######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.MinLaghwSayf.Hindawi14062930 #META# Tags: literature #META# ID: 14062930 #META# Title: من لغو الصيف #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفاروق الشديد اللين‏ # على أطلال طروادة‏ # الخيال العاقل‏ # لجنة المروءة‏ # مدرسة الأزواج‏ # أزمة الجامعة‏ # تجربة‏ # رحلة‏ # المصري الغريب في مصر‏ # أحاديث الأسبوع‏ # من لغو الصيف إلى جد الشتاء‏ # مصر في الصباح‏ # من أحاديث العيد‏ # القرين‏ # الفأل‏ # تمصير‏ # حب‏ # معجزة الفن‏ # الفاروق الشديد اللين‏ # على أطلال طروادة‏ # الخيال العاقل‏ # لجنة المروءة‏ # مدرسة الأزواج‏ # أزمة الجامعة‏ # تجربة‏ # رحلة‏ # المصري الغريب في مصر‏ # أحاديث الأسبوع‏ # من لغو الصيف إلى جد الشتاء‏ # مصر في الصباح‏ # من أحاديث العيد‏ # القرين‏ # الفأل‏ # تمصير‏ # حب‏ # معجزة الفن‏ # | من لغو الصيف # | من لغو الصيف # تأليف # طه حسين # | الفاروق الشديد اللين # من أيسر الأمور على المثال البارع أن يصنع لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تمثالا ~~يجمع بين الصدق والروعة، وبين الدقة التي ترضي الحق، والجمال الذي يرضي الخيال؛ فقد حفظ ~~التاريخ لعمر صورة دقيقة صادقة لا تتعرض للشك ولا للخلاف، بحيث يراها الناس جميعا إذا ~~قرءوا تاريخه فلا يختلفون فيها ولا يفترقون في الإعجاب بها والإعظام لها مهما تختلف أمزجتهم ~~وطبائعهم، ومهما تختلف آراؤهم ومذاهبهم، ومهما تختلف طرائقهم في التفكير والحكم ~~والشعور. # وهذه الصورة الدقيقة الصادقة الرائعة التي حفظها التاريخ لعمر لا تمثل شخصه المادي وحده، ~~وإنما تمثل شخصه المادي والمعنوي أيضا، وتمثل شخصه المعنوي من جميع نواحيه: تمثل قلبه، ~~وتمثل عقله، وتمثل إرادته، وتمثل حسه أيضا. وهي صادقة في هذا كله؛ لا يتطرق إليها الشك؛ ~~لأنها أوضح وأظهر من أن يتطرق إليها الشك وأن تختلف فيها الآراء. وما أعرف أن تاريخ ~~الخلفاء والملوك المسلمين قد صدق في تصوير شخصية من شخصيات الخلفاء والملوك كما صدق في ~~تصوير شخصية عمر بن الخطاب. # والغريب أن هذه الشخصية لم تكن سهلة ولا يسيرة في نفسها، وإنما كانت عسيرة معقدة - كما ~~سترى بعد قليل - ولكنها كانت قوية جدا، قوية إلى الحد الذي يعجز معه التاريخ عن مقاومتها ~~فيضطر إلى أن يقبلها كما هي، لا يستطيع أن يزيد فيها أو ينقص منها، وإنما يتلقاها كاملة ~~وينقلها إلى الأجيال كاملة، وتمضي القرون في ms001 أثر القرون وهي كما هي لا يستطيع الزمان أن ~~يمسها بزيادة أو نقص. ولو أن مثالا بارعا قرأ ما حفظه التاريخ من صورة عمر، ثم أراد أن ~~يظهر ذلك بوسائله الفنية وأن يصنع هذا التمثال لعمر، لجمع بين خصلتين غريبتين، فكان ناقلا ~~لا مبتكرا، وكان في الوقت نفسه رائعا معجبا يبهر العقول ويخلب الألباب ويملأ الأبصار ~~والقلوب. # ولكن عمر كان ثاني خلفاء المسلمين، فمكانته الدينية ومنزلته من النبي