكومة كلها من طريق الأزهريين، وكانت الفكرة الأساسية الخفية ~~أن يكلف الأزهر نشر هذا التعليم الديني وأن ينبث شيوخ الأزهر في مدارس الحكومة كلها. ~~وكانت النتيجة السياسية الخطرة لهذا كله أن تكون في مصر - أو أخذ يتكون فيها - حزب ~~رجعي يناهض الحرية والرقي، ويتخذ الدين ورجال الدين تكأة يعتمد عليها في الوصول إلى هذه ~~الغاية. وفي أثناء ذلك ظهر كتاب «الإسلام وأصول الحكم» فاستغل في سبيله كل ما تقدم ~~وظهر أن في مصر حزبا سياسيا يتخذ الدين وسيلة لمناهضة حرية الرأي بنفس الوسائل التي ~~كانت تناهض بها أثناء القرون الوسطى في أوروبا. أنكر الكتاب وحوكم صاحبه وأخرج من ~~صف العلماء وفصل من منصبه، وانتهى هذا كله بأزمة سياسية حادة ظهر في أول الأمر أن هذا ~~الحزب السياسي الديني هو الذي انتفع بها واستفاد منها، فقد أخرج وزير من الوزارة ~~واستقال معه طائفة من أصحابه، فقبلت استقالاتهم في سرور وابتهاج، واعتز رئيس الوزراء ~~بالنيابة يومئذ بأنه نصير الدين وحاميه والذائد عن حوضه. وكان كل هذا يشد أزر الشيوخ ~~ويقوم إيمانهم بأن النص الذي يشتمل عليه الدستور يكلف الحكومة واجبات ما كانت تتكلفها ~~من قبل. فلم يعرف تاريخ مصر الحديث شيئا من اضطهاد حرية الرأي باسم السياسة والدين قبل ~~صدور الدستور وحين كانت مصر خاضعة لسلطان الخلافة التركية يشبه ما كان من ذلك بعد صدور ~~الدستور وبعد انقطاع الأسباب بين مصر وسلطان الخلافة، بل بعد انهيار الخلافة ~~نفسها. # ومهما يكن من شيء فقد استيقن رجال الدين أنهم مؤيدون، وأن لهم عضدا يسندهم، فطمعوا ~~وأسرفوا في ms137 الطمع. ومما يظهر هذا الطمع حادثتان؛ إحداهما حادثة الأزياء في دار العلوم، ~~هذه الحادثة التي وقفت فيها الحكومة موقف الخادم المطيع لصاحب الفضيلة مولانا الأكبر ~~شيخ الجامع الأزهر، والتي انتهت كما يعلم الناس جميعا بشيء من الإذعان فيه إفساد ~~للأخلاق، وإكراه للشبان على النفاق. فقد أخذ طلاب دار العلوم يذهبون إلى مدرستهم في زي ~~الشيوخ، وقد اتخذوا من تحت هذا الزي زيا آخر يظهرونه متى خرجوا من المدرسة. والحادثة ~~الثانية أن بعض الممثلين هم بالسفر إلى أوروبا ليلعب قصة تمثيلية فيها شخص النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فغضب الشيوخ لذلك وطلبوا إلى وزارة الداخلية أن تمنع هذا الممثل مما كان ~~يريد، وأن تتخذ لذلك ما ترى من الوسائل حتى الوسيلة السياسية، فتخاطب الحكومة الفرنسية ~~في أن تمنع تمثيل هذه القصة في بلادها، وكان هذا الممثل طيعا هينا فأذعن لأمر ~~الداخلية ومضى الشيوخ. # واتخذت مشيخة الأزهر لنفسها منذ ذلك الوقت اسم الرياسة الدينية العليا، وهو اسم مبتدع ~~لا يعرفه الإسلام، ولا يؤمن له مسلم يعرف واجباته الدينية حقا، وكثرت فتاوى «الرياسة ~~الدينية العليا»، ولم ينس أحد بعد فتواها في تحريم القلانس على المسلمين. وفي أثناء ~~هذا كله ظهر كتاب «في الشعر الجاهلي»، وهنا اصطدمت السلطة الدينية بالحرية العلمية ~~اصطداما عنيفا، فلم يكن صاحب هذا الكتاب من علماء الأزهر، ولا خاضعا لهيئة كبار ~~العلماء، ولم يكن فردا مطلقا من الناس، وإنما كان أستاذا في معهد علمي يرى لنفسه ~~الحرية المطلقة كلها في الرأي، ويرى لنفسه السيادة فيما يدرس وما ينشر، لا يحده في ذلك ~~إلا القانون. وهنا ظهر الفرق بين الأزهريين وغيرهم من المستنيرين في فهم هذا النص الذي ~~يثبت أن الإسلام دين الدولة. فأما الشيوخ فقد زعموا أن الحكومة مكلفة لا حماية الإسلام ~~وحده بل حماية الدستور؛ لأن هذا الأستاذ قد خالف الإسلام وهو موظف يعلم أبناء ~~المسلمين، ويتقاضى أجره من أموال المسلمين، وما كان لحكومة ينص دستورها أن الإسلام ~~دينها الرسمي أن تسمح لأحد موظفيها بمخالفة الإسلام. وعلى ذلك طلبت ms138 الرياسة الدينية ~~العليا إلى الحكومة أن تفصل هذا الموظف من منصبه وتقفه أمام القضاء وتصادر كتبه. والناس ~~جميعا يعلمون ماذا كان من أمر الخلاف بين الجامعة والأزهر في هذا الموضوع. # وخلاصة هذا القصص الطويل أن هذا النص الذي أثبت في الدستور قد فرق بين المسلمين ~~المصريين، وأنشأ في مصر قوة سياسية دينية منظمة أو كالمنظمة تؤيد الرجعية وتجر مصر ~~جرا عنيفا إلى الوراء، وأنشأ في مصر خاصة وفي الشرق الإسلامي عامة هذه المسألة التي ~~لم تكن معروفة في الشرق الإسلامي من قبل، أثناء العصر الحديث، وهي مسألة الخصومة ~~الدينية السياسية بين العلم والدين. ولسنا في حاجة إلى أن نسأل أخير هذا أم شر؟ ولسنا ~~في حاجة أيضا إلى أن نسأل عن طبيعة هذه الخصومة وما ستنتهي إليه غدا أو بعد غد، إنما ~~يكفي أن نلاحظ أن هذه الخصومة حقيقة واقعة، وأن في مصر فريقا من الناس يمضون مع الزمن ~~ويسايرون التطور ويريدون أن يستمتعوا وأن يستمتع غيرهم بما كفل الدستور من حرية الرأي، ~~وأن في مصر فريقا آخر من الناس ينكر هذه الحرية أو لا يبيحها إلا بمقدار، وإذن فلا بد ~~من اتخاذ موقف منتج حاسم بإزاء هذه الخصومة بين أولئك وهؤلاء، فما هذا الموقف؟ وما عسى ~~أن تكون نتائجه؟ أما إن كان المصريون يريدون أن ينتفعوا بتجارب الأمم من قبلهم، وأن ~~يختصروا الطريق إلى الرقي، وأن يصلوا إلى حياتهم السياسية والاجتماعية الصالحة في غير ~~عنف ولا مشقة ولا اضطراب، فسبيلهم إلى ذلك يسيرة واضحة يمكن أن تختصر في كلمة واحدة، ~~وهي أن تقف السياسة من رجال العلم ورجال الدين موقف الحيدة التامة. وأما إن كان ~~المصريون يريدون أن يجربوا كما جربت الأمم من قبلهم، وأن يسلكوا إلى حياتهم السياسية ~~والاجتماعية الصالحة تلك الطريق الطويلة المعوجة الملتوية التي تنبت فيها العقاب ~~وتأخذها الأخطار من جوانبها، فسبيلهم إلى ذلك واضحة يسيرة يمكن أن تختصر في كلمة ~~واحدة، وهي أن تستغل السياسة هذه الخصومة بين العلم والدين فتعتز برجال العلم حينا، ~~وحينئذ ms139 تضطهد رجال الدين، وتعتز برجال الدين حينا آخر، ويومئذ تضطهد رجال العلم، ~~وتحتمل في سبيل ذلك من التبعات مثل ما احتملته السياسة المسيحية حين كانت تحرق العلماء ~~وتذيقهم ألوان العذاب لترضي رجال الدين، وحين كانت تشرد القسيسين وتهدر دماءهم لترضي ~~رجال العلم. # 9 # ولكن كل شيء في مصر يدل على أننا لا نريد الطرق الطوال المعوجة، ولا نحب إضاعة الوقت، ~~وإنما نكتفي بما جربت الأمم من قبل، ونجني ما ظفرت به من ثمرات الرقي. دستورنا المصري ~~أوضح دليل على ذلك، فهو دستور حديث كأحدث النظم الدستورية المعروفة، وهو دستور بريء من ~~الرجعية ومن هذا اللون من الاعتدال البطيء، وحسبك أنا كنا نرى في نظامنا السياسي ~~الانتخاب ذا الدرجتين، فما كادت الأمة تتمتع بسلطانها حتى أسرعت إلى الانتخاب ذي الدرجة ~~الواحدة، وحسبك أن وزارتنا مسئولة أمام برلماننا بنفس الطريقة التي تسأل بها الوزارات ~~أما البرلمان في فرنسا وإنجلترا وغيرهما من بلاد أوروبا. كل هذا يدل على أننا معتزمون ~~حقا أن نختصر الطرق. وإذا كانت هذه خطتنا بإزاء الحياة السياسية والاجتماعية، فيجب أن ~~تكون - وما أشك في أنها ستكون - خطتنا بإزاء حياتنا العلمية والدينية. على أننا مضطرون ~~إلى ذلك اضطرارا، فنحن لا نحيا لأنفسنا وحدنا، وإنما نحيا لأنفسنا ولغيرنا من الأمم، ~~ونحن متصلون رضينا أم كرهنا بأمم الغرب المتحضرة، ونحن حريصون على أن نظفر، لا أقول ~~بعطف هذه الأمم، بل أقول بإكبارها لنا واحترامها لمنزلتنا السياسية والاجتماعية. وإذن ~~فنحن مضطرون أن نساير هذه الأمم ونعيش كما تعيش، ونحن لا نستطيع أن نعيش في القرن ~~العشرين كما كانت تعيش فرنسا في القرن الرابع أو الخامس عشر بحجة أننا حديثو عهد بهذه ~~النظم الحديثة. نحن نريد أن نظفر من الاستقلال بما يقفنا من إنجلترا وفرنسا موقف الند ~~من الند، فيجب أن نعيش كما تعيش إنجلترا وفرنسا لتطمئن إنجلترا وفرنسا إلى ما نطلب من ~~الاستقلال. ونحن مضطرون إلى أن نحاول التخلص من الامتيازات الأجنبية، فيجب أن نعيش في ~~بلادنا كما يعيش الأجانب في بلادهم، وأن ms140 نستمتع من الحرية بمثل ما يستمتعون به، ليطمئن ~~الأجانب إلى إلغاء الامتيازات. ثم نحن مضطرون إلى أن نعيش، ولن نستطيع أن نعيش إلا إذا ~~اتخذنا أسباب الحياة الحديثة، فنحن محتاجون أن ننتفع بالبخار والكهرباء، ونستغل الطبيعة ~~كلها لحياتنا ومنافعنا، والعلم وحده سبيلنا إلى ذلك، وهو سبيلنا إلى ذلك على أن ندرسه ~~كما يدرسه الأوروبيون لا كما يدرسه آباؤنا منذ قرون، وويل لنا يوم نعدل عن طب باستور ~~وكلودبرنار إلى طب ابن سينا وداود الأنطاكي. وهذا العلم الحديث الذي لا نستطيع أن ~~نستغني عنه لا يمكنه أن يعيش ولا أن يثمر إلا في جو كله حرية وتسامح، فنحن بين اثنتين: ~~إما أن نؤثر الحياة وإذن فلا مندوحة عن الحرية، وإما أن نؤثر الموت، وإذن فلنا أن نختار ~~الجمود. # | القسم الخامس: بين الجد والهزل # (1) الأدب والأدباء # لم أكن في مصر حين سأل «أحد الأزهريين» كاتبا من كتاب السياسة اليومية عن الأدب ~~والأدباء، وحين تفضل هذا الكاتب الأديب من «كتاب السياسة» فأحال سائله على «أساتذة ~~الأدب في الجامعة والمدارس العالية». ولو كنت في مصر حين ألقي هذا السؤال وكانت هذه ~~الإحالة، لما أجبت ولا فكرت في الإجابة؛ لأني أعرف هذا الكاتب الأديب من كتاب ~~«السياسة»، وأعرف مكره الظريف، وأعرف أنه يحب دائما أن يلهو ويلهي الناس بالخصومة بين ~~الكتاب ولا سيما أنصار القديم والجديد منهم. وأذكر أنه تكلف هذه الحيلة في السنة ~~الماضية فانخدعت له طائفة من الكتاب والأدباء، واختصموا في القديم والجديد، وضحك ~~منهم ماكرنا الظريف، كما ضحك منهم ماكرون آخرون ليسوا أقل من صاحبنا مكرا وظرفا. ومع ~~أني لا أكره لماكرنا الظريف هذا أن يلهو ويضحك، فقد أبيت في السنة الماضية أن ألهيه ~~وأضحكه. ولو كنت في مصر حين سئل وأحال هذه السنة لتركت إلهاءه وإضحاكه للأستاذ الجليل ~~الشيخ علام سلامة ومن إليه من هؤلاء الذين يرون الجد حيث لا يكون إلا الهزل والدعابة، ~~فيجدون ويتكلفون ويضحك من يريد أن يضحك ويلهو من يريد أن يلهو، ويستريح كتاب ~~«السياسة» من بعض ms141 الجهد لأنهم يجدون من يملأ لهم أنهارا، ويضيقون أحيانا لأنهم يضطرون ~~إلى نشر ما يكرهون وإلى إرجاء ما يؤثرون نشره. # ولكنني عدت إلى مصر وكان أول ما استقبلته من الحياة الأدبية هذا الفصل الممتع الذي ~~نشرته «السياسة الأسبوعية» الماضية للأستاذ الجليل الشيخ علام سلامة، المدرس بمدرسة دار ~~العلوم. ولست أدري لم أحسست ميلا شديدا جدا إلى الكتابة بعد أن فرغت من قراءة هذا ~~الفصل، ولست أدري لم رضيت أن ألهي ماكرنا الظريف وأضحكه هذه