######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.MinHunak.Hindawi47573815 #META# Tags: literature #META# ID: 47573815 #META# Title: من هناك #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # سعادة اليوم‏ # الثعلب الأزرق‏ # ظهر حديثا‏ # الأمر للقدر‏ # أنا قاتلة‏ # ما أجملها‏ # حبان‏ # التيه‏ # شوط القبس‏ # القيد‏ # قانون الرجل‏ # اعرف نفسك‏ # أرض الجحيم‏ # الدمية الجديدة‏ # نشوة الحكيم‏ # بينيلوب‏ # سعادة اليوم‏ # الثعلب الأزرق‏ # ظهر حديثا‏ # الأمر للقدر‏ # أنا قاتلة‏ # ما أجملها‏ # حبان‏ # التيه‏ # شوط القبس‏ # القيد‏ # قانون الرجل‏ # اعرف نفسك‏ # أرض الجحيم‏ # الدمية الجديدة‏ # نشوة الحكيم‏ # بينيلوب‏ # | من هناك # | من هناك # تأليف # طه حسين # | سعادة اليوم # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «أدمون جبرو» # وليس ينبغي أن يخدعك هذا العنوان فتقدر أنك ستقرأ تحليل قصة خلقية اجتماعية تعرض ~~للسعادة، وتصور الناس لها في هذا العصر، فليس بين القصة التي نلخصها في هذا الفصل وبين هذا ~~الموضوع صلة ما، وإنما «سعادة اليوم» اسم أداة من هذه الأدوات التي تتخذ في الدور، نستطيع ~~أن نطلق عليها هذا الاسم العامي المبتذل «المكتب»، ونريد به هذه المائدة التي تتخذ للكتابة، ~~وفيها أدراج كثيرة تحفظ فيها السيدات أوراقهن وما لهن من هذه الأدوات الدقيقة المتنوعة. ~~«فسعادة اليوم» في هذه القصة ليست شيئا غير هذا. هو لفظ أطلق في عصر من العصور الفرنسية، ~~وفي طبقة من الطبقات الفرنسية على هذه الأداة الشائعة. وقد أعطت هذه الأداة الشائعة اسمها ~~لهذه القصة؛ لأنها كانت تحتوي سرا من أسرار أسرة، فكشف هذا السر، وكان مصدر طائفة من ~~الأحداث والانفعالات، عبثت بطائفة من القلوب والنفوس عبثا عرضه علينا الكاتب في قوة ودقة ~~ومهارة خليقة بالإعجاب. # ولعلك لم تنس بعد هذه القصة البديعة التي حدثتك عنها في الشهر الماضي، قصة الفؤاد ~~المقسم، ولعلك لم تنس بعد هذه العواطف المختلفة التي تتنازع القلوب، وتعبث بالنفوس فيما ~~رأيت من قوة وعنف، فقصتنا في هذه المرة تشبه تلك القصة من هذه الناحية، فهي قصة جهاد عنيف ~~بين عواطف قوية حادة تتنازع قلبا كريما بريئا من الشر والإثم، ولكنه في الوقت نفسه ~~متأثر أشد التأثر بالحياة الاجتماعية، وما توارث الناس من عادة ورأي وحكم، وما تواضعوا عليه ~~من خلق ونظام. هي قصة نفسية؛ لأنها تعرض عليك نفسا إنسانية ms001 في ظرف من هذه الظروف ~~الحرجة العسيرة التي تكشف عن دخائل الإنسان، وتجرده، أو تكاد تجرده، من كل هذه اللفائف ~~التي تلفه بها الحياة الاجتماعية. وهي قصة اجتماعية؛ لأن هذه النفس التي يعرضها عليك ~~الكاتب إنما تألم وتحس ما تحس من عذاب، وتخضع لما تخضع له من حرب وجهاد بحكم الأوضاع ~~الاجتماعية المتناقضة، وبحكم الأحداث الاجتماعية التي تحدث في حياة الناس من حين إلى حين، ~~فتكونهم كما تحب لا كما يحبون، وتصورهم كما تريد لا كما يريدون. وهي قصة خلقية أيضا؛ لأن ~~هذه النفس حين تتألم وتشعر بالعذاب مضطرة إلى أن تظهر شيئا من الجلد والقوة على المقاومة، ~~وهي لا تقاوم عبثا وإنما تقاوم فرارا من شر، وحرصا على خير، ونفورا من الأذى، ورغبة في ~~البر. # وهي بعد هذا كله قصة لم تنس المثل الأعلى الذي يضعه الأفراد والجماعات أمامهم حين يحبون، ~~وحين يختلفون في أمورهم المتباينة، هي هذا كله، وهي إلى هذا كله نموذج اللفظ المختار ~~المنتقى، والحوار الدقيق اللطيف، والمعاني الجيدة التي فكر فيها صاحبها فأحسن التفكير، ~~ونسقها فأجاد التنسيق. وقد يستطيع هذا الفصل من فصول التمثيل الفرنسي أن يغتبط بعض ~~الاغتباط، فهو غني بهاتين القصتين، وهو خير من فصول أخرى سبقته، ولم يظهر فيها كما رأيت في ~~الشهر الماضي إلا لون من هذا القصص التمثيلي الفاتر الذي لا يمثل شيئا، ولا يدل على ~~شيء. # ولأعرض عليك أشخاص هذه القصة كما تعودت أن أفعل بإزاء القصص الأخرى، فقد يكون هذا العرض ~~أيسر سبيل إلى فهمها وتذوقها، ولكني حائر لا أدري بأي هؤلاء الأشخاص أبدأ، فالظاهر أن لهذه ~~القصة بطلا ممتازا تدور حوله، ولكن أشخاصها جميعا أبطال ممتازون، وما أرى في حقيقة الأمر ~~إلا أن لكل واحد منهم حياته القوية المؤثرة الممتازة. أأبدأ بهذا الشاب الذي تدور القصة ~~كلها حوله، والذي يظهر أنه البطل الممتاز فيها، والذي يظهر في الوقت نفسه أنه ضحية أبيه ~~وأمه وعصره؟ ولم لا! فلا بد من أن نبدأ بواحد من هؤلاء الأبطال، فليكن هذا ms002 الشاب. ~~••• # جان بليسيه؛ شاب قد ناهز من عمره الثلاثين، جميل المنظر، قوي، عذب الخلق، حلو الحديث، ~~رقيق القلب، ولكنه في الوقت نفسه بطل من أبطال الحرب الكبرى، أدركته ولما يكد يدع ~~المدرسة، فدخلها جنديا، ولكنه أبلى فأحسن البلاء، وتقلب في مراتب هذه الخدمة العسكرية ~~العاملة، وذاق آلامها ولذاتها جميعا، حتى انتهى به الأمر إلى أن أصبح ذا مرتبة عالية في ~~فرقة الطيران، وقد أحسن البلاء في هذا اللون من ألوان الحرب، وجر عليه ذلك خطوبا ~~وألوانا من الشرف، فرأى الموت وصافحه أو كاد، واضطر إلى المستشفى، وتحلى صدره بالأوسمة ~~المختلفة، ثم انجلت عنه غمرة الحرب فإذا هو يعود إلى حيث يقيم أبواه في أحد الأقاليم ~~الفرنسية، ويعيشان عيشة ثروة ونعمة وعمل وهدوء؛ يعيشان في قصر فخم من قصور العصور الوسطى، ~~اشترته الأسرة حين أثرت، ولكن هذا القصر وما حوله من الأرض الواسعة مهملان أو كالمهملين؛ ~~لأن رئيس الأسرة منصرف عنهما إلى مهنة الطب التي يحبها ويكلف بها، فإذا عاد الشاب إلى ~~أسرته أسرعت ففكرت في أن تكل إليه تدبير هذه الثروة على أن يكون ذلك عمله في حياته، وأسرعت ~~فاختارت له فتاة حسناء لتكون زوجه، وظهر اطمئنان الفتى إلى هذا النوع من الحياة، فعني ~~بالقصر والأرض، وشغف بالفتاة، وشغفت به الفتاة أيضا، وأخذا يستقبلان الحياة في ابتسام ~~وبهجة، لولا «سعادة اليوم» التي حدثتك عنها في أول الفصل، والتي ستظهر لهذا الفتى أن نشاطه ~~وسروره وابتهاجه للعمل في هذه الحياة السلمية ليست طبيعية، وإنما هي علة يتعلل بها ~~كارها، وإنما حياته الحقيقية في الحرب. وهذا الشاب من أبوين مختلفين أشد الاختلاف في ~~الطبقة والتربية؛ فأمه من أسرة شريفة بعيدة في الشرف، تحفظ نسبها في القرون الوسطى، وتذكر ~~ما كان لأجدادها من بلاء في تاريخ فرنسا، ومن مكانة في قصور ملوكها، وأم هذا الفتى قد ~~ورثت عن أسرتها الشريفة هذه كل خلالها، فهي مترفة، مهذبة، رقيقة ممتازة، وقد أورثت هذه ~~الخلال كلها ابنها الشاب. # أما أبوه فمن طبقة أخرى، من هذه الطبقة ms003 التي كانت مهضومة مظلومة قبل الثورة، والتي اكتسبت ~~الحرية بعد الثورة، وجدت فأضافت إلى الحرية ثروة وقوة، واستئثارا بالحكم، وفيها خلالها، ~~فهي نشيطة عاملة صريحة، شريفة الخلق، وفيها عيوبها أيضا، فهي غليظة خشنة، قليلة الحظ من ~~التهذيب والرقة والامتياز، لا تتنزه عن صغائر تعافها الأرستقراطية، كان جد هذا الفتى ~~يعمل في البريد، ولكنه جد حتى أثرى، وأحسن تربية ابنه حتى أصبح ابنه وزيرا في ~~الإمبراطورية الثالثة، وترك هذا الوزير ابنا أحسن تربيته، فهو طبيب، وهو أبو هذا ~~الشاب. # وهذا الشاب متأثر - كما قلنا - بما ورث عن أمه، نافر أشد النفور من أخلاق أبيه. فهو لا ~~يكاد يحتمل أباه منذ رجع من الحرب. وهو يألم لهذا ولكنه لا يجد إلى اتقائه سبيلا. وأبوه ~~يألم له أيضا، ولكنه يروض نفسه على هذا الألم، وقد علمته الحياة أن يروض نفسه على الألم. ~~فقد نشأ - كما رأيت - ابنا لهذا الوزير، وأدركته حرب السبعين، وما تبعها من الهزيمة فتركت ~~في نفسه ما تركت في نفوس الفرنسيين جميعا من هذه الآثار المؤلمة التي يمثلها ضعف العزيمة ~~والاستسلام، ثم الطمع والشك. # وكان أبوه ضخم الثروة، فزوجه من امرأته الشريفة الفقيرة، وجد هذا الرجل في مهنة الطب ~~حتى أحبها علما وعملا، واتخذها سبيلا إلى البر بالفقراء، والإحسان إلى البائسين، وهو ~~شديد الإعجاب بأسرته وجدها ونشاطها، لا يكره مع ذلك أن يزدري الأشراف وخمولهم وكبرياءهم. ~~ولكن الحياة كانت تدخر له ألما هو الذي جعله بطلا، كما أنه أسبغ البطولة على امرأته ~~أيضا. وليس من الخير أن نتعجل فنكشف لك عن هذا الألم، فهو قوام الشطر الأول من ~~القصة. # فلندع هذه الأسرة، ولنذكر الشخص الرابع من أشخاص القصة، وهو «جرمين داجوزون» خطيبة ~~جان، فهي فتاة جميلة فتانة، ولكنها فقيرة، هي من أسرة نبيلة، ولكن أباها كان سيئ السيرة ~~والخلق، وأمها كانت تعسة سيئة الحال، فأما أبوها فقد مات، وأما أمها فقد بقي لها من هذه ~~الحياة السيئة ضرب من الاضطراب العقلي والخلقي، يمثله الغرور والشره، والتكلف، وما إلى هذه ~~الأخلاق ms004 مما يجعل الإنسان موضع السخرية والإشفاق في وقت واحد، ولكن الفتاة لم تتأثر بشيء من ~~هذا، وإنما نشأت نبيلة ذكية القلب، جلدة، قوية الإرادة، قادرة على المقاومة، ولكنها رقيقة ~~محبة أيضا، ولم تكد تعرف هذا الفتى حتى أحبته حبا قويا عنيفا، ولكنه شريف ممتاز، يشبه ~~حب الفتى لها. # هؤلاء هم الأشخاص، لم أعرض عليك من أمرهم إلا ما يمكن أن يعرف قبل أن تحدث حوادث القصة، ~~فتكشف من نفسياتهم عما كان مخبوءا. ~~••• # فإذا كان الفصل الأول، فنحن في أعلى القصر، في هذه الغرف التي تتخذ ملقى للأدوات ~~العتيقة بعد أن يستغنى عنها، ويزهد فيها، فتترك في هذه الغرف مهملة وديعة في أيدي ~~الزمان، يفنيها قليلا قليلا، وتهمل معها هذه الغرف قد أغلقت أبوابها من دون هذا المتاع، ~~كما تغلق المقابر دون ما تودع من أجسام الموتى. وقد صعد جان إلى إحدى هذه الغرف، ففتح ~~أبوابها ونوافذها للهواء والضوء، وأخذ يتفقد ما فيها من متاع في إعجاب وشغف، وما هي إلا أن ~~أخذ ينسق من هذه الغرفة وما فيها مكانا يستقبل فيه خطيبته وأمها وأبويه لتناول الشاي. ~~وكانت هذه الفكرة قد خطرت لخطيبته حين علمت بأن في أعلى القصر أدوات قديمة من متاع القرون ~~الوسطى، فأقبل الفتى يهيئ لها هذه الغرفة وهو يحاور في ذلك خادمه حوارا لذيذا خفيفا، ~~فهو كلف بهذا المتاع القديم؛ لأنه يمثل حياة آبائه، ولكن خادمه منصرف عن هذا المتاع لأنه ~~عتيق، قد عمل فيه الفناء، ولأنه يؤثر الجديد الذي لم ينله البلى. وانظر إلى الغرفة قد ~~نسقت تنسيقا حسنا، وإلى طاقات الزهر قد وضعت في هذه الآنية القديمة، ثم انظر إلى ~~الفتاة قد أقبلت، فما تكاد تنظر إلى هذه الأشياء حتى تفتن بها، وتمضي في الإعجاب والثناء. ~~وما كان أخلقها أن تمضي في ذلك إلى غير حد لولا أنها تحب صاحبها، وصاحبها يحبها، وخلوتهما ~~ضيقة محدودة، فلا بد من أن يتحدثا في الحب، ولا بد من أن يتبادلا هذه القبل التي يفتن ~~الخطيبان في انتهاز الفرص ms005 لها. # وهما يتحدثان في حبهما في خفة ورشاقة وجد أيضا، ونحن نحس أننا لسنا أمام حب فاتر أو نزق، ~~وإنما هو الحب القوي الحاد الذي لا يكاد يدخل القلب حتى يملأه ويستأثر به، ويندفع منه إلى ~~جميع الملكات والعواطف والحواس فيخضعها لسلطانها، هذا الحب الذي كله ثقة وأمل، ورغبة ~~واحترام وطمأنينة، وهما في هذا الحديث، وفي هذا الحب، وإذا الأسرة قد أقبلت، فلا ألخص لك ما ~~يدور من حوار حول المتاع، ثم حول الشاي، فقد تستطيع أن تستغني عن هذا كله، وإنما ألاحظ أن ~~الأب قد أقبل فرحا مبتهجا، فتغنى مع الفتاة بعض أغاني الأقاليم، وكانت الفتاة بهذا ~~مبتهجة، وأمها كذلك، وامرأته أيضا، إلا الفتى فقد غاظه ذلك، وضاق به ذرعا، ولم يستطع أن ~~يخفي ضيقه، بل عرض باللوم لأبيه، وقبل الشيخ هذا اللوم في ألم وغيظ وحزن وسخرية. وانقضى ~~الشاي بين الضحك والحزن، تتقيه أم الفتى ما استطاعت. # ثم يعلن الشيخ إلى الفتاة أن في القصر غرفا كهذه الغرف فيها متاع أقدم من هذا المتاع ~~وأجمل، فترغب الفتاة في أن ترى، ويقبل الشيخ على أن يظهرها على هذا المتاع. وينصرفون ~~جميعا إلا الخطيبين تخلفا فيما يظهر ليختلسا كلمة أو قبلة، والفتاة تدعو صاحبها إلى أن ~~يتبعها إلى حيث ترى المتاع، وهو يأبى ويتعلل، وما هي إلا أن تفهم من تعلله أنه لا يريد أن ~~يرافق أباه، وأنه ضيق الذرع بأبيه وطبقة أبيه، وما لهذه الطبقة من عادة، وما فيها من عيب، ~~وأنه شديد الإعجاب بأمه وطبقة أمه، وما فيها من ترف ولين ورقة، وانظر إليه وقد كشف هذا ~~المتاع القديم الذي كان يسمى «سعادة اليوم»، فهو يظهر الفتاة على محاسنه، وما فيه من رشاقة ~~فنية، وهو يوازن لها بين هذه الأداة الرشيقة التي تمثل ذوق أمه وأسرتها الشريفة، وبين تلك ~~الأدوات الغليظة التي يمتلئ بها القصر، والتي تمثل ذوق هذه الطبقة الوسطى التي سادت بعد ~~الثورة. # وقد تركته الفتاة، فعمد إلى هذا المتاع، وأخذ ينظر في أدراجه، ويستنشق رائحتها ms006 في شغف ~~وفتنة؛ لأن هذا المتاع قد كانت أمه تستخدمه في شبابها، فهو إنما يتنسم شباب أمه، وقد جذب ~~إليه درجا فتنسمه، ثم حاول أن يرده فيستعصي عليه كأن شيئا يعترض دونه، فينظر فإذا حزمة ~~من الورق، فيسرع إليها متلهفا، ويتردد ثم يفضها، فإذا رسائل تنثر، فيسرع إلى هذه ~~الرسائل يجمعها ويخفيها في جيبه، ولكنه يسمع صوتا فيبالغ في السرعة، ثم ينهض فينصرف، وقد ~~أقبل أبوه فرآه موليا، ونظر فإذا رسالتان على الأرض قد أخطأهما الفتى، فيسرع إليهما ~~فيدسهما في جيبه. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فقد مضت أيام على ما قدمت لك، والقوم مجتمعون في غرفة المائدة بعد ~~العشاء، ومعهم الخدم جميعا كأنهم في حفل منزلي، والشيخ قائم أمام نار الموقد المتأججة ~~يشتوي فيها بنفسه الشاه بلوط، أو «الكاستنيا» - كما يسمونه الآن - وهو يقص على الفتاة ~~وأمها من عادات الإقليم وأحاديثه ما يضحكهما ويلذهما، وهم جميعا مبتهجون إلا الشاب فقد ~~تنحى وانصرف إلى كتاب كأنه ينظر فيه، وإلا أم الفتى فهي قلقة لما تشاهد من ضيق ابنها، ~~وسوء الحال بينه وبين أبيه. وقد انتهى عبث الجماعة إلى آخره، وأعلن الشيخ أن ستجمع طائفة من ~~هذا الشاه بلوط الذي يشتوي، تخرج من الجمر، ثم يوضع عليها غطاء ما، ثم تجلس عليها أصغر ~~الحاضرين سنا، وقد قبلت الفتاة، والخدم مبتهجون، وأمها مترددة متكلفة، ولكن الفتى يترك ~~كتابه وينهى خطيبته عن هذا العبث فتأبى، فيلح فتزداد إباء، فيبالغ في الإلحاح فتغضب، ~~ويفسد الأمر بينهما بعض الشيء، وتنصرف غير حافلة بأمها ونذيرها، وقد أعلنت أن خطيبها يجب أن ~~يعرفها حق المعرفة، وأن يعلم قبل أن يتخذها له زوجا أن لها إرداة، وأنها قد تغلو في هذه ~~الإرادة أحيانا. وقد فسد الحفل، وانقلب السرور شيئا يشبه الحزن. # ومضى كل إلى مضجعه، ويظل المسرح خاليا حينا، ثم إذا الشاب قد أقبل إلى المكتبة يلتمس ~~فيها شيئا، فيستخرج مجمعا للصور، وينظر فيه كأنه يبحث عن صورة بعينها، حتى إذا انتهى ~~إليها اختلسها ودسها في جيبه، وما يكاد ms007 يفرغ من هذا حتى يحس صوتا، فيرد مجمع الصور، ~~ويظهر أنه يأخذ كتابا، وقد أقبل أبوه، فيسأله ماذا يصنع، فيجيب الفتى أنه قد امتنع عليه ~~النوم فأقبل يلتمس كتابا يستعين به على الأرق، يجيب الشيخ: وهذه حالي، فلنتحدث ~~قليلا. # وما يكادان يبتدئان الحديث حتى يصل الشيخ إلى ما كان يريد، فهو يريد أن يتعرف من شأن ابنه ~~مصدر هذا الضيق الذي ظهر عليه منذ أيام، والذي أقلق أمه، ونغص عليها الحياة، أو قل إن ~~الشيخ يعرف مصدر هذا الضيق، ولكنه يريد أن يتحدث فيه إلى الفتى. أما الفتى فيتكلف الجواب، ~~ويحتال في اتقاء الشيخ، ويعلن إليه أنه ضيق الذرع بهذه الحياة التي يحياها بعد الحرب، والتي ~~لا عمل فيها، وأنه يريد أن يعمل وأن يكسب، وألا يكون مدينا بحياته لأحد. أما الشيخ فلا ~~تخدعه هذه المحاولة، وما هي إلا أن يصل إلى عرضه في صراحة، فيعلن إلى الفتى أنه قد عثر ~~بطائفة من الرسائل، ولكنه نسي منها اثنتين ويدفعهما إليه، وأنه قد قرأ هذه الرسائل وعرف ما ~~عرف من أمرها، وأن هذه الرسائل هي التي تنغص عليه حياته، فإذا أظهر الفتى شيئا من الدهش ~~أنبأه الشيخ في هدوء وألم مبتسما بأنه يعرف ما في هذه الرسائل منذ ثلاثين سنة، ثم يقص على ~~الفتى القصص. # فليس الفتى ابنه، وإن كان ابنه أمام القانون وأمام الناس وأمامه هو أيضا؛ ذلك أنه قد كان ~~تزوج من امرأته دون أن تحبه كما يتزوج أصحاب الثروة من الفقيرات في غير حب ولا كلف، فلما لم ~~يجد من امرأته حبا ولا حنانا ولا هياما زهد فيها، وانصرف عنها إلى اللهو والعبث، وفرحت ~~هي بهذا الزهد والانصراف، وفي ذات ليلة لقي صديقا له كان رفيقه في المدرسة، وكان من ~~الأشراف، وكان قد أحب امرأته، وكانت قد أحبته، وكانا يريدان الزواج، ولكن الفقر حال بينهما ~~وبينه، فلأمر ما حرص صاحبنا على أن يستأنف الصلة بينه وبين صديقه القديم. وانظر إليه يتهم ~~نفسه أشنع التهم في لطف ورقة وكرم ms008 أيضا. انظر إليه يحدث الفتى بأنه اجتهد في أن يتردد ~~صديقه على بيته، وتتجدد الصلة بينه وبين حبيبته القديمة لأمر لا يكاد يتبينه، وربما كان منه ~~أنه أحب أن يثير في نفس امرأته حبها القديم لهذا الرجل لعلها تتورط في شيء من الإثم، فيتخذ ~~ذلك حجة عليها، وعذرا لنفسه من آثامه الكثيرة. ومهما يكن من شيء فقد كان ما لم يكن منه بد، ~~وأثمت المرأة، وكان الفتى نتيجة هذا الإثم، فأما أبوه فقد ندم وألح عليه الندم حتى التحق ~~بجيش من جيوش المستعمرات الأفريقية، وجاهد حتى اشترى خطيئته بالموت. وأما أمه فقد لقيت في ~~الحمل آلاما ثقالا، وتعرضت في الوضع لخطر الموت، ووقف زوجها بين الأمانة لمهنته كطبيب يجب ~~أن ينقذ المريضة، والانتقام لنفسه كزوج يريد أن يقتل الخائنة، فوفى لمهنته وأنقذ المريضة، ~~حتى إذا تم لها الشفاء لم يجد في نفسه القدرة على استئناف الانتقام فصفح وعفا، وندمت زوجه ~~وثابت، وكانت بينهما مودة استحالت حبا قويا شريفا استفاد منه الطفل، فنشأ بين قلبين ~~يحبانه، ويعطفان عليه. # وقد سمع الفتى هذا القصص، ولكنه بطل من أبطال الحرب قد تعود الهول وتجشمه، وتعود ~~المكروه وصبر نفسه عليه، فهو يألم ولكنه يكظم ألمه. وهو بين أمرين يتنازعان قلبه ونفسه؛ ~~السخط على أمه وأبيه لأنهما وضعاه في هذه المنزلة الكريهة، والبر بهذه الأم التي لقيت في ~~سبيله ما لقيت من ألم، وتعرضت في سبيله لما تعرضت له من خطر، وهذا الشيخ الذي كان يظنه ~~أباه، والذي كان ينكره ويضيق به، والذي ظهر الآن أنه ليس منه في شيء؛ أيحبه لأنه نشأه ~~وترباه كما ينشئ الأب ابنه في مودة وحنان وحب، أم يبغضه لأنه ليس منه في شيء، ولأنه هو الذي ~~عرض أمه للإثم والخطيئة، وهو الذي اضطر أمه إلى أن تلده في غير رضا الأخلاق والقانون؟ ~~وأبوه! أيحبه لأنه أبوه أم يبغضه لأنه ورط أمه في الإثم، وجنى عليه هذا الوجود المنكر؟ ~~وخطيبته! ماذا يصنع بها؟ أيمضي في حبها، ويكتمها ما عرف من ms009 أمره، فهو إذن يغشها ويدلس ~~عليها، أم يظهرها على كل شيء، وإذن فإلى أي حال ينتهي حبه وكبرياؤه وكرامته؟ # وهذه الثروة الضخمة التي يكلها إليه الشيخ أيقبلها وليست له، أم يردها، وإذن ماذا يصنع؟ ~~فأنت ترى إلى هذا الموقف المعقد، وإلى ما فيه من حرج. # وموقف الشيخ! أتظنه يخلو من الحرج؟ كلا! فقد عفا عن امرأته، وقد استطاعت امرأته أن تمحو ~~ما في نفسه من موجدة، وهو يحب امرأته ويريد أن يحميها من كل مكروه، وقد كان هذا يسيرا ما ~~خفيت القصة على الفتى، ولكن الفتى قد عرف القصة، ووقف الشيخ منه في صراحة موقف الغريب فماذا ~~يصنع؟ وكيف يعصم امرأته من احتقار ابنها وسخطه؟ وهو كان أحب الفتى، واتخذه ابنا حقا، وقد ~~ظهرت خبيئة الأمر فما له بشيء هذا الفتى؟ ومع ذلك فلم يأثم الرجل، ولم يقترف خطيئة، وإنما ~~تكلف اتهام نفسه ليخفف عن امرأته، وليعطف الشاب على أمه، ما خانها، ولا تعمد إغواءها ~~وتوريطها في الإثم، ومهما يكن من شيء فهو لا يطلب الآن إلا أن تجهل امرأته أن ابنها قد ظهر ~~على جلية الأمر، وهو يائس أو كاليائس من حب هذا الفتى، وقد ضحى بنفسه مرة، فلم لا يضحي ~~مرة أخرى على أنه قد لقي من حب امرأته ما عزاه عن تضحيته الأولى، فلعله يلقى من إحسانه ~~إلى الناس، ومن حب الفتاة ما يعزيه عن التضحية الثانية. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد مضى أسبوعان على ما كان في الفصل الثاني، ونحن نرى الشيخ في ~~عيادته يستقبل المرضى، ويطب لهم، ولكنه متعب قد ظهر عليه السأم والضيق، حتى إذا انصرف آخر ~~مرضاه دعا الخادم فيأمرها بأن تذهب إلى الصيدلي، وتطلب إليه أن يحتال في ألا تدفع إليه إحدى ~~مرضاه ثمن الدواء، فهو كثير وهي فقيرة، ولكنها عزيزة النفس لا تقبل الصدقة، فليخدعها ~~الصيدلي إذن، وليخيل إليها أن الدواء رخيص، وليضف قيمته الحقيقية إلى حساب الطبيب. # وانظر إلى امرأة الطبيب، قد أقبلت محزونة تشكو إلى زوجها ضيق ابنها، وانصرافه ms010 عنها وعن ~~خطيبته، وتلتمس لذلك العلل والأسباب، وتخبر زوجها بأن الرسائل متصلة منذ أيام بين ابنها ~~وبين وزارة الحرب، وهي مشفقة من ذلك، والشيخ يعزيها في مودة وحب، ولكنه لا يظفر من تعزيتها ~~بشيء، وهي تطلب إليه أن يتحدث إلى الفتى ويعظه لعله يكشف من أمره شيئا، ولعله يرده إلى حب ~~أمه وخطيبته، والرفق بهما، فيتردد ثم يذعن، وتنصرف امرأته وترسل إليه الفتى! # وما هي إلا أن يتحدثا حتى نعلم أن الفتى قد طلب إلى وزارة الحرب عملا، فعرضت عليه بعثة ~~في الصين حيث الحرب قائمة فقبل، ومهما يفعل الشيخ، ومهما يحتل، ومهما يتلطف للفتى، فلن يغير ~~رأيه وعزمه، والموقف هنا بديع مؤثر حقا، اللين حينا والاستعطاف، والعنف حينا والنذير، ~~والفتى ثابت لا يتزحزح عن موقفه قيد شعرة، ولم يتزحزح عن موقفه وهو ابن الحرب قد كونته كما ~~أرادت لا كما أراد! لقد أنفق من عمره أربع سنين في قتل وتدمير، يقتل النساء والأطفال ~~والشيوخ والشبان، لا رأي له في ذلك ولا إرادة، ويواجه الموت يتقيه مرة، ويرسله على الناس ~~مرة أخرى، فكيف تريده على أن يكون كغيره من أبناء السلم! إنه يعلم حق العلم أنه يمزق قلب ~~في هذه الصورة! فليكن مصدر ألم، وليكن مصدر موت، فكذلك أرادت الجماعة أن يكون. وقد أيس منه ~~الشيخ، وأقبلت أمه يائسة أيضا تسأله: أحق ما أنبأتني به خطيبتك من أنك مرتحل إلى الصين؟ ~~يجيبها: نعم! فما أشد تأثير هذا الموقف بين الفتى وأمه تستبقيه ضارعة فلا يحفل. تحاول أن ~~تعرف السر الذي يضطره إلى هذا فلا تفلح، وهي تفترض الفروض وتتوسل إلى الفتى بخطيبته، ثم ~~يخيل إليها أنه لا يحب هذه الفتاة فتجتهد في صرفه عنها. ويكون بينهما حوار بديع مؤلم، ~~نتمثل فيه نحن إلى أي حد نسيت هذه المرأة إثمها، وانصرفت عن خطيئتها، وإلى أي حد أثر هذا ~~الإثم في نفس الشاب، وأفسد عليه أمره. # وينصرف الشاب وقد أيأس الشيخين من نفسه، ولكن أمه قد عرفت الآن أنه قد ظهر على ms011 جلية ~~الأمر! فانظر إليها منتحبة بين ذراعي زوجها، وهو يعزيها وينبئها بأنه قد اتهم نفسه ما ~~استطاع ليخفف عنها الوزر أمام ابنها. فإذا رآها تسرف في البكاء خيل إليه أنها تبكي ندما ~~لما تذكر من إساءتها إليه، ولكنه لا يلبث أن يتبين أنها إنما تبكي على ابنها لا عليه، ~~فليضح بنفسه مرة ثالثة! # أليس يحب هذه المرأة، أليس يحب هذا الفتى، فليعز هذه وليجتهد في إمساك ذاك، ولكن ليس ~~إلى إمساك الفتى من سبيل. ~~••• # فنحن في الفصل الرابع وقد أخفق الشيخ وامرأته والفتاة في صرف الفتى عن عزيمته، ونحن في ~~طولون ثغر فرنسا الحربي حيث يأخذ الفتى سنته الحربية إلى الصين. وقد أقبل الجماعة ~~يودعونه. ونحن في أحد المطاعم المطلة على البحر حيث السفينة، وحيث يستطيع المودعون أن ~~يروا السفينة حين تقلع، ويتبعوها بأبصارهم حتى تغيب. وأنا أعفيك من هذا الحوار اللذيذ ~~الطويل بين الشيخ وصاحب المطعم، وأنتهي مسرعا إلى هذا الموقف البديع بين العاشقين، فقد ~~التقيا وتعاهدا على الحب والأمانة والوفاء. وأعلن كل منهما إلى صاحبه خبيئة نفسه، ولكن انظر ~~إلى الفتاة تطلب إلى صاحبها أن يرفق بأمه فقد أثمت كارهة، ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم لنفسه ~~العصمة من الإثم! وأن يحب الشيخ ولو قليلا فقد كان زوجا برا، وأبا رحيما، وما ذنبه في ~~كل ما كان! # فإذا سأل الفتى صاحبته كيف عرفت سره؟ أجابته: لقد أخبرتني به أمك، واتخذتني سبيلا إلى ~~استعطافك، وحملك على الرفق، وانظر إلى الفتى وقد تأثر بهذا كله؛ بمكان أمه من نفسه، ومكان ~~هذا الشيخ الخير البريء، ومكان هذه الفتاة الطاهرة المحبة تستعطفه على هذين البائسين، وقد ~~أقبل الشيخان، فالفتى رفيق بهما ما استطاع، يظهر لأمه من العطف والمودة ما يملؤها رضا، ~~ويقبل الشيخ ولكن دون أن يقول له شيئا، والشيخ يرضى بهذه القبلة وهو واجم؛ لأنه كان ~~ينتظر كلمة مودة لم يظفر بها. # وقد أقبل ضابط من السفينة يتعجل الفتى، فيودع القوم جميعا، ولكنه لا يقول للشيخ هذه ~~الكلمة التي كان ينتظرها ms012 ، وقد مضى نحو السفينة وهم جميعا يتبعونه بأبصارهم إلا الشيخ فهو ~~على كرسيه واجم محزون، ولكن القوم يسمعون من الفتى صوتا لا يتبينونه، ثم لا يلبثون أن ~~تبينوا، فإذا الفتى يدعو أباه، وإذا هم جميعا يدفعون الشيخ دفعا إلى النافذة حيث يرى ~~الفتى، ويسمعه يدعوه بهذه الكلمة التي كان ينتظرها «إلى اللقاء يا أبت!» # | الثعلب الأزرق # قصة تمثيلية وضعها الكاتب المجري فرانسوا هرزج، وصاغها في الفرنسية الكاتب الفرنسي ~~«رينيه سوسيه» # يقول النقاد الفرنسيون لهذه القصة: إنها وضعت منذ خمس عشرة سنة فلقيت فوزا عظيما في ~~بودابست، ثم ترجمت إلى لغات مختلفة، فأعجبت بها الجماهير في فينا وبرلين وروما ولندن ~~وأمريكا، ولكنها لم تمثل في باريس إلا هذا العام. # والنقاد الفرنسيون يجمعون، أو يكادون يجمعون، على أنها قصة جيدة، متقنة الوضع، بديعة ~~التنسيق والتأليف، ولكن هذه القصة لم تنقل إلى الفرنسية كما وضعها صاحبها، وإنما صاغها ~~الكاتب الفرنسي صيغة جديدة، فجعل أشخاصها فرنسيين، وأجرى حوادثها في ضاحية من ضواحي باريس، ~~ولاءم بين نظامها وبين الذوق الفرنسي في التمثيل، ومن هنا يتفاوت النقاد الفرنسيون في تقدير ~~ما ينال المؤلف والصائغ من حظ في الإحسان والإجادة، ثم من حظ في الثناء والتقريظ، فمنهم من ~~يضيف جمال القصة إلى المؤلف المجري، ويأسف أسفا كثيرا أو قليلا لأن الصائغ الفرنسي لم ~~يكن أمينا في الترجمة والنقل، ومنهم من يضيف هذا الجمال إلى الصائغ الفرنسي، ويرى أنه قد ~~أحسن الإحسان كله حين غيرها وعرضها على الفرنسيين في هذه الصيغة الجديدة التي تلائم ذوق ~~باريس. # وقد يكون من العسير علينا أن نحكم في قضية كهذه؛ لأننا نجهل الأصل المجري، ولم نوفق ~~لترجمة ألمانية أو إنجليزية لنوازن بين الأصل وبين الصيغة الفرنسية لهذه القصة، لا سيما أن ~~النقاد الفرنسيين يحدثوننا بأن الكاتب الفرنسي قد غيرها تغييرا شديدا، وبدل أشخاصها ~~تبديلا باعد بينها وبين الأصل إلى حد ما. # على أن النقاد مهما يختلفوا فيما بينهم متفقون على أن الكاتب المجري نفسه متأثر في قصته ~~هذه وفي غيرها من القصص ms013 التمثيلية بالأدب الفرنسي، وهم يذكرون تأثره بموباسان، وهنري بيك، ~~وماريفو، فهي إذن في رأيهم قصة فرنسية عادت إلى فرنسا. # ومهما يكن من شيء فإن من المحقق أن هذه القصة على جمالها ودقة موضوعها، وعلى ما فيها من ~~قوة في التصوير لا تخلو من شيء غير قليل من ضعف التأليف، فأنت حين تقرؤها لا تستطيع أن تنسى ~~أنك تقرأ قصة وضعت للتمثيل بحيث لا يستطيع جمالها الفني أن يشغلك عن تأليفها، وعما تكلف ~~الكاتب فيها من هذه الحيل التي يتكلفها أصحاب التمثيل للملاعب، فحركات الأشخاص مثلا حين ~~يدخلون ويخرجون، وحين يذهبون ويجيئون، وحين يظهرون ويستخفون ليست حركات طبيعية، وإنما هي في ~~كثير من الأحيان حركات متكلفة، نرى تكلفها ونحسه، حتى ليخيل إلينا أن هؤلاء الأشخاص قد ~~اتصلوا بحبل أو سلك يجذبه شخص خفي ليظهروا حين يجب أن يظهروا، وليستخفوا حين يجب أن ~~يستخفوا، وما هكذا يكتب أفذاذ الكتاب في التمثيل؛ أذلك عيب الكاتب أم ذلك أثر الصائغ؟ هذا ~~شيء لا نستطيع الفصل فيه كما قدمنا. # وموضوع القصة نفسه مطروق، سبق الكاتب إليه غير مرة، سبق إليه في قصص مختلفة، منها ~~المضحك، ومنها المحزن، ومنها ما هو بين بين، ولكن هذا كله لا يمنع أن هذه القصة جيدة، يجد ~~قارئها لذة قوية، ويضطر إلى أن يقف عند بعض فصولها وقفة التفكير والتأمل، وليس أدل على ~~ذلك من هذا الفوز العظيم الذي ظفرت به في عواصم أوروبا وأميركا. # وليس في هذا شيء من الغرابة، فقد يطرق الموضوع الواحد مرات ومرات دون أن يحول ذلك بينه ~~وبين الحدة وقوة التأثير في نفوس الأفراد والجماعات، ذلك حين يكون الموضوع نفسه قويا ~~قوة لا تذهب بها الأيام، ولا يعمل فيها تغيير الظروف، وحين يكون الموضوع شائعا مألوفا، ~~نشهده في مواطن كثيرة، وفي ظروف مختلفة. # ولست في حاجة إلى أن أذكرك بهذه الموضوعات الخالدة التي تناولها الشعر القصصي اليوناني، ~~وأخذها عنه الشعر التمثيلي اليوناني فزادها قوة وتأثيرا، ثم أخذها عنه التمثيل الحديث، ~~والقصص الحديث في فرنسا وألمانيا ms014 وإنجلترا فلم يزدها إلا قوة وقوة على الأخذ بمجامع النفوس ~~كما يقولون. # والموضوع الذي طرقه كاتبنا من هذه الموضوعات التي إن لم تكن شائعة مألوفة في بعض البيئات ~~التي قلما يختلط فيها الرجال والنساء، فهي شائعة مألوفة في كثير من البيئات الأوروبية، وهو ~~موضوع يسير جدا: زوجان لم يصل بينهما الحب، ولا ما يشبه الحب، وإنما قامت صلاتهما الزوجية ~~على المنفعة أو على المصادفة ليس غير، فهما يعيشان عيشة هادئة وادعة، لولا أن لهما صديقا ~~قد اتصل بهما، وقويت بينه وبينهما الصلة، فهو يلازمهما لا يستطيع أن يقضي يوما دون أن ~~يراهما، لا يستطيعان هما أيضا أن يحتملا الحياة إذا لم يرياه. # وهو خير ليس بالشرير، ولا بصاحب المجون والدعابة، ولكنه على ذلك صاحب قلب يخفق، ونفس ~~تحب، فلا يستطيع إلا أن يحب صديقته وامرأة صديقه، وهو يخفي على نفسه هذا الحب، ويصوره في ~~صورة الصداقة والمودة الخالصة، وربما كان صديقه مثله مخدوعا أو ربما لم يكن مخدوعا، وربما ~~خدعت المرأة نفسها، وربما عرفت حقيقة الأمر، وأحبت هذا الصديق، ولكنها تجاهد هذا الحب، ~~وتنتصر عليه، تسلك إلى ذلك ما تستطيع أن تسلكه من طريق، ولعلهم يستطيعون جميعا أن يعيشوا ~~مطمئنين إلى هذا الحال الغامضة الواضحة معا، هم سعداء، أو هم يحسبون أنفسهم سعداء، ولعلهم ~~يستطيعون أن ينفقوا حياتهم كلها في مودة كلها صفو مطرد، لولا أن يعرض لهم من الظروف ما ~~يزيل الغشاوة عن الأبصار، ويشق الغلاف عن القلوب، فيروا ... وهم إذا رأوا قد يسعدون وقد ~~يشقون. # هذا الموضوع مألوف في البيئات الأوروبية، تنشأ عنه في كثير من الأحيان ألوان من التعقيد ~~في حياة الأسر، وصلات الأصدقاء، منها ما ينتهي إلى السلام والدعة، ومنها ما ينتهي إلى الشر ~~والنكر، وقد طرقه كاتبنا هذا فصوره تصويرا حسنا مؤثرا، ولكنه لا يخلو - كما قلنا - ~~من تكلف، ومن غلو أحيانا. # وأنا - كالنقاد الفرنسيين - شديد الإعجاب بشخصية هذه المرأة التي تدور القصة حولها، أو قل ~~بقدرة الكاتب على اختراع هذه الشخصية الغريبة التي استطاعت ms015 أن تقاوم مهارة الصائغ الفرنسي، ~~فاحتفظت بشيء غير قليل من طبيعتها المجرية، فهي غامضة أحيانا أشد الغموض، وهي واضحة ~~أحيانا أشد الوضوح، وهي ضاحكة مغرقة في الضحك، ولكنها في الوقت نفسه تكفكف عبراتها، وتمسح ~~دموعها مسحا رقيقا. # ولست أدري إلى أي حد وفق الكاتب والصائغ في شخصية الزوج، فأنا أفهم ألا يخلو الرجال ولا ~~سيما العلماء من ضعف وسذاجة، ولكني أرى أن الكاتب قد صور هذا الزوج تصويرا اعتمد فيه على ~~خياله أكثر مما اعتمد فيه على الحقائق الواقعة. ~~••• # نحن في سان كلو؛ ضاحية من ضواحي باريس، في بيت تظهر عليه النعمة والثروة، وفي غرفة يظهر ~~عليها الترف ولين الحياة، كما يظهر عليها الجد والعمل، ونحن نجد في هذه الغرفة رجلا قد جلس ~~إلى مائدة بين الكتب والأوراق، وهو يتحدث ويتحدث لا يكاد يقف ولا يستريح، هذا الرجل هو ~~العالم النباتي «فرانسوا دوجلي»، وهو يتحدث إلى مصوره الذي اتخذه ليصور له أنواع النبات ~~في كتاب يهيئه للنشر، ولا نكاد نسمعه يتحدث حتى نتمثل العالم بما فيه من عيوب وخلال، فهو ~~يتكلم مندفعا في موضوعه لا يلوي على شيء، ولا يثنيه عن الحديث شيء، وهو يتكلم لأن الموضوع ~~يلذ له لا لأنه يريد أن يفيد سامعه، وسامعه متبرم به يريد أن يخلص منه ليدرك القطار ~~الذي سينقله إلى باريس، وهو يحتال في هذا التخلص فلا يوفق له إلا بعد مشقة شديدة، وهو يخلص ~~وقد استيأس من إدراك القطار. # فإذا انصرف هذا المصور، وخرج الأستاذ من غرفته لحظات، أقبلت إلى هذه الغرفة فتاة ظريفة، ~~حسنة الصورة، متجملة ظاهرة الرغبة في أن تعجب الأستاذ وتقع من نفسه، تدخل، فما أسرع ما تهوي ~~إلى علبة الحلوى فتزدرد منها شيئا، وتخفي شيئا آخر في حقيبتها، ثم تقف منتظرة أن يعود ~~الأستاذ، فإذا عاد وتحدث إليها عرفنا أنها كاتبته التي تنسخ له ما يهيئ من فصول ~~كتابه. # وهو يتلقاها مبتسما لها مبتهجا بلقائها، يسألها عما كتبت، فإذا هي قد أتمت عملها على ~~أحسن وجه، فيقدم إليها ms016 بعض الحلوى فترفض معتذرة بأنها لا تحب الحلوى، فإذا قدم إليها ~~السجارة اعتذرت بأنها لا تدخن، ثم يتركها لحظة وقد ترك سجارته على المائدة، فما أسرع ما ~~تهوي إليها فتزدرد منها جرات، ثم تردها حيث كانت، ويعود الأستاذ فيستأنف معها الحديث، وإذا ~~هي تظهر له رسما من عملها فيه صورة نبات، فلا يكاد الأستاذ يراه حتى يفتن به، وحتى يعلن ~~إليها رغبته في أن تكون مصورته، وأن تضع له هي صور الكتاب، وهي سعيدة مغتبطة تصفق بيديها، ~~وتكاد تقبل الأستاذ فرحا وابتهاجا، ولا تسل عن سعادتها حين يعلن إليها الأستاذ أنها ستقيم ~~معه منذ غد، فتكتب له وتصور وتنسخ على الآلة الكاتبة. # وهما في هذا الحديث وإذا رجل يقبل، وهو «جان دي فيلييه» صديق الأسرة وخليطها، كان قد سافر ~~يقضي الصيف في الألب، ولكنه استثقل السفر فعاد إلى باريس، وهو سعيد بهذه العودة؛ لأنه سيرى ~~صديقيه، وسيأخذ مكانه بينهما كدأبه في كل يوم، وهو يسأل صاحبه عن امرأته، فيحدثه هذا بأنها ~~ذهبت إلى باريس تصيد الثعلب الأزرق؛ لأنها مفتونة به، ولن تستريح حتى تظفر بهذا الصيد، ~~ولكنها لا تصيده من الغابات ولا من الحقول، وإنما تصيده من المتاجر، فهي لا تلتمس الثعلب، ~~وإنما تلتمس فرو الثعلب، وهي تخرج في طلبه كل يوم إذا أصبحت، ولا تعود إلا إذا أقبل المساء، ~~وهو يدعها وما هي فيه من صيد؛ لأنه مشغول ببحثه عن النبات. # ويمضيان في الحديث حتى يصلا إلى لون من الطعام يحبه هذا الرجل الذي أقبل، وإذا الفتاة ~~الكاتبة المصورة تزعم أنها تحسنه، وتعد بعمله إذا كان الغد، فلا تسل عن ابتهاج الأستاذ ~~بهذه الفتاة النادرة الكاتبة المصورة الطاهية معا، ويتم الاتفاق بينهم على أن تهيئ لهم ~~الفتاة من الغد هذا اللون من ألوان الطعام، ثم تتركهما يتحدثان. # والرجل يقص على صاحبه أنه رأى سيارة الراقص المعروف «ريالتو»، فأعجبته، ولن يستريح حتى ~~يشتريها منه، وقد ذهب ليتحدث إليه في ذلك، فلقي خادمه يحمل زجاجات الشمبانيا، وألوانا من ~~الطعام، ولكن الخادم ms017 أنبأه أن سيده غائب، فانطلق وهو يعلم أن سيده مشغول بإحدى السيدات لا ~~يستطيع أن يستقبله، ذلك أن «ريالتو» هذا أستاذ رقص، وهو أجنبي جميل الطلعة، تفتن به ~~تلميذاته عادة. # ثم يمضي «جان» في حديثه فيقول: إنه انصرف من بيت الراقص إلى الغابة، فما هي إلا أن رأى ~~الراقص في سيارته ومعه امرأة لم ير منها إلا ساقها وحذاءها، وقد استقرت في نفسه صورة هذا ~~الحذاء، فهو يصفه ويحقق وصفه حتى يسئم صاحبه، و«جان» هذا موسيقي بارع، فهو يجلس إلى ~~«البيانو» ويأخذ في الإيقاع، وقد انصرف عنه صديقه إلى عمله. # وهما في هذه الحال إذ تقبل الزوجة «سسيل»، وكأنها قد سمعت إيقاع البيانو فعرفت وجود ~~صديقها، فدخلت في رفق، ووقفت إلى جانبه، وأخذت ترافقه مغنية وهو يوقع، فيلتفت، ثم تكون ~~التحيات، ثم الحديث، ثم تقع منه نظرة على ساقها وحذائها وإذا هو صعق، أو كالصعق؛ لأنه عرف ~~الساق، وعرف الحذاء، وهو يعود فيصف الحذاء مرة أخرى لصاحبه، ويذكر الراقص، وتسمع سسيل هذا ~~فتضطرب قليلا، ثم تخفي من أمرها ما تستطيع، وهي تبالغ في الإخفاء، وهو يبالغ في الوصف ~~والإعادة والتكرار حتى يسأم الزوج فينصرف إلى عمله، ويدعهما يتحدثان كدأبهما دائما، فإذا ~~خلا بعضهما إلى بعض كان بينهما حوار ينتهي بأن يتهم «جان» صاحبته بالإثم، وهي تدفع عن ~~نفسها، وتغلو في الدفاع، وهو يتهمها ويسرف في الاتهام، حتى يفسد الأمر بينهما أو يكاد، ~~ونحسن نحن في هذا الحوار أن الصلة بين هذين الصديقين ليست صلة مودة وصداقة، وإنما هي صلة حب ~~يخفيها كل منهما على نفسه، وعلى صاحبه، ثم يدور الحوار، ويشترك فيه الزوج مرة أخرى، فيذكر ~~أمر الكاتبة المصورة، ومهارتها في الطهي، وما تقرر من إعداد هذا اللون إذا كان الغد، وإذا ~~«جان» يعلن أنه سيدعو الراقص «ريالتو» ليتناول معهم العشاء، وليذوق من هذا اللون ~~البديع. # وكان المعقول أن يبقى «جان» حتى يتناول العشاء معهما، ولكنه ضيق الصدر، فهو ينصرف ويترك ~~الزوجين لما بينهما من شأن. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني ms018 فنحن في غد ذلك اليوم، وقد دنا الليل أو كاد، والزوجان ينتظران ~~مقدم «جان»، ومقدم الراقص، و«سسيل» مضطربة محزونة تدخن فتسرف في التدخين، وزوجها يحاول أن ~~يتعرف من أمرها فلا يظفر منها بشيء، وهو يعتذر إليها لأنه منصرف عنها إلى علمه ونباته، وهي ~~لا تكاد تسمع له، فإن سمعت فلا تكاد تجيبه، وقد أقبل «جان» فتلقاه الزوج مبتهجا، وتتلقاه ~~الزوجة محزونة مضطربة، فإذا خلا بعضهما إلى بعض كان بينهما حوار كحوار أمس فيه اتهام ودفاع، ~~ثم فيه ما يشبه الاعتراف، ثم فيه ثورة الصديق، ولكن الراقص قد أقبل، فيتلقاه الزوج و«جان» ~~و«سسيل» لقاء مختلفا؛ هذا مبتهج، وهذه مضطربة منكرة، و«جان» يدبر في نفسه أمرا، فأما ~~الراقص نفسه فقد أقبل لا يقدر شيئا، ولا يفكر في شيء، وهو يتكلم ويمضي في كلامه، مثنيا ~~على الزوج مرة، وعلى الزوجة مرة أخرى، وعلى صديقهما مرة ثالثة، وعلى البيت مرة رابعة، حتى ~~إذا فرغ من هذا الحديث الطويل المضحك التفت إليه «جان» وأخذ يذكر حب النساء له، وكلفهن به، ~~والرجل ينكر ذلك في ضعف ورفق، ولكن «جان» يلح ويذكر حظه عند هذه، وحظه عند تلك، ويسرف في ~~هذا، وهو في أثناء الحديث يرقب الراقص مرة، و«سسيل» مرة أخرى، وكل شيء على وجه «سسيل» يثبت ~~اضطرابها وتورطها. # وقد خرج الأستاذ لبعض شأنه، وخلا الثلاثة إلى أنفسهم، فإذا الراقص قد عرف المكيدة، وإذا ~~«سسيل» تطلب إليه أن ينصرف، فيتردد فتلح، وتطرده طردا فينصرف، وقد ثبت كل شيء، ولم يبق ~~شك في أنها قد أثمت معه. # ويعود الأستاذ، فإذا لم ير الراقص سأل أين هو؟ فيقال إنه انصرف، ويتكلف «جان» تأويل هذا ~~الانصراف فلا يحفل الأستاذ بهذا، ولكن جان نفسه يريد أن ينصرف؛ فيدهش الأستاذ لذلك، ويسأل ~~في شيء من الغفلة: «ماذا يحدث؟» فتجيبه امرأته في دعة وهدوء: «يحدث أني قد خنتك.» فيتلقى ~~هذا الخبر في دهش هادئ، ويحاول أن يتبين الأمر، فتتركه امرأته معلنة إليه أن «جان» سيخبره ~~بكل شيء ؛ لأنه كشف كل شيء. # فإذا خلا ms019 إلى «جان» لم يتردد هذا في أن يخبره بكل شيء في غضب وحقد وثورة لا يعدلها إلا ~~هدوء الزوج ودعته واطمئنانه، والزوج يرثي لامرأته، ويشفق عليها، ولا يؤثم إلا نفسه، فهو قد ~~انصرف من امرأته إلى العلم، وتركها مهملة لا يحفل بها، فليس غريبا أن تفتتن هذه المرأة، ~~ثم يثور الزوج ولكن لا على امرأته ولا على نفسه، بل على صديقه؛ ذلك لأن صديقه قد سافر وأهمل ~~«سسيل» وتركها وحدها، وكان من الحق عليه أن يبقى معها، وأن يرعاها ويحوطها، فإذا أنكر ~~الصديق عليه هذا القول ولفته إلى أن هذا واجب عليه هو، أجابه: «أنت تعلم أني مشغول ~~بالنبات.» # و«جان» يغريه ويذكي في نفسه نار الحفيظة، ينصح له مرة بالطلاق، وأخرى بمبارزة الراقص، ~~والأستاذ يسمع هذا كله في هدوء وسخرية، ثم يجيب بحديث له قيمته، يمثل ذكاء وفطنة، وبصرا ~~بالأمر، وإذعانا للقضاء، فالأستاذ يعلم حق العلم مصدر هذا الغيظ وهذه الحفيظة، وهو يقدر حب ~~هذا الصديق لامرأته، ولا يتردد في أن يقول له: «إن كنت محفظا فلأنها خانتني مع غيرك لا ~~معك.» بل لا يتردد في أن يقول له: «لوددت لو كنت أنت الآثم، فأنت صديق الأسرة تخفي مساوئها ~~على الناس، وتخفيها علي أنا، فتضعني بمعزل عن هذه الأمور المنكرة التي تنغص علي الحياة، ~~وتصرفني عما أنا فيه من عمل وبحث.» # وتقبل «سسيل» وقد تهيأت للخروج، فإذا سألها زوجها إلى أين تريد أن تذهب؟ أعلنت إليه أنها ~~ذاهبة إلى بيت عمها تنتظر فيه الطلاق، ثم تطلب إليه أن يرافقها إلى هذا البيت، فليس ينبغي ~~أن تخرج وحدها، فيقبل، وبينما هما يتهيئان للخروج تلتفت إلى «جان» قائلة: «لقد أردت المأساة ~~فهذه هي المأساة، ولقد أردت أن تؤلمني فقد ظفرت، ولكن قد آن أن تألم أنت، وستألم ~~كثيرا.» ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد مضت سنة على ذلك اليوم، وتغير كل شيء في بيت الأستاذ، وقد تزوج ~~الأستاذ، وقد تزوج الأستاذ من كاتبته ومصورته، ونحن نراها في أول الفصل تنهر الخدم، وتتصرف ~~تصرف ms020 السيدة المسيطرة، وتدخل على زوجها فإذا هو منكب على كتبه، فتتحدث إليه في رفق، ولكن في ~~سلطان وتغلب، وهو مذعن مطيع، ولكن على كره. # وهي تطلب إليه الانتقال إلى باريس إذا أقبل الشتاء، فيدافعها قليلا، فتلح، فيستسلم، ثم ~~تعلن إليه أن لديها من العمل ما يمنعها من أن تعينه بالكتابة والتصوير، وأنها ستلتمس له ~~الكاتب والمصور. # ثم يعلن إليها الأستاذ أنه قد وصلت إليه أخبار من «سسيل»؛ فيظهر عليها الحنق والموجدة، ~~وتهم بالنيل من هذه المرأة، فيمنعها الأستاذ من ذلك، وينبئها بأن «سسيل» قادمة الآن لتتفق ~~معه على زيادة الراتب الذي فرضه لها، فتأبى إلا أن تذودها عن البيت، ولكن الأستاذ قد وجد ~~الحل الملائم، فسيأتي «جان» وسيستقبل «سسيل»، وسيتفق معها على كل شيء على حين يخرج الزوجان ~~لبعض شأنهما. # وقد أقبل «جان» وعهد إليه صديقه بقضاء هذه المهمة فيأبى ثم يقبل، ونحن نرى أنه قد تألم ~~كثيرا، وقد تغيرت حاله حتى أنكره الأصدقاء. # وقد خرج الزوجان وتركاه وحده يتردد في الغرفة ذاهبا جائيا، ثم يجلس إلى «البيانو» ويأخذ ~~في الإيقاع الذي كان يوقعه في الفصل الأول. # ومن هنا تحسن القصة حقا، وتخلص من التكلف والتصنع، وترقى إلى الخيال البديع ~~المؤثر. # هو إلى البيانو في إيقاعه، وإذا «سسيل» قد أقبلت، فتقف كما كانت تقف، وترافق كما كانت ~~ترافقه، ويحس بها فيلتفت وقد بلغ التأثر منه ومنها أقصى مبلغ، وكأنهما قد نسيا كل شيء لحظة، ~~وخيل إليهما أنهما في عهدهما القديم، ثم يفيقان فيبتادلان أسئلة وأجوبة قصارا، ثم يعرض ~~عليها ورقة تركها زوجها القديم لتمضيها، فتقرأ فإذا هو يعلن أن يزيد راتبها على أن تعيش ~~عيشة امرأة شريفة، فتمضي معلنة في سخرية أنها تؤجر على الشرف في حين يؤجر غيرها على ~~الإثم. # ونحن نحس أنها لا تملك نفسها من التأثر والاضطراب، وأن صاحبها لا يملك نفسه أيضا، وقد ~~أمضت وخرجت متعجلة؛ لأنها مدعوة إلى الشاي، فنسيت أحد قفازيها، فيهوي إليه «جان» ويحمله إلى ~~فمه يقبله باكيا، وكأنها ذكرت ما نسيت فتعود ms021 غير منتظرة، فترى ... فتطلب قفازها، فيدفعه ~~إليها، ثم تطلب إليه الورقة التي أمضتها، فإذا دفعها إليها مزقتها تمزيقا، فإذا سألها عن ~~ذلك أخبرته أنها ليست في حاجة إلى هذا الراتب، وأنها مخطوبة، وأنها ستتزوج من رجل ~~غني. # فقدر أنت وقع هذا في نفس «جان»، وهي تريد أن تمضي ولكنها لا تستطيع، وهي تتحدث إلى ~~«جان» حديثا قصيرا فيه إبهام وغموض، وفيه جلاء ووضوح، ولكنها لا تلبث أن تفاجئ «جان» ~~بأنها تعلم ما في نفسه حق العلم، وتقدر أن تألم ألما لا حد له، وهي تعلم من أمره كل شيء، ~~وهو يعلم كذلك كل شيء، وقد أجلسته في المكان الذي تعود الجلوس فيه من قبل، وجلست أمامه ~~كما كانت تفعل، وأخذت تتحدث إليه لينة مرة عنيفة مرة أخرى، معلنة إليه أنها أحبته منذ ست ~~سنين حين كانت خطبا لزوجها، ولو قد دعاها في ذلك اليوم لأسرعت إليه، ولكنه لم يفعل إيثارا ~~لمودة صاحبه، وهي مازالت تحبه، وترى زوجها صديقا ليس غير، وهي لم تخن زوجها وإنما خانته ~~هو، وإذا هو ينكر أن تكون قد خانته، ويزعم أنه كان مخطئا كذابا، وهي تؤكد له أنه لم يخطئ ~~ولم يكذب، فيجيبها بأنها إن كانت آثمة فهو يحب الإثم، ويكره الفضيلة، وإن كانت كاذبة فهو ~~يحب الكذب، ويكره الصدق. # وينتهي بهما هذا الحوار إلى شيء من الذهول، يدفع كل منهما إلى صاحبه، وإذا هما قد اعتزما ~~السفر معا، واستئناف حياة جديدة فيها الحب الصريح الذي لا تكلف فيه، ولا غشاء عليه، ولكنها ~~تذكر أنها تعرف من أمره ومن خلقه ما تعرف، وأنها تؤثر أن يكون الزواج بينهما قبل السفر، فلن ~~يعيشا خليلين، فيفيق عند هذا ويذكرها بخطبها الغني، وما أنبأته به من الزواج، فتضحك وتعلن ~~إليه أنه هو خطبها، وأنه سيكون زوجها، وأنها قدرت ذلك كله منذ رأته، وهما يتهيئان للخروج ~~وإذا الأستاذ قد أقبل ومعه امرأته الجديدة، فيدهش وتدهش امرأته، ولكنها تقبل على «سسيل» ~~لتحييها كارهة ، وهي تلتمس لها اسما تدعوها به فلا ms022 تجد، فتجيبها «سسيل» أن انتظري أياما ~~فستدعينني «مدام دي فيلييه»، فانظر إلى ابتهاج الأستاذ وإلى قوله: «لقد أضعتما الوقت في ~~انتظار هذا اليوم، وما كان أحراكما أن تصلا إليه منذ أمد بعيد.» # | ظهر حديثا # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «أدوار بورديه» # بهذه الجملة تعنون الإعلانات التي تنبئ الناس بظهور الكتب في فرنسا، وقد اتخذها الكاتب ~~الفرنسي أدوار بورديه عنوانا لقصة تمثيلية، دهش لها الباريسيون أشد دهشة، ثم أعجبوا بها ~~أعظم الإعجاب، وكان الأدباء أشد الباريسيين دهشا لهذه القصة، وأكثرهم بها إعجابا؛ ذلك ~~لأنهم رأوا فيها أنفسهم، فمنهم من أعجبته صورته فرضي، ومنهم من لم تعجبه صورته فسخط، ولكنه ~~لم يستطع أن ينكرها ولا أن يخفي ما بينها وبينه من المطابقة فاضطر إلى الإعجاب في شيء من ~~التحفظ قليل أو كثير. # أما جمهور النظارة، فقد دهش لهذه القصة؛ لأنه لم يتعود أن يرى أمثالها في الملاعب، وإنما ~~تعود أن يشهد طائفة من القصص تعرض عليه ألوانا من الناس يراهم في كل يوم، ويتصل بهم في كل ~~حين من أحيان الحياة العملية. فأما الأدباء والكتاب فهو لا يكاد يراهم أو يتصل بهم إلا من ~~طريق الكتب التي تذيعها المطبعة في كل يوم، وفي كل أسبوع بالعشرات والمئات، وقلما يتصل ~~جمهور النظارة بكاتب أو أديب كما يتصل عادة بالصانع أو التاجر أو المهندس أو صاحب المال، ~~فليس غريبا أن يدهش هذا الجمهور حين يرى الأدباء قد عرضوا أمامه في الملعب عرضا صريحا لا ~~يخلو من قسوة، كما أنه ظريف لا يخلو من خفة وحيلة ودهاء، ثم ليس غريبا أن يدهش الجمهور؛ ~~لأن الذي يعرض عليه هؤلاء الأدباء هذا العرض القاسي الظريف هو أحد هؤلاء الأدباء، فعمله هذا ~~لا يخلو من شجاعة تسر وترضي، وتبعث على الدهش، ثم على الإعجاب. # وقد انقسم النقاد والأدباء في أمر هذه القصة، فمنهم من رأى أن الكاتب إنما أراد تمثيل ~~طائفة بعينها من الكتاب والأدباء، هي هذه الطائفة التي تتنافس وتختصم، لا تحفل في تنافسها ~~وخصومتها بشيء، والتي تتخذ ms023 الأدب والفن وسيلة إلى الثروة والشهرة، لا إلى الجمال الفني من ~~حيث هو، ويجب أن نعترف بأن هؤلاء النقاد هم كثرة الذين تناولوا هذه القصة بالنقد، وذلك يدل ~~دلالة واضحة على أن هؤلاء النقاد جميعا قد سخطوا فيما بينهم وبين أنفسهم على هذه القصة، ~~وأبوا أن يروا فيها صورا صحيحة للأدباء، فكانوا كالنعامة التي تخفي رأسها حتى لا ترى ~~الصائد. # ونقاد آخرون - ولكنهم قليلون - رأوا أن هذه القصة تمثل ما في الأدباء من ضعف، ولكنهم مروا ~~بذلك مرا سريعا، وأظهروا إعجابهم بلفظ القصة وأسلوبها، وما فيها من حركة خفيفة لبقة، وفي ~~هؤلاء النقاد شجاعة، ولكنها شجاعة إضافية، فقد أبوا أن يخفوا رءوسهم، ولكنهم لم يستطيعوا أن ~~يمدوا أبصارهم مدا طويلا. # وأولئك وهؤلاء - فيما أظن - لم يقدروا القصة قدرها، ولم يضعوها حيث أراد الكاتب أن ~~يضعها، ولو قد فعلوا لرأوا أن ما في القصة من عبث بالأدباء، وتمثيل لما فيهم من عيب ونقص ~~يمس ما يقع بينهم من التنافس والخصومة ليس شيئا بالقياس إلى الفكرة الأساسية التي أراد ~~الكاتب أن يمثلها، والتي هي شيء آخر غير هذه الحياة المادية التي يقع فيها التنافس ~~والاختصام بين الأدباء. # شيء آخر يمس طبيعة الأديب من حيث هو أديب ويعرفه تعريفا منطقيا صادقا ما نظن أنه يقبل ~~نقضا أو اعتراضا، فالأدباء جميعا يختصمون ويتنافسون، ويكيد بعضهم لبعض، ويغري بعضهم ~~ببعض. وليس هذا العيب مقصورا على الأدباء، ولكنه يتناول أصحاب المهنة الواحدة في كل فن وفي ~~كل صناعة تناولا يختلف قوة وضعفا باختلاف المتنافسين، وتفاوتهم في حدة الأمزجة ~~واعتدالها. # ولو لم يقصد الكاتب في قصته إلا إلى تمثيل هذا النحو من عيوب الأدباء لما كان لقصته خطر، ~~ولما استحقت قصته هذا الفوز الذي ظفرت به، إنما الفكرة الأساسية التي تدور عليها القصة، ~~والتي قصد إليها الكاتب معروضة عرضا واضحا في الفصل الرابع من فصول هذه القصة حين يظهر في ~~جلاء وبداهة أن الأديب يمتاز بأنه لا يستطيع أن يحس شيئا أو يرى شيئا حتى يستحيل هذا ms024 ~~الشيء في نفسه فنا يجب أن يكتبه، وينشر على الناس مهما تكن النتيجة التي تنشأ عن هذه ~~الكتابة وهذا النشر، ومهما يكن في هذه الكتابة والنشر من خروج على المألوف، وتجاف عن ~~العادات والأخلاق، وما يصل بين الناس عادة من صلات المجاملة وحسن العشرة، بل من صلات المودة ~~والصداقة، بل من صلات الحب والإخاء. # فالأديب أداة ناطقة لا تستطيع الصمت، وهي تنطق بكل شيء وفي كل ظرف، لا يحول بينها وبين ~~النطق إلا هذه القوى القاهرة التي تضطرها إلى الصمت أحيانا، فتصمت ولكن على كره منها ~~ورغم، والأديب أداة تصوير تصور أبدا، ولا تستطيع أن تكف عن التصوير إلا حين لا تجد ما ~~تصوره أو حين يعرض لها الفساد في مزاجها وتكوينها، وهي تصور دون أن تحسب حسابا بالنتائج ~~هذا التصوير، وما قد يستتبعه من الأحداث في التصوير، وأكثر ما تصور هذه الأداة، وأحسن ما ~~تصور حين تضطر إلى تصوير نفسها، وما يعرض لها من ألوان التأثر والانفعال، ولو قد خليت ~~وتركت لها الحرية المطلقة لأظهرت للناس من دخائلها أسرارا لا تخلو من بشاعة فظيعة، ولكنها ~~لا تخلو في الوقت نفسه من جمال رائع، فالأديب إذن بطبيعته مرن الضمير، لا يكاد يحفل بما ~~يحفل به الناس في سبيل القول والتصوير إلا لأنه يضطر إلى ذلك اضطرارا. # هذه الفكرة هي التي قصد إليها الكاتب وأراد تصويرها، وهو في طريقه إلى تصوير هذه الفكرة ~~قد ألم بطائفة من عيوب الأدباء ونقائصهم لم يكن له بد من الإلمام بها؛ لأنه يصور تصويرا ~~صحيحا فلم يكن يستطيع أن يخفي شيئا مما يتألف منه شخص الأديب حقا. # ومع أن موضوع هذه القصة طريف، فقد وفق الكاتب إلى أن يتقن تمثيله كما لو كان من هذه ~~الموضوعات التي تطرق في كل يوم، والتي سهل أمرها على الناس، فهم يتناولونها ويتصرفون فيها ~~دون أن يجدوا في ذلك مشقة أو عسرا. ~~••• # وفي الفصل الأول من هذه القصة بنوع خاص حركة خفيفة شديدة الخفة، سريعة قوية السرعة، ~~تدفعك معها؛ ms025 فإذا أنت مسرع في القراءة، مسرع في التفكير، مسرع في تحقيق ما تقرأ وما تفكر ~~فيه، وإذا أنت تحيا حياة كلها سرعة، وكلها لذة ورضا، وفكاهة واشمئزاز مضحك، حتى إذا فرغت ~~من هذا الفصل احتجت إلى أن تستريح، وإلى أن تطيل الراحة بعض الشيء؛ لأنك قد جريت فأكثرت ~~الجري، حتى إذا كانت الفصول الأخرى سرت سيرا هادئا مطمئنا، ولكنه ممتع مفيد، لا تكاد ~~تخطو خطوة حتى تضحك أو تعجب، أو تستكشف من أمر الأديب شيئا لم تكن تقدره، وما تزال كذلك ~~حتى تنتهي مع القصة إلى الأديب المنتج فتراه كما أراد الله أن يكون ممليا ما أنتجه من ~~الآثار الأدبية بعد ما شاء الله أن يقتحم في سبيله ما اقتحم من هول يبعث في نفسك الإشفاق ~~والازدراء معا. ~~••• # نحن في دار من دور النشر في باريس، يشرف عليها رجل ماهر في صناعته، قوي الإرادة، حديد ~~الفؤاد، مرن الضمير، فصيح اللسان، غريب الجمل، لا يفكر إلا في صناعته، ولا يعنيه إلا أن ~~يفوز ويتفوق على خصومه الناشرين، هذا الرجل هو جوليان موسكا، ونحن نرى في أول الفصل رجلين ~~يعملان، يملي أحدهما على صاحبه أسماء الكتب التي طلبتها المكاتب، ومقادير هذه الكتب، وهو ~~يمضي في ذلك بطريقة مضحكة قد لا يكون من اليسير أداؤها في لغتنا العربية؛ لأنه يقرن بأسماء ~~الكتب المختلفة باختلاف موضوعاتها الفنية والعلمية موازين هذه الكتب بالكيلوجرام. وبينما ~~هما في عملهما هذا تختلف عليهما طائفة من الناس اختلافا سريعا، يعرض علينا أكثر أشخاص ~~القصة، فهذا أديب يقال له بريجايون قد أقبل مسرعا يسأل عن صاحب الدار، فلما لم يجده أنكر ~~تأخره في هذا اليوم، وأنبأ بأن لديه شيئا هاما يريد أن يفضي به إليه، وأنه سيعود بعد ~~لحظة، وتفهم من حديثه أن لهذا اليوم في حياة الدار خطرا؛ لأن هناك جائزة أدبية كبرى هي ~~جائزة زولا، يتنافس حولها الكتاب، وقد رشح لها صاحب الدار أديبا وجد في ترشيحه، وظفر ~~بوعد الكثرة المطلقة من المحكمين أن يعطوه أصواتهم. # ثم ينصرف ms026 هذا الأديب ويقبل رجل آخر مهمل الزي، تقتحمه العين، يقال له مارك فورنييه، ~~يسأل عن صاحب الدار، فلا يكاد يحفل به أحد، بل نحس من أهل الدار تبرما به، ورغبة في ~~دفعه عنها وعن صاحبها، ونفهم أنه قد عرف صاحب الدار حين كانا يؤديان معا خدمتهما العسكرية، ~~والرجل يلح في السؤال وأهل الدار يذودونه، ويمنونه بلقاء صاحبه بعد أيام، ولكن هذا أديب ~~آخر قد أقبل متعاظما مشغول البال، فيستقبله أهل الدار في شيء من الإجلال والتكريم، وهو ~~ماريشال مرشح الدار للجائزة، وهو يسأل عن صاحب الدار فينكر تأخره، ويسأل عن كتابه، فنفهم ~~أنه قد طبع منه خمسة وعشرون ألفا، وأعدت النسخ لترسل إلى مكاتب باريس والأقاليم بعيد ~~ظهور النتيجة، وقد كتبت العنوانات، وحملت العربات، وأعدت صور الكاتب الفتوغرافية، ولم ~~يبق إلا أن ينسخ الكاتب اسمه عليها بخطه لتعرضها المكاتب بعد الظهر، والكاتب ينظر إلى هذه ~~الصور فلا تعجبه؛ لأنها تمثله متقدما في السن كأنه قد بلغ الأربعين، ولكن صاحب الدار قد ~~طلب أن تعرض هذه الصور؛ لأنها هي التي ينتظر أن تعجب السيدات، فيأخذ الكاتب في التوقيع، ثم ~~يبدو له فينصرف على أن يعود بعد قليل. # وهذا صاحب الدار مقبلا ومعه كاتب مشهور فيلسوف أديب من المحكمين هو بورجين، فإذا دخلا ~~تعرض مارك فورنييه لصاحب الدار، فينصرف عنه مزورا، ويمضي مع صاحبه إلى غرفته، ويقبل ~~العمال يعرضون عليه أمور الدار في سرعة غريبة، فينجزها مسرعا، ناطقا بألفاظ قصار متقطعة، ~~حتى إذا فرغ من ذلك في لحظة التفت إلى الفيلسوف الأديب وتحدثا في الجائزة، فنفهم أن كثرة ~~المحكمين قد انقادت لهذا الناشر بفضل هذا الفيلسوف، ولكن من المحكمين من يتردد، فيقول ~~الناشر لصاحبه: أفهمه أني أعتمد عليه في كتابة النقد التمثيلي لصحيفة كذا، فيغضب الفيلسوف؛ ~~لأنه كان يرجو لنفسه هذا العمل، ويرضيه الناشر ويتفقان، وينصرف الفيلسوف على أن يرسل معه ~~الناشر عاملا يأخذ منه أخبار المداولة ليوصلها إليه كأسرع ما يمكن. # وهذا بريجايون قد أقبل فأدخل على الناشر فيدور بينهما حديث ms027 موجز سريع يغير كل شيء، ذلك أن ~~هذا الأديب يخبر الناشر بأن مرشحه قد خانه، وأنه اتفق مع ناشر آخر على أن يعطيه كتبه ~~المقبلة، وقد أمضي العقد بينهما أمس، فإذا سئل عن البرهان قال عرفت ذلك من كاتبة ذلك ~~الناشر التي كانت تحب ماريشال فخانها، فهي تنتقم لنفسها، ثم يخرج ويعود ومعه الكاتبة التي ~~تظهر العقد للناشر فينظر فيه ويرده إليها، ويمنحها مكافأة مالية، ويعدها بكتمان السر، ~~ويصرفها فتصرف، والناشر مغضب مضطرب؛ لأن صاحبه قد خانه وعبث به، ولأنه بذل جهدا عنيفا ~~حتى ظفر بأصوات المحكمين، وأنفق ستين ألف فرنك في الإعلان عن هذا الكتاب، وكانت نتيجة هذا ~~كله الخيانة. # ولكنه رجل لا يعرف الهزيمة، ولا يطمئن إليها، ولا تؤلمه الخسارة المادية، فإذا هو يسرع ~~إلى التليفون فيدعو فيلسوفه الأديب، ويعلن إليه في حزم أنه لا يريد بوجه من الوجوه أن يفوز ~~ماريشال، ثم ينتظر، وهذا ماريشال قد أقبل، فيتلقاه مبتسما مبتهجا، ويطلب إليه في هدوء أن ~~ينظما أمرهما، وأن يمضيا هذا العقد الذي يضمن له نشر كتب الأديب المقبلة، ويضمن للأديب ~~موردا ضخما، فيتردد الأديب، ويلح الناشر. # ويشتد تردد الأديب فيشتد إلحاح الناشر؛ فيأبى الأديب، وهذا التليفون يدعو فيصغي إليه ~~الناشر، فيكتب أرقاما على ورقة أمامه، حتى إذا فرغ أعلن إلى الأديب في هدوء أنه قد انتهى ~~التصويت الأول، وأنه لم يفز فيه. فيسخط الأديب ويضطرب ويصيح، ويتهم بالخيانة فلانا وفلانا ~~من المحكمين. ولكن التليفون يدعو مرة أخرى، ويصغي إليه الناشر، ثم ينبئ الكاتب بأن فشله في ~~التصويت الثاني أعظم من فشله في التصويت الأول، فيشتد سخط الكاتب، وهنا ينبئه الناشر في ~~سخرية بأنه لم يحسن حين اتفق مع خصمه، فيفهم الأديب، وإذا هو يبرق ويرعد، وينذر ويوعد، ولكن ~~التليفون يدعو للمرة الثالثة، فيصغي الناشر، ثم يعلن بعد ذلك أن قد انتهى التصويت وفاز ~~بالجائزة رجل مجهول لا يعرفه أحد، ولم يسمع به أحد، رجل من الأقاليم يقال له إيفنوس. # وقد خرج الأديب مغضبا موعدا، ولكن الناشر عنه ms028 في شغل، فما أسرع ما يستفسر أمر هذا ~~الفائز بالجائزة، فهو رجل من مدينة أورليان، طبع كتابه «استيقاظ الفؤاد» في مطبعة من مطابع ~~المدينة، فما أسرع ما يتصل الناشر بصاحب هذه المطبعة من طريق التليفون، فينبئه بالخبر، ~~ويشتري منه حقوق الطبع، وما بقي عنده من نسخ الكتاب، ويأخذ منه عنوان المؤلف في باريس، ~~ويرسل إليه جماعة من العمال في سيارة يؤدون إليه الثمن، ويأخذون منه نسخ الكتاب على أن ~~يعودوا مع الليل، ثم يدعو أحد عماله فيعطيه عنوان المؤلف، ويأمره أن يمضي مسرعا، ولا يعود ~~إلا ومعه المؤلف مهما يكلفه ذلك من مشقة وحيلة، كل ذلك في سرعة ولباقة لا حد لهما. # وما هي إلا لحظة حتى يعود العامل ومعه سيدة فينبئ صاحب الدار بأنه لم يجد المؤلف فجاء بامرأته، ~~وتدخل جاكلين فتتحدث إلى الناشر، فنفهم من حديثها أنها لا تقدر فوز زوجها، ولا تفكر فيه، ~~وأنها تعرف أن زوجها قد ألف كتابا وعرضه على هذا الناشر، وهي تظن أن هذا الكتاب قد أعجب ~~الناشر وهي سعيدة بهذا، والناشر لا يفهمها، ثم ينتهي بهما الأمر إلى أن يفهم كل منهما ~~صاحبه، فيعلن إليها الناشر أن زوجها قد ظفر بالجائزة، فإذا هي مغتبطة سعيدة، وإذا هي تنبئ ~~الناشر بأنها هي التي قدمت الكتاب إلى المحكمين؛ لأن زوجها رفض ذلك لثقته بأنه لن يظفر ~~بشيء، وهو موظف في إحدى الوزارات، وهو رجل من أورليان يقال له مارك فورنييه، فإذا سمع ~~الناشر هذا الاسم ذكره وذكر صاحبه، وذكر أنه هو هذا الذي يتردد منذ أيام فلا يقبل، وطلب إلى ~~زوجه أن تكتب إليه كلمة يحملها إليه بعض العمال ليأتي به، وبينما هي تكتب يقبل مارك ~~فورنييه، فيتلقاه العمال في تبرم وازدراء، ويذودونه عن الدار ذودا، فينصرف وقد دعا الناشر ~~أحد العمال وطلب إليه أن يمضي بهذه الكلمة، وأن يأتيه بمارك فورنييه، فإذا أدخله على الناشر ~~تلقاه هذا في مودة لا حد لها، فهو يضمه إليه ويقبله ، ثم ينظر الرجل فإذا امرأته وإذا هو ms029 ~~يعلم بفوزه، وإذا هو دهش قد أذهله النبأ، وانظر إلى الناشر يفتح أمامه أبوابا من الأمل، ~~فسيقبض الجائزة خمسة عشر ألف فرنك، وسيقبض منه هو عشرة آلاف مقدما، ثم يستقيل من الوزارة ~~وينصرف إلى الأدب، وإذا هو من الأغنياء، وإذا هو من أصحاب الصوت الذائع، وهم في ذلك إذ أقبل ~~صحفي يستنبئ عن هذا الكاتب الذي فاز، فإذا رآه رغب في أن يأخذ منه حديثا، وفي أن يأخذ ~~صورته، وما أسرع ما تؤخذ الصورة فيها المؤلف وامرأته والناشر، ولكن المؤلف قد أخذ يشعر ~~بقيمته، وأخذت تظهر فيه الصفة الأولى من صفات الأديب، فهو يسأل مبتسما: أليس يحسن أن ~~أصور منفردا؟ ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فقد مضى على ما قصصنا عليك عام ونصف عام، وانصرف كاتبنا مارك ~~فورنييه الذي اتخذ لنفسه اسم إفنوس إلى صناعة الأدب، واستقال من عمله في الوزارة، وأخذ من ~~الشهرة الأدبية بحظ موفور، وكان قد اتفق مع الناشر على أن يتعجل إصدار كتاب آخر، وعلى أن ~~يكون هذا الكتاب استمرارا لكتابه الأول الذي نال الجائزة، وهو منذ ثمانية عشر شهرا يعمل ~~في هذا الكتاب الثاني، فلا تؤاتيه القريحة، ولا يكاد يظفر بشيء. # ونحن نراه أول هذا الفصل جالسا إلى مكتبه ينظر في صحيفة كئيبا ضيق الصدر، ثم يسرع إلى ~~هذه الصحيفة فيمزقها مغضبا محرجا، وما هي إلى أن تقبل امرأته فيتلقاها فاترا، وتحدثه عمن ~~لقيت في بعض زياراتها، ثم تسأله عن عمله، فينبئها بأنه لم يعمل شيئا، وبأنه لم يوفق إلى ~~شيء، ويظهر لها ميله الشديد إلى الانصراف عن هذا الكتاب، بل عن الأدب كله؛ لأنه لا يحسن أن ~~يكتب، وهي تلومه وتشجعه وتغريه، ولكنها لا تظفر منه بشيء، ونحس في هذا الحديث جهاد الرجل ~~بين ما يشعر به من العجز، وما يشعر به من الاحتفاظ بمكانته الأدبية، وما يشعر به أيضا من ~~طمع امرأته، وحرصها على هذه الحياة الجديدة التي تجد فيها الدعة والثروة، وتجد فيها الشهرة ~~والرفعة. ثم نشعر بشيء آخر هو هذه الموجدة التي ms030 يحسها الأديب على الأديب إذا قدر التوفيق ~~والفوز، فصاحبنا واجد على ماريشال؛ لأن الناس يتحدثون عنه، والنساء يتهالكن عليه، وصاحبنا ~~يرى أن هذا الرجل ليس شيئا، وأنه من أصحاب الفن السهل الذي لا جد فيه ولا غناء، وامرأته ~~لا تدافعه في ذلك، ولكنها لا تجاريه، وهي تنبئه بأن ماريشال قد يأتي بعد قليل ليراه فيكره ~~ذلك، ويتبرم به، وهذا التليفون يدعو فنفهم من الحديث أن الناشر مقبل، ونرى كاتبنا شديد ~~الضجر، مترددا بين الخروج؛ حتى لا يرى الناشر، وبين البقاء؛ حتى إذا رآه أخبره بعزمه على ~~الانصراف عن الأدب، ولكن امرأته تستبقيه وتشجعه، وهذا الناشر قد أقبل فيلقاه وامرأته لقاء ~~حسنا، وما هي إلا أن يدور الحديث على الكتاب المنتظر، فيزعم الكاتب أن قد مضى فيه إلى أمد ~~بعيد، ويتعجله الناشر ويطلب إليه الأصل بعد ثلاثة أسابيع، فيتعلل، فيمد له الأجل أسبوعا، ~~فيأبى، فيشتد إلحاح الناشر وإباء الكاتب، حتى يضيق الكاتب ذرعا، فيعلن أنه لن يكتب هذا ~~الكتاب؛ لأنه لا يستطيع أن يمضي فيه. # وتستطيع أن تتصور غضب الناشر وغيظه بعدما أنفق من الجهد والمال ما أنفق، فهو يترضى ~~الكاتب، ويتوسل إليه، ثم ينذره ويخيفه، ولكن الكاتب مصر لن يعدل عن رأيه، وهنا يدور حديث ~~نفهم منه طبيعة هذا الكاتب، ومقدرته الفنية، فهو لم يخترع كتابه الأول اختراعا، وإنما صاغه ~~من قصة وقعت بالفعل لامرأته حين كانت تعمل في المستشفيات في أثناء الحرب، فأحبت أحد الأطباء ~~وأحبها هذا الطبيب، ولم ينته حبهما إلى غايته، وكانت الفتاة تكتب مذكرات وخواطر وقعت ~~للكاتب بعد أن اقترن منها، فصاغ منها قصته تلك. # وهنا تظهر مهارة الناشر، وحرصه على منفعته، فهو يسأل هذه المرأة: ألم يحبك أحد بعد هذا ~~الرجل؟ ألم يحدث في حياتك ما يحملك على كتابة الخواطر والمذكرات؟ فتجيبه: لا، فيشتد غيظه، ~~ويسوء الحديث بينه وبين الكاتب، ويعرض عليه الكاتب إلغاء ما بينهما من عقد، وما يزال الأمر ~~بينهما في شدة حتى يفسد، فإذا الناشر يتهم الكاتب بالخيانة والاحتيال، وإذا الكاتب يطلب ms031 إلى ~~الناشر أن يخرج من عنده، فيأبى، فينصرف الكاتب معلنا أنه لن يعود من غرفته حتى يخرج هذا ~~الرجل. ويخلو الناشر إلى جاكلين، فيكون بينهما حديث آية في المهارة والغرابة، والحرص على ~~النفع، والتماسه من جميع الوجوه الممكنة. يعود الناشر فيسأل جاكلين: أليس بين الناس من ~~يحبها أو يظهر لها المودة؟ فتجيبه: لا، فيلح عليها، ثم يعلن إليها أنه لو كان مكانها لالتمس ~~لنفسه عاشقا ومغازلا، ولكتب خواطر ومذكرات تمكن صاحبنا من وضع قصته، فإذا أنكرت ذلك خيرها ~~بين النعيم والبؤس، وبين السعة والضيق، وبين الشهرة والخمول، ثم فتح أمامها أبواب الأمل في ~~ثروة لا حد لها، وشهرة تنتهي بزوجها إلى المجمع اللغوي. # وما يزال بها حتى تحس منها شيئا من الضعف، ثم يسألها الرجل مفاجأة: ما بال ماريشال؟ أليس ~~يحبك؟ فتجيبه: لا، فيلح فتجيبه: إن هذا الرجل يحب النساء جميعا، ويتملقهن جميعا، وهو ~~يتملقني كما يتملق غيري من النساء، وهو مقبل بعد حين ليرى زوجي، فانظر إلى الناشر منتصرا ~~مبتهجا؛ لأنه ظفر بحاجته، فلا بد من أن تتلطف جاكلين لماريشال وتطمعه، وتقبل تملقه وغزله، ~~وتكتب خواطر ومذكرات، وهي تأبى الأمر في نفسه، وهو يلح، فتقبل ولكن مع غير ماريشال، فيلح ~~ويسرف في الإلحاح، ونحس نحن أن في نفس هذه المرأة ميلا خفيا إلى ماريشال، وأنها لا تحب ~~أن تعبث به هذا العبث، وقد أقبل ماريشال فحيا تحية المحب، وما يزال الناشر بهما حتى يصل ~~بينهما حديثا يشبه أن يكون حديث حب، وقد أغرى كلا منهما بصاحبه، ثم يدعهما ليصلح ما فسد ~~بينه وبين الكاتب، فإذا خلى أحدهما إلى صاحبه أسرع ماريشال فأعلن حبه وهيامه، وهمت المرأة ~~أن تدفعه، ولكنها تذكر الناشر، وما تحدث به إليها من الثروة والشهرة، وتذكر في الوقت نفسه ~~ميلها الخفي إلى هذا الرجل فلا تدنيه ولا تقصيه، وإنما تترك له أملا مغريا، ويأتي الكاتب ~~والناشر وقد اصطلحا، وتم الاتفاق بينهما على أن يستريح الكاتب أشهرا لا يكتب شيئا ، ولا ~~يفكر في شيء، حتى إذا أخذ ms032 من الراحة بحظ استأنف العمل فتنقاد له المعاني والألفاظ، وإذا ~~الكتاب قد تهيأ للنشر في وقت قصير. # وللناشر بيت على ساحل البحر في جنوب فرنسا، فهو يدعو الكاتب وامرأته إلى أن يذهبا إلى هذا ~~البيت ليستريحا فيه. وقد قبل الكاتب، ورضيت امرأته، وفهمنا نحن أن الناشر إنما دبر هذا كله ~~ليترك الفرصة لحب ماريشال؛ لعله يظفر بما يحمل المرأة على أن تكتب الخواطر ~~والمذكرات. # وقد أحس الناشر أن ذلك لن يكون إلا إذا أرسل ماريشال مع الزوجين إلى ساحل البحر، وقد مهد ~~لذلك فوفق فيه، وأصبح ثلاثة القوم مستعدين للرحلة إلى الجنوب، ورضي الناشر عن نفسه، وعن ~~خطته، وعن فوزه، فهو يدعو ثلاثتهم للعشاء معه في مطعم من مطاعم الضواحي، وسيحملهم في ~~سيارته، فأما الزوج فسيجلس في مؤخرها مع ماريشال، ولا خوف عليهم من البرد ولا من الهواء، ~~ففي السيارة من أنواع الوقاية ما يحجب من البرد والهواء. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فنحن في أقصى الجنوب الفرنسي في بيت الناشر على ساحل البحر حيث ~~يقيم أصحابنا منذ حين، ونحن نرى جاكلين تتحدث إلى الصحفي الذي رأيناه في الفصل الأول، وقد ~~علم بمكان الكاتبين، فأقبل يطلب إليهما حديثين، فأما الزوج فقد تبرم بهذا الصحفي وخرج، ~~والمرأة تعلل هذا الصحفي، وتطلب إليه أن ينتظر حينا، وأما ماريشال فقد أعد حديثه وكتبه، ~~وها هو ذا قد أقبل يريد أن يقرأ على الصحفي هذا الحديث، وقد بدأ يقرؤه عليه، ثم خرجا يتمان ~~هذه القراءة في الحديقة، ويقبل الزوج فإذا علم بمكان الصحفي أنكره، وسخط على ماريشال، ~~فتدافع امرأته بعض الدفاع فيغضب، ونحس أنه يجد في نفسه شيئا، ثم يخرج ويعلن إلى امرأته أنه ~~لن يرى هذا الصحفي، ولن يتحدث إليه. # فإذا فرع ماريشال من قراءة حديثه على الصحفي عادا إلى حيث جاكلين، فيتعجل الصحفي، فتنبئه ~~بأن زوجها قد يتأخر، فينصرف على أن يرسل إليه الكاتب حديثه مع البريد. # ويخلو العاشقان، فلا يلبث ماريشال أن يلوم صاحبته؛ لأنها ما زالت به تطمعه وتغريه حتى ترك ms033 ~~عمله في باريس، وأعرض عن سياحة كان ينتظر منها نفعا كثيرا، وأقبل معها، ولكنه لم يظفر ~~بشيء، وقد ضاق بهذا الانتظار، وكره أن يكون ضحكة لها، واعتزم أن يسافر منذ غد. وما يزال ~~بينهما الحديث حتى تعلن إليه المرأة أنها تحبه حقا، وأنها لم تدعه إلى اللحاق بها، ولو قد ~~استطاعت لطلبت إليه ألا يفعل، ثم تقص عليه القصة كلها، فإذا هو ثائر مغضب؛ لأنه سيكون ~~موضوعا لعبث الناشر والكاتب، وهو محنق لأنه سيكون موضوع قصته، وهو محنق لأنه لم يظفر في ~~سبيل ذلك بشيء ما، ومهما تتلطف له جاكلين فهو لا يرضى منها إلا أن تزوره في غرفته، وهي ~~تمانع وتغلو في الممانعة، ولكنه مصر على هذه الزيارة، فإن لم تفعل فهو مرتحل غدا، وقد ~~أذعنت وقبلت هذه الزيارة، والتمسا لها علة، وهي أن تأخذ أداتها الكاتبة، وتذهب إليه كأنه ~~يريد أن يملي عليها كتبا هو في حاجة إلى حفظ أصولها. # وقد صعدت هي تبتغي آلتها الكاتبة، وانصرف هو إلى غرفته وهو يقول: إذن فسيكون بينها وبيني ~~شيء لا تستطيع أن تظهر زوجها عليه، ولكن الزوج قد أقبل، ولم يكد يستقر حتى يرى امرأته تهبط ~~ومعها أداتها الكاتبة فيستوقفها، ويسألها فتخبره، فيحظر عليها الذهاب، فتأبى، فيلح ~~ويأخذها بشيء من العنف، ويرسل الخادم لتعلن إلى ماريشال أن السيدة معتذرة؛ لأن بعض الأمر قد ~~طرأ لها، ثم يعلن إليها أنهما مرتحلان غدا إلى باريس، فتأبى، فيعلن إليها أنه يريد ذلك ~~وكفى. # وهذا الناشر قد أقبل ومعه الفيلسوف الأديب الذي رأيناه في الفصل الأول، وكانا منتظرين، ~~فإذا سلما وذهب الفيلسوف ليستريح سأل الناشر صاحبه الكاتب: كيف يجد نفسه، فيخبره بعزمه ~~على السفر منذ غد ليفرق بين امرأته وبين ماريشال بعد أن أصبحت عشرتهما خطرة، فيضحك الناشر ~~منه، ويهزأ به، وينبئه بأن هذه قصة مدبرة، وأنه اتفق عليها مع جاكلين، وأهدى إليها دفترا ~~تكتب فيه الخواطر والمذكرات، فأما الكاتب فلا يطمئن لهذا الحديث. وتدعى جاكلين، وتسأل فلا ~~تجيب، فإذا ألح عليها الرجلان أخرجت ms034 دفترا ودفعته إلى زوجها، فينظر فيه فإذا هو نقي لم ~~يكتب فيه حرف واحد، وإذن! فقد كان الأمر بينها وبين الرجل جدا لا هزلا، وقد احتفظت ~~لنفسها بخواطرها ومذكراتها، فأما الكاتب فكئيب محزون، يائس، قد أثقله الهم. وأما الناشر ~~فيغريه ويعتذر إليه، وأما المرأة فقد صعدت، ثم عادت وقد تهيأت للسفر تريد أن تعود إلى ~~أهلها، فإذا سألها زوجها قالت: إنها تريد أن تخلو وتفكر لترى جلية ما يضطرب في نفسها، فيأبى ~~إلا أن يصحبها، وما يزال بها مهتما وشاكا وجزعا ومنذرا حتى تقبل؛ ذلك أنها تحب زوجها ~~كما يحبها، وإنما هي أزمة عرضت لها كما تعرض لغيرها من النساء والرجال. # سيسافران إذن، ولكنها تطلب إليه الإذن في أن ترى صاحبها، وتودعه لآخر مرة بعد أن تقسم له ~~أن لم يكن بينها وبينه إثم، فيأذن على كره منه، ويمضي ليتهيأ للسفر، ويقبل ماريشال، فيكون ~~بينه وبين صاحبته حديث قصير، ويتفقان على أن يلتقيا غدا في أورليان، أما هو فنفهم أنه يريد ~~أن يتم خطته، وأما هي فضعيفة لا تستطيع المقاومة في هذه الأزمة العنيفة. # وقد سافر الزوجان، وإذا نحن نرى الناشر والفيلسوف ومعهما ماريشال ينبئهما أنه سيتبع هذه ~~المرأة إلى أورليان، فيأبى عليه الناشر ذلك، ويحاول أن ينصرف عنه فلا يفلح، حتى إذا أحس ~~منه الإصرار الذي ليس بعده رجع اتخذ أقرب الطرق إلى الإقناع، فأعلن إليه أن المجمع اللغوي ~~سيمنحه الجائزة الكبرى، وأن المجمع اللغوي محافظ لا يمنح الجوائز لمن يعرف عنهم الإثم، فلا ~~يكاد ينبئه بذلك حتى يتردد، ثم يعلن إيثاره للجائزة على الحب. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فقد مضى حين من الدهر على ما حدثتك به، وقد عاد الزوجان إلى باريس، ~~وانصرف الكاتب عن الأدب، واستأنف عمله في وزارته، وانقطعت الصلة بينه وبين الأدباء والأندية ~~الأدبية، وأصبح كما كان من قبل موظفا عاديا، ولم يبق من هذه القصة إلا ذكرى مؤلمة تنغص ~~على الزوجين حياتهما، فهو واثق بأن امرأته لا تحبه، شاك فيما كان بينهما وبين ماريشال، ms035 وهي ~~تكره منه هذا الشك، وتضيق به، وتعيش معه عيشه الممرضة مع المريض، وتحمل في نفسها آلاما ~~خاصة لا تتحدث بها إلى أحد إلا الفيلسوف الذي احتفظ بما بينه وبينها من صلة، فهو يزورها من ~~حين إلى حين. # وقد ساءت حالهما المالية سوءا شديدا، فكثر الدين، وألحف الدائنون، وأنذرت الخادم بترك ~~العمل إن لم تؤد إليها أجرها. وجاء النذير بأن التليفون سيقطع، وهي تطلب إلى زوجها أن ~~يقترض شيئا على مرتبه من الوزارة، فيجيبها بأنه قد فعل ذلك مرة، وليس له أن يعود، فتطلب ~~إليه أن يلتمس عند الناشر قرضا، فيرفض في عزة وإباء، فتعلن إليه أنها ستبيع بعض حليها، وقد ~~انصرف وبقيت وحدها، فتدعو الخادم وتأمرها إن جاء بعض الدائنين أن تنكر مكانها. # وقد دق الجرس وعادت الخادم تنبئ بأن ماريشال يستأذن، فتدهش جاكلين لمقدمه، وتهم أن ترفض ~~استقباله، ثم يبدو لها فتأذن له، ويقبل ماريشال، وقد لعب الخيال برأس هذه المرأة، فأحيا في ~~نفسها كل شيء، ورد الأزمة إلى حدتها الأولى، وإذا هي تعاتبه لزيارته. # وتنكر هذه الزيارة، وتعتذر إليه؛ لأنها أبرقت إليه ألا يتبعها في أورليان وقد خيل إليها ~~أنه أقبل مستأنفا للحب والمودة، ولكنه لم يقبل لشيء من هذا، إنما أقبل يعرض عليها قصة ~~صغيرة صور فيها تصويرا بديعا ما كان بينهما من الأمر، ولم يرد أن تنشر قبل أن تقرأها، ~~بل قبل أن تكون أول من يقرؤها، فلا تسل عن وقع هذا النبأ على نفسها، فقد انهدم كل ما بناه ~~الخيال، ونظرت فإذا قيمة حبها ومودتها وما احتملت في سبيلهما من ألم، وما تعرضت له من خطر، ~~وهذه الحياة المنغصة، وهذا البؤس؛ قيمة هذا كله عند هذا الرجل أنه يصلح موضوعا ~~لكتاب! # وهي تدفع إليه قصته، وتعتذر من قراءتها، فيخرج مغضبا محنقا؛ لأن هذه القصة خير ما ~~كتب. # وقد دق الجرس وأقبل الفيلسوف، فرآها كئيبة محزونة، فيسألها، فتنبئه، فيغضب، فيخيل إليها ~~أنه يغضب لما تغضب له، ولكن الفيلسوف لم يغضب لهذا إنما لأنه وضع من ms036 هذه الحادثة قصة ~~تمثيلية ويسوءه أن يسبقه ماريشال إلى إذاعتها، فهو إذن كصاحبه! لم يكن صديقا ولا معزيا ~~ولا وفيا، ولم يكن يتردد عليها، ويتصل بها إلا ليكون أشخاصه ويقومهم، وإذن فقد قضي ~~عليها وعلى زوجها أن يألما ويشقيا ويحرما ليكتب ماريشال قصته، وليكتب بورجين تراجيديا أو ~~كوميديا. # وقد أقبل الزوج فتدهش لمقدمه، فينبئ بأنه لم يذهب إلى الوزارة هذا اليوم، وينصرف ~~الفيلسوف فإذا خلا الزوجان رأينا نفس المرأة قد تغيرت، فإذا هي ممتلئة حنانا ومودة لزوجها، ~~وإذا هي تثوب إليه راضية مطمئنة، أليس هو الذي احتمل ما احتمل من ألم صامتا، فلم يستغل ولم ~~يكتب، وهي تنبئه بنبأ ماريشال والفيلسوف؛ فيثور ويغضب وينذر، وهي تهدئه، وتهون عليه، وقد ~~دنت منه فوضعت رأسها على كتفه راضية مطمئنة، مستأنفة حبها الأول. # ولكن الزوج يرد رأسها عن كتفه، ويظهر على وجهه الاضطراب والاستخذاء، فإذا سألته أنبأها ~~بأنه هو أيضا قد كتب كتابا ... ثم فصل ذلك، فنفهم أنه كان يذهب إلى الوزارة فيتم عمله ~~الرسمي في لحظات، ثم ينصرف إلى كتابه فيمضي فيه حتى كتب ما يبلغ مجلدين، فتسأله: أين ذلك؟ ~~فيظهرها عليه، ثم يصفه فإذا هو راض به، بل معجب به أشد الإعجاب، واثق بأنه سيظفر برضا ~~الجمهور وإعجابه، ولكنه لن ينشره؛ لأنه لم يكتبه للنشر إنما كتبه لنفسه، فإذا أظهرت الشك في ~~ذلك أعلن إليها أنه سيمزقه ويحرقه. # وهذا الجرس يدق، وهذه الخادم تقبل وتعلن أن بعض الدائنين يأبى أن ينصرف، وينذر بالمحضر، ~~وهذا الجرس يدق مرة أخرى، وهذا الناشر قد أقبل لأن الزوج كان قد مر به فلم يجده فترك ~~بطاقته، فأقبل لعل صديقه في حاجة إليه، ولكنه يعلن إلى صديقه قبل كل شيء أنه مستعد لمعونته ~~إلا فيما يمس المال، فهو لا يستطيع أن يقرضه الآن قليلا ولا كثيرا. هنا يظهر الصراع بين ~~المؤلف والناشر قويا عنيفا، ولكنه ممتع مضحك، ذلك أن الزوج يعلن إلى الناشر أنه لا يريد ~~قرضا وإنما يريد جزءا من ثمن قصة أتمها ويوشك أن ms037 يقدمها إليه، فلا يصدقه الناشر، ولا يحفل ~~به، بل يعلن إليه أن كتبه أصبحت لا تعنيه، ثم ينهض لينصرف، وإذا الكاتب قد أسرع إلى ~~التليفون فدعا ناشرا آخر وأنبأه بأن لديه كتابا يريد أن ينشره، وأنه يحب أن ينشره عنده، ~~وأن يلتقيا ليمضيا العقد، هنا تثور حفيظة الناشر فيذكر ما أنفق وما دبر وما كاد، ويكره أن ~~تكون نتيجة هذا كله لخصمه، وإذا هو قد أسرع إلى التليفون فينتزعه من الكاتب انتزاعا، ويأخذ ~~في المفاوضة، فيعرض خمسة آلاف، وتطلب جاكلين عشرة، ويأبى الكاتب إلا عشرين ألفا وإلا أن ~~يرفض الناشر قصة ماريشال، فيذعن الناشر، وإذا الحياة قد عادت إلى جاكلين، وإذا الأمل قد ~~ابتسم لها، وإذا الناشر قد استأنف الثقة بالكاتب، وهو يطلب إليه أن يستقيل فيأبى في شدة؛ ~~لأن الوزارة أحسن مكان يصلح للتأليف. # وقد تم الاتفاق بين الرجلين، وانصرف الناشر وخلا الزوجان، فبينهما حديث فيه غبطة ومرارة، ~~وفيه إذعان المرأة وطمعها، وفيه ألم الأديب وغروره، ولكنهما قد وعدا الناشر أن يقدما إليه ~~الأصل بعد خمسة عشر يوما، فلا بد من البدء في تهيئة هذا الأصل، وهذه جاكلين قد جلست إلى ~~المائدة وهيأت الآلة الكاتبة، وهذا زوجها قد أخذ يملي عليها كتابه في بطء، بينما يسدل على ~~ذلك الستار. # | الأمر للقدر # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو» # أما هذه المرة فسأدع ما يكتبه أصحاب التمثيل، وما تشغل به الملاعب في هذه الأيام إلى كاتب ~~مات منذ سنين، وانصرفت الملاعب انصرافا مؤقتا عن قصصه التمثيلي، وإن كانت عقول الناس ~~وأذهانهم لم تنصرف عنه بعد، ولا ينتظر أن تنصرف عنه قبل زمن طويل، وهو بول هرفيو. # ولست أدري لم تركت ما كان بين يدي من القصص التمثيلية الكثيرة التي ظهرت في هذا العام أو ~~في العام الماضي وعدت إلى بول هرفيو أستعرض قصصه، وأتخير من بينها قصة أجعلها موضوع ~~الحديث في هذا الشهر، أو قل إنني أعرف السبب الذي صرفني عن الكتاب الأحياء المنتمين إلى ~~هذا الكاتب، وهو أني أحبه، وأعجب ms038 به ولا أعرف حدا لحبي إياه وإعجابي به، أحبه فأقرأ ~~قصصه، ثم أعيد قراءتها المرة بعد المرة، فلا أسأم ولا أمل، بل أجد فيها كلما أعدت قراءتها ~~لونا من اللذة جديدا، وفنا من الإعجاب طريفا، وإذا كان هناك شيء يصح أن أتساءل عنه فهو ~~هذا الحب الذي لا حد له، والذي يزداد قوة كلما أمعنت في قراءة هذا الكاتب، لقد حللت ~~طائفة من قصصه، وكتبت عنه غير مرة، ومع ذلك فأنا راغب في أن أعود إليه، وأن أستأنف الحديث ~~عنه، لا أجد في ذلك مشقة، ولا أخشى أن يجد القارئ في العودة إليه مشقة أيضا، أذلك لأن ~~فلسفة بول هرفيو في قصصه التمثيلية هي أشد أنواع الفلسفة الخلقية اتصالا بمزاجي الشرقي، ~~وملاءمته لحياتي الشرقية؟ فالشرقي - سواء رضي أم كره - قدري مطمئن إلى أن هناك سلطانا ~~قويا قاهرا يصرفه ويسيطر عليه، كما يصرف الأشياء من حوله ويسيطر عليها، هو مقتنع بهذا ~~القدر، مطمئن إليه، مستسلم له، وحياته العملية كلها متأثرة بهذا الاطمئنان والاستسلام، كما ~~أن حياته العقلية والشعورية متأثرة بهما تأثرا شديدا، تختصره هذه الجملة التي يرددها ~~المسلمون عن اقتناع وإيمان واطمئنان، والتي كدت أستعيرها عنوانا لهذه القصة: «لا حول ولا ~~قوة إلا بالله.» # ثم إن فلسفة بول هرفيو في الأخلاق، وفهمه للحياة يمثلان هذا النوع من القدرية التي يؤمن ~~بها الشرقيون، ويذعنون لها إذعانا كون أمزجتهم تكوينا، فأنت حين تقرأ قصة من قصص بول ~~هرفيو لا تكاد تمضي في القراءة حتى تحس أن الكاتب جاد في أن يزيل عن نفسك طائفة من الغشاوات ~~التي تختلف كثافة ورقة، والتي تخيل إليك أن لك من الأمر شيئا، وأنك تستطيع أن تصرف ~~حياتك وحياة الناس، وأن تؤثر في الأشياء من حولك بهذه الإرادة التي تمتلكها، وما يزال ~~الكاتب يزيل هذه الغشاوات غشاوة غشاوة، وما تزال أنت تمضي معه متخففا من أثقالها شيئا ~~فشيئا، واجدا لذة غريبة في التخلص من هذه الغشاوات، ومواجهة الحياة كما هي، حتى ينتهي بك ~~الكاتب إلى آخر القصة، وإذا ms039 أنت مقتنع معه بأن إرادتك ليست شيئا، وأن ما كنت تحسبه لنفسك ~~من قوة وبأس وسلطان لا يزن شيئا أمام هذه القوى العظيمة الخارجية التي تصرفك وتسيطر ~~عليك، وتخضعك لسلطانها، سواء أردت أم لم ترد. # لا يبحث بول هرفيو عن طبيعة هذه القوة، ولا يعنيه أن يحددها ولا أن يصفها، ولا أن يتعمق ~~فيما بعد الطبيعة ليتبين كنهها، وليتبين ما بينها وبين القوى الأخرى من صلة، كل ذلك لا ~~يعنيه، وإنما الذي يعنيه هو أن يلاحظ وجود هذه القوى، وتأثيرها في حياة الناس، وإكراهها ~~الناس على أن يسلكوا طرقا ما كانوا ليسلكوها لو أنهم أحرار، ويصطنعوا أمورا ما كانوا ~~ليصطنعوها لو أن لهم إرادة أو اختيارا، لتكن هذه القوة دينية، أو لتكن هذه القوة طبيعية، ~~أو لتكن هذه القوة اجتماعية، أو لتكن هذه القوة مزاجا مؤتلفا من هذه الألوان كلها، ~~فطبيعتها لن تغير من الحقيقة الواقعة شيئا. # والحقيقة الواقعة هي أن هذه القوة تأخذ علينا الطرق، وتطيف بنا من كل ناحية، وتضطرنا إلى ~~ما نأتي من الأمر في حياتنا الفردية والاجتماعية فيما بيننا وبين أنفسنا، وفيما بيننا وبين ~~الناس من صلة. # وإذا كان هذا حقا فخليق بنا أن نخفف من هذا الغرور الذي يملؤها، ويخيل إلينا أنا شيء ~~مذكور، وأن نرى أنفسنا كما نحن ضعافا مسيرين لا حظ لنا من قوة، ولا قدرة لنا على ~~المقاومة، ثم إذا كان هذا حقا كنا خليقين أن نلائم بينه وبين حكمنا على الأشياء، وحكمنا ~~على الناس، فنقصد في المدح والذم، ونعتدل في اللوم والإطراء، ولا نسرف في تقدير التبعات، ~~ولا نسرف بعد ذلك في تقديرنا ما يلائم هذه التبعات من مقاومة باللوم حينا وبالعقوبة حينا ~~آخر، وإذا كان هذا حقا فخليق بنا أيضا أن نستقبل الحياة راضين مطمئنين، لا ساخطين ولا ~~ثائرين، وما قيمة السخط الذي لا يجدي؟ وما قيمة الثورة التي لا تغني؟ وفيم نضطرب وفيم نثور ~~ونحن مضطرون آخر الأمر إلى أن نذعن ونستسلم ، أليس الرضا بما لا بد منه خير ms040 من هذه المقاومة ~~العنيفة التي ليست في حقيقة الأمر إلا جهدا ضائعا وضربا من ضروب اللغو. # فأنت ترى أن هذه الفلسفة التي تظهر في أول الأمر سوداء مسرفة في التشاؤم والاستسلام ليست ~~أقل من غيرها دعوة إلى الخير، وترغيبا فيه، واتصالا بما ألف الناس من قواعد الأخلاق، فهي ~~تأمر كما تأمر غيرها بالإحسان والصفح، والاعتدال في اللوم والذم، والاعتدال في الحمد ~~والثناء، ثم هي تأمر كما تأمر غيرها بالرضا، واستقبال الحياة في طمأنينة، وابتسام عن علم ~~بها، وحسن رأي فيها. # ألهذه الفلسفة المتصلة بمزاجنا الشرقي أحب هذا الكاتب، وأمعن في حبه؟ أم أنا أحبه لأنه ~~متصل بهذه الطائفة من الكتاب والشعراء القدماء الذين أثروا في الأدب الإنساني كله آثارا ~~خالدة لا سبيل إلى أن تزول؟ فقصص بول هرفيو ليس جميلا لما فيه من فلسفة فحسب، بل هو جميل ~~لأنه يتصل بالقصص اليوناني التمثيلي في تصوره للحياة، وفي تصويره لهذه الحياة، كما يتصل ~~بهذا القصص التمثيلي القديم في إيثاره للجمال الفني، يلائم فيه بين الألفاظ والمعاني ~~ملاءمة تبهرك بما فيها من جلال، يظهر في الألفاظ كما يظهر في المعاني كما يظهر في الأغراض ~~التي يرمي إليها، وكما يظهر في الصور المختلفة التي يتخذها وسيلة إلى هذه الأغراض. وأنت حين ~~تقرؤه مضطر إلى أن تفكر في إيسكولوس، يضطرك إلى ذلك هذا الجلال الذي يسبغه بول هرفيو على ~~قصته كما كان يسبغه إيسكولوس، كما يضطرك إلى ذلك رأي بول هرفيو في القضاء، فهو بعينه رأي ~~إيسكولوس في القضاء لا يفرق بينهما إلا أن إيسكولوس كان وثنيا يؤمن بآلهته الوثنيين، ~~وبخضوعهم لهذا القضاء كما يخضع له الناس، وكان يتصور هذا القضاء تصورا وثنيا يونانيا ~~لم يتأثر بفلسفة الفلاسفة ولا بعلم العلماء ولا بالحضارة الراقية المسرفة في الرقي، أما ~~بول هرفيو فابن القرن التاسع عشر، لم يكن وثنيا، وإنما هو خلاصة كل هذه الحضارة الفرنسية، ~~وما انتهى إليها من آثار الأمم القديمة، وما عمل فيها من فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، ثم ~~ما شهد من ازدحام ms041 الناس وتنافسهم في جميع ألوان الحياة، فقضاؤه ليس أقل عنفا ولا سلطانا ~~من قضاء إيسكولوس، ولكنه قضاء متحضر مهذب، يلائم القرن التاسع عشر. # فلسفة بول هرفيو وفنه، واتصاله من هاتين الناحيتين بسلسلة الممثلين اليونانيين، والممثلين ~~الفرنسيين في القرن السابع عشر، ثم تعرضه للمسائل العويصة الدقيقة، ومحاولته أن يجد لها ~~حلا في القضاء والقدر، كل هذا حبب إلي هذا الكاتب، ورغبني في ترديد قراءته، وترديد ~~الحديث عنه. # وهذه القصة التي أريد أن أحدثك عنها الآن هي آخر ما قدم إلى الملاعب قبيل الحرب، وقد ~~أجمع النقاد على اختلاف أهوائهم وميولهم الفنية على الإعجاب بها والثناء عليها، وذهب بعضهم ~~في ذلك إلى أبعد حد ممكن فوصفها بأنها آية من آيات الفن، ولست أذهب هذا المذهب ولا أغلو هذا ~~الغلو؛ فقد قرأت من قصص بول هرفيو التمثيلي ما أعجبني وراقني، وأثر في نفسي تأثيرا ~~أبلغ من تأثير هذه القصة، ولكني على ذلك أرى أن هذه القصة تلخص مذهبه الفلسفي تلخيصا ~~وافيا أكثر مما تلخصه قصة أخرى من قصصه التمثيلية، وكأنه كان يحسن أن هذه القصة ستكون آخر ~~قصصه، وكأنه كان يريد لهذا أن يعرض فيها مذهبه كاملا صريحا، وقد دفعه إلى ذلك ولا سيما في ~~المنظر الأخير من هذه القصة. # وقد وضعت هذه القصة لملعب أجنبي، فقد يقال إن الكاتب لقي بعض الممثلين في إسبانيا، ورغب ~~إليه هؤلاء الممثلون في أن يأذن لهم بترجمة شيء من قصصه التمثيلي فرضي، ثم وعدهم بأن يضع ~~لهم قصة خاصة ثم عاد إلى باريس فوضع هذه القصة القصيرة، وأرسلها إلى إسبانيا، فما أسرع ما ~~نقلت إلى الإسبانية، ومثلت في مدريد، بينما كان الأصل الفرنسي يمثل في باريس، ولهذه ~~الخاصة أثر ظاهر في القصة، فقد يلاحظ القارئ في بعض الأشخاص حرارة وحدة وشعورا غاليا ~~بالشرف تلائم المزاج الفرنسي، ومن غريب الأمر أن بعض النقاد الفرنسيين شهد تمثيلها في ~~إسبانيا، وشهد تمثيلها في فرنسا، وأراد أن يقارن بين التمثيلين فاستخلص من هذه المقارنة أن ~~القصة الفرنسية شيء والقصة الإسبانية ms042 شيء آخر، لا من حيث المعاني والأغراض؛ فقد كانت ~~الترجمة دقيقة صحيحة، ولكن من حيث الأثر الذي يتركه تمثيلها في النفوس، فالتمثيل الإسباني ~~عاطفة كله فتظهر فيه الحدة والحرارة، ويظهر فيه الشعور قويا عنيفا، بينما التمثيل ~~الفرنسي مزاج معتدل من العقل والشعور، فالحدة فيه لا تكاد تظهر، وإنما يظهر هذا التأثير ~~الشديد الذي يلطفه التفكير كما يظهر فيه هذا الحزن العميق الذي لا حظ فيه لإسراف الدموع، ~~ولا لإسراف الصوت أيضا. # وأنت حين تقرأ هذه القصة تعجب بالألفاظ إعجابا شديدا، وذلك شأنك حين تقرأ آثار بول ~~هرفيو كلها، وتعجب أيضا بالمعاني التفصيلية، ولكنك تحس في أول الأمر شيئا من البطء ومن ~~الهدوء الذي لا يخلو من إسراف، ويخيل إليك أن الكاتب يطيل في غير جدوى، وتساءل نفسك إلى ~~أين يريد أن ينتهي، ولكنك لا تكاد تفرغ من الفصل الأول حتى يكون الكاتب قد انتهى بك إلى ~~عقدة شديدة، وشوقك إلى أن تعرف كيف تحل هذه العقدة، فأنت في حاجة إلى أن تمضي في القراءة، ~~ولكن هذه العقدة ليست من الغرابة والطرافة بحيث تحول شوقك إلى شيء من الكلف غريب تشعر به ~~أمام الحوادث الحادة، إنما أنت مشوق إلى أن تعرف كيف تنتهي هذه القصة، والكاتب في الفصل ~~الثاني هادئ مطمئن، يسير معك في رفق ولين حتى يسئمك في بعض الأحيان، ولكن هذا الفصل لا يكاد ~~ينتصف حتى ينقطع كل هدوء، وينتهي كل رفق، ويستحيل الأمر استحالة تامة، فإذا الحوادث يتبع ~~بعضها في سرعة شديدة وعنف غريب، وإذا أنت قد فقدت هدوءك، وثرت كما يثور الكاتب، وإذا شوقك ~~إلى الفراغ من القصة قد استحال إلى شهوة عنيفة فأنت تعيش مع الأشخاص عيشة حادة مضطربة، وأنت ~~تحس في الوقت نفسه الغشاوات تسقط عن نفسك شيئا فشيئا، وأنت ترى نفسك بعد هذا كله فجأة قد ~~وقعت أمام إثم عظيم فيه القتل، وفيه السرقة، وفيه الكذب، وفيه شهادة الزور، ولا أثر للإرادة ~~الإنسانية الحرة في شيء من هذا بوجه من الوجوه، إنما هي ظروف ms043 قاهرة: منها ما يتصل بشهوات ~~النفس، ومنها ما يتصل بالوراثة، ومنها ما يتصل بالنظام الاجتماعي، وكل هذه الظروف قد تظاهرت ~~على أن تضطر جماعة من الناس إلى أن يتورطوا جميعا في هذه الآثام، وهؤلاء الناس جميعا ~~بطبيعتهم وبتربيتهم، وباعتقادهم الديني بعيدون كل البعد عن هذه الآثام لو استطاعوا أن ~~يتقوها ويجتنبوا التورط فيها، هم جميعا مسيحيون مؤمنون شديدو الإيمان بحكم أمزجتهم، وبحكم ~~تربيتهم، وبحكم البيئة التي يعيشون فيها، وهم يتمثلون وصايا التوراة: لا تسرق، لا تقتل، لا ~~تشهد الزور ... وهم مع ذلك مضطرون إلى أن يسرقوا، وإلى أن يقتلوا، وإلى أن يشهدوا الزور، ثم ~~إلى أن يلاحظوا هذا كله، ويلاحظوا آخر الأمر أن السلطان كله للقدر. وليس هذا كله كل ما في ~~القصة، بل أنت تجد فيها نوعا من المقارنة غريبا دقيقا، عمد إليه الكاتب في رفق ولين، بين ~~خادم متواضع ضئيل اضطرته ظروف الحياة أن يسرق شيئا قليلا من سادته، فإذا هم ساخطون عليه، ~~ناقمون منه، يعنفونه ويطردونه في ازدراء واحتقار، وهو مذعن مستسلم مستخز أمام ما اقترف من ~~إثم، حتى إذا جل الخطب وكانت الكارثة، ظهر من هذا الخادم ما يجعله خليقا بإعجاب سادته، ~~بل ما يجعل سادته مدينين له بالشكر، ويكرههم على أن يعترفوا له بالجميل، وهو على هذا كله ~~حين سرق ما سرق لم يكن أشد منهم تورطا في الإثم، ولا أبعد منهم عما تعودوا أن يسموه شرفا ~~وفضيلة. ~~••• # نحن في قصر فخم في الريف الفرنسي تقيم فيه أسرة غنية، تتألف من زوجين وابنين، فأما أحد ~~الزوجين فرجل غني نشأ في الطبقة الوسطى، وعمل أبوه في الشئون المالية؛ فأثرى وطمع له في ~~زوجة من الأسر النبيلة فوفق إلى أن يزوجه من فتاة بعيدة الشرف، عظيمة الثروة، فأما الزوج ~~فاسمه جايتان بيري، وأما الزوجة فاسمها جوليان دي شازيه. # وقد ورث الزوج عن أبيه مع ثروته ما يمثل الطبقة التي نشأ فيها، فهو رجل عمل لا يعرف ~~التردد ولا الاضطراب، جريء حتى على الأخلاق، حتى على النظم الاجتماعية، ms044 ماهر في النفاق، ~~يستطيع أن يخدع الناس عن نفسه، كما يستطيع أن يخدعهم عن أنفسهم، قد أظهر لامرأته أنه يحبها ~~فاقتنعت بذلك وأحبته، فصدقت في حبه، على أنه لم يكن فيما أظهره من الحب إلا منافقا. # وأما امرأته فقد ورثت كذلك عن أسرتها شرفا في النفس، وكرامة، وأخلاقا رضية، وهدوءا، ~~وصراحة، وسذاجة لا حد لها، مخلصة لا حد لإخلاصها، صادقة في حب زوجها، صادقة في حب ابنيها، ~~معتدلة في هذا كله، محسنة كثيرة الإحسان. # ولهذين الزوجين ابنان؛ أحدهما: غلام يتهيأ لدخول المدرسة الحربية، والأخرى: فتاة جميلة ~~ظريفة، قد بلغت سن الزواج وهي تدير في نفسها فكرة لها صدى في قلبها، فهي تحب وتريد أن تقترن ~~ممن تحب. # ولهذه المرأة أخ عمل في الجيش، وارتقى فيه إلى مرتبة لا بأس بها، يشبه أخته في كرم النفس، ~~وحسن الشيم، محب لأخته وابنيها، لا يعدل بهم أحدا، قد نزل لهم عن ثروته كلها أو كاد، ووقف ~~حياته على هذين الشابين لا يبتغي إلا أن يجعلها أسعد الشبان. # ونحن نرى أول الفصل هذا الغلام جواشان في حالة سيئة، والخادم يعنى به؛ لأنه سقط عن فرسه، ~~وكاد يصيبه التلف لولا هذا الخادم، وهو يشكر للخادم أن أنقذه، والخادم لا يرى في ذلك ما ~~يستحق الشكر، وهو يطلب إلى سيده ألا يتحدث بشيء من ذلك إلى أمه حتى لا تشفق ولا تخاف حين ~~يتصل بالمدرسة، وألا يتحدث بذلك إلى خاله؛ حتى لا يتخذه موضوعا للعبث والسخرية، والغلام ~~يشعر بما في ذلك من تضحية يقدمها الخادم له، فلن تعرف أمه أن الخادم قد أنقذه، ولن تثني ~~عليه، ولن تكافئه. # وتأتي أخته نويمى فترثي له، وتثني على الخادم. # ثم يأتي خالهما فيكون بينه وبينهما شيء من الدعابة ظريف. ولكن هذا القسم كله من القصة ~~بطيء - كما قلت لك - لا يظهرنا على شيء مما يريد الكاتب إلا أنه يمثل لنا دعة الأسرة، وما ~~هي فيه من ثروة ونعمة بال، كما أنه يمثل لنا هذا الخال سفرين دي شازيه ضابطا ms045 قوي النفس، ~~شديد الخلق، كريما، رقيق القلب ... # وقد انصرف الفتيان وأقبلت أمهما فتتحدث إلى أخيها لبعض الشيء، ونفهم من حديثها أنها تنتظر ~~صديقا لها ولأخيها هو مسينيه، كما نفهم من حديثها أن زوجها سيسافر لبعض شأن، ويقضي الليل ~~بعيدا عن القصر ... # ويتركها أخوها حينا، ويقبل زوجها، فيكون بينهما حديث نفهم منه أنه ضيق الصدر بأخيها، وهي ~~تلومه على ذلك، وتذكر ما كان لأخيها عليهما من فضل، وهو ينكر جميل أخيها، ويسرف في الإنكار، ~~ثم نفهم من الحديث أنه يسافر إلى مكان لا يعينه في دقة، كما أنه لا يعين موعد عودته في دقة، ~~فهو مريب في كل ما يقول، كما أنه مريب في كل ما يأتي، ولكن امرأته لا تحس شيئا من ~~هذا. # وقد انصرف وأقبل الصديق الذي كانت تنتظره جوليان، فإذا تحدث إليها وتحدثت إليه فهمنا أنه ~~صديق قديم، وأنه أحب هذه المرأة وخطبها فلم تجبه، فاحتفظ لها بود قوي طاهر. # ويأتي أخوها فيتحدثون قليلا، ثم تتركهما لبعض شأنها، فإذا خلا الرجلان أخبر مسينيه صاحبه ~~بأن زوج أخته سيئ الحال، قد أتى من الأمر ما يمس شرفه، ويعرضه للقضاء، وفهمنا من حديثهما أن ~~هذا الرجل يخون امرأته، ويسرف في خيانتها، فله خليلة ينفق عليها أموالا ضخمة، ثم نرى سفرين ~~ثائرا يقسم ليكرهن زوج أخته على أن يغير من سيرته، وصاحبه يأخذ عليه العهد أن يكتم الأمر ~~على جوليان، ولكن هذا الكتمان لن يطول أمره، فهذه جوليان مقبلة، وفي يدها كتاب تقول أنه ~~أرسل إلى زوجها مستعجلا، وأنها ترددت ثم فضته، ونظرت فيه فإذا هو بشع منكر؛ لأنه يخبر ~~زوجها بأن أمره قد رفع إلى القضاء، وهو متهم بالنصب والاحتيال، فأما هي فمغضبة ساخطة لا ~~تحفل بهذا الكتاب، وإنما تنكر أن يكون في الناس من ينحط إلى كتابة مثله، وأما الرجلان ~~فيضطربان لهذا الكتاب، وتحس منهما هذا الاضطراب، فتسأل وتلح فينبئانها آخر الأمر بأن هذا ~~الكتاب قد ينم عن بعض الحق، ثم يعلنان إليها أنهما سيسافران فورا إلى باريس ليتبينا ms046 حقيقة ~~الأمر، وليتداركا الشر قبل وقوعه ... # فقد رأيت اضطراب هذه المرأة أمام هذا الخطر الذي يوشك أن ينزل بأسرتها، ولكنها على ذلك ~~مطمئنة لا تكاد تقدر ما تتعرض له. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فقد انقضى الليل، وانقضى أكثر الغد، وأقبلت جوليان إلى حيث تركناها ~~أمس مضطربة بعض الشيء، تتعجل عودة أخيها من باريس، وهذا الخادم قد أقبل يعرض عليها حسابه؛ ~~لأنه يريد أن يترك الدار بعد أن اتهم بأن سرق مائة فرنك، فاعترف بهذه السرقة، وبأنه اضطر ~~إلى ذلك لينقذ ابنته من الموت، وهي لا تكاد تلتفت إليه، بل ترد إليه معلنة أن زوجها سينظر ~~في هذا الحساب، والخادم يستعطفها ويدفع عن نفسه، وهي ترده رفيقة مرة، وعنيفة مرة ~~أخرى. # وهذا أخوها يقبل فتتعجله الأخبار، فيخبرها بأن ما في الكتاب صحيح، وبأنه عرف تفصيل ~~القضية، وبأن زوجها متهم بالسرقة، ثم بالنصب والاحتيال، وبأن التهمة - ثابتة - تثبتها كتب ~~خطتها يد زوجها، وبأن الخصوم السياسيين لزوجها مسرفون في نيل هذا الرجل بالشر، يبتغون من ~~ذلك شفاء شهوة سياسية ... وهي تسمع لهذا كله فيصعقها، ولكنها قويمة النفس، تستطيع أن تحتمل، ~~فما أسرع ما تسترد صوابها، وإذا هي تفوض الأمر لأخيها، مظهرة الاعتماد عليه، والثقة به، ~~ولكنها مع ذلك تثق بالله، وتعتمد عليه، فتترك أخاها وتذهب إلى حيث تصلي. # وهذان الغلامان قد أقبلا في نشاط ومرح وابتسام للحياة، وخالهما ينكر عليهما الإسراف في ~~اللذة والابتهاج، ويود لو نظرا إلى الحياة في شيء من الجد فلا يفهمانه؛ لا يفهمان منه هذا ~~الرأي الجديد، وهو لا يستطيع أن يبين، ولا أن يظهرهما على حقيقة الأمر، ولكنه يدور حول هذه ~~الحقيقة، فلا يعيان عنه شيئا، والفتى يداعب أخته ويغيظها، ويعرض بما بينها وبين بعض ~~رفاقه من صلة ثم يمضي، فإذا ألح الخال على ابنة أخته أخبرت بأنها تحب هذا الرفيق، وأن هذا ~~الرفيق يحبها، وأن أمها تحس بشيء من ذلك، وتشجعها عليه، وأنها هي حريصة على أن تقترن بهذا ~~الفتى مشفقة من رفض أبيها، معتمدة على خالها ms047 في حمل أبيها على القبول، وينصرف الفتيان إلى ~~لعبهما. # وأنت تحس في أثناء كل هذا الحديث شوقا إلى أن تعرف كيف تنتهي القصة، وضيقا بكل هذه ~~الأشياء التي تعترض مجراها، ولكن هذه الأشياء كلها لم تأت عبثا، فهي تزيد في حرج الموقف، ~~فمرح هذين الغلامين وابتسامهما للحياة، وأمل هذه الفتاة وحبها بينما تحدق الكارثة بهذه ~~الأسرة، كل هذا يضاعف الحرج الذي يحيط بهؤلاء الناس، وله أثره فيما سيصدر عنهم من ~~الأعمال. # وقد أقبل الزوج فيتلقاه أخ امرأته مغضبا، ويسأله هل تلقى رسالة امرأته، فإذا أجاب أنه لم ~~يتلق شيئا، قال له صاحبه: فهذا دليل على أنك لم تكن حيث أنبأت امرأتك، ثم يشتد الحوار ~~بين الرجلين، ونفهم منه أن الزوج يعلم بكل شيء، أنه استيأس من موقفه وأنه إنما جاء ليمر ~~بمكتبه فيأخذ منه بعض الشيء، ثم يمضي إلى حيث يلتمس النجاة، إذن فهو يريد الهرب من فرنسا! ~~لا يحفل بامرأته، ولا يحفل بابنيه، ولا يحفل بما سيقال عنه، وما سيقال عنهم جميعا ... ولكن ~~سفرين يقدر موقفه، ويقدر موقف أخته وابنيها، وشرف الأسرة، ومستقبل هذين الغلامين بنوع ~~خاص، وهو يعلم أن هرب هذا الرجل أو سجنه قضاء على ما للأسرة من شرف، وهو يتمثل ابنة أخته ~~وقد انقطع أملها، وانصرف عنها رفيقا، ويتمثل ابن أخته وقد حيل بينه وبين مستقبله في الجيش، ~~ويتمثل أخته ذليلة مهينة محتقرة، يتمثل هذا كله ولا يرى مخرجا منه إلا أن يقتل هذا الرجل ~~نفسه قبل أن يساق إلى القضاء، فهو يعرض لزوج أخته بالانتحار، فلا يلقاه الآخر إلا ساخرا ~~مزدريا، فيخرج من التعريض إلى التصريح، فيأبى عليه الآخر، فيلح، فيشتد الآخر في الإباء، ~~وكلما مضى الحوار بين الرجلين اشتد في نفس الأب حرص على الحياة والهرب، واشتد في نفس ~~الخال حرصه على شرف أسرته، ومستقبل هذين الغلامين. وكان الأب قد ترك مسدسه على المائدة، ~~فانظر إلى الخال يخرج المسدس من علبته، ويشير به إلى الأب، والأب يعرض عنه، والخال يلح، ~~حتى إذا أسرف في ms048 الإلحاح، ومضى في طريقه إلى مكتبه تبعه الخال ومعه المسدس، هائجا ثائرا ~~منذرا، والأب لا يزداد إلا امتناعا، والخال لا يزداد إلا نذيرا، وهذا الخادم قد أقبل ~~يخبر بأن بعض الشرطة بالباب، ثم ينصرف، فيشتد الخال في الإلحاح، ويشتد الأب في الإنكار، ~~ويمضي إلى مكتبه، ويتبعه أخ امرأته، وبينما هما يستبقان في شيء يشبه الصراع يعود الخادم ~~ويقبل الصديق مسينيه وقد أغلق باب المكتب دون الرجلين ويسمع بينهما حوار عنيف، ثم يسمع ~~انطلاق المسدس، ثم يعود الخال في ذهول تستطيع أن تقدره، وقد فهم الخادم وفهم الصديق أنه قد ~~قتل زوج أخته، ولكن الشرطة بالباب، فما أسرع ما يمضي الخادم والصديق إلى حيث القتيل. # وهذه جوليان مقبلة، فيتلقاها أخوها، فتسأله عن زوجها هل أقبل، فيجيبها جوابا غامضا، ~~ويتحدثان فما أسرع ما يصلان إلى الفاجعة، ألم تنظر فترى قفازي زوجها؟ ثم ألم تنظر فتفتقد ~~المسدس؟ إنها لتسرع تريد أن ترى زوجها فيمسكها أخوها، ويخبرها بأنه قد مات ... فهي ذاهلة ~~واجمة، ساخطة على أخيها؛ لأنه لم يحل بين زوجها وبين الموت، معلنة أنها تحب زوجها، وستحبه ~~أبدا، ولكن أخاها يكشف لها عن جلية الأمر، وينبئها بمكان هذا الرجل من خيانتها، وما يزال ~~بها حتى تقتنع، وإذا حبها لزوجها قد تغير، وإذا هي مثقلة قد انهدت قواها أمام هذه الكوارث ~~المتصلة: هذا زوجها قد سرق، وكانت على ذلك تحبه، وهذا زوجها قد قتل نفسه وأسلمها، وأسلم ~~ابنيها للذل والفقر، وكانت على ذلك تحبه، ولكن زوجها قد خانها، فأين ذهب هذا الحب؟ لقد كان ~~تكره أخاها منذ لحظات، ولكنها الآن تثوب إليه، وتريد أن تعانقه وهو يأبى عليها ... فإذا أنكرت ~~عليه هذا الإباء أخبرها بأنه قتل زوجها ... فهي مضطربة إلى اضطرابها، واجمة إلى وجومها، وهي ~~تذكر وصايا التوراة: لا تسرق، وقد سرق زوجها، لا تقتل، وقد قتل أخوها، لا تشهد الزور، وهي ~~مضطرة إلى أن تشهد الزور، وهي مشفقة على أخيها من الخادم، ألم يكن أمس موضوع سخطها؟ ألم ~~يعنفاه؟ ألم يطرداه؟ فما يمنعه ms049 أن يثأر لنفسه؟ لقد سرق ولكن زوجها قد سرق، وقد سرق، وهو ~~مضطر لينقذ ابنته من الموت، أما زوجها فسرق ليرضي خليلة، وليمعن في خيانة امرأته، وهذا ~~الخادم قد أقبل ينبئ سفرين بأن بعض رجال الشرطة عندما نظر إلى القتيل لاحظ أن المسدس قد ~~أصاب رأسه من بعيد فأخبره الخادم بأنه أدرك سيده وهو يحاول الانتحار فأراد أن ينتزع منه ~~المسدس فلم يوفق إلا إلى إبعاد ذراعه عن رأسه، واقتنع الشرطي، والخادم يخبر سيده بذلك ~~ليعلمه، وليحرص على ألا يناقضه إن سئل، إذن فهذا الخادم الذي سرق أمس واحتقر، وازدري، ~~وطرد قادر على الوفاء! ولكن ما طبيعة هذا الوفاء؟ أليست هي الكذب، وشهادة الزور؟ وإذن فمتى ~~كان يحسن الخادم، أحين يشهد الزور لينقذ حيا أم حين يصدق في الشهادة ليعاقب ~~مجرما؟ ~~••• # أما سفرين فهو يودع أخته، يريد أن يترك جوارها وجوار ابنيها، فهو لا يستطيع أن يرى هذين ~~الغلامين وقد قتل أباهما، وسيكون حظه من الدنيا أن يرعاهم جميعا عن بعد، ويضمن لهم ~~الحياة. # وهذا الصديق قد أقبل فإذا سفرين يستودعه أخته، ويوصيه بأن يرعاها في احترام وإخلاص، فيعده ~~بذلك. # ولكن أخته تتعلق به ملحة عليه أن يعدها بأنه سيعود أو بأنه سيحاول العودة، فإذا أسرفت ~~في الإلحاح أجابها: فيم الوعد؟ وهل أدري ماذا أصنع؟ وهل أستطيع أن أعلم شيئا؟ أليس الأمر ~~للقدر؟ # | أنا قاتلة # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «ليوبولد مارشان» # مثلت هذه القصة في باريس منذ ثلاثة أشهر، فأجمع النقاد على الإعجاب بها، ولكنهم على ذلك ~~وقفوا منها مواقف مختلفة: فمنهم من أعجب إعجابا مطلقا، ومنهم من احتاج إلى شيء من التحفظ ~~يختلف قلة وكثرة باختلاف حظه من المحافظة، والميل إلى التجديد في مناهج الفن ~~التمثيلي. # والحق أن القصة تدعو إلى شيء من التردد في وضعها، وتصورها، وانسياق فصولها، ومناظرها، ~~فموضوعها في ظاهر الأمر عادي تافه لا يكاد الناس يلتفتون إليه إلا أن يضطروا إلى ذلك، فإن ~~فعلوا فما أسرع ما ينصرفون عنه؛ لأنه من هذه الموضوعات التي تطرق ms050 آذانهم في كل يوم، وتغدو ~~بها الصحف وتروح، والتي أثارث أول الأمر شيئا من السخط، ثم لم تلبث أن ألفها الناس ~~واطمأنوا إليها، فالعناية بموضوع كهذا وعرضه في ملاعب التمثيل خليقة أن تضطر الناقد إلى شيء ~~من التردد، ثم وضع القصة نفسه لا يخلو من بعض الغرابة، فقد تعود الكتاب الممثلون أن ~~يسيروا بالنظارة والقراء سيرا هادئا منطقيا حتى ينتهوا بهم إبان القصة أو آخرها إلى ~~ما يثير في نفوسهم العواطف الحادة إن كانوا يريدون إلى إثارة هذه العواطف. أما كاتبنا فقد ~~خالف هذا المنهج مخالفة تامة؛ فبدأ بما يثير العواطف، ويهز النفس هزا عنيفا في الفصل ~~الأول، ثم مضى بقصته في تؤدة وهدوء ولين حتى انتهى بها إلى آخرها، ثم إن القصة في حقيقة ~~الأمر توشك أن تكون قصتين، أو هي بالفعل قصتان، تبدأ أولاهما في الفصل الأول، وتنتهي إبان ~~الفصل الثاني، ثم تبدأ الأخرى وتنتهي آخر الفصل الثالث. ومن الممكن جدا فصل هاتين ~~القصتين، ولكن هذا الفصل يفسد إحدى القصتين وهي الأولى؛ لأنه يردها إلى شيء تافه لا قيمة ~~له، ولا خطر، ويسيء إلى القصة الثانية؛ لأنه يردها إلى حوار مجرد، وإلى ضرب من الفلسفة لا ~~عمل فيه ولا حركة، ومهما يكن من شيء فاقتران هاتين القصتين وإن كان في حقيقة الأمر مصدر ~~جمال - كما سترى - خليق بأن يفاجأ النقاد والنظارة، ويضطرهم إلى شيء من التردد قبل الحكم ~~للكاتب أو عليه. # تجد هذه الملاحظات كلها وملاحظات أخرى فيما كتب النقاد عن هذه القصة إثر تمثيلها لأول ~~مرة، ولكنك تجد في الوقت نفسه إلى هذه الملاحظات - كما قلت لك - إعجابا شديدا لم يتردد ~~النقاد جميعا في إعلانه، بل لم يتردد بعضهم في أن يغرق فيه، ذلك أن القصة خليقة بالإعجاب، ~~وليس يغض منها أن موضوعها مألوف، بل ليس يغض منها أن يكون هذا الموضوع تافها مبتذلا إذا ~~استطاع الكاتب أن يستغل هذا الموضوع التافه المبتذل، فيرفعه رغم تفاهته وابتذاله إلى حيث ~~يجعله مصدرا للعظة والعبرة، والتأثر والتفكير. # وقد استطاع ms051 الكاتب - كما سترى - أن يصل بموضوعه التافه المبتذل إلى هذه المنزلة، وليس ~~يكفي أن يكون الموضوع تافها مبتذلا ليزدريه الفن، ويعرض عنه، وإنما يخيل إلينا أن من ~~مزايا الفن الصحيح أن يمس بعصاه السحرية هذه الشئون التافهة المبتذلة، فيرفعها ويجعلها ~~مصدرا للفائدة العقلية أو الشعورية أو للفائدتين معا، ذلك أن هذه الشئون التافهة إنما هي ~~مظاهر لحياة الناس، وليس في حياة الناس شيء وإن صغر يحسن أن يطرح ويزدرى لأنه صغير. # ثم ليس يغض من هذه القصة أن يكون الكاتب قد بدأ من حيث ينتهي الكتاب الممثلون، فأثار ~~العواصف في أول قصته، وقد تعود الكتاب أن يهيئوا في أول القصة لهذه العواصف وألا يثيروها ~~إلا إبان القصة، فما الذي يمنع هذا الكاتب أن يجدد ويخالف هذا المألوف الذي لم يحتمه على ~~الناس إلا العادة، والذي ليس من التقديس بحيث لا ينبغي الانصراف عنه، وأمر العواصف النفسية ~~كأمر العواصف الطبيعية الخارجية، لها الأسباب المهيئة التي تستتبعها وتثيرها، ثم لها ~~النتائج التي تنشأ عنها بعد هدوئها، وكما أن العالم الطبيعي من الحق عليه أن يدرس العواصف ~~قبل أن تثور ليعرف كيف تثور، وأن يدرسها بعد أن تثور؛ ليتبين ما ينشأ عنها من النتائج ~~والآثار، فمن الحق على من يريد أن يتعرف النفس الإنسانية أن يدرس عواصفها وعواطفها قبل أن ~~تثور كما تعود الكتاب الممثلون أن يفعلوا، وبعد أن تثور كما فعل كاتبنا هذا في هذه ~~القصة. # ثم ليس يغض من القصة أيضا أن تتألف من قصتين ما دامت هناك سبيل إلى تحقيق الوحدة بين ~~هاتين القصتين، بل إلى استخلاص إحداهما من الأخرى بحيث تستطيعان أن تكونا قصة واحدة. # وسبيل هذه الوحدة من قصتنا هذه واضحة بينة، فهذه المرأة التي تقترف الإثم، ثم تتأثر ~~بنتائجه بعد اقترافه شخص واحد لا شخصان، ولو أنك درست حياة أي شخص من الأشخاص لاستطعت أن ~~تجمعها، فتؤلف منها قصة واحدة؛ لأن حياة الأفراد والجماعات متصل بعضها ببعض، ناشئ بعضها عن ~~بعض، فالوحدة هنا هي الأصل، والتفريق يصطنع ms052 اصطناعا، ويتكلف تكلفا على أنه وسيلة من ~~الوسائل لتسهيل الدرس، وجعله سائغا ميسورا. # إذن فيخيل إلي أن هذه الملاحظات التي أخذ بها الكاتب لا تثبت أمام التفكير والتحقيق، ~~وإنما ينبغي أن ينظر إلى القصة من حيث هي لنعرف هل وفق الكاتب في تصورها، وفي عرضها، وفي ~~استخلاص ما استخلص منها من النتائج والآثار؟ ويخيل إلي أنه قد وفق إلى ذلك توفيقا حسنا ~~لا بأس به. # ولعل تلخيص القصة أوضح سبيل إلى إثبات ما لكاتبنا من الحظ في هذا التوفيق: «موضوع القصة ~~يسير سهل، ولكن يسره وسهولته لا يمنعانه أن يكون مثارا لكثير من الشكوك والخواطر يحسن أن ~~يقف عندها المفكر الباحث: امرأة خانها خليلها، وأسرف في خيانتها، فتجد ما استطاعت في أن ~~تترضاه، وتستأنف الحظوة عنده، ولكنها لا تفلح فتفسد عليها الغيرة أمرها، وتملك عليها عقلها ~~وشعورها، فتقترف إثم القتل، ويعرف لها المحلفون هذا الضعف الذي اضطرها إليه الغيرة الحادة، ~~فيعفونها من التبعة، ويبرئونها. وهي سعيدة بهذه التبرئة أول الأمر؛ لأنها أفلتت من الموت، ~~وأفلتت من السجن، واستأنفت حظها من الاستمتاع بالحياة، وما فيها من هواء وضوء، وحرية وحركة ~~وعمل، ولكنها إن أفلتت من المحلفين ومن القانون الاجتماعي فلن تفلت من قانون آخر داخلي نفسي ~~هو قانون الذكرى، وما يسمونه تأنيب الضمير، فهي معذبة ترى نفسها آثمة، ولا تستطيع أن تطمئن ~~إلى هذا الإثم، وهي تحاول أن تحيا، وأن تلذ، ولكن هذا الإثم ينغص عليها الحياة، ويكدر عليها ~~صفو اللذة، فأنت ترى أن هذه المرأة كما تصورها الكاتب، وكما عرضها خليقة بالبحث والدرس، ~~وأن هذه الأطوار المختلفة التي تتعاقب على نفسها قبل العاصفة وبعدها خليقة أن يقف عندها ~~علماء النفس. ومن حول هذه المرأة أشخاص آخرون يختلفون فيما بينهم، ولكن كثرتهم تثير ~~العناية، وهي خليقة بهذه العناية، من هؤلاء الأشخاص هذا الخليل الخائن الذي ذهب ضحية ~~الخيانة والغيرة، وهذا الزوج الطائش الذي يعترف أنه مصدر ما تورطت فيه امرأته من إثم، وهذا ~~المحامي الذي يحب متهمته، ويجتهد في أن يظفر ms053 بالمكانة في قلبها، ولكنه لا يستطيع إلا أن ~~يلاحظ بأن بين ما يطلب وبين ما تستطيع هذه المرأة أن تعطيه أمرا بعيدا، ذلك إلى أشخاص ~~آخرين ليس لهم من الشأن ما لهؤلاء الأشخاص الذي ذكرت لك.» # الحق أن القصة قيمة ممتعة للقارئ، ولكني أشك في أنها تستطيع أن تعجب الجمهور، وتستهويه في ~~غير تحفظ ولا تردد، فجمهور النظارة كثير الطمع، قليل الرضا، وهو شديدة الميل إلى كثرة ~~الحركة والعمل، سريع السأم والملل أمام هذا النحو من الحوار الفلسفي الدقيق الطويل، وأكبر ~~ظني أن الفصل الأول من هذه القصة - وهو الفصل الذي لا أحبه كثيرا - قد أعجب الجمهور وراقه؛ ~~لأنه سريع حاد، كثير الحركة، كثير الأشخاص فيه ذهاب وإياب، وفيه بنوع خاص إطلاق الرصاص ~~وسفك الدم، وحضور الشرطة، والقبض على الجانية، وكل هذه أشياء تحب الجماهير أن تراها في ~~الملاعب، فأما الفصلان الآخران فما أحسب أن الجمهور احتملهما إلا على مشقة وجهد. ~~••• # نحن في فندق من فنادق نيس الكبرى، في غرفة المترفين، وهذه الغرفة تظل خالية حينا، ثم ~~يقبل إليها اثنان: أحدهما رجل فرنسي أقرب إلى الشباب منه إلى الكهولة، شريف غني هو فرانسوا ~~دي لارسان، والأخرى امرأة أمريكية نجمة من نجوم السينما - كما يقولون - جميلة بارعة الجمال ~~فتانة الشكل واللفظ غريبة الأطوار، ولا يكاد هذان الشخصان يتحدثان حتى نحسن أن بينهما حبا ~~ناشئا، ولكنه حاد عنيف قد صرف كلا منهما عن كل شيء إلا عن صاحبه، وهما يتراضيان ~~ويتغاضبان، بينهما جد ومزاح، وقد اتفقا أو كادا على أن يسافرا معا من فرنسا إلى حيث تلعب ~~هذه المرأة في بلد أجنبي، وهما في جدهما وهزلهما وإذا التليفون يدق، فتنصرف إليه المرأة ثم ~~تنبئ صاحبها بأن زائرا قد أقبل يلتمسه، وهي كارهة لهذا الزائر وهو له أشد كرها. # وقد خلا الرجل حينا، وطرق عليه الباب فأذن فتدخل عليه امرأة هي إيليز كولريه، وهي صديقة ~~قديمة له ولأسرته، أنكر مكانها، ثم تحدثا فنفهم أنها قد أقبلت تشفع عنده في خليلته بول ~~فالير، ونفهم ms054 أن المودة اتصلت بين هذا الرجل وبين خليلته هذه منذ سنتين، واتصلت بفضل هذه ~~الزائرة، ولأن هذه المرأة لم تكن سعيدة مع زوجها اللعوب، وإذ كان للحب كغيره مما يتصل ~~بالناس آجال كآجال الناس فقد انقضى أجل هذا الحب سريعا في نفس هذا الرجل، فأخذ يخون ~~خليلته، ويسرف في خيانتها، وأخذت هي تصبر على ذلك وتحتمله، وربما أنكرته على صاحبها في شدة ~~وعنف أحيانا حتى ضاق بها فترك لها باريس، ولقي هذه الأميركية فشغف بها، وهو يريد أن يترك ~~فرنسا كلها، وزائرته تستعطفه وتترضاه، ولكنه لا يريد عطفا ولا رضاء، والحوار بينهما طويل، ~~فيه لين، وفيه عنف، ولكنه غير مجد. # وهما كذلك وإذا الباب يطرق، وإذا خليلته بول تدخل في هيئة المضطرب الموله، الذي أنفق ~~أياما وليالي لم ينم إلا غرارا، وقضى في القطار يوما وبعض يوم، فهو متعب مكدور، وهو أشعث ~~أغبر، سيئ الحال، وهو إلى هذا كله ضائع الرشد، أو كضائع الرشد، فإذا أقبلت خلت إلى صاحبها ~~فيكون بينهما حوار قصير، ولكن فيه استعطافا وإباء، وترضيا وزجرا، ثم فيه بعد ذلك غيظ ~~وحنق، ثم نذير ثم إباء، ثم إطلاق الرصاص، ثم ما يتبعه من إسراع الخدم، ودعوة الشرطة، والقبض ~~على هذه المرأة مولهة ذاهلة، فقد فقدت الصواب أو كادت تفقده. # وأنا أعفيك من وصف هؤلاء الأشخاص الكثيرين الذين نراهم يضطربون طوال هذا الفصل على أن في ~~هذا الوصف شيئا غير قليل من النفع، فهو يصور أخلاق الخدم، وأخلاق أصحاب الفنادق، وأخلاق ~~الشرطة تصويرا لا يخلو من فكاهة وعبرة. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فنحن في باريس في دار بول، وقد مضى على ما قدمت لك تسعة أشهر، ~~وكانت مرافعات حادة، وعناية من الصحف شديدة بهذه القصة، ثم براءة المتهمة. # ونحن نرى خادمها العجوز وصديقتها التي مر ذكرها تنتظرانها، وقد هيأتا دارها لاستقبالها، ~~وهي واصلة بعد دقائق من نيس، وهما تتحدثان عن حالها قبل الإثم، وعما عسى أن تكون قد احتملت ~~في السجن في أثناء المحاكمة، وعما ينتظرها من الألم ms055 بعد ذلك، ويخيل إلينا ونحن نقرأ هذا ~~الحوار أن هاتين المرأتين لا تجدان ما تتحدثان فيه، أو أن الكاتب نفسه لا يجد ما يطلق به ~~لسانهما. # وهذا شخص ثالث قد أقبل هو زوج بول، فلعله يبعث في هذا الحوار شيئا من الحركة والحياة، ~~ولكنه دون ذلك، فلا يكاد يدخل حتى تدهش الصديقة لمكانه، وحتى نعلم أنه كان شهما أمام ~~القضاء حين أدى شهادته، فقد اعترف بأنه المسئول عما اقترفت زوجه من إثم؛ لأنه أهملها ~~وخانها، وأسرف في الانصراف عنها، ولكنا نراه بعد ذك سخيفا فارغ القلب، معقود اللسان، لا ~~يدري كيف يقول، وقد أقبل يريد أن يلقى زوجه بعد هذه المحنة لا لأنه يحبها أو يعطف عليها ~~عطفا صادقا، بل هو نوع من المجاملة، ونوع من الغرور أيضا، وهو يتحدث إلى صديقة امرأته ~~بأنه لم يخلق لزوجه، ولم تخلق زوجه له، وإنما هو رجل صاحب دعابة ولهو ينفق ليله في ~~الحانات، ونهاره في العمل، وهو ضيق الصدر لأن امرأته لا تصل، وقد واعد صاحبة له، فهو يشفق ~~أن يفوته الموعد. # ولكن امرأته قد أقبلت، فليلقاها زوجها، وتلقاها صديقتها في شيء من الاضطراب والتردد، ~~ونحس نحن التناقض بين هؤلاء الناس جميعا، فأما الآثمة ففرحة مبتهجة؛ أليست قد برئت فأمنت ~~الموت، وأفلتت من السجن، واسترددت الحرية! وأما زوجها وصديقتها فينكران فيما بينهما وبين ~~أنفسهما هذا الابتهاج، لا يفهمانه وهما يحسان شيئا من خيبة الأمل، فقد كانا ينتظران أن ~~يرياها مضطربة محزونة؛ ليعزياها، ويثبتا من جأشها، فلما أقبلت عليهما فرحة مسرورة أفلسا، ~~ولم يعرفا كيف يقولان، وتنصرف صديقتها على أن تلقاها من الغد بعد أن تفهمنا أن لن تكون ~~الصلة بينها وبين صاحبتها كما كانت من قبل؛ لأن الأوضاع الاجتماعية لا تسمح بذلك، وتخلو ~~المرأة إلى زوجها حينا، فإذا كل سبب للحديث بينهما منقطع، ولكن الزوج قد استطاع على كل حال ~~أن يفهم امرأته أنه ينكر بعض الشيء ما هي فيه من فرح وابتهاج بالحرية، فتحس هي أن الفرق ~~عظيم بين ما يقتضيه ms056 الشعور الطبيعي وما تقتضيه الأوضاع الاجتماعية، فهي فيما بينها وبين ~~نفسها سعيدة مغتبطة بحريتها، ولكن الأوضاع الاجتماعية تريدها على أن تقتصد في إظهار هذا ~~الفرح، وعلى أن تصطنع لنفسها وجها يظهر عليه الحزن والضعف والكآبة. # وقد انصرف زوجها، وخلت إلى نفسها وإلى خادمها، وهنا تبدأ القصة الثانية. # خلت في حقيقة الأمر إلى نفسها وإلى خادمها؟ إنها تنظر من حولها فترى البيت كما تركته منذ ~~أشهر لتلحق بصاحبها في نيس، لم يتغير فيه شيء، وتسمع من حولها فلا يصل إلى أذنها شيء، وإنما ~~هو هذا الصدى الذي يضطرب في الأذن إذا سكن من حولك كل شيء، وتعكف على نفسها فترى أنها ~~مملوءة بهذه الذكرى التي لم تفارقها بعد، وهي خائفة وجلة تدعو خادمها، ثم لا تستطيع أن ~~تتحدث إليها بما تجد، فتتحدث إليها بأي شيء، وكلما همت الخادم أن تنصرف أمسكتها؛ لأنها تفزع ~~من الخلوة إلى نفسها، ثم تتشجع شيئا فشيئا، فتطلب إلى الخادم أن تقضي الليل قريبا منها ~~لأنها خائفة. # وقد أخذت الكلفة تزول بينها وبين خادمها، وأخذت هذه العجوز تغريها وتهدئ من روعها، وتنصح ~~لها بترك باريس، والاضطراب يشتد من حين إلى حين، والهلع يغمر نفسها شيئا فشيئا، وإذا هي ~~تتمثل خليلها، ثم لا تلبث أن تنسى كل شيء، ويخيل إليها أنها تنتظره كما كانت تفعل من قبل، ~~وهي تمد أذنها لتسمع دق الجرس الذي كانت تسمعه في مثل هذا الساعة، وهي تسمع دق الجرس ~~بالفعل، وهي تنكر ذلك! ولكن الجرس يدق ويدق، وقد سمعته الخادم كما سمعته سيدتها، فتمر ~~بالمرأة لحظة ذهول لا تلبث أن تزول؛ لأن الخادم قد فتحت الباب، وأدخلت عليها سرج إيتيه ~~محاميها. # تستقبله مطمئنة إليه، مبتهجة بمقدمه، فقد كان رفيقا بها في أثناء المحنة، ناصحا لها، ~~محسنا إليها، وزيارته هذه تنقذها مما كانت فيه من الهلع، وقد أخذا يتحدثان، فنحس أن بينهما ~~صلة لا تخلو من غرابة، أما هي فواثقة به، مطمئة إليه، تريد أن تتخذه مشيرا ومرشدا، وأما ~~هو فمشفق عليها، رفيق بها، ms057 يحسن التعزية والتسلية، ولكن صوته ينم عن شيء آخر غير هذا، وما ~~هي إلا أن يتصل الحديث قليلا، فنتبين أنه يحبها، وهي فزعة من هذا الحب، آسفة له، فقد كان ~~يخيل إليها أنها وجدت في هذا الرجل صديقا مخلصا، فإذا هي تجد فيه عاشقا ملحا، وهي ~~تطلب إليه أن ينصرف وهو يأبى ويستعطف، وهي تتحدث إليه في صراحة بأنها لم تبق صالحة للحب، ~~وبأن قلبها مملوءة بأشياء أخرى، ولكنه واثق بأن الزمن سيحدث آثاره، وسيلقي بينها وبين هذه ~~الذكرى من النسيان ستارا كثيفا، وهي تأبى وتلح في الإباء، وتعلن أن حب الرجال غرور ~~ينتهي آخر الأمر إلى ألفاظ جوفاء لا تدل على شيء، وهو يسرف في هذه الألفاظ التي يملأها ~~الحنان والحب، فتجيبه على كل جملة من هذه الجمل بقولها: هذا كلام، كلام، ولكنه يمضي في هذا ~~الكلام، أو قل يستحيل شخصه إلى كلام قد أخذ على هذه المرأة السبيل من كل وجه، فهي ما تكاد ~~تنطق بكلمة حتى يغمرها هو بموج متراكب من القول تضطرم فيه نار الحب اضطراما، ويسدل دونهما ~~الستار، وقد أحسسنا أن الفوز سيكون له. ~~••• # ويدركنا الفصل الثالث في قرية من قرى الساحل في بريطانيا الفرنسية آخر الصيف في فندق ~~هناك، قد انصرف عنه أكثر المصطافين، ولم يبق فيه إلا القليل من المتخلفين، ومن بينهم ~~صاحبتنا هذه ومحاميها، وقد مضى على ما قدمنا في الفصل الثاني عام وبعض عام، وقد قبلت حبه ~~ومنحته ما كانت تستطيع أن تمنحه من ود وإيثار، ولكننا نحسن منذ أول الفصل بأن الأمر لا يطرد ~~بينهما على وتيرة واحدة، نراها أول الفصل في غرفة الاستقبال تكتب، وقد أقبلت عليها امرأة ~~تقيم معها في الفندق هي مدام ترانسون، فتتحدث إليها في شئون كثيرة، ولكننا نفهم من حديثهما ~~أن في الفندق امرأة شابة جميلة خلابة، قد فارقت زوجها، وهي تعبث مع كل من تلقاه، ومع ~~المحامي هذا بنوع خاص، ولكن بول تلقى هذا كله بشيء من الإغضاء والإذعان والفلسفة، ونفهم ~~أيضا أن هذا ms058 المحامي الذي يعرف الناس أنه زوجها قد ذهب مع هذه المرأة اللعوب إلى مدينة ~~قريبة؛ لأن هذه المرأة تريد أن تشتري ما تحتاج إليه، فآثر أن يحملها في سيارته. # وما هي إلا لحظات حتى تأتي هذه المرأة اللعوب أنيت هوسلين، فنفهم من حديثها أنها قد ذهبت ~~إلى المدينة واشترت ما كانت تحتاج إليه، وأنها تشكو سرعة سرج في سوق سيارته. ثم يأتي سرج، ~~وما هي إلا أن يخلو إلى زوجه أو إلى صاحبته فيتحدثا، فنحس أنه ضيق بالحياة، وبالإقامة في ~~هذه القرية، وأنه يود لو استطاع أن يعود إلى باريس، وأن يغير برنامج الرحلة الذي كان يقتضي ~~إطالة الغيبة عن العاصمة، وهو يظهر لامرأته حبا شديدا، وهي تظهر له حبا فيه مودة وبر، ~~ولكنه خال من العواطف الحادة، والأمر بينهما واضح السوء، فهو يطلب إليها حبا حادا ~~عنيفا فيه نسيان لكل شيء، وإنكار لكل شيء، وهي لا تستطيع أن تعطيه إلا مودة وإخلاصا، وهو ~~يحس أنها لم تنس صاحبها الأول، ويجد في ذلك ألما ومضضا، ولكنهما لا يتحدثان في هذا كله ~~إلا على شيء من الرفق والتعمية، وقد استقر رأيهما أو كاد على العودة إلى باريس، ولكنه يعرض ~~عليها أن يصطحبا في السيارة هذه المرأة اللعوب، فتظهر شيئا من التردد الرقيق، وهذه مدام ~~ترانسون قد عادت مع زوجها، وهما يطلبان إلى الزوجين الآخرين أن يجلسا إلى مائدة اللعب، ~~وبينما بول تهيئ الورق للعب ينظر ترانسون في صحيفة من الصحف فيقرأ أن امرأة أحست الخيانة من ~~خليلها فقتلته، فيعلن ذلك ساخطا على هذه المرأة؛ لأنها استباحت لنفسها قتل خليلها، لا لشيء ~~إلا لأنه خانها، وامرأته تترافع عن هذه المرأة، ويشتد الحوار بين الزوجين في هذه المسألة: ~~هل يبيح الحب لأحد العاشقين أن يقتل صاحبه إذا تورط في الخيانة؟ يشتد الحوار وإذا هما ~~يحتكمان إلى الزوجين الآخرين، فأما الزوج فيتنحى، وأما امرأته فتحاول أن تتنحى، ولكنها لا ~~تملك نفسها، وإذا هي تجهش بالبكاء، وتعلن أن ليس لامرأة أن تقتل صاحبها لأنه خانها، ms059 ويضطرب ~~زوجها أمام هذا البكاء، ويعلن إلى صاحبيه معتذرا عنه أن قد كان شيء من ذلك في أسرة امرأته؛ ~~فهي متأثرة بالذكرى، وينصرف الزوجان هذان، ويخلو سرج إلى امرأته، وقد صرح بينهما الشر أو ~~كاد، فهي تبكي وتعلن بهذا البكاء أنها ما زالت نادمة على ما اقترفت من إثم، ومعنى ذلك أنها ~~ما زالت تذكر صاحبها، ومعنى ذلك أنها مازالت تحبه، ومعنى ذلك أيضا أنها لا تمنح صاحبها ~~الجديد إلا شيئا لا يرضيه. # وهي تستعطفه وتترضاه، ولكنه يجيبها في شيء من الحب والغضب معا، فهو رفيق بها محنق عليها، ~~ويتصل بينهما هذا الحوار المؤلم في غير فائدة ولا جدوى، فهو محب غير موفق، وهي صديقة غير ~~موفقة، ولكنها تتركه لبعض شأنها، فيطلب إليها أن تحمل إليه منديلا إذا عادت؛ لأنه ذهب مع ~~صاحبته تلك أنيت إلى بعض القهوات، فاستعارت منه منديله تمسح به فمها، فملأته بما على شفتيها ~~من صبغة، فلم يستطع أن يحتفظ به وتركه لها، وتقبل امرأته هذا العذر على علاته ~~وتنصرف. # ولا يكاد يخلو الرجل إلى نفسه حتى تقبل أنيت، وترفع إليه بطاقة فيها عنوانها في باريس، ~~فيتقبلها في إهمال، ويلقيها في جيبه إلقاء، وتنكر المرأة منه هذا الإهمال وتعاتبه: ألم يكن ~~منذ حين مفتونا بها، يقبلها ويسرف في تقبيلها، ويلح عليها في أن تعطيه عنوانها! فما باله ~~الآن يتقبل هذا العنوان في إهمال وازدراء! # وهذه المرأة لا تملك نفسها أن تبكي غيظا وحنقا، وكأنها تحب هذا الرجل، وكأنها محزونة؛ ~~لأنها تحس منه العبث بها، والرغبة في اللهو ليس غير. # ولكن الرجل مضطرب، متردد بين عاطفتين عنيفتين: فهو يحب بول، ويحس أنها لا تجزيه من هذا ~~الحب إلا مودة هادئة فيها ثقة كثيرة أكثر مما ينبغي، وليست فيها حدة ولا غيرة. وهو يشتهي ~~هذه المرأة الشابة، ويحب منها بنوع خاص أنها جديدة لا تملأ قلبها الذكرى؛ لأنها لم تحب ~~أحدا، ولأنها شابة فيها مرح الشباب. ولم لا يضطرب؟ ولم لا يميل إلى هذه المرأة؟ أليس يراها ~~الآن ms060 تبكي أمامه حبا ووجدا بعد أن رأى تلك هادئة مطمئنة، لا تتهمه، ولا تسيء الظن به، مع ~~أنه لم يقصر في إتيان ما من شأنه أن يثير الريبة وسوء الظن. وانظر إليه قد نهض متثاقلا إلى ~~هذه المرأة الشابة، فأخذ يهدئ من روعها، وأخذ يدها ورفعها إلى شفتيه فهو يقبلها، ولكن ~~امرأته تقبل فيترك صاحبته، وتنصرف صاحبته أيضا، ولكن في شيء من الاضطراب والحدة لا يخفى ~~على بول. # وإذا هي محزونة تعلن إلى صاحبها أنها تشفق عليه من هذا الاضطراب بين امرأتين، وتؤثر أن ~~تقطع الصلة بينه وبين هذه المرأة، فيجيبها في شيء من الاحتياط أول الأمر، ثم تثور ثائرته، ~~فيسألها: ماذا تفعل لو عرفت أنه يعبث مع هذه المرأة ويلهو بها؟ وأنه لم يذهب معها إلى ~~المدينة منذ حين، وإنما ذهب بها إلى حيث يلهوان؟ وأنه لم يعرها منديله منذ حين، وإنما أسرف ~~في تقبيلها ومسح بهذا المنديل شفتيه هو لا شفتيها هي؟ وأنه طلب إليها عنوانها في باريس ~~ليستأنف لقاءها هناك؟ # وأنت تقدر موقع هذه الجمل على نفس هذه المرأة البائسة التعسة. فأما صاحبها، فقد كان يقرر ~~أو يود أنها ستأخذها غيرة حادة كتلك التي دفعتها إلى القتل فيستوثق من حبها. ولكن هذه الجمل ~~تقع من نفس المرأة موقعا مؤلما، لا لأنها تثير فيها الغيرة، ولا لأنها تدفعها إلى القتل، ~~بل لأنها تقيم البرهان الذي لا يقبل الشك على أنها لم تعد صالحة للحب؛ لأن ذكرى صاحبها ~~الأول قد ملأت نفسها، وملكت عليها أمرها، فهي لا تستطيع أن تحب، ولا تتبع الغيرة، ولا أن ~~تطمئن إلى الحياة. لقد برأها القضاء منذ حين، ولكنها لم تبرئ نفسها فهي قاتلة، نعم هي ~~قاتلة، ويجب أن تحتمل عقوبة هذا الإثم. ولئن أفلتت من العقوبة المادية التي تفرضها الجماعة ~~ونظمها، فلم تفلت ولن تستطيع أن تفلت من هذه العقوبة المعنوية التي يفرضها على النفس قانون ~~الندم والذكرى. ألم تحاول أن تلتمس رجلا تطمئن إليه، وتعتمد عليه، وتثق به، وتنسى معه كل ~~هذه ms061 الآلام والشدائد، فحال بينها وبين هذا الرجل ما يملأ قلبها من ذكرى ذلك القتيل، ومن ~~الندم الذي يغمر نفسها للاعتداء عليه. # هي إذن قاتلة، وهي إذن مجرمة، ولا بد لها من أن تلقى عقوبة هذا الإثم، ولن تكون حياتها ~~إلا وقفا على هذه العقوبة، فستخلو إلى نفسها وستألم فيما بينها وبين نفسها ألما لاذعا ~~ممضا لا حد له، ولا عزاء عنه. ألم يهجرها أصحابها وأصدقاؤها، ألم يقم البرهان على أنها ~~عاجزة عن الحب؟ وإذن فلتطمئن إلى ما قدر الله لها من هذا الشقاء المتصل، والندم الذي ~~سيلازمها طول الحياة، وإذن فلترد إلى هذا الرجل حريته ليمضي مع هذه المرأة البريئة حقا، ~~لأنها لم تقتل، ولم تسفك دما، ولأنها لم تحب ولم تنغص عاشقا. # وهي شجاعة تستقبل حياتها الأليمة في شيء من الرضا مؤثر، وتعفو لصاحبها عن هذا العبث في ~~شيء من الطمأنينة والصفح غريب من هذه المرأة التي غارت فسفكت الدم منذ حين. # ويسدل الستار وهما في هذا الحديث دون أن نعرف علام يستقر أمرهما، ولكننا نقدر في وضوح ~~أن سيمضي الرجل لاستئناف حياته، وأن ستنصرف هي لاستيعاب ما قدر لها من هذه الكأس المرة، ~~كأس اللوعة والندم. # | ما أجملها # قصة تمثيلية بقلم الكاتب الفرنسي «جاك ديفال» # أقديمة هذه القصة التي أريد أن أتحدث إليك عنها أم طريفة؟ الحق أنها قديمة وطريفة معا؛ ~~قديمة في الموضوع، وطريفة في الشكل كما يقول المحامون، بل ربما لم تكن طريفة في الشكل من ~~جميع أنحائها، فقد لوحظ تأثر الكاتب في موضوعها بمذهب كورني، ولعلي لا أخطئ أن لاحظت أن ~~أسلوبها وألفاظها قد لا تخلو من التأثر بهذا المذهب أيضا إلى حد ما. # وقد اختلف النقاد في أمرها، فقليل منهم أثنى عليها في غير تحفظ، وأكثرهم لم يرض عنها، ~~أو رضي عنها رضا هو إلى السخط أقرب منه إلى أي شيء آخر. ومع ذلك فقد اخترتها موضوعا ~~لحديثنا هذه المرة؛ ذلك لأني لم آخذ نفسي بألا أتحدث إليك إلا فيما يعجب النقاد، وإنما ~~أتحدث ms062 إليك فيما يصلح موضوعا للحديث، سواء أرضي عنه النقاد أم سخطوا عليه، وأتحدث إليك في ~~القصة التي تعجبني، وربما أعجبتني قصة لم تعجب غيري من النقاد، ولست أشك في أن هذه القصة ~~تصلح موضوعا لحديث قيم، كما أني لا أتردد في الاعتراف بأنها أعجبتني. # وكيف لا تصلح موضوعا لحديث قيم وهي صراع بين الحب والصداقة، فيه قوة وفيه عنف لا حد ~~له، وفيه استثارة لطائفة من العواطف الإنسانية يوشك أن يبلغ حد العبث بهذه العواطف؟ ولكن من ~~الخير قبل أن أعرض عليك القصة أن أقدم رأي النقاد فيها. # قلت أن أكثرهم ساخط عليها أو متحفظ في الرضا عنها، ومصدر ذلك أن الكاتب قد حاول شيئا ~~يوشك أن يكون مستحيلا في حياة الناس اليومية، حاول أن يحقق التضحية بالنفس والحب، وما ~~يستتبع من عاطفة ولذة في سبيل الصديق، وربما كان هذا ممكنا في العصور القديمة، وربما كان ~~هذا ممكنا أيضا في خيال الكتاب والشعراء، ولكن يظهر أن حياتنا الحاضرة لم تعد تسمح بمثل ~~هذه التضحية ولا تبيحها، فقد قويت شخصيات الأفراد، وقويت معها حظوظ الناس من الأثرة. # وقوي مع الشخصية والأثرة عقل الفرد، وقدرته على التصرف، والتخلص من المآزق المحرجة في غير ~~حاجة إلى تضحية أو في غير حاجة إلى التضحية بالنفس على أقل تقدير، والناس ينظرون مع شيء من ~~الابتسام والسخرية إلى مثل هذه التضحيات المجاوزة لطاقاتهم، والتي كان يفتتن بها كورني ~~ومحبوه، بل هم لا يكتفون بالابتسام والسخرية، ولكنهم ينصرفون عن القصص التي تمثل هذه ~~التضحيات انصرافا. # ثم لم يقف الكاتب عند هذه التضحية، ولكنه حققها في شكل تعود الناس أن يروه في طائفة من ~~القصص التمثيلية، يراد به التأثير في نفوس الجماهير أكثر مما يقصد به إلى النفع والمتعة، ~~فختم القصة بإطلاق المسدس، وذلك شيء قلما يحفل به أو يلتفت اليه. # ثم أسرف الكاتب في التفصيل والتدقيق في شيء ربما كان من الخير ألا يكثر فيه التفصيل ~~والتدقيق، وربما كان من الخير أن يؤخذ من طريق الإجمال والإبهام. ms063 ومن هنا لاحظ النقاد ~~اختلافا بين فصول هذه القصة في قيمتها الفنية، فبعض هذه الفصول ممتع لذيذ، فيه حركة ونشاط ~~وقوة، وبعضها هادئ مطمئن بعض الشيء ولكنه لا يخلو من قوة تعبث بالنفس، وتثير العواطف ~~المختلفة فيها. حتى إذا كان الفصل الأخير فلا حركة ولا قوة، وإنما هو اضطراب وحيرة وطول، ~~وشيء يخيل إليك أن الكاتب يلتمس مخرجا لنفسه ولأشخاصه من مأزق وضعهم ووضع نفسه فيه، ثم لا ~~يكاد ينتهي الفصل الثالث حتى تحس عجز الكاتب عن إخراج نفسه وعن إخراج الأشخاص من هذا المأزق ~~إلا بإطلاق المسدس. # وينكر النقاد على الكاتب أيضا أن قصته مضطربة بين الجد المؤلم المخيف، والهزل المضحك ~~الملهي دون أن تكون صريحة في أحدهما. # ثم هم بعد هذا كله يعرفون للكاتب حقه، ويثنون على إجادته اللفظية، وعلى مهارته في تدبير ~~الحوار، وعلى دقته في تصوير العواطف المختلفة. ولكن من ذا الذي يستطيع أن يحظر على الكتاب ~~الممثلين ألا يصوروا في قصصهم التمثيلية إلا ما هو ممكن أو واقع بالفعل؟ وأين يكون الفرق ~~بين الحياة الواقعة التي نشهدها في كل يوم وبين الحياة الأخرى التي يتصرف فيها الكتاب ~~والشعراء وأصحاب الفن يلائمون فيها أحيانا بين ما نحس ونجد بالفعل، وبين ما يجب أن نحس وأن ~~نجد؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يكره شاعرا أو كاتبا أو فنانا على ألا يخترع لنا شيئا إن ~~نعجز عنه الآن فقد لا نعجز عنه غدا، ولعل آباءنا لم يكونوا يعجزون عنه أمس؟ وإذا كان من حق ~~الكاتب والشاعر أن يصورا لنا ما كان وما هو كائن، فما الذي يمنعهما أن يصورا ما سيكون وما ~~قد يكون، أو ما يحسن أن يكون؟ وبعبارة واضحة: ما الذي يمنع الكاتب والشاعر أن يقصدا نحو ~~المثل الأعلى، فيصوراه صورا مختلفة، منها القريب، ومنها البعيد، منها اليسير، ومنها ~~العسير؟ # ولم يفعل كاتبنا غير هذا، فهو قد تصور الصراع بين الحب والصداقة، وتصور هذا الصراع في ~~عالم المثل الأعلى ، وحاول أن يدني منا هذا المثل الأعلى ms064 بعض الشيء، فحقق هذا الصراع في ~~الملعب، فمن الناس من أحب هذا المثل الأعلى، ومنهم من لم يحببه، فأما جمهور النظارة فإنما ~~يعرف رأيه بعد أن تمضي على هذه القصة أشهر، وبعد أن نبحث لنعلم هل مثلت كثيرا، واختلفت ~~إليها النظارة كثيرا أم هل كان عمرها في الملعب قصيرا. # لست أجد إذن ما أنكره على الكاتب فيما يتصل بموضوع القصة، ولكني قد أتفق مع النقاد في بعض ~~ما يتصل بشكلها، ويخيل إلي أني لو كنت الكاتب الذي يعالج الموضوع لاجتزأت من هذه الفصول ~~الثلاثة بفصل واحد هو الفصل الأول، ولأعرضت عن الفصلين الآخرين، لا لأنهما رديئان من حيث ~~هما، فأنا أحبهما حبا شديدا، وأعجب بطائفة من الحوار فيهما، وأرى أنهما من خير ما ~~يقرأ، ولكن لأني أحس أنهما من أعسر الفصول حين يتجاوزان القراءة إلى الملعب؛ ذلك لما فيهما ~~من التفصيل والدقة اللذين يحسن أن نلحظهما حين نقرأ، لا أن نشهدهما في الملعب، واللذين قد ~~يكون من العسير على كثير من الممثلين المجيدين أن يؤدوهما تأدية حسنة. # وخاتمة القصة نفسها مؤلمة شديدة الإيلام؛ ذلك لأن الكاتب استطاع أن يحبب إلينا أشخاص ~~القصة حبا مستويا بحيث لا نستطيع أن نؤثر أحدهما على صاحبه، فمن المؤلم بل من العسير أن ~~نتصور لم ضحى الكاتب بأحدهما دون أن يضحي بالآخر؟ ولو قد ضحى بالآخر لسألنا: لم ضحى به دون ~~أن يضحي بصاحبه؟ ونحن لا نكاد نعلم مصير هذا الذي لم يمت، بل لا نكاد نقدر هذا المصير: فهل ~~قتل نفسه ليدرك صاحبه أم هل تعزى عزاء عسيرا أو يسيرا؟ وماذا كان أمره مع ~~صاحبته؟ # ومهما يكن من حظ هذه القصة في الملعب فإنها قيمة لمن يريد أن يقرأ، بل إن الفصل الثالث ~~الذي نكرهه في الملعب لذيذ جدا في القراءة، فيه حوار قيم دقيق وفيه شيء جديد ليس في ~~الفصلين الآخرين، فقد أظهر الفصلان الآخران نفسية الصديقين وعواطفهما حين كانا موضوعا لهذا ~~الصراع بين الصداقة والحب ، ولكنهما لم يظهرا نفسية المرأة واضحة، وهذه ms065 النفسية تظهر جلية في ~~الفصل الثالث، وليست أقل لذة ولا إمتاعا من نفسية صاحبيها. ~~••• # نحن في باريس، في إدارة ضخمة من إدارات السينما توغراف، يملكها ويديرها صديقان: فيليب ~~دلماسو، وفرنسوا بريور، صناعتهما الحقيقية الحرب، فهما من ضباط البحرية الفرنسية، قد أبليا ~~في أثناء الحرب الكبرى بلاء حسنا، كانا يعملان معا على سفينة حربية واحدة، مست لغما ~~فنسفت، وذهب كل من كان فيها إلا هذين الرجلين، فقد تعاونا حتى أنقذ كل منهما صاحبه مرات: ~~يهوي أحدهما إلى قعر البحر فما يزال به صاحبه حتى ينقذه، ثم يهوي هو فما يزال به صاحبه حتى ~~يستنقذه، وظلا كذلك يوما كاملا أو أكثر اليوم حتى أدركتهما سفينة فأنقذتهما، وكانت ~~المودة بينهما قوية، فجاء هذا الخطر فأكدها، وزادها قوة وتثبيتا، ثم وضعت الحرب أوزارها ~~وسرح هذان الضابطان فأرادا أن يشتركا في حياة السلم كما اشتركا في حياة الحرب، فأنشآ ~~دارا للسينما توغراف، ما أسرع ما نمت واتسعت، وكثرت فروعها وتشعبت. ونحن نشهدهما أول الفصل ~~منصرفين إلى تدبير شئون هذه الدار في جد وانهماك وإتقان غريب، وهذا الفصل كله إلى قيمته ~~الخاصة التي سنبينها لك له قيمة أخرى من حيث أنه يصور دخائل الذين يعملون في السينما ~~توغراف، حتى إن هذا الفصل قد حمل بعض النقاد على أن يفكر في القصة التي حدثتك عنها منذ حين ~~بعنوان: «ظهر حديثا»، فتلك القصة تصور دخائل الأدباء في جراءة وقوة، وهذه القصة لا تقل ~~عنها جراءة في تصوير دخائل الذين يديرون السينما توغراف، والذين يلعبون فيه. لو أن لي من ~~الإلمام بهذا الفن حظا قليلا للخصت لك بعض الشيء هذه المناظر التي تمثل حياة هؤلاء ~~الناس، ولكني أترك ذلك إلى ما أستطيع أن أتناول، فألخص لك من هذا الفصل المناظر التي تعني ~~قصتنا. # وأول هذه المناظر منظر يدخل فيه على هذين الصديقين صديق ثالث يقال له كرسبي ضابط بحري ~~مثلهما، ولكنه في الجند العامل لم يسرح بعد، يقبل ومعه امرأته، جميلة رائعة ، فيعرض على ~~صديقيه بعد أن يقدم إليهما ms066 امرأته أمرين؛ أحدهما: أن يقبلا زوجه لاعبة عندهما، والآخر: أن ~~يقبلا منه قصة وضعها لملعبهما، فيقبلان قصته، وينقدانه ثمنها، ويرفضان امرأته، وينصحان له ~~أن يصحبها؛ لأنهما يكرهان لصديقهما أن تتعرض امرأته لما تتعرض له اللاعبات في السينما ~~توغراف من عبث ولهو ومجون، وليس هو معها حتى يستطيع أن يحميها ويذود عنها، ويقبل الصديق ~~نصيحة صديقيه، ولا يكاد ينصرف مع امرأته حتى يمزق الصديقان قصته دون أن ينظرا فيها. # ثم يدخل الخادم مستأذنا لامرأة قد كتبت على بطاقتها هذه الجملة الغريبة: «قدرت ولكنك لم ~~تر»، وفيها من الإغراء ما تحس وتقدر، فيضحك الصديقان ويأبيان استقبال هذه المرأة، ولكن ~~الخادم يعود ومعه بطاقة لمونسينيور بودريار الأسقف المعروف بمكانته الدينية والأدبية، وكأنه ~~قد أرسل هذه البطاقة يقدم بها هذه المرأة إلى الصديقين، فيأذنان لها كارهين، وقد اتفقا على ~~أن يستقبلاها واقفين قد وضعا قلنسوتيهما على رأسيهما استعدادا للخروج حتى لا تثقل ولا ~~تطيل، وهما في حاجة إلى الخروج لشئونهما الفنية، ولكن هذه المرأة قد أذن لها فتدخل متقدمة ~~قصيرة الخطى شديدة الحياء، لا هي بالباسمة ولا هي بالعابسة، محتشمة الزي ولكن لها جمالا ~~رائعا، لا يكاد يقع في عين هذين الرجلين حتى يعبث بهما عبثا لا حد له، وكانا يزدريانها ~~قبل دخولها أشد الازدراء. وكان كل منهما يعرضها على صاحبه حتى اتفقا أن أيهما وضع قلنسوته ~~عن رأسه بقي معها، وانصرف عنه صاحبه ليترك له حريته التامة، ولكنهما لم يكادا ينظران إليها ~~حتى وضعا قلنسوتيهما، وحتى أخذ كل منهما مكانه فجلس ونسي الخروج، وما كان له من موعد، وهذه ~~المرأة في الخامسة والعشرين من عمرها تسمى ماري إيف أرسجيس، تبدأ فتعتذر من التوسل ببطاقة ~~الأسقف؛ لأن الأسقف لم يعطها هذه البطاقة، وإنما ظفرت بها، بينما كانت ترتب بعض أوراق ~~الأسرة فاتخذتها وسيلة إلى هذين الصديقين، وهي تعتذر أيضا من بطاقتها، والجملة التي كتبت ~~عليها قائلة إنها جملة بشعة، وإنها إذا خلت إلى نفسها اجترأت على كل شيء، فإذا اتصلت بالناس ~~فقدت كل حظ ms067 من الجرأة، وهي تعرض نفسها عليهما لاعبة بين اللاعبات، وهي مشفقة أن ترد، ~~ولكنهما يسرعان إلى وعدها بأنها ستقبل وهما يستبقان إلى إرضائها وتملقها، وقد اتفقا على أن ~~تبدأ التجربة فورا، فيميل أحدهما إلى التلفون ليأمر بالبدء في هذه التجربة، فإذا الآخر ليس ~~أقل منه إسراعا إلى هذا الأمر، وإذا ذكر أحدهما مصورا سيبدأ التجربة رفض الآخر هذا المصور ~~واقترح غيره؛ لأنه صاحب عبث ولهو، وما أسرع ما تذهب هذه المرأة إلى حيث التجربة ويخلو ~~الصديقان، فلا يكاد أحدهما يتحدث إلى صاحبه في أمرها بشيء، كأن كلا منهما يخفي ما وقع في ~~نفسه منها على صاحبه، وقد أحس كل منهما في الوقت نفسه ما يملأ قلب صاحبه من الحب لهذه ~~المرأة، وأخذت الأثرة تعمل عملها، وأخذت الغيرة تعمل عملها أيضا، وقد أخذ الصديقان يترددان ~~في الذهاب لما كانا يريدان أن يذهبا إليه من شأن، كل يغري صاحبه بالخروج، ويعتذر عن ~~البقاء، ثم يتفقان فيبقيان، وتنتهي التجربة وتعود المرأة، فما أحسن ما يستقبلانها، وما أشد ~~ما ينهران الخادم؛ لأنه لم يحسن معاملتها في بعض لفظه، ولأنه احتفظ بقلنسوته على رأسه، وقد ~~أجلست المرأة وقبلت، والصديقان يستبقان ويتنافسان أيهما يكون أشد إرضاء وأكثر تملقا، وهي ~~سعيدة مغتبطة لا تحس ما بينهما من غيرة ولا تفكر إلا في أنها ستقبل وستعمل، وستكسب حياتها، ~~بل هي تفكر وتتحدث بشيء آخر: هي سعيدة لأن هذين الرجلين يتحدثان إليها في شيء من الاحترام ~~والحشمة، لا يبسط أحدهما إليها يدا، ولا يلقي أحدهم عليها نظرة مريبة، وهي تريد أن تعيش ~~وفية دائما لصديق لها فقدته، وكلا الصديقين يعدها المعونة والتأييد، ويقربها إلى نفسه، ~~حتى يقول لها أحدهما: إن ساءك شيء من العمال فستجديني عونا لك، فينكر الآخر عليه ذلك، ~~ويظهر بينهما شيء من الخلاف تلحظه المرأة، ويشتد هذا الخلاف حتى يضطر أحدهما إلى أن يطلب ~~إليها أن تعتزل حينا حتى يتم عقدها الذي يهيأ. # فإذا خلا الصديقان بدآ بالعتاب، ثم لم يلبث هذا العتاب أن يستحيل إلى ms068 خصومة منكرة يظهر ~~فيها الحقد في أقوى مظاهره وأقبحها بين رجلين كل منهما يحب هذه المرأة حبا لا حد له، ~~ويريد أن يؤثر بها نفسه، وأن يضحي في سبيل ذلك بكل شيء وبكل إنسان، ويصل الأمر بالصديقين ~~إلى أن يعلن كل منهما إلى صاحبه الحرب التي لا سلم فيها، وإلى أن يتمنى كل منهما لصاحبه لو ~~قد ظل في قعر البحر فلم ينج منه يوم نسفت السفينة. # وهذا أحد المصورين قد أقبل فيتحدث إليهما في شئونه، ثم يعرض عليهما رسما يقول إنه اختلسه ~~اختلاسا حين رأى امرأة جديدة تبدأ تجربتها، ويترك لهما هذا الرسم، فإذا هو رسم هذه المرأة، ~~والصديقان يختصمان حوله: كل يريد أن يجذبه إلى نفسه، ويصل الأمر بهما إلى أن يشتبكا، وقد ~~أنذر كل منهما صاحبه أقبح النذير، حتى إذا انتهى بهما البغض إلى أقصاه، ولم يبق بينهما إلا ~~الموت ذكرا صداقتهما، وذكرا السفينة، والخطر، وما بذل كل منهما من الجهد لإنقاذ صاحبه، وإذا ~~أحدهما يعتذر إلى صاحبه، وإذا الآخر يعتذر له أيضا، وإذا هما قد تابا من هذا الشوط البعيد ~~الذي جرياه إلى البغض والموت، وإذا الصديقان قد ظهر كل منهما لصاحبه، ولكن المرأة ما زالت ~~قائمة بينهما ... وكلاهما يريدها لنفسه، وكلاهما يأباها على صديقه، وكلاهما يعلن إلى صاحبه ~~أنه لو استطاع أن ينزل عنها لصاحبه لفعل، ولكنه لا يستطيع، وهما في مأزق الحيرة بين الصداقة ~~والحب، وبين الإيثار والأثرة، وإذا فرنسوا قد وفق إلى حل يصلح ما بينهما بعض الشيء، ولكن ~~يفسد حياتهما جميعا، فهو يعرض على صاحبه أن يتقاسما بشرفهما العسكري ليمتنعن كل منهما ~~حيا وميتا وفي جميع أطوار الحياة، ومهما تكن الظروف عن أن يتحدث بحبه إلى هذه المرأة، ~~وإذن فقد اتفقا، هما يحبانها، وهي عليهما حرام، هما يحبانهما، والتحدث بالحب عليهما حرام، ~~وهذان الصديقان يتصافحان مذعنين مستسلمين، مستقبلين حياة كلها شر ومشقة وألم، وهذه إحدى ~~العاملات تدخل وقد أعدت العقد فينظران فيه، ويتمه أحدهما، وهما يزيدان في أجر صاحبتهما، ~~ويتنافسان في الحرص ms069 على منفعتها، حتى إذا تم لهما من ذلك ما أرادا دعوا هذه المرأة فأقبلت ~~مضطربة يائسة أو كاليائسة، وقد طال عليها الانتظار، ورأتهما فأحست تغيرهما، فاستيقنت أنها ~~غير مقبولة، ثم أنبئت أنها مقبولة، ثم يعرض عليها العقد فتنظر فيه فلا تملك نفسها حين ترى ~~ما يعرض عليها من أجر لم تكن تنتظر بعضه، وهي سعيدة مغتبطة، وهي تطلب إليهما أن تقبلهما، ~~فما أسرع ما يقبلان، وهي تقبلهما، وتنصرف على أن تعود من الغد، وقد خلا الصديقان فهما في ~~حيرة ماذا يصنعان، وكيف يحوطانها من العبث واللهو، ويحميانها من أطماع الطامعين، وتتبع ~~المتتبعين. # وهذا أحد المصورين قد دخل يستأذنهما في السفر لإجازته، ولكنه ينبئهما بأن قريبة له قد ~~أرسلت إليه قصة سخيفة على أن تلعب في السينما توغراف، وهو يعلم أن هذه القصة لا يمكن أن ~~تقبل بل يجب أن تمزق، ولكنه يريد منهما كلمة إلى صاحبة هذه القصة فيها شيء من الأمل ضئيل؛ ~~لأنه سينفق عندها إجازته، فإذا سئل عن هذه القصة أنبأ بأنها قصة إحدى القديسات التي أنقذت ~~طائفة من الناس في القرون الوسطى بألوان من الجهاد والتضحية سخيفة، فما أسرع ما يقبلان ~~القصة، وينفقان في شرائها ثمنا ضخما، ويلغيان إجازة المصور ليبدأ في التجربة، والمصور دهش ~~لا يفهم هذا، ولكن فهمه يسير، فستلعب ماري إيف في هذه القصة، وستكون فيها قديسة لا تتعرض ~~لقبل المقبلين، ولا للعبث ولا للمزاح، ولا لشيء مما يكره العاشق أن يرى صاحبته تتعرض له، ~~ويأتي المصور يحمل نتيجة التجربة، ولكن ما قيمة هذه النتيجة؟ وما قيمة التجربة؟ أليس قد تم ~~الاتفاق بينهما وبين المرأة؟ أليست ستبدأ عملها من الغد؟ # فإذا كان الفصل الثاني فقد مضى شهر على ما حدثتك به، ونحن حيث كنا في الفصل الأول، في ~~مكتب المديرين، والمكتب كما كان لم يتغير إلا أن فيه أزهارا كثيرة لم تكن فيه من قبل، وإلا ~~أن فيه لوحة بشعة تمثل جسم امرأة قد عبث به الجراحون ، فأظهروا كل ما فيه، أو بعبارة أدق ms070 ~~أقبح ما فيه، أظهروا تكوينه الداخلي، أظهروا الأمعاء والمعدة والقلب والكبد، وما إلى ذلك، ~~ونحن نرى الخادم يهيئ الأزهار ويصلحها، وينظر تحت المقاعد والمكاتب كأنه يلتمس شيئا، ثم ~~تأتي السكرتيرة، فنفهم من حديثها مع الخادم أن أحد المديرين وهو فيليب قد فقد محفظته منذ ~~أمس، فالخادم يبحث عن هذه المحفظة، ونفهم أن ماري إيف هي التي تحمل هذه الآثار في كل أسبوع، ~~ونفهم أن شيئا من شئون المديرين قد تغير ... # وهذه امرأة مقبلة يظهر عليها في وضوح أنها إحدى المومسات، وإحدى المومسات المنحطات، قد ~~دخلت، لم تستأذن، وهي تسأل عن فيليب، ويحاول الخادم أن يخرجها فلا يوفق، وبينما هو يلح ~~عليها في الخروج وهي تأبى، يقبل فرنسوا ومعه رجل بلجيكي من رجال السينما توغراف يقال له ~~ورتز، فإذا رأى هذه المرأة أنكرها، وإذا عرف أنها تطلب صاحبه صرف من حوله وخلا إليها لحظة، ~~فنفهم من حديثهما أن صاحبه قضى عندها الليل، ونسي عندها محفظته، فهي ترد هذه المحفظة وهي ~~تترك عنوانها كاملا، وقد فهمنا من حديثها أن فيليب يلتمس اللهو بل يلتمس أقبح ألوان اللهو ~~يتعزى به عن حبه المضيع، وتنصرف المرأة ويأتي البلجيكي فيتحدث في بعض الشئون إلى فرنسوا، ~~ونفهم نحن من هذا الحديث أن فرنسوا مدله قد ذهب لبه أو كاد؛ فهو يعاني من حبه آلاما ~~ثقالا قد غيرت جسمه، وأخذت تغير عقله أيضا. # وبينما يتعزى صاحبه باللهو القبيح يتعزى هو بشيء آخر، بهذه اللوحة التي تظهر له أقبح ما ~~في جسم المرأة، وبينما ينفق صاحبه ليله في المواخير ينفق هو أوقات فراغه في المستشفيات، وفي ~~قاعات التشريح؛ يريد أن يبغض المرأة إلى نفسه. # وهو لا يكاد يفقه ما يتحدث البلجيكي به إليه، أليس قد أمضى ليالي لم يذق فيها النوم؟ أليس ~~قد أمضى أياما لم يذق فيها الطعام؟ وصاحبه البلجيكي يسأله عن امرأة رآها تلعب، فإذا هي ~~ماري إيف، يراها البلجيكي جميلة ويطمع فيها فيثبطه فرنسوا؛ لأن لها عاشقين خطرين . # وينصرف البلجيكي، ويأتي فيليب متعبا مكدودا، فيتحدث ms071 الصديقان في عملهما، ولكنا نحس ~~أنهما يكتمان كتمانا شيئا ما يأكل قلبيهما من لوعة وعناء، وهذه ماري إيف قد أقبلت، وإذا ~~هما يستقبلانها استقبالا حسنا ولكنه مؤلم، وهي تتحدث إليهما في صراحة أن قد كانت تريد ~~الوفاء لصديقها الذي فقدته، ولكن الحياة لذيذة، وللشباب حكمه، وقد وفت لصاحبها ما استطاعت، ~~وما الوفاء إلا ظل، فيجيب أحدهما في سخرية: ظل الوفاء ... ونفهم من حديثها أن أحد اللاعبين قد ~~عرض لها بالحب ودعاها إلى العشاء، وأنها تريد أن تذهب وتتعشى معه، وإذا هما مغضبان يصرفانها ~~عن ذلك ما استطاعا، ويدعوانها إلى العشاء معهما ضنا بها على هذا اللاعب، فتقبل وهي سعيدة ~~وهما سعيدان، وهم ينظمون عشاءهم، وإذا أمر يدعوهما فينصرفان عنها حينا، وما هي إلا أن يقبل ~~البلجيكي فيراها فيفتتن عاشقا، وتحب أن تتبين الأمر، وقد خلت إلى نفسها حينا، ثم أقبل ~~فيليب فتتلطف له، وتدنو منه، وتأخذ في مداعبته كأنها تعرض نفسها عليه، ولكنه يردها ردا ~~عنيفا بشعا مهينا، ويعلن إليها في قوة أنه يزدري المرأة، وما يزال بها حتى يحنقها، يريد ~~أن يخيل أنه لا يحبها ولا يمكن أن يحبها، وهو في ذلك إذ يحس صاحبه مقبلا فينصرف، ويلح ~~عليها في أن تبقى، وليست هي في حاجة إلى الإلحاح، فهي تريد أن تعلم علم صاحبها ~~الآخر. # وقد دخل صاحبها فتصنع معه مثل ما صنعت مع الآخر، فلا تلقى منه إلا ردا عنيفا، ولكنه ~~ليس كرد صاحبها الأول، فهو لا يهين ولا يزدري، ولا يكاد يخفي عواطف نفسه، ولكنه يأبى ~~ويمتنع، ويتخذ العلل والمعاذير، ويلح في ذلك حتى يؤيسها، وقد انصرفت وكأنها تحس منه الحب، ~~ولكننا لا نفهم في حقيقة الأمر نفسيتها الخاصة، ويقبل صاحبه فيتحدثان، ونفهم أنه قد خلا إلى ~~ماري إيف لحظة، فانصرف ليخلو إليها صديقه لحظة مثله، وهما سيئا الحال، قد فشلا في الوفاء ~~بما كانا قد أقسما على الوفاء به، وكل منهما يعلن فشله، ولكن الذي يؤذيهما حقيقة الأمر هو ~~ما يراه كل منهما من ألم صاحبه ms072 وعنائه، وفساد أمره، وقد انتصرت الصداقة أو كادت، فكلا ~~الرجلين يلح على صاحبه في أن يحل نفسه من قسمه، ويعلن أنه نازل عن حبه وعن حبيبته، وكلاهما ~~يرفض من صاحبه هذا الوفاء. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فنحن في آخر الليل أمام البيت الذي تأوي إليه ماري إيف، وقد فتحت ~~نوافذه، وارتابت الشرطة بذلك، فوقف بعض الحراس ينظر، ويريد أن ينبه البواب ليغلق النوافذ، ~~ولكن هذه سيارة تقف وتخرج منها ماري إيف وفرانسوا، فيكون بينها وبين الشرطي حديث تفزع منه ~~بعض الشيء، وقد انصرف الشرطي ودخلت هي إلى دارها ولكنها خائفة، فهي تأبى على صاحبها أن ~~ينصرف حتى تستوثق من البيت، فإذا استيقنت من خلوه أذنت له في الانصراف، لكنها لا تلبث أن ~~تدعوه؛ لأنها أحست حركة، فيتسور النافذة، ويستوثق من أنه ليس في البيت أحد، ويهم أن ينصرف، ~~ولكنها تأبى عليه؛ لأنها أرقة ولا بأس من أن يتحدث إليها بعض الشيء. # وقد فهمنا من حديثهما أن فيليب تركهما معتذرا، وفهمنا أيضا أنه تعمد ذلك تضحية بنفسه ~~لصديقه؛ لعله إذا خلا إلى هذه المرأة آخر الليل لم يستطع أن يبر بقسمه، ولكن صديقه أشد وفاء ~~من أن يتورط في الحنث، فهو يريد أن ينصرف وقد أخذ التأثر منه أشد مأخذ، والمرأة تريد أن ~~تعلم علمه وعلم صاحبه، وما تزال به سائلة وملحة في السؤال حتى يخبرها بأن فيليب يحبها حبا ~~مضنيا، وإذا هو قد مضى في التضحية إلى أبعد حد، فهو يغريها بفيليب، ويستعطفها عليه، ويلح ~~في الإغراء والاستعطاف، وقد تركته لحظة وأقبلت خائفة، ولكنها على ذلك متكتمة ... فيفهم! فيفهم ~~أن صاحبه قد سبقه إلى البيت، وأنه مختف في بعض أرجائه، وأنها قد رأته، فما أسرع ما ينهض ~~لينصرف، وهي لا تمسكه هذه المرة، وهو يحس ذلك، ويحس أنها تكتم في نفسها شيئا، وأنها تتمنى ~~لو انصرف، وما يزال بهما حوار دقيق ولكنه بديع مؤثر، حتى تكاد تعترف بأنه هنا. # وهذا فرانسوا يودعها، ولكنه وداع مؤلم؛ لأننا نحس كما تحس هي ms073 أن فيه شيئا من الغرابة؛ ~~أليس يدعوها باسمها الخاص! وقد تسور النافذة، وأخذ يتحدث إليها حديثا كله يأس، وكله ~~أماني، وهي مشفقة عليه مما قد يلقاه في طريقه، والليل مظلم، والطريق خالية، فتسأله: أمعه ~~سلاح، فإذا عرفت أنه غير مسلح دفعت إليه مسدسها، وهو مسدس جميل رشيق، فيأخذه ضاحكا ويقول: ~~لقد فكرت في كل شيء ... وقد ودعها وانصرف، واستوثقت هي من ذلك، وأغلقت النافذة، ودعت صاحبها ~~الآخر فيقبل، ونفهم من حديثهما أنه كان صادق العزم على التضحية، وأنه إنما سبقها إلى البيت ~~لتودعه لآخر مرة، وبينما يريد أن ينصرف أقبل الشرطي فاستخفى، ثم أقبلت هي ومعها صاحبها فلم ~~يستطع أن يظهر أمامهما، فهو إذن لم يأت ولم يتعمد الاستخفاء، وهي تعرض نفسها عليه في لطف، ~~وهو يردها في عنف، فلا يزيدها الرد إلا إلحاحا، وهي تلقي بنفسها بين ذراعيه، وهي تدني ~~وجهها من وجهه، وفمها في فمه، وهي تتحدث إليه بأعذب اللفظ وأشهاه، وهو يضطرب بين الوفاء ~~والحب، والوفاء أشد في نفسه تأثيرا، فهو يدافع نفسه، ويدافع صاحبته، ولكنه على ذلك يداعب ~~شعر هذه المرأة، ويداعب جيدها، وهي تسترسل في الاستسلام له، وما تزال به، وما يزال هو بنفسه ~~حتى يوشك أن يتغلب، وإذا هو يدني فمه من فمها، ولكنها لا تلبث أن ترتد فجأة، وقد صاحت صيحة ~~قوية نبهت صاحبنا من حبه، فإذا سألها ذكرت أن فرنسوا لم يكن يتحدث إلا عنه، وقد كان مضحيا ~~بنفسه في سبيل صاحبه، وأنها تعلم الآن أنه كان يحبها أيضا، وأنها مشفقة عليه لا تدري إلى ~~أي حال صار ... ثم ذكرت قصة المسدس، وفهمنا أنها لم تعطه المسدس ليتقي به، ولعلها إنما أعطته ~~المسدس لشيء آخر بعد أن فهمت كل شيء. وهذا فيليب ذاهلا واجما، قد أسرع إلى النافذة ~~ففتحها، وإلى النور فأطفأه، ثم ينظر فيصيح باسم صاحبه! أليس قد رآه صريعا، وهي تسرع فيردها ~~قائلا: إن كان في قلبي إلا حب واحد، ولم يكن هذا الحب لك. # | حبان # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي ms074 «بول تيفوا» # أما أحدهما فالحب بالحاء الكبيرة لو أن في كتابتنا العربية حاء كبيرة. الحب الذي يكون من ~~نفسين نفسا واحدة، ومن قلبين قلبا واحدا، وينتهي في كثير من الأحيان إلى الزواج، وأما ~~الآخر فهذا الحب الفطري الذي يملأ قلب الأم لابنها، ويشغل من قلب الابن في بعض الأحيان ~~حيزا ليس بالضيق ولا بالضئيل. # والقصة صراع بين هذين الحبيبين، أو قل إن شئت بين مصدر هذين الحبين: هي صراع بين الأم ~~والزوج، أو بين الأمومة والزوجية، والرجل موضوع هذا الصراع، فأنت ترى أن ليس في القصة شيء ~~جديد، فموضوعها مألوف منذ استقر في الحياة الاجتماعية على اختلاف البيئات والأجناس نظام ~~الأسرة، وأي الناس لم يحس أنه موضوع النزاع بين أمه وامرأته، نزاع يقوى ويضعف باختلاف ~~الظروف التي تحيط بالأسرة، والصلات التي تصل بين أعضائها، فليس من الغريب في شيء أن تستقبل ~~هذه القصة استقبالا فاترا؛ لأنها لم تأت بشيء جديد، ولأن الآداب على اختلاف أنواعها ~~وألوانها وعصورها قد قالت في هذا الموضوع كل ما يمكن أن يقال، ثم هو قد اتصل بحياة الناس ~~حتى أصبح شيئا مبتذلا تجري به الألسنة، وتسير به الأمثال، ويألم الناس له في حياتهم ~~الخاصة، ويضحكون منه إذا اجتمع بعضهم إلى بعض. # ليس غريبا أن تستقبل القصة في فتور، ولكن الغريب أن يقدم الكاتب على مثل هذا الموضوع ~~برغم شيوعه وابتذاله، فيجد من نفسه الشجاعة على اختياره، والتقدم به إلى ملعب من ملاعب ~~التمثيل، وأشد من هذا غرابة أن يوفق إلى الإتقان، وإرضاء النظارة، وحمل النقاد على أن ~~يعترفوا له بالإجادة في شيء من التحفظ قليل. # والواقع أن هذه القصة حين مثلت لأول مرة أمام هذه الطائفة الضيقة المختارة التي تحضر ~~التجارب في الملعب لم تثر إعجابا، ولعلها أثارت شيئا آخر يناقض الإعجاب، ولكنها لم تكد ~~تعرض على جمهور النظارة الذين يختلفون إلى الملاعب للهو لا للنقد، حتى أعجبتهم، واستأثرت ~~بقلوبهم، والغريب أنها أعجبت النقاد أنفسهم في هذه المرة ، كأنهم تأثروا بجماعة النظارة حين ~~رأوها راضية ms075 تضطرب بين ضروب الانفعالات المختلفة، فاضطربوا هم أيضا، وخرجوا يثنون بعد أن ~~كانوا ساخطين. # ذلك لأن الجدة والابتكار على خطرهما، وأثرهما العظيم في الآيات الفنية ليسا شرطين أساسيين ~~للإجادة دائما، وربما كان في بعض الأوقات عقبة تحول دون الإعجاب والرضا. # ونحن نعرف كتابا وشعراء، وممثلين وفنانين مختلفين لم يوفقوا إلى إرضاء الناس؛ لأن ~~آياتهم الفنية كانت من الطرافة والجدة بمنزلة لم تكن قد سمت إليها بعد عقول معاصريهم، ولم ~~يكن بد من أن تمضي عشرات السنين، ويتغير الجيل لتظهر القيمة الفنية لهذه الآثار، والناس ~~مستعدون للإعجاب بما ألفوا، والرضا عنه أكثر من استعدادهم للافتتان بما لم يألفوا، ولا سيما ~~إذا رأوا أنفسهم فيما يعرض عليهم من مظاهر الفن، ومن ذا الذي لا يرثي لنفسه حين يرى آلامه ~~تمثل بين يديه، وكذلك كانت الحال في هذه القصة. # رأى كثير من الرجال والنساء فيها أنفسهم، فسخطت الأمهات على الزوجات، وحنقت الزوجات على ~~الأمهات، ورثى الرجال لأنفسهم، واتعظوا جميعا، ووعدوا جميعا أنفسهم أن يلائموا بين حياتهم ~~وبين ما خيل إليهم الكاتب أنه الحق أو العدل أو الخير. # والحق أن الكاتب قد استطاع أن يعرض لهذا الموضوع في شيء غير قليل من اللباقة والدقة وحسن ~~الذوق، فيزيل منه طائفة من الظروف كان من شأنها أن تصرف الناس عنه، وتزهدهم فيه، ويكفي أن ~~تلاحظ مثلا أنه تخير أشخاص قصته جميعا من الأغنياء المترفين، فألغى العقبة الاقتصادية، ~~ولم يدع لضرورات الحياة المادية أثرا في هذه الحرب العنيفة التي أثارها بين الأم والزوج، ~~ثم ألغى طائفة أخرى من الظروف تشبه هذا الظرف الاقتصادي، فلم يجعل الأم متقدمة في السن حتى ~~لا يكون اختلاف السن مصدرا من مصادر الشقاق بين المرأتين، ولم يجعل بين هاتين المرأتين ~~اختلافا ظاهرا في الطبقة حتى لا يكون تفاوت المنزلة الاجتماعية مؤثرا فيما سيكون بينهما ~~من صراع، وإنما اجتهد في أن يكون الصراع معنويا صرفا يتصل بالقلوب والنفوس والعواطف أكثر ~~مما يتصل بأي شيء آخر، ثم وفق من ناحية أخرى، فكان مصورا دقيقا ms076 بارعا، مسيطرا على ~~خياله، لم يتكلف الاختراع وإنما تخير حوادثه بين هذه الأشياء اليسيرة السهلة التي تجري ~~بها حياة المترفين في كل يوم، فلم يستطع أحد من النظارة أن ينكر حادثة أو يرى وقوعها بعيدا ~~وغير مألوف. # وخصلة أخرى أظهرت حظ الكاتب من الكفاية الفنية، وهي أنه حصر أشخاصه في أقل عدد ممكن، فهم ~~أربعة لا يزيدون إلا إذا نظرنا إلى الخادم الذي تكلف الكاتب إيجاده ليكون صلة بين هؤلاء ~~الأشخاص ليس غير. # وكان يخشى على الكاتب أن تضطره قلة الأشخاص إلى أن يكون كثير القول قليل الحركة، فيفسد ~~بذلك حواره، ويثقل وتتأثر القصة كلها من هذا الفساد، ولكنه استطاع على قلة الأشخاص أن يجعل ~~حواره قصيرا خفيفا سريعا ما بقي عنده الأشخاص الأربعة. # فلما كان الفصل الثالث وذهب أحد هؤلاء الأشخاص ظهر أثر ذلك فطال الحوار، وثقل بعض الشيء، ~~وأصبح أقرب إلى المناقشة الفلسفية منه إلى التمثيل الحي، ومهما يكن من شيء فإن في قراءة هذه ~~القصة لذة عقلية وفنية لا بأس بها. ~~••• # نحن في باريس في قصر تظهر عليه آثار النعمة والترف، فخم تحيط به حديقة واسعة كثيرة ~~الأشجار، أقرب إلى الغابة منها إلى الحديقة نادرة في مدينة عظيمة كباريس، ونحن إذا رفع ~~الستار نرى خادما يحاول أن ينظم طائفة من الآنية الدقيقة الغالية في حجرة الاستقبال، ~~فتدركه سيدته هيلان، وهي امرأة جميلة رائعة كنساء التمثيل جميعا، في مقتبل عمرها، على ~~وجهها نضرة الشباب والغبطة والسعادة؛ لأنها حديثة عهد بالزواج قد عادت منذ أيام من سياحة ~~طويلة مع زوجها في إيطاليا ومصر، وهي تريد أن تنظم دارها الجديدة بحيث تلائم ميولها وذوقها ~~الفني الرقيق، وهي تأمر الخادم بأن يصطنع الرفق في مس هذه الآنية، وتطلب إليه أن ينقلها ~~في رفق إلى الطابق العلوي، وتعلن إليه أن هذه الحجرة سيغير نظامها، فيهدم الحائط الذي ~~يفصل بينها وبين حجرة أخرى لتصبح الحجرتان حجرة واحدة حديثة التنسيق والنظام، على أن ينقل ~~هذا الأثاث القديم إلى غرفة أخرى في الطابق العلوي، فيسمع ms077 الخادم هذا كله في شيء من الدهش ~~والإنكار؛ لأنه يخدم في هذا البيت منذ ثلاثين سنة وقد عهده كذلك، وهو يعلم حق العلم أن أم ~~سيده حريصة كل الحرص على أن تحتفظ به كما هو. # وتفهم من هذا الحوار بين الخادم وسيدته أن أم الزوج غائبة عن باريس منذ تزوج ابنها، وأن ~~أبا الزوج قد مات منذ ثماني سنين، وكان رحيما رفيقا بابنه وامرأته، فلما مات فرغت المرأة ~~لابنها، ووقفت عليه حياتها كلها، وعرف لها ابنها ذلك فأحبها حبا لا يعدله حب، واتصلت ~~بينهما صلة قوية زادها قوة وغرابة شباب الأم ونضرتها، فكانا يخرجان للتروض والنزهة، فلا يشك ~~من يراهما في أنهما زوجان أو خليلان، ونفهم من الحوار أيضا أن هذه الأم متسلطة قوية السلطة ~~والإرادة، ونحس ضيق المرأة الشابة بكل ما تسمع، ولكنها على كل حال تأمر الخادم أن يمضي في ~~تنفيذ ما أمرت به فيظهر الطاعة، ولكن في تثاقل وإبطاء، ويأتي الزوج وهو جورج شاتل، فتتلقاه ~~امرأته لقاء حسنا، لقاء العاشقة المفتونة التي لا يقل عشقها لزوجها عن هيام زوجها بها، ~~فيكون بينهما حوار نفهم منه أنه موافق لامرأته كل الموافقة على تغيير النظام في هذا البيت، ~~ثم نفهم أنه مشوق إلى أمه، ثم نفهم أن الزوجين سيخرجان إذا كان المساء لتناول العشاء في ~~مطعم من المطاعم الباريسية المشهورة. # والزوج يعلن إلى امرأته أن سيكون معهما ثالث فتضيق بهذا، حتى إذا ذكر لها اسمه رضيت ~~واطمأنت، وهذا الثالث هو هنري فالان صديقها منذ الطفولة، وصديق زوجها منذ حين لم تره منذ ~~تزوجت وهي شديدة الشوق إلى أن تراه؛ لأن له ولأبيه عندها يدا، ولأنها تضمر لهذا الشاب مودة ~~طاهرة بريئة. # والزوجان في هذا الحديث وإذا رسالة برقية ينظر فيها الزوج فيبتهج؛ فهي تعلن إليه قدوم أمه ~~اليوم، وقد كانا ينتظرانها آخر الشهر، وإذن فقد تغير برنامجهما فلن يخرجا ولن يرتاضا، ~~وسيتناولان العشاء في البيت حتى لا يشقا على أمهما. # وهيلان تقبل هذا في شيء من الإذعان والتبرم، والرجل ms078 يغريها أو يكاد وهو يثني على أمه، ~~ويذكر ظرفها، ورقتها، وحنوها. # وينصرف الزوجان كل لشأنه، وقد أقبل الخادم فهو ينفذ كارها متباطئا أمر سيدته، وهو كذلك ~~وإذا الأم قد أقبلت؛ فيبتهج الخادم بلقائها، وتنكر هي ما ترى من تغيير نظام البيت، ويشتد ~~إنكارها حين ينبئها الخادم بتفصيل هذا التغيير، ولكن ابنها يقبل فتلقاه راضية مبتهجة ~~بلقائه، وتكاد تنسى تغيير النظام، ولكنها لا تلبث أن تذكره فتتحدث فيه إلى ابنها في شيء من ~~الإنكار تخفيه ولكنه يظهر، وابنها مضطرب بينها وبين امرأته كأنه يوافق امرأته على التغيير، ~~وهو الآن يكاد يستعطف أمه، ويعرض عليها ألا يتغير شيء. # ولكن أمه تظهر الرضا على أنه رضا يشبه السخط، والرجل يحدث أمه عن امرأته فيثني عليها، ~~ويذكر ظرفها ورقتها وحبها كما كان يثني على أمه أمام امرأته. # ثم يذهب ليدعو امرأته فتقبل، وتلتقي المرأتان في فتور ظاهر يضيق به الرجل، ويبذل جهدا ~~غير قليل في إزالته، فيوفق وما يكاد. # ثم يتركهما معلنا أنه سيتحدث مع صاحب سيارات في سيارة يريد أن يشتريها لامرأته، فنفهم ~~بعد ذلك من الحديث بين المرأتين أن هيلان تحسن سوق السيارات، وتريد أن تكون لها سيارتها ~~الخاصة لتخرج بها في باريس، والأم تنكر هذا، وتدهش له، ويشتد دهشها وإنكارها حين تقص عليها ~~هيلان أنها قضت ليلة أمس مع زوجها بعيدين عن باريس؛ لأنهما خرجا للنزهة فضلا، واضطرا إلى ~~أن يقضيا الليل في فندق حقير قذر، وكانا سعيدين كل السعادة حتى إنهما ليريدان أن يستأنفا ~~هذا الضلال، فتلاحظ الأم أن ابنها قد تغير في سرعة شديدة، فهو يطمئن الآن إلى مثل هذا ~~الفندق القذر، وقد كان من قبل مترفا، مسرفا في الترف. # ونلاحظ نحن أن هذا التغيير لا يعجبها، وأن الحرب قد بدأت في حقيقة الأمر بين هاتين ~~المرأتين: كلتاهما تحب هذا الرجل، وتريد أن تستأثر به، وكلتاهما تريد له السعادة، ولكن كما ~~تتصورها هي، ثم كلتاهما قوية الإرادة، ظاهرة الشخصية، حريصة على أن تستأثر بالسلطان. # وقد أقبل الخادم يستأذن للصديق ms079 هنري فالان، فإذا دخل وخلا إلى صديقته كان بينهما حوار ~~بديع مضطرب مختلف، تظهر فيه سعادة هيلان، وحبها لزوجها، وابتسامها للحياة، ويظهر فيه شقاء ~~هنري، واضطراب نفسه، وانصرافه عن اللذة والأمل. # ونحس نحن أن هذا الشاب قد استكشف بعد زواج هيلان أنه يحبها، ورأى أن ليس إليها سبيل، فهو ~~يشقى بهذا الاستكشاف، وهو على ذلك يحاول أن يخفي حبه، وأن يحتفظ للزوجين بصداقة طاهرة ترعى ~~فيها كل الحرمات، ولكنه عاجز عن أن يضبط نفسه، ويملك عاطفته، وآية ذلك أنه يعتذر عن العشاء، ~~ويعجز عن أن يضرب موعدا آخر للقاء الزوجين. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فقد مضى نحو العام على ما حدثتك به آنفا، وأخذت هذه الحوادث ~~الضئيلة اليسيرة المحرجة على يسرها وضآلتها تكثر، ويجتمع بعضها إلى بعض؛ فتفسد جو البيت، ~~وتباعد بين المرأتين، وتزيد حياة الرجل عسرا وحرجا. # ونحن نرى أول الفصل هيلان في مكتب زوجها تنسق الزهر في آنية بديعة صغيرة تضعها على ~~المكتبة، وتنظر إليها من قريب ومن بعيد كأنها تريد أن ترى ما تحدثه من جمال في الغرفة كلها، ~~وهي مغتبطة لا تملك أن تتحدث بغبطتها إلى الخادم، فتثني على هذه الآنية، وعلى ذوقها الذي ~~مكنها من اختيارها، ولكن حماتها تقبل مسرعة متعبة، فتأمر الخادم بأن يحمل إليها بعض المتاع، ~~وما هي إلا أن يأتي الخادم بما أمرت به فتزيل الورق عن إنائين ضخمين من النحاس، فإذا سألتها ~~هيلان أنبأتها بأنها سمعت ابنها أمس يود لو وضع على مكتبتيه شيء يزينهما، فأسرعت فاشترت ~~هاتين الآنيتين، فتغتاظ هيلان لذلك، وتقول: إنها هي أيضا سمعت زوجها فاشترت هذه الآنية ~~الصينية البديعة. # وما هي إلا أن ينشأ التنافس الثقيل المؤلم بين هاتين المرأتين، كلتاهما تريد أن تكون ~~هديتها أجمل من الأخرى، ويقبل الزوج فيحكم على غرة، فيحكم لأمه وهو لا يدري، وإذا امرأته ~~تسرع إلى آنيتها فتحطمها في ثورة وغضب، ثم تندفع في بكاء لا حد له، وتنصرف الأم سعيدة ~~دهشة، ويخلو الرجل إلى امرأته فيريد أن يترضاها، ويحاول أن ms080 يتعرف الخبر، فإذا عرفه ضحك من ~~طفولة امرأته، وأخذ يلاطفها ويداعبها، ولكنها تلقاه لقاء عنيفا، وما تزال به وبأمه ثائرة ~~ملحة في أن تترك هذا البيت حتى يغضب الزوج، ويفسد الأمر بينهما، وإذا هما يتراشقان بألوان ~~من العتب المر، وإذا هي تنذره، وإذا هي توعده، ثم ينصرف عنها بعد حوار طويل يحسن أن يقرأ ~~لما فيه من دقة في تصوير هذه العواطف التي تصل بين الرجل وامرأته، والتي ما تزال بها صغائر ~~الأشياء حتى تغيرها وتكدرها، ويعود إليها هادئا، ولكن أمه تقبل فتحمل إليه كتابا ينظر فيه ~~ثم يدفعه إلى امرأته، فتبتهج له، وهو كتاب من أسرة صديقة لهذه الأسرة تدعوها إلى حفلة ~~ستقيمها في إحدى الضواحي، فما أسرع ما تقبل هيلان الدعوة وتكتب بهذا القبول، ولكن الأم ~~تعتذر وتلح في مكر على ابنها أن يذهب مع امرأته؛ لأنها متعبة، والطبيب يأمر بالراحة، ويحظر ~~عليها تكلف المشقة، فإذا سألها ابنها عما تشكو ذكرت علة القلب في ألفاظ لا تلبث أن تخيف ~~الرجل على أمه، وإذا هو يلح عليها في أن تستريح، ويريد أن يدعو الطبيب، فتأبى عليه، وتنصرف ~~لتستريح في غرفتها، ويقبل الرجل على امرأته يطلب إليها في رفق أن تعدل عن قبول هذه الدعوة؛ ~~لأن أمه لا تستطيع أن ترافقهما، وهو لا يريد أن يتركها وحدها، فيثور غضب هيلان، وتمزق ~~كتابها، ويستأنف الحوار العنيف بين الزوجين، وقد فسد أو كاد يفسد بينهما كل شيء. # ويترك الزوج امرأته مغيظة محنقة محزونة، وتأتي الأم فإذا علمت أن الزوجين لن يقبلا الدعوة ~~ابتهجت بذلك واغتبطت له، أليست قد انتصرت؟ # وهذا هنري يقبل فتلقاه الأم في ظرف وتلطف لم يتعودهما، فإذا انصرفت وخلا إلى صاحبته أخذ ~~يظهر دهشه لهذا الظرف غير المألوف، وما يزال بهيلان حتى تظهر له ما تجد من حزن، وتشكو له ~~سوء حالها، وإذا هذه الشكوى تشجعه على أن يظهر ما كان قد أضمر، وإذا هو يعلن إلى هذه المرأة ~~حبه ويلح في إعلانه، وهي تدفعه وتتهمه بالأثرة والجبن؛ لأنه ms081 ينتهز فرصة هذا الحزن ليخون ~~صديقه، ويستغل موقفا ما كان يحسن أن يستغله. # وما تزال به حتى يفيق، وإذا هو يشكو ويعتذر ويستعطف، وهي تدفعه راثية له عاطفة عليه، ~~طالبة إليه أن ينصرف، فيفعل مودعا بألفاظ فيها حب، وإنه ليقول هذه الألفاظ منصرفا، وإذا ~~الأم تدخل من باب آخر فتسمع ما يقول، وتراها هيلان، وتعرف أنها قد سمعت فتضطرب وتستحي، ~~وتحاول أن تحملها على الكلام فلا تظفر بشيء، وهي الآن تتملقها وتترضاها، حتى إذا استيأست ~~منها انصرفت محزونة مروعة. # ويقبل الزوج فيتحدث إلى أمه عاتبا؛ لأنه يراها سالمة بارئة لا علة بها، فينكر تمارضها ~~منذ حين، ويرثي لامرأته، ويعلن إلى أمه أنه قد يقبل رأي امرأته، ويتخذ معها بيتا خاصا، ~~فتثور الأم ولكنها ثورة لا تخلو من دهاء ومكر، فهي تعلن إلى ابنها أن امرأته إن كانت ترغب ~~في هذا الاستقلال فهي إنما تريد أن تخلص من رقيب خطر، ولا يكاد الرجل يسمع هذه الكلمة حتى ~~يأخذه الشك، فيستوضح، فتأبى عليه، فيلح، فتأبى عليه، ولكن إباء المعرض المغري، وإذا الغيرة ~~قد أخذت تعمل عملها في نفسه، وما يزال يستدرج أمه حتى تذكر اسم هنري وزياراته المتصلة، ~~فتشتد الغيرة، وتتضح التهمة في نفسه، وترى أمه هذا كله فتجزع له بعض الشيء؛ لأنها قد وصلت ~~إلى أكثر مما كانت تريد، والرجل ثائر يطلب امرأته، فإذا أقبلت لم يلبث أن يسألها عن هنري، ~~وأن يتهمها بالريبة. # فقدر أنت ثورة هذه المرأة البريئة، ولكن قدر في الوقت نفسه ثورة زوجها حين تأبى أن تدفع ~~عن نفسها، وما يزال الأمر يشتد بينهما حتى يبلغ أقصاه، وإذا هو يهجم على امرأته يريد أن ~~يضربها، وإذا هي تعلن إليه في عنف أن هنري خليلها، وأنها لاحقة به، وتنصرف مسرعة فيتبعها، ~~ثم لا يدركها فيعود، وتقبل أمه كأنها تريد أن تعزيه، فيوليها ظهره صامتا، وتفهم أن قد كان ~~بينها وبين ابنها من الشر ما لا سبيل إلى استدراكه. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد مضى أسبوعان على ما حدثتك ms082 به، ونحن نرى الأم في حجرة الاستقبال ~~تلك مستلقية كالمتعبة، والخادم يتحدث إليها، فنفهم أنها مريضة، وأنها تخفي مرضها على ابنها، ~~ونفهم أن ابنها محزون حزنا لا حد له ملازم لمكتبه، لا يكاد يريمه، مؤثر للوحدة والصمت، ~~بعيد كل البعد عن أمه، يعيش معها وكأنه لا يراها، وقد أخذ الخادم يشفق عليه، وآية ذلك أنه ~~جمع أجزاء الآنية التي حطمتها امرأته فضم بعضها إلى بعض، وأعاد الآنية كما كانت، ووضع فيها ~~زهرا يحسب أنه يحسن بذلك إلى سيده. # وهذا الابن قد أقبل فيتحدث إلى أمه حديثا سقيما متقطعا، ملؤه الحزن والغيظ والحقد ~~أيضا، وما تزال به أمه حتى تصل به إلى موضوع حزنه، وإذا هو يشكو أنه شديد الندم على ما فرط ~~منه لا يستطيع أن يتعزى، لا ينام ولا يخرج، ولا يستطيع أن يفكر، ولا أن يحتمل البيت منذ خلا ~~من امرأته، ولقد تبعها يوم انصرفت فلم يدركها، وأسرع إلى بيت صديقه فقيل له إنه خرج ومعه ~~امرأة، فانتظرهما الليل كله فلم يعودا، ورجع إلى البيت مرات حتى عرف أن صديقه سافر إلى ~~الهند، فهو محنق محزون يأسف لأن امرأته قد تركته، ولأنه لم يستطع أن يقتلها ويقتل معها ~~صاحبها، ثم نفهم أيضا حقده على أمه؛ لأنها أفسدت بينه وبين امرأته، وكانت أثرة مسرفة في ~~الأثرة، لا تفكر إلا في نفسها، ولا تحسب لسعادة ابنها حسابا، والأم تدفع عن نفسها وتألم ~~لشقاء ابنها، وقد انصرف عنها؛ لأنه رأى سيارة مقبلة، فيخاف أن يلقى الزائرين، ولكن هؤلاء ~~الزائرين ليسوا في حقيقة الأمر إلا امرأة تدخل فتنكر الأم مكانها، وهذه المرأة هي ~~هيلان. # تلقاها الأم لقاء فيه بغض وحقد، وفيه اتهام بالريبة والإثم، ولكن هيلان لا تلبث أن تثبت ~~براءتها، وأنها إنما اتهمت نفسها حنقا وغيظا، ثم تهم أن تنصرف فتمسكها الأم، ويكون ~~بينهما حوار لا أحبه؛ لأن فيه فلسفة ربما ثقلت على الملعب، فيه تحليل للحب الزوجي، وتحليل ~~لحب الأمهات، ومحاولة لتحديد الموقف الذي يجب أن يكون بين الحبين، ومهما ms083 يكن أمر هذا ~~الحوار فقد اقتنعت الأم بأن سعادة ابنها عند امرأته لا عندها، وكأنها قد أخذت تحب هذه ~~المرأة. # وهذا ابنها يقبل فإذا رأى امرأته أنكر مكانها، وهمت أمه أن تنصرف فيمسكها، ولكنها تنتهز ~~فرصة وتتركهما وجها لوجه، فيكون بينهما جدال يتهمها وتدفع عن نفسها، ويأبى أن يصدقها، فتلح ~~في الدفاع، وتقص ما كان بينها وبين صاحبها، فإذا هو قد عرض عليها الحب فأبته عليه، ~~فافتقدته بعد ذلك فلم تعرف أين هو، وهي تجهل سفره بل تجهل مكانه، ولكن زوجها لا يصدقها، ولا ~~يريد أن يسمع لها، فتنهض مستيئسة تريد أن تنصرف، حتى إذا بلغت باب الحجرة سمعت زوجها يدعوها ~~فتعود إليه مبتهجة، ولكن الأم تقبل في هيئة السفر تودع ابنها، فإذا سألها أنبأته بأن أمور ~~ثروتها مضطربة، وأنها تريد أن تشرف عليها من قريب، وأن الطبيب يشير عليها بترك باريس، وما ~~تزال بابنها حتى يطمئن إلى هذا السفر كارها، وتأبى عليه أن يشيعها وتقبله، وتوصي امرأته به ~~خيرا، وتنصرف مسرعة، ويقف ابنها أمام النافذة وكأنه يريد أن يودعها، وتسمع حركة السيارة، ~~فتقول هيلان لزوجها: «تركتها تسافر؟» فيجيبها: «وماذا يعنيك ما دمت أنت ستبقين؟» # | التيه # قصة تمثيلية بقلم الكاتب الفرنسي «بول هرفيو» # قد لا يكون هذا العنوان ظريفا، وقد لا يجري به اللسان في سهولة، وقد لا يسيغه السمع، ~~ولكنه مع ذلك صحيح، وهو مع ذلك ترجمة دقيقة لعنوان هذه القصة بالفرنسية، وهو يختصر القصة ~~كلها، فهي تيه بالمعنى الصحيح، مهما تفكر ومهما تمعن في التفكير، فلن تجد منه مخرجا، ولن ~~تجد فيه هدى. # هذه القصة جهاد لا نتيجة له بين العواطف والشعور من جهة، وبين العقل من جهة أخرى، بين ~~العواطف والشعور الفردية من ناحية، وبين القانون والأوضاع الاجتماعية من ناحية أخرى، بين ~~العواطف وبين الواجب، وبين العقل وبين الدين، ثم بين القانون وبين الدين أيضا، هي جهاد ~~عنيف لا نتيجة له، ولا مخلص منه، بين ما يكون الفرد وما يكون الجماعة من ضروب العواطف ~~والشعور، ومن ألوان ms084 الأوضاع والقوانين. # وهي ليست جهادا متكلفا ولا منتحلا، ليست شيئا اخترعه الكاتب اختراعا، وعقده عمدا ~~وافتنانا في التعقيد، وإنما هي شيء طبعي يقع كثيرا، ومن الممكن أن يقع في كل يوم، وقد ~~يلتفت الناس إليه وقد لا يلتفتون، ولكنه في نفسه حق إن لم يقع بالفعل في كل زمان وفي كل ~~مكان، فمن الممكن جدا أن يقع في كل زمان وفي كل مكان. # في كل زمان وفي كل مكان! قد لا يكون هذا حقا، وقد لا يخلو من المبالغة؛ لأن هناك أمكنة ~~أو قل إن هناك جماعات فيها من قواعد الدين ونظم التشريع ما يحول بين الناس وبين التورط في ~~هذا الجهاد الأليم العقيم، فالمسلمون مثلا لا يتورطون فيه؛ لأن الله أباح لهم الطلاق، ~~وأباح للمرأة المطلقة أن تعود إلى زوجها الأول بعد استيفاء شروط وقيود معروفة، وأظنك الآن ~~تحس أن هذه القصة تدور حول الزواج وحول الطلاق، فلست أريد أن أطيل عليك، ولا أن أسرف في ~~تشويقك إلى حوادث هذه القصة، وإنما أنا مبتدئ فيها راج أن تكون هذه القصة موضع بحثك ~~وتفكيرك، فأنا أعترف بأني لا أتخير هذه القصص عفوا، وإنما أتخير منها بنوع خاص ما من شأنه ~~أن يهز العاطفة، ويلذ العقل، أو يدعو إلى العناية والتفكير، وفي هذه القصة كل هذه ~~الخلال. ~~«فيلاردوفال» رجل أقرب إلى الشيخوخة منه إلى الشباب، حسن الحال، موسر مرتفع المنزلة، كان ~~قاضيا وقاضيا ممتازا، خدم القانون وحماه من عبث العابثين، فأصبح شديد الإيمان بالقانون، ~~يكاد يتخذه دينا، أو قل إنه يتخذه دينا، ويتخذ إكباره وتقديسه مقياسا لكرامة الرجل، بل ~~لرجولته، وله زوج شديدة الإيمان بدينها المسيحي الكاثوليكي، شديدة الإيمان أو مسرفة في شدة ~~الإيمان، لا تفكر إلا في الدين ولا تصدر إلا عن الدين، ولا تقيس شيئا من الأشياء في الحياة ~~إلا بمقياس الدين، تحب زوجها حبا شديدا، ويحبها زوجها حبا شديدا، ولهما ابنة هي ~~«مريان»، بارعة الجمال، فتانة، شديدة الذكاء، ساحرة اللفظ، معتدلة المزاج، قد ورثت عن ~~أبيها حب القانون ms085 وإكباره، وورثت عن أمها حب الدين واحترامه، ولكنها لا تسرف في شيء من ذلك، ~~فهي معتدلة في كل شيء، تزوجت فتى غنيا جميلا هو «مكس دي بوجيس»، وتزوجته بعد أن أحبته، ~~وكلفت به، وبعد أن أحبها، وكلف بها، فعاشا في الحب والصفاء حينا، وكان لهما غلام، ولكن ~~الزوج الشاب خان امرأته في ساعة طيش ونزق، فكانت الصدمة على هذه المرأة شديدة، وساء الظن ~~بين الزوجين، أسرفت في الغضب، وأسرف هو في عدم الاكتراث، حتى ساءت الصلة ثم انقطعت، ثم كان ~~الطلاق رغم الأم المؤمنة التي تكره الطلاق بحكم إيمانها، ثم تزوج الشاب من صاحبته التي كانت ~~مصدر شقائه، وظلت «مريان» بين أبويها مقسمة الوقت والحياة، بين حب ابنها واللوعة بما أصابها ~~في حب زوجها، ولكن لهذه الأسرة صديقا كان بعيدا عن فرنسا، يعيش في الأقطار النائية لأمر ~~من الأمور نتوهمه، ولا نتبينه في وضوح. عاد هذا الصديق إلى فرنسا، واسمه «جيليوم لابروم»، ~~ورأى مريان فأحبها، وفتن بها، وقدسها تقديسا، وطلب إليها أن تكون زوجه، فقبلت، لا لأنها ~~تحبه ولكن لأنها تحترمه، وتثق بصدقه وإخلاصه، وبأنها ستكون سعيدة في بيته، فقبلت أن تكون ~~زوجه، وقبل أبوها هذا الزواج مغتبطا به مطمئنا على مستقبل ابنته، ولكن الأم رفضت هذا ~~الزواج رفضا قاطعا، رفضته لأنها تجحد الطلاق، ولا تعترف به، فهي إذن مقتنعة فيما بينها ~~وبين نفسها بأن الزواج الأول لم تنفصم عروته، وأن ابنتها ما زالت مدينة بحياتها لزوجها ~~الأول، وأن الزوج الأول ما زال مدينا بحياته لزوجه الأولى، وإذا كان هذا قد خالف الدين ~~وتزوج مرة ثانية فتورط في الخطيئة، فليس ينبغي لابنتها أن تخرج على قانون الكنيسة، وأن تقطع ~~صلة أنشأتها كلمة الدين، وإذن فالجهاد قائم منذ الآن بين الدين والقانون، ثم بين الدين ~~وشعور الإنسان بحقه في أن يكون سعيدا، القانون يبيح لهذه المرأة أن تتزوج، وسعادتها تقتضي ~~أن تتزوج، بل حاجاتها الطبيعية تقتضي أن تتزوج، وهناك رجل يحبها حقا، ويريدها على أن تكون ~~زوجه، وهناك أبوها الذي أنفق ms086 حياته في خدمة القانون يرغب في هذا الزواج، ويحرص عليه، ولكن ~~هذه المرأة تحب أمها وتجلها، ولا تريد أن تخرج عليها، ولا أن تخالف أمرها، فهي تستعطفها ~~وتتوسل إليها بكل وسيلة، تذكر شبابها وحاجاتها إلى الحياة، وإلى السعادة في الحياة، وأن ~~الله لا يمكن أن يقضي على هذه الزهرة النضرة بهذا الذبول، ولا أن يقضي على هذه المرأة ~~بالشقاء في العزلة، حينما هو يبيح لغيرها من الرجال والنساء الحياة الاجتماعية السعيدة ~~المعقولة. تتوسل بكل هذا، ولكن أمها لا تسمع لها، ولا تأذن بهذا الزواج. # وبينما هذا الجهاد في أشد أطواره من العنف يقع شيء يزيده عنفا، ويحمل هذه المرأة الشابة ~~على أن تثور فتخرج على أمها، وتخرج على الدين وتتزوج؛ ذلك أن امرأة أخرى تقبل لزيارة ~~«ماريان» وبينهما صلة قرابة، فتطلب إلى «ماريان» أن تعينها على أمر منكر، فهي قد غابت أمس ~~عن زوجها، ولا تستطيع أن تنبئه أين كانت فكذبت عليه، وزعمت أنها كانت عند «ماريان» والزوج ~~مقبل الآن، وقد يسأل «ماريان» عن أمس، فإن لم تكذب عليه كما كذبت زوجه فيسوء الأمر بين ~~الزوجين، وقد يكون ذلك مصدر الطلاق. تتمنع «ماريان» وتأبى الكذب، ويدور بينها وبين ~~صاحبتها «بوليت» حوار لا بأس به: أي المرأتين أشد إثما؛ التي تخون زوجها، وتخفي عليه ~~الخيانة، أم التي لا تخون أحدا، ولكنها قد طلقت، وتريد أن تتزوج زوجا آخر؟ فأما «بوليت» ~~فترى أن الخيانة أيسر من الزواج بعد الطلاق؛ ذلك لأن الخيانة مجهولة أو يجب أن تكون مجهولة، ~~وقد تعمد الناس أن يجهلوها، ويتكلفوا جهلها، ومضوا على ذلك في آدابهم وأوضاعهم، حتى أصبحت ~~المرأة في بعض الطبقات تستطيع أن تعيش بين زوجها وخليلها دون حرج ولا جناح، بينما المرأة ~~التي تطلق ثم تتزوج من جديد تثبت بصفة رسمية أمام القانون وفي دفاتر الحكومة أنها قد قسمت ~~نفسها بين رجلين، فلا يكاد يراها أحد إلا ويشعر بهذه الشركة، أو بهذه القسمة، أو بهذا ~~التبادل، وفي هذا ما فيه من الخزي، وفي هذا ما ms087 فيه من انتهاك حرمة الحياء ... # فأنت ترى إلى هذا النفاق الاجتماعي الذي يبيح الخيانة ويقرها، وإن أنكرها القانون ~~والدين وحظراها، والذي يحظر الزواج بعد الطلاق وإن أباحه القانون، وأقرته المنفعة، ~~واستلزمته العواطف والسعادة في كثير من الأحيان. # تثور «ماريان» على هذا النفاق الاجتماعي، ولكن شيئا آخر يزيد ثورتها عنفا، وهو أن أمها ~~المؤمنة التقية قد اشتركت في هذا الكذب، فأخفت الأمر عن الزوج مخافة أن تنهدم حياته ~~الزوجية، وإذن فقد أقرت شيئا يحظره الدين، فما لها لا تقر ابنتها على الزواج إذ كانت ~~المصلحة تبيح مخالفة الدين؟ فتجيبها الأم بأن خطيئة صاحبتها قد وقعت بالفعل، فهي لا تستطيع ~~لها استدراكا، وقد أصبح أمرها إلى الله وحده، فالرحمة بالإنسان تقتضي أن تظل هذه الخطيئة ~~مكتومة، أما أنت فلم تخطئي بعد وأنت تريدين أن تخطئي، وحرام علي أن أعينك على الخطيئة. ثم ~~تنصرف الأم بعد أن تعلن إلى ابنتها أنها لا تسمح بهذا الزواج، ولكنها لن تستطيع أن تجحد ~~ابنتها مهما تفعل، هنا يستقر رأي «ماريان» على أن تخالف أمها فتتزوج. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني رأيت «ماريان» وزوجها الجديد، وقد مضى على زواجهما عامان، وهما في ~~زيارة يتغديان عند «بوليت» التي مر بك ذكرها، فيتحدثون في كثير من الشئون ثم ينفصلون ~~قليلا، فأما ماريان فتتحدث إلى زوج صاحبتها واسمه «هوبير»، أما «بوليت» فتتحدث إلى ~~«جيليوم» زوج ماريان. # ولست تسمع إلا حديث ماريان وصاحبها، فإذا صاحبها يشكو إليها ويستعينها، ذلك أن زوجه أحست ~~منه بعض النزق فهجرته فهو يستعطف ويتوب، ويتوسل بماريان، ثم تخلو المرأتان وتتحدثان، فتلح ~~ماريان على صاحبتها أن تعفو عن زوجها، وأن تذكر خطيئتها، فتأبى بوليت، ويتبين من حديثها ~~أنها ما زالت في خطيئتها، وأنها مغتبطة بهذه الخطيئة، وأنها تؤثر الحب على الزواج، تكره من ~~الزواج هذه الإباحة التي ترفع الكلفة بين الزوجين، وتجعل الصلة بينهما شيئا مألوفا، وتجعل ~~للرجل على المرأة حقا يشبه حق المالك المتسلط، وهي تحب في الحب أنه غير مباح، وأن فيه هذه ~~المشاق والأخطار التي ms088 تجدها في كل محظور، والتي تضطرك إلى أن تتكلف الأهوال، وتتجشم الخطوب، ~~فتختلس الوقت وتسترق اللذة، تخفي ذلك كله وتكذب فيه، ولا تصل إلى شيء منه إلا بعد حيلة ~~وجهاد، فهو إذن شيء لا يكفي أن تمد إليه يدك لتناله، وهما في هذا الحديث وفي هذا الحوار ~~تبيح إحداهما محظورا، وتدافع إحداهما عن مباح، وبوليت تتعجل صاحبتها لأنها تريد أن تذهب ~~إلى ميعاد، وبينما هما في هذا كله إذ يدخل الخادم ومعه بطاقة، وهذه البطاقة هي التي تعقد ~~القصة، وتجعلها أدنى إلى الشر والنتائج السيئة حقا مما كانت أول الأمر. # هذه البطاقة من مدام «بوجيس» أم الزوج الأول «لماريان» فيها أنها أقبلت تتوسل إلى «بوليت» ~~أن تتوسط عند ماريان في أن تبيح لزوجها القديم الإشراف على تربية ابنه أكثر مما كان ذلك له ~~مباحا من قبل، تطلب ذلك لمنفعة ماريان نفسها ولمنفعة ابنها ولمنفعة حفيدها، فقد أصبح ابنها ~~أرمل؛ لأنه فقد زوجه الثانية حينما أصبحت ماريان متزوجة، وإذن فالأب أحق بابنه من الأم؛ لأن ~~الأب وحيد والأم تعيش مع رجل غريب يمكن أن يكون له تأثير سيئ في نفس الغلام. تقرأ بوليت هذه ~~البطاقة، وتتحدث بها إلى ماريان، ولكنها متعجلة تريد أن تذهب لموعدها، وإذن فلا بد لماريان ~~من أن تلقى هي مدام بوجيس، وتتحدث إليها في هذا الأمر الجديد. # فإذا جاءت مدام بوجيس وتحدثت إلى ماريان فهمت من حديثها أنها تحب ماريان وتحب ابنها، وتحب ~~حفيدها، وتحب الخير لهؤلاء جميعا، وأنها كأم ماريان تجحد الطلاق، ولا تعترف بالزواج ~~الجديد، لكنها لا تقنع ماريان رغم ما تذكره لها من آراء المحامين، ورغم ما تخوفها من وصول ~~الأمر إلى القضاء، وانتصار زوجها الأول، وتحدث الناس بذلك في الصحف والأندية، لا تقنعها ~~فترغب إليها في أن تسمع لابنها وهو قريب يمكن أن تشير إليه من النافذة فيجيب، وهو قادر على ~~إقناعها لأنه يعلم من الأمر ما لا تعلم، وهو لم يكره زوجه الأولى قط، ولم يخنها إلا في ساعة ~~خفة وطيش، والأمر ms089 بعد هذا كله فوق الأم وفوق الأب؛ لأنه يتعلق بحياة الابن، وهما جميعا ~~يقدسان هذه الحياة، تتمنع ماريان أول الأمر ولكنها تسمح أخيرا، وتشعر أنت من هذا التمنع ~~وهذا القبول أن هناك جهادا بين قلب هذه المرأة وواجبها، فهي ما زالت تحب زوجها القديم، ~~ولكنها تريد أن تؤدي واجبها لزوجها الجديد، هذا الجهاد موجود عنيف، ولكنها تخفيه على نفسها؛ ~~لأنها تجل نفسها عن أن تحب من خانها من جهة، وعن أن تخون ولو بالضمير من أحبها من جهة ~~أخرى. يقدم الزوج الأول ... ويتحدثان فإذا الزوج الأول محق، وإذا هو يخشى على ابنه الخطر كل ~~الخطر من عشرة الزوج الثاني؛ لأن هذا الزوج الثاني يلقي في روع ابنه من الخواطر والآراء ما ~~لا يلائم مزاج الغلام ولا صحته، ولا مستقبله، ولا آمال أمه وأبيه فيه. تقتنع ماريان ويتفقان ~~على أن يذهب الغلام مع أبيه إلى الريف يقضي فيه أسابيع، ولكن أحست ماريان عجزها عن مقاومة ~~هذا الحب القديم، وأحست من جهة أخرى أن زوجها الأول ما زال يحبها رغم خيانته، ورغم زواجه ~~الثاني. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث علمت أن الغلام لم يكد يذهب إلى الريف حتى أصابته علة الديفتريا، ~~فأشرف على الموت، ودعيت أمه فأقبلت وأقامت في قصر زوجها الأول خمسة عشر يوما، تشارك هذا ~~الزوج في العناية بهذا الغلام، وفي دفاع الموت عنه. # وقد أحسا غير مرة ألما واحدا وخوفا واحدا، وأحسا غير مرة لذة واحدة وأملا واحدا، ~~أحسا الألم والخوف حين كانت حياة الغلام في خطر، وأحسا اللذة والأمل حين كان الطبيب ينبئهما ~~بحسن حال المريض، أحسا أن بينهما صلة مادية ومعنوية، صلة حية ليس لأحدهما أن يقطعها، أحسا ~~أنهما قد يفترقان وقد يقع بينهما الطلاق، وقد يتزوج كل منهما، ولكنهما رغم هذا كله متحدان ~~معنى ومادة، متحدان في هذا الغلام الذي يوحد بين جسميهما، وبين خلقيهما، بل وبين ما ورثا في ~~حياتهما المادية والمعنوية، ثم أحسا أنه يوحد آمالهما وآلامهما، أحسا هذا كله وكلاهما يحب ~~صاحبه حبا لا ms090 يكاد يخفيه، فما عسى أن تكون نتيجة هذا الإحساس؟ # أما في نفس الزوج فشيء واحد هو استئناف حياته الزوجية مع زوجه الأولى، وأما في نفس ماريان ~~فشيئان متناقضان: إجابة الحب إلى دعوته، وإجابة الواجب إلى دعوته، والحب صادق؛ لأنها تحب ~~زوجها حقا، ولم تنس حبه في يوم من الأيام، ولأنها تحب ابنها فتحب زوجها في ابنها، ~~والواجب صادق أيضا، فهي تحترم القانون، وتحترم زوجها الثاني، وتحترم نفسها، وترى أن الواجب ~~هو أن تظل محترمة للقانون ولنفسها، وفية لزوجها الجديد، وإذن فيجب أن تشعر بحب زوجها ~~الأول، ويجب أن تقاوم هذا الحب وفاء لزوجها الثاني، وللقانون، ولكرامتها، وهي عن ذلك كله في ~~شغل ما دام ابنها في خطر، ولكن الطبيب قد أعلن أن الغلام أخذ يبل من مرضه، وأن أمه تستطيع ~~أن تفارقه دون أن تخشى شيئا، فلا بد إذن من الفصل في هذا الجهاد، وماريان قوية معتزمة أن ~~تفي للواجب وإن ضعفت صحتها، واختل مزاجها العصبي أو كاد، فهي تعلن إذن أنها معتزمة على ~~السفر غدا، فإذا طلب إليها البقاء لتستريح أعلنت أن الواجب يكلفها ألا تظل في هذا البيت ~~حين لا تدعوها الضرورة إلى الإقامة فيه، وهي في هذا الجهاد العنيف إذ تعلم شيئا يزيد هذا ~~الجهاد عنفا، تعلم أن صديقتها بوليت التي كانت تخون زوجها، وتؤثر الحب المحظور على الزواج ~~المباح قد فقدت ابنها، ولا تكاد تتحدث إلى هذه الصديقة البائسة حتى ترى أن مرض هذا الغلام ~~الذي مات قد أصلح نفس أمه، فاستيقنت أن الزواج حق، وأن الذي يجعله حقا ونفعا وخيرا، بل ~~الذي يجعله الحق الذي ليس دونه حق، والنفع الذي ليس دونه نفع، والخير الذي ليس دونه خير، ~~إنما هو وجود الأبناء، ذلك لما قدمنا من أن الابن يجمع الأبوين حقا، ويوحد بينهما توحيدا ~~لا سبيل إلى تفريقه، فقد أحست بوليت هذا حين كان ابنها مريضا، وازداد إحساسها إياه حين مات ~~ابنها، فكرهت الحب المحظور، وأخذت لا تتمنى على الله ولا على الحياة إلا شيئا ms091 واحدا وهو ~~أن يولد لها من هذا الزوج الذي كانت تخونه أمس ابن يزيد الصلة بينهما توثيقا وقوة، وتتحدث ~~بهذا إلى ماريان فإذا لهذا الحديث صداه الصادق في نفس ماريان، وإذا هي تشعر أنها غريبة من ~~زوجها الثاني؛ لأن الابن لا يصل بينهما، وأنها متصلة بزوجها الأول لوجود هذا الابن، وإذن ~~فكلتا المرأتين تعسة: إحداهما فقدت ابنها، والأخرى فقدت زوجها حقا، ولكن ماريان مصرة على ~~الوفاء للواجب، وقد تفي لهذا الواجب لولا أن زوجها الأول أقوى منها، فهو يدخل عليها في هذه ~~الغرفة التي هي فيها الآن والتي رآها فيها لأول مرة يوم تزوجا، والتي تركها فيها يوم ~~الخيانة، يدخل عليها وهي تستعد للراحة، قد نزعت ثيابها أو كادت وأرسلت شعرها، فيراها الآن ~~كما رآها يوم تزوجا، يدخل عليها وقد علم أنها تريد أن تسافر وهو يأبى أن تسافر حتى تسمع له ~~وتعفو عنه، فيأخذ في التحدث إليها واستعطافها، وتذكيرها أيام الحب، ثم يذكر خيانته، وأنها ~~لم تصدر إلا عن ضعف وطيش، وأنه كان إلى ضعفه وطيشه أحمق مغرورا، ساءه أن امرأته علمت ~~بخيانته فاغتاظ لذلك، ولج في الخيانة طيشا وحمقا، ثم تتحدث إليه ماريان فإذا هي حين ~~أغضبتها الخيانة وملأتها حقدا وغيظا لم تكن تتمنى إلا شيئا واحدا وهو أن يعود زوجها ~~تائبا مستغفرا فيترضاها، ويستأنف معها الحياة، إذن فقد كان غضبها كاذبا، وإذن فقد كانت ~~خيانته كاذبة أيضا، وإذن فقد كان كلاهما يحب صاحبه حقا. # وقد أظهر مرض الغلام أن هذا الحب لم يزدد إلا قوة وعنفا، ألما معا وجزعا معا، وقد برئ ~~ابنهما، فيجب أن يسعدا معا، وهما الآن في الغرفة التي شهدتهما زوجين لأول مرة، هنا تضعف ~~الإرادة ويضعف أثر الواجب، وينتصر سلطان الحب والأمومة على سلطان الزواج والقانون. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع رأيت أبا ماريان وأمها بمنزلهما في باريس يتحدثان بأن الغلام قد ~~برئ، وبأن ماريان عائدة إلى باريس بعد قليل من اللحظات، وبأن زوجها قد ذهب يستقبلها ، ثم ~~يطلب الشيخ إلى امرأته أن تذهب ms092 معه إلى بيت ابنتها، فتأبى لأنها لا تريد أن تدخل هذا البيت ~~الذي يقوم على الخطيئة، ويتركها زوجها حينها، ثم تقبل ماريان والهة ذاهلة في شكل مخيف، فلا ~~تكاد تستقر بها الدار حتى تكون قد قصت على أمها كل شيء، فأنبأتها بأنها خانت زوجها الثاني ~~مع زوجها الأول، وأنها تستبشع هذا استبشاعا فظيعا، وترى أنه جرم لا يعدله جرم، أما أمها ~~فلا ترى في هذا إثما ولا خطيئة، وإنما ترى أن ماريان قد ردت الأمانة إلى صاحبها، وأنه إن ~~تكن هناك خطيئة حقا فهي حياتها مع زوجها الجديد، ويقبل الشيخ وقد سمع هذا الحديث فتناله ~~هزة نفسية عنيفة يرثي لابنته لأنها لم تفعل ذلك وهي قادرة على ألا تفعله، ويرثي لزوجها ~~الثاني لأنه مظلوم، ويريد أن يلتمس حلا لهذه العقدة، فأما الأم فتقترح الحل وهو أن هذا ~~الزواج الثاني قد قام على الطلاق فيجب أن يهدمه الطلاق، وأن تعود ماريان إلى زوجها الأول، ~~ولكن الشيخ رجل قانوني وهو يعلم أن القانون الفرنسي لا يبيح للمطلقة أن تعود إلى زوجها ~~الأول إلا إذا مات زوجها الثاني، فليس للمسألة إلا حل واحد وهو الكذب، هو أن تخفي الحقيقة ~~على الزوج الثاني، ولكن ماريان عاجزة عن إخفاء هذه الحقيقة، لا تريد أن تكذب، ولا تريد أن ~~تخدع زوجها الثاني، والحق أنها لا تحب زوجها الثاني، ولا تستطيع أن تعيش معه وإن كانت تكبره ~~وتجله، فهي إذن قد عزمت على أن تصارح زوجها بكل شيء، يلح عليها أبوها وأمها ألا تفعل فتأبى، ~~ثم يصلان إلى إقناعها بأن تستخفي حتى يقبل «جيليوم» مضطربا؛ لأنه ذهب لاستقبال زوجه فلم ~~يجدها، فإذا علم أنها قد عادت إلى باريس، وأنها ذهبت إلى بيت أبيها لا إلى بيت زوجها ازداد ~~اضطرابا، وإذا طلب أن يرى زوجه فأجيب بأن الخير في أن ينتظر الآن خرج عن طوره وألح وأنذر ~~حتى تخرج له ماريان، ويخلو الزوجان فيسألها فلا تجيبه إلا بضروب من الإيماء، والرجل واثق ~~بزوجه فهو يعتقد أنها ضعيفة متأثرة ms093 الأعصاب، فيريد أن يأخذها باللطف والحنان فيدنو منها، ~~ويريد أن يضمها إليه، ولكنه لا يكاد يطلب شفتيها حتى تصيح في وجهه بأنها خائنة! # هنا يثور ثائر الرجل، ولكنه لا يريد إلا أن ينتقم من هذا الزوج الأول الذي أهانه، وانتهز ~~إقامة امرأته عنده وضعفها ففعل ما فعل، يخرج وهو عازم على قتله، فتستغيث ماريان بأبيها ~~وأمها، وتتوسل إليهما في أن يدفعا هذا الشر الذي يريد أن ينزل بهذين الرجلين. فقد رأيت أن ~~المؤلف قد أحكم العقدة، فبلغ الجهاد أقصى أطوار العنف بين هذه العواطف المختلفة، وبين هذه ~~الأهواء المتباينة، وبين الدين والقانون، بلغ بالجهاد أقصى أطوار العنف حتى أصبح جهادا ~~خارجيا بين رجلين مسلحين، كلاهما يريد الشر بصاحبه، وأحدهما يمثل القانون والحب، والآخر ~~يمثل الدين والأبوة والحب. ~~••• # فإذا كان الفصل الخامس رأيت أسرة ماريان قد انتقلت من باريس إلى قصر لها في الأقاليم، ~~وظهر لك المسرح في موضع من حديقة هذا القصر تشرف على مكان خطر من النهر، ورأيت ماريان وأمها ~~تتحدثان، فتفهم من الحديث أن أم ماريان قد أسرعت إلى الزوج الأول فأنبأته بمكان الخطر على ~~حياته، وما زالت به حتى حملته على أن يستخفي، ثم تفهم شيئا آخر وهو أن الزوج الأول لم ~~يستخف حقا، وإنما انتقل من قصره إلى حيث تقيم ماريان، فليس بينها وبينه إلا النهر، فهو ~~يبعث إليها في كل يوم بكتاب يريد أن يستأنف الصلة بينها وبينه، وماريان تقرأ كتبه ولا تجيب، ~~وهما في هذا الحديث إذ يقبل أبوها فينبئهما بأنه لقي في طريقه جيليوم وهو الزوج الثاني، ~~وعلم منه أنه أقبل يريد أن يتحدث إلى ماريان، فتقبل ماريان أن تتحدث إليه، ويذهب الرجل ~~ليأتي به، وتذهب ماريان مع أمها لتتخذ لها معطفا تتقي البرد؛ لأن المساء قد أمسى. يقبل ~~جيليوم ويخلو حينا في المسرح، وهو ينتظر إذ يدخل غلام من القرية معه كتاب من «مكس» الزوج ~~الأول، فيأخذ «جيليوم» الكتاب، وقد علم من الغلام مكان «مكس »، وعلم منه أيضا أن هذا الموضع ~~من ms094 النهر شديد الخطر. ينصرف الغلام، ويقرأ جيليوم الكتاب فيفهم كل شيء: يفهم أن مكس يريد ~~استئناف الصلة مع ماريان، وأن ماريان لا ترد على كتبه، وهو كذلك إذ تقبل ماريان فيعرض عليها ~~جيليوم العودة إلى الحياة القديمة، وأنه يريد أن ينسى ما كان، ولا يذكر من أمر الخيانة ~~شيئا، وأنه لن يستطيع أن يعيش بدون ماريان، ولن يستطيع أن ينسى شرفها وأمانتها حين أنبأته ~~بالحق ولم تخف عليه شيئا، وكانت تستطيع أن تداهن، وكانت تستطيع أن تصطنع الرياء. # ولكن ماريان تشكر له ذلك، وتعلن إليه أنه قد يستطيع أن ينسى كل شيء ولكنها هي لا تستطيع ~~أن تنسى، وقد تزوجته على أن تكون له وفية في السر والجهر، وفي الدقيق والجليل من أمرها، ~~فأما وقد خانت هذه الأمانة فهي لا تستطيع أن تعود إليه، وهي لا تطلب إلا شيئا واحدا، لا ~~تطلب إلا أن تفرغ لابنها تقف حياتها على تربيته والعناية به. لا يصدقها جيليوم، وتملكه ~~الغيرة، فيظن أنها تريد أن تخلص منه لتستأنف الحياة مع الزوج القديم، ثم تهدأ غيرته حين ~~يراها باكية ملتاعة، ويعلن إليها أنها ستظفر بما تريد فسيستخفي هو أو سيموت، وتستطيع أن ~~تعود إلى زوجها الأول. يعلن إليها ذلك في صدق وإخلاص، فتجيبه هي في صدق وإخلاص أيضا أنه ~~أخطأ قصد السبيل وأنها تريد أن تعيش عيشة الراهبات؛ لأنها فقدت بحكم الخيانة حقها في ~~السعادة الزوجية، حقها في أن تكون امرأة، وهي تريد أن تكفر عن سيئاتها، فتستأنف حياة ~~العذارى، وهي تقسم أنها لن تعود إلى الزوج القديم، وهي أنها تحبه، وأنها قد تعجز عن ~~مقاومته، ولكنها تعلم أنها ستقتل نفسها قبل أن يظفر منها هذا الزوج القديم بشيء، تقسم على ~~ذلك فيصدقها «جيليوم» ويعدها بأنها ستحيا، وستحيا لابنها دون أن تجد في ذلك ما يعرضها ~~للانتحار الذي هو عمل غليظ جاف لا يليق بالنساء الحسان، ثم يودع بعضهما بعضا. تنصرف ويبقى ~~وهو يسأل نفسه: لم لا يلقي بنفسه في النهر؟ وإنه لفي هذا التفكير ms095 إذ يقبل «مكس» فيلتقي ~~العدوان، يهم مكس أن يتراجع فيقفه جيليوم معلنا إليه أنه قد فر أمامه مرتين، هنالك يدور ~~حوار قصير، ولكنه عنيف بين هذين الرجلين، يطلب مكس إلى صاحبه أن يدعو شهوده، وأن يقتتلا كما ~~جرت بذلك العادة، فيأبى جيليوم قائلا: إن بينك وبيني حسابا يجب أن لا يطلع أحد عليه، ثم ~~يعرض عليه ما يأتي: وهو أنه قد رد إلى ماريان حريتها فلن تراه ولن يراها، ولكن ماريان ~~تريد أن تعيش حرة، تريد ألا ترى زوجها القديم كما أنها لن ترى زوجها الجديد، وإذن فمكس بين ~~اثنتين: إما أن يعطي على نفسه العهد أنه لن يرى هذه المرأة، ولن يتتبعها بإلحاحه وأثقاله، ~~وإما أن يموت. أما مكس فيرفض ما يعرض عليه، ويعلن أنه يحب ماريان وأن ماريان تحبه، وأنه لا ~~يستطيع أن يعرض عنها، ولن يعرض عنها، وأنه لن يقضي بينه وبين صاحبه في هذه الخصومة إلا ~~الموت، فهو يدعو شهوده ولابد أن يقتتلا، ثم يريد أن يخرج فيمنعه جيليوم، ويكون بينهما صراع ~~عنيف ينتهي بهما إلى النهر، فما أسرع ما تضمهما أمواجه، وما أسرع ما تلتئم هذه الأمواج ~~كأنها لم تضم شيئا. # ولا تكاد تمضي لحظات على هذا الموت حتى نسمع صوت ماريان تدعو ابنها، وحتى تراها تدخل ~~المسرح من ناحية، ويدخل ابنها المسرح من ناحية، وفي يده طاقات من الزهر، فتضمه إليها، وتمر ~~به حيث مات زوجاها، وتقوده إلى القصر حيث تعده ليحتمل نصيبه مما تضمر الحياة من خير أو شر ~~للأحياء. # | شوط القبس # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو» # قد يكون هذا العنوان غريبا، وقد لا يخلو من بعض النفرة، بل قد يكون غامضا بعض الشيء، ~~ولكن توضيحه يسير، وترجمته صحيحة، ومتى فهمت معناه، وقرأت القصة، أو ألممت بها فقد أحسب أنك ~~تقره ولا تنكره. # كان للأثينيين عيد ديني يحتفلون فيه حفلة، اختلف في تأويلها الفلاسفة والشعراء، كان أعضاء ~~المدينة يصطفون على مسافة بعيدة، ويبدأ أحدهم فيقتبس من النار المقدسة جذوة ينقلها مسرعا ~~إلى ms096 من يليه، ثم ينقلها هذا إلى من بعده، وما تزال الجذوة تنتقل في سرعة من يد إلى يد حتى ~~تبلغ آخر الصف. وقد فسر أفلاطون و«لوكريس» هذه الحفلة الدينية بأنها كانت رمزا لحياة ~~الأجيال المختلفة من أبناء الإنسان، وعلى هذا التفسير اتخذ صاحب القصة عنوان قصته، فسماها ~~شأو القبس أو نستطيع أن نقول ننقل هذا القبس في سرعة من يد إلى يد، وهو لا يريد بعنوانه ولا بقصته إلا أن يشرح هذه الفكرة التي ~~خطرت لأفلاطون ولوكريس، ويثبتها في وضوح وجلاء، فقصته في الحقيقة فصل من فصول الفلسفة أو ~~درس من الدروس يريد بها أن يخلبك أو يستهويك، أو يؤثر فيك هذا الثأثير المختلف الذي يخرجك ~~من لذة إلى ألم، ومن ألم إلى لذة، ليس يريد أن يذيقك لذة الانفعال حسنا كان أم سيئا، ~~وإنما يريد شيئا آخر، يريد أن يقنعك بقضية من القضايا، ورأي من الآراء، هو إذن لا يتحدث ~~إلى قلبك ولا إلى عاطفتك، وإنما يتحدث إلى عقلك، ولكنه في هذا الحديث إلى عقلك لا يصطنع ~~منطق أرسطاطاليس، ولا يتكلف ضروب القياس والاستقراء، وإنما يسلك سبيل العاطفة ليصل إلى ~~إقناع العقل، أو هو يعدل عن المنطق النظري إلى منطق الحياة الواقعة، أو هو يكشف أمامك هذه ~~الحياة الواقعة حتى تلتمس منطقها بيدك، وحتى تقتنع حين تلمس هذا المنطق بأن قضيته صادقة، ~~وأن رأيه صحيح، وهذه القضية في نفسها قيمة نافعة، لو اقتنع الناس بها وأحسنوا التفكير فيها ~~لأعفوا أنفسهم من ضروب من الآلام، وفنون من الغرور، ولكانوا بمأمن من اليأس، وخيبة الأمل في ~~كثير من الأحيان، نعم لو آمن الناس بهذه القضية لقبلوا الحياة كما هي، لا يكبرونها أكثر مما ~~ينبغي، ومن استطاع أن يفهم الحياة كما هي، ويقبلها كما هي فهو الفيلسوف الذي يستطيع أن يريح ~~ويستريح حقا، ولكن الناس لن يفهموا الحياة كما هي ولن يقبلوها كما هي، وسيظلون أبدا ~~يفهمون الحياة كما يحبون أن تكون، وسيظلون لهذا في شقاء ينتقلون من رجاء إلى يأس، ومن ms097 فشل ~~إلى خيبة أمل. ~~••• # بدأ الكاتب قصته كما يبدأ الخطيب خطبته، أو كما يبدأ العالم فصلا من فصول العلم، فيضع ~~نظريته موضع البحث، ثم ينفق خطبته أو فصله العلمي في إثبات هذه النظرية، فلنسلك سبيله، ~~ولنشرح نظريته، وهي سهلة سائغة ليس فهمها بالعسير. نظريته هي أن حياة الأجيال الإنسانية ~~ليست إلا سلسلة من التضحية المتصلة غير المنقطعة، يضحي كل جيل من أجيال الناس بنفسه وحياته ~~وقوته وآماله في سبيل الجيل الذي يليه، دون أن يجد من هذا الجيل شكرا، أو ينال منه جزاء، ~~كما أنه لم يقدم إلى الجيل الذي سبقه شكرا، ولم يعوض عليه جزاء حياة الأجيال الإنسانية، ~~إذن هي كأمر هؤلاء اللأثينيين يوم كانوا يحتفلون بعيدهم المقدس، فلا يزيد أحدهم على أن ينقل ~~الجذوة من يده إلى يد من يليه مكتفيا بعد ذلك بأن ينظر إلى هذه الجذوة تسرع في انتقالها من ~~يد إلى يد دون أن يستطيع شيئا أكثر من أن يصل بها عينه، مشفقا عليها أن تخمد أو تسقط بين ~~الذين يتناقلونها. نحن إذن حملة هذه الجذوة التي هي الحياة ورثناها عن الجيل الذي سبقنا، ~~ونورثها الجيل الذي يلينا، لا عمل لنا في الحياة إلا هذا، ولا أمل لنا في الحياة إلا هذا، ~~نحن ننظر أمامنا أبدا دون أن ننظر وراءنا في يوم من الأيام، نحن آباء بررة، ولكننا في ~~الوقت نفسه أبناء عاقون، نقف برنا على أبنائنا، ولا يظفر آباؤنا منا إلا بالعقوق ~~والتقصير. # تجد هذه النظرية منك معارضة قوية؛ لأنها تخالف ما ألفت من جهة، وتخالف ما تريد من جهة ~~أخرى، ولأنها فوق كل شيء تصدمك بإظهار ما فيك من نقص، فأنت تكره أن تكون عاقا، وتريد أن ~~تكون وفيا برا، وأنت أثر تحب نفسك، وتريد أن يشعر ابنك بأنه مدين لك بالحياة، تخدع ~~نفسك، فتعتقد أنك بر بأبيك وأمك، وتضلل نفسك فتريد أن يكون ابنك برا بك ووفيا لك. تجد ~~هذه النظرية منك معارضة قوية ، ولكنها في الحق صحيحة صادقة، فمهما تعارض، ومهما ms098 تنكر فلن ~~تستطيع أن تجحد شيئا واقعا، وهو أنك تحب ابنك أكثر مما تحب أباك، وأنك تستطيع بل تلزم ~~نفسك - حين تشعر بالحاجة - الفناء لا في سبيل حياة ابنك، بل في سبيل لذته وراحته ليس ~~غير. # والكاتب يأخذك بحجة أخرى لا تخلو من دعابة، ولكنها صحيحة قوية: ما بال الديانات لم تأمرك ~~بأن تحب ابنك، وأن تعطف عليه؟ لأنها ليست في حاجة إلى هذا الأمر، فأنت تحب ابنك وتعطف عليه ~~بحكم الطبيعة، وما بال الديانات تأمرك أن تكون برا بأبويك، وتلح عليك في هذا الأمر، وتبسط ~~أمامك من الرجاء ما يرغبك في البر بأبويك، وتضع أمامك من النذر ما يخيفك من العقوق؟ لأنك ~~لست برا بأبويك بحكم الطبيعة، وإنما البر بالأبوين خلق ينبغي أن تتكلفه، وتجد في ~~تحصيله، ومهما تفعل فلن توفق منه إلى ما تريد. # الإنسانية إذن - بطبعها كما يقول الكاتب - أم برة وبنت عاقة، وهي تتكلف الخطوب، ~~وتتجشم الأهوال لتصف نفسها بما ليس فيها من فضيلة البر. # ولكني لا أريد أن أغلو في بسط هذه النظرية، فلأنتقل بك إلى مذهب الكاتب في إثباتها، وسترى ~~أن هذا الإثبات على صدقه وصحته لا يخلو من لذة وألم يهزان العواطف هزا عنيفا، ويؤثران ~~في النفس تأثيرا شديدا. ~~••• # مدام «فونتيه» عجوز أرملة، فقدت زوجها منذ عهد طويل، وكانت تحبه حبا شديدا، فهي وفية ~~له، مقيمة على عهده، حتى إنها لتقرأ الصحف التي كان يقرؤها لها، لا لأنها تحب هذه الصحف ~~أو تعنى بما فيها، بل لأنها تريد أن تتلمس بعينيها في هذه الأحرف المكتوبة أمامها صوت ~~زوجها العزيز عليها. هي تحب زوجها، وهي غنية قد ترك لها هذا الزوج ثروة لا بأس بها، وترك ~~لها ابنة هي «سابين ريفيل»، وهي امرأة نصف، فيها جمال وسحر، وهي أرملة كأمها، تزوجت من شاب ~~غني، ولكن حظ هذا الشاب كان سيئا، فنزلت به المحنة بعد المحنة، ثم مات وترك امرأته فقيرة ~~معدمة لولا ثروة أبويها، ولم يتركها وحدها، بل ترك لها ابنة هي «ماري جان»، ms099 وهي فتاة جميلة ~~خلابة، حسنة الخلق، قوية النفس، في السابعة عشرة من عمرها، ولكن فيها خلالا تفوق سنها رغبة ~~في الجد، وقدرة على الاحتمال. # أمامك الآن ثلاثة نساء يمثلن ثلاثة أجيال! أمامك العجوز تحب ابنتها، ولا تحيا إلا لها، ~~وأمامك المرأة الشابة، يخيل إليها أنها لا تفرق بين أمها وبنتها في الحب، ثم أمامك هذه ~~الفتاة لا تفكر في شيء من هذا، وإنما هي أمل ورجاء، هي زهرة تبسم للحياة، وقد بدأت شمس ~~الحياة تشرق عليها، فهي تستجمع كل ما فيها من قوة وشباب لتستمتع بضوء هذه الشمس المشرقة، ~~وهي تحب شابا اسمه «ديديه مارافون»، حسن الصورة، قوي الإرادة، مؤمن بقدرته على العمل، ~~وحسن حظه في الحياة، أحبته الفتاة وأحبها، وتعاهدا على الزواج، واختارت الفتاة عيد ميلادها ~~لتظهر أمها على هذا الحب، وعلى ما تعقد به من أمل. # فإذا كان الفصل الأول فنحن في بيت هؤلاء النسوة، وهن يحتفلن بعيد هذه الفتاة، وقد دعون ~~إلى هذا الحفل طائفة من أصدقائهن، فيهم رجال وفيهم نساء، فيهم بنوع خاص امرأة مفتونة ~~بجمالها، حريصة على أن تستمتع بحياتها، لا تبخل من لذات الحياة على نفسها بشيء، ولها ابنه ~~شابة تهملها إهمالا، أو قل إنها تضحي بشبابها في سبيل لذاتها الخاصة. أو قل إنها تنساها ~~نسيانا تاما، حتى إنها لتداعب فتى تحبه ابنتها، ويحب هو هذه الفتاة، وحتى إنها لتكلف ~~ابنتها الشابة أن تصلح من شأنها، وترتب زينتها! وفيهم امرأة أخرى جميلة، ولكنها تضحي ~~بجمالها وحياتها ولذتها وبزوجها وقوته ولذته في سبيل ابنتها الفتاة الجميلة التي استشعرت حب ~~أبويها، فأسرفت في الذل والتحكم حتى إنها لتكلفهما ما يطيقان، وما لا يطيقان، كأنهما لا ~~يعيشان إلا لها. فإذا دخلت «سابين» رأت هذا المنظر العجيب، رأت فتاة قد جثت على الأرض تصلح ~~ثوب أمها، ورأت أما قد جثت على الأرض تصلح زينة ابنتها، فإذا خرج هؤلاء الناس وخلت ~~«سابين» إلى صديق لها هو «مارافون»، تحدثت إليه في أمر هؤلاء وإسرافهن، هذه تضحي بابنتها، ~~وهذه تضحي بأبويها، ms100 فيشرح لها صاحبها هذه النظرية التي بسطتها لك في أول هذا الفصل، يزعم أن ~~الأم التي تضحي بابنتها إنما هي استثناء يثبت القاعدة، وأن الفتاة التي تضحي بأبويها إنما ~~هي المثال الصادق للإنسانية العامة، تنكر سابين هذه النظرية إنكارا شديدا، ولكن حياتها ~~كلها ستقنعها بأنها كانت مخطئة في هذا الإنكار، ذلك أن «سابين» تحب رجلا أمريكيا غنيا ~~عرفها منذ الصبا، تحبه حبا جما، ولا تطمع إلا في أن تكون له زوجا، وهذا الرجل يحبها، ~~وقد ألح عليها في الزواج، ولكنها رفضت دون أن تبين لهذا الرفض سببا، فإذا كانت هذه الليلة ~~أقبل هذا الرجل الأمريكي واسمه «ستاتجي»، وأعلن إليها أنه مسافر إلى حيث لا يعود، مسافر إلى ~~أمريكا، معتزم أن يجد فيها من العمل ما يجعل العودة عليه أمرا مستحيلا. تنكر ذلك وتحاول ~~أن تحمله على العدول عنه، وتنبئه بأنها تحبه، وتطمع في أن تكون زوجه، ولكن شيئا واحدا ~~يمنعها من ذلك وهو ابنتها، تريد ألا تتزوج ولا تغير من حياتها شيئا قبل أن تجد لابنتها ~~زوجا، فإن ثروتها محدودة، والناس يعلمون من أمرها ما يعلمون، فإذا تزوجت فقد تصبح أما، ~~وقد توجد لابنتها شريكا في هذه الثروة، فينصرف الناس عن هذه الفتاة لقلة ثروتها، وهي تريد ~~أن تكون ابنتها سعيدة، وأن تجد زوجا كفؤا، وهي تأبى أن تكون سعادتها الخاصة عقبة في سبيل ~~هذه الفتاة. يفهم الرجل هذا كله، ويبذل ما يستطيع من قوة ليملأها أمنا وطمأنينة على مستقبل ~~الفتاة وثروتها، فهو غني ومهما يرزق من ولد فلن تخشى هذه الفتاة على ثروتها الحاضرة، ولكن ~~«سابين» تأبى وتلح في الإباء حتى ينصرف عنها الرجل، ويمضي إلى حيث لا يعود. فقد بدأت إذن ~~بتضحية سعادتها في سبيل ابنتها، ولا يكاد هذا الرجل ينصرف حتى تقبل الفتاة فتنبئ أمها ~~بحبها، وتطلب منها أن تقر هذا الزواج، تتمنع الأم لأنها لم تستمتع بعد بابنتها، ولأنها تخشى ~~المستقبل، ولكن حب الفتاة أقوى من تمنع الأم ، فما أسرع ما تنتصر عليه. ~~••• # فإذا كان الفصل ms101 الثاني رأيت الفتاة قد تزوجت من صاحبها، وهما يعيشان وحدهما، والفتاة ~~سعيدة كل السعادة، وتفهم من حديثها مع صاحبة لها أن أمها ليست سعيدة، وأنها قد شقيت كل ~~الشقاء حين اعتزم الزوجان أن يسكنا وحدهما، ثم يقبل زوجها كئيبا كاسف البال، فما تزال به ~~تسليه وتعزيه وهي تجهل ما به، ولا تظن إلا أنه متعب لكثرة العمل، ثم تتركه ويأتي أبوه فيظهر ~~لك أن الفتى سيئ الحظ في عمله، وأنه مشرف على الإفلاس، وأنه قد أخفى هذا كله على زوجه ضنا ~~براحتها وأملها في الحياة، ولكنه قد بعث أباه يتوسل إلى أم زوجه وجدتها في أن تقرضاه ~~مقدارا ضخما من المال يصلح به من أمره، فذهب الرجل وقص الأمر على هاتين المرأتين وهما ~~مقبلتان، فينصرف الشيخ ليظهر زوج ابنه على جلية الأمر، وتقبل «سابين» فإذا قص عليها ~~صهرها جلية أمره، وأنبأها بأنه لا يستطيع أن يحتمل الإفلاس، ولا أن يعرض زوجه لآلام هذا ~~الإفلاس وما يتبعه من الأعمال القضائية، ولا أن يعرضها للفقر والفاقة، وأنه يؤثر الموت على ~~بعض هذا، جزعت الأم وأعلنت إلى صهرها أنها ستعينه، ولكنها عاجزة عن معونته، فهي لا تملك ~~شيئا، وإنما الثروة كلها ملك العجوز، فستتوسل إلى العجوز إذن في أن تقرضه هذا المال. ينصرف ~~الفتى وتقبل العجوز، وهنا موقف من أشد المواقف تأثيرا في النفس! تعرض «سابين» الأمر على ~~أمها، وتطلب إليها المعونة، ولكن العجوز تأبى كل الإباء، تأبى لأنها قد عرفت عبث الأصهار ~~بأموال الأحماء، وتذكر ابنتها بما كان من أمر زوجها، وأنه أضاع على الأسرة أكثر من نصف ~~مليون فرنك، ولكن «سابين» تلح على أمها، وتبالغ في الإلحاح، ثم تغلظ القول حتى تخرج عن طور ~~الإجلال لأمها، فتشعر بأن هذه المرأة قد أخذت تضحي بأمها في سبيل ابنتها، تلح فلا تزداد ~~العجوز إلا إصرارا على الرفض، ثم تعلن العجوز إلى ابنتها أنها لن تستطيع أن تنفق شيئا؛ ~~لأنها عاهدت زوجها وهو يموت على ألا تعرض ما بقي من الثروة لخطر قليل أو ms102 كثير، ثم تنصرف ~~وتترك ابنتها في شيء من الذهول يشبه اليأس، وتأتي بعد ذلك ماري جان، فإذا عرفت رفض جدتها ~~أخذها شيء من الجزع عظيم، وظلت تتوسل إلى أمها في أن تخلص زوجها من هذه الضائقة، وتشعر ~~بأن هذه الفتاة لا تفكر إلا في زوجها، ولا تنظر إلى أمها إلا من حيث هي وسيلة ممكنة لتفريج ~~الكربة عن هذا الزوج، ولكنها لا تشعر بذلك ولا تحسه، فتبالغ فيه حتى تعرض على أمها أن تكتب ~~إلى صاحبها الأمريكي القديم تسأله هذا المال، تثور الأم لهذا العرض وتأباه؛ لأن فيه ~~امتهانا لكرامتها، ولأنها لا تستطيع أن تكتب إلى هذا الرجل سائلة مستجدية بعد أن أساءت ~~إليه، ورفضت الاقتران به، ولكن ابنتها جزعة والهة، وهي لا تحتمل جزع ابنتها، فما أسرع ما ~~تجيب إلى الكتابة، وفي نفسها مع ذلك شيء من الأمل ضئيل، فهي ترجو أن يعيد كتابها في نفس ~~صاحبها ذكرى الحب القديم، فينجد صهرها من جهة، ويفكر في الزواج من جهة أخرى. # فأنت ترى هذه المرأة تسيء لأول مرة إلى أمها في سبيل ابنتها، ثم تضحي بكرامتها الخاصة في ~~سبيل ابنتها أيضا، وهي مع ذلك لا تشعر بما تفعل؛ لأنها تفعل شيئا طبيعيا. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد بلغت الأزمة أقصاها، وانتهى الخطب إلى غايته. لم يجب الأمريكي، ~~ولم تغير العجوز رأيها، فأعلن إفلاس الفتى، وحجز على ما بقي له من ثروة، ولامرأته من ~~متاع، وهو يعيش مع امرأته في بيت العجوز ترزقهم وتعولهم في غير ضجر ولا من؛ لأنها لا تحب ~~الثروة للثروة، وإنما تريد أن تكون هذه الثروة موئلا لابنتها وذويها لا ينالها العبث، هي ~~إذن تضحي بصهرها في سبيل ابنتها. # ولكن لهذا الصهر بقية من أمل، فقد يستطيع أن يتفق مع الدائنين، فيسترد شيئا من شرفه ~~التجاري، وهو في ذلك محتاج إلى مائة ألف فرنك يرضي بها هؤلاء الدائنين، والعجوز وحدها ~~تستطيع أن تقرضه هذا المقدار، ولكن العجوز تأبى بعد خصام عنيف، وكانت الفتاة قد احتملت هذه ~~الخطوب ms103 كلها في شجاعة وجلد، واشتركت في جهاد عنيف لتمنع زوجها من الانتحار، فلما رأت جدتها ~~تغلو في الإباء حتى كادت تقضي على كل أمل لزوجها الذي تحبه خانتها القوة، وأعوزها الجلد ~~فأصابها إغماء، ودعي الطبيب فأنبأ بأنها في خطر، وأن مصدر هذا الخطر اضطراب ~~الأعصاب. # هنا تخرج «سابين» عن طورها، فلا تفكر إلا في شيء واحد هو إنقاذ ابنتها من الموت، وقد ضرب ~~الدائنون للفتى موعدا ظهر اليوم الذي نحن فيه، ونحن في الساعة العاشرة صباحا، والفتى ~~يتحدث إلى أبيه ينبئه بهذا كله، ولكنه ينبئه أيضا بأن الله قد أراد إنقاذ الفتاة من الموت، ~~فقد أقبلت أمها فرحة مبتهجة، وأنبأتهما بأنها قد وجدت المال، وأنها ذاهبة إلى المصرف لقبضه، ~~ثم يأتي الطبيب وينصرف مع الفتى لعيادة المريضة، وتقبل سابين في ذهول يشبه الجنون، فلا يكاد ~~الشيخ يستنبئها حتى تنبئه أنها رأت ابنتها مشرفة على الموت فاقترفت الإثم وارتكبت الجريمة، ~~سرقت أمها وأمها نائمة، سرقت طائفة من الأوراق المالية، وأمضت بقية الليل تقلد إمضاء أمها ~~حتى أجادت التقليد، فلما كان الصباح أنبأت ابنتها بأنها وجدت المال، وذهبت إلى المصرف، فلم ~~يشك أحد في صدقها، ودفع إليها المال فقبضته، ولكنها أرادت أن تمضي الوصل فكتبت اسم أمها ~~مكان اسمها الخاص، وفطن لذلك صاحب المصرف فاسترد المال، ولولا صلة سابقة بينه وبين الأسرة ~~لألقى بها في أعماق السجون، وهي مع ذلك مضطرة إلى أن تكذب على ابنتها، فلو قد أنبأتها بالحق ~~لصعقها النبأ وقضى عليها، ثم يعود الطبيب فينبئ بأن الفتاة ما زالت في خطر، وبأن العناية ~~القوية قد تنقذها، ولا بد من نقلها من باريس إلى جبال الألب لتقضي فيها الصيف، ولا بد من ~~العناية بأعصابها، ولكن الشدة لم تبلغ أقصاها بعد، فالطبيب يعلن إلى سابين أنها إذا وافقت ~~ابنتها فلا بد من أن تترك أمها في باريس؛ لأن أمها تشكو مرض القلب، وهي إذن لا تستطيع أن ~~تعيش في الأماكن المرتفعة. # ينصرف الطبيب وتقبل العجوز، فلا تكاد تعلم بأن ابنتها تريد ms104 السفر حتى تعلن أنها سترافقها ~~فيه، تأبى سابين وتلح العجوز، وحجتها ناهضة، فسابين لا تريد أن تفارق ابنتها، وهي أيضا لا ~~تستطيع أن تفارق ابنتها، فإما أن ترافقها في السفر، وإما أن تبقى معها في باريس، وأن تترك ~~الفتاة تسافر مع زوجها، وهي تفترض ذلك وتنذر بقطع النفقة عنهم جميعا إذا لم تجب إليه، ثم ~~تنصرف مغضبة، وتقبل الفتاة ومعها زوجها وفيهما شيء من الأمل يحيي نفس هذه المريضة، ولا ~~يكادون يتحدثون، ولا تكاد الفتاة تشعر بشيء من التردد في صوت أمها حتى يعاودها الإغماء، ~~فإذا أفاقت أعلنت إليها أمها أن الأزمة قد انحلت، وأنها تحتمل تبعة ذلك، وأن زوجها يستطيع ~~أن يطلب إلى الدائنين أجلا فلا ينقضي هذا الأجل حتى تكون قد حصلت على المال، ثم تنبئ ~~ابنتها بأنها ستبقى في باريس مع أمها العجوز، فتأبى الفتاة وتتوسل إلى أمها، وتلح في ~~التوسل، ويكاد يعاودها الإغماء، فلا تستطيع سابين إلا أن تجيبها إلى ما تريد، هي إذن قد ضحت ~~بأمها تضحية أخيرة، فستحملها إلى حيث تلقى الموت، وهذا كله في سبيل ابنتها. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فالقوم جميعا في ناحية من جبال «الألب»، وقد جعلت آثار هذا الجو ~~تظهر في العجوز، فيلاحظ ضعفها واضطرابها، ولكن هذا الفصل هو موضع العظة، وموضع اقتناع ~~«سابين» بالنظرية التي بسطها الكاتب في أول القصة؛ ذلك أن صاحبها الأمريكي يلقاها في هذه ~~الناحية، يلقاها لأن كتابها إليه كان لم يصل إليه أمريكا وقد وصل إليه هنا صباح هذا اليوم، ~~ثم بحث عنها فعلم أنها تقيم في هذا الفندق، فأسرع إليها معتذرا، مقدما ما طلبت من معونة، ~~تشكره سابين ثم لا تلبث أن ينالها شيء من اليأس عظيم؛ لأن صاحبها ينبئها بأنه تزوج ورزق ~~غلاما، وفقد هذا الغلام، فهو لا يستطيع أن يعيش في البيت الذي فقد فيه هذا الغلام، وامرأته ~~كذلك لا تحتمل هذا البيت، ولهذا ترك أمريكا إلى فرنسا، يكاد يصعقها نبأ الزواج، ولكن قصة ~~هذا الطفل تنسيها يأسها فتفكر في ابنتها، وما ms105 تعرضت له من خطر، وتعزي صاحبها، ويشترك هذان ~~العاشقان في عاطفة واحدة هي تلك التي تفني الآباء في الأبناء، ويقدم الصهر فيقدم إليه ~~الأمريكي معونته، ثم تنصرف سابين، ويقترح الأمريكي على هذا الفتى أن يذهب إلى أمريكا ليعمل ~~في أرضه حيث يصلح من أمره، ويصل من الثروة والغنى إلى ما يريد في زمن قصير، ولا تكاد امرأته ~~تسمع هذا كله حتى تغتبط به، وتبتهج له، وتشجع زوجها، وتنبئ بذلك أمها فتغتبط به أيضا، ~~ولكنها تنبئها بأنها سترافق زوجها في السفر إلى أمريكا، هنا تجزع الأم جزعا شديدا، وتتوسل ~~إلى ابنتها في أن تبقى، ولكن الفتاة ترفض في غلظة أن تترك زوجها لتبقى مع أمها، تضرع الأم ~~وتقسو الفتاة، ثم يثور ثائر الأم فتذكر صهرها بالمكروه، وتنذرها ابنتها فلا تحفل بالنذير، ~~هنا تعلن الفتاة سخطها، وتنتهر أمها في عنف، ثم تتركها إلى حيث لا تعود، وتدعو الأم ابنتها ~~فلا تجيبها، فتلتفت وراءها مستغيثة بأمها العجوز فتقبل العجوز، وما تكاد تسمع النبأ وترى ~~ابنتها تبكي وتعول حتى تعلن إلى ابنتها أنها تنزل عن ثروتها كلها لتحول بينها وبين هذا ~~العذاب، فليبق الزوجان إذن، ولكن الزوجين لن يبقيا، فلقد فتح الأمريكي أمامهما بابا من ~~الأمل تحقر دونه هذه الثروة. تبكي سابين، وتشعر الآن بأنها قد ضحت بأمها ونفسها وكرامتها، ~~في سبيل ابنتها، وأن ابنتها لم تحفل بشيء من ذلك، بل ضحت به كله لتسافر مع زوجها، تشعر بهذا ~~فتستغفر أمها، وتشعر بأن أمها وحدها هي التي أحبتها، ولكن أمها قد سقطت! فهي لا تجيب، ~~وتلتفت سابين فإذا نوبة من مرض القلب قد أصابت العجوز فقضت عليها. تنظر إلى ذلك فتجزع ~~وتصيح: «قتلت أمي في سبيل ابنتي!» # | القيد # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو» # لعلك تذكر قصة التيه، وتذكر موقف تلك المرأة بين زوجها القديم والجديد وبين ابنها، وما ~~نشأ عن هذا الموقف من مصاعب وعقاب لم يكن إلى تذليلها من سبيل، في تلك القصة طلب الطلاق ~~فظفرت به المرأة التي طلبته، ولكنها لم ms106 تسعد بالطلاق، بل كان كل مصدر شقائها، ولم يسعد ~~بالطلاق زوجها القديم، ولم يسعد به زوجها الجديد، وإنما لقيا منه ضروبا من المحن والآلام ~~انتهت بهما إلى الموت، ولم يسعد الطفل بهذا الطلاق، وإنما شقي الشقاء كله، تنازعه رجلان ثم ~~أصبح يتيما. أبيح الطلاق إذن ولكنه لم يستطع أن يضمن الخير للزوجين اللذين ساءت بينهما ~~العشرة فاضطرا أن يفترقا. # وفي هذه القصة التي نعرض لها اليوم نظرية أخرى تناقض هذه النظرية مناقضة تامة، ولكنها مع ~~ذلك صحيحة صادقة. نظرية تثبت أن حظر الطلاق أو عسره لا يضمنان الخير، ولا يوصلان إلى ~~السعادة أيضا، وإنما قد يستلزمان من الشقاء والآلام مثل ما تستلزمه إباحة الطلاق أو يسره، ~~وإذن فالطلاق لا يضمن الخير، وحظر الطلاق لا يضمن الخير، والإنسانية مضطرة إلى أن تحمل ~~الحياة على ما فيها من خير وشر دون أن تجد السبيل الواضحة إلى اتقاء الشر أو الاستزادة من ~~الخير، هي مضطرة إلى أن تحتمل الحياة كما هي، وإلى أن تؤمن بأن في هذه الحياة قوة قاهرة ~~ليست هناك سبيل إلى أن تحملها على ما تريد، فتجعلها خيرة أبدا أو تمنعها أن تكون شريرة ~~أبدا، ومهما نشرع من قانون، ومهما نبتدع من حيلة فلن نصل إلى اتقاء الشر، ولن نجعل الحياة ~~خيرا خالصا، وهذه القوة القاهرة ليست شيئا مستقلا بنفسه، منفصلا عن أنفسنا، مباينا ~~لطبيعتنا، وإنما هي طبيعتنا نفسها، هي هذه الطبيعة التي تجهل نفسها أو تنكر نفسها فيضطرها ~~هذا الجهل إلى أن تقدم على ما لا تعلم، ويضطرها الإنكار إلى أن تتورط فيما لا ينبغي أن ~~تتورط فيه، ستظل هذه الطبيعة على ما هي عليه من تورط في جهل نفسها حينا، وفي إنكار نفسها ~~حينا، وفي تضليل نفسها حينا آخر، ستظل كذلك فتسعد مرة وتشقى مرة أخرى، ستظل كذلك لأنها ~~ضعيفة بفطرتها ليست معصومة من الجهل، ولا من الخطأ، ولا من الضلال. # ليحظر الطلاق أو ليبح، فليس الطلاق مصدر سعادة ولا مصدر شقاء، وإنما النفس الإنسانية ~~وحدها هي مصدر ms107 السعادة ومصدر الشقاء. إلى هذه النظرية يرمي الكاتب في قصته هذه، وإلى تلك ~~النظرية رمى الكاتب في قصته تلك، وكلتا النظريتين صحيحة، وإذن فالكاتب من المتشائمين أو قل ~~إنه من الشاكين، والشك والتشاؤم قد يحدثان في النفس الإنسانية أثرا واحدا، وهو سوء الظن ~~بالحياة، وقلة الأمل في السعادة، غير أن الشك أهون احتمالا من التشاؤم، فهو لا يخلو من ~~ابتسامة قد تكون مرة، ولكنها ابتسامة على كل حال، ولا يخلو من سخرية قد تكون مؤلمة، ~~ولكنها تؤلمك وتضحكك في وقت واحد، وقد يكون من الخير أن تألم ضاحكا لا أن تألم باكيا، وفي ~~الحق أن هذا الكاتب النابغة يؤثر الشك على اليقين، وهو يسخر من الحياة الاجتماعية وما ~~استحدث فيها من نظم وشرائع، هو شاك وهو مستهزئ، ولكن شكه واستهزاءه لا يتناولان كل شيء، ~~وإنما يتناولان غرور الإنسان وثقته بنفسه، وإيمانه بالرقي، وبأن هذا الرقي قادر على أن يصلح ~~من حاله، ويخفف من آلامه. يشك الكاتب في هذا كله، ويسخر الكاتب من هذا كله، ويضع هذه القصص ~~التمثيلية المختلفة يبين بها هذا الشك، ويؤيد بها هذه السخرية، ويثبت للإنسان في طائفة من ~~أطواره المختلفة أنه يجهل نفسه جهلا تاما، وهو يجهلها أشد الجهل، حين يعتقد أنه يعلمها ~~أحسن العلم، ولكن! ما غاية الكاتب من هذه القصص؟ وما الذي يريد أن يصل إليه حين يضع يد ~~الإنسان على شقاء الإنسان، ويبين للإنسان أنه عاجز مهما يفعل، ومهما يبالغ في الحيلة عن أن ~~يحقق السعادة ويظفر بها كما يحب ويرضى؟ ليس للكاتب حظ من هذه القسوة الشيطانية التي تبتهج ~~وتلتذ حين ترى الناس يشقون ويشعرون بأنهم أشقياء، ويؤمنون بأن ليس لهم من هذا الشقاء مخرج، ~~ليس للكاتب حظ من هذه القسوة الشيطانية التي تبتهج وتلتذ حين ترى الناس بائسين، وأكبر ظني ~~أن الكاتب إنما يرمي بهذه القصص كلها إلى شيئين اثنين كلاهما خير؛ الأول: أن يشعر الإنسان ~~بأنه مغرور، وبأنه مسرف في الإيمان بقوته وعقله وشرائعه، وقدرته على إصلاح أمره، وإذا شعر ms108 ~~الإنسان بأنه مغرور مسرف فقد يكون من الخير أن يخفف من هذا الغرور، ويقصد بعد إسراف. ~~الثاني: أن هذا الغرور وهذا الإسراف يغرسان في نفس الإنسان آراء شديدة قاسية خطرة يتخذها ~~مقياسا للحياة؛ فتنغص عليه الحياة، ويؤمن بأن الطلاق مباح، وبأن في إباحته الخير فيسرف في ~~الطلاق، ويبالغ في الاستمتاع بحقه منه، فلا يجر ذلك عليه إلا شقاء وألما، ولو أنه فكر ~~وروى واقتصد لاستطاع أن ينفي هذا الألم وهذا الشقاء، ويؤمن بأن الطلاق محظور، وأن الخير في ~~حظر الطلاق؛ فيتشدد في ذلك، ويأبى الطلاق على نفسه وعلى الناس، فلا يجر عليه هذا الإباء ~~إلا شقاء وبؤسا، ولو أنه اقتصد ولم يسرف لاستطاع أن يتقي الشقاء والبؤس، وأن يعصم منهما ~~نفسه وغيره أيضا. إلى هذين الشيئين يرمي الكاتب فيما أظن. وإذن فهو ليس متشائما كل ~~التشاؤم، ليس يائسا من الخير ما دام يرى هناك سبيلا إلى الخير، هي التواضع والاقتصاد، وهو ~~ليس شاكا أو ليس مسرفا في الشك ما دام يرى أن هناك خيرا ممكنا، وأن هناك شرا واقعا، ~~وأن هناك سبيلا إلى اتقاء هذا الشر الواقع، وتحقيق هذا الخير الممكن. هو إذن لا يتخذ الشك ~~المطلق، ولا التشاؤم المطلق مذهبا ولا عقيدة، وإنما يتخذهما منهجا من مناهج البحث، ووسيلة ~~من وسائل التحليل النفسي والاجتماعي، وقد رأينا وسنرى أن هذا المنهج قد يؤدي إلى النتائج ~~الصحيحة المعقولة، على أن الكاتب حين ينهج في بحثه وتحليله منهج الشك وسوء الظن لا يجاوز ~~العصر الذي كان يعيش فيه، بل هو لا يعدو الروح العلمي الذي انتصر في هذا العصر الحديث، ~~والذي يعتمد قبل كل شيء على أن الحق ليس مطلقا، وإنما هو إضافي، وعلى أن الشك هو الوسيلة ~~المعقولة إلى اليقين الإضافي، وعلى أن التواضع العقلي وحده هو الخلة التي تليق ~~بالعلماء. ~~••• ~~«إيرين فرجان» امرأة في الثامنة والعشرين من عمرها، بارعة الجمال، متوقدة الذكاء، حادة ~~المزاج، عصبية تشعر بكل شيء شعورا قويا، لا تعرف الهدوء في شيء، حياتها اضطراب متصل، هي ~~جذوة ms109 ملتهبة ولكنها تأكل نفسها، غنية تزوجت من رجل كغيره من الناس، وربما كان مسرفا في ~~الهدوء، وجمود الطبع، وفتور الشعور، وربما كان بليدا، وهو على كل حال رجل كغيره من الناس، ~~مؤمن إيمانا قويا بنظام الجماعة التي يعيش فيها، يرى أن كل خروج على هذا النظام أو ~~مجاوزة للمألوف منه إثم لا ينبغي أن يغتفر، ولا ينبغي أن يتورط فيه الرجل الذي يريد أن ~~يعيش عيشة سهلة محترمة، وهو ضيق العقل، محدود الذكاء، قد اتخذ من الحياة الاجتماعية التي ~~حوله قيودا تقيد عقله وتفكيره، هو نقيض امرأته إلا أنه غني مثلها. وقد تزوج امرأته هذه وهي ~~في الثامنة عشرة من عمرها، لم يكن لها اختيار في هذا الزوج، وإنما تأثرت فيه بأختها «بولين» ~~التي كانت لها عليها سلطة أمها، والتي كانت قد تزوجت من رجل يشبه هذا الرجل شبها قويا، ~~فقبلت الحياة معه واطمأنت وقدرت أن أختها ستكون مثلها راضية مطمئنة، ولكن الحياة أظهرت أن ~~الأختين لا تتفقان في المزاج، ولا في التصور، ولا في الحكم على الأشياء، وأن ما ترضاه ~~«بولين» وتطمئن إليه قد تكرهه «إيرين»، وتنفر منه أشد النفور. # تزوجت «إيرين» من زوجها غير مختارة، ولو أن لها الخيار أو لو أن لها قدرة على أن تفكر ~~وتقارن وتحكم لتزوجت من شاب آخر «مشيل دافرتييه» الذي كان جارها، وكان صديق طفولتها وصباها، ~~ولكنها لم تكن تقدر الحب يومئذ، ولا تعرفه، فتزوجت من زوجها، وأتم الفتى دراسته ثم شعر بأنه ~~لا يستطيع الحياة في باريس، فسافر إلى بلاد اليونان، والتحق بالمدرسة الفرنسية في أثينا، ~~واشتغل هناك بالبحث عن الآثار زمنا، ثم عاد إلى باريس وقد صلح أمره، وأصبح ذا مكانة في ~~الجامعة وعادت الصلة بينه وبين «إيرين». ~~••• # فإذا كان الفصل الأول فقد مضى على هذا الزواج عشر سنين، وقد انتهى الأمر بين الزوجين إلى ~~فساد ليس بعده فساد «فإيرين» تغاضب زوجها مغاضبة متصلة، لا تستطيع أن تحتمله، ولا أن تطمئن ~~إلى جواره، بل يكفي أن تراه لتعبس، وأن تشعر ms110 بأنه منصرف لتفرح، وقد جلست إليها أختها في هذه ~~الليلة بعد عشاء حضره صديق صباها، وأخذت أختها تتحدث إليها تريد أن تنصرف عما هي فيه من ~~مغاضبة لزوجها، وتقنعها بأن ترضى ما قسم لها من الحظ، ولكنها لا تجد منها إلا إباء ~~ونفورا؛ لأنها لا تستطيع أن تجد شيئا ولو قليلا يوجد بينها وبين زوجها صلة ما، هما ~~مختلفان في الطبع، مختلفان في المزاج، مختلفان في العاطفة، بل قل إن «إيرين» ليست إلا عاطفة ~~متوقدة، وإن زوجها يخلو من العاطفة خلوا تاما، هي تبغض زوجها، فإذا سئلت عن مصدر هذا ~~البغض أجابت: أبغضه لأنه لا يستطيع أن يجعلني أحبه، وأبغضه لأنه لا يستطيع أن يبعث في نفسي ~~عاطفة ما حتى عاطفة الإشفاق عليه، وأبغضه لأن الصلة بيني وبينه ليست إلا هذه الصلة الممقوتة ~~صلة السيد بالعبد، فهو يعتقد أنه مولاي، وهو مقتنع بأنه محق في كل شيء، يصبح وقد اعتقد ~~بأنه سيكون محقا حتى يمسي، محق حين يخالف الخدم، محق حين يخالف الناس، محق حين ~~يخالف امرأته، محق في كل شيء، ومع كل إنسان، ثم تنصرف لتصلح من أمرها، ويأتي الزوج فتتحدث ~~إليه «بولين» فيما بينه وبين زوجه من خلاف فإذا هو يرى الخلاف ويشعر به، ولكنه لا يفهمه؛ ~~لأنه مطمئن أمام ضميره، يعتقد أنه قد وفى بعقد الزواج، وضمن لامرأته حياة صالحة منظمة، ~~فيجب عليها أن تضمن له حياة كحياة غيره من الناس، وهو لا يطلب شيئا غير هذا؛ لأنه لا يفهم ~~شيئا غير هذا، وهو لم يتغير، وإنما امرأته هي التي تغيرت، فيجب عليها أن تعود كما كانت، ~~وأن تشعر بواجب الزوجية، وتؤدي هذا الواجب كما ينبغي. # يظهر لك أن التناقض بين هاتين الطبيعتين شديد، وأن ليس لما بينهما من الخلاف حل إلا أن ~~يفترقا، أو أن يكون أحدهما من القوة بحيث يستطيع أن يرغم الآخر على الخضوع لسلطانه، وعلى أن ~~يكون له أسيرا. ينصرف الزوج ويأتي «ميشيل» الصديق القديم ومعه زوج «بولين»، واسمه «فرنان ~~فالانتون»، وهما يتحدثان ms111 في أمر الزواج، فيأبى ميشيل أن يتزوج؛ لأنه يعتقد أن الزواج شيء لا ~~ينبغي أن يختاره الإنسان، وإنما ينبغي أن يخضع له، فالإنسان لا يولد لأنه أراد أن يولد، ولا ~~يموت لأنه أراد أن يموت، وإنما يولد ويموت لأن الطبيعة أرادت ذلك، فيجب أن يتزوج لا لأنه ~~أراد أن يتزوج، بل لأن الطبيعة أكرهته على أن يتزوج؛ لأنها ملأت قلبه حبا، وملأت قلبا ~~آخر حبا، فيضطر هذان القلبان إلى أن يقترنا. هذا وحده هو الزواج المعقول الذي تقره ~~الطبيعة وترضاه، والناس قد يكرهون الطبيعة على ما لا تريد أحيانا، فيتزوجون في غير حب، ~~ولكن الطبيعة منتصرة أبدا، فهي ترغم الناس على أن يحبوا، فإذا اقترن اثنان دون أن يحب ~~أحدهما الآخر فإما أن تنتهي العشرة بهما إلى الحب فتنتصر الطبيعة، وإما أن تنتهي العشرة ~~بهما إلى البغض فينصرف كل منهما إلى الشخص الذي كان ينبغي أن يحبه، وكان ينبغي أن يتزوج ~~منه، وتنتصر الطبيعة أيضا. # يبسط الفتى هذه النظرية فتطمئن إليها «إيرين»؛ لأنها راضية بحظها في الحياة، ولهذا تسأله ~~في شيء من السخرية: أتعلمت هذا في المدرسة الفرنسية في أثينا؟ كلا يا سيدتي، وإنما تعلمته ~~في الحياة. # ينصرف الزوجان وقد أعلن إليهما ميشيل أنه مستأنف سفره إلى آسيا الصغرى؛ لأنه كلف البحث ~~عن الآثار فيها، فإذا خلا إلى صاحبته سألته عن هذا السفر، فلا تلبث أن تتبين أن مصدره الحب، ~~فهو يحبها ويعلم أن ليس له عليها سبيل، وأنه لا يستطيع الحياة في باريس مع هذا الحرمان، ~~ولكنها أيضا تحبه ولا تفهم أن يفترق المحبان مهما يحتملا من الخطوب، فكل شيء أهون من ~~الفراق ... وهي تلح عليه في أن يبقى ليكون لها أملا وعونا على احتمال الحياة، هو يريد ذلك، ~~ولكنه لا يستطيعه؛ لأنه شديد الغيرة يؤذيه أن يرى زوجها، وأن يفكر فيما بينه وبينها من صلة ~~الزواج، هنا تعده بما يهدئ غيرته، تعده بأنها لن تكون لزوجها أبدا، وأنها ستستأنف حياة ~~العذارى، تعد وتقسم، فيطمئن وينصرف وقد وعد بالبقاء. ms112 # تلبث وحدها حينا، ثم يعود زوجها فيدخل دون أن تشعر بعودته، ولكنه قد عاد لطيفا ظريفا ~~فهو يتملقها، ويتحبب إليها، ويريد أن يخاصرها، وأن يرافقها إلى غرفتها، فتدفعه دفعا ~~شديدا، ثم تفلت منه إلى حيث تستخفي، وتوصد من ورائها الباب، فينطلق لسانه مغضبا بهذه ~~الجملة: «ستدفعين ثمن هذا.» ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فقد مضت أشهر على هذا الموقف، وازداد الأمر فسادا بين الزوجين، ~~انقطعت بينهما كل صلة حتى استيأس الرجل، وظن بامرأته المرض أو الجنون، فأزمع أن ينقلها من ~~باريس إلى الريف، وأقبل يعلن إليها ذلك على أنه أمر لا يقبل المناقشة ولا الجدال، ثم يتركها ~~لتفكر، ولكنها لا تريد أن تفكر، ولا تريد أن تأتمر، وإنما تريد أن تفارق زوجها، تفارقه ~~بالطلاق إن رضي بالطلاق، وبالموت إن رفض الطلاق. # وتأتي أختها فلا تبلغ من تهدئتها شيئا، وإنما تقتنع بوجوب الطلاق، وتأخذ نفسها بالسعي ~~فيه، تذهب لتلقى الزوج، وتتحدث إليه في الطلاق، ويأتي ميشيل فإذا هو لا يطيق صبرا على هذه ~~الحال، وإذا هو قد اعتزم السفر من جديد، فتضرع إليه أن يبقى، وتنبئه بأنها جادة في الطلاق، ~~وأنها ستظفر به وستكون له زوجا، وإن ذلك قد يتقرر الآن، فلينتظر ولينتظر في مكان قريب ~~لتستطيع أن تنبئه النبأ بعد حين. # ينصرف الفتى وقد تمت بينهما الخطبة، وتأتي أختها فتنبئها بأن زوجها يرفض الطلاق، ويأتي ~~الزوج نفسه فيعلن إليها في عنف وشدة أنه لن يطلقها مهما تفعل، وأن القانون يؤيده في ذلك، ~~فهو لم يقترف إثما، ولم يسئ إلى زوجه، وإنما أدى واجبه كما ينبغي، وإذ كان قد أدى واجبه ~~فهو يحتفظ بحقه، وبحقه كاملا، لا يريد أن يطلق، ولن يطلق مهما تتكلف زوجه من حيلة أو ~~نذير. # وفي الحق أن زوجه تتكلف الحيلة فتضرع وتستعطف، ثم تنذر باقتراف الآثام، ثم تضرع وتستعطف ~~فلا تجد منه إلا إباء ورفضا، يتركها وقد أعلن إليها إصراره على أن ينقلها من باريس، يتركها ~~وقد ملكها الغيظ ، ثم الهلع، ثم شيء يشبه الذهول، فتسرع إلى ms113 الباب وتدعو صاحبها، فإذا أقبل ~~تلقته بهذه الجملة: «أما أنت فافعل بي ما تريد.» ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد مضى على هذا الموقف عشر سنين، ونحن في قصر من قصور الريف يعيش ~~فيه الزوجان، وقد عاد إلى حياتهما شيء من الهدوء والدعة، ويعيش بينهما غلام في العاشرة، ~~فأما الزوج فسعيد مغتبط، يعلم أن زوجه لا تحبه، ولكنه يعلم أنها قد عادت إلى الطاعة، وهذا ~~يكفيه، وأما امرأته فكئيبة، كاسفة البال، لا تبسم لشيء، ولا تحفل بشيء، ولا تحيا إلا ~~لابنها. # وقد نزل على الزوجين ضيفان، هما بولين وزوجها، فترى الرجلين يتحدثان فيذكران ما كان منذ ~~عشر سنين، ولكنك تشعر بأن هناك خلافا جديدا قد نشأ بين الزوجين وهو شديد الخطر. أشرف ~~الغلام على العاشرة فلا بد من أن يذهب إلى المدرسة، وأمه تأبى ذلك كل الإباء، وستفتح ~~المدرسة غدا، فلا بد من إرغام الأم على فراق ابنها، والأب مصر على أن يسلك في هذه ~~المسألة مسلكه في غيرها من المسائل، على أن يحتفظ بسلطته الأبوية كما احتفظ قديما بسلطته ~~الزوجية، ثم ينصرف صاحبه ويبقى هو، وتقبل الأختان فيتركهما حينا لأمر ما، فتذكران الماضي، ~~وتفهم من حديثهما أن ميشيل قد مات؛ لأنه كان مسلولا قد ورث السل عن أبيه، فإذا ذكر لفظ ~~السل رأيت على وجه الأم وفي لفظها ألما ظاهرا، ثم يقبل الصبي فإذا هو نحيف ضعيف، وإذا هو ~~يذكر سفرا قريبا قد وعده به أبوه، فلا تحفل أمه بشيء من ذلك، وإنما تأخذ في مداعبته ~~وتأنيبه؛ لأنه عاد إليها قذر الثياب، وقد كان نظيفا، وهي في هذا إذ يقبل الزوج فينصرف ~~الغلام مع خالته لتصلح من أمره، ويتحدث الزوجان في أمر الغلام والمدرسة، فتأبى الأم، وتلح ~~في الإباء، ويريد الأب، ويلح في الإرادة، ثم يستحيل الأمر بينهما إلى العنف، فإذا أعلنت أن ~~ابنها ضعيف رد الأب بأنها مصدر ضعفه؛ لأنها تسرف في العناية به، وإذا أعلنت الأم أن ~~الأطباء يلحون في حاجة الطفل إلى أمه رد الأب بأنها قد ms114 أفسدت الأطباء، ثم يعلن إليها آمرا ~~عنيفا، أن الغلام يجب أن يسلك سبيل أبيه، وأن ينشأ كما نشأ، وأن يذهب إلى المدرسة، وأنه ~~ذاهب إليها الليلة، وأن عليها أن تعد متاع الطفل أثناء يأمر هو بإعداد العربة. # هنا تثور الأم، وتعلن إليه في ثورتها أن الطفل ليس ابنه! لا يكاد الرجل يصدق، ولكن ~~الحقائق البينة لا تزال تفجؤه واحدة بعد أخرى، حتى يتبين أن امرأته قد خانته، وأن الطفل ~~ليس ابنه، وهو لا يعلم من أبو الطفل، ولكنك أنت قد علمت من أبوه. # فانظر إلى هذا الرجل العنيف القاسي الذي لم تكن تعرف الرحمة ولا الضعف إلى نفسه سبيلا، ~~هو الآن يبكي لأنه قد جرح في كبريائه، هو يبكي وزوجه جامدة العين مرفوعة الرأس؛ لأنها الآن ~~ليست زوجا وليست امرأة خائنة، وإنما هي أم بائسة تدافع عن ابنها، ويقبل الصبي فرحا ~~مبتهجا فيسأل: متى السفر؟ فإذا رأى الرجل يبكي والمرأة تنتصر سأل: ما بال أبيه يبكي الآن ~~ولم يكن يبكي قط؟ وما بال أمه لا تبكي وقد كانت حياتها بكاء؟ تجيبه أمه: لأني فقدت الدموع ~~يا بني، ثم تصرفه، ويخلو الزوجان أو العدوان، فإذا الرجل يطلب الطلاق وإذا المرأة تأباه، ~~يطلبه لأنه أهين، وتأباه لأنها تريد أن تحتفظ بمستقبل ابنها، وإذا الرجل مرغم بحكم القانون ~~على أن يعترف ببنوة هذا الطفل الذي ليس له، وإذا هو مرغم بحكم الأوضاع الاجتماعية التي ~~يقدسها على ألا يعلن إلى الناس أن امرأته خانته، وأنه عاش في الخيانة عشر سنين. # فيرجان ~~: # وإذن فكيف تريدين أن أعيش معك وجها لوجه دائما دائما؟! أي حياة تريدين أن ~~أحيا؟! # إيرين ~~: # الحياة التي كلفتني أن أحياها إلى اليوم، لقد أخذنا في قيد واحد فلتشعر الآن ~~بثقله، ولتجره أيضا، فقد جررته وحدي زمنا طويلا! # فيرجان ~~: # ليس في الحياة عدل! # إيرين ~~: # في الحياة عدل الشقاء المشترك. # فيرجان ~~: # أنت مجرمة، وأنا بريء! # إيرين ~~: # نحن شقيان، وإذا نزل الشقاء فالناس جميعا سواء! # | قانون الرجل # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو» # لعلك تسأل ms115 نفسك: ما باله لا يجد سبيلا إلى مفارقة هذا الكاتب، والانتقال منه إلى غيره؟ ~~فقد حللت له قصصا ثلاثا، وكنت أستطيع أن أكتفي بهذه القصص الثلاث، والحق أني لا أجد ~~سبيلا، أو لا أكاد أجد سبيلا إلى مفارقة هذا الكاتب؛ لأن صحبته لذيذة، ولأن إعجابي به، ~~واطمئناني إليه لا يكادان يحدان، صحبته لذيذة، وإعجابي به شديد؛ لأني لا أعرف تمثيلا أخضب ~~من تمثيله، ولأني لا أعرف قصصا أغنى من قصصه، ولأني أجد في صحبته لذة العقل ولذة الشعور ~~معا، ولأني أجد في صحبته هذه اللذة التي يجدها من يسمع لفيلسوف وفني في وقت واحد، فهذا ~~الكاتب الذي أوثره قد جمع بين الفلسفة والفن فأرضى العقل، وأرضى الشعور. # هو فيلسوف فلا تكاد تقرأ له قصة إلا رأيتها تدور حول فكرة فلسفية أو نظرية من نظريات ~~الاجتماع، يدرسها درسا متقنا، ويحللها تحليلا دقيقا، فيردها إلى أصولها، ويصل بها إلى ~~نتائجها المعقولة، وهو في الوقت نفسه فني؛ لأنه على إيثارة للمنطق وقواعد النظر العلمي في ~~البحث والتحليل يتخذ الفن وسيلة إلى هذا البحث، والتحليل فيثير عواطفك، ويؤثر في شعورك بحيث ~~لا تستطيع أن تقول إنك قرأت كتابا علميا، وبحيث لا تستطيع أن تقول إنك قرأت آية من آيات ~~الفن ليس غير، هو يضطرك أن تقول إنك قرأت علما وفنا، واستمتعت بالعلم والفن مجتمعين، ومن ~~يدري؟ لعل هذا الفن هو الفن حقا، بل هو الفن من غير شك، فليس من الحق أن هناك تناقضا بين ~~الجمال وبين الحقيقة، وإنما الحق الذي لا شك فيه، والذي قاله الناس، وآمنوا به منذ سقراط أن ~~الحق والجمال شيء واحد، فالكاتب الفني حقا هو الذي يستطيع أن يظهر للناس في غير تكلف ولا ~~عنف أن الحق جميل، وعلى أن الجمال حق، وبهذا يمتاز هذا الكاتب الذي لا أجد إلى مفارقته ~~سبيلا، يمتاز بهذا وبشيء آخر لعله هو الذي يحببه إلي، ويجعل اتصالي به شديدا، وهو أنه ~~يمثل تلك الفكرة القديمة التي أوجدت فن التمثيل عند اليونان القدماء، والتي ms116 مهما يختلف فيها ~~الشعراء من اليونان فهم جميعا خاضعون لها، متأثرون بها، مترجمون عنها، وهذه الفكرة التي ~~تجدها عند «إيسكيلوس» كما تجدها عند «سوفوكليس» وعند «أوروبيدس»، بل تجدها في الشعر القصصي ~~نفسه في «الإلياذة»، وفي «الأودسا»، بل تجدها في الحياة القديمة كلها، هي أن هناك شيئا فوق ~~إرادة الفرد، وفوق إرادة الجماعات، فوق التشريع وفوق الشرائع، هناك شيء فوق الأشياء يدبر ~~هذه الأشياء ويسخرها، ولا أريد أن أغلو مع القدماء، فأزعم كما كانوا يزعمون أن هذا الشيء ~~الذي لا مرد له ولا فرار منه مسيطر بطبعه على كل إرادة فردية واجتماعية، بل مسيطر على إرادة ~~الآلهة أنفسهم، هذا الشيء هو القضاء الذي تمثله لنا اليونان في صور مختلفة، ولكنه في جميع ~~هذه الصور عابث بالأفراد والجماعات، عابث بعقول الناس وقواهم، عابث بسلطان الآلهة وإرادتهم، ~~نعم! هذا الشيء هو القضاء الذي ننساه وننصرف عنه مغرورين مرة بذكائنا ومرة بشعورنا، وحينا ~~بثروتنا، وحينا بقوتنا المادية، ننساه فنمضي كما تدفعنا الأهواء، ونسير حيث يوجهنا الغرور، ~~حتى إذا خيل إلينا أنا قد بلغنا من حياتنا ما نريد، قال القضاء كلمته فأفسدت كل ما دبرنا، ~~ونقضت كل ما أبرمنا، وألزمتنا أن نعترف أمام أنفسنا وأمام الناس وأمام القضاء نفسه بأن هذه ~~الأشياء التي غرتنا وفتنتنا ليست إلا ضربا من الباطل، ولونا من الخيال، ولعبة في يد ~~القضاء. # تجد هذه الفكرة في شعر القدماء من الممثلين اليونانيين، وتجدها في قصص هذا الكاتب، ألم ~~تجدها في قصة «التيه»؟ ألم تجدها في غيرها من القصص التي حللتها فيما مضى؟ ألم تشعر حين ~~قرأت هذا التحليل أن الكاتب يسخر من قوة الإنسان وعقله ورقيه وحضارته، وتشريعه وشرائعه، ~~ويزعم أن هذه الأشياء كلها عاجزة كل العجز عن أن تضمن له السعادة، وتحميه من الشقاء؟ # تجد هذه الفكرة نفسها في هذه القصة التي أريد أن أحللها اليوم، ومع ذلك فيظهر من عنوان ~~هذه القصة أن الكاتب يريد أن يلقي على شيء معين من الأشياء تبعة ما يلقاه قسم من أقسام ~~الإنسانية ms117 من ضروب التعس والشقاء، يظهر من العنوان ومن القصة نفسها أن الكاتب يريد أن يرد ~~ما تلقاه المرأة من ظلم وجور، ومن شقاء وسوء حال إلى التشريع الذي يقوم به الرجال وحدهم دون ~~النساء، فيستأثرون لأنفسهم بالخير، ويتخذون لمنافعهم وشهواتهم من هذا التشريع معاقل ~~وحصونا، ولو قد اشترك النساء في التشريع، ووضع القوانين لاستطعن أن يحمين منافعهن وحقوقهن، ~~وأن يكبحن من جماح الرجال ولو قليلا، وأن يضعن أنفسهن بمأمن من ضروب الظلم المختلفة التي ~~يخضعن لها دون أن يجدن لهن نصيرا، يدل عنوان القصة، وتدل القصة نفسها على أن مصدر الظلم ~~الذي تلقاه المرأة هو أن المرأة محرومة من حقوقها السياسية، فلو أن لها هذه الحقوق، لو أنها ~~تنتخب وتنتخب وتأخذ بنصيبها من حقوقها الاجتماعية كما تقوم بنصيبها من الواجبات الاجتماعية ~~لاستطاعت أن تتقي هذا الظلم، وأن تقف من الرجل موقف الخصم الكفء، فالكاتب إذن من أنصار ~~المرأة، بل من الغلاة في نصر المرأة، من الذين يطالبون بالمساواة السياسية المطلقة بين ~~الرجل والمرأة. # وأعترف بأن هذه القصة لو لم يكن فيها إلا هذه الفكرة لما حفلت بها كثيرا، لا لأني أخاصم ~~النساء، ولا لأني أكره أن يكون لهن مثل ما لي من الحقوق السياسية والاجتماعية، فلو كان ~~الأمر بيدي لما اكتفيت بإقرار المساواة بين الرجال والنساء في هذه الحقوق، بل لنزلت للنساء ~~عن كثير من هذه الحقوق التي أجد في الاستمتاع بها من الشر والعناء أكثر مما أجد فيه من ~~الخير والراحة، ولكني مع ذلك لم أكن لأحفل بهذه القصة لو لم تعن إلا بهذه القضية الخاصة؛ ~~ذلك لأن هذه القضية في نفسها قابلة لضروب من الجدال والمناقشة لا حد لها، ومن الذي يستطيع ~~أن يقول إن مصدر ظلم المرأة هو حرمانها حقوقها السياسية؟ ولم لا يكون مصدر ظلمها أنها أضعف ~~من الرجل، وأقل حظا منه في هذه القوة المادية التي تقوم عليها الحقوق والواجبات في كل حياة ~~إنسانية اجتماعية؟ ولم لا يكون مصدر ظلم المرأة أنها كانت إلى الآن ms118 أقل ذكاء من الرجل، ~~وأضيق حيلة، وأضعف عقلا؟ ولم لا يكون مصدر ظلم المرأة أنها كانت إلى الآن أرقى من الرجل ~~شعورا، وأرق منه عاطفة، وأصدق منه ذوقا، وأميل منه إلى الجمال، فكلفت بالخيال، وكلف هو ~~بالحقيقة الواقعة؛ فربح الرجل وخسرت المرأة؟ ولم لا يكون مصدر ظلم المرأة هذه الأشياء كلها ~~مجتمعة، وأشياء أخرى لم أذكرها، أو لم أصل إليها؟ # القضية إذن في نفسها قابلة للبحث والمناقشة، ولكن في القصة شيئا آخر غير هذه القضية، غير ~~منافع الرجل والمرأة، غير حقوق الرجل والمرأة، غير الجور والعدل، غير الظلم والمساواة، فيها ~~أن سلطان القضاء فوق كل سلطان، ولهذا عنيت بهذه القصة، وأرجو أن يعنى بها ~~القراء. ~~••• ~~«الكونت دي رجيه» رجل من الأشراف عظيم الثروة، قوي الجاه، محافظ كل المحافظة على ما ورث ~~من العادات والآداب سواء منها الحسن والقبيح، قوي الإرادة إلى حد العناد، محتفظ بحقوقه من ~~حيث هو رجل، وقد اكتسب هذه الحقوق بما له من قوة الرجولة ومن السلطان على الحياة ~~الاجتماعية، وهو يحرص كل الحرص على ألا يفرط في شيء من حقوقه، ولا من عاداته، ولا من آدابه، ~~وعلى ألا ينزل عن جزء ولو قليل من حريته، وقد تزوج من فتاة جميلة غنية، ولكنها يتيمة، فلم ~~تجد حين تزوجت من يحسن الدفاع عنها، ولا الاحتياط لمستقبلها، وهي تحب زوجها حبا شديدا، ~~وتثق به ثقة لا حد لها، وتعتمد عليه في كل شيء الاعتماد كله، تصدقه إذا قال، وتؤيده إذا ~~فعل، حتى إنها لتصدقه وهي تعلم أنه كاذب، وحتى إنها لتذعن له وهي تعلم أنه ظالم؛ ذلك لأنها ~~تحبه إلى حيث تنمحي إرادتها أمام إرادته، اسمها «لور» وقد عاشت مع زوجها عصرا، ورزقت منه ~~فتاة في الثانية عشرة من عمرها، واسمها «إيزابيل»، ولكن أخذت «لور» في هذا العصر الأخير ~~ترتاب، وتشك في أمانة زوجها، وفي أن بينه وبين امرأة أخرى صلة، فكانت كلما قوي في نفسها هذا ~~الشك أفضت به إلى زوجها، فيمحوه في الحال بلطفه وظرفه ورقته، وحسن ms119 حيلته، فتعود المرأة إلى ~~الثقة والاطمئنان. # ثم لا تلبث الحوادث أن تعيد إلى نفسها الشك، فتشكو إلى زوجها، وتبكي وتظهر بائسة تعسة، ~~ويعطف عليها هذا الزوج ويترضاها، حتى أصبح من أخلاقها هي أن تشك وتشكو، ومن أخلاقه هو أن ~~يعطف ويترضى، ولكن الحق الواقع أن هذا الرجل يخون امرأته، ويخونها مع امرأة متزوجة هي ~~صديقتها، وهي مدام «دورسيو»، يقوى الشك في نفس «لور» فلا تشكو إلى زوجها في هذه المرة، ~~وإنما تريد أن تتبين حقيقة الأمر، فتخفي ما بها من ريب، وتكلف إدارة من هذه الإدارات السرية ~~المنبئة في باريس مراقبة زوجها، فما أسرع ما ينبئها الرقيب بجلية الأمر، ويعين لها المكان ~~والزمان اللذين يلتقي فيهما الآثمان، فتكلف نفسها مراقبتهما، ولا تشك بعد أن رأت بعينها أن ~~زوجها يخونها ويخونها مع هذه المرأة، ولكنها لا تتحادث إلى زوجها بشيء فقد كرهته، أو خيل ~~إليها أنها كرهته، فهي لا تريد أن يترضاها، أو يعطف عليها، وإنما تريد أن تخلص منه ومن ~~عشرته، تريد الطلاق، ولكن ليس إلى هذا الطلاق من سبيل إذا لم تقم أمام القضاة برهانا ~~قاطعا على أن زوجها قد حنث في يمين الزواج، فهي تبحث الآن عن هذا البرهان القاطع، تبحث عنه ~~فتفتح مكتب زوجها خلسة، وتفتش فيه لعلها تجد رسائل حب قد تبودلت بينه وبين هذه المرأة، ~~ولكنها لا تظفر بشيء، ولا تصل إلا إلى نتيجة واحدة وهي أن زوجها قد شعر بأن مكتبه قد فتح في ~~غيبته فاتهم الخدم، وذهب يشكو إلى الشرطة ... ~~••• # فإذا كان الفصل الأول رأيت «لور» تتحدث إلى صديقة لها اسمها «هنريت» بكل ما قصصت عليك، ~~وتنبئها بعزمها على أن تطلب الطلاق، وهما في هذا الحديث إذ يقبل زوج هذه الصديقة واسمه ~~«كربل»، فيشيران عليها بالروية، وإيثار الصلح، ولكنها تأبى ... ويأتي صاحب الشرطة ليتحقق آثار ~~الجريمة في مكتب «الكونت»، فإذا أنبأته «لور» بأنها هي التي فتحت المكتب، أعلن أنه لم يبق ~~له عمل، فإن لكل من الزوجين أن يفعل مثل هذا مع صاحبه ms120 دون أن يجد القانون وسيلة للتدخل ~~بينهما، ويرد الرجل أن ينصرف فتستبقيه المرأة، وتسأله هل من سبيل أن يعينها على أخذ زوجها ~~متلبسا بجريمة الخيانة؟ فيجيبها: نعم، ولكنها لا تكاد تظهره على جلية الأمر، حتى يعتذر بأن ~~القانون لا يبيح أن يتدخل إلا إذا كان الإثم مقترفا في بيت الزوجة أو في بيت هو ملك الزوج، ~~فأما إذا كان يقترف في بيت لا يملكه أحد الزوجين فليس للقانون أن يتداخل! هذا إذا كان الرجل ~~هو المتهم بالخيانة، فأما إذا كانت المرأة هي المتهمة فللشرطة أن تتعقبها إذا طلب الزوج في ~~أي مكان، فهذا أول ظلم ينزله القانون بالمرأة، مع أن هذا القانون قد عدل، ويقال إنه قد عدل ~~لمنفعة المرأة، إذن فليس لصاحب الشرطة أن يعين هذه المرأة على أخذ زوجها مقترفا للإثم حتى ~~تستطيع أن تطلب الطلاق، وليس بيد هذه المرأة برهان قاطع آخر، ولكن صاحب الشرطة يشير عليها ~~بأن تجد شهودا متطوعين يرافقونها إلى حيث يقترف الإثم، فإذا رأوا وشهدوا بما رأوا حكمت ~~المحكمة بالطلاق، وينصرف الرجل فتلجأ «لور» إلى صديقتها، فأما صديقتها فتقبل هذه المهمة؛ ~~لأنها امرأة مثل صاحبتها، ولأنها تعطف على هذه الصديقة التعسة، وأما الرجل فيأبى لأنه رجل، ~~ولأنه صديق الزوج الخائن، ولأن بينهما من الصلات والمودة ما يحرم عليه مثل هذا العمل، فإذا ~~طلبت «لور» إلى صديقتها أن تتطوع بهذه الشهادة وحدها؛ أبى الزوج، وأعلن إليها أن امرأتة لا ~~تستطيع أن تشهد في مثل هذا الأمر إلا إذا إذن لها بالشهادة، فهذا ظلم آخر ينزله القانون ~~بالمرأة، فيمنعها حتى من الشهادة دون أن يأذن لها الزوج. # تفكر «لور» في شيء آخر وهو أن تذهب فتقص الأمر على زوج المرأة الخائنة، وهي واثقة بالفوز؛ ~~لأن هذا الزوج سيتعقب امرأته، فإذا أخذها وهي تقترف الإثم فقد ظفرت هي من زوجها بما تريد، ~~ولكن زوج هذه المرأة الخائنة رجل عنيف، معروف بالحدة وسفك الدم، فهو لا يلجأ إلى القوانين ، ~~ولا إلى القضاء، وإنما يلجأ إلى الانتقام، والقانون ms121 نفسه يبيح له مبارزة خصمه، بل يبيح له ~~أن يقتل خصمه، وأن يقتل امرأته، فهل تستطيع أن تعرض للموت شخصين تحب أحدهما مهما تقل، ومهما ~~تفعل؟ كلا! فهي إذن لا تستطيع أن تلجأ إلى هذه الحيلة الأخيرة، ولكنها مع ذلك معتزمة أن ~~تطلب الفرقة. # يتركها صاحباها ويقدم زوجها، فلا تلبث أن تنبئه بكل شيء ويسرع هو في أن يتلطف لها، ~~ويأخذها باللين والرفق منكرا ما تتهمه به، متهما إياها بالغيرة والإسراف في الغيرة، فيكاد ~~يخدعها ويكاد يرضيها، ويأخذها بين ذراعيه، فتوشك إرادتها أن تنمحي، ولكنها واثقة بما رأت، ~~فهي لا تصدق زوجها، وهي تريد أن تعفو عنه، ولا تطلب منه ثمنا لهذا العفو إلا شيئا واحدا ~~وهو أن ينبئها بأنه لا يحب هذه المرأة، وأنه إذا كانت بينه وبينها صلة فقد تورط في هذه ~~الصلة، ورطه فيها الضعف، أو ورطه فيها الغرور، تريد منه أن يعترف بذلك، فيأبى هو لأنه لا ~~يريد أن يعترف فيسيء إلى شريكته في الإثم، فإذا عرف أن امرأته قد رأت أن ليس إلى الشك في ~~ذلك من سبيل تغير في نفسه كل شيء، فعدل عن الخداع والمكر إلى الصراحة والاعتراف، ولكنه لا ~~يلوم نفسه، ولا يرى نفسه آثما، وإنما يرى أنه إن كان قد فعل شيئا تنكره القوانين فهو نفسه ~~لا ينكر هذا الشيء؛ لأنه بطبيعته عاجز عن الوفاء لزوجه محب للذة، والتنقل بهواه، ولن ينزل ~~من هذا عن شيء، ولن يسمح بالطلاق؛ لأن الطلاق لا يليق بجماعة الأشراف المحافظة التي تنكر كل ~~هذا التشريع الجديد، وإنما يسمح بشيء واحد مألوف في طبقته، وهي أن تنقطع الصلة بينه وبين ~~زوجه بالفعل، على ألا يعلم الناس عن ذلك شيئا، أو على أن يعلم الناس ذلك دون أن يجهر به ~~بعضهم لبعض؛ أي إنه يريد أن يحتفظا بمظاهر الزوجية أمام الناس ليس غير، تأبى «لور»، وتعلن ~~إلى زوجها أنها مضطرة إلى أن تذيع إثمه وخيانته بين الناس، وعلى مرأى ومسمع منه ومن صاحبته ~~إذا لم يسمح بالفرقة ms122 بينهما، هو إذن مضطر إلى هذه الفرقة، فيسمح بها، ولكن فيما بينه وبين ~~زوجته وبين المحامي دون أن يصدر حكم بالطلاق، ودون أن يرفع الأمر إلى القضاء، على أن يخصص ~~لزوجه وابنته ما يحتاجان إليه من نفقة، ذلك مع أن زوجه غنية، ولكنها لا تستطيع أن تتصرف في ~~ثروتها بحكم الزواج نفسه، وهذا ظلم آخر ينزله القانون بالمرأة. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فقد مضى على هذا خمس سنين، وأقبلت «لور» تزور صديقيها في مصطاف على ~~البحر، فيتحدثون في أمر هذا الزوج، فإذا هو ماض في إثمه، ويتحدثون في أمر الفتاة فإذا هي ~~في السابعة عشرة، وإذا هي قد بلغت سن الزواج، وإذا أنت تشعر بأن شيئا من الخلاف لا بد أن ~~يظهر بين الأبوين حين يأتي لهذه الفتاة أن تتزوج، وإذا أنت تشعر بأن الفتاة الآن عند أبيها، ~~وبأنها ستعود إلى أمها بعد ثلاثة أيام، وبأن رسائلها تدل على أن مزاجها غير معتدل، وبأن ~~أباها ليس بعيدا من هذا المصطاف، وهم في هذا الحديث إذ تسمع جلبة قوم قادمين، فلا يكادون ~~يتبينون هؤلاء الناس حتى تعلم أن القادمين هم الزوج وابنته، وشريكته في الخيانة، وزوجها، ~~وابنهما، تستخفي «لور» بعد أن تكلف صاحبيها أن يجدا لها وسيلة للقاء ابنتها، ولا يكاد القوم ~~يقبلون حتى تعلم بأن شيئا جديدا قد طرأ، وهنا تشعر بأن القصة قد انتقلت من طورها الأول ~~إلى طور جديد، فليست دفاعا عن حق المرأة، وليست اتهاما للرجل، وليست سخطا على القانون، ~~وليست إنكارا للتشريع، وإنما هي شيء آخر فوق هذا كله، فوق إرادة الزوجين، فوق إرادة ~~الأبوين، فوق إرادة النظم الاجتماعية كلها، تشعر بهذا وتحس أن الكاتب قد تأثر بما كان يتأثر ~~به شعراء اليونان، فأدخل القضاء في قصته، أو قل إن القضاء قد دخل في القصة رغم الكاتب ورغم ~~أبطال القصة، ذلك أن «إيزابيل» هذه الفتاة الناشئة قد أحبت «أندريه» ابن تلك المرأة التي ~~خانت أمها «لور»، وفرقت بين أبويها، أحبت الفتى وهي تجهل كل شيء، وأحبها ms123 الفتى وهو يجهل من ~~أمر أمه كل شيء، وتحدث الفتيان بحبهما، وتعاهدا على الزواج، وأفضى الفتيان بهذا الحب وهذا ~~العهد إلى أهلهما، فأما أبو الفتى فهو يجهل كل شيء كابنه، وهو يرى هذا الحب خيرا فيشجعه ~~ويؤيده، ويعد المحبين بالمعونة على الزواج، وأما أبو الفتاة وأم الفتى فهما يعلمان كل شيء، ~~ويمانعان في هذا الحب، ولكن أين السبيل إلى ممانعة الحب وهما لا يملكان من أمره شيئا! وهل ~~يعرف الفتيان كيف أحب كل منهما صاحبه؟ وأين السبيل إلى منع هذا الزواج؟ وهل يستطيع الرجل أن ~~يقول لابنته إنه خان أمها مع حماتها؟ وهل تستطيع المرأة أن تقول لابنها إنها خانت أباه مع ~~أب الفتاة؟ ليس إلى ذلك من سبيل. فحجة المحبين قائمة، ويؤيدها أبو الفتى، وليس ما يمنع هذا ~~الزواج إلا أن ترفض أم الفتاة؟ أتستطيع أن تجهر بالأمر؟ ذلك شيء ستعلمه. أرأيت كيف دخل ~~القضاء المحتوم في هذه القصة فغيرها التغيير كله، وجعلها فوق طور الإنسان؟ لم يصبح الأمر ~~الآن مقصورا على زوجين يختصمان، وإنما هناك شخصان بريئان يجهلان كل شيء، ويريد كل منهما أن ~~يقترن بصاحبه، وليس لأحد أن يحملهما إثم آبائهما. # تعاهد الفتيان على الزواج، وأخذت الفتاة نفسها بأن تقنع أمها بقبوله، فإذا خلت إلى أمها، ~~وقصت عليها القصص جزعت هذه جزعا شديدا، وأسرفت في اتهام زوجها لا بأنه يخونها فحسب، بل ~~بأنه يخون ابنته أيضا، وهل تستطيع هذه المرأة أن تقدر أن هذا الحب قد جاء عفوا؟ أليس هذان ~~الخائنان قد تواطآ عليه حتى إذا ما تم بينهما لم يكن هناك سبيل إلى قطع ما بينهما من صلة؟ ~~وهل تستطيع أن تفكر على نحو غير هذا النحو؟ أليست سيئة الظن بزوجها؟ أليست سيئة الظن ~~بعدوتها؟ أليست تعتقد أن ابنتها دون أن تحب أو تقدر الحب كما ينبغي؟ هي جزعة ولكنها لا تجهر ~~بهذا الجزع، ولا تنبئ ابنتها بشيء، وإنما تريد أن تستنبئها، وبم تنبئها الفتاة؟ أنها تحب ~~هذا الفتى؛ لأنهما تجاورا في المصيف، تجاورا فتعارفا فتحابا، ms124 فتعاهدا على الزواج، وهي لم ~~تكتب إلى أمها بشيء من ذلك؛ لأن الخصومة بين أبويها عودتها أن تحتاط حين تكتب إلى أحدهما ~~وهي عند الآخر، والفتاة لا تفهم جزع أمها، ولا تفهم بغضها للفتى وأبويه، وهما في ذلك إذ ~~يقبل الخادم فيعلن أن الأب يريد ابنته: فتقول الأم: ليأت إن كان يريدها! ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد أخفت الأم ابنتها في غرفة مجاورة، وتلقت زوجها، فتسأله عن هذا ~~الأمر، فإذا أنبأها بحقيقته لم تصدق من نبئه شيئا وتلقته بهذه التهم التي قدمتها لك في هذا ~~الفصل الماضي، ثم أعلنت لزوجها أنها لا تسمح بهذا الزواج، يلح عليها زوجها، فإذا رأى منها ~~الإباء أعلن إليها أن هذا الزواج قد يتم رغم إرادتها؛ لأن القانون يبيح ذلك، فهو يشترط لصحة ~~الزواج أن يرضى الأبوان، لكنه ينص على أنهما إن اختلفا فرأي الأب مقدم، وهو الذي يعتد به، ~~وهذا ظلم آخر ينزله القانون بالمرأة، ولكن أين نحن من القانون؟ هناك شيء فوق القانون، بل ~~هناك شيئان فوق القانون، هناك عاشقان يريدان أن يتزوجا، وهناك أم تأبى على عدوتها أن تأخذ ~~منها ابنتها بعد أن أخذت منها زوجها، وهذه الأم تريد أن تدفع عن حقها بكل وسيلة، وقد سلبها ~~القانون وسائل الدفاع، فهي ستجد وسائل الدفاع في ناحية غير ناحية القانون، ستنبئ ابنتها ~~بحقيقة الأمر، وهي إن تفعل فستحول بين ابنتها وبين هذا الزواج، تعلن ذلك إلى زوجها فيحذرها ~~عاقبته، ولكنها لا تحفل، فيتركها الزوج منذرا بأن للحرب حدودا، ولكن المرأة لا تكاد تخلو ~~إلى ابنتها حتى تحاول أن تصرفها عن هذا الزواج، فلا تنصرف الفتاة؛ لأنها تريد أن تعلم لماذا ~~يطلب منها أن تضحي آمالها وحياتها دون أن تفهم لهذه التضيحة سببا، ودون أن يطلب إليها ~~أبوها هذه التضحية، تريد الفتاة أن تفهم، وتأبى الإذعان دون أن تفهم، فإذا أنبأتها أمها ~~بجلية الأمر جزعت هي أيضا، وناء بها الجزع، فتنبئ أمها بالعدول عن هذا الزواج ، ولكن في ~~الأمر شيئا فوق إرادة الفتاة، وفوق ms125 إرادة الأم، في الأمر هذا الحب الذي لا بد من أن تتم ~~كلمته. # وقد أقبل الفتى فرحا مبتهجا يريد أن يسأل صاحبته عما أجابت به أمها، وهو يعتقد مقدما ~~أنها قبلت، فتنبئه الفتاة بأن أمها قد رفضت، فيحاول أن يتبين مصدر هذا الرفض، فلا يجد من ~~الفتاة جوابا، يسأل: أتنكر أمها من شخصه شيئا؟ أتنكر من سيرته شيئا؟ أتنكر من أبويه ~~شيئا؟ فتجيبه الفتاة بالنفي، ولكنها تنبئه بأنهما لن يتزوجا، يتهمها بأنها لم تحبه، فتعلن ~~إليه أنها تحبه وتحبه حبا شديدا، ولكنهما لن يتزوجا ... يبلغ الجزع من الفتى إلى حيث ينبئ ~~صاحبته بأنه قد يئس من الحياة، وبأنه وهو ضابط بالجيش سيطلب أن يرسل إلى إحدى المستعمرات ~~حيث يلقى حتفه في ثورة من تلك الثورات المتصلة، ينصرف فتدعوه، ويجدد لها نذيره، فتلح، فيلح ~~في النذير، فتعده أنها ستتزوجه رغم إرادة أمها، ينصرف الفتى مغتبطا، وقد انتصر الحب على ~~البنوة، وانتصر أمل البنوة على أمل الأمومة ... # وعدنا إلى تلك القصة التي عللتها فيما مضى، والتي تثبت أن الإنسانية إنما هي ابنة عاقة ~~وأم برة أبدا، تقبل الأم فإذا علمت أن ابنتها لم ترفض الزواج أحست ثقل الكارثة، وعرفت أن ~~ابنتها قد ضحت بالأم في سبيل الزوج، وهي بعد لم تعرفه إلا منذ شهر، أفيمكن أن يكون الشباب ~~من الأثرة وحب النفس بحيث يضحي بالأم وجهودها وعشرتها الطويلة، وعواطفها الحادة الرقيقة في ~~سبيل فتى أو فتاة، لم يطل بهما العهد؟! يقبل الأب وقد فقدت الأم سلاحها، فخرجت عليها ~~ابنتها، فهي تزعم أن ابنتها لا تحبها، وفي الحق أن الفتاة تلقي بنفسها بين ذراعي أبيها، ~~فإذا سمعت من أمها هذا عادت إليها، فالفتاة مترددة بين الأبوين يتنازعانها، وقد كره كل منها ~~صاحبه، ثم تنصرف الفتاة وتعلن الأم إلى زوجها أنها قد فقدت هذا السلاح، ولكنها لم تفقد كل ~~سلاح، فبيدها سلاح آخر قوي عنيف، ستعلن الأمر إلى الناس جميعا، وهما في ذلك إذ تقبل أم ~~الفتى في ذهول يشبه الجنون، فتنبئ بأن زوجها ms126 قادم ليخطب الفتاة إلى أمها، وتضرع إلى هذه ~~الأم أن تكون رحيمة رفيقة، ويضرع إليها الأب أيضا، ولكنها لا تريد أن تكون رحيمة ولا ~~رفيقة، هي تدفع عن حقها، وتدفع عن ابنتها، لا تقبل في ذلك شيئا، ولا ترضى في ذلك ~~هوادة. # ويقبل الرجل فيخطب الفتاة، فترفض الأم، فيحاول أن يتبين مصدر الرفض، فيسأل عن أشياء ليس ~~بينها وبين الحقيقة صلة، فإذا أجابته الأم بالنفي ألح في أن يتبين موضع الحق فتنبئه النبأ، ~~ويزعم زوجها أنها قد جنت، ولكن الرجل لا يكاد يتبين القوم جميعا حتى يثق بأنها عاقلة، ~~وبأنها صادقة، وبأن امرأته قد خانته، وبأن هذا الصديق قد خانه في امرأته، يأخذه الغيظ، ~~ويظهر عليه الميل إلى سفك الدم، ولكنه سمع من امرأته في ضراعتها واستعطافها ذكرى ابنه ... ~~فإذا كل شيء قد تغير، وإذا غيظه قد هدأ، وإذا هو ليس بالزوج الذي يريد أن ينتقم لشرفه، ~~وإنما هو الأب الذي يريد أن يحمي ابنه من سوء السمعة، بل يريد أن يحمي ابنه من الموت، هو أب ~~لا زوج، فلا يريد أن ينتقم، ولكنه يريد أن يزوج ابنه من هذه الفتاة، وقد ظل هذا الأمر ~~مجهولا فيجب أن يظل مجهولا، وإذن فيجب على صديقه أن يرد زوجته إلى بيته رضي أم كره، رضيت ~~هذه الزوج أم كرهت، يجب أن يشعر الناس بأن هذين الزوجين قد أصلحا ما كان بينهما من خلاف، ~~وأن هذا الزواج الجديد يتحقق بين أسرتين شريفتين، لا تشوب شرفهما شائبة، فإذا قال الزوج: إن ~~زوجي لن ترضى أن تعيش معي، أجاب هذا الرجل: يجب أن ترضى، وإذا قالت الزوجة: لا أستطيع أن ~~أعيش مع هذا الخائن، أجاب: سأعيش أنا مع هذه الخائنة، وهما في ذلك إذ يظهر الفتيان من بعد، ~~يظهران والرجل يحاول أن يقنع هذه الأم بإيثار الصلح حبا لابنتها، وبأن هذا الصلح قد لا ~~يخلو من خير في الحياة، فتجيبه: إنها لا تأمل إلى فيما بقي لها من حظ في الآخرة، تجيب بذلك، ~~ويظهر الفتيان، ms127 فيشير الرجل إليها قائلا: حياتنا الآخرة! هذه هي! # أرأيت كيف ابتدأت القصة؟ أرأيت كيف انتهت؟ فكرة اجتماعية أراد الكاتب درسها وتحليلها، ~~فأحسن الدرس والتحليل، وأثبت ما أراد أن يثبت من أن تشريع الرجال ظالم للنساء، ولكن عقل ~~الإنسان مهما ينقد، ومهما يحلل فهو عاجز عن تدبير الحياة. # وإنما لهذه الحياة مدبر آخر فوق العقل، وفوق الإرادة، وفوق العاطفة والشعور، وإن كان قد ~~يصدر عن العاطفة والشعور، للحياة مدبر آخر هو القضاء! # | اعرف نفسك # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو» # ومن ذا الذي يعرف نفسه حقا؟ ومن ذا الذي يثق بما تطويه نفسه من دخيلة، وبما يستره ضميره ~~من خصلة؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يوجه أهواءه وميوله وعواطفه وشهواته كما ينبغي؟ ومن ذا الذي ~~يستطيع أن يوفق بين نفسه وبين واجبه حقا؟ أليس الإقدام الصحيح على شيء من الأشياء ينبغي ~~أن يكون نتيجة للعلم الصحيح بهذا الشيء؟ ألست إذا أقدمت على الشيء وأنت تعلمه حقا استطعت ~~أن تتجنب الخطأ وتتنكب الضلال؟ بلى! ولكن العلم الصحيح بالأشياء ليس ميسورا وليس متاحا لك ~~في كل وقت. ألا ترى إلى آراء الناس كيف تتغير بالقياس إلى الأشياء العادية، فهم يرونها ~~خيرا ثم يرونها شرا، ثم يعودون فيترددون، ثم ينالهم شيء من الإهمال وعدم الاكتراث، هو ~~الاعتراف بالعجز عن فهم الأشياء وتعرف حقائقها؟ # ليس العلم الصحيح بالأشياء ميسورا، ومن هذا تورط الناس في الأغلاط وتخبطوا في الظلمات. ~~والأمر ليس واقفا عند جهل الناس بحقائق الأشياء، وإنما هو يتعداه إلى ما هو شر منه، فأنت ~~لا تعرف صاحبك كما ينبغي أن تعرفه، وأنت لا تتبين دخيلة خليطك وعشيرك كما ينبغي أن تتبينها، ~~ومن هنا تقع بينك وبينه الخصومات ويسوء بينك وبينه الظن، ومن هنا تناله بالمكروه حين تريد ~~به الخير، وينالك بالسوء حين يريد إليك الإحسان؛ لأن كلا منكما يجهل صاحبه، ولو قد عرف ~~أحدكما الآخر لما كانت بينكما خصومة ولما ساء بينكما الظن، ولما وقع بينكما خلاف. بل لا يقف ~~الأمر عند هذا الحد، ms128 فأنت تجهل الأشياء والناس، تجهل نفسك، تجهلها جهلا قويا مظلما، ~~يدفعك إلى أمور لو عرفت نفسك لما اندفعت إليها، تقدم ولو عرفت نفسك لأحجمت، ترضى ولو عرفت ~~نفسك لأبيت، وهل تستطيع أن تفسر الندم إلا بأنه شعورك بأنك أقدمت على الشيء وأنت تجهل هذا ~~الشيء وتجهل ما يمكن أن يكون بينه وبين نفسك من صلة؟ أفتظن أن ذلك الحكيم الذي كتب على معبد ~~«دلف» هذا المثل اليوناني القديم: «اعرف نفسك بنفسك.» قد أخطأ أو قال غير الصواب؟ أفتظن أن ~~سقراط حين اتخذ هذا المثل أساسا لفلسفته، وجعله أساسا لكل فلسفة خلقية بعده قد أخطأ أو ~~أقدم على غير الحق؟ كلا! نحن نجهل الأشياء؛ ولذلك نتعلم. ولذلك أنشأنا العلم. # ونحن نجهل الناس ونجهل أنفسنا؛ ولذلك نبحث عن الناس ونبحث عن أنفسنا، ونحاول أن نضع ~~الشرائع والقوانين، وأن نؤسس الفلسفة الإنسانية وأن نؤسس علم الأخلاق، وأن نبحث عن الطريق ~~التي تنظم الصلات بيننا وبين أمثالنا. # ليس هذا كله إلا اعترافا بأننا نجهل، أو محاولة للتخلص من هذا الجهل، ولكننا مغرورون! ~~ننكر هذا الجهل ولا نشعر به، فيخيل إلينا أنا نعلم كل شيء، ويخيل إلينا أن علمنا بأنفسنا هو ~~أشد أنواع العلوم صحة وأقربها إلى الصواب، فيقول أحدنا: إني أعرف هذا الشيء كما أعرف نفسي، ~~ولو أنه فكر قليلا لاستيقن أن هذه المعرفة لا تغني شيئا، ولا تدل إلا على الجهل، فهو يجهل ~~نفسه ويجهلها الجهل كله، فإذا كان حظه من العلم بالأشياء كحظه من العلم بنفسه فويل له من ~~هذا العلم. # إلى هذه النظرية قصد الكاتب في هذه القصة، فأثبتها في وضوح وجلاء، ولكنه أثبت إلى جانبها ~~نظرية أخرى ليست أقل منها شأنا ولا أدنى منها خطرا. أنت تجهل نفسك ولكن ما السبيل إلى أن ~~تعلم هذه النفس؟ أتظن أنك تستطيع أن تصل إلى هذا العلم بالنقد والبحث وبالتحليل والإمعان في ~~التحليل؟ # لقد نقد من قبلك سقراط وأتباع سقراط، وأمعن الفلاسفة وعلماء الأخلاق في النقد وفي ~~التحليل، وتأسس علم النفس وانتهى بأصحابه ms129 إلى النتائج الباهرة. ولكن النفس الإنسانية ما ~~زالت غامضة، وما زال كل واحد منا يجهل نفسه حقا، ومهما تقرأ من فلسفة سقراط وأتباعه ومن ~~فلسفة القدماء والمحدثين على اختلاف ألوانهم ومذاهبهم فلن تعلم من أمر نفسك شيئا. # فشل إذن سقراط حين زعم أن أحسن وسيلة إلى العلم بالنفس إنما هي أن تعرف أنت نفسك بنفسك. ~~فشل سقراط وفشل من قبله ومن بعده. فقد بحثت الإنسانية عن نفسها، وبحثت عنها كثيرا، فلم ~~تهتد من أمرها إلى شيء. لن تعرف نفسك بنفسك، وإنما الوسيلة الصحيحة إلى أن تعرف نفسك إنما ~~هي هذه الحوداث الجسام التي تلم بك من حيث لم تحتسب، والتي تصيبك على غير استعداد، فإذا هي قد ~~هزت نفسك هزا عنيفا، فألقت عليها في غير اختيار ولا إرادة هذه الألوان المختلفة، وهذه ~~الضروب المتباينة من زينة الحضارة وبهرجها، ومما كلفتك الحضارة، وما كلفك العلم، وما كلفتك ~~نظم الحياة المختلفة من مظاهر لم تخترها، ولم تسع إليها، وإنما اضطررت إليها اضطرارا، ~~واصطنعتها وأنت لا تعلم كيف اصطنعتها. # ما الشرف؟ وما الفضيلة؟ وما حسن المعاملة بين الناس؟ وما ضروب الأدب والتلطف؟ وما هذه ~~العقائد الكثيرة التي قامت عليها أوضاعنا الاجتماعية؟ لم تلبس على هذا النحو دون غيره؟ ولم ~~تأكل على هذا النحو دون غيره؟ ولم تلقى صاحبك على هذا النحو دون غيره؟ أتستطيع أن تقول إنك ~~اخترت شيئا من ذلك أو ابتكرت؟ كلا! ولكنك رأيت الناس يسلكون في الحياة هذه الأنحاء فسلكتها ~~معهم، ومهما تجاهد ومهما تبحث فلن تستطيع أن تتخلص منها جملة، يجب إذن أن تكلف الحوادث ~~الجسام تخليصك منها ولو لحظة لترى نفسك كما هي ولو مرة في العمر كما يقولون. # إن الذين لم تصبهم الحوادث الجسام، ولم تنزل بهم هذه النوائب التي تخرجهم عن أطوارهم ~~يقضون حياتهم، ولما يعرفوا من أنفسهم شيئا، اعرف نفسك ولكن لا بنفسك، بل بالتأمل حين تنزل ~~بك الحوادث، وهذه الحوادث لن تنزل بك متى أردت، ولن تصيبك متى أحببت، وقد لا يوفقك الله إلى ms130 ~~أن تعرف نفسك، فيكفي أن تشعر بأنك تجهل نفسك، وأن تعرف عجزك عن العلم بنفسك، وأن تتروى ~~كثيرا قبل أن تقدم، وقبل أن تحكم، وقبل أن تعمل. ~~••• ~~«سيبران» قائد من قواد الجيش الفرنسي، وهو رجل من الأشراف، محافظ، مستمسك كل الاستمساك ~~بما ورث في طبقته من نظم الحياة وطرق التفكير، تغيرت الحياة من حوله ولم يتغير، أو لم يشعر ~~بأنه تغير، فهو ضيق العقل، أو محدود الفكر يقرب في هذا الضيق إلى شيء من الوحشة، فقد امرأته ~~وأراد أن يتزوج من جديد، فتخير أن يتزوج فتاة متقدمة في السن قد جاوزت الخامسة والعشرين، ~~على أن تكون فقيرة من أسرة شريفة قد حسنت تربيتها، وفيها من الذكاء وحسن الخلق ما يضمن له ~~شيخوخة هادئة مطمئنة، بعيدة عما يسيء إلى الشرف والكرامة، أو يدخل التنغيص والألم بين ~~الزوجين، بحث عن هذه الفتاة فوجدها، واقترن بها، واسمها «كلاريس». # وقد عاش معها خمس سنين فأحبها حبا جما، وكلف بها كلفا لا حد له، ولكنه أحبها كما ~~يستطيع هو أن يحب، فأخذها بما ألف من ضروب الشدة، وألوان المحافظة، وكلفها حياة قاسية خالية ~~من كل ابتسامة، بريئة من كل لين، وهو يعتقد أنه يؤدي واجبه وأكثر من واجبه؛ لأنه قد حال ~~بينها وبين البؤس وضمن لها حياة مطمئنة، وكان لها وفيا في صلاته الزوجية، هو مقتنع بحظه، ~~مطمئن إلى سيرته، ولكن امرأته ليست كذلك، فهي تشعر بأن زوجها قد أحسن إليها، وبأنه قد وفى ~~لها، وبأنه يحبها، ولكنها تشعر بأنها لا تحبه، وأن عواطفها وأهواءها لا تجد في نفس زوجها ~~هذا الصدى الذي كانت تنتظر أن تجده، هي تعيش عيشة راضية من الجهة المادية، ولكن قلبها قد ~~حرم كل عزاء، هي شقية ولكنها رضيت هذا الشقاء، فهي وفية لزوجها، مكبرة له، ولكنها تشعر ~~بأنها بائسة، ويتردد على هذا البيت ضابط مختص، هو «بافايل»، كان يتيما فقد أمه، ثم مات ~~أبوه في ثورة، وكان «سبيران» يعمل في قمع هذه الثورة، فرأت زوجه الأولى هذا اليتيم فتبنته، ms131 ~~وقامت على تربيته مع ابنها الوحيد «جان»، وجهل هذا الفتى من أمره كل شيء حتى ماتت أمه ~~الثانية، فعرف الصلة التي تجمع بينه وبين القائد، وكان وفيا لهذه المرأة التي كفلته، ~~فأنكر زواج القائد من غيرها. يعرف «كلاريس» ويتحدث إليها حتى أحبها، وكلف بها، ثم شعر بأنها ~~شقية تعسة فلم يزده ذلك إلا حبا لها، وعطفا عليها، وقد نزل على هذا البيت ضيف من أسرة ~~القائد هو «دنسيير» ومعه زوجه «أنا»، وهذان الزوجان مؤتلفان يحب كل منهما صاحبه حبا ~~شديدا. ~~••• # فإذا كان الفصل الأول من القصة رأيت كلاريس جالسة إلى مكتبها وقد دخل عليها الضابط ~~«بافايل»، وتكلف علة لهذه الزيارة حين كان يجب أن يذهب إلى مكتبه، وأخذا يتحدثان فتفهم من ~~حديثهما كل ما قدمت لك، ولكنك لا تكاد تشعر بأن بينهما حبا، وهما يتحدثان إذ يدخل الخادم ~~فينبئ بأن «دنسيير» قد أقبل، وهو يبحث عن زوجه «أنا»، فلا يكاد «بافايل» يسمع هذا حتى ينصرف ~~في عجل واضطراب، فتلاحظ «كلاريس» هذا ولكنها لا تفهمه، ويدخل زوجها القائد فينبئها بأن ~~حادثا قد حدث؛ ذلك أنه كان يمشي في الصباح مع «دنسيير»، فلما قاربا منزل «بافايل» أبصرا ~~امرأة تخرج منه، وتبيناها فإذا هي «أنا»، وقد رأتهما فأعرضت عن الطريق، وانطلقت تعدو في ~~الغابة، وتبعها زوجها فلم يظفر بها؛ لأنها كانت أسرع منه عدوا، ولكنه عاد ومعه أحد ~~قفازيها، فلم يكن عنده شك في أن زوجه كانت في هذا المنزل، واستنتجا من ذلك أنها ذهبت إليه ~~لموعد كان بينها وبين صاحبه، فإذا سمعت «كلاريس» هذا فهمت اضطراب الضابط وانصرافه في عجل، ~~وأحسست منها شيئا من الغيرة قويا، ولكنه خفي، ثم تقبل «أنا» وينصرف القائد، فإذا سألتها ~~«كلاريس» لم تحاول أن تخفي من أمرها شيئا، ومن الواضح أن «كلاريس» قد لقيتها في شيء من ~~العنف، وأنكرت عليها ما تورطت فيه، فتنصرف ويعود القائد فتنبئه زوجه بأن الأمر كما كان قد ~~افترض، وتظهر سخطها على هذا الضابط الذي كان يظهر لها مظهر الرجل التقي، والذي ms132 كانت تعطف ~~عليه، وترثي له حينما هو منافق يستمتع بلذاته، متكتما مستترا، ثم يقبل «دنسيير»، فإذا خلا ~~إلى صاحبه القائد، وتحدث إليه أحسست أنه يشعر بشيء من الرفق والعطف على زوجه، ويود لو عفا ~~عنها، واستأنف معها الحياة، ولكنه لا يجد من القائد إلا سخطا واشمئزازا، بل لا يجد منه ~~إلا ازدراء وسخرية، ينبئه القائد في لفظ عنيف بأنه إن يعف عن زوجه فقد جاوز السنة والخلق، ~~والعادة الموروثة، وهو مضطر إلى أن يقطع الصلة بينه وبينه ضنا بكرامة امرأته أن ينالها ~~الأذى، فيقتنع «دنسيير» لأن الكرامة والشرف والحق والواجب، كل ذلك يقضي عليه بأن يطرد ~~الخائنة ويطلقها، وينصرف على أن يذهب إلى باريس ليكلف محاميه أمر الطلاق، وأما القائد فبعث ~~في طلب الضابط. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني رأيت هذا الضابط ينتظر قدوم القائد، فيقدم هذا ويكون بينه وبين ~~الضابط حديث عنيف، يقسم الضابط فيه أنه لم يأت إثما، ولم يقترف منكرا، ويكذبه القائد ~~ويلح في إهانته حتى يكاد يخرجه عن طوره، ثم يصدر إليه الأمر أن يكتب إلى الوزير كتابا يطلب ~~فيه أن يرسل إلى إحدى المستعمرات القاصية، فيأتمر الضابط؛ لأنه يريد أن يخلص من حياته بجوار ~~هذا القائد، يجلس ليكتب، وينصرف القائد وتدخل «كلاريس»، فتسأله في سخرية عما فعل، وعما قال، ~~ولكن الحديث لا يكاد يتصل بينهما حتى يظهر أنه بريء، وأنه لم يقترف إثما، ولم يأت نكرا، ~~وأن كل ما فعل هو أنه نزل عن بيته حينا من الأحيان لصديقه ابن القائد، وكان هذا الصديق قد ~~طلب إليه ذلك ليخلو بصاحبته الخائنة، هو إذن بريء، ولكنه لم يتهم صاحبه، ولم يتهم أحدا؛ ~~لأنه لا يرى لنفسه الحق في أن يتهم أحدا، وهو سعيد بهذه النتيجة، فسيفارق القائد، وسيخلص ~~من حياة قاسية لا يجد فيها إلا شقاء وبلاء، فإذا سمعت «كلاريس» هذا الحديث وآمنت به ذهبت ~~غيرتها، وعادت إليها الثقة، وأخذها شيء من الغبطة بأن هذا الضابط لم يخنها، وحاولت أن تقنع ~~الضابط بالبقاء، وأن يبرئ نفسه أمام ms133 القائد، ولكن هذا الضابط أبى كل الإباء، ثم يريد أن ~~يعلل إباءه فيعلن إلى صاحبته أنه يحبها، ويحبها من زمن طويل، وأنه أصبح لا يستطيع صبرا على ~~هذا الجوار، وعلى هذا الحرمان، فلا تكاد تسمع إعلان هذا الحب حتى يملكها تأثر شديد، فترى في ~~نفسها أنها هي أيضا تحب هذا الضابط، وأنها كانت تجهل هذا الحب أو تخفيه على نفسها، وأنها ~~قد علمت به وأخذت تراه رأي العين في الوقت الذي لم يبق فيه بد من أن تفارق حبيبها هذا، تحس ~~ذلك وتتحدث بشيء منه إلى الضابط، ولكنها حين تتحدث إليه بما تحس تغير في نفسه كل شيء، فقد ~~كان يريد السفر ويرضاه؛ لأنه كان يائسا من حبها إياه، أما الآن وقد أحس هذا الحب ورآه فقد ~~ذهب اليأس، وخلفه الأمل والرجاء، وإذن فلم يسافر؟ ولم يمحو سعادته بيده؟ لن يسافر وسيبرئ ~~نفسه، وسيبقى وسيذوق لذة هذا الحب. # أما «كلاريس» فتجزع لذلك وتندم على أنها قد أظهرت من أمرها ما كان يجب أن يظل خفيا، ~~وتلح عليه أن يسافر؛ لأنها لا تريد ولا تستطيع أن تؤمن لهذا الحب، ولا أن تخون زوجها، ولا ~~أن تتورط فيما كانت تنكر على صاحبتها، وهنا موقف عنيف مؤثر بين هذين العاشقين، قد تصارحا ~~بالحب، ولكن بينهما أمرا يحتم عليهما الفراق، بينهما عهد الزواج والحرص على الوفاء، تلح في ~~أن يسافر فلا يستطيع لها مقاومة، فينصرف على أن يظل متهما لنفسه، وعلى ألا يراها بعد ~~اليوم. أما هي فتستلقي وقد ناءت بها خيبة الأمل؛ ذلك أنها كانت قد اطمأنت إلى شقائها، ورضيت ~~حظها من الحياة، أما الآن وقد أحست أن أحدا من الناس يحبها وأنها تحبه أيضا، وأنها ربما ~~لم تخلق إلا له، وربما لم يخلق إلا لها، فقد مر الأمل بنفسها، ورأت من سلطان القضاء ما يحول ~~بينها وبين الاستمتاع بهذا الأمل، وهي في هذا اليأس إذ تقبل «أنا» فإذا المرأتان تتحدثان ~~على نحو جديد من الحديث، وإذا أنت لا ترى من «كلاريس» عنفا ms134 ولا قسوة، وإنما ترى منها لينا ~~وعطفا؛ ذلك لأنها قد شاركت صاحبتها في الحب، وإن لم تشاركها في الإثم، هي مثلها فمن الحق ~~أن تعطف عليها، ويقبل «جان» الذي اقترف الإثم، وقد علم بكل شيء، فيعلن إليهما أنه يحتمل ~~تبعة عمله، وأنه سيبرئ صاحبه من هذه التهمة، فتجزع لذلك كلاريس؛ لأن معنى هذه البراءة أن ~~يبقى «بافايل»، وإذا بقي فسينتصر الحب، وستتورط هي فيما تورطت فيه صاحبتها، وهي لا تريد ذلك ~~ولا ترضاه، تحاول أن تقنع «جان» بالعدول عن هذا الأمر، فيأبى ويلح في أنه سيعلن الأمر إلى ~~أبيه، ويقبل أبوه وتنصرف «أنا»، يأخذ القائد في قراءة الكتاب الذي سطره الضابط للوزير، ولكن ~~ابنه ينبئه بأن يريد أن يتحدث إليه، فإذا استمع له عرف الحق، فغضب غضبا شديدا، وأنزل ~~بابنه ضروبا من اللوم والتأنيب، ولكن ابنه ينبئه بأنه سيصلح ما أفسده، سيتزوج «أنا» بعد أن ~~يحكم بالطلاق. # هنا تنشأ في نفس الأب عاطفة جديدة، ابنه يريد أن يتزوج من هذه المرأة التي خانت زوجها! ~~أليس في هذا نزول عن الشرف؟ أليس فيه عدول عن السنة والكرامة؟! كلا! لن يكون هذا الزواج، ~~ولكن ابنه يعلن إليه أنه سيكون مهما يستتبع من نتيجة، فسيخاصم أباه، وسيحتمل ما ينشأ عن هذه ~~الخصومة؛ لأنه لن يترك صاحبته وحيدة بعد الطلاق، يطرده أبوه مغضبا، فينصرف الفتى ويبقى ~~القائد وزوجه فيتحدثان، وترى من هذا الحديث أن القائد كان يجهل نفسه حقا، هو ساخط ممتعض، ~~ولكن مصدر سخطه وامتعاضه إنما هو أن ابنه سيتزوج من امرأة خائنة، فيهين الشرف ويسيء إلى ~~الكرامة، فإن هذه المرأة التي خانت زوجها الأول تستطيع أن تخون زوجها الثاني، ولعلها لم تخن ~~زوجها الأول لأول مرة فهو يفكر في نفسه، ويفكر أن يعاقب ابنه بما كان يريد أن يعاقب به ~~الضابط، فقد عبثت إذن عاطفة البنوة بعواطف الشرف، والمحافظة على القديم. تتحدث إليه زوجه ~~بهذا كله، وتتبين أنه قد عدل عن رأيه، وغير منهجه ، وأنه مضطر إلى أن ينصح لقرينه بالعفو عن ms135 ~~زوجه؛ لأنه بين اثنتين: إما أن يصلح بين الزوجين، ويرضى عن الخائنة، وإما أن يرى ابنه زوجا ~~لهذه الخائنة، ويشعر القائد بصحة هذا، وبأنه مضطرب منقطع الحجة، فيعلن عجزه وينصرف ليعتذر ~~إلى الضابط، فتسأله زوجه: أتطلب إليه أن يبقى؟ «سآمره بالبقاء، وبهذا أعتذر إليه حقا.» ~~ينصرف وتبقى «كلاريس» شاعرة بأن عاشقها سيبقى، متألمة لهذا بل جزعة له؛ ذلك لأنها كانت في ~~أول الأمر قد رأت الأمل، وطمعت فيه، ثم حال بينها وبينه الواجب، فاطمأنت إلى الحرمان ~~والشقاء، وهي الآن ترى أن صاحبها سيبقى، وإلى أن الحرب ستكون عنيفة في نفسها بين الأمل ~~والسعادة من جهة، وبين الواجب والوفاء من جهة أخرى. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد اجتمع الخائنان وهما يتحدثان، وتشعر من هذا الحديث أن كلاريس ~~قد عملت عملها، وأنها جادة في أن توفق بين الزوجين حتى لا يقع الطلاق، وحتى لا يكون هذا ~~الزواج الجديد، وحتى يضطر الضابط إلى السفر، تشعر بهذا كله لأنك ترى «أنا» تنبئ صاحبها ~~بأنها لا تريد أن تكون مصدر خلاف بينه وبين أبيه، وبأنها تؤثر أن يتم لها العفو من زوجها، ~~فإذا سمع صاحبها هذا اطمأن إليه، وظهرت رغبته فيه، فتغضب «أنا»، تغضب لأنها كانت تود لو ~~وجدت من صاحبها الذي أغواها بالإثم شيئا من الحب لها، والكلف بها، والرغبة في أن يكون ~~زوجها حقا، فإذا هي لا تجد منه إلا اطمئنانا إلى هذا الحل الجديد، هو إذن لم يحبها وإنما ~~أغواها، وهي إذن لم تحبه وإنما خضعت له، أو فتنت به، تغضب وتلقي إليه بهذا الغضب، فيحاول أن ~~يدفع عن نفسه أنهما كانا متحابين، فلا يفلح إلا في إظهار أنهما كانا مخدوعين، خدعتهما ~~الشهوة والهوى، ينصرف الفتى وتقبل «كلاريس»، فإذا علمت بما تم بينهما اطمأنت إليه، ونصحت ~~لصاحبتها بأن تصلح من شأنها، وتستعد لأن تلقى زوجها فتستعطفه وتترضاه، وتنصرف «أنا»، ثم ~~يقبل الضابط فرحا مبتهجا؛ لأن القائد قد طلب إليه البقاء، فسيبقى إذن، ولم يكن يستطيع إلا ~~ذلك؛ فهو بريء، وهو يحبها وهي ms136 تحبه، وهما يستطيعان أن يسعدا، فمن الحمق أن يتكلفا الشقاء، ~~ويسعيا إليه. أما هي فتلح عليه في السفر، ولكن في غير طائل، سيبقى إذن، فلا بد من احتماله، ~~وهي أضعف من أن تقاوم هذا الحب، ولكنها لا تريد أن تكون خائنة، وهي إذا قبلت هذا الحب ~~وأذعنت له فستنبئ زوجها، وستفارقه فقيرة كما دخلت بيته فقيرة، ولن تفعل شيئا من شأنه أن ~~يزري بشرف هذا الرجل، ولكنها لا تستطيع أن تقطع في شيء من ذلك، فهي تريد أن تفكر وأن تتروى، ~~تريد ألا تقضي إلا بعد أناة وحزم، وهي عاجزة عن ذلك إذا لم يفارقها صاحبها حينا لتستطيع أن ~~تفكر في هدوء واطمئنان، يجب إذن أن ينقطع عنها أسابيع أو أشهرا، يأبى! ولكنها تأمره بذلك ~~وتلح فيه، فيذعن، ولكن على أن تمنحه شيئا يمكنه من الصبر، على أن تمنحه قبلة! يلح في ذلك ~~فترضى، وإنه ليقبلها إذ يدخل القائد، فإذا هو يصيح: ويل للشقيين! افترق العاشقان، وأقبل ~~القائد على خصمه يريد أن يقتله، ثم بدا له فألقى سلاحه؛ لأنه أحس أن القتل ليس من اليسر ~~والسهولة بحيث كان يظن، يطرد خصمه فينصرف. # فإذا خلا إلى زوجه أخذ يؤنبها في غيظ وحنق، ولكنها تجيبه بأنها لم تخنه، ولم تأت من ~~الإثم إلا ما رأى، وبأنها كانت ولا زالت معتزمة ألا تستمتع بلذات الحياة إلا بعد أن تقطع ~~الصلة بينها وبينه، وهي تنتهز هذا الفرصة لتعلن إليه أنها مفارقة إياه، وأنها ستخرج من هذا ~~البيت كما دخلته، ولكن زوجها لا يكاد يسمع هذا حتى يأخذه الضعف، فإذا هو يتلمس من زوجه أن ~~تعتذر، يريد أن يعفو، ويلتمس سبيلا للعفو، أما هي فلا تريد عفوا، وإنما تريد خلاصا، وهنا ~~يقع بينهما حديث مؤلم، تذكر شقاءها وحرمانها، وأنها لا تحبه، ولا تطمئن إليه، وإنما كانت ~~تخضع له خضوع الأسير، وهو ينكر ذلك ويسألها: فما بالك لم تنبئيني؟ ثم يبدو له فيشعر بأنه هو ~~الملوم، فقد كان من الحق عليه ألا يكون أثرا ولا ظالما، ms137 وأن يتلمس بنفسه حاجات زوجه ~~ولذاتها، وما ينقصها، فإذا عرفه وفاها حظها منه. يشعر بأنه قد شغل بنفسه عن زوجه، وبأن ظلمه ~~هذا وأثرته هما مصدر الشقاء، وإذا هو مستعطف ضارع، يطلب إليها أن تبقى، وإذا الضعف قد أخذ ~~من هذا الرجل العنيف مأخذه، فتهدج صوته، ثم انهملت عبرته، ثم هو يجثو يطلب إليها ألا تتركه ~~وحيدا، ثم ينبئها في صدق وإخلاص أنه مغير خطته، وأنه يؤثر الموت على الوحدة، وما سيتبعها ~~من أحاديث الناس، وإذا هو ينتظر منها كلمة ليعيش أو ليموت! # أما هي فقد رقت له، وعطفت عليه، فأشارت إليه أنها باقية، ويدخل هذا الوقت «دنسيير»، وقد ~~عاد من باريس، ونظم أمر الطلاق فينبئها بذلك، فإذا صاحبه القائد قد تغير كل التغير! ~~الطلاق! وماذا تصنع هذه البائسة إذا أصبحت وحيدة؟ وهل فكرت في هذا؟ فإذا ذكر له قرينه ما ~~كان قد لقيه به من عنف وغيظ، وما كان قد نصح له به في شدة وحزم، وأنه قد تغير الآن، اعترف ~~بأنه تغير، وبأنه في حديثهما الأول كان مندفعا وراء العاطفة، أما الآن فقد فكر وتروى، وهو ~~أقرب إلى العفو والمغفرة منه إلى السخط والغيظ، وتنضم إليه زوجه في هذا، فما تزال بالرجل ~~حتى تقنعه بالعفو عن زوجه، ولم يكن هذا الإقناع عسيرا؛ فقد كان الرجل يريد هذا العفو لولا ~~ما بين له القائد، وما نصح له به. يقنعانه بالعفو، ويعمد القائد إلى هذا الكتاب الذي كتبه ~~الضابط إلى الوزير يطلب فيه أن ينقل إلى إحدى المستعمرات، يعمد إلى هذا الكتاب فيأمر بحمله ~~إلى البريد، ثم ينصرف «دنسيير»، ويبقى الزوجان، فيقول القائد: لو أنه عفا أمس عن زوجه بعد ~~ما اقترفت هذا الإثم لرأيت عفوه دناءة وانحطاطا. # فتسأله زوجه: أكنت أمس خيرا منك اليوم؟ فيجيب: لم أكن أعرف نفسي حقا! # كلاريس: ومن ذا الذي يعرف نفسه؟! # | أرض الجحيم # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «فرانسوا دي كوريل» # لا يترجم هذا العنوان ترجمة صحيحة ، عنوان القصة التمثيلية التي أريد أن أحدثك عنها ms138 اليوم، ~~وإنما يؤدي شيئا من معنى هذا العنوان دون أن يؤديه كله، بل دون أن يؤدي منه الشيء الكثير، ~~والترجمة الحرفية لهذا العنوان هي: «أرض لا إنسانية»؛ أي أرض لا يعيش فيها الناس، وإنما ~~يعيش فيها أشخاص لهم طباع وميول، وعواطف وأهواء لم يعرفها الناس، ومع ذلك فهذه الأرض التي ~~تقع فيها القصة أرض إنسانية حقا، ويعيش فيها ناس مثلك ومثلي، يحسون ما تحس، ويشعرون بما ~~تشعر به، ويميلون إلى ما نميل إليه، هي جزء من فرنسا، أو جزء من «اللورين» التي كانت موضع ~~النزاع بين فرنسا وألمانيا، حتى كانت هذه الحرب الكبرى فردتها إلى وطنها الأول. # واضع هذه القصة التمثيلية هو المسيو «فرنسوا دي كوريل»، كاتب فرنسي ممتاز، ذهب الفرنسيون ~~في إكباره وإجلاله إلى مدى بعيد حتى وصفه نفر من كبار كتابهم بالنبوغ، وقد امتاز في فن ~~التمثيل امتيازا خاصا، فقصصه التمثيلية رسائل في الأدب، وفي الفلسفة معا، في الأدب ~~لأنها تكتب في أروع لفظ وأجزله، وفي أبدع أسلوب وأرشقه، وفي الفلسفة لأنها تدور دائما حول ~~عاطفة من عواطف النفس، أو بعبارة أصح: حول غريزة من غرائز الإنسانية العامة، أو بعبارة أدنى ~~إلى الدقة وأقرب إلى الصواب حول الغريزة الإنسانية العامة التي تسيطر على حياة الناس ~~فتسيرها، وتضع لها النظم والقوانين الطبيعية التي نسميها الفطرة، وهذا الكاتب الفيلسوف ~~متشائم بطبعه، سيئ الظن بالناس، لا يأمل فيهم خيرا كثيرا، لا لأنه يحتقرهم أو يزدريهم، بل ~~لأنه يفهم حقا، ويعلم أنهم عبيد الغريزة، وأن هذه الغريزة قد كانت وستظل كما هي ضعيفة ~~واهية مهما تختلف عليها الأطوار، وتتبدل من حولها ظروف الحياة. # هو فيلسوف متشائم، يرى الأشياء كما هي، لا كما يجب أن تكون، فليس تشاؤمه ثقيل الوقع على ~~النفس، ولا باعثا لليأس في القلوب، ولكنه ليس جذابا، ولا منشطا للأمل، لا يبعث في نفسك ~~يأسا، ولا يحيي في قلبك رجاء، وإنما هو قانع بما كان، ويود لو حملك على أن تشاركه في هذه ~~القناعة، ولعل أحسن جملة تختصر فلسفته هي ms139 هذه الجملة التي قالها أحد المتكلمين المسلمين: ~~«ليس في الإمكان أبدع مما كان.» ذلك على أن تكون هذه الجملة مقصورة على الحياة الإنسانية، ~~لم يجاوزها الكاتب الفيلسوف في أدبه، ولا في فلسفته. # وقد أجمع النقاد الفرنسيون على شيئين؛ الأول: أن هذه القصة التي نحن بإزائها آية من آيات ~~التمثيل في هذا العصر الحديث، الثاني: أن مجد هذه القصة وفوزها بإعجاب الجمهور لن يقتصرا ~~على الملاعب الفرنسية، بل لا بد من أن يجاوزاها إلى ملاعب الأرض كلها؛ لأن هذه القصة ~~الفرنسية في موضوعها ومكانها وزمانها ومغزاها إنسانية قبل كل شيء، صالحة لأن تقع في كل ~~مكان، وفي كل زمان، وفي كل شعب. # أجمع النقاد الفرنسيون على ذلك، وذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك، فكتب مسيو «أندري ريفوار» في ~~جريدة «الطان» يقول: «إن تاريخ التمثيل لم يعرف آية كهذه منذ «إيسكيليوس» اليوناني، أي منذ ~~خمسة وعشرين قرنا.» فأنت ترى إلى أي حد بلغ فوز مسيو «فرانسوا دي كوريل» في هذه القصة ~~الجديدة؟ # والحق أن في هذا كله شيئا من الغلو كثيرا فالقصة جيدة، بل فوق الجيدة كما سترى، ولكن ~~مسيو «فرانسوا دي كوريل» رجل موفق، حسن الحظ مع الناقدين، فكل ما يكتبه جيد، وكل قصصه آيات، ~~ولقد شهدنا بعض قصصه تمثل في ملاعب باريس، فلم تحدث في أنفسنا هذا الأثر الذي يصفه النقاد، ~~ولم تهز قلوبنا هذه الهزات العنيفة التي يتحدث النقاد عنها، ولكننا انصرفنا نتهم حسنا ~~وشعورنا، وحكمنا على الجيد والرديء، ونقول في أنفسنا ما كان هؤلاء النقاد ليجمعوا على خطأ ~~أو تدليس، ولكننا رأينا كثيرا من أوساط الناس في فرنسا لم يتأثروا بهذه القصص. وإنما ~~شهدوها دهشين، وخرجوا من الملعب حائرين؛ ذلك لأن مسيو «فرانسوا دي كوريل» في قصصه التمثيلية ~~يدرس العاطفة والشعور والغريزة، ويحللها تحليلا دقيقا، ولكنه لا يتحدث بهذا التحليل إلى ~~العاطفة أو الشعور، وإنما يتحدث إلى العقل وإلى العقل وحده، فقصصه رسائل فلسفية، تحسن ~~فهمها، والاستفادة منها إذا قرأتها في دعة وهدوء، ولكنك لا تتأثر بها إذا ms140 شاهدتها في ~~الملعب؛ لأن هذا الملعب وما فيه من جمهور، وما فيه من حركة الممثلين ولعبهم يشغلك عن دقائقه ~~الفلسفية، فتخرج ولم تفهم أو لم تكد تفهم شيئا. # الأمر على غير ذلك في هذه القصة التي نحن بإزائها، فنحن لم نشهد هذه القصة وإنما قرأناها، ~~ونلاحظ أننا لم نتأثر بقراءتها تأثرا يلائم ما قيل عنها، ولكننا لا نشك في أن الذين شهدوا ~~هذه القصة قد دهشوا؛ لأنهم رأوا كاتبا جديدا يتحدث إليهم حديثا جديدا، فيملك قلوبهم، ~~وأهواءهم، ويجعلهم وقفا على حركات الممثلين، وما يجري بينهم من حوار. # ولسنا نشك في أن المزية الأولى لهذه القصة إنما هو الموقف الذي استطاع الكاتب أن يخلقه، ~~فيقف عاطفتين من أشد العواطف الإنسانية سيطرة على الحياة، واستئثارا بالنفوس، يقف إحداهما ~~بإزاء الأخرى، وهاتان العاطفتان هما: الحب، والخوف، ولكنك لن تستطيع أن تفهم ذلك حق الفهم ~~إلا إذا لخصنا لك القصة في ألفاظ قليلة. # يجب أن تلاحظ أن الكاتب من بلاد «اللورين»، وأنه قد ألهم هذه القصة لحادثة معينة، وهي أن ~~أحد الطيارين الفرنسيين، ولعله «فدرين»، قد نزل أثناء الحرب في أرض له في «اللورين» وراء ~~الخطوط الألمانية، فاتخذ الكاتب من هذه الحادثة موضوع قصته، وهو سهل. # في إحدى قرى «اللورين»، وعلى مسافة من القرية يقوم منزل تسكنه امرأتان، إحداهما «بولين ~~باريزو»، والأخرى أختها «أنا»، فأما «بولين» فهي أرملة، ولكن لها ابنا ترك «اللورين»، وذهب ~~إلى فرنسا، فاسترد جنسيته الفرنسية، ونبغ في المحاماة والأدب، فلما أعلنت الحرب أدى خدمته ~~العسكرية على أحسن ما يؤديها الوطني المخلص، وكان قبل الحرب ضعيفا يخاف ويكره منظر الدم، ~~وبينما أمه وخالته ذات يوم تتحدثان إذ أقبل ممثل السلطة الألمانية ومعه إحدى الأميرات ~~الألمانيات من أسرة الإمبراطور، يريد أن ينزلها ضيفا على هذه الأرملة، وكانت هذه الأميرة ~~«فكتوريا» زوج أحد القواد المرابطين في «اللورين»، فأقبلت تزور زوجها على غير إذن منه، ~~وضربت له موعدا في هذا البيت. # تلقت الأرملة ضيفتها كارهة، وبينما كانت هذه الضيفة تنظر في صور فوتوغرافية على ms141 المائدة ~~في غرفة الاستقبال رأت صورة أعجبتها، فأخذت تمعن فيها النظر، وحدثتها «بولين» بأن هذه ~~الصورة هي صورة ابنها الفرنسي، وقصت عليها أمره مفصلا، ثم تنصرف الأميرة إلى غرفتها ~~وتتبعها «بولين»، ويأتي ابنها «بول»، وكان قد وصل إلى «اللورين» في صباح ذلك اليوم على ~~سيارة فرنسية أنزلته، وانصرفت تنتظره في مكان غير الذي أنزلته فيه، وكان قد جاء للتجسس ~~ليشتري من أحد الجنود الألمان أوراقا تهم قيادة الجيش الفرنسي، فلما أنزلته الطيارة رأى أن ~~أحد الفلاحين قد رآه أو قد رأى الطيارة فقتله، واتخذ ثيابه، وظل يحرث مكانه بقية النهار، ثم ~~أطلق خيل المحراث، وأقبل يقضي الليل عند أمه، حتى إذا كان الصباح لقي صاحبه الألماني، فأخذ ~~الأوراق وذهب إلى حيث تنتظره الطيارة، فعاد إلى فرنسا. # قص هذا كله على أمه، وأنبأته أمه بمكان الأميرة الألمانية، فذعر وأشفق أن تدل عليه هذه ~~الأميرة، وحاول أن يخلص فلم يوفق، ففكر في أن يمضي الليل عند أمه، وأن يخدع الأميرة حتى ~~ينجو منها أو يقتلها، وهنا تبدأ قيمة القصة، فإن هذه الأميرة إن رأته ودلت عليه قتل وقتلت ~~أمه، فإن لم تستطع أن تدل عليه، ولن يكون ذلك إلا إذا قتلها، ونجا بنفسه فأمه مقتولة من غير ~~شك، وإنهما ليتحدثان في ذلك إذ أقبلت الأميرة فدخلت، وأصبح القضاء محتوما، فإما أن يقتل هو ~~وتضيع مهمته العسكرية، وإما أن يقتل الأميرة فينجو وينفذ ما جاء له، ويقدم أمه ضحية للوطن، ~~وكان قد انتزع الصورة الفوتوغرافية التي رأتها الأميرة وأخفاها، فلما جاءت الأميرة تقدم ~~إليها كأنه أحد أقارب هذه الأرملة، ثم تسمى لها باسم ألماني منتحل، وأنبأها بأنه قد جرح في ~~الحرب مرتين فأعفي من الخدمة، لم تصدق الأميرة شيئا من هذا، وأخذت تنظر في الصور تلتمس ~~الصورة التي رأتها أولا فلم تجدها، فلم تشك في أنها أمام «بول» الفرنسي ابن الأرملة، وفي ~~أن واجبها الوطني يلزمها أن تدل عليه، فذهبت إلى غرفتها تفكر في ذلك ، ولقيت في طريقها خالة ~~«بول» فسألتها: أمسرورة هي ms142 بمقدم هذا الشاب، وذكرت الاسم المنتحل؟ فلم تحر المرأة جوابا؛ ~~لأنها لم تكن تعرف هذا الاسم، ولم تشك الأميرة منذ ذلك الوقت فيما يجب عليها أن تعمل، فأخذت ~~تسأل متى يمر ساعي البريد؟ فأنبئت بأن ساعي البريد لا يمر منذ ابتدأت الحرب، فسألت: أليس ~~يمكن أن تستأجر من يحمل رسالة إلى القرية، فأنبئت بأن هذا عسير في الليل، ولم يشك «بول» في ~~أن الأميرة تريد أن تدل عليه، فأمسى لا يتردد في قتلها، واعتزم أن يذهب إليها بعد العشاء، ~~فيعرض عليها الخروج معه إلى الغابة للنزهة، فإذا خرجا قتلها هناك حتى لا يقع دمها على ~~أمه. ~~••• # يذهب «بول» في الفصل الثاني إلى الأميرة في غرفتها فيتحدثان حديثا لذيذا مخيفا؛ لأن ~~كلا منهما يخاف صاحبه، ويحاول أن يكتم هذا الخوف، ولأن كلا منهما يضمر الغدر بصاحبه، ~~ولكنه يحاول ألا يظهر من نيته شيئا، فيدور الحديث في هذه الصورة الغريبة التي ظاهرها ~~الأمن، وباطنها الخوف والغدر، ويدعو «بول» صاحبته إلى أن تخرج معه إلى الغابة فتأبى، ثم تطلب ~~هي أن تخرج وحدها فيأبى عليها صاحبها، يريد أن يقودها إلى حيث يقتلها فتأبى عليه، وتريد أن ~~تخرج لتدل عليه، فيمنعها من الخروج، وإنهما لفي ذلك إذ يسمعان أصواتا تقبل إلى البيت، ~~فتسأل «بولين» عن خبل الفلاح الذي قتل وتنبئها بمقتله، وتسمع الأميرة هذا فتستقين أن «بول» ~~هو قاتل الفلاح، ومرتدي ثيابه، وكانت قد رأت الثياب في غرفة الاستقبال، فيبلغ الخوف منها ~~أقصاه، وتأبى أن تخرج، ثم تشم رائحة ثياب تحترق، فتسأل فينبئها «بول» بأن أمه تحرق ثياب ~~الفلاح الذي قتله صباح اليوم، وإذن فقد صرح الشر بينهما، وعرف كل منهما دخيلة صاحبه، ولم ~~يبق إلا أن يعمل كل منهما ما يستطيع لينقذ حياته ووطنه معا. # ولكن الحب قد تدخل في الأمر فعقده، وجعل له خطرا فوق كل خطر، وجعل هذا الموقف فوق ما ألف ~~الناس، ذلك أن الأميرة بينما كانت في هذا الحوار مع «بول » دخلت عليها الأرملة تحمل إليها ~~كتابا، فلما قرأت ms143 الكتاب ملأها السخط والغيظ وخيبة الأمل؛ لأن زوجها قد كتب إليها يأمرها ~~أن تعود أدراجها، وينبئها بأنها لن تراه، وبأن سيارة ستأتي صباح الغد فتنقلها إلى حيث تأخذ ~~القطار، فتعود إلى قصر آبائها. # كانت هذه الأميرة جميلة رشيقة، قوية المزاج، حادة الحس، متأثرة في حياتها بالعواطف، ~~وسلطان الخيال كغيرها من نساء ألمانيا، وكانت تعلل نفسها حين أقبلت إلى «اللورين» بليلة ~~لذيذة حلوة مع زوجها القائد، فلما حيل بينها وبين ذلك كان وقع هذا اليأس في نفسها عظيما ~~سيئا، وكان أمامها هذا الجندي الفرنسي، وكان جميلا قويا يحيي الرغبة في نفوس النساء، ~~وكانت تخافه وتشتهيه، وكان يخافها ويشتهيها، وكان الحديث بينهما منذ التقيا حديث خوف وغدر، ~~وحب واستدراج، فلما صرح الشر بينهما، وظهر كل منهما لصاحبه مظهره الحقيقي ظهر سلطان ~~الغريزة، فأجلت وقوع الخطب، وكانت هذه الغريزة معقدة، ولكنها قوية مسيطرة، كانت غريزة ~~الشهوة، وغريزة الاحتفاظ بالنفس، فانظر إلى هذا الحوار الذي ينتهي به الفصل الثاني: # فكتوريا ~~: # لقد حاولت مرات ثلاثا أن تخرجني من البيت! فمرة كنت تريد أن تسمعني ثغاء الغزال، ~~وأخرى أن تزور معي كنيسة قديمة في ضوء القمر، ثم الرجل الكريم الذي يريد أن يرافقني ~~إلى القرية، وكل ذلك حتى لا يقع دمي على رأس تحبه وتكرمه! # بول ~~: # أي قدرة على الخيال! # فكتوريا ~~: # ولو أني تبعتك لما حييت بعدها! # بول ~~: # إذا كنت تخشين صحبتي إلى هذا الحد فاذهبي وحدك. # فكتوريا ~~(مذعورة) ~~: # ستتبعني! ومن ذا الذي يشفق علي؟ ليست أمك التي أشعر بعدائها! وقد سافرت خالتك، ~~ولعلها إنما سافرت لأنكما خفتما ميلها إلي! فلم يبق لي إلا أنت، ثم تلقي بنفسها ~~بين ذراعيه! آه إني خائفة! # بول ~~(مبتسما دون أن تراه لأنها بين ذراعيه) ~~: # وأنا أيضا خائف! # فكتوريا ~~(مطمئنة شيئا ما) ~~: # مني؟! # بول ~~: # منك! # فكتوريا ~~: # أتوسل إليك ألا تخاف! فلست أريد إلا الخير، لست شريرة! لقد أعجبتني حين رأيتك ~~لأول مرة! ألم تلاحظ ذلك؟ # بول ~~: # بلى! ولهذا أجرؤ على أن أقبلك ! إن من الإثم أن أستغل أزمة هذا الخوف! ms144 فلست أريد ~~غصبا! وفي الحق أن الحب هو الذي ... # فكتوريا ~~: # وأنا أيضا! وأنا أيضا! ليتك تستطيع أن ترى ما في قلبي! # بول ~~: # لا ينبغي أن ينظر المرء في أعماق فؤاد من يحب! فحسبه الحب! ~~(ثم يطوقها بذراعه في حنان بينما يسدل الستار.) # فقد رأيت كيف اصطلح الذعر والشهوة، ويأس هذه المرأة التي أخلفها زوجها على تعقيد موقف ~~هذين العدوين تعقيدا بلغ أقصاه، ثم انتهى إلى انتصار الغريزة، لا نقول الإنسانية بل ~~الحيوانية، فوقع هذان العدوان أحدهما بين ذراعي صاحبه، وتأجل الشر حينا حتى تبلغ الغريزة ~~ما تريد، ولكن تشاؤم الكاتب وقسوته لم يبلغا هذا الحد المنكر، ولم يصلا بالإنسان من الدناءة ~~إلى حيث تحكمه الغريزة الحيوانية وحدها، بل جعل للعواطف الراقية سبيلا على هذا الإنسان، ~~فقد ذاق العدوان لذة الحب، تمازجها مرارة العداء، ولكن العواطف الإنسانية عملت عملها، فلم ~~يجرؤ «بول» على أن يقتل صاحبته بعد أن هدأت ثورته؛ لأنه كان يراها يقظة من الخوف، وكان يرى ~~عينها محدقة يملؤها الفزع، فكانت الشفقة تغل يده، ومع ذلك فقد كان أخفى مسدسه تحت الوسادة ~~ينتظر أن تنام، وأن تغمض عينيها، ولكنها لم تنم وظلت عيناها محدقتين، ولم تجرؤ هي على أن ~~تقتل عدوها؛ لأنها كانت تحس لذة الحب، بل لعلها ترددت في الدلالة على هذا العدو، ومهما يكن ~~من شيء فقد قضيا الليل في حب وذعر وعداء. # فلما كان الصباح نزل «بول» فلقي أمه، فانظر إلى ما كان بينهما من الحوار: # بول ~~(مشيرا إلى الطبقة العليا من البيت) ~~: # لقد بقيت هناك! # بولين ~~: # كان يجب أن تقودها إلى حيث أردت! فقد قادتك إلى السرير! # بول ~~: # هل من سبيل إلى أن يقتل الرجل امرأة يشتهيها حين تتعلق بعنقه وهي تئن: «إني ~~خائفة! آه! إني خائفة!» # بولين ~~: # نعم! لا يستطيع أن يقتلها، وإنما يداعبها وينسى واجبه العسكري! # بول ~~: # لم أنس واجبي! لقد أخفيت المسدس تحت الوسادة حين اضطجعت، وكنت أقول في نفسي، ~~«ستنام وستغمض عينيها الضارعتين فأقتلها»، ولكن عينيها لم تغمضا! وكنت أراهما في ms145 ~~ضوء القمر محدقتين في. # بولين ~~: # لعلها هي أيضا كانت تنتظر أن تغمض عينيك لتأخذ ما أخفيته تحت الوسادة. # بول ~~: # ربما! إن القلب واليد لا يتفقان دائما. # بولين ~~: # تقول إنها ستذهب هذا الصباح! # بول ~~: # نعم! في سيارة الساعة الحادية عشرة. # بولين ~~: # نحن في الساعة التاسعة، يجب إذن أن تموت في ساعتين. # بول ~~: # سأودعك مضطرا بعد نصف ساعة. # بولين ~~: # إذن فلك نصف ساعة تتخذ فيه قرارا. # بول ~~: # يجب إذن ألا تموت! فأنا واثق بأنها لن تؤذيك إذا مضيت. ~~(فتنبئه أمه بأنها لا تخاف على نفسها، وإنما تخاف عليه هو أو على صاحبه الألماني إذا لم ~~تقتل هذه الأميرة.) # ثم تأتي الأميرة، وتحاول بولين أن تقنعها بألا تدل على ابنها، ثم تهددها بأنها ستنبئ ~~زوجها القائد بما كان بينها وبين ابنها من خيانة له، فتزدري الأميرة هذا التهديد، ويأباه ~~«بول»؛ لأنه غير شريف، وتخرج بولين ويبقى العدوان وجها لوجه، فانظر إلى ما يقع بينهما من ~~حديث: # فكتوريا ~~: # إنها واجدة عليك لأنك لما تقتلني! # بول ~~: # بل لأني فعلت أكثر من هذا فأسرعت إلى معونتك. # فكتوريا ~~: # إني إنا أيضا خاضعة لهذا الشعور المخالف للمنطق، فكيف السبيل إلى الخلاص منه؟ ~~كيف نهرب من هذه الوحشية التي يضطر إليها قلبانا الحبيبان بحكم وطنينا ~~العدوين؟ # بول ~~: # نعم! إن قلبينا لصديقان، ولكن لننظر على أي نحو! لم أكد أصل أمس حتى عرفتني، فلو ~~أني هربت لدللت على أمي فقتلت، ولم تكن لنا وسيلة إلى النجاة إلا في أن أستدرجك إلى ~~حيث أقتلك بعيدا من البيت، فكنت مضطرا إذن إلى أن أعجبك. # فكتوريا ~~(في نشاط) ~~: # لقد وفقت. # بول ~~: # ولكني وقعت في الشرك الذي نصبته؛ لأنك أعجبتني أيضا، ومع ذلك فلم يمنعني إعجابي ~~بك أن أنتهز الفرصة للتخلص منك، ولا سيما وأنك قد كنت طلعة حين بدأت الحديث. # فكتوريا ~~: # كان شخصك يبعثني على الاستطلاع، وكنت حريصة على خيانتك، وقد أظهرت ذلك أكثر مما ~~كان يجب حين سألتك عن عملك العسكري. # بول ~~: # لقد عنيت العناية كلها بألا أجيب. # فكتوريا ~~: # لقد كنت أقسمت ms146 على أن أحملك على الكلام. # بول ~~: # لقد كنت أقسمت على أن أقودك إلى نزهة، فلو أنك تبعتني لكانت جثتك الآن مخبأة في ~~ناحية من نواحي الغابة. # فكتوريا ~~: # لقد كدت أتبعك، ولكن الفلاحين الذي كانوا يبحثون عن فرس «كلودو» نجوني، ولما عرضت ~~عليك أن أمتحنك بالذهاب إلى القرية وحدي كنت أريد أن أدل عليك. # بول ~~: # لو أنك نمت هذه الليلة لما استيقظت. # فكتوريا ~~: # رأيتك تخبئ شيئا تحت الوسادة، ولو أنك استسلمت للنوم لما كان هناك جاسوس. # بول ~~: # كان الجاسوس حذرا؛ لأن الرهبة والرغبة كانتا تضطرانه إلى الحذر. # فكتوريا ~~: # لقد كنت أنا أيضا شديدة الرغبة فيك، ولكني كنت خائفة! # بول ~~: # لقد كانت تعبث بنا أمواج الحب والبغض، وما لاطف أحدنا صاحبه ملاطفة إلا كان ~~وراءها ميل إلى الشر، ولكن قد أقبلت الساعة التي تصبح فيها الشهوة والرغبة ~~والملاطفة جرائم، وسيقضي عليك الواجب بعد لحظات أن تدلي على الضابط الذي سيأتي ~~ليقودك، ولأجل أن أحول بينك وبين ذلك يقضي علي الواجب أن أقتلك، أنت الآن في قبضة ~~يدي! وإذن! ~~(ثم يخرج المسدس، ويصوبه ~~إليها) ~~. # فكتوريا ~~(جزعة) ~~: # لا! لا! رحمة، لك مني الوعد! # أقسم بالشرف لا أخونك! # بول ~~(وقد خفض سلاحه) ~~: # لعلي أسيء، ولكن وعدك ... # فكتوريا ~~(تضطرب ذعرا) ~~: # ثق بهذا الوعد. # بول ~~(وقد ألقى سلاحه على المائدة) ~~: # أنت مدينة لي بالحياة! فليس لك الحق في محاربتي ... # فكتوريا ~~: # لقد فقدت هذا الحق منذ أول قبلة، وسأحمل في نفسي ذكر الليلة الوحيدة التي أحسست ~~فيها لذة الحب القوي. # ثم يستمر الحديث بينهما على هذا النحو، وقد أمن كل منهما إلى صاحبه، فينبئها بول بأنه قد ~~أفلح غير مرة في التجسس على ألمانيا، ويقص عليها زيارة زارها متجسسا في بلجيكا، ~~فتقول: # فكتوريا ~~: # لم تقص علي ذلك؟ لقد كنت أتمنى لك عودا سعيد، وها أنت ذا تحيي في نفسي الندم! ~~كم ألحقت بوطني من الشر! وكم تلحق به من الشر أيضا! # بول ~~: # وما لدغة البعوضة في جلد الفيل؟ # ثم تخرج الأميرة، وتأتي «بولين»، فيشتد العتاب بينها وبين ابنها؛ ms147 لأنه آثر عليها هذه ~~المرأة، وأنها لفي ذلك إذ يأتي الجندي الألماني الذي يشارك بول في التجسس، فينبئها بأنه رأى ~~في النافذة امرأة أمرته بالألمانية أن يذهب إلى القرية فيعلن إلى السلطة فيها أن في هذا ~~البيت جاسوسا. # وإذن فقد حنثت الأميرة في القسم، وأخلفت الوعد، فحل دمها، ولكن بول يتردد مع ذلك في ~~قتلها، ولا يطمئن إليه إلا على كره منه، وتخرج أمه لتدعو الأميرة، فيسمع الرجلان طلق ~~المسدس، وتعود المرأة فتعلن إليهما أنها قد قتلت الأميرة، وأنها تعلم ما ينتظرها من موت، ~~ولا تطلب إلا شيئا واحدا، وهو أن تستخرج من حفرتها إذا عاد الفرنسيون إلى «لورين» فتدفن ~~في قبر، ويكتب عليه: «ماتت لأجل فرنسا.» # هذه هي القصة، ولعل ما نقلناه لك من أحاديثها يغني عن الشرح والتفسير. # | الدمية الجديدة # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «فرنسوا دي كوريل» # لست أدري أحدثك عن قصة من قصص التمثيل أم عن رسالة من رسائل الفلسفة، ولعلي أحدثك عنهما ~~جميعا، فإن القصة التي بين يدي الآن تمثيلية عرفت أكبر ملاعب باريس، وهي في الوقت نفسه ~~فلسفية، تناولت بالبحث والتحليل مسألة من أكبر المسائل التي تشغل الضمير الإنساني وتعذبه، ~~سواء أكان ضميرا فرديا أم اجتماعيا، وليس في ذلك شيء من العجب؛ فإن صاحب القصة هو ذلك ~~الذي حدثتك عنه في القصة الماضية؛ هو «فرنسوا دي كوريل» الكاتب الفرنسي. # وضع هذه القصة سنة 1895، ولكنه لم يقدمها إلى الملعب؛ لأنه أشفق أن تكون من الدقة والتعمق ~~في البحث الفلسفي بحيث تسبق عقل الجمهور، فاكتفى بنشرها في «مجلة باريس»، ولم تكد تنشر هذه ~~القصة حتى أعجب بها الناس، وحتى نالت لدى القراء والنقاد فوزا لا بأس به، ثم مضت الأعوام ~~فلما كانت سنة 1899 تحدث الكاتب مع زعيم من زعماء التمثيل في عرض هذه القصة على الجمهور ~~فأصلحها الكاتب، وغير منها، وأضاف إليها، ثم مثلت فكان الفوز عظيما، وأجمع النقاد أو كادوا ~~يجمعون على أن هذه القصة آية من آيات التمثيل تؤرخ العصر الذي وضعت فيه، وتدل ms148 على أن هذا ~~الفن سينتقل من طور إلى طور، فيختم القرن الماضي في طوره القديم، ويبتدئ هذا القرن في طوره ~~الحديث. ولم ينكر تفوق هذه القصة إلا ناقد واحد هو «سارسي»، ومع ذلك فقد اعترف بأنها قيمة ~~مؤثرة، ولكنه زعم أنها خليقة بالقراءة لا بالتمثيل، ويقول «فرنسوا دي كوريل»: إن هذا الحكم ~~لم يصدر عن إنصاف، وإنما صدر عن الهوى. # وضعت هذه القصة منذ أكثر من ربع قرن، ومع ذلك فلم ينسها الناس، ولم تعرض عنها ملاعب ~~التمثيل، بل ما زالت تمثل وتمثل في أكبر ملاعب باريس في «الكوميدي فرنسيز»، ولعل إعجاب ~~الناس بها، وفهمهم إياها في هذه الأيام أشد وأصدق منهما يوم مثلث لأول مرة، فقد ارتقى ~~الجمهور في هذه السنين الأخيرة ارتقاء عقليا ظاهرا، يمكنه من الوصول إلى دقائق هذه القصة ~~وأمثالها، ومهما يكن من شيء، فإن إعجابي بالجمهور الذي يفهم هذه القصة، ويكلف بها أشد من ~~إعجابي بالكاتب الذي وضعها، ونظم فصولها، وأحسب أن هذه القصة لو مثلت في مصر لما استمع لها ~~من الناس إلى نفر قليل، وقليل جدا، ولهذا ترددت قبل أن أختار هذه القصة موضوعا للحديث؛ ~~ذلك أن الجد فيها أكثر من الهزل، بل ليس فيها من الهزل شيء، وليس أمر الحب فيها ذا خطر، ~~وإذا شئت فقل إنه ذو خطر جليل، ولكنه حب علماء يخلو من هذه الرقة، ومن هذه الدعابة التي ~~تستخفك وتستهويك، فأنا أعرفك وأعرف أنك لا تطلب إلى الصحف السيارة دروسا علمية أو أحاديث ~~فلسفية جافة، وإنما تطلب ذلك إلى الكتب والمجلات والأساتذة، فأما كتاب الصحف فأنت تريدهم ~~على أن يسلوك ويلهوك في أوقات الفراغ، في القهوة، أو في الترام. وفي الحق أن هذه القصة لا ~~تسلي ولا تلهي، بل لا تكاد تحرك عواطف القلب، وإنما هي تهز العقل الإنساني هزا عنيفا، ~~وتحيي الشك حينا ما، وحسبك أنها تقرب بين الذكاء والإيمان، أو بين العلم والدين. # قلت إن الحب في هذه القصة حب علماء، ولست أغير هذا القول، ولا أعدل ms149 عنه، فسنرى أن الأشخاص ~~الممتازين في هذه القصة أربعة: رجلان، وامرأتان، فأما الرجلان، فعالمان من أكبر العلماء ~~يتعمق أحدهما في الطب، والآخر في علم النفس، وأما المرأتان، فإحداهما ليست عالمة ولكنها ~~كالعالمة؛ لأنها تستطيع أن تفهم هذين العالمين، وتناقشهما، وتلزمهما الحجة، والأخرى ليست ~~عالمة ولا شبيهة بالعالمة، ولكنها أبعد عن الحب ولذاته ودعابته من العلماء والفلاسفة؛ لأنها ~~تستعد لتكون راهبة، وهي تستعد لذلك بقلب ملؤه الدين والإخلاص. # فأنت ترى أن أحاديث الحب لا يمكن أن تكون عذبة، ولا مثيرة لتلك العواطف الخفية بين ناس ~~كهؤلاء الناس، وإنما هي أحاديث أرقى من هذا كله وأدق، ثم إن هؤلاء الأشخاص الذين لا أشك في ~~أنك ستحبهم، وتكلف بهم، وتعطف على بعضهم، هؤلاء الأشخاص ليسوا عاديين، ماذا أقول: إني ~~لأتساءل: أيمكن أن يوجد في حياتنا الواقعة أشخاص كهؤلاء يتحدثون كما يتحدث هؤلاء الناس، ~~ويعملون كما يعمل هؤلاء الناس، وأكاد أعتقد أن الكاتب لم يحاول تصوير ما هو كائن في الأرض، ~~وإنما استنزل المثل الأعلى من السماء فصوره تصويرا متقنا، ثم عرضه على الناس ليهيج شوقهم ~~إليه، ورغبتهم فيه، ولعله حاول مع هذا أن يحل هذه المشكلة العويصة، مشكلة الجهاد العنيف ~~المتصل بين عقل الرجل الكبير وشعوره. # فهل وفق إلى هذا الحل؟ أعتقد أنا أنه لم يحل المسألة، ولعل هذه المسألة لا تحل، وحسب ~~الكاتب مجدا، وحسبه من الفوز العلمي أنه قد استطاع أن يظهر لك بطريقة لا تحتمل شكا ولا ~~ريبا أن أشد الناس نبوغا في العلم، وتفوقا في حل معضلاته، وأشدهم مضيا في الإلحاد، ~~وإنكار الإله والدين خاضع كما يخضع أشد الناس جهلا، وأكثرهم إغراقا في الغفلة والذهول ~~لهذه العواطف التي تحمل على الخوف والإشفاق، والرحمة والحنان، والأمل في المستقبل، والطمع ~~في حياة أخرى بعد الموت، بل في جزاء للأعمال التي نأتيها في هذه الحياة، خاضع لهذه العواطف ~~التي ينشئها الدين في نفوسنا، فهو مجتمع شيئين متناقضين: عقل ملحد كل الإلحاد، وقلب مؤمن كل ~~الإيمان . # نعم وفق الكاتب إلى عرض هذه المسألة ms150 وإيضاحها، وسواء علينا أوفق إلى حلها أم لم يوفق، ~~فذلك شيء في نفسه ليس بذي خطر، وإنما الأمر كل الأمر أن نعرف أن أشد الناس ذكاء وأكثرهم ~~إلحادا مؤمن سواء أراد أم لم يرد؛ مؤمن لأنه إنسان ليس غير، ثم قد يكون إيمانه واضحا، وقد ~~يكون غامضا، وقد يكون موضوع هذا الإيمان جليا، وقد يكون خفيا، ولكنه مؤمن على كل حال، ~~يحتاج حين يغلب قلبه على عقله إلى أن يلجأ إلى قوة قاهرة يستمد منها الغوث والمعونة، فلننظر ~~بعد هذه المقدمة إلى القصة. # قلت إن أشخاص هذه القصة ليسوا عاديين، والحق أنهم جميعا ممتازون، فأولهم: «ألبير دونا» ~~طبيب قد نبغ في فنه، وأصبح موضع إعجاب قومه، بل موضع إعجاب العالم كله، تفاخر به فرنسا كما ~~تفاخر بنابغتها «باستور». والثاني: «لويز» امرأة هذا الطبيب، بارعة الجمال، شديدة الذكاء، ~~رقيقة القلب، حادة العاطفة. والثالث: «موريس كورميه» نابغة في علم النفس، يعمل فيه عملا لا ~~يعرف الملل، يستخدم التجربة، ويصل إلى نتائج عظمية القيمة، ويحاول أن يجعل علم النفس علما ~~حقا، ينتج كما تنتج العلوم الأخرى التي تم تكوينها. والرابع: «أنطوانيت ميلا» فتاة في ~~الثامنة عشرة من عمرها، فقيرة معدمة، يتيمة، جميلة جدا، شديد التأثير في نفس من يراها، ~~ولكنها مريضة، قد ألح عليها السل، فجزم الأطباء بأنها ميتة، وهي تستعد لحياة ~~الراهبة. ~~••• # فإذا ابتدأت القصة رأينا «لويز» جالسة في لبسة المتفضل، مرسلة الشعر تكتب، فتدخل عليها ~~أختها «جان» التي لم نسمها؛ لأن أثرها في القصة قليل، تنبئ «جان» أختها «لويز» بنبأ عظيم، ~~بخطب جلل يوشك أن يدك حولها كل شيء، وهو أن زوجها الطبيب متهم، يراد أن يقبض عليه، وأن ~~الناس جميعا يتحدثون بذلك، فإذا سألت «لويز» عما يتهم به زوجها، فإن التهمة شنيعة، ولكنها ~~تشرف المتهم، تشرفه أمام العقل وأمام العلم، وتجعله مجرما أمام القانون وأمام الضمير، وإذن ~~فقد خلق الموقف العسير الذي تدور عليه القصة، موقف التناقض بين العقل والعلم من جهة، وبين ~~القانون والضمير من جهة أخرى، ذلك أن ms151 «ألبير دونا» الطبيب قد اتخذ المرضى موضوعا لتجربة ~~مهلكة، فهو يبحث عن مصل يداوي به السرطان، وقد اضطره هذا البحث إلى أن يلقح «بميكروب» ~~السرطان بعض المرضى، فنجحت التجربة، وأصيب هؤلاء المرضى بهذه العلة المهلكة، فالتجربة في ~~نفسها خير، بل هي واجب علمي، بل هي واجب خلقي إنساني؛ لأنها وإن ضحت بطائفة من الناس فستضمن ~~البر والعافية للناس جميعا، فهي من هذه الجهة خير، ولكنها قتل، فهي جريمة ينكرها الضمير ~~والخلق والدين، ويعاقب عليها القانون، هذا هو الموقف أو هي العقدة كما يقول الممثلون، وليس ~~لهذه العقدة حل إلا أن تتطور الإنسانية، فينتصر العقل انتصارا مطلقا يخضع لسلطانه ~~القوانين، والأخلاق، والعرف، والأديان، أو ينتصر الضمير انتصارا مطلقا يمحو العقل ويزيل ~~آثاره. # ولكننا الآن في شغل عن هذه المسألة التي ستدرس فيما بعد؛ ذلك أن هذا الحديث بين الأختين ~~قد أظهر أن «لويز» لا تحب زوجها، أو أنها شقية كل الشقاء مع هذا الزوج؛ لأنها كانت تحبه ~~الحب كله، فلم تظفر منه بما يرضي قلبها وعواطفها؛ لأن هذا العالم شغل بعلمه وبحثه، وبره ~~بالمرضى والضعفاء عن امرأته، وعما يحتاج إليه قلبها وعواطفها وحبها، فعاشا معا عيشة أليمة، ~~لا يشعر الناس بما فيها من ألم، بل لا يشعر الزوج نفسه بما فيها من ألم، وإنما تألم هذه ~~الزوجة المسكينة وتتعذب دون أن يشعر بها أحد، أو يعطف عليها إنسان، وهي منذ عشر سنين في هذه ~~الحياة المرة، تجل زوجها وتكرمه؛ لأنه نابغة، ولأنه خير، ولكنها تشقى بجواره؛ لأنها لا تجد ~~عنده ما تريد، وهي تضطرب بين شرين؛ أحدهما: الوفاء لهذا الزوج المعرض اللاهي، وما يستتبعه ~~هذا الوفاء من ألم وضنك. الثاني: الحرية والاستمتاع بلذات الحياة، وإرضاء قلبها وعواطفها، ~~وميلها القوي إلى السعادة، وما يستتبعه هذا كله من الخيانة والغدر، ومخالفة الضمير، والخلق، ~~والدين. # موقف آخر عسير كالموقف الأول، كانت «لويز» تحاول أن تجد منه مخلصا، لا سيما وأن هنالك ~~شخصا ثالثا يحبها، ويكلف بها، ويظهر لها هذا الحب والكلف، وهي تميل إليه، ms152 ولا تجد غضاضة ~~في مجالسته، والتحدث إليه، وهذا الشخص هو «موريس كورميه» النابغة في علم النفس، والصديق ~~الوفي لزوجها، كانت إذن تنتهز الفرصة للتخلص من هذا الموقف، فقد سنحت الفرصة، أصبح زوجها ~~مجرما وهي لا تحبه، وإذن فستفارقه، وتسترد حريتها، وتشاطر صاحبها لذات الحياة، وإنها ~~لتتحدث في هذا كله إلى أختها إذ تدخل الخادمة، فتنبئ بأن فتاة أقبلت تريد أن تلقى الطبيب؛ ~~لأنها منه على موعد، فيؤذن لهذه الفتاة في الدخول؛ لأن «لويز» تفترض أن هذه الفتاة ضحية من ~~ضحايا زوجها، فتريد أن تتبين منها الأمر. تدخل هذه الفتاة وهي «أنطوانيت»، فتقص على الأختين ~~ما ذكرنا لك من أمرها، وتنبئهما بأنها قد شفيت أو كادت لحسن علاج الطبيب، وأنها أقبلت ~~تستشيره بعد أن كتبت إليه، فأذن لها في ذلك، ويأتي الطبيب فتنبئه أخت امرأته بما علمت من ~~أمره، وتطلب إليه أن يحتاط، وأن يخفي أوراقه قبل أن تأتي الشرطة للتفتيش، وكانا يتحدثان في ~~ناحية، فتعلم من حديثهما أمرين؛ الأول: أن هذه الفتاة ضحية من ضحايا الطبيب؛ لأنه واثق ~~بأنها ستموت، وإذن فقد اتخذها موضوعا للتجربة. الثاني: أنه سيخفي أوراقه عند صديق أمين هو ~~«موريس كورميه» الذي علمت من أمره مع لويز ما علمت، ثم تخرج «جان»، ويعنى الطبيب بهذه ~~المريضة، فيسألها عن أمرها، وتجيبه بأن صحتها جيدة، وأنها تحس كأنها تخلق خلقا جديدا، ~~ولكن دملا قد ظهر في جسمها لا يريد أن يشفى، ولا أن يفتح، ولهذا أقبلت تعرضه على الطبيب، ~~وقد علمت طبعا أن هذا الدمل هو السرطان، يفحص الطبيب صدر المريضة فكلما تقدم في الفحص اشتد ~~خوفه وذعره واضطرابه؛ ذلك لأنه يلاحظ أن هذه الفتاة قد برئت من مرض السل، وإذن فهو قاتلها؛ ~~لأنها ستموت بالسرطان. # الطبيب واله جزع، ولكنه يتجلد، ويسأل الفتاة في عنف عما اتخذت من دواء، فتجيبه بأنها لم ~~تتخذ إلا دواءه هو، وأنها قد اتخذت شيئا آخر تخشى أن تذكره، فيغضب الطبيب، شربت ماء «لورد» ~~- وهي قرية فيها ينبوع ظهر في القرن الماضي فقدسه ms153 الناس، وزعموا أن العذراء هي التي أخرجته، ~~إلى آخر ما هو معروف من أمره. # إذن فلم يبق شك عند الطبيب في أنه قاتل، وفي أنه يستحق عقاب القاتل؛ ذلك لأنه كان يعتقد ~~أن تجاربه ليست شرا، فهو لا يجربها إلا في أشخاص لا يشك في أنهم ميتون، وإذن فهو لم يكن ~~يجني على الإنسانية، بل لم يكن يجني على المرضى أنفسهم، أما الآن وقد برئت هذه الفتاة من ~~السل، فالأمر غير ذلك، قد جنى على الإنسانية فأفقدها بعض أفرادها، وجنى على هذه الفتاة ~~فأفقدها الحياة، وإذن فهو قاتل. # تتفق «لويز» مع هذه الفتاة على أن تقيم عندها لتعالج في البيت، ثم تخرج الفتاة، ويقف ~~الزوجان وجها لوجه، فانظر كيف يبتدئ بينهما الحديث: # لويز ~~: # إنك لقاتل! # ألبير ~~(في بطء) ~~: # نعم إني قاتل! # لويز ~~: # لا أعرف جريمة أدنأ من هذه! فتاة بائسة ليس لها عائل، وليس لها من يدفع عنها! # ألبير ~~: # لقد كانت ميتة! ولقد حاولت كل شيء في إنقاذها، ولقد وصلت من الفناء إلى حد أيأسني ~~من شفائها، وأقسم لو أن طبيبا أقبل فتنبأ لنا بأن صحتها قد تتحسن لوصفناه بالحمق! ~~لقد كنت أجرب في جثة هامدة، فلم أزدها ألما ولا حزنا، ولقد لقحتها ميكروب ~~السرطان، وهي في إغماء، فلم تشعر بشيء ... # أرى أني مجرم، ولكني أرى ذلك لأول مرة، لقد كنت مطمئنا الاطمئنان كله، إن الذين ~~شهدوا مثلي احتضار كثيرين ثم فكروا لا يستطيعون أن يؤمنوا بحياة أخرى، نعم! إذا ~~رأيت الكائن العاقل يفقد قليلا عقله وبهجته وشعوره، وكل ما يكون الشخص الإنساني ~~حتى لا يبقى منه على سرير الألم إلا شيء تعس، ذاهل، يصيح، إذا رأيت هذا شعرت بأنك ~~إنما تشهدين كائنا ينحل انحلالا مؤلما، لا شخصا يبتدئ سفرا مجيدا، وإذن ~~فنحن الذين يعلمون أن ليس بعد الموت حياة أخرى نجل الحياة ونقدسها أكثر مما يجلها ~~ويقدسها مؤمن متعصب، ونعتقد أن أشد الجرائم إنما هو أن نضيع ولو مخطئين على الحي ~~دقيقة من حياته التي ينتظرها الفناء، ولن تستطيعي ms154 أن تتصوري ما كنت أتخذ من حيطة ~~حتى لا تقصر تجاربي أجل المريض ولو ثانية واحدة. # ثم يدور الحديث بينهما على هذا النحو شديدا قاسيا مؤلما، حتى تبلغ «لويز» من لومها أن ~~تنكر عليه ثقته بعلمه، وترى أنه كان من الحق عليه ألا يجزم بأن مريضا سيموت؛ فقد تشفيه ~~معجزة، وهنا ينكر الطبيب المعجزات، ويشتد الجدال بينه وبين زوجه في ذلك، حتى تخرج لويز عن ~~طورها، فتقول له: ومهما تضرع إلى العلم هذا المعبود االجديد الذي يظلم العالم إن تقبل ضحيتك ~~الدموية، فإن هذا العلم نفسه يظهر كراهية بشعة لهذه الضحية، حياة واحدة تملك تقديمها إلى ~~العلم؛ هي حياتك! # فيدفع الطبيب عن نفسه بأنه كثيرا ما عرض حياته للخطر في مكافحة الأمراض المهلكة، ~~ويذكرها مرضا أصابه، وأشرف به على الموت، وأنها قد عنيت به في هذا المرض عناية ملؤها ~~الإخلاص؟ وينتقل بهما هذا الحديث إلى ما بينهما من صلة، فيذكر الطبيب أن امرأته لا تحبه، ~~ويحدثها بذلك، فيكون بينهما حوار مؤلم، تذكر «لويز» أنها كانت تحبه، ولكنه كان يزدريها، ~~ويذكر هو أنه كان يثق بها، ويعتمد عليها، ويعتز بعطفها في جهاده العلمي، تذكر له أنها فقدت ~~حبها إياه، ولكنها كانت تجله إلى اليوم، فيسألها عن رأيها فيه منذ اليوم، فتجيبه أنها ~~أصبحت تخافه؛ لأنه كان ينكر على المؤمنين المتعصبين ازدراءهم حياة الناس في سبيل الإيمان ~~والعقيدة، حينما هو يزدري حياة الناس في سبيل علمه دون أن يضمن لهؤلاء الناس ما يضمنه لهم ~~المؤمنون من حياة أخرى فيها الأمل والرجاء، وفيها السعادة والنعيم. ويستمر بينهما الحديث ~~حتى يعرض الطبيب على امرأته أن تسترد حريتها، فتقبل ذلك مترددة، وهنا تظهر عاطفة جديدة في ~~نفس هذه المرأة التي تكره زوجها وتخافه، تظهر عاطفة الخير والرحمة، ولكنها ليست واضحة. تحس ~~هذه المرأة في أعماق نفسها شيئا غامضا يأمرها ألا تترك هذا الزوج الذي ينصرف عنه الناس ~~جميعا، ويتركونه يعاني وحده سخط الجماعة، ووخز الضمير، وإنهما لفي ذلك إذ يدخل «موريس ~~كورميه» فينصرف الطبيب ليحضر ms155 الأوراق التي يريد أن يخفيها عند صاحبه، وينتهز الصديق هذه ~~الفرصة القصيرة ليتحدث إلى صاحبته في الحب، ولكن هذه الفرصة لا تطول فيعود الطبيب، ويكلف ~~صاحبه أن يعنى بما يدفع إليه من الأوراق، وهنا ينتهي الفصل الأول وقد عرض فيه موقف الأشخاص ~~جميعا أحسن عرض، وفصل أدق تفصيل. فأما الطبيب فهو يرى نفسه مجرما أمام ضميره بعد أن ~~استيقن شفاء «أنطوانيت» من السل، وهو جزع لهذا؛ جزع لأن امرأته تكرهه وتخافه، وهذه المرأة ~~ترى زوجها مجرما وقد كانت تكرهه وتخافه، ولكنها بدأت تعطف عليه دون أن تتبين ذلك من نفسها، ~~فأما «موريس كورميه» فهو يجل الطبيب ويكبره، وهو مع ذلك يحب زوجه ويدور حولها. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني ازدادت هذه المواقف وضوحا، تذهب «لويز» إلى معمل «موريس كورميه»، ~~فيريد هذا أن يتحدث إليها في الحب، ولكنها تنبئه بأنها تحبه غير أنها جاءت تلجأ إلى العالم ~~لا إلى الصديق، جاءت تلتمس عنده شفاء نفسها المضطربة، أليس نابغة في علم النفس؟ إذن ~~فليشفها، إنها مترددة بين الحرية التي هي حقها وبين العطف على زوجها، هذا العطف الذي هو ~~واجبها، لقد لجأت إلى الصلاة فلم تنفعها، فليشفها العلم إن لم يشفها الدين، ولكن العلم عاجز ~~عن شفائها؛ لأنه لم يتقدم بعد، وما زال ناشئا، وهو لا يعالج إلا المرضى، و«لويز» ليست ~~مريضة الجسم، وإنها لفي ذلك مع صاحبها إذ يقبل الطبيب فتستخفي حيث تسمع، وترى دون أن يراها ~~أحد، لذيذ جدا هذا الحوار القوي العنيف الممتع الذي يدور بين هذين العالمين، لذيذ يستحق ~~أن يترجم كله، ولكني مضطر إلى ألا أترجم لك منه شيئا إشفاقا من الإطالة التي بلغت حد ~~الإملال. # في هذا الحوار يظهر الجهاد بين العقل والقلب، بين العلم والدين، بين الذكاء والعاطفة، وقد ~~انتصرت العاطفة على الذكاء، وقد انتصر القلب على العقل، وقد ظفر الدين بالعلم، فإذا الطبيب ~~مؤمن بقوة لا يتبينها، وإذا ضميره مقتنع بأنه مجرم، ولكن هذا الانتصار ليس باهرا ؛ لأنه ~~نتيجة الضعف والاضطراب. يتحدث الطبيب إلى صاحبه، ms156 فما أسرع ما ينتهي بهما الحديث إلى وجود ~~قوة قاهرة تسمو إليها الإنسانية كلها، فيعترف الطبيب بهذه القوة، وينكرها النابغة في علم ~~النفس، ويشتد بينهما الجدال، فبينما يستدل الطبيب بمظاهر الطبيعة المختلفة، وميل الفطرة ~~الإنسانية والعقل الإنساني إلى الخلود والإيمان بالخلود، يجيبه صاحبه بأن هذا كله أثر من ~~آثار الضعف، ونتيجة من نتائج الاضطراب الذي هز قواه منذ أمس؛ ذلك لأن أشد الناس قوة، ~~وأمضاهم بصيرة، وأكثرهم إلحادا إذا دهمته الداهمات، وألمت به الملمات، وأعوزه النصير من ~~أبناء جنسه إلى قوة خفية يخلقها له الضعف، ويستحدثها له الوهم، ويصورها له حرصه على الأمل، ~~وجزعه من اليأس، فما أسرع ما يعترف الطبيب بأن هذا حق، ولكن هذا الاعتراف لا يحوله عن ~~يقينه، فهو يؤمن بأن هناك قوة وإن شئت فقل حقيقة عليا عامة تشمل حقائق الحياة كلها، هي ~~الصور المجملة المفصلة لكل ما هو كائن، يؤمن بذلك، وبأن الميل الطبعي للإنسان إنما هو السمو ~~إلى هذه الحقيقة العليا، يسمو إليها بقلبه تارة، فيؤمن دون بحث ولا تفكير، ويسمو إليها ~~بعقله تارة أخرى، فيؤمن بعد البحث والتفكير، يصل إليها الطبيب بواسطة طبه، ويصل إليها ~~الطبعي بواسطة بحثه الطبعي، ويصل إليها كل عالم بواسطة العلم الذي يشتغل به. # ولكن العلماء يقصرون بحثهم وهمهم على ما بين أيديهم من حقائق الحياة الدنيا، ولا بد لهم ~~من أوقات الشدة والمحنة لينتقلوا من حقائق هذه الحياة إلى الحقيقة العليا التي ينتهي إليها ~~كل شيء. ثم يصل بهما الحديث إلى ذكر امرأة مريضة كانت موضوع التجربة في علم النفس في هذا ~~المكان، فقدت هذه المرأة ابنا لها كانت تحبه، فخيل إليها أنها قاتلة ابنها، وضاقت عليها ~~لذلك سبل الحياة، فأقبلت إلى صاحبنا العالم النفسي تلتمس لديه الشفاء، ووجد هذا العالم ~~وصاحبه الطبيب وسيلة إلى شفائها، وهي أن أنامها العالم ووضع أمامها تمثالا يشبهها، ~~وأعطاها سكينا، وأنبأها بأن شخصيتها مضاعفة تتألف من امرأتين مختلفتين؛ إحداهما: أم تحب ~~ابنها، والأخرى امرأة غادرة قتلت هذا الابن، ثم قال لها العالم: ms157 دونك هذه القاتلة، انتهزي ~~نومها فاقتليها انتقاما لابنك، ففعلت، وكان ذلك شفاء لها. # قال «موريس» لصاحبه الطبيب: إن وجهك الآن يذكرني وجه هذه المرأة، فلك صورتها ونظراتها، ~~قال الطبيب: لم تخطئ لأني قتلت اليوم رجلا، وأنبأه بأنه في صباح هذا اليوم لقح بمرض ~~السرطان رجلا قويا صحيح البنية، ليس بالمريض، ولا المتعرض للموت، وذلك لتكون تجاربه ~~العلمية أصح وأصدق إنتاجا، ثم دفع إليه ورقة فيها ذكر هذه التجربة، ونتائجها الأولى، ~~وأنبأه بأنه سيدفع إليه في كل يوم نتائج تجاربه، وهنا اضطرب العالم النفسي، ولم يتردد في ~~اتهام الطبيب بالإجرام، فدفع الطبيب عن نفسه بأن هذا الرجل الذي قدم نفسه ضحية للعلم حر ~~في أن يحيا أو يموت، وأنه قد اختار الموت لا مكرها، ولا مخدوعا، ولا مضللا، وإنما اختار ~~الموت رغبة في العلم من جهة، وفي الخير من جهة أخرى، أراد أن يستفيد العلم، وأن يستفيد ~~الناس بعد ذلك، ثم انصرف الطبيب، وقد قال ذلك بصوت يملؤه البكاء. # فتخرج «لويز» من مخبئها مضطربة واجمة، قد أخذها شيء يشبه شوق الصوفية، فيحب «موريس» أن ~~يتحدث إليها، ولكنها تأبى، وتعلن إليه أن زوجها لم يقتل إلا نفسه، وأن هذا الرجل الذي ضحى ~~بنفسه للعلم والخير إنما هو «ألبير»، وأن قربه من الموت هو الذي حبب إليه ذكر الخلود ~~والحياة الآخرة، وأنه جاء يلتمس معونة صاحبه وعزاءه فلم يجد إلا جفاء العلم وقسوته، دعني ~~ألحق بزوجي! ثم تتركه، ويلقى الستار. # فهذا الفصل الثاني قد أوضح هذين الشخصين إيضاحا كاملا، فتم في نفس الطبيب انتصار ضميره ~~على عقله، وتم الاتفاق بين علمه ودينه، فهو مقتنع بأنه يجب أن يقتص من نفسه لهذه الفتاة ~~البريئة التي قتلها، وهو يقتص من نفسه فيلقح نفسه مرض السرطان، ويحقق بهذا التلقيح شيئين: ~~الانتقام، وتجربته العلمية، فسيصبح منذ هذا اليوم موضوعا لهذه التجربة، وسيموت بعد أشهر، ~~وقد أرضى علمه، فعرف نتيجة بحثه، وأرضى ضميره فانتقم لتلك الفتاة البريئة. # وأما زوجه فكانت مترددة بين الحرية، والعطف على زوجها؛ لأنها كانت ms158 تجهل هذا الزوج، فلما ~~سمعت له، وعرفت ما فعل بنفسه استقر رأيها، وتم أمرها على أن تؤثر الواجب على الحق، فنسيت ~~حبها «لموريس»، ونسيت حريتها، ولم تفكر إلا في زوجها الشهيد، فلحقت به تواسيه ~~وتعزيه. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث تم التفهم والاتفاق بين هذين الزوجين، فأنبأت «لويز» زوجها بأنها ~~تحبه؛ لأنها سمعت ما قال عند «موريس»، وأن حبها إياه لا يعرف حدا، فهي مستعدة لأن تتلقى ~~مرض السرطان، مستعدة لأن تتلقى شرا من هذا المرض، لا تريد من ذلك إلا أن تشعر بأن زوجها ~~يحبها. # وقد نسينا الفتاة البريئة التي نجت من السل فوقعت في السرطان، تقدم هذه الفتاة فتنبئ ~~الطبيب في لطف ورفق بأنها تعلم ما أصابها، وأنها سعيدة به، وأنها لا تأسف على شيء؛ لأنها ~~كانت قد وهبت نفسها للخير، كانت تريد أن تعطي حياتها قليلا قليلا للبائسين، فستعطي حياتها ~~للبائسين دفعة واحدة لا أقساطا، فهي لم تخسر شيئا، ولعلها ربحت شيئا كثيرا، وهي سعيدة ~~بالموت؛ لأنه سلمها إلى السماء. # وتنتهي القصة وهؤلاء الأبطال الثلاثة قد وصل كل واحد منهم إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه ~~البطل، فأما الطبيب فقدم نفسه ضحية للعلم، والضمير، والعدل راضيا مختارا، وأما الفتاة ~~فقدمت نفسها ضحية للإنسانية راضية مذعنة لحكم القضاء، وكل ما بينها وبين الطبيب من الفرق هو ~~أنها تثق بعدل الله في الحياة الآخرة، وأن الطبيب يحاول أن يثق بهذا العدل، أو إن شئت فقل: ~~يؤمن قلبه بهذا العدل، ويضطرب عقله في ذلك. وأما «لويز» فقد نسيت حريتها، وميولها، ~~وأهواءها، وعواطفها، وحبها، وقدمت نفسها ضحية للواجب، وللواجب وحده، تتمنى أن يكون نصيبها ~~كنصيب زوجها، وكنصيب هذه الفتاة البائسة، تتمنى لو تموت في سبيل الحب، وفي سبيل ~~الواجب. # فأنت ترى إلى هؤلاء الأشخاص كيف أحسن الكاتب تصويرهم، وكيف بلغ بكل واحد منهم إلى أقصى ~~مداه، ولكنك تستطيع أن تسأل عن «موريس»، هذا النابغة في علم النفس ما قيمته، وما خطره في ~~القصة ؟ ليس له قيمة ولا خطر، وإنما هو وسيلة ms159 اتخذها الكاتب ليظهر أبطاله، فلولا «موريس» لما ~~تكلمت «لويز»، ولما تكلم زوجها الطبيب، فهو إذن اختراع تمثيلي لا أكثر ولا أقل. # ولقد كنت أحب أن أظهرك بعد هذا التحليل الموجز على ما في القصة من جمال اللفظ، وحسن ~~الأسلوب، ودقة الحوار، ولكن أين السبيل إلى ذلك والقصة مكتوبة بالفرنسية، وإظهار هذا الجمال ~~كله يحتاج إلى ترجمة دقيقة طويلة، يضيق عنها وقتك ووقتي، وصحيفة السياسة. # | نشوة الحكيم # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «فرانسوا دي كوريل» # حدثتك مرة عن الكاتب الفرنسي «فرنسوا دي كوريل»، وعن قصصه التمثيلية، ولعلك تذكر أنا ~~رأينا لهذا الكاتب ميزتين؛ الأولى: أنه ممثل فيلسوف، فالجهاد الذي تشتمل عليه قصصه ~~التمثيلية لا يقع بين أشخاص، بل لا يقع بين آراء عادية قد ألفها الناس، وإنما يقع عادة بين ~~آراء فلسفية يمثلها أشخاص القصة تمثيلا صحيحا. الثانية: ميزة فنية خالصة، تذكرنا بكبار ~~الشعراء الممثلين من اليونان، و«بايسكيلوس» منهم بنوع خاص، وتذكرنا أيضا بقواعد الفن في ~~عصره اليوناني العظيم، وهي أن الكاتب لا يكاد يبدأ الفصل الأول من قصته حتى يعرض عليك موضوع ~~هذه القصة، ويبين لك العقدة التي يجب أن يمضي جهاد الأشخاص والحوادث في حلها، فلعلك تذكر ~~«أرض الجحيم»، وإنك لا تكاد تفرغ من الفصل الأول حتى ترى الجهاد قائما عنيفا بين هذه ~~الخواطر الكثيرة المختلفة: بين الحب والواجب، بين الخوف والرغبة، إلى آخر ما تحدثت به إليك ~~حين حللت هذه القصة. ~~«فرنسوا دي كوريل» إذن ممثل حقا، وفيلسوف حقا، ولكن فلسفته - كما قلنا غير مرة - ليست ~~فرحة ولا مبتهجة، وليست تقطر بشرا وسرورا، كما أنها ليست عابسة ولا محزونة، وليست تقطر ~~أسى ويأسا، وإنما هي وسط بين الابتهاج وبين اليأس، وهي إلى الحزن أقرب منها إلى السرور، ~~وإن شئت فقل إنها فلسفة تأخذ الناس على أنهم ناس، فلا ترفع قدرهم إلى حيث لا ينبغي، ولا ~~تحطه إلى حيث لا ينبغي، وإنما تعرف للناس مكانتهم، وتقدر لهم حظهم من الخير والشر ، ونصيبهم ~~من الفضيلة والنقيصة، ولا تحمد ولا تلوم، أو ms160 لا تسرف في الحمد واللوم، وإنما تسجل الأشياء ~~كما هي، وتريد أن ترضى عنها كما هي. هذه فلسفة «فرنسوا دي كوريل»، تجدها واضحة جلية في أكثر ~~قصصه التمثيلية، ولكني أريد أن أحدثك عن قصة لهذا الكاتب مثلت في بيت «موليير» آخر السنة ~~الماضية وهي «نشوة الحكيم»، أريد أن أحدثك عن هذه القصة، ولكني لا أدري كيف أحدثك عنها، وقد ~~كان يخيل إلي أني قصرت وحدي عن فهمها، وقدرها، والحكم فيها، ولكني لم أكد أقرأ آراء النقاد ~~الفرنسيين حتى رأيت أن الله لم يختصني بهذا القصور، وأن أكثر النقاد إن لم أقل جميع النقاد ~~قد وقفوا من هذه القصة موقف الدهش الحائر الذي لا يدري ماذا أراد الكاتب أن يمثل، وماذا ~~أراد الكاتب أن يعرض على الناس، رأى كل ناقد في القصة رأيا يخالف آراء النقاد الآخرين، ولم ~~توفق القصة من الفوز إلى ما وفقت إليه القصص الأخرى، ولكنها لم تفشل، فما زالت، فما زالت ~~تمثل الآن في «بيت موليير»، ولكن النقاد يختلفون في تأويل هذا الفوز القليل الذي نالته ~~القصة، فيلقى بعضهم تبعته على الممثلين، وربما ألقى بعضهم تبعته على الجمهور، ومصدر هذا أن ~~الكاتب لم يحدد موضوع القصة، ولم يبين الغرض الذي يسعى إليه، بيانا واضحا، ولم يحاول ~~أثناء القصة أن يجلو هذا الغرض، أو يحدد هذا الموضوع، وأكبر ظني أنه لم يرد إلا أن يتحدث ~~إلى الجمهور حديثا لذيذا ممتعا، مفيدا مضحكا من حين إلى حين، دون أن يكون قد قصد إلى ~~خلق جهاد قوي عنيف بين فكرتين فلسفيتين، أو بين مؤثرين من هذه المؤثرات المختلفة التي تدبر ~~الحياة، وإن زعم لنا ناشر القصة أن المؤلف سيضع لها مقدمة تفسيرية تبين أغراضها وموضوعها ~~بيانا مريحا، فلنسجل منذ الآن أن هذه القصة قد اختلف النقاد في فهمها، وذهبوا في تأويلها ~~المذاهب، ورضي عنها الجمهور، ولكنه لم يعجب بها إعجابا لا حد له، وأعلن المؤلف أن من أراد ~~أن يتبين غرضها وموضوعها فلينظر المقدمة التي سيضيفها إليها يوم يقوم بنشرها ms161 مضافة إلى قصصه ~~المختلفة، وليس هذا كله مما يحمل على الاعتقاد أن هذه القصة قد كانت آية من آيات الفن، أو ~~أثرا خالدا من آثار هذا الكاتب العظيم. # على أني أتعجل فأثبت أنك لا تكاد تقرأ فصلا من هذه القصة حتى يتنازعك شيئان مختلفان؛ ~~أحدهما: الإعجاب الشديد بجودة اللفظ، وبهذه الثروة الضخمة التي امتاز بها هذا الكاتب من ~~الآراء الخصبة المغنية المغذية التي تجدها في كل حوار، بل في كل جزء من حوار، والآخر: هذه ~~الحيرة التي تحملك على أن تسأل نفسك: ماذا يريد، وإلى أين يريد؟ فليس الجهاد قائما بين ~~رأيين، وإنما هو قائم بين آراء، وليس هذا الجهاد عنيفا، ولا حادا بحيث يحملك على أن ~~تتوقع الشر، وتستعد لهذه الهزات القوية التي تستأثر بك أمام كل جهاد عنيف، وليس هو من ~~الفتور واللين بحيث يحملك على أن تستسلم للممثلين، وتستعد للضحك واللذة، هو بين بين، يحملك ~~على أن تضحك، ويخيفك من أن تبكي، وهذه ميزة يجب أن تقدر، ميزة ترفع القصة عن الفتور، وإن لم ~~تصل بها إلى الحدة والعنف اللذين يميزان كبار القصص التمثيلية. ~~«بول سوترو» رجل غني، ضخم الثروة، له أرض واسعة، ومعامل كثيرة يعمل فيها كثيرون، تكاد ~~تبلغ ثروته المليارات، وهو قد نشأ فقيرا معدما، فتعلم من الفقر الصبر، واحتمال المكروه، ~~وتعلم من الفقر أيضا كيف يقدر الغنى، ويحسن القيام عليه، وتعلم من الفقر والغنى معا كيف ~~ينظر إلى الأشياء كما هي فلا يزدريها، ولا يغلو فيها؛ فهو فيلسوف، قد بلغ الستين من عمره، ~~ولكن حياته المنظمة التي لم يفسدها إفراط ولا تفريط قد حفظت له صحة موفورة، وقوة لا بأس ~~بها، بلغ الستين ولكنه شاب، وله ابنة أخت فقدت أبويها طفلة، واضطر هو إلى أن يكفلها، ~~فأنشأها فقيرة، أو خيل إليها أنها فقيرة، وأخفى عليها ثروته وغناه، وأخذها بما يأخذ به ~~الفقراء أبناءهم من ضروب الشدة والقصد في غير تقتير ولا حرمان، وأخذ يطوف بها في أقطار ~~فرنسا أثناء الإجازات المدرسية فلا ينزلها إلا ms162 في الفنادق المتوسطة، ولا يظهر لها قليلا أو ~~كثيرا من الثروة التي لا تكاد تعدلها ثروة في فرنسا، فلما بلغت طور الفتاة، وأتمت تعليمها ~~الثانوي أرسلها إلى باريس لتدرس في الجامعة، وأرسل معها مربية ترشدها، وتقوم منها مقام ~~الأم، هذه الفتاة تسمى «هرتانس». # اختلفت «هرتانس» إلى السربون، واختلفت بنوع خاص إلى دروس أستاذ في الفلسفة قد بعد صيته، ~~وكلف به الناس كلفا شديدا، فازدحمت غرفة درسه بالرجال والنساء وبالفتيان والفتيات على ~~اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، ولا سيما في هذه السنة؛ لأن موضوع الدرس كان غريبا، وكان من شأنه ~~أن يشوق الناس جميعا، ولا سيما النساء، كان موضوع الدرس في هذه السنة! «لم نحب؟» واسم هذا ~~الأستاذ الذي بلغ هذه المنزلة من بعد الصيت وهو بعد شاب لم يكتهل «روجيه ~~برميلان». # اختلفت «هرتانس» إلى درس الأستاذ فكلفت بالدرس، وشغفت بالأستاذ، وحملها هذا الشغف وذلك ~~الكلف على أن تلخص دروس الأستاذ، وتبعث بطائفة من هذه الدروس الملخصة إلى الأستاذ ليرى فيها ~~رأيه، فأعجب الأستاذ بالتلخيص، وكتب إلى الفتاة يحدثها بإعجابه، ويحثها على المضي في العمل، ~~ويطلب إليها أن تعرض عليه عملها من حين إلى حين، فكانت زيارات ومطالعات ومحاورات، ثم كان ~~الحب ينمو ويبسط سلطانه أثناء هذا كله على نفس الفتاة حتى تملك نفسها في يوم من الأيام أن ~~تنبئ أستاذها بما يملأ قلبها من حب وكلف به، فلم يتقبل الأستاذ هذا قبولا حسنا، بل أظهر ~~لها شيئا من الجفاء أهانها وآلمها، فانصرفت مكلومة، ولكنها أزمعت أن تملك قلب الأستاذ، وإذ ~~كان الأستاذ فيلسوفا، فليس من سبيل إلى امتلاكه إلا بالفلسفة وإذن فقد أخذت فتاتنا تضع ~~كتابا في الفلسفة موضوعه: «الحب وأثره في الحياة»، ثم كانت الإجازة، ودعاها خالها إلى أن ~~تلحق به في بيته، وكان بيته هذا قصرا فخما في غابة واسعة بعيدة الأرجاء، كان قصرا يلائم ~~ثروته الضخمة، فدهشت الفتاة حين رأت هذا كله، وأنبأها خالها بما كان قد أخفى عليها، وأعلن ~~إليها أنها ستنوب عنه منذ اليوم في تدبير ثروته ms163 الزراعية، وأنه سيفرغ لتدبير ثروته ~~الصناعية، وعرف خالها ما كان بينها وبين الأستاذ؛ فدهش لأن هذا الأستاذ صديقه، ولأن هذا ~~الأستاذ سيصل إلى القصر في اليوم نفسه، واعتزم أن ينظر في هذا الأمر، وإنهم لفي ذلك إذ أقبل ~~جار ينازع خالها في حدود أرضيهما، وهذا الجار شاب قوي، جميل المنظر، حسن الخلق، منطلق ~~المحيا، يعجب النساء، ويترك في نفوسهن آثارا حسانا، فكلف الخال ابنة أخته أن تناقش هذا ~~الجار فيما بينهما من خلاف، وتركهما منفردين، وكان بين الفتاة والفتى حوار عادي، ولكنه يدل ~~على أن هناك ميلا ممكنا قد يخلق بين هذين الفتيين صلة ما. # وكان الأستاذ قد وصل وتحدث إلى صديقه، وعرف منه هذا الصديق أنه يحب فتاة كانت تختلف إلى ~~درسه، ولكن أسبابا مالية وفلسفية منعته أن يتقبل هذا الحب حين أعلنته الفتاة إليه، فسأله ~~صديقه عما يصنع لو كانت هذه الفتاة غنية، فأنبأه بأنه يتردد في الاقتران بها؛ لأنه يخشى على ~~فلسفته الفقر، ثم يخشى على فلسفته الغنى، يخشى الفقر الذي يحول بينه وبين التفكير، ويخشى ~~الغنى الذي يشغله بتدبير الثروة عن مشاهدة الفلسفة، ثم يتركه صاحبه في هذا التردد، ويدخل ~~الأستاذ على الفتاة والجار وهما يتحدثان، وهو لا يعلم مكانهما، فيدهشه أن يجد هنا تلميذته ~~وحبيبته، ثم لا يلبث أن يعرف ثروتها، وأنها وارثة خالها، ثم يكون بينهما حوار في الحب ~~والفلسفة، والثروة والغنى، وما يمكن أن يحدث الزواج في الفلسفة من أثر حسن أو سيئ. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني كانت الخطبة قد تمت بين الأستاذ وتلميذته الغنية الفيلسوفة، ولكن ~~الجار قد كلف بالفتاة، ويظهر أن الفتاة لم تنصرف عن الجار، فأخذ هذا الجار واسمه «البارون ~~هوبير دي بيوليه» يتكلف العلل والمعاذير ليتردد على القصر، وأخذت الفتاة تستقبله استقبالا ~~حسنا، وتسمع لما يقول في شغف وإعجاب، وكان هذا الفتى على جمال خلقه، وقوة جسمه، رجل عمل ~~يكره التفكير الخالص والنظر العقيم، ويريد أن يكون كل شيء منتجا إنتاجا عمليا، وألا ~~يتكلم الإنسان ولا يتحرك إلا كانت ms164 لكلامه وحركاته آثار عملية ملموسة نافعة. # كان يحب الفتاة، وكان رجل عمل بالمعنى الصحيح، وكان الأستاذ يحب الفتاة، وكان رجل تفكير ~~بالمعنى الصحيح، وكانت الفتاة تحب الرجلين، أو يخيل إليها أنها تحب الفيلسوف لفلسفته ~~وذكائه، وتميل إلى رجل العمل لعمله وحسن خلقه، ولكن الفيلسوف كان بفلسفته وتفكيره في شغل عن ~~الفتاة وجمالها وقلبها وعواطفها، كان يحبها حبا فلسفيا، كان يحب عقلها أو كان يحب نفسه ~~في هذا العقل؛ لأنه كان يرى الفتاة متأثرة بفلسفته، وكان يراها ذكيه، فكان يحب فيها ذكاءها، ~~وكان يحب فيها صورته الفلسفية، كان إذن مشغولا بالفلسفة عن الحب، ولم يكن رجل العمل ~~مشغولا بعمله عن الحب، وإنما كان يحب لأنه رجل عمل، وكان الحب عنده عملا من الأعمال، ~~وكانت الفتاة مضطربة بين هذين الرجلين، فلم يكن بد من أن يجتمعا بمحضر منها، وأن يتحاورا في ~~الحب، يجتمعان ويتحاوران، ويحل الحوار المشكلة أمام الفتاة. # يسأل رجل العمل: لم تحب؟ فيجيب: لنلد، يسخر الفيلسوف من ذلك، فيشتد بينه وبين رجل العمل ~~حوار ينهزم فيه الفيلسوف؛ لأنه يكبر فلسفته أن يناقش فيها من لا علم له بها، ويخلو «هوبير» ~~بالفتاة، فيتحاوران ويتحدث كل منهما بحياته إلى الآخر، فيظهر بينهما شيء هو الحب، ولكن ~~الفتاة لا تريد أن تسميه هذا الاسم، ولا تريد أن تفكر فيه؛ لأنها مخطوبة، ولأنها قد وعدت ~~بالوفاء لأستاذها الفيلسوف، تنكر حبها لهذا الشاب، ولكن هذا الحب يملؤها، ويتسلط عليها، ~~فإذا أخذ الأستاذ يتحدث إليها في الفلسفة بعد حين انصرفت عنه، قائلة في سخرية: دعني فإني ~~أريد أن أجني بعض الأزهار. يظل الأستاذ متصلا بفلسفته وحبه الفلسفي، ويعمل في نفس الفتاة ~~رجل العمل وصورته، وبلاؤه في الصيد، وحياته المنتجة المملوءة، وصحته القوية المعجبة، فلا ~~تكاد تنام الليل، أما رجل العمل فلا يذوق طعم النوم. # فإذا كان الفصل الثالث ظهر ظهورا جليا سأم الفتاة، وانصرافها عن الحب الفلسفي؛ لأنها ~~تشعر بعواطفها وميولها وشهواتها، وترى أن الفلسفة والذكاء الخالص لا يرضيان هذه العواطف، ~~ولا هذه الميول، ولا هذه ms165 الشهوات، وهي في الوقت نفسه شريفة وفية، لا تريد أن تغدر، ولا أن ~~تنكث، فتحاول أن تستصبي عاشقها الفيلسوف، وتذكره أن الحب يستطيع أن يعيش على الأرض كما ~~يستطيع أن يعيش في السماء، وبأن العقل وحده ليس مصدر الحياة ولا غايتها، وبأن في الجسم ~~وجماله مدعاة للذة والصبا. تحاول ذلك فتتكلف ما يصبي، وتلقي بنفسها عارية في فسقية في ~~الحديقة أمام الأستاذ يراها وتتجاهل أنه يراها، فلا تكاد تفعل ذلك ولا يكاد الأستاذ يرى ~~منها ذلك حتى ينصرف وجهه إلى كتاب في يده، ويولي مدبرا. فاقدر أنت ما يحدث هذا الانصراف في ~~نفس الفتاة من ألم وأسف ويأس، ولكنها تخرج من الماء، فتشعر بأن عينا مختبئة تلحظها من كثب، ~~فيملكها الحياء، وتعدو إلى القصر حيث تجد مربيتها، فتتحدث إليها بما فعلت، وما حاولت، وما ~~رأت، وتتحدث إليها بأنها تخشى أن يكون رجل العمل هو الذي كان يلحظها من كثب، وهما كذلك إذ ~~يقبل رجل العمل، فلا تشك في أنه كان يلحظها فتوسعه لوما، وتأنيبا، وتظهر الحوادث أن الرجل ~~قد كان بريئا مما اتهم به، وأن الذي كان يلحظها إنما هي امرأة تعمل في أرض خالها، ولكن ~~الحب بينها وبين الشاب يقوى وينمو، ويشتد سلطانه، وإن حاولت الفتاة أن تخلص من هذا ~~السلطان. # يحس خالها ذلك فيحاول أن يلفت الأستاذ الفيلسوف، وأن يستنزله من سماء الفلسفة إلى أرض ~~الحب، فينزل ولكن قليلا ينزل، ولكن ريثما أن الحب والفلسفة شيئان لا يتفقان، فلا يلبث أن ~~يصعد إلى السماء، ولا يلبث أن يضحي بعواطفه وأهواء نفسه وحبه في سبيل الفلسفة، فيخطب الفتاة ~~لهذا الشاب، وتقبل الفتاة، ويقبل الشاب، ويرضى الخال، ويسافر الأستاذ. # هذه القصة لخصتها تلخيصا شديد الإيجاز مخلا بكثير من معانيها، مضيعا لكثير مما فيها ~~من الآراء القيمة، فلم أترجم لك منها شيئا، ولم أتل عليك منها حوارا، وأحسب أنك قد ألممت ~~بها إلماما، وأحسب أنك تشعر معي بأن هذه القصة تبعث الحيرة في نفس من يقرؤها، ومن يشهدها، ~~فماذا أراد الكاتب؟ ms166 أأراد أن يقارن بين الفلسفة والعمل، وأن يفضل العمل على الفلسفة؟ فإن ~~أراد هذا فقد ظلم الفلسفة؛ لأنه مثلها تمثيلا سيئا، ووضع الأستاذ الفيلسوف موضعا مضحكا، ~~يشبه موضع الفلاسفة الذين يسخر منهم «موليير»، وغير «موليير» من الممثلين المضحكين. وقد كان ~~الإنصاف يلزمه أن يمثل الفلسفة تمثيلا صحيحا كما مثل العمل تمثيلا صحيحا؛ حتى تكون ~~نتيجة الخصومة بينهما مقنعة للقراء أو للنظارة، أم أراد أن يدرس نفس هذه الفتاة، وأن يبين ~~أن الحب الفلسفي الذي لا يطمع إلا في الذكاء، ولا يرغب إلا في اتحاد الميول العقلية الخالصة ~~ضعيف الأثر في نفوس النساء؛ لأنه يهمل أشياء لم تهملها الطبيعة: يهمل القلب، والعاطفة، ~~والحس؟ فإن كان أراد هذا فليس هذا بجديد، وإنما هو شيء مألوف قاله الناس، وأكثروا من الخوض ~~فيه، أم أراد الأمرين جميعا؟ أم لم يرد شيئا منهما، وإنما حاول أن يعرض على قرائه ونظارته ~~طائفة من الخواطر والآراء ليست متسقة ولا متصلة، فتكلف لها صورة القصة التمثيلية ليوجد ~~بينها الاتساق والاتصال؟ ذلك ما أظن، وأرى أن الكاتب إن كان قصد إلى هذا فقد وفق توفيقا لا ~~بأس به، ولكنه لم يحسن إلى التمثيل، فإن التمثيل لا يقصد به إلى عرض الخواطر والآراء، وإنما ~~يقصد به قبل كل شيء إلى تصوير الحياة الواقعة، أو إلى تصوير المثل الأعلى للحياة تصويرا ~~يملك على الجمهور قلبه وهواه، ويوجهه إلى الطريق التي يريد الكاتب أن يتجه إليها، وليس من ~~شأن هذه القصة أن تترك في نفس الجمهور مثل هذا الأثر، ولكن من شأنها أن تعجب القارئ، وتلذه، ~~وترفه عليه، وقد كان خليقا بها أن تبسط في كتاب لا في قصة تمثيلية. # | بينيلوب # لم يطل ليلي ولكن لم أنم # ونفى عني الكرى طيف ألم # ولكنه لم يكن طيف هند، ولا عبدة، لم يكن طيف عربية، ولا مصرية، ولا أوروبية، وإنما كان ~~طيف امرأة بقي اسمها في ذاكرة الإنسانية، وذهبت بشخصيتها الغير والأحداث، ولعلها لم توجد ~~قط، ولعل التاريخ لم يعرف من أمرها قليلا ولا ms167 كثيرا، ومع ذلك فقد قضيت الليل أفكر فيها، ~~بل أسمع إلى حديثها ومناجاتها، هادئة مرة، ثائرة مرة أخرى، يملؤها الحنان حينا، وتملكها ~~الوحشية حينا آخر، قضيت الليل أفكر فيها، وأسمع لأحاديثها ونجواها حين كانت تتحدث إلى ~~خدمها، وحين كانت تتحدث إلى عشاقها، وحين كانت تتحدث إلى مرضع زوجها، وحين كانت تناجي ~~الآلهة متلطفة آنا، ومحنقة آنا آخر، ثم حين كانت تناجي خيال زوجها الغائب، وتتحدث إلى ~~زوجها وقد آب بعد غياب طويل، قضيت الليل أفكر فيها وأستمع لحديثها، وأعجب بقدرة الفن، لا ~~أقول على إحياء من مات، وتجديد ما اندثر، بل على خلق ما لم يوجد، والتخييل إليك أنه قد وجد ~~وأثر في الحياة آثارا أبقى من أن ينالها الفناء، لم يكن هذا الطيف طيف عربية، ولا مصرية، ~~ولا أوروبية، وإنما كان طيف يونانية، كان طيف «بينيلوب» زوج «أولس» بطل «الأودسا». # سمعتها أمس في دار من دور الموسيقى، «في الأوبرا كوميك» تتغنى عشقها ولوعتها، وحزنها لبعد ~~من أحبت، وجزعها لقرب من كرهت. ففتنت بها، ولم أفارق صوتها ولا عواطفها طول الليل، وجزءا ~~غير قليل من النهار. # لست أدري أقرأت «الأودسا» أم لم تقرأ، وأنا أسمح لنفسي بهذا الشك؛ لأني أعلم علم اليقين ~~وتجربة أن الأدب اليوناني سيئ الحظ في مصر، وأن سوء حظه قد بلغ من الشدة إلى حيث لا نستطيع ~~تقديره، أو تقدير عواقبه السيئة، نجهل الأدب اليوناني، لا أقول جهلا تاما، بل أقول جهلا ~~فاحشا مخزيا، لا يليق بقوم يحبون الحياة، ويطمعون فيها. نجهل هذا الأدب جهلا فاحشا بحيث ~~نستطيع أن نحصي المصريين الذين يعلمون ما «الأودسا»، وما «الإلياذة»، ومن «أوليس»، ومن ~~«بينيلوب»، ومع ذلك فقد كانت «الأودسا» و«الإلياذة»، وما زالتا وستظلان دائما ينبوع الحياة ~~للأدب والفن: للشعر، والنثر، والنحت، والتصوير، والتمثيل، والموسيقى. بليت القرون ولم تبل ~~«الإلياذة» و«الأودسا»، فنيت الأمة اليونانية، وفنيت الأمة الرومانية، واختلفت العصور ~~والظروف على أوروبا في العصر المتوسط وفي العصر الحديث، وستفنى أمم وتختلف عصور وظروف، وتظل ~~آيات «الإلياذة» و«الأودسا» جديدة خالدة، محتفظة ms168 بقوتها وبهائها، ورونقها على وجه الدهر ~~وتعاقب الأحداث، ولا نكاد نحن نفترض وجود «الإلياذة» و«الأودسا»، فإذا افترضنا وجودهما فلا ~~نكاد نعلم بشيء مما فيهما. # إلى هذا الحد وصلنا من الجهل بمصدر الحياة للأدب والفن، ويظهر أنا إذا لم نستطع أن نمعن ~~النظر في هذا الجهل أكثر مما أمعنا، فليس وراء هذا الحد مطمع لمن يحب الجهل، ويرغب فيه، ~~أقول إذا لم نستطع أن نمعن في هذا الجهل أكثر مما أمعنا فيظهر أنا لا نريد ولا نحاول أن ~~نخلص منه قليلا أو كثيرا. يظهر أنا سنظل على ما نحن فيه من الأدب اليوناني والفن ~~اليوناني؛ لأنا نرى كل شيء يتغير في مصر، ونرى الرقي يتناول كل شيء إلا التعليم، فهو بحمد ~~الله باق حيث كان؛ لأن المشرفين عليه لا يفكرون في تغييره، ولعلهم غير قادرين على أن ~~يفكروا في تغييره. سيظل تلاميذنا يخلطون بين أثينا وصقلية كما يخلطون بين الإسكندرية ~~وهانيبال. # ولكني بعدت عن هذا الطيف الذي أرقت له آخر الليل بعد أن طربت له أول الليل، قلت: إن ~~«الأودسا» و«الإلياذة» كانتا وستظلان ينبوعا للحياة الأدبية والفنية، فقد ألهمتا شعراء ~~اليونان على اختلاف فنونهم وأساليبهم، وألهمتا الفنيين من اليونان، بل ألهمتنا فلاسفة ~~اليونان، وكذلك صدر عنهما شعراء الرومان، وكذلك صدر عنهما، وما زال يصدر عنهما شعراء ~~الإفرنج منذ القرن السابع عشر إلى ما شاء الله. # ولقد كانت القصة الموسيقية التي شهدتها أمس أثرا من آثار «الأودسا»، اجتمع فيه جمال ~~الشعر، وجمال الموسيقى، وجمال الغناء، وجمال الفن الآلي في التمثيل. فكنت تجد لذة لا تعدلها ~~لذة حين تسمع أصوات الآلات الموسيقية وألحانها واختلاف نغمها الذي كان يرق حتى لا يكاد ~~يسمع، وكان يغلظ حتى يكاد يصم السامعين. وكنت تجد لذة لا تعدلها لذة حين تسمع هذه الأصوات ~~الإنسانية العذبة الرخيمة تمازج نغم الموسيقى متغنية بهذا الشعر الجميل الرقيق الذي يمثل ~~أرق العواطف الإنسانية وأصدقها، وأدناها من الوفاء والحب والإخلاص. وكنت تجد لذة لا ~~تعدلها لذة حين تسمع هذا كله وتنظر إلى مسرح ms169 التمثيل فترى هذه الجزيرة اليونانية القديمة ~~كما وصفتها «الأودسا» في جمالها القديم الرائع الذي يزيده بهجة وسحرا ما اتخذه الممثلون من ~~أزياء، وما اصطنعوا من آنية ومتاع. # كنت تجد لذة حين كنت تسمع ما تسمع وترى ما ترى، ولم يكن ينقص عليك هذه اللذة إلا أنها ~~كغيرها من جميع لذات الحياة قصيرة محدودة المدى لن تتجاوز ساعة أو ساعتين؛ ذلك - فيما أعتقد ~~- أخص ما تمتاز به اللذة الحقيقية التي تملك عليك نفسك وعواطفك وتسحرك السحر كله. تمتاز هذه ~~اللذة بأنك تشعر حين تشعر بها بشيء من الحزن يصاحبها؛ لأنها ستنقضي بعد حين طويل أو قصير، ~~وأنت تحب ألا تنقضي، وأنت تود لو كانت خالدة، أو لو انقضت بانقضائها الحياة. # اشترك في هذه القصة الموسيقي الفرنسي «جبرئيل فوريه» والشاعر الفرنسي «رينيه فوشوا»، ~~ومثلت منذ عشر سنين فأعجب بها الجمهور وابتهج لها الناقدون، ولكنهم لم يجرءوا على أن ~~يحكموا لها أو عليها؛ ذلك لأن فيها شيئا من الغرابة كثيرا، فهي لا تمثل الحياة في عصر ~~نفهمه فهما يسيرا سهلا، وإنما تمثل الحياة في عصر بعيد منا كل البعد، بل لعل هذا العصر ~~لم يعرفه التاريخ، وإذن فليس من اليسير أن نحسها نحن كما نحس الحياة التي نحياها، بحيث ~~تتأثر بها نفوسنا، وتهتاج لها عواطفنا، فتبعث فينا ضروب الإحساس والشعور التي تبعثها فينا ~~الحياة الواقعة. # تردد الناس في الحكم لهذه القصة أو عليها، ولكن كانت الحرب العظمى، فهزت النفوس ~~والعواطف، وسهلت على الناس فهم هذا الشعر القصصي القديم الذي مثل ما أصاب الإنسان من ~~محن فأحسن تمثيله، وصور ما اختلف على حياة الأفراد والجماعات من أحداث فأجاد التصوير. ~~فلما استؤنف تمثيل هذه القصة لم يتردد أحد، ولم يشك إنسان، وإنما ظهر الإعجاب صريحا ~~قويا لا يعدله إعجاب، فأجمع الناقدون على أن هذه القصة آية من آيات الموسيقى الفرنسية، ~~وكان يكفي أن ترى الجمهور أمس، لتعلم أن الناقدين لم يخطئوا ولم يسرفوا. # عزيز علي أن أجهل الموسيقى، وأن يضطرني هذا الجهل إلى ألا أتحدث ms170 إليك بجمال هذه القصة ~~من الوجهة الموسيقية، ولكني إذا جهلت الموسيقى وعجزت عن الحديث فيها، فإني أحسها وأشعر بها، ~~وأستطيع أن أعلم أني سمعت شيئا طربت له، أو سمعت شيئا نفرت منه، وأشهد أني لم أنفر أمس، ~~بل إني لم أطرب أمس، وإنما سحرت سحرا ليس فوقه سحر. # أشهد أني لم أكن أشك حين كنت أسمع هذه الموسيقى أني في جزيرة «إيتاك» وأني بمحضر من ~~أولئك الأبطال القدماء، بل أشهد أني حين كنت أسمع هذه الموسيقى لم أكن في حاجة شديدة إلى أن ~~يصف لي واصف ما يمثله المنظر من هذه الجزيرة المشرفة على البحر التي يغمرها هواء رقيق ~~ناعم شفاف، والتي تزدان بكثبانها، وتلالها الصغيرة تهبط إلى البحر متدرجة قليلا ~~قليلا. # نعم، لم أكن في حاجة شديدة إلى أن يوصف لي المنظر؛ لأن الموسيقى كانت تغنيني عن هذا ~~الوصف، فكنت أحس في الموسيقى القرب من البحر، وكنت أسمع في الموسيقى أمواج البحر تضطرب ~~وتصطخب رقيقة حينا كأنها حديث العاشقين، غليظة حينا آخر كأنها قصف الرعد، وكنت أجد في ~~الموسيقى رقة الهواء ونعومته، وكنت أسمع هذه الموسيقى فلا أشك في أن الجو كان صافيا ~~رائقا، أو أنه كان كدرا يهيئ للعاصفة. # كنت لا أشك في شيء من هذا، وكنت لا أشك في شيء آخر هو أجل من هذا خطرا وأعظم شأنا، ~~كنت لا أشك في أن هذه القطعة الموسيقية تمثل ما يحدث في نفسي الآن من اضطراب العواطف ~~واصطخابها وما يقع بينها من تنازع ومشادة، وكنت لا أشك في أن هذه القطعة الأخرى تمثل ~~الضعف الذي ليس بعده ضعف، تمثل هذا الضعف الذي يسلبك كل قوة على المقاومة، ويجعلك غير ~~قادر إلا على أن تفتح جفنيك لتسقط منهما قطرات الدمع متتابعة منهمرة! نعم وكنت لا أشك في أن ~~هذه القطعة الأخرى تمثل الغيظ والحنق، هذا الغيظ الذي تنقبض له أعصابك، فإذا جبينك مقطب، ~~وإذا الدم يغلي في رأسك، وإذا أنت قد أطبقت يديك، وإذا أنت تقاوم هذا الميل الشديد الذي ms171 ~~يدفعك إلى أن تهب وتهجم على فريستك. لم أكن أشك في شيء من هذا؛ لأني كنت أحسه، وأنتقل فيه ~~من طور إلى طور، بل هناك ما هو خير من هذا، هناك هذه القطع الموسيقية التي تبعث في نفسك ~~شيئا من الحنان والرحمة، ومن الطمأنينة والدعة، لا أستطيع أن أصفه، ولا يستطيع إنسان أن ~~يصفه؛ لأن وصفه لم يتح للجمل والألفاظ، وإنما أتيح للأنغام والألحان وحدها. # ولكني عاجز - كما قلت - عن أن أصف جمال هذه القصة من الوجهة الموسيقية، أفتريد أن أصف ~~جمالها من الوجهة الأدبية؟ لقد كنت أحب ذلك، وأرغب فيه، ولكن أليس خيرا من هذا الوصف الذي ~~لا يمكن إلا أن يكون موجزا مختصرا أن ترجع إلى هذا الجمال في أصله، وأن تستقيه من ينبوعه، ~~فتقرأ النشيد الرابع والعشرين من «الأودسا»؟ تجد في هذا النشيد قصر الملك «أوليس» قد غاب ~~عنه صاحبه منذ عشر سنين؛ لأنه ذهب إلى «ترواده»، وانتصر فيها، فلما أراد العودة إلى بلده ~~عبث به، وبأسطوله «بوزيدون» إله البحر، فأضله الطريق، وأخضعه لطائفة من المحن، وبينما كان ~~الملك وأصحابه يخضعون لعبث «بوزيدون»، وغيره من الآلهة كانت الملكة «بينيلوب» تنتظر زوجها ~~في لوعة وحسرة، وفي حب ووفاء، وكانت طائفة من زعماء اليونان قد احتلت قصر الملك، وأخذت تعبث ~~بما فيه ومن فيه، فتأكل شاء الملك وثيرته كما تقول القصة، وتشرب خمره، وتعبث برقيقه، وتلح ~~على الملكة في أن تختار من بينها رجلا يكون لها زوجا، فيخلف «أوليس» على ملك «إيتاك»، ~~كانت هذه الطائفة تلح والملكة تقاوم، فلما أعيتها المقاومة أخذت تراوغ، فأعلنت إلى هؤلاء ~~أنها ستختار من بينهم زوجا إذا فرغت من نسج كفن أخذت نفسها بنسجه لأبي زوجها، وقبل الزعماء ~~منها ذلك، فأخذت تنسج الكفن يومها حتى إذا كان الليل نقضت ما أبرمت، ثم تستأنف النسج إذا ~~أصبحت والنقض إذا أمست والزعماء ينتظرون، ويعبثون بالقصر، وما فيه، ومن فيه. ~~••• # فإذا كان الفصل الأول من القصة ظهر خادمات القصر يغزلن ويتحدثن فيما بينهن، وحديثهن لذيذ، ~~فهن يغنين ms172 ما هن فيه من ألم وحرمان، وهن يتغزلن بجمال الزعماء، وترغب كل واحدة منهن في واحد ~~منهم، وهن يرثين للملكة، وينكرن عليها غلوها في الوفاء، وإنهن لفي ذلك إذ يقبل الزعماء ~~يريدون أن يتحدثوا إلى الملكة، وتأبى الخادمات إنباء الملكة بمكانهم؛ لأنهن لا يستطعن أن ~~يدخلن عليها إلا إذا دعين، وبينما الزعماء في حوار مع الخادمات تقبل مرضع الملك فتمانعهم، ~~ويكون بينها وبينهم حوار ومسابة، ثم تقبل الملكة، فيشتد الخلاف بينها وبين الزعماء تهينهم، ~~وتنعي عليهم، وهم يتملقونها، ويتلطفون بها، تمانعهم وتأبى عليهم ما يريدون، وهم يلحون عليها ~~في أن تسرع، فتختار من بينهم زوجا، ثم يقدم شيخ رث فان يطلب الصدقة والمأوى، فينبذه ~~الزعماء، وتؤويه الملكة، وهذا الشيخ هو «أوليس» قد وصل إلى جزيرته، وأمرته الآلهة «أتينا» ~~أن يتنكر ويحتال في طرد الغاصبين، والانتقام منهم ... لا تعرفه الملكة، ولكن المرضع تعرفه، ~~وتعاهده على أن تخفي أمره، ينصرف الزعماء، وينصرف الشيخ إلى طعامه، وتبقى الملكة وحدها، ~~فتنقض ما نسجت، ولكن الزعماء كانوا قد رصدوا لها فاستكشفوا حيلتها، فيغيظهم ذلك، ويعلنون ~~إلى الملكة أن الغد لن ينقضي حتى تكون قد اختارت لها زوجا، ثم ينصرفون، تخرج الملكة ومرضع ~~الملك لتذهبا إلى شاطئ البحر كما اعتادت منذ سنين تترقبان سفينة ما لعلها تقبل، وعلى ظهرها ~~الملك، ويتبعهما الشيخ. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني رأيت رعاة الملك يتحدثون فيما بينهم، ويتمنى بعضهم لبعض ليلا ~~سعيدا، ويتغنون جمال الطبيعة وسحرها، ثم تقبل الملكة ومن معها فيكون بينها وبين الشيخ حديث ~~بديع، يظهر فيه ما يضمر الزوجان من حب ووفاء، ومن لهفة ولوعة، ولكن الملك يخفي نفسه، فإذا ~~سئل عن أمره أخبر بغير الحق، واتخذ هذا الأخبار وسيلة إلى التغزل بزوجه من طرف خفي، ولكن في ~~جمال ورقة، وحسن مدخل، ثم تجزع الملكة إشفاقا من غد، فيقترح عليها الشيخ أن تعلن إلى ~~الزعماء أنها ستختار من بينهم من يستطيع أن يشد قوس «أوليس»، ثم تنصرف الملكة، ويتعرف الملك ~~بعد ذلك إلى رعاته، ويأمرهم أن يكونوا في ms173 القصر غدا، وأن يتخذوا السلاح ليعينوه على ~~الانتقام. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث رأيت الملك وحده يتغنى غضبه وسخطه، وحرصه الشديد على الانتقام، ثم ~~يكون بينه وبين مرضعه ورعاته أحاديث قصيرة، ثم يقبل الزعماء وقد تهيئوا للقصف واللهو، ~~فيسخرون من الشيخ، ويريدون طرده، ثم يبدو لهم فيتخذونه سخرية، يسقونه ويضحكون منه، ويظهر ~~الشيخ أنه سكران، وتقبل الملكة فتعلن إليهم أن من شد قوس «أوليس»، ورمى عنها فهو زوجها، ~~فيعجزون، ويتقدم الشيخ الفاني إلى القوس فيشدها، ويرمي عنها، ولكن في صدر أحد الزعماء، هنا ~~يظهر الملك نفسه، وينتقم لشرفه، وثروته، وملكه، يعينه الرعاة على هذا، ثم تنتهي القصة بمظهر ~~الحب والغبطة بينه وبين الملكة من جهة، وبينه وبين الشعب من جهة أخرى. # فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب، وأنها من السذاجة والسهولة بحيث تلائم القرن التاسع ~~أو العاشر قبل المسيح، أيام أنشئت «الإلياذة» و«الأودسا»، ولكني أضمن لك لذة عظيمة إذا قرأت ~~هذه القصة، ولذة لا حد لها إذا قرأتها في «الأودسا». فأما إذا شهدت القصة الموسيقية في ~~«الأوبرا كوميك» فلست أدري ماذا أضمن لك، وإنما أحدثك صادقا بأني قضيت ليلة سعيدة، كنت ~~أحسبني أثناءها في عالم آخر، ولم أتنبه إلى أني في الأرض إلا حين سمعت ابنتي تتغنى وتصيح، ~~ورأيت ابني يعبث بما حوله، وسمعت أمه تزجره وتنهاه. ms174