ومقامه من الإسلام ~~نفسه، كل ذلك يرفعه عن أن يكون موضوعا لصناعة المصور أو المثال. فلنجتهد في أن نستعين ~~بصناعة الكلام على تصويره للشباب المحدثين، فعمر - فيما نعتقد - أعظم شخصية يمكن أن تعرض ~~على الشباب؛ لأنهم يجدون فيه خير ما نحب أن يجدوا من المثل التي نتمنى أن يطيلوا النظر ~~إليها والتفكير فيها والتأثر لها؛ لعلهم يرقون إليها شيئا. # وأول ما يهمنا من أمر عمر أنه كان ملتقى لطائفة من الخصال المتناقضة التي ينكر بعضها ~~بعضا أشد الإنكار، ويدفع بعضها بعضا أشد الدفع. ولكن الله قد لاءم بينها وألف بين ~~مقاديرها تأليفا غريبا، حتى التقت فلم تتنافر ولم تتدابر ولم يفسد بعضها أثر بعض، وإنما ~~ائتلفت أحسن ائتلاف وانسجمت أروع انسجام، كما تأتلف الأصوات المتنافرة، وكما تنسجم الأنغام ~~المتباعدة في القطعة الموسيقية الرائعة، حتى أصبح شخص عمر آية خالدة من آيات الموسيقى يتغنى ~~بها تاريخ المسلمين، وسيتغنى بها ما بقي الإسلام وما بقي للإسلام تاريخ. # وأغرب من هذا كله أن بعض هذه الخصال لم يستأنف في شخص عمر، وإنما وجدت في أسرته ورهطه ~~الأدنين مفرقة قبل أن يوجد عمر. وقد نشأ هذا الفتى القرشي فأدرك شيئا من هذه الخصال؛ فقد ~~كان أبوه الخطاب بن نفيل رجلا غليظا فظا، إن امتاز بشيء من قومه فإنما يمتاز بالشدة ~~والعنف والمحافظة على القديم الموروث والنشاط الغريب في حماية هذا القديم الموروث والذود ~~عنه. وكان ابن عمه زيد بن عمرو بن نفيل رجلا رقيقا لينا، مرهف الحس، ذكي القلب، نقي ~~الطبع، مستعدا للإيمان الصادق، مبغضا للقديم ms002 ، شديد النشاط للتجديد. شك في وثنية قومه ~~ثم جحدها، والتمس دينا صفوا وملة نقية، وجعل ينكر على قريش ما كانت فيه، فكانت قريش ~~تسمع منه وتعرض عنه ولا تحفل بما كان يقول، ولكن الخطاب بن نفيل ثبت له ثم قاومه، ثم جد ~~في فتنته حتى أشقاه، ثم حبسه في مكة، ثم أغرى به الشباب حتى اضطره إلى أن يستخفي وأن يحتال ~~في الفرار من مكة ليلتمس ما كان يجد من دين عند اليهود والنصارى. وقد فر زيد بدينه الجديد ~~أو باستعداده للدين الجديد، وجعل يلتمس ما يحب عند اليهود مرة وعند النصارى مرة، حتى استيأس ~~من أولئك وهؤلاء فعاد إلى مكة، ولكنه قتل غيلة في بعض الطريق. # وقد ورث عمر هاتين الخصلتين عن أسرته، فكان شديدا ورقيقا في وقت واحد، وكان غاليا في ~~الشدة، غاليا في الرقة أيضا، وكان إسلامه مظهرا لهاتين الخصلتين المتناقضتين. خرج ذات ~~يوم - وكان فتى قد نيف على العشرين - ملتزما أن يشتد في غيظ المسلمين والكيد لهم ~~والإيقاع بهم، يبحث عن أول فرصة تتيح له البطش بهؤلاء المجددين، فلقي رجلا من المسلمين، ~~وأخذ معه في حديث حول الإسلام يريد أن ينتهي من هذا الحديث إلى الشدة والبطش، فينبئه هذا ~~الرجل أن الإسلام قد غزا أسرته واستقر فيها، وأن أخته قد أسلمت كما أسلم زوجها. فينقض عمر ~~على أخته وقد أزمع البطش بها وبزوجها، فإذا بلغ الدار سمع قراءة، فإذا طرق الباب فزع