المرة، وقد كنت أكره ذلك ~~وآباه من قبل ... # فقد قرأت كلاما كثيرا ممتعا يشبه هذا الكلام الممتع الذي نشره الأستاذ الشيخ ~~علام، وأنا أنفق حياتي في قراءة كلام كثير يشبه هذا الكلام، فلا أحس ميلا إلى الكتابة، ~~ولا أجد من نفسي رغبة فيها، ولعل مصدر هذا الميل أن الأستاذ الشيخ علام قليل الكتابة في ~~الصحف، أو أنه قليل الكتابة الممضاة في الصحف، فلا أقل من أن نتلقى فصله الممتع بشيء ~~من التحية، ونتمنى أن يطلق الله قلمه فيسطر لنا في كل أسبوع فصلا يذهب فيه هذا النحو ~~من مذاهب البحث اللذيذة الممتعة. # ولعل مصدر هذا الميل أيضا أن الأستاذ الشيخ علام قد وعد في آخر فصله الممتع بأن ~~يتورط فيما تورط الكتاب فيه من أمر القديم والجديد، وإن لم تكن هناك صلة بين فصله ~~الممتع وبين القديم والجديد. مهما يكن من شيء فأنا أريد أن أكتب في هذا الموضوع، وأن ~~أبدأ بتحية الأستاذ الشيخ علام وتهنئة الصحف بفصوله الأدبية القيمة التي بدأت بدءا ~~حسنا، والتي ستتصل اتصالا حسنا إن شاء الله، ولو أن لي أن آخذ الأستاذ الجليل بشيء ~~في هذا الفصل لوقفت معه وقفات قصيرة عند مسائل يسيرة يحسن أن نلم بها إلماما؛ لأن ~~الأمانة العلمية تريد هذا الإلمام. # فصل الأستاذ الشيخ علام يذكرني بطائفة من الكتاب والعلماء، مات بعضهم منذ قرون، ~~وتوفي بعضهم منذ سنين، ولا يزال بعضهم حيا يتنفس من هواء مصر ويشرب من ماء النيل. ~~وكنت أحب للأستاذ الشيخ علام أن يسمي ms142 هؤلاء العلماء والكتاب، أو يومئ إليهم؛ ليعرف ~~الناس ما لهم وما له، ففي ذلك وفاء لهؤلاء العلماء والكتاب، وفي ذلك إنصاف للأستاذ ~~الشيخ علام نفسه. # فمن يدري لعل الأستاذ قد أضاف من عنده إلى ما قال أولئك الكتاب والعلماء أشياء قيمة ~~وعظيمة الخطر لا ينبغي أن تضاف إلى غيره، وإذا أذن لي الأستاذ أن أنصفه وأنصف أصحابه، ~~فإني أسمي منهم ثلاثة أو أربعة من غير إطالة ولا إملال. # فأما أولهم فصاحب «لسان العرب»، فقد يظهر أن الأستاذ عندما أراد أن يبين المعنى ~~اللغوي لكلمة الأدب، نقل ما جاء في «اللسان» نقلا في غير تحفظ ولا فقه ولا نقد ولا ~~احتياط. نقل ما جاء في «اللسان» حتى الشواهد نظما ونثرا، وحتى وصف البعير بأنه أديب. ~~وربما كان هذا النقل مفيدا، وهو على كل حال حق للأستاذ، ولكن من حق صاحب «اللسان» أو ~~من حق أصحاب المعاجم أن يشار إليهم إذا نقل عنهم ... ومن حق القراء أن يعرفوا أن ما يكتبه ~~الأستاذ قد نقل نقلا أو استنبط استنباطا. # وأما الثاني فالمرحوم اليازجي صاحب «مجلة الضياء»، فأنا أذكر أني كنت أقرأ في هذه ~~المجلة أيام الصبا، وكنت أحب هذه المباحث اللغوية التي كان يعرض لها صاحب هذه المجلة، ~~والتي كان يبين لنا فيها كيف تختلف الكلمات في حرف واحد يقع أول الكلمة أو آخرها أو في ~~وسطها، فلا يكون هذا الاختلاف دليلا على بعد ما بينها في المعنى وإنما يكون دليلا ~~على تقاربها في المعنى كما تقاربت في اللفظ: كوكز ولكز ونكز ووهز ولهز ونهز، وغمز ولمز ~~وهمز، ولطم ولكم ولدم ولتم. ولست أدري لم نسي اللثم، فرب لثمة أشبهت لطمة! وأظن أن من ~~حق اليازجي أن يذكر كصاحب «اللسان»، ويخيل إلي أن للأستاذ الشيخ علام زميلا في ~~دار العلوم، هو الأستاذ الشيخ أحمد عمر الإسكندري، يذهب هذا المذهب فيما يسميه فقه ~~اللغة، ويدرسه درسا مفصلا لتلاميذه، وأحسب أنه قد أمعن في هذا البحث إمعانا قيما ~~فكان من حقه أن يذكر أيضا. # ثم ms143 أذكر رجلا آخر كان من الحق أن يذكر ويثنى عليه وهو مصطفى صادق الرافعي، فقد بحث ~~مصطفى صادق الرافعي في كتابه عن كلمة الأدب وأطوارها ومعانيها. ومن الغريب أن الشبه ~~شديد جدا بين بحث الأستاذ الشيخ علام وبحث الأستاذ الرافعي، وكل ما بينهما أن الرافعي ~~قرأ اللسان وفهمه ولم يأخذ منه إلا ما احتاج إليه، وأن الشيخ علام نقل اللسان نقلا في ~~غير نقد ولا فقه كما قلت، وأن الرافعي رأى نصوصا تضاف إلى القدماء شك في صحتها فنفى ~~بعضها وأعرض عن بعضها الآخر ، وأن الشيخ علام أخذ هذه النصوص على علاتها في غير نقد ولا ~~فقه أيضا. وأن الرافعي رأى نصا أضافه صاحب «العقد الفريد» إلى ابن عباس، وأضافه ~~الجاحظ إلى حفيد ابن عباس، فدرس وآثر رواية الجاحظ عن نقد وفقه، وأن الشيخ علام لم ~~ينقد ولم يحاول الفقه، وإن ردد الرواية بين الرجلين ترديدا دون أن يشعر بالأثر العظيم ~~الذي ينشأ عن صحة إحدى الروايتين، لا أقول في صحة كلمة الأدب، بل أقول في تاريخ العلم ~~نفسه، فلو صحت رواية العقد الفريد لكان عبد الله بن عباس عالما بأصول النحو ملما ~~باصطلاحاته قبل أن تتم نشأة النحو. # فأنت ترى أن الأستاذ الشيخ علام ظلم نفسه وظلم طائفة من الذين سبقوه وعاهدوه حين أرسل ~~فصله إرسالا دون أن يسمي من أخذ عنهم أو سار سيرتهم في البحث. وقد علم الله ما أعطف ~~على الرافعي ولا أميل إلى فنه، ولكني أحب أن أنصف الرجل وأشهد أن فصله أمتن وأقوم وأدل ~~على الفقه من فصل الأستاذ الشيخ علام. ~~••• # وأنا بعد أخالف الرجلين جميعا في أصل هذه الكلمة؛ أخالفهما لأن مذهبهما لا يقنعني، ~~فأنا لا أفهم هذه الصلة التي يتكلفانها ويتكلفها من قبلهما أصحاب المعاجم بين لفظ الأدب ~~وبين هذا الفعل المعروف «أدب الناس إذا دعاهم إلى الطعام»، ولست أريد أن آخذ في مناقشة ~~لغوية تثقل على قراء «السياسة»، وتمل هذا الماكر الذي اضطرني واضطر الشيخ علام إلى ~~الكتابة في هذا الموضوع، ms144 وإنما أقول في إيجاز أني أذهب في أصل هذه الكلمة مذهب الأستاذ ~~نالينو وأخذها من الدأب، بتقديم الدال على الهمزة المفتوحة، ومعناه العادة والشأن ~~والحال. ولست أري شيئا من الغرابة في أن تكون كلمة الدأب قد استحالت إلى كلمة الأدب، ~~فقدمت العين فيها على الفاء نقلا، ولا سيما إذا لوحظ أن هذا النقل مألوف في الجمع، فقد ~~جمعت الكلمة على أدآب ثم وضعت عينها موضع الفاء فقيل آداب، كما قيل آرام وآبار، ثم خيل ~~إلى الناس أن كلمة الآداب هذه جمع أدب لا جمع دأب، فنشأ هذا المفرد، واشتق منه التأديب، ~~وأصله فيما يظهر تعليم الناس ما ورث من العادات والسنن؛ أي تعليمهم ما ورث من الآداب ~~بتقديم الدال. وأكبر الظن أن كلمة الأدب وما اشتق منها محدثة، أريد أنها نشأت بعد ~~الإسلام لا قبله. وقد لاحظ الرافعي أن هذه الكلمة على خفتها وظرفها لم تستعمل قافية ~~في الشعر القديم. وأراد الأستاذ الشيخ علام - فيما يظهر - أن يرد على الرافعي من طرف ~~خفي، فروى البيت الذي يضاف إلى أم ثواب والذي رواه صاحب الحماسة: # أنشأ يخرق أثوابي ويضربني # أبعد شيبي يبغي عندي الأدبا! # وفي البيت رواية أخرى: «أنشا يمزق أثوابي يؤدبني»، وفيه رواية أخرى: «أبعد شيبي عندي ~~يبتغي الأدبا». وحسبي أن تختلف الروايات في البيت إلى هذا الحد لأشك فيه ولا أتخذه ~~أساسا للغة. # ولست أدري أوفق الرافعي أم لم يوفق حين قال إن هذه الكلمة لم ترد قافية في الشعر ~~القديم، ولكن هذا لا يعنيني، فرأيي في الشعر الذي سبق الإسلام معروف، فهو عندي لا يثبت ~~شيئا ولا يصلح دليلا على شيء. فإذا ثبت استعمال الكلمة في الشعر الذي نظم بعد الإسلام ~~فذلك لا ينقض ما أذهب إليه من أن هذه الكلمة حديثة عرفت بعد القرآن. ومما يرجح هذا أن ~~الأستاذ الشيخ علام نفسه يقول في شيء من الحزن والرثاء، إن هذه الكلمة قد أدركتها حرفة ~~الأدب فلم تذكر في القرآن، والحق أنها لم تذكر في القرآن، وإنما ذكر ms145 في القرآن الدأب ~~بسكون الهمزة، ومعناه العادة كالدأب بتحريكها. والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن هذه ~~الكلمة لا توجد في اللغات السامية المعروفة. وإذن فهي كلمة عربية خالصة للعرب دون غيرهم ~~من الشعوب السامية. ونظن أنها من هذه الكلمات التي نشأت عندما تطورت قريش واتسعت هذا ~~الاتساع العظيم بعد ظهور الإسلام. # أنا إذن لا أوافق الرافعي ولا الشيخ علام في اشتقاق الأدب من الأدب بمعنى الدعاء، ~~ولكني لا أرى بأسا بما كتب الرافعي في كتابه عن معاني هذه الكلمة وأطوارها وإن كان قد ~~أوجز هذا البحث إيجازا شديدا. # وسواء أكانت كلمة الأدب مشتقة من الأدب أو من الدأب، فإن الخلاف بين الشيخ علام ~~وبيني لا يقف عند اللفظ، وإنما يتجاوزه إلى المعنى أيضا. ولست أريد أن أناقش الأستاذ ~~في المعاني القديمة لهذه الكلمة، ولا أن أقف عند هذا الكلام الذي يضيفه إلى النبي وعمر ~~وعلي ومعاوية في غير نقد ولا احتياط، وإنما أقف عند جملة واحدة أرى أنها تشخص الأستاذ ~~الشيخ علام وأصحابه من أنصار القديم تشخيصا مضحكا، وهذه الجملة هي قول الأستاذ: # وكل علم من العلوم له غاية ينتهي عندها فتكمل مباحثه، إلا هذا العلم وعلم ~~والتاريخ، فإنهما يزيدان كل يوم ولن يزالا في نمو مطرد. # وما كنت أعرف قبل اليوم أن «لكل علم غاية ينتهي عندها فتكمل مباحثه إلا علم الأدب ~~والتاريخ» حتى جاء الأستاذ فأنبأني بهذا النبأ الغريب الذي هو فصل ما بين أنصار القديم ~~وأنصار الجديد. # فنحن نعلم أن الحركة العلمية لن تنتهي من فرع من فروع العلوم إلا يوم يفنى العقل ~~الإنساني ويحال بينه وبين البحث والتفكير، ولا أعرف علما من العلوم انتهى عند غايته، ~~وكملت مباحثه، وقيلت فيه الكلمة الأخيرة، وإنما أعرف أن كل علم قابل لأن يتغير ويتجدد ~~ويحذف جحودا. وقد كان أهل القرون الوسطى يعتقدون أن علم الفلك قد انتهى عند غايته، ~~وكملت مباحثه، وقيلت فيه الكلمة الأخيرة، ثم جاء من أنبأ بأن العلم لم يبدأ وإنما هي ~~كرة منتقلة ms146 متحركة، وأن أفلاك السماء لم يستكشف منها إلا أقلها وأضألها. وكانوا يعتقدون ~~أن فلسفة أرستطاليس هي خاتمة الفلسفة وخلاصتها، وكلمتها الأخيرة، فجاء ديكارت وأنبأهم ~~أن فلسفة أرستطاليس هي بدء الفلسفة لا آخرها ولا وسطها. وكان الناس منذ سنين يرون أنهم ~~قد وصلوا في الطبيعة والرياضة إلى نتائج علمية بعيد أن تنقض، فجاء هنري بوانكاريه، ~~وأينشتين، وأظهرا أن نقض هذه النتائج ليس بالشيء العسير. # ولعل الأستاذ الشيخ علام يعتقد أن الأمر في العلم كالأمر في النحو عند صاحب الورقة ~~الصفراء الذي كتبت له قواعد فحفظها ، وخيل إليه أنه قد حفظ النحو كله. نعم هذه الجملة ~~تشخص الغلاة من أنصار القديم تشخيصا لذيذا، فهم يرون أنه يكفي أن يحفظ أحدهم جملا من ~~العلم ليكون قد ألم بالعلم كله. ولعلهم يمتازون بأنهم يؤمنون بأن كل شيء قد انتهى ~~وأقفل بابه، فلا يمكن أن يضاف إليه ولا أن يزداد فيه. ولقد جاء الأستاذ الشيخ علام ~~بمعجزة حين استطاع أن يعلن أن الأدب لا ينتهي عند غاية، ولا تكمل مباحثه كما تكمل مباحث ~~العلوم الأخرى. وما رأي الأستاذ إذا قلت له إن النحو لم تكمل مباحثه بعد، رغم ما كتبه ~~سيبويه وابن خروف وابن عصفور وابن هشام وابن مالك، ومن إليهم من أعلام الشرق والغرب ~~الإسلاميين؟ بل ما رأي الأستاذ إذا قلت له إن كل علوم اللغة العربية لم تنته عند ~~غايتها ولم تكمل مباحثها، بل هي في حاجة إلى التجديد واستئناف الدرس، ولا سيما النحو ~~والصرف وعلوم البلاغة؟ وما رأي الأستاذ إن قلت له إن الأدب العربي كله محتاج إلى ~~التجديد واستئناف الدرس؟ # هنا يظهر الفرق بين الأستاذ وبيني. ولإظهار هذا الفرق في الفهم والفقه والمنهج كتبت ~~هذا الفصل الطويل. يرى الأستاذ وأصحابه أن لكل علم غاية يقف عندها، وتكمل مباحثه إلا ~~الأدب، فهو لا ينتهي عند غاية، وإنما يزداد في كل يوم. ونرى نحن أن ليس لعلم من العلوم ~~غاية ينتهي عندها، وأن لا أمل في أن تكمل مباحث علم من العلوم، وإنما ms147 كل شيء في العلم ~~قابل للتغيير، واستئناف البحث عنه، والأدب أشد أنواع العلم قبولا للتغيير ~~والتجديد. # وهنا نقف عند تعريف الأستاذ الشيخ علام للأدب وقفة قصيرة، فهو تعريف قديم يحتاج أيضا ~~إلى التجديد. وأنا أنقل لك هذا التعريف الذي يقول عنه الأستاذ إنه موجز وإنه منطقي، ~~فسترى أنه ليس من الإيجاز ولا المنطق في شيء. قال الأستاذ: # هو علم مأثور الكلام، منثوره ومنظومه، قديمه وحديثه، وما يتصل بذلك من أخبار ~~بارعة، ونوادر رائعة، وملح مستعذبة، وطرف مستغربة، مع الإلمام من كل علم ~~بأمهات مباحثه . # ولست أحفل بهذه السجعات الرائعة البارعة، فأنا أراها أقرب إلى اللغو منها إلى أي شيء ~~آخر. ولكني أبحث عن الإيجاز في هذا التعريف فلا أظفر به. أما المنطق فلنبحث عنه معا، ~~أيهما أديب: من حفظ مأثور الكلام نظما ونثرا ولقنه الطلاب، أم من أنشأ هذا الكلام ~~المأثور؟ وأيهما الأدب: حفظ مأثور الكلام أم إنشاؤه؟ وإذن فما رأي الأستاذ الشيخ علام ~~في نفسه، أأديب هو لأنه يحفظ مأثور الكلام نثرا ونظما، ويلقنه للطلاب، ولكنه ليس ~~شاعرا ولا ناثرا؟ وإذا لم يكن شاعرا ولا ناثرا وكان أديبا، فما رأيه في شوقي أأديب ~~هو أم غير أديب؟ وإذا لم يكن أديبا وكان الأديب هو الشاعر الناثر ليس غير، فما رأيه في ~~نفسه وأمثاله من الذين يدرسون الأدب ويفرغون له، وفي أي طبقة من طبقات العلماء يضعهم؟ ~~وفي أي مكانة ينزلهم؟ ألا يرى الأستاذ أن تعريفه ليس منطقيا لأنه لا يمنع ولا يجمع؟ ~~وما معنى قوله علم مأثور الكلام؟ وهنا أحب أن أكون أزهريا، أيريد العلم بمأثور الكلام ~~فلا يكون هو أديبا لأنه ليس من الذين ينشئون هذا المأثور؟ ونحن نستطيع أن ندور مع ~~الأستاذ في هذه الدائرة إلى غير حد، ولكنا نقف ونلاحظ أن تعريف الأستاذ لم يغن ~~شيئا. ~~••• # وفي الحق أني أميل أن أقسم الأدب إلى قسمين: أدب المنشئين وأدب الناقدين الدارسين، أو ~~قل أدب الكتاب والشعراء وأدب العلماء من المؤرخين والناقدين، فشوقي أديب، وهو الأديب ~~حقا؛ لأنه ms148 ينتج الأدب إنتاجا، وهو أديب منشئ، ولكنه ليس عالما بالأدب لا يستطيع ~~درسه ولا تصويره ولا تعليمه ولا تأريخه. والشيخ علام أديب ولكنه ليس أديبا منشئا؛ ~~لأنه ليس شاعرا ولا ناثرا ولا صاحب فن، وإنما هو حافظ لآثار الكتاب والشعراء يرويها ~~ويلقنها وينقدها، يوفق في ذلك حينا ويخطئه التوفيق حينا. والأدباء المنشئون يختلفون: ~~فمنهم النابغة الفذ، ومنهم المتوسط، ومنهم المسف. والأدباء والعلماء يختلفون: فمنهم ~~المجود ذو الرأي، ومنهم الآلة الحاكية أو الببغاء. # وأولئك وهؤلاء تختلف مذاهبهم في إنشاء الأدب ودرسه: فمنهم المقلد، ومنهم المجتهد ~~المبتكر، ومنهم من يذهب مذهب الحرية، ومنهم من يؤثر مذهب الرق، ومنهم من ينحو نحو ~~الفلسفة، ومنهم من ينحو نحو النقل والرواية. وأين هذا كله من التعريف الذي جاء به الشيخ ~~علام من إيجاز ومنطق كما يقول! ولكني قلت لك منذ حين إن الأستاذ الشيخ علام يمثل أنصار ~~القديم حقا، فتعريفه قديم، ألم يعتمد فيه على ابن خلدون؟ وأسلوبه في هذا التعريف ~~قديم، ألم يسجع كأهل القرن الرابع؟ ألم يصطنع فيه ألفاظ هؤلاء الناس؟ # الأستاذ وأمثاله - كما قلت في الشعر الجاهلي - كتب قديمة متحركة أو قطع من كتب وصل ~~بعضها ببعض. # ولنفرغ من مناقشة الأستاذ، ولنجب ماكرنا الظريف وسائله الذي اضطرنا إلى هذا العناء ~~كله، فالأدب عندنا أدبان: أدب إنشاء، هو هذا الذي ينتجه الكتاب والشعراء من أصحاب ~~الفن. وأدب علم ودرس، وهو هذا الذي ينتجه النقاد ومؤرخو الآداب. والأدب الأول فن كله، ~~والأدب الثاني مزاج من الفن والعلم. وقوام الأدبين شخصية الأديب التي يجب أن تظهر في كل ~~ما يصدر عنه ظهورا واضحا. # وقوام الأدبين أيضا اتصال الأديب بعصره اتصالا يمكن من تمثيل ذوقه الفني إن كان ~~منشئا، وحياته العقلية إن كان ناقدا أو مؤرخا. ليس أديبا منشئا هذا الذي ينظم ~~الشعر فلا يتجاوز ما قال القدماء في اللفظ والمعنى والأسلوب. وليس أديبا ناقدا هذا ~~الذي يدرس الأدب فلا يتجاوز ما قال المبرد والجاحظ وأبو الفرج وصاحب العقد الفريد، ~~وإنما الأديب المنشئ من يقرأ معاصروه ms149 أدبه فيرون فيه أنفسهم، وإنما الأديب الناقد من ~~يقرأ معاصروه نقده فلا يشعرون بأن بينهم وبينه بعد ما بينهم وبين القدماء. # وهنا تسألني: ماذا تصنع بالقدماء؟ والجواب يسير: أصنع بالقدماء ما صنعوا هم بأنفسهم، ~~فأنا ألتمس عصورهم في هذه المرآة، ولا ألتمس منهم العصر الذي أعيش فيه. ولقد كنت أضرب ~~منذ أيام مثلا للأدباء من أهل مصر: ما رأي أنصار القديم لو طلبنا إليهم أن يهمل ما وصل ~~إليه العلم الحديث في الطبيعة والطب، وأن يعتمد في كليتي العلوم والطب على إشارات ابن ~~سينا وقانونه، أيرضون أم يصيحون ويستغيثون؟ لا أشك في أن الأستاذ الشيخ علام يستغيث ~~بالله والناس يوم يعرف أن طب «باستور» و«كلود برنار» قد أهمل، وأن طبيبه سيعالجه منذ ~~اليوم كما كان يعالج ابن سينا أو الحارث بن كلدة أو داود الأنطاكي. # ومع ذلك فالأمر في الأدب كالأمر في الطبيعة والطب، لا ينبغي أن يهمل طب ابن سينا ~~وطبيعته؛ لأنهما يمثلان عصرا من عصور الحياة العلمية، فهما يدرسان على أنهما فصل من ~~تاريخ الطب والطبيعة. ولا يهمل أدب المبرد والجاحظ؛ لأنهما يمثلان مظهرا من مظاهر ~~الحياة الأدبية، فهما يدرسان على أنهما فصل من تاريخ الأدب. ولكننا نجدد الأدب درسا ~~وإنشاء كما يجدد الطبيعيون والأطباء طبيعتهم وطبهم عملا ونظرا. # فما رأي الأستاذ الشيخ علام وأصحابه في هذا الكلام؟ أما أنا فواثق أنهم ينكرونه ~~الإنكار كله ولا يطمئنون إليه. وهم مكرهون على هذا الإنكار؛ فلو قد قبلوا ما ندعو إليه ~~لما استطاعوا أن يعيشوا؛ ذلك أنهم غير قادرين على التجديد، هم يؤثرون القديم، ومن ~~القديم يعيشون. أما نحن فلا نؤثر القديم، ولا نؤثر الجديد؛ لأننا لسنا في حاجة إلى ~~أحدهما لنعيش، وإنما نؤثرهما معا وندرسهما معا؛ لأننا لا نبغي إلا العلم، وإلا العلم ~~خالصا من كل شيء. ~~(2) خطرات نفس للدكتور منصور فهمي # كنت أتحدث منذ أشهر إلى عالم كبير من علماء الفرنسيين في مصر، وكان يشكو إلي أن ~~أعماله الإدارية تستغرق أكثر وقته وتصرفه عن الدرس، بل عن متابعة ms150 الصحف والمجلات ~~العلمية التي تعنيه؛ لأنها تتصل بالمادة التي يدرسها. قال: فإذا كان الشتاء، شغل ~~العلماء في مصر عن علمهم بهذه الحياة الاجتماعية العتيقة المفعمة بالزيارة والاستقبال، ~~والتي تلتهم آخر النهار وشطرا من الليل في أكثر أيام الأسبوع. فالعالم في مصر مضيع ~~للوقت والجهد، يصرف وجه النهار في حياة يومية عادية هي قوام عيشه، وينفق آخر النهار في ~~حياة اجتماعية خاملة هي قوام مركزه في الدائرة الاجتماعية التي يدور فيها، وهو إن فرط ~~في تلك الحياة الإدارية مقصر يتعرض للوم واحتمال التبعات الثقيلة ، وإن قصر في هذه ~~الحياة الاجتماعية أنكرته بيئته، وأعرض عنه نظراؤه، واتهم بالكبرياء والفتور والجفوة ~~والإهمال. وكل هذه خصال لا يحب أن يتصف بها الرجل الذي يريد أن يعيش في مصر هادئا ~~مطمئنا. فإذا فرغ العالم من حياته الإدارية والاجتماعية فقد انقضى النهار وتقدم ~~الليل، وينظر فإذا هو أمام حقوق لأهله لم يؤد منها شيئا، وأما حقوق لنفسه لم يفكر ~~فيها، ثم يقهره ضعف الجسم فيأوي إلى مضجعه يقضي فيه بقية الليل بين أرق مضن ونوم ~~ثقيل، ثم يستقبل غده بمثل ما أنفق فيه أمسه. وعلى هذا النحو تمر الأيام والأسابيع ~~والشهور، والعالم منصرف عن علمه منهمك فيما لا يجد فيه لذة ولا غناء. # قال صاحبي: وأستطيع أن أؤكد لك أني إذا خلوت إلى نفسي - وقلما أخلو إليها - وفكرت في ~~ذاك، ضاقت بي الحياة، وضقت بها، واستيقنت أن حياة العلماء في مصر تضحية مؤلمة مستمرة. ~~فالناس في بلادنا لا يثقلون العلماء بأعباء الزيارة والاستقبال، ولا يشقون عليهم ~~بالدعوة إلى الشاي والعشاء، والسيدات لا يتخذن زينة يظهرنها في غرفات الاستقبال كلما ~~خطر لهن أن يستقبلن أو في الحفلات الساهرة كلما خطر لهن أن يحتفلن. # ولو أن رجال السربون والكوليج دي فرانس اختلفوا إلى غرفات الاستقبال وشهدوا ما يقام ~~في باريس من حفلات في الليل وأخرى في النهار، لما كانت السربون والكوليج دي فرانس عقل ~~فرنسا المفكر وقلبها النابض الحساس. # قلت: ومع ذلك فقلما تخلو غرف الاستقبال الباريسية من ms151 عالم أو أديب يلتف حوله السيدات، ~~فيلقين عليه أسئلة حلوة مريحة، ويسمعن منه أجوبة عذبة مرضية، فيها فكاهة لا تخلو من ~~مرارة، وفيها جد لا يخلو من سخرية. وأحسب أن الفرق بين فرنسا ومصر إنما هو كثرة العلماء ~~والأدباء في الأولى وقلتهم في الثانية؛ فعندكم من العلماء والأدباء من يفرغون للجامعة، ~~ويعكفون في المعامل ودور الكتب، وعندكم من العلماء والأدباء من يشهدون المحافل، ويزينون ~~المجالس، ويرضون حاجة السيدات إلى المفاخرة بمن يحضر يوم استقبالهم من رجال العلم ~~والأدب والحرب والسياسة والقضاء. أما نحن فالمستنيرون عندنا قليل، فضلا عن العلماء ~~والأدباء المتميزين. فليس عجيبا أن تشق الحياة على الظاهرين من علمائنا وأدبائنا، وأن ~~تتخطفهم المجالس وتتنافس غرف الاستقبال أيها يزدان بأكبر عدد ممكن منهم. # قال صاحبي: ليكن مصدر ذلك ما تحب أن يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن نتيجة ذلك ~~ثقيلة مؤلمة. فلو قد رأيت ما يجتمع في مكتبي من الصحف والمجلات والرسائل والكتب التي ~~تنتظر أن أقرأها لراعك الأمر. وجاءت سيدة ففرقت بين صاحبي وبيني بابتسامة عذبة ومزاح ~~ظريف. # كنت أفكر في هذا الحديث منذ أيام حين كنت أستعد للسفر، وحين كان صاحبي يسألني عما ~~أريد أن