من في ~~الدار واستخفى مقرئ الأسرة، ودخل عمر على أخته فسألها فلم تخف عليه شيئا، فيبطش بها ~~وبزوجها، ويثبتان له ويظهرانه على الصحيفة التي كانا يقرآن فيها، فلا يكاد يتلو آيات من ~~القرآن حتى تذهب شدته وبأسه ويستحيل إلى لين وعطف ورحمة وإشفاق، ويسأل عن مكان النبي، فإذا ~~دل على هذا المكان ذهب إلى حيث كان النبي وأصحابه يجتمعون، فإذا أحس أصحاب النبي مقدمه ~~أنكروه وأشفقوا منه إلا رجلا واحدا هو حمزة بن عبد المطلب، لم يكن أقل منه شدة وبأسا، ~~فقد انتظره ثابتا ms003 له، وتلقاه بمثل ما كان قد أقبل به فيما ظن المسلمون من الشدة ~~والبأس، ولكن النبي يلقاه لقاء شديدا رقيقا، فما هي إلا أن يسلم عمر ويكبر المسلمون ~~ويعلموا أن الله قد أعز دينه بأحب الرجلين إليه عمر بن الخطاب وعمرو بن هشام أبي جهل، كما ~~كان النبي يسأله في كل يوم. # ومنذ ذلك اليوم استطاع المسلمون أن يجهروا بصلاتهم وكانوا يخفونها، وأن يتخذوا ناديهم في ~~المسجد وكانوا لا يظهرون فيه إلا فرادى. # هذه الشدة البالغة والرقة الرائعة تصوران عمر طول حياته؛ تصورانه صاحبا للنبي ومشيرا ~~لأبي بكر وإماما للمسلمين، تصورانه حين أراد النبي أن يمضي صلح الحديبية فأنكر عمر هذا ~~الصلح وقال للنبي: «كيف نرضى الدنية في ديننا؟!» وتصورانه حين رأى الجد من الله ورسوله في ~~هذا الصلح فأذعن له راضيا مؤمنا أصدق الرضا وأخلص الإيمان. تصورانه حين أعلن أن رسول ~~الله قد مات فأنكر ذلك أشد الإنكار وأنذر المعلنين له بالسيف، فلما سمع قول الله عز وجل: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين # أذعن لقضاء الله راضيا به مؤمنا له أصدق الرضى وأخلص الإيمان. ~~تصورانه حين جد في أمر المسلمين وأخذ البيعة لأبي بكر باسطا يده للبيعة قبل أن تتم الشورى، ~~حتى إذا استقرت الأمور واطمأنت القلوب واجتمعت الكلمة عرف من نفسه هذه الشدة وقال في بيعة ~~أبي بكر: «كانت فتنة وقى الله المسلمين شرها.» تصورانه في كل ما تقرأ من مواقفه حينما كان ~~يجد الجد ويحتاج الأمر إلى الحزم والعزم، ثم بعد أن تستقر الأمور وتهدأ العاصفة. وقد ~~اختصر التاريخ هذه الصورة الغريبة الرائعة فيما تحدث به من أن عمر كان أشد الناس غضبا ~~إذا غضب، وكان إذا ثار لم يثبت له أحد ولم يثبت له شيء، فإذا ذكر الله أو تلي القرآن رق ~~حتى أصبح الرقة نفسها. # واختصر التاريخ هذه الصورة الرائعة أيضا حين روي ms004 ما كان من أمره لما اجتمع الناس إليه ~~في الموسم فسأل عن سيرة العمال في الأمصار، فقام إليه أحد المسلمين وزعم له أن عامله قد ~~ضربه، فأبى عمر إلا أن يقتص هذا الرجل من الوالي بمحضر من المسلمين، وجعل الولاة يصورون له ~~أثر ذلك في إضعاف السلطان وإطماع الرعية في الولاة، فلا يحفل بشيء من ذلك لأن رسول الله قد ~~اقتص من نفسه، حتى اضطر العمال إلى أن يرضوا هذا الرجل ويشتروا منه حقه بالدنانير، ولولا ~~ذلك لرأت جماعة المسلمين رجلا من الرعية يعمل سوطه في جسم وال من ولاة الأمصار. # كان عمر شديدا حتى خشي الله في الشدة، وكان لينا حتى خشي الله في اللين، وكان يصطنع في ~~الناس شدته ولينه جميعا، فأما مع نفسه وأهله فلم يصطنع قط إلا الشدة، ولم يعرف اللين ~~قط إلى قلبه سبيلا. وكان عمر حريصا على مال المسلمين أشد الحرص، يحاسب العمال والولاة ~~حسابا أيسر ما يقال فيه إنه كان عسيرا؛ لا يختار واليا لعمل من الأعمال حتى يحصي ماله ~~قبل الولاية، ثم يتتبعه بعد ذلك ليرى كيف زاد ماله، ومصدر هذه الزيادة، وما الصلة بينها ~~وبين ما كان له من عطاء. ثم لا يتحرج أن يقاسم الوالي ماله بعد عزله، فيترك له النصف ويرد ~~النصف إلى المسلمين. وكان كريما في مال المسلمين إلى أقصى حدود الكرم، لا تكاد تجتمع إليه ~~الأموال التي كانت تأتيه من الأمصار والأقاليم حتى يشيعها في المسلمين على طريقة رائعة ~~حقا، لا يترك رجلا ولا امرأة ولا صبيا ولا صبية في أسرة تليه أو تبعد عنه إلا قسم له ~~من هذا المال حظه وأدى إليه حقه وأدى إليه الفضل بعد الحق. ثم كان لا يأمن على ذلك أحدا، ~~وإنما يليه بنفسه، ويتتبع أمور الناس لا ليعرفها ولكن ليعرف أيشكو الناس منه شيئا، أينكر ~~الناس منه شيئا؛ فقد كان لا يأمن نفسه على تحقيق العدل كما كان لا يأمن الناس على تحقيق ~~هذا العدل. # وقد أجدب المسلمون في بلاد ms005 العرب سنة، فاقرأ أخبار عمر في هذه السنة، فستقرأ أروع ما حفظ ~~الأدب والتاريخ في أي أمة من الأمم وفي أي جيل من الأجيال وفي أي عصر من العصور، من تصوير ~~الرفق بالرعية والنصح لها والإشفاق عليها والشدة على الأقوياء والرحمة للضعفاء. أخذ عماله ~~في الأقاليم بأن يرسلوا إليه الطعام والكسوة للناس، ووجه رسله في أطراف الجزيرة وأنحائها ~~يقسمون الطعام وينحرون الجزر ويكسون الناس، وقام هو على ذلك في المدينة وما حولها، وأبى ~~أن يطعم في بيته إذا اجتمع المسلمون للطعام العام. قل السمن وقل اللحم، فحرم على ~~نفسه السمن واللحم، وفرض على نفسه الخبز والزيت حتى يخصب المسلمون. وكانت حرارة الزيت ~~تؤذيه، فتقدم إلى مولاه أن يطبخه له ليكسر من حرارته، فلم يغن ذلك شيئا، وجعل بطنه ~~يقرقر، فيقول له: «قرقر ما شئت، فلن تطعم إلا الزيت حتى يخصب المسلمون.» # وكان عمر أجرأ الناس على الناس، حتى خافه الأقوياء وأشفقوا من لقائه، ووسط إليه كبار ~~الصحابة من يسأله الرقة للناس؛ لأنهم يهابونه ويشفقون أن يعرضوا عليه حاجاتهم. ثم كان ~~في الوقت نفسه أشد الناس خوفا من الضعفاء والعاجزين والمحرومين، يستطيع أهون الناس شأنا ~~وأيسرهم أمرا أن يجترئ عليه ويلقاه بما يكره من الحديث، فيسمع ثم يعتذر ثم يستعبر ثم ~~يستغفر. # وأروع ما تلقاه في شخصية عمر من الخصال هذه الفكرة التي كونها لنفسه عن الخلافة منذ ولي ~~الخلافة إلى أن مات. وقد صورها هو تصويرا رائعا بإيجازه ودقته وصراحته العنيفة حين خطب ~~الناس لأول مرة بعد البيعة فقال: «أيها الناس، إنكم قد ابتليتم بي وابتليت بكم.» # فالخلافة عند عمر امتحان