أصطحب من كتب، فتأخذني حيرة لا أكاد أصفها ولا أصورها. # فقد انقضى العام ولم أقرأ شيئا. هذه كتب قديمة طبعت واستخرجت من دور الكتب في الشرق ~~والغرب، ومن الحق علي لنفسي أن أقرأها أو أنظر فيها، وقد كنت أتحرق شوقا إليها قبل ~~أن تقدمها إلى المطبعة وتجعلها يسيرة قريبة المنال. وهذه مقالات نشرها العلماء ~~المستشرقون في مجلاتهم المختلفة، ومن الحق علي أن أقرأها أو ألم بها، لأعرف ما يقول ~~الزملاء فيما أفرغ لدرسه من العلم. وهذه مقالات نشرها الأدباء المعاصرون في مصر، وحفظها ~~صاحبي لأقرأها متى أتيح لي الوقت، فمن الحق علي أن أعرف ما يقول المعاصرون من ~~المصريين والشرقيين لأعيش على بصيرة وفهم للعصر الذي أحيا فيه. وهذه كتب ألفها فلان ~~وفلان من الأصدقاء أو من الأدباء المتميزين، ومن ms152 الحق علي لنفسي ولهؤلاء الأدباء أن ~~أقرأ ما يكتبون لأحيا على أقل تقدير حياة الرجل المثقف الذي يلم بما يظهر حوله من فكرة ~~أو رأي أو مذهب. كل هذا مجتمع في مكتبي وصاحبي يسألني عما أحب أن أحمل منه إلى أوروبا. ~~ومهما تكن رغبتي في القراءة شديدة أثناء هذه الرحلة فأنا أحب أن أقرأ ما سأجده في ~~أوروبا من كتب وصحف. وأنا لا أذهب لأوروبا للقراءة وحدها، وإنما أريد أن أستريح وأن ~~أرفه على النفس، أطوف في الأرض وأشهد الملاعب وأسمع للموسيقى والغناء ، فالطاقة ~~محدودة، والوقت محدود، وهذه زوجتي تلفتني إلى أن الحقائب محدودة أيضا، وإلى أنها لم ~~تصنع لتفعم بالكتب، وإنما صنعت لتوضع فيها الثياب، وما يحتاج إليه المسافر من أدوات ~~ليس إلى الاستغناء عنها من سبيل. وهي تحدد ما أستطيع حمله من كتب على أن يوضع بعضه في ~~هذه وبعضه في تلك، ويحمل صاحبي بعضه الآخر فيضعه في حقيبته. وأنا أضيق بهذا كله فأكره ~~الإقامة والسفر وأمقت الجد والكسل، ثم أخرج عن طوري فأفرض كتبا لا بد من حملها مهما ~~يكن من شيء، وأترك لزوجي وصاحبي أن يتخيرا بعد ذلك ما يشاءان وما تتسع له حقائبهما من ~~هذه الكتب المكدسة. # وقد وصلت الآن إلى فينا، واستقر بي المقام فيها أنتظر مؤتمر المستشرقين، وأنا أسأل ~~صاحبي: ماذا حملت من كتب المعاصرين؟ فيجيب مبتسما: لقد حملت ما تحب أن تقرأ؛ حملت كتاب ~~التراجم لهيكل، وحملت كتاب البهاء زهير لمصطفى عبد الرازق، وحملت كتاب خطرات نفس لمنصور ~~فهمي. لقد وفقت إلى حسن الاختيار، ولكن ألم تحمل مصرع كليوباترة لشوقي؟ قال صاحبي ~~دهشا: ولم أحمله وقد قرأته في الصيف الماضي؟ وأنكرت من صاحبي إهمال هذا الكتاب، فقد ~~كنت أحب أن أعيد النظر فيه، فأنكرت جوابه، فقد كنت أحب أن أتحدث عن هذا الكتاب إلى ~~الناس، ولكن لا بد مما ليس منه بد. فلأقرأ ما بين يدي، ولأبدأ بآخر هذه الكتب ظهورا ~~وهو خطرات نفس. ولست حديث عهد بهذا الكتاب، فقد تبعته منذ ms153 نشأته الأولى وسايرته نحو خمس ~~عشرة سنة حين كانت فصوله المختلفة تنشر في الصحف شيئا فشيئا، فأرى بعضها قبل أن يظهر، ~~وأرى بعضها مع غيري من القراء. وكنت من الذين طلبوا إلى منصور أن يجمع هذه الفصول في ~~سفر مستقل كما نفعل جميعا حين نؤلف من فصولنا التي تنشرها الصحف أسفارا نجمع ~~متفرقها، ونسهل على الناس قراءتها والرجوع إليها. وإذا كان صديقنا منصور حريصا على أن ~~يجمع خطرات نفسه لأنها تمثل صباه وشبابه، وهو يحب أن يرجع إلى ماضي حياته ليحب ما فيه ~~من ذكرى، فإن أصدقاءه يحرصون على مثل ما يحرص عليه؛ لأنهم يحبون أن تجتمع لديهم حياة ~~صديقهم في صباه وشبابه وكهولته، فيقفوا عند هذه الحياة وقفات فيها حب ومودة ووفاء. ~~وربما كان فيها عتب وخصومة واختلاف في الرأي، فمهما يكن الكاتب مستقلا، قوي النفس، ~~عظيم الشخصية، فهو متصل ببيئته، متصل بمعاصريه، يلائمهم أحيانا فيرضون وينافرهم ~~أحيانا أخرى فينكرون. وكذلك حياة الأديب في كل بيئة وفي كل جيل: هو مخدوع، يحسب أنه ~~يكتب لنفسه لأنه يحس من العواطف والأهواء ما لا يجد بدا من إعلانه، فهو يرفه على ~~نفسه حين يكتب أو ينظم الشعر، ولكنه في حقيقة الأمر يكتب للناس، ذلك بأنه كائن اجتماعي ~~محتاج إلى أن يعطي الناس، ويأخذ منهم، فهو لا يستطيع أن يكتفي بما يحس في نفسه، بل لا ~~بد له من أن يشرك الناس فيما يحس. # وقد يوفق إلى ما يريد فيشاركه الناس فيما يحس ويرى، وقد لا يوفق فلا يشاركه منهم أحد ~~أو لا يشاركه منهم إلا القليل. # ويخدع الأديب نفسه من ناحية أخرى حين يألف الإذاعة والنشر، ويحس من الناس ميلا إليه، ~~ورغبة في آثاره، فيمضي في الإذاعة والنشر معتقدا أنه يكتب للناس، وهو في حقيقة الأمر ~~يكتب لنفسه لأنه أحب رضا الناس عنه، وميلهم إليه وكلفهم به، فهو يستزيد حين يكتب من ~~هذا الرضا والميل والكلف. فإذا زعم الأديب أنه يكتب لنفسه وحدها فهو مخطئ، وإنما الحق ~~أنه حين يكتب يؤدي ms154 عملا اجتماعيا فيه له وللناس لذة ومتعة. ومهما يكن إلحاح ~~الملحين عن أخذنا في جمع ما تفرق من آثارنا، ومهما يكن ترددنا في الاستجاية لهذا ~~الإلحاح، فإن الأسباب التي دعتنا إلى نشر فصولنا في الصحف هي بنفسها التي تدعونا إلى أن ~~نؤلف من هذه الفصول أسفارا تذاع مرة أخرى في المكتبات بعد أن أذيعت في الصحف اليومية ~~أو الأسبوعية أو الشهرية. # وبينما كنت أقرأ هذه المقدمة الطريفة التي قدمها منصور بين يدي هذه الخطرات في طورها ~~الجديد، لفتتني حاشية قرأتها مرة ومرة فأنكرتها بعض الشيء؛ ذلك أن صديقنا يزعم فيها أنه ~~لم يغير من فصوله شيئا إلا ما كان من إعراب لفظ أو تصحيح آخر، وأنه قد عهد في ذلك إلى ~~الأستاذ صادق عنبر فتولاه عنه، وهو يشكر للأستاذ هذا الفضل شكرا جميلا. # واشتد إنكاري لهذه الحاشية حين أظهرني صاحبي على فصل لصديقنا هيكل لم يكد يتجاوز فيه ~~هذه الأسطر من كتاب منصور. فقد وقف عندها وقفة طويلة يسجل على نفسه وعلى منصور وعلى ~~الكتاب المعاصرين ضعفا ظاهرا في اللغة العربية وقصورا عن إحسان الانتفاع بها ~~واعترافا بهذه القصور. وأنا أعترف بأني لم أفهم هذه الحاشية، فلو قد كان صديقنا منصور ~~معترفا بضعفه في العربية مكبرا لها، لعرض فصوله على الأستاذ صادق عنبر أو على غيره ~~ليعرب ألفاظه ويصححها قبل أن يدفعها إلى الصحف، ولكنه لم يفعل، فهل أحس هذا الضعف ~~واعترف به حين أراد أن يجمع هذه الفصول في كتاب؟ وأغرب من هذا أن نقرأ الفصول مجموعة ~~فلا نجد فرقا لغويا بينها في هذه السفر، وبينها في الأهرام والسفور: ففيها ما فيها ~~من صواب لغوي كبير وخطأ لغوي قليل يغفر لمنصور؛ لأنه لم يزعم لنفسه في يوم من الأيام ~~تفوقا في اللغة أو عصمة من الخطأ فيها، وإنما عرفته دائما يأسف لأنه لم يظفر من اللغة ~~بما كان يريد. # في هذه الفصول مجموعة أغلاط لغوية كانت فيها متفرقة، ولم يصححها الأستاذ صادق عنبر ~~ولم يعربها؛ لأنه لم يكلف تصحيح ms155 اللغة ولا إعرابها، وإنما كلف تصحيح التجارب ~~المطبعية طبقا للأصل الذي دفعه إليه المؤلف، فأحسن الأستاذ صادق عنبر هذا التصحيح، وإلا ~~فكيف ترك الأستاذ صادق عنبر الذراع مذكرة تذكيرا لا يحتمل الشك في صفحة 32؟ وكيف ترك ~~الأستاذ صادق عنبر في صفحة 83 هذا الاستعمال العددي الذي لا يخلو من غرابة، وهو «من نيف ~~وعشر سنين»، وأنا لا أذكر هذين المثلين إلا لأثبت أن الأستاذ صادق عنبر لم يعرب ألفاظا ~~ولم يصحح أخرى، ولم يطلب إليه منصور ذلك، وإنما صحح تجارب المطبعة، فأراد منصور أن ~~يشكر له هذا الجهد، فأسرف في التعبير كما أسرف صديقنا هيكل في استنباط ما استنبط من هذه ~~الحاشية. # وبعد، فمن الحق أن نقف عند ما يمكن أن يوجد في كتاب منصور من انحراف قليل عن طريق ~~العرب في التعبير، فليس منصور صاحب ألفاظ ولا هو يزعم لنفسه ذلك، وإنما هو صاحب معان ~~غزيرة غنية، وخطرات قيمة خصبة. وأنا أريد في هذا الفصل أن أقف عند هذه الخطرات وقفة ~~قصيرة، لأحقق إلى حد ما هذه الشخصية الأدبية التي تمثلها، وهي شخصية صديقنا ~~منصور. # ليست هذه الشخصية قوية إلى حد الطغيان، وليست ضعيفة إلى حد الفتور، وليست هادئة إلى ~~حد الاطمئنان، ولكنها شخصية ثائرة جامحة، دون أن يكون في ثورتها أو جموحها هذا العنف ~~الذي لا يذر شيئا أتى عليه إلا دمره تدميرا، فصديقنا منصور ثائر ولكنه لا يحطم شيئا، ~~جامح ولكنه لا يلبث أن يعود ويطمئن إلى ما يطمئن إليه الناس. هو ثائر ماهر يستطيع أن ~~يخترق الزجاج وينفذ منه إلى ما وراءه دون أن يحطم أو يحدث فيه صدعا؛ ذلك لأنه ينفذ منه ~~ببصره لا بجسمه. وإذا شئت التعبير الدقيق فقل إنه يرى التجديد ويحبه دون أن يقدم ~~عليه؛ لأنه يؤثر العافية ويفضل الانتظار. وليس في ذلك شيء من الغرابة، فصديقنا منصور ~~شديد التأثر بفريقين من الفلاسفة؛ أحدهما فلاسفة القرن الثامن عشر في فرنسا، والآخر ~~فلاسفة الاجتماع في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن الذي نحن ms156 فيه. فأما الفريق الأول ~~فأنت تعلم أنهم أعدوا الثورة الفرنسية ولم يشهدوها، ولو شهدوها لنفروا منها نفورا ~~شديدا. وأنت تعلم مقدار ما كان من الفرق بين الحياة العقلية والشعورية والحياة العملية ~~لروسو وفولتير. وأما الفريق الثاني فأصحاب علم وملاحظة، لا يعنون إلا بأن يلاحظوا ~~ويستنبطوا ويتركوا للحوادث طريقها إلى إنشاء التاريخ. # والغريب من أمر صديقنا منصور أنه تأثر بفيلسوفين مختلفين اختلافا شديدا؛ أحدهما ~~روسو، وهو صاحب الشعور الدقيق والعواطف الحادة والمزاج المضطرب والخيال الخصب، والآخر ~~دوركيم، وهو صاحب العقل المستقيم والمنهج العلمي الدقيق، وأبعد الناس عن التأثر ~~بالعاطفة والخضوع للشعور، فهو يدرس الجماعة كما يدرس صاحب الحيوان والنبات في ~~معمله. # وأثر روسو في الخطرات أشد وأظهر من أثر دوركيم؛ فالخطرات حديث العواطف، وهو حديث ~~وجه إلى الكثرة من الناس، فلا ينبغي أن يكون حديثا علميا يخاطب العقل الخالص؛ لأن ~~هذا العقل الخالص لا يوجد في الشوارع، وإنما يوجد في المكاتب المغلقة، ولم يتحدث منصور ~~إلى أهل المكاتب المغلقة، وإنما يتحدث إلى الناس الذين يغدون ويروحون ويمشون في ~~الأسواق، ويختلفون إلى الأندية والملاهي. # ولو أني أردت أن أحدد تأثير روسو في خطرات منصور لأشرت إلى هذا الطموح الظاهر إلى مثل ~~أعلى من الخير يلتمسه منصور، كما كان يلتمسه روسو في الطبيعة الحرة الساذجة التي لم ~~تفسدها الحضارة، ولم يمسخها التكلف، والتي يجدها في الريف، وفي بعض الطبقات من الناس، ~~ثم لأشرت إلى العاطفة الدينية في خطرات منصور، فهي قوية جدا تبلغ التصوف أحيانا، ~~ولكنها غريبة جدا لا تكاد توفق إلى تحديدها: فيها من الإسلام وفيها من الروح ~~اليوناني، وفيها من الروح المصري القديم، وفيها