للخليفة وللرعية معا، كلاهما ممتحن بصاحبه، وكلاهما خليق أن ~~يحتمل المحنة ثابتا لها صابرا عليها، وأن يخلص منها وينقذ من مشكلاتها صحيحا بريئا، لم ~~يكلم في نفسه ولا في دينه ولا في شيء من هذه الملكات الكثيرة المعقدة التي تكون ضمير ~~الرجل الكريم. وإذا كان الخليفة ممتحنا دائما مبتلى برعيته فمن الحق عليه لنفسه وللناس، ~~ومن الحق عليه لله ms006 الذي يلي أمره وأمر الناس؛ أن يحاسب نفسه دائما عن عظيم الأمر وهينه، ~~وألا يأتي أمرا صغيرا أو كبيرا إلا وهو عالم بما يأتي وبما يحمله على أن يأتي هذا ~~الأمر أو ذاك، إلا وهو مقدر أنه سيسأل عما أتى ومهيئ الجواب على هذا السؤال حين يلقى ~~إليه. سيسأل عما أتى في اليوم الآخر حين يسأله الله عن الجليل والضئيل من أعماله. وقد ~~يسأل عما أتى في كل لحظة ومن كل إنسان. فإنه حين نهض بالأمر قد عرض نفسه لهذا السؤال؛ ~~لأنه احتمل أمانة يشترك في حسابه عنها الناس جميعا، وينفرد بحسابه عنها آخر الأمر ربه الذي ~~جعل إليه أمور الناس على أن يؤدي إليه حساب ما فعل وما ترك. # وما أعرف أن خليفة من خلفاء المسلمين أو ملكا من ملوكهم منح ما منحه عمر من هذا الضمير ~~الحساس إلى أقصى ما يستطيع الضمير أن يحس. ظهر ذلك من أمره للناس جميعا ظهورا قويا ~~مقنعا حتى شبهوه بالميزان الدقيق الذي لا يمكن أن ينحرف أو يجور. وما أعرف خليفة من ~~خلفاء المسلمين أو ملكا من ملوكهم تمثل حساب الله له في جميع لحظاته يقظان ونائما ~~عاملا ومستريحا، مقبلا على عظائم الأمور أو على الهين منها كما فعل عمر. # يدخل عمر على بنته حفصة أم المؤمنين فتقدم إليه خبزا ومرقا قد جعلت فيه الزيت، فينصرف ~~عنه ويقول: «أدمان في إناء واحد؟ لا والله لا أذوقهما.» ويدخل على رجل من المسلمين ~~فيستقيه، فيقدم إليه الرجل شرابا، فيسأل ما هو، فإذا عرف أنه عسل انصرف عنه وقال: «لا ~~والله، ليحاسبني الله عليه.» ويدفع إلى أحد الفرس قميصا له ويتعجله في ذلك فيقدم إليه ~~الفارسي قميصين قد صنعهما فيسأل: «أليس فيهما من مال الذمة شيء؟» فيجيب الفارسي: «لا، إلا ~~الخيط.» فينهره عمر ويقول: «اغرب واردد إلي قميصي.» ويرد عليه الفارسي: «قميصك لم يجف ~~بعد.» فهو يرى الله إذا أصبح ويراه إذا أمسى، ويتمثل نفسه قائما بين يديه يؤدي إليه ~~الحساب عما فعل وما قال ms007 . # وله في ذلك أعاجيب كلها رائعة، وكثير منها يدفع إلى البكاء دفعا. جهز عبدا إلى الشام ~~فقد كان يتجر ليعيش، واحتاج إلى ثلاثة آلاف درهم فأرسل إلى عبد الرحمن بن عوف ليقرضه هذا ~~المقدار، فقال عبد الرحمن للرسول: «ليقترضها من بيت المال.» فلما لقي عمر عبد الرحمن بعد ~~ذلك سأله: «أأنت قلت هذا؟» قال: «نعم.» قال عمر: «فإني إن اقترضت هذه الدراهم من بيت المال ~~ثم أدركني الموت قال المسلمون ضعوها عن أمير المؤمنين واتركوها لأهل أمير المؤمنين، وسألني ~~الله عنها يوم القيامة، ولكن إن اقترضتها من شحيح مثلك ثم أدركني الموت لم يضعها عني، ولم ~~يتركها