من مذهب وحدة الوجود. # وأنت تستطيع أن تجد هذا كله في الفصول التي كتبها منصور حين رحل إلى بلاد اليونان سنة ~~1923 ووقف على الأكروبوليس متأثرا بوقفة رينان. # 1 # على أن هناك فرقا عظيما جدا بين رينان ومنصور حين وقف في الأكروبوليس، فقد كان ~~رينان أديبا وفيلسوفا ومؤرخا. أما منصور فكان أديبا وفيلسوفا ليس غير. وكم كنت ms157 أحب ~~أن يقرأ شيئا من تاريخ اليونان قبل أن يذهب إلى أتينا، فهناك فصل أسفت له أشد الأسف، ~~ولو استشارني منصور لأشرت عليه بحذفه؛ لا لضعف في معناه أو لفظه فهو قوي المعنى جيد اللفظ، # 2 # ولكن لبعده عن الحق، ولأنه أراد أن ينصف آلهة المصريين القدماء فظلم آلهة ~~اليونان ظلما شديدا. عنوان هذا الفصل هو «وقفة بالحصن المقدس: العرق دساس». أراد ~~منصور أن يتقرب إلى آلهة الحسن في أتينا، وما أشك في أنه أراد الإلهة أتينا نفسها، وإن ~~كانت عنايتها بالحسن أقل مما ظن منصور بكثير . إنما أفروديت هي التي تعنى بالحسن، ومع ~~ذلك فالصورة التي تخيلها منصور من الحسن ليرضي الإلهة اليونانية بعيدة كل البعد عما ~~يرضي آلهة اليونان، قريبة كل القرب إلى ما يرضي الغانيات في القاهرة أو باريس. فقد أراد ~~منصور أن يتجمل بأحسن ثيابه، ويرجل شعره ويصلح من شاربيه، ويتعطر بأحسن الطيب، ويضع ~~في صدره زهرة غضة ويرسل عليه سلسلة ذهبية، ويضع في أصبعه خاتما يتألق، ثم ذهب يشتري ~~عصا، وبينما التاجر يعرض عليه أظرف ما عنده من العصي رأى عصا تمتاز بالمتانة والصلابة ~~والشدة فآثرها؛ لأنه ذكر المصريين وآلهتهم وأنهم كانوا يمتازون بالقوة والمتانة، فانصرف ~~إليهم وانحرف عن الآلهة اليونانية معتذرا إليها، لأنه من قوم كانوا يؤثرون القوة، ولم ~~ينس منصور إلا شيئا واحدا ولكنه عظيم الخطر جدا، وهو أن الإلهة أتينا كانت إلهة ~~الحكمة من ناحية وإلهة الحرب من ناحية أخرى، وأنها خرجت من رأس أبيها كأقوى ما تكون ~~سلاحا واستعدادا للحرب، وأظن أن إلهة الحكمة والحرب لا تنقصها المتانة والقوة، ذلك ~~إلى أن إلهة الحسن نفسها وهي أفروديت كانت عند اليونان قوية شديدة البأس، دافعت عن ~~طروادة فأحسنت الدفاع وكادت تنتصر. فأنت ترى أن جمال هذه الفصل قد ذهب لأن كاتبه لم يكن ~~مؤرخا حين كتبه. # ولأعد إلى ما كنت فيه من وصف العاطفة الدينية في خطرات منصور، فقد قلت إنها قوية ~~حادة، وأن فيها من الديانات المختلفة والمذاهب الفلسفية ما يذكر ms158 برينان، ويكفي أن تنظر ~~إلى هذا الفصل الذي يشبه فيه الجمال بالله وبالقوة الخفية؛ لأنه يعرف بآثاره دون أن ~~تدرك حقيقته، لتحس من قوة هذه العاطفة وسعتها ما يثبت صحة ما أقول. # ولروسو تأثير آخر في خطرات منصور كاد يجعله كاتبا بارعا من الوجهة اللفظية لولا أنه ~~لم يدرس اللغة العربية درسا عميقا، ذلك أن روسو قد بث في نفس منصور قوة غريبة ~~تكرهه على أن يظهر ما يشعر به قويا كما يشعر به؛ أي في قوة وعنف، فيحمله ذلك على أن ~~يخترع صورا من التعبير ليست مألوفة، وكانت خليقة أن تبقى وتؤرخ عصرا من عصور اللغة لو ~~استقامت لصاحبها طرق التعبير، ولو أنه تأنى وتمهل ولم يخرجها عجلان مسرعا. # وأنت تجد صورة قوية من هذا في الفصل الذي كتبه يودع به العام، فيأخذ يفكر ويستعرض ~~الحوادث وينتظر آخر لحظة في السنة، حتى إذا أخذت الساعة تدق خيل إليه أن كل دقة من ~~دقاتها تحصي أثرا من آثار العام، فأعلن بهذه الصورة الغريبة الطريفة التي كادت تكون ~~بديعة لولا أنه تعجل ولم تستقم له اللغة، فأصبحت صورة مضحكة، أو داعية إلى الابتسام. ~~وأنا أنقلها لك لترى صحة ما أقول: # تن ... سخرت من الغافلين حتى صحوا من الشدة والمحن ... # تن ... أغريت الإنسان بالذهب الوهاج فتهافت على ناره كما يتهافت على النور الفراش ~~... # تن ... جعلت في الناس والأمم من يعملون لقتل الضعيف ولو كان بريئا ... # تن ... آويت اللص وسترت الخديعة، وكثيرا ما أعليت الباطل على الحق ... # تن ... نفرت بين قلوب، وأشعلت ضغائن، وأثرت فتننا ... # تن ... صرفت الناس عن وجهك يا الله ليعمدوا إلى الأثرة والشهوات ... # تن ... تمخضت بآراء وقدمت عظات وعبرا، ولكن الناس لا يفقهون ... # تن ... أحرقت أفئدة وأجريت دموعا وشربت دماء ... # تن ... كم من صحيح أضعفت ... وكم من عزيز أذللت ... وكم من عليل داويت ~~... # تن ... جردت أشجارا من ورقها الأصفر الجاف ... وأبدلتها منه ورقا جديدا ... وجعلت عليها زهرا نضيرا ... # تن ... صرفت العاشقين وهم في سكرات القبل عن مرارة العيش. ثم أخذتهم ms159 أخذ الجبار ~~فبدلت هناءهم تعسا. وبدلت سعادتهم شقوة وجحيما ... # تن ... لبيك اللهم لبيك ... # هذه الآثار القوية المختلفة التي تركها روسو في نفس منصور جعلت منه كاتبا، ليس كغيره ~~من الكتاب المعاصرين، نزعته الفلسفية في جوهرها غريبة بعض الشيء لأنها لا تلائم العصر ~~الذي نحن فيه، ولكنها في شكلها وظاهرها مألوفة يحبها الناس؛ لأنها سهلة تدعو في يسر ~~ولين وقوة إلى الخير، وإلى الفضائل التي أحبها الناس وألفوا حبها، تدعو إلى الرحمة ~~والإشفاق والبر والحنان والوفاء، وما إلى ذلك من الفضائل الاجتماعية والفردية. ولا بد ~~هنا من الإشارة إلى ناحية أخرى لا تتم بدونها شخصية منصور، وهي شرقيته، فمنصور مؤمن ~~بالرابطة الشرقية إيمانا قويا قديما، لعله يعتمد على الوراثة والمزاج الفطري أكثر ~~مما يعتمد على الروية والتفكير العقلي. والذين يعرفون صديقنا منصورا يشكون في أن أشد ~~الأوتار التي تتألف منها نفسه حسا واضطرابا وترديدا لأصداء الحياة إنما هو حبه ~~للشرق وفناؤه فيه. # كان شرقيا حين كان طالبا للعلم في باريس، كان يألف الشرقيين أكثر مما يألف ~~الغربيين، كان يألف الشرقيين على اختلافهم، كان يألف أبناء الشرق القريب من العرب ~~والترك، وكان يألف أبناء الشرق الأوسط من الفرس، وكان يحس من نفسه ميلا لا يخلو من ~~حنان إلى أبناء الشرق الأوروبي من الروسيين والبولونيين. ثم عاد إلى مصر، فلما ضاقت به ~~واضطر إلى الرحيل عنها نفى نفسه إلى الشرق، فهاجر إلى قسطنطينية وأقام فيها حتى ردته ~~الحرب إلى وطنه، فعاد شرقيا كما تركه شرقيا. ولم يكد يشترك في الحياة الاجتماعية ~~الظاهرة حتى كان نشاطه قويا عنيفا يكاد يبلغ التعصب في إنشاء الرابطة الشرقية ~~وتأييدها، وهو الآن من أقطابها الظاهرين. وهو في هذا كله يصدر عن العاطفة والوراثة أكثر ~~مما يصدر عن الروية والتفكير. وقد أثرت شرقيته هذه في خطرات نفسه كما أثرت في حياته ~~العملية وصلاته الاجتماعية، فهو في الخطرات شرقي، لولا الحياء وخشية أن يوصف بالرجعية ~~لآثر القديم الشرقي على الجديد الغربي في غير تحفظ ولا احتياط، وأحسب أنه سينتهي على ms160 مر ~~الزمن إلى هذا الموقف فيصبح محافظا مسرفا في المحافظة. # وهو في صلاته الاجتماعية قريب من بيئة المحافظين المعتدلين الذين لا يكرهون التجديد، ~~ولكنهم لا يقدمون عليه إلا في استحياء. وهو يعد بين الأزهريين أصدقاء يحبهم ويحبونه، ~~ويميل إليهم ويكلفون به. وقد لاحظ الأستاذ حبيب هذه الخصلة في صديقنا منصور ومصطفى عبد ~~الرازق، فأشار في بحثه الأخير عن المعاصرين من أدباء مصر إلى أنهما يستمتعان برضى ~~البيئات المحافظة. # أما أثر علماء الاجتماع المعاصرين في منصور فلا يكاد يظهر في الخطرات إلا حين يتحدث ~~منصور عن الجماعة، فنراه يفهمها ويصفها على نحو ما كان يفهمها ويصفها دوركيم. ولكني قلت ~~آنفا إن صديقنا لم يتحدث في الخطرات إلى العلماء، وإنما تحدث إلى الكثرة من الناس، فلم ~~يكن من اليسير أن تصور الخطرات حياته العلمية، وهو بخيل إلى الآن بإظهار هذه الحياة ~~العلمية في كتاب ينشره على الناس، وهو يزعم في تواضع فلسفي أنه لا يحب أن يظهر هذا ~~الكتاب حتى يتم نضجه العقلي، كأنه يريد أن يخيل إلى الناس أن عقله لم ينضج بعد، ولكن ~~أصدقاءه وطلابه في الجامعة لا يطمئنون إلى هذا التواضع، ولا يسحرهم هذا الخيال، فهم ~~يتمنون على الأستاذ أن يفرغ لهم قليلا، وأن يبيح لهم شيئا من آثار عقله الذي تم نضجه ~~منذ دهر طويل. # أثارت الخطرات في نفسي هذه المعاني، ولما أقرأ منها إلا نصفها أو ما دون النصف، ولست ~~أدري متى أقف لو انتظرت بكتابة هذا الفصل أن أقرأ الكتاب كله. وإنك ترى معي أني قد أطلت ~~وأسرفت في الإطالة، فلأتم وحدي قراءة هذا الكتاب القيم. # فينا، يونيو سنة 1930 ~~(3) ديكارت # شيخان من أنصار القديم قرآ كتاب «الشعر الجاهلي» الذي أذعته منذ أسابيع، وكانا قد ~~سمعا به قبل أن يظهر، وكانا قد أزمعا الرد عليه بعد ظهوره. فلما ظهر الكتاب قرآه كله أو ~~بعضه، فاعترضهما فيه اسم ديكارت ومنهجه الفلسفي. والله يصرف الكون كما يريد، ويجري ~~الأقدار فيه كما يحب، وقد أراد الله أن يظهر اسم ms161 ديكارت وفلسفته منذ ثلاثة قرون، وأن ~~يطبع العصر الحديث كله بطابع ديكارت، وأن يتغلغل تأثير ديكارت كاسم أرستطاليس عنوانا ~~لطور من أطوار الحياة الإنسانية العامة التي تلزم الأجيال مهما تختلف بها الأزمنة ~~والأمكنة. أراد الله هذا كله، وأراد معه شيئا آخر هو أن يظل ديكارت مجهولا عند طائفة ~~من شيوخ الأدب في مصر، لا يعرفون اسمه ولا مذهبه، ولا يدركون كيف يؤكل، وإن دروا كيف ~~تؤكل الكتف، ولا يعرفون كيف يشرب، وإن عرفوا كيف تشرب القهوة والشاي، وكيف يشرب الخروب ~~والعرقسوس. وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له ، وليس لنا أن نذعن للقضاء ونصبر لجهل شيوخ ~~الأدب العربي اسم ديكارت وفلسفة ديكارت في العصر الذي يحرص الإنسان فيه على أن يعلم ~~كلما استطاع أن يعلم. # ومن غريب الأمر أن شيوخ الأدب القديم يرون ويكتبون كما كان يرى الأدباء القدماء، ~~ويكتبون: أن الأديب «هو من يأخذ من كل شيء بطرف.» كذلك قال شيخ الأدب في دار العلوم، ~~وإنما أريد الأستاذ الشيخ علام، قال ذلك في «السياسة» منذ أسبوعين، ولم يكن في ذلك ~~مجددا، وإنما كان يحكي القدماء ويرددهم. وقد كان المبرد حريصا كل الحرص على أن ~~يأخذ الأديب من كل شيء بطرف، وظهر ذلك في كتاب الكامل ظهورا واضحا، حتى إنك لترى فيه ~~بابا قال المبرد في عنوانه: «باب نذكر فيه من كل شيء شيئا.» وكتب الأدب العربي ~~القديمة كلها قائمة على هذا النحو من تصور الأدب والأديب. والأستاذ الشيخ علام وأصحابه ~~يرون رأي القدماء، ويكتبون أن الأديب يجب أن يلم من كل شيء بطرف، ولكنهم لا يلمون من كل ~~شيء بطرف، بل يجهلون ديكارت وفلسفته، وأثره البعيد في حياة العقل والشعور كما ~~قلنا. # وهم يجهلون ناسا آخرين غير ديكارت، وأشياء أخرى غير فلسفة ديكارت، ولكنهم مع ذلك ~~يرون أنهم أدباء، وأنهم قد ألموا من كل شيء بطرف، ومعذرتهم في هذا قائمة: فديكارت ليس ~~شيئا وفلسفته ليست شيئا، والحق عليهم أن يلموا من كل «شيء» بطرف. فأما ما ليس «شيئا» ~~فلا ms162 ينبغي أن يلموا منه بقليل ولا كثير، فإذا أردت أن تعرف لم لا يكون ديكارت شيئا من ~~الأشياء، ففي جواب ذلك قولان؛ أحدهما أن الشيء الذي ينبغي أن يلم الأدباء بطرف منه هو ~~الشيء الرسمي الذي اشتمل عليه برنامج التعليم الرسمي في وزارة المعارف، فعلى الأديب أن ~~يلم بعلوم العربية، وأن يلم بالرياضيات والطبيعيات. وليس في البرنامج الرسمي لوزارة ~~المعارف ذكر ديكارت ولا فلسفة ديكارت، وإذن فهما ليسا في الورقة الصفراء ... وإذن فليس ~~الأديب مكلفا أن يلم منهما بطرف لأنهما ليسا شيئا. # هذا أحد القولين، وهناك قول آخر ، وهو أن الشيء الذي ينبغي أن يلم الأديب منه بطرف هو ~~الشرقي القديم ... أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، بل هو العربي القديم. مصر الفراعنة ~~ليست شيئا، ومصر اليونان والرومان ليست شيئا، وليس الأديب مكلفا أن يلم منها بطرف، ~~وأقسم ما يعرف الأستاذ الشيخ علام وأصحابه لها طعما ... أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، ~~بل الشيء هو العربي القديم الذي لا يتجاوز بلاد العرب والشام والعراق في العصور العربية ~~الأولى والأندلس في بعض عصورها الإسلامية، فأما مصر الفاطميين والمماليك، فأما أفريقيا ~~الشمالية، فليست شيئا وللأدباء أن يجهلوها، وهم يجهلونها بإذن الله. وإذن فأوروبا ليست ~~شيئا، وإذن فديكارت ليس شيئا وفلسفته ليست شيئا. وجهل أوروبا وديكارت وفلسفته ليس من ~~الأمور التي تعاب على الأديب. ورحم الله شيخا من شيوخنا في الأزهر أراد أن يرفع في ~~يوم من الأيام ظلامة إلى المحافظة، فلم يستطع أن يكتب ما كان يريد، فاستعان بأحد ~~«أبناء المدارس» معتذرا أو مفاخرا بأنه لا يحسن مثل هذا السخف الجديد. فلشيوخ الأدب ~~أن يعتذروا أو أن يفاخروا بأنهم يجهلون ديكارت وفلسفته لأنهما ليسا شيئا، ولأن من ~~السخف أن يضيع الأديب وقته في درسهما، وخير من ذلك وأجدى أن ينكب الأديب على فقرة من ~~فقرات الحريري، أو مقامة من مقامات البديع، أو بيت من شعر امرئ القيس. # ولكن حظ الأديب سيئ أبدا، وأنت لم تنس بعد حرفة الأدب التي قتلت ابن المعتز، ونتفت ~~لحية ms163 الحريري، وحالت بين لفظ الأدب وبين الورود في القرآن، فالأدب لذيذ ولكنه شؤم على ~~أهله. ومن شؤم الأدب على الأدباء أن كتابا ظهر في هذه الأيام يقال له «الشعر الجاهلي» ~~ويجب على الأدباء أن ينقدوه وينقضوه ويهدموه ويهدموا كاتبه، ويتقربوا بهذا النقد والنقض ~~والهدم إلى الله أو ... إلى الشيطان. وقد أقسموا ليفعلن، وقد بدءوا يفعلون، فما هي إلا ~~أن اعترضهم هذا الشيء، وهو اسم ديكارت وفلسفة ديكارت. # والحق نقول إن موقفهم بإزاء هذا الاسم والفسلفة كان بديعا لا يخلو من فكاهة وظرف؛ ~~فأما أحد هذين الشيخين اللذين ذكرتهما في أول هذا الفصل، واللذين أهدي إليهما هذا ~~البحث، فقد كتب في تواضع يشبه الكبرياء أنه لا يعرف ديكارت ولا مذهبه، وأنه يظن أو ~~يرجح أن مذهب ديكارت قريب من المذاهب الإسلامية، وأن صاحب «الشعر الجاهلي» قد حرف ~~هذا المذهب لحاجة في نفسه أو كما قال الشيخ. وأما الآخر فعزيز عليه أن يتكبر أو ~~يتواضع على هذا النحو، وهو قد تعود أن يستغل الرافعي واليازجي والسكندري وابن مكرم ~~دون أن يذكرهم أو يشير إليهم، فلم لا يستغل في أمر ديكارت حيا أو ميتا يشبه هؤلاء؟ ~~وقد بحث بين الأموات فلم يجد، وبحث بين الأحياء فلم يجد من كتب عن ديكارت أو أشار إليه، ~~وهو لا يعرف لغة ديكارت ولا لغة أجنبية أخرى. # وإذن فليلجأ إلى أحد الذين يعرفون لغة من هذه اللغات ليقص عليه أمر ديكارت ويلخص ~~له فلسفته، حتى إذا استقام له ذلك في صفحات أو أسطر تكلم عن ديكارت وفلسفته كلام ~~العالم المحقق، وأثبت لصاحب «الشعر الجاهلي» أنه لا يفهم ديكارت، ولا يحسن تخريج مذهبه ~~الفلسفي. وكان قد تفوق على زميله الذي يكتب في «الأهرام» فعرف من أمر ديكارت وفلسفته ما ~~لم يعرف هذا الشيخ المسكين. # وأنا أحد الذين يعرفون لغة أجنبية، وأحد الذين يحسنون لغة ديكارت، وأحد الذين قرءوا ~~كتب ديكارت، وأحد الذين قرءوا ما كتب عن ديكارت. وأنا أريد أن أهدي إلى الشيخين بحثا ~~عن حياة ديكارت وفلسفته، ms164 ليتما به أدبهما ويستعينا به على هدم كتاب الشعر الجاهلي، ~~والتهام صاحب هذا الكتاب التهاما. وأنا مخلص فيما أكتب، فأنا أحب أن يلتهمني الشيخان؛ ~~لأني أعرف أن حلقيهما إن استطاعا ازدرادي فستعجز معدتاهما عن هضمي. # أنا أهدي إلى الشيخين بحثي عن حياة ديكارت، ولكني أهديه إليهما على أن يقرآه ويفقهاه ~~فقها «حسنا» لا يشبه فقههما «للشعر الجاهلي» ولا للسان العرب، ولا لما كتب الرافعي أو ~~أملى السكندري. وأنا أهدي هذا البحث إلى الذين يعرفون ديكارت من المتفرنجة والمتعلمين ~~على اختلافهم، ذلك أني أعلم من أمر ديكارت ما لا يعلم الناس في مصر، فقد كنت أريد أن ~~أضع فيه كتابا، واضطرني ذلك إلى كثير من البحث والتحقيق، وإلى ألوان من الاستقصاء ~~والاستقراء. ولكني لا آسف على ما لقيت من عناء، فقد وصلت إلى نتائج غريبة قيمة، لو ~~أعلنتها في فرنسا لاندكت لها السربون، ولاضطربت لها الكوليج دي فرانس، ولأعلن لها ~~المجمع العلمي الفرنسي إفلاسه ... لا تضحك ولا تعجب فلست أحدثك إلا بالحق الذي لا شك فيه ~~ولا غبار عليه. ويكفي أن تعلم أني استكشفت طائفة من الكتب المخطوطة التي كتبت في النصف ~~الثاني للقرن السابع عشر بعد أن مات ديكارت بسنين قليلة، والتي كانت محفوظة في مكتبة ~~الملك الخاصة، حتى إذا كانت الثورة الفرنسية، وتبدد ما في القصر ضاعت هذه الكتب، ولم ~~يستطع أن يظفر بها الذين أنشئوا المكتبة الأهلية في باريس بعد الثورة، وأخذت أسرة من ~~الأسر الشريفة تتوارث هذه الكتب، حتى انتهت إلى صديق لي فرنسي، كان يدرس معي، وهو يقيم ~~في ريف بورجونيا، فدعاني في بعض فصول الصيف أن أقضي عنده أياما ففعلت، وأظهرني على ~~مكتبة آبائه، فإذا فيها هذه الكتب المخطوطة، فدرسناها معا، ولم نستوف درسنا بعد، ~~وسنقدمه إلى السربون يوم نستوفيه، وسننشر هذه الكتب على الناس، وسنودع أصولها المخطوطة ~~المكتبة الأهلية بباريس، وسيعلم الناس يومئذ أنهم لم يؤتوا من العلم عن ديكارت إلا ~~قليلا، وستعلم الحكومة الفرنسية يومئذ أن هذه الطبعة الرسمية التي نشرتها في اثني ms165 ~~عشر مجلدا ضخما لا تشتمل إلا على ما كان يكتبه ديكارت ليلهو ويعبث ويلهي الناس عن ~~فلسفته الصحيحة. # فديكارت كأرستطاليس يذهب في الفلسفة مذهبين مختلفين أحدهما يعلنه إلى الناس، فإنهم ~~يستطيعون أن يفهموه وأن يسيغوه، والآخر يحتفظ به لنفسه وللأصفياء من تلاميذه، ولا يذيعه ~~في الجماهير لأنه أعسر وأدسم من أن تحتمله عقولهم. # وقد ظفرت الحكومة الفرنسية بالقسم الأول من آثار ديكارت، فعهدت إلى عالمين من أكبر ~~علماء فرنسا بتحقيقه ونشره ففعلا، ووقع هذا القسم في اثني عشر مجلدا ضخما كما قلت لك، ~~ولكن من يقرأ هذه الطبعة الرسمية أو هذه المطبوعة الرسمية - على رأي وحيد - ويقارن ~~بينها وبين ما سننشره قريبا، سيرى أن ديكارت كان غريبا حقا؛ فقد كان يأتلف من شخصين ~~يختلفان فيما بينهما كل الاختلاف؛ أحدهما فيلسوف معتدل معقول يكتب بالفرنسية حينا، ~~وباللاتينية حينا آخر، ويتناول فيما يكتب كل ما تناوله الفلاسفة من قبله، ويذهب فيما ~~يكتب مذهب التجديد، فيخيل إليك أنه سيؤسس فلسفة جديدة تهدم ما أقامه أرستطاليس ~~وتلاميذه؛ ذلك لأنه يتخذ لفلسفته هذه قاعدة لم يألفها الناس، هي نسيان القديم والبراءة ~~منه كله، وافتراض أنه لم يكن، حتى إذا قرأت هذه الفلسفة وتعمقت فيها لم تجد جديدا. ولا ~~شيئا يشبه الجديد، وإنما هو كلام ككلام الفلاسفة فيه كثير من الحدود والقضايا ~~والأقيسة. ومع ذلك فقد فتن الناس بهذا الشخص، واعتبروه أبا الفلسفة الحديثة، ومؤسس ~~العلم الجديد. ولكن الشخص الثاني هو الذي لفتنا وبهرنا، لما فيه من غرابة كنا ننتظر كل ~~شيء إلا إياها؛ ذلك أن ديكارت لم يكن مسيحيا ولا فيلسوفا، ولا من أصحاب التجديد، ولا ~~من أنصار هذه الحقائق الثابتة التي ألفها الناس، وإنما كان مسلما ديانا متصوفا ~~مغرقا في التصوف، شطاحا مسرفا في الشطح. انتهى به هذا كله إلى شيء لا أستطيع أن ~~أسميه إلا «إظهار الكرامات». ولعل أحسن طريق لشرح هذه الناحية الخفية من حياة ديكارت أن ~~ألخص لك في شيء من الإيجاز بعض ما كتبه ديكارت عن نفسه، وما وجدناه في ms166 هذه الكتب ~~«المخطوطة» التي حدثتك عنها آنفا. # ولد ديكارت في القرن السادس عشر للمسيح، وكانت أسرته فقيرة، شديدة المحافظة على ~~العادات القديمة والسنن الموروثة، فلما شب أرسلته أسرته إلى مدرسة اليسوعيين، فتعلم ~~فيها على نحو ما كان اليسوعيون يعلمون. أتقن اللاهوت وفلسفة العصور الوسطى واللغتين ~~اللاتينية واليونانية، ولكنه كان ذكيا حاد الذهن، مستعدا للنقد والشك، فاضطربت نفسه ~~اضطرابا شديدا حين أحس تناقضا بين قواعد اللاهوت وفلسفة أرستطاليس، ولكنه لم يظهر ~~من هذا الشك شيئا؛ لأنه كان محافظا كأبويه وأساتذته اليسوعيين. على أنه لم يكد يدع ~~المدرسة حتى سئم الحياة التي وجهه إليها أبواه، وهي حياة الحرب، فانصرف إلى السياحة، ~~ولقي في هولاندا رجلا شيخا من اليهود، يقال له دروكلكسيس بن كراباك. قال ديكارت: كان ~~لهذا الشيخ تأثير غريب في نفسي، لا أدري أكان مصدره ذكاءه وفطنته أم غرابة شكله واختلاف ~~أطواره العجيبة. كان قصيرا ضخما، عريض ما بين الكتفين، صغير العينين غائرهما، ولكن ~~عينيه كانتا شديدتي التوقد كأنهما شعلتان تضطربان، عرش الأذنين، دقيق الأنف، غليظ ~~الشفتين، مرسل اللحية، فأما صوته فلا أعرف أني سمعت صوتا يشبهه. أما في حديثه العادي ~~فكان غليظا متهدجا أشبه شيء بالرعد، فإذا ناقش أو ناظر في العلم كان نحيف الصوت حاده ~~خلاب الحديث. # ولا أعرف أني رأيت عالما يحيط بمثل ما كان يحيط به هذا الرجل مما كتب الأولون ~~والآخرون، كان يهودي الجنس والمولد، ولكنه لم يكن يهودي الدين، وأحسب أنه قد ورث شيئا ~~من آبائه الذين خالطوا المسلمين مخالطة شديدة في إسبانيا. كان غنيا ولكنه شديد الزهد ~~فيما كان يملك من ثروة، إلا أنه كان يحب الاستمتاع بالطيب من لذات الحياة، وكان يعجبني ~~في بيته شيئان: مائدته ومكتبته. تحدثت إليه في الفلسفة وفي اللاهوت، فسمع مني وتحدث ~~إلي، وما هي إلا أن فتنت به وشغف بي، وأصبحت لا أستطيع عن لقائه صبرا. وقد كان في ~~حديثه إلي ماهرا لبقا، يلقي