لأهلي حتى تؤدى إليه.» ولما طعن وأفاق من غشيته الأولى كان أول شيء عناه وأهمه أن ~~يعرف أكان طاعنه رجلا من المسلمين، فلما عرف أن طاعنه كان غلام المغيرة بن شعبة رضي ~~واطمأنت نفسه؛ لأنه علم أن قاتله لا يستطيع أن يحاسبه أمام الله عن سيئة قدمها إليه أو شر ~~جناه عليه. # ومن هنا لم يكن عمر شديدا على الناس بما كان يلقاهم به من الحزم فحسب، وإنما كان شديدا ~~عليهم بما كان يتشدد على نفسه. وكان كثير من المسلمين يرون من إمامهم هذا العيش الخشن ~~الغليظ، فيستحون أن يلينوا لأنفسهم من العيش أن يظهروا ذلك، وربما وسطوا إليه ابنته حفصة ~~أم المؤمنين لتسأله أن يرفق بنفسه، وأن يبيح لها شيئا ولو قليلا من طيبات الحياة، ~~فأجابها: «لقد نصحت لقومك وغششت أباك.» وكذلك كان ضميره مرهف الحس شديد المراقبة، يسأله ~~عن كل شيء قبل أن يسأله الناس، وقبل أن يسأله الله، وكذلك أدى امتحانه مدة خلافته. ولكن ~~الشيء الذي ليس فيه شك هو أن رعيته لم تؤد الامتحان كما أداه، ولم تثبت للمحنة كما ثبت. ~~ومراقبة الضمير لا تتاح للناس جميعا، وإنما تتاح لأخيارهم والممتازين منهم، وهي على النحو ~~الذي عرفه عمر لا تكاد تتاح إلا للرجل الفذ بين حين وحين، أو قل بين القرون عليهم السنة ~~ظهرت مراقبة الضمير في حياة عمر ms008 وفي أقواله وأفعاله جميعا، فكان يقول للناس: «إن الله قد ~~ابتلاكم بي وابتلاني بكم، فما أدري أهي خطيئة مني أم خطيئة منكم، أم هي خطيئة عمتنا ~~فعمنا من أجلها العذاب؟» # وقد صلى بالناس صلاة الاستسقاء فكانت صلاته استغفارا كلها حتى ظن الناس أنه لن يسأل الله ~~شيئا إلا المغفرة، ولكنه في آخر الصلاة سأل الله أن يسقي الناس. # وعمر أول الخلفاء تشددا في تعرف أحوال الناس كما قدمت؛ ليتعرف ما يمكن أن يكون قد ~~قدم إليهم من شر أو جنى عليهم من مكروه. كان إذا أقبل الليل صلى فأطال الصلاة ثم خرج ~~مستخفيا يتحسس أخبار الناس ويستمع أحاديثهم، وقد نفعه ذلك فأصلح من أمور الناس شيئا ~~كثيرا. كان قد فرض العطاء للرجال والنساء والفتيان والفتيات وللصبيان بعد أن يفطموا، فلما ~~كان في بعض لياليه سمع صبيا يبكي بكاء شديدا، فسأل أمه عن مصدر هذا البكاء، فأجابته - ~~وهي لا تعرفه - جوابا لم يقنعه، وعاد الصبي إلى البكاء فعاد عمر إلى السؤال، وتكرر ذلك من ~~الصبي ومن عمر حتى ضاقت المرأة بهذا السائل الملح فقالت له: «لقد أثقلت علي منذ الليلة، ~~ألم تعلم أن ابن الخطاب لا يعطي الصبية إلا بعد الفطام، فأنا أتعجل فطام هذا الصبي لننال ~~عطاءه من بيت المال.» فانصرف عمر عن المرأة محزونا كئيبا وهو يقول: «ويل عمر! كم قتل من ~~أبناء المسلمين!» ثم أمر المنادين فنادوا في الناس: «أتموا رضاع أبنائكم، فإن لهم عطاءهم ~~منذ يولدون.» # ولم يعرف عمر نظم الحكم الديمقراطي كما ألفه اليونان والرومان في بعض عهودهم، ولكن ~~ضميره الحساس وغريزته المستقيمة وقلبه الذكي وحرصه على العدل وخوفه من الجور ... كل ذلك دعاه ~~إلى شيء ليس بعيدا عن النظام الديمقراطي. ولعل عمر لو عاش لأحدث للمسلمين نظاما ~~ديمقراطيا عربيا. كان يستشير من حوله من أصحاب النبي وسادة الناس في كل ما يعرض له من ~~المشكلات، ولكنه كان شديد الحرص على أن يحج بالناس في كل عام، ويشهد الموسم الذي يجتمع فيه ~~أهل الأمصار، ويأمر العمال ms009 أن يوافوه على رأس من يليهم، فإذا كان الموسم وحضرت هذه الوفود ~~سمع من العمال في الرعية، وسمع من الرعية في العمال، وأقر العدل والنصفة بين أولئك وهؤلاء. ~~فكان - ومن يدري - لو أن الله مد له في الحياة إلام كان يصير أمر هذا الاجتماع السياسي ~~المنظم. # وخصلة أخرى من خصال عمر هي بغضه للتكلف وازدراؤه للمتكلفين. يتأخر شيئا عن الصلاة، ~~فإذا خرج جلس على المبنى واعتذر إلى الناس قائلا: «لقد أخرني قميصي.» غسل له قميصه ~~فانتظر أن يجف ثم خرج للناس بعد أن تم له ما أراد. وقرئ أمامه قول الله عز وجل: # وفاكهة وأبا ~~، فقال قائل: «وما الأب؟» قال عمر: «هذا هو ~~التكلف! وما يضرك ألا تعرف الأب؟» # ولو أني ذهبت أعد خصال عمر الرائعة وخلاله الممتازة لخشيت أن أستغرق هذا السفر دون أن ~~أرضي من ذلك حاجتي وحاجة القراء، ولكنك توافقني فيما أظن على أن ما عرضت عليك من صورته ~~كاف كل الكفاية لإثبات ما زعمته في أول هذا الفصل من أن أيسر الأشياء أن يصنع لعمر تمثال ~~دقيق رائع دون أن يحتاج المثال إلى أن يستعين الخيال. # وقد حفظ التاريخ الصورة المادية لعمر كما حفظ الصورة المعنوية؛ فقد كان طويلا يفوق الناس ~~كلهم طولا، وكان ضخما بدينا، وكان إذا مشى أسرع في مشيته، وكان أبيض اللون إلا في عام ~~الجدب؛ فقد اقتصر على أكل الزيت حتى أفسد عليه معدته فاسود شيئا، وأكبر الظن أن الذين ~~وصفوه بالسواد لم يروه إلا في ذلك العام. # وخصلة أخرى أختم بها هذا الفصل لأن عمر قد ختم بها حياته، وهي الرقة والأدب والحياء ~~والإكبار لحرمات البيوت. كان عمر شديد الحرص على أن يدفن مع صاحبيه إذا مات، فلما طعن ~~وأحس الموت دعا ابنه عبد الله وقال: «اذهب إلى عائشة أم المؤمنين وقل لها إن عمر بن ~~الخطاب يقرأ عليك السلام - ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست للمؤمنين أميرا - ويستأذنك أن ~~يدفن مع صاحبيه.» فذهب عبد الله فقال ذلك لعائشة وعاد إلى ms010 أبيه بإذنها، فقال لابنه: «إذا ~~مت احملوني على سرير، فإذا وصلتم إلى بيت عائشة فلا تدخلوا حتى تستأذنوا.» وقد حمل سرير ~~عمر حتى إذا بلغوا بيت عائشة قالوا: «إن عمر بن الخطاب يستأذن عائشة أم المؤمنين.» ولم ~~يدخلوا السرير حتى أذنت عائشة. وهنالك دفن عمر بن الخطاب مع صاحبيه محمد رسول الله وأبي ~~بكر أول خلفاء المسلمين. # | على أطلال طروادة # هذا عنوان فصل قيم كتبه صديقنا الأستاذ الدكتور محمد عوض، وهنا أقف مترددا وقفة قصيرة ~~في تسمية الصحيفة التي كتبها فيها الأستاذ الصديق، لا لشيء إلا لأن الصديق نفسه حين كتب ~~الفصل الذي كتبه إنما كان يريد أن يرد علي فيما ذكرته