إلي أغرب الآراء، وكأنه يحدثني عن الجو والمطر، حتى ~~إذا آنس مني اطمئنانا إليه، ms167 وثقة بكل ما يقول، كشف لي عن دخيلة نفسه، فإذا هو لا يؤمن ~~بالمسيحية ولا اليهودية، ولا يحب الإلحاد ولا الملحدين، وإنما اتخذ لنفسه دينا كنت ~~أسمع به، ولا أعرف من حقيقته شيئا، فلما رغبت إليه في أن يظهرني على دقائق هذا الدين ~~أطال الصمت، ثم قال في هدوء: ما أحب أن أظهر لك هذا الدين، وإنما أحب أن يظهر لك الدين ~~نفسه فاتبعني، ثم مضى بي إلى مكتبته واستخرج سفرا ضخما دفعه إلي، وقال اقرأ هذا، ~~فإذا فرغت منه فلنتحدث. ثم تركني ومضى ونظرت في الكتاب فإذا هو باللاتينية، وإذا هو ~~ترجمة لكتاب كتبه أحد المسلمين في القرن العاشر للمسيح، يقال له الطواسين، ويقال لصاحبه الحلاج، # 3 # ولم أكد أمضي في هذا الكتاب حتى أحسست كأن بيني وبين الحقائق سترا صفيقا، ~~وكأن هذا الستر أخذ يرتفع شيئا فشيئا، ويظهر لي من ورائه عالم بديع غريب خلاب، ~~وأخذت نفسي تمتلئ شوقا إلى هذا العالم وهياما به. أنفقت في قراءة هذا الكتاب أياما ~~ثلاثة، فلما فرغت منها أنكرت نفسي وأنكرت ما حولي من الأشياء ومن حولي من الناس. ولقيني ~~دروكلكسيس فلم يظهر عجبا ولا إنكارا. # وإذا كنت لا أزال حيا إلى الآن، وإذا كنت قد استطعت أن أنشر في الناس كتبا ~~أعجبتهم، وأكتب لنفسي كتبا قرءوها، وإذا كان صوتي قد وصل إلى أقصى أطراف الأرض، وتنافس ~~الملوك في عشرتي والاستئثار بي، أنا مدين بهذا كله لدروكلكسيس بن كراباك؛ ذلك أني خرجت ~~من قراءة ذلك الكتاب مفتونا، أريد أن أعلن إلى الناس إيماني بهذا الدين الجديد، وأناضل ~~عنه بما أملك من قوة. ولكنه حال بيني وبين ذلك، وكان يقول لي في هدوء: احذر أن يصيبك ما ~~أصاب الحلاج فلا تنتفع بحياتك، ولا تنفع بها الناس، والحياة أغلى وأنفس من أن تبذل في ~~غير نفع، فاكتم ما أنت فيه وأنفق حياتك في التسبيح والتقديس، وانفع الناس ما استطعت إلى ~~نفعهم سبيلا. # من ذلك الوقت آثرت العزلة، وعشت هذه المعيشة التي كان الناس يعجبون ms168 من أمرها. # وفي الحق أن حياة ديكارت كانت غريبة، فقد كان ينفقها في موقد له لا يخرج منه إلا ~~مضطرا، وكان يقسم وقته أربعة أقسام؛ أحدها لما يحتاج إليه جسمه من العناية المادية، ~~وكان يقتصد في هذه العناية اقتصادا شديدا، لا يأخذ من الأكل والشرب والنوم إلا بما ~~يمسك عليه الحياة، والثاني ينفقه في الكتابة والتأليف فيما ينفع الناس في هذه الحياة ~~العاجلة، والثالث في التفكير الفلسفي والإشراقي، والرابع في التسبيح والتقديس وتلاوة ~~صيغة معينة أخذها عن شيخه دروكلكسيس بن كراباك. وكان لترديده إياها تأثير عظيم في حياته ~~العملية والعقلية، قال ديكارت: # بينا أنا في موقدي ذات يوم أردد ما تعودت ترديده من صيغ التسبيح والتقديس، ~~إذ أخذتني غفوة، فرأيت فيما يرى النائم كأن سقف البيت قد انشق، وكأن طائرا ~~قد هوى إلى الموقد، له شكل الهدهد، ولكنه أكبر منه حجما وأعرض منه جناحا، ~~وكأن هذا الطائر قد وقف قبالة الموقد محدقا في، منصتا لما أقول، وكأنه قد ~~أنكر صمتي ونومي، فقال في لغة لاتينية تبينتها في وضوح وجلاء: عجبا لهذا ~~الصامت النائم والفلك يدور، وشيخه في خطر. فاستيقظت لهذا الصوت في شيء من ~~الانزعاج، ونظرت فلم أر شيئا، ولكني أشفقت على دروكلكسيس وأردت أن أراه، ~~فسعيت إليه من فوري ولم أكد أسأل عنه حتى حدثت أنه مريض، وأن الطبيب يخشى ~~عليه. فأدخلت عليه، فإذا هو في سريره شاحب ضعيف يتردد نفسه قويا في صدر ~~فارغ، فجثوت عند سريره، وأخذت أدعوه في رفق، وكأنه كان نائما فانتبه وقال: ~~هأنذا قد أقبلت، لقد أرسلت أدعوك وكنت أخشى أن أفارق هذه الحياة قبل أن أراك، ~~فهل جاءك رسولي؟ قلت: من رسولك؟ قال: بريبيش، قلت: هذا اسم لم أسمعه من قبل! ~~قال: ولكنك رأيت مسماه منذ حين، هو طائر يشبه الهدهد ويتكلم لاتينية سيسرون، ~~فاحفظ اسمه فسينفعك، وادعه كلما احتجت إلى شيء شاق، ومره بما شئت فستجد ~~منه طاعة وإخلاصا ونصحا، واعلم أنه موكل بزعماء المتصوفة منذ كانوا، يقدمهم ~~ويقضي حاجاتهم، لا يجد ms169 في ذلك مشقة ولا عسرا، وهو فوق العلة، وفوق الموت حتى ~~تنقرض طائفة المتصوفة ويموت بعد آخرهم بقليل. خدم متصوفة الهند قبل المسيح ~~بآلاف السنين، وأشرف على بناء الأهرام، وأملى ما كتب فيها من طلاسم، وأعان ~~فيثاغورس، ورافق أفلاطون في سياحته، ولزم الحلاج وابن الفارض ومحيي الدين بن ~~العربي، وسيلزمك منذ غد، وسيعينك على سياحات لا بد من أن تسيحها في الأرض، فأنت ~~مضطر إلى زيارة البيئات الصوفية في بغداد والقاهرة وتلمسان وفارس، على أني ~~مؤد إليك أمانة يتناقلها زعماء الصوفية ويتوارثونها وهي لهم نافعة، فخذها ~~فأنت زعيم الصوفية بعدي. # ثم أخرج من تحت وسادته علبة صغيرة من الذهب، أشبه شيء بعلب النشوق التي ~~يصطنعها الشيوخ في مصر، وقال: احتفظ بها ولا تفتحها إلا حين يطلب ذلك إليك ~~صديقنا بريبيش، واحفظ عني هاتين الصيغتين تستقبل بأولاهما النهار وبآخرهما ~~المساء ما حييت، ثم همس بالصيغتين في أذني على أنهما سر لا يباح إلا لزعيم. وما ~~هي بعد ذلك إلا أن اضطرب جسمه اضطرابا شديدا ثم هدأ وقد فارقته الحياة، وإذا ~~بريبيش قد ظهر في الغرفة، وقال في هدوء: انصرف فقد مضى صاحبك، ودع هذا الجسم ~~لأهله فليس لك به شأن، فخرجت. # وهنا يصف ديكارت حزنه على صاحبه في عبارات مؤثرة حقا، ولكن صحف «السياسة» محدودة، ~~فلأدع حزن ديكارت، ولأتم ما أنا فيه من ذكر حياته الغريبة. # أصبح ديكارت بعد انصرافه من عند صاحبه، فاستقبل النهار بالصيغة التي أداها إليه ~~دروكلكسيس. وما كاد يستقر في موقده حتى جاءه بريبيش، فقال: ما أنت وهذا الموقد، وما أنت ~~والكتابة والتفكير؟ هلم إلى سياحتك. قال ديكارت لبريبيش: ولكني لم أعدد لهذه السياحة ~~شيئا، فدعني أدبر أمري. قال بريبيش: ومتى دبر الصوفية لأنفسهم أمرا! قم فانطلق معي. ~~ومضى في الجو قريبا من الأرض يسايره فيلسوفنا حتى خرجا من المدينة، وإذا جرة ضخمة من ~~الفخار قد نقشت عليها نقوش وتصاوير لم ير مثلها ديكارت. قال بريبيش: امتط هذه الجرة ~~وردد صيغة المساء مرات، ففعل، وإذا الجرة تصعد ms170 به في الجو حتى أشفق على نفسه، ولكن ~~الجرة ماضية، ماضية في الجو لا تلوي على شيء، والطائر مواز لها يمضي في رفق ويتلو في ~~إعجاب خطبة من خطب سيسرون التي ألقاها في مجلس الشيوخ الروماني يعنف بها كاتيلينا، ~~وهو يحلل هذه الخطبة ويظهر للفيلسوف ما فيها من آيات البلاغة. ومضيا على هذا النحو ~~ساعات، وإذا بريبيش يقول لصاحبه: انظر إلى الأرض، فينظر فلا يرى إلا أمواجا تلتطم ~~وتصطخب، فيسأل صاحبه: أين نحن؟ فيجيبه: نحن نعبر البحر إلى الإسكندرية. # وانتصف النهار، أحس فيلسوفنا الجوع والظمأ، فيسأل الطائر: من لنا بطعام وشراب؟ قال ~~بريبيش: والعلبة التي أهداها إليك أمس دروكلكسيس أين هي؟ هي معي. إذن فأخرجها وافتحها، ~~فيخرج العلبة ويفتحها فلا يروعه إلا فتاة ظريفة قد خرجت منها مبتسمة محيية مصفقة، ~~وإذا فتيان وفتيات قد أقبلوا إليها من الجو مسرعين، وإذا هي تأمرهم بلغة لا يفهمها ~~ديكارت فيسائل صاحبه ما هذه اللغة؟ فيجيبه: هي اللغة السريانية التي لا بد لك من أن ~~تتعلمها بعد حين. وما هي إلا لحظات حتى وقفت الجرة في الجو لا تتقدم ولا تتأخر، ونصبت ~~أمامها في الجو مائدة فخمة صفت عليها الصحاف والأكواب من الذهب والفضة، وقدمت ~~عليها ألوان من الطعام لا عهد لديكارت بلذتها وحسن مذاقها في الفم وموقعها في المعدة، ~~فأكل الفيلسوف وشرب، ومن حوله الطير تصدح بأنغام لذيذة حلوة، حتى إذا تم له من ذلك ما ~~اشتهى رفعت المائدة، واستخفى كل شيء، وأقبلت الفتاة السريانية مبتسمة قائلة في ظرف ~~وخفة: والآن فأدخلني علبتي، فيفتح لها الفيلسوف العلبة فتستخفي فيها، وتستأنف الجرة ~~سيرها في الجو. ويأخذ بريبيش في قراءة لخطبة التاج التي ألقاها ديموستين على الأتينيين ~~محللا مستنبطا أسرار البلاغة اليونانية، فإذا سأله ديكارت عن حبه اللاتينية ~~واليونانية، قال: أنا موكل بالأدب أحبه وأنفق فيه حياتي، ولست أؤثر أدبا على أدب، ~~وإنما أحيط بالآداب كلها. وأنت تعلم أن الأديب يجب أن يلم من كل شيء بطرف، قال ذلك ~~أدباء العرب وسيقوله في آخر الزمان ms171 منهم رجل يقال له الشيخ علام، وإذا كنت قد تلوت عليك ~~خطبة سيسرون وخطبة ديموستين، فذاك لأنك تعرف اللغة اللاتينية واليونانية، وسأتلو عليك ~~غدا قصيدة عربية وضعها رجل يقال له خلف الأحمر، ونسبها إلى شاعر يقال له النابغة ~~الذبياني، وهي قصيدة جيدة لا يشك سامعها في أنها قديمة، وقد استشهد النحاة بشيء كثير ~~منها على قواعد النحو العربي. # قال ديكارت: وأي فائدة في تلاوة هذه القصيدة أو غيرها من الشعر العربي، وأنا أجهل لغة ~~الحلاج، ولا أستطيع أن أقرأ هذا الكتاب القيم كتاب الطواسين إلا في هذه الترجمة ~~اللاتينية التي نشرت في القرن الثالث عشر، والتي أرجح أنها لا تخلو من خطأ. # قال بريبيش: ستعرف اللغة العربية وتتقنها إذا أمسيت، فليس يباح لك أن تدخل بلدا دون ~~أن تعرف لغة أهله، وإذا كنت ستزور أطراف الأرض كلها فستعرف لغات الناس جميعا، قال ~~ديكارت: ومن لي بذلك؟ قال بريبيش: أنا لك به، انظر إلى هذه العلبة الصغيرة، إنها تحتوي ~~اللغات جميعا، فيها أقراص تشبه أقراص النعناع، كل واحد منها يمثل لغة من اللغات، فإذا ~~أشرفنا على البلاد العربية فسأدفع إليك قرص اللغة العربية تزدرده، فإذا أنت أقدر الناس ~~على أن تنشد وتفهم وتنقد ما ينسب إلى امرئ القيس من شعر، وما يضاف إلى تأبط شرا من ~~سخف، وما يحكى عن قس بن ساعدة من وعظ وإرشاد، وإذا أنت من أقدر الناس على مناقشة ~~سيبويه والخليل والمبرد فيما تركوا من قواعد النحو والعروض والقافية والصرف، فانتظر. ~~وانتظر ديكارت حتى إذا مالت الشمس إلى الغروب نظر فإذا من تحته مدينة يموج الناس فيها ~~موجا. قال لصاحبه: ما هذه المدينة؟ قال: هي مدينة طنطا يحتفل الناس فيها بمولد السيد ~~أحمد البدوي، فازدرد هذا القرص، ففعل، وقال بريبيش كلمات هوت لها الجرة إلى الأرض، ~~ونظر ديكارت فإذا هو واقف على قدميه قال له بريبيش: ضع هذه القلنسوة على رأسك لتستخفي ~~عن أعين الناس، ففعل، ومضى مع صاحبه يزور المولد ويجلس في كل خيمة لحظة ثم ms172 دخلا المسجد ~~واختلطا بالشيوخ والطلاب والزائرين والذاكرين. # وعلى هذا النحو الذي يفصله ديكارت تفصيلا ممتعا قضى صاحبنا سنتين كاملتين مطوفا ~~في أقطار الشرق الإسلامي كله، متقنا لغاتها وعاداتها، ذاكرا مع الذاكرين، متيما مع ~~المتيمين، دائرا مع الدائرين، يلتهم النار حينا ويبتلع الزجاج آخر، وينتطق بالحيات ~~والأفاعي، ويمشي على الماء ويطير في السماء، ويزور الجن في الأرض السابعة، والملائكة في ~~السماء الرابعة، حتى إذا قضى من هذا كله وطرا وعلم من أسرار الكون ما يضمره الشرق ~~وحده، عاد إلى هولاندا فمكث في موقده أشهرا يكتب ويقدس ويأتيه بريبيش كل مساء فيقضي ~~عنده ساعة ثم ينصرف، حتى جاءه ذات يوم فقال: أحسب أنك قد أحببت الراحة وكرهت مشقة ~~السفر، ومع ذلك فلا بد لك من رحلة أخرى ليست أقل مشقة ولا نفعا من رحلتك الأولى، فقم ~~على اسم الله. قال ديكارت: ألا ننتظر إشراق النهار؟ قال: كلا، وما أنت والنهار والليل؟ ~~الجرة تنتظر وعلبتك كفيلة بحاجات السفر وعلبتي كفيلة بتعلم اللغات، وسأتلو عليك في ~~هذه الرحلة آيات ألمانية وروسية لم تظهر بعد؛ لأن أصحابها لم يخلقوا، ولكنهم سيخلقون ~~وسيحدثون هذه الآيات فيعجب بها الناس، سأتلو عليك ما سيحدثه جوت وهنري هين وتلستوي ~~وغيرهم من أعلام الشعر والنثر والفلسفة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين، ثم ~~سأتلو عليك كتابا يكتبه بعد سنين يهودي يتأثر بمذهبك اسمه سبينوزا، سيكتب في الأخلاق ~~والفلسفة، متأثرا بهذا الكلام الفارغ الذي تكتبه للناس في أوقات الفراغ، وسيظن أنه وصل ~~إلى الحق وسيلقى من الناس إكبارا واحتقارا. وقد استصحبت كتابا شرقيا عربيا سيظهر ~~في الربع الأول من القرن العشرين في مدينة القاهرة، وهو كلام فارغ ككلامك هذا الذي ~~تنشره على الناس، واسمه يدل على أنه فارغ وهو كتاب «في أوقات الفراغ»، الذي سينشره على ~~الناس كاتب ظريف مفكر يجد حينا ويعبث أحيانا، أديب ولكنه يحب السياسة ويرشح نفسه ~~للانتخاب في مجلس النواب، واسمه محمد حسين هيكل. فأنت ترى أن رحلتنا ستكون قيمة سهلة، ~~ولا سيما حين أتلو عليك ms173 كتابا باللغة العربية سيضعه مصري في القرن التاسع عشر يقال له ~~الشيخ محمد عبده، ويترجمه في القرن العشرين عالمان يقال لأحدهما مصطفى عبد الرازق ~~وللآخر برنار ميشيل، وسترى أن هذا الشيخ المصري المسلم متأثر تأثرا تاما بفلسفتك هذه ~~الفارغة التي تفسد بها عقول الناس، وتنشئ لهم بها علما جديدا، سيمكنهم من استعباد ~~البخار والكهرباء والماء والهواء والصعود إلى السماء. قم بنا. # فقاما وامتطى فيلسوفنا جرته ومضيا نحو الشمال. واستمرا في رحلتهما أياما وليالي ~~متنقلين من أدب إلى أدب، ومن فن إلى فن، حتى استقبلهما في صباح يوم مشرق جبل شاهق لا ~~يصل الطرف إلى قمته، قال ديكارت: أين نحن؟ قال بريبيش: نحن في أقصى الأرض من ناحيتها ~~الشمالية، وهذا الجبل الذي تراه هو سورها الذي يأخذها من جميع أطرافها. قال ديكارت ~~مصفقا: هذا جبل قاف؟ قال بريبيش: نعم هو جبل قاف. قال: ديكارت: ليس وراءه إلا الماء ~~الذي لا حد له طولا ولا عرضا ولا عمقا، والذي لا يحيا فيه شيء. قال بريبيش: أخطأت ~~فسترى أن في هذا الماء حياة وأحياء. # قال ديكارت: ماذا تقول؟ سنقتحم هذا الجبل؟ قال بريبيش: وما جئت بك إلا لنقتحمه. إن من ~~ورائه قوما ينتظرونك لتنشر فيهم الدعوة إلى الحق، وتخرجهم من الظلمات إلى النور، دع ~~هذه الجرة فهي لا تغني عنك شيئا. قال ديكارت: وكيف تصعد في هذا الجبل؟ قال بريبيش: ~~أترى إلى هذا السحاب المتراكم، ستهبط منه سحابة تحملنا إلى حيث نريد. وهبطت سحابة فإذا ~~شيء أشبه بعربة من الذهب والخالص، فيه وسائد من الحرير والإستبرق، وأكواب ملئ بعضها من ~~الشاي وبعضها من القهوة، وبعضها من اللبن، وعلبة نشوق وسجائر مختلفة منها الطويل ~~والقصير، والضخم والنحيف، ولكنها كلها عطرة أرجة يتضوع منها نشر يشبه العنبر، وفيها ~~شيشة وجوزة، وفيها نرد وشطرنج ودومينو، وما إلى ذلك من أدوات اللعب. جلس الفيلسوف ومعه ~~بريبيش وأخذ في تدخين الشيشة لأنه كان قد جرب ذلك في دمشق فأحبه، أما بريبيش فأخذ ~~يدخن الجوزة لأنه كان كثير الاختلاف ms174 إلى حي من أحياء القاهرة في باب الشعرية، وهناك ~~تعلم هذا النحو من التدخين. # وصعدت بهما السحابة في السماء حتى انتهت بهما إلى قمة الجبل، فهم ديكارت بالخروج ~~فأمسكه بريبيش قائلا: لا تخرج حتى تشرب قدحا من اللبن وكأسا من اللبن وكأسا من ~~القهوة وحتى تنشق؛ فكل هذه الأشياء من ثمرات الأرض التي تتركها، ولا بد من أن نذوقها ~~الآن لنضمن لأنفسنا العودة إلى هذه الأرض أحياء أو أمواتا، فإن نحن لم نفعل فسيقوم ~~جبل قاف حائلا بيننا وبين الأرض آخر الدهر. شربا ودخنا وخرجا. فإذا طائر عظيم لا ~~يستطيع الطرف أن يحيط به قد حلق كأنه ينتظر أمرا، قال ديكارت: ماذا أرى؟ قال: هذا ~~الطائر الذي تراه هو بلاجوست، وهو السفينة التي يتخذها الأحياء فيما وراء جبل قاف ~~لمواصلاتهم، فامتط هذا الطائر فسأكون معك، وسترى أنه يقطع في لحظات ما تقطعه سفنكم في ~~أيام. واستقر على جناح الطائر وما هي إلا لحظات قصار حتى هوى بهما إلى جزيرة عظيمة فيها ~~غابات كثيفة ومروج خضر، ولكن أهلها لا يتجاوز ارتفاع أحدهم شبرا، عراض يتجاوز عرض ~~أحدهم مترا، وهم يضحكون أبدا، ولهم فيما بينهم حديث كقصف الرعد، وهم يدخنون ولكن ~~بآذانهم، يدخل الدخان في إحدى الأذنين فيخرج من الأخرى، وليس لكل واحد منهم إلا عين ~~واحدة قد استقرت في وسط جبهته، ولكنها ضخمة متوقدة يتطاير منها شرر مخيف. قال ديكارت: ~~ولكني لا أفهم شيئا مما يقولون. قال بريبيش: هذا قرصهم فازدرده تفهم لغتهم. # وأخذ ديكارت يسمع لغتهم ويفهمها، فقال لصاحبه: ألست ترى معي أن هذه اللغة تشبه اللغة ~~البلغارية شبها شديدا، قال بريبيش: هي أصل اللغة البلغارية، وهؤلاء الناس هم آباء ~~البلغار، كانت فيهم ثورة منذ آلاف السنين انتصرت فيها الديمقراطية على الأشراف ~~فأجلتهم عن بلادهم، فعبروا جبل قاف، وهناك في أرضكم أثر فيهم الجو، فأخذ من عرضهم، ~~وزاد في طولهم، فاستقامت لهم هيئات وقامات كهيئات الناس وقاماتهم، ومضوا في طريقهم حتى ~~انتهوا إلى الأرض التي تسمى الآن بلغاريا، فاحتلوها واستعمروها. ms175 وهم الذين تحدثوا إلى ~~فقهاء المسلمين عن أرض تشرق فيها الشمس ستة أشهر فليس فيها ليل، وتغيب عنها ستة أشهر ~~فليس فيها نهار، وقد وضع فقهاء المسلمين أحكاما فقهية لأهل هذه البلاد تمس أوقات ~~الصلاة بنوع خاص. وقد جئت لتنشر الإسلام في هذه الأرض، فعلم الناس كيف يؤقتون ~~الصلاة حين تشرق الشمس، وحين تغرب، وامض بنا فإن «قاطرينا» تنتظرك في قصرها. قال ~~ديكارت: من قاطرينا؟ قال بريبيش: هي ملكة هذه الجزيرة، حدثتها عنك وأنبأتها بنبئك، فهي ~~تنتظرك، وقد زارها من قبلك دروكلكسيس، وزارها الحلاج، وزارها فيثاغورس. قال ديكارت: هي ~~إذن خالدة لا تموت! قال بريبيش: إن الخلود لم يكتب لأحد، كل شيء هالك إلا وجه الله، ~~ولكن ملوك هذه البلاد كتب لهم طول الأعمار. فأعمارهم لا تعد بالسنين ولا بالقرون ~~وإنما تعد بالآلاف. وقد ولدت قاطرينا سنة 3505 قبل المسيح، وملوك هذه البلاد إذا ~~بلغوا من العمر ثلاثة آلاف سنة جاءهم النبأ بالعام الذي سيموتون فيه. وقاطرينا تعلم ~~أنها ستموت سنة 1917 حين يقرب الألمان من مدينة باريس في الحرب العالمية الكبرى التي ~~ستكون في ذلك الزمان. وهي مشوقة إلى أن تراك لتأخذ عنك العلم والحق والدين، وتنفق ما ~~بقي لها من الدهر في عبادة وتقرب إلى الله، تاركة أمر الملك لولي العهد الذي يبلغ من ~~العمر الآن ألفي سنة، واسمه ساباتيه بن أرابيشا. # ومضيا حتى انتهيا إلى القصر، فإذا فخامة وضخامة وترف لا عهد لفيلسوفنا بها، وإذا ~~الملكة القصيرة العريضة تنتظره مبتسمة، وإذا هو لم يكد يجلس إليها حتى أخذت تتحدث إليه ~~وتسأله. واتصل مجلسهما ساعات فتنت فيها الملكة بفلسفة ديكارت فتنة لا حد لها، ولم تأذن ~~له بالانصراف ليستريح إلا كارهة، وأخذ فيلسوفنا يتردد على الملكة يعلمها ويفقهها في ~~الدين والتصوف، وهي به مشغوفة، ولكن جو هذه الجزيرة لا يلائم طبيعة أهل هذه الأرض، فقد ~~أخذ ديكارت يلاحظ أن قامته تقصر وتعرض، وشكا ذلك إلى بريبيش فقال له: ألم أنبئك أن أهل ~~هذه البلاد حين هاجروا إلى أرضكم ms176 ضاقوا وطالوا حتى أصبحوا مثلكم؟ فأهل أرضكم إذا جاءوا ~~إلى هذه البلاد قصروا وعرضوا حتى أصبحوا كغيرهم من سكانها. ولكن السن كانت تقدمت ~~بديكارت فلم يستطيع أن يقاوم امتداد جسمه من ناحية وانكماشه من ناحية أخرى، فتوفي عام ~~1650. # وقد وصف بريبيش في كتاب أرسله إلى الحكومة الفرنسية مع جثة ديكارت مقدار ما أصاب ~~الملكة من جزع وحزن لفقد هذا الفيلسوف قبل أن تنتشر مذاهبه القيمة في رعيتها. قال ~~بريبيش في آخر كتابه: والرأي عندي ألا يسافر الزعماء الذين سيخلفون ديكارت إلى ما وراء ~~جبل قاف إلا في منتصف الألف الثالث بعد المسيح؛ ففي ذلك الوقت قد يتشابه ويتقارب ما دون ~~الجبل وما وراءه بحيث يصبح طول الناس جميعا أربعة أشبار وعرضهم أربعة أمتار، وفي ذلك ~~اليوم قد يكون فن الطيران قد تقدم ويستطيع الناس أن يقتحموا جبل قاف، ويعبروا بحر كاف، ~~ويصلوا إلى جزيرة نون في سهولة ويسر. قال بريبيش: على أني الموكل بهؤلاء الزعماء فلا ~~أسمح لأحد منهم بزيارة قاطرينا أو ابنها ساباتيه بن أرابيشا إلا حين يئين الأوان لهذه ~~الزيارات. ~~••• # هذا ما أحببت أن أهديه إلى الشيخين الجليلين من حياة ديكارت، وأنا أعتمد على ذكائهما ~~في فهم فلسفته من هذا الفصل، فللرجل نوعان من الفلسفة؛ أحدهما سخيف ضعيف، هو الذي ~~اعتمدت عليه في كتاب الشعر الجاهلي؛ لأني لست من أهل التصوف، ولا القادرين على الشطح ~~والنطح، والآخر قيم ممتع، خصب لذيذ، يلتمس في كتب الحلاج ومحيي الدين بن العربي، وفي ~~كتاب الدياربي وشمس المعارف الكبرى، وفي رسالة صغيرة توجد في مكتبة الأستاذ الجليل أحمد ~~زكي باشا بقسم المخطوطات يقال لها «دومة في نومة». ~~••• # أما بعد؛ فإني أقسم لصاحب المعالي وزير المعارف، ولوكيلها وسكرتيرها العام، وأعضاء ~~مكتبها الفني، ولناظر دار العلوم وأساتذتها وطلابها، لو سئل تلميذ أوروبي عن ديكارت في ~~امتحان الشهادة الثانوية وجهله كما يجهله أساتذة هذه المدرسة العالية، لحيل بينه وبين ~~الشهادة التي يطلبها. وإذن فأنا أقترح عليهم أحد أمرين: إما أن يكلفوا أحد العلماء ~~بإلقاء محاضرات ms177 في تاريخ الفلسفة للأساتذة وللشيوخ منهم بنوع خاص؛ ليستطيعوا أن يكونوا ~~أدباء وأن يلموا «من كل شيء بطرف»، وإما أن يأخذوا هذا الفصل الذي أكتبه ملخصا ~~فينشروه، ويأخذوا الأساتذة والطلاب بقراءته وفهمه، فليس ينبغي أن يكون في مدارسنا ~~العالية أستاذ أو طالب يجهل اسم ديكارت أو فلسفته، أو أثره في هذا العصر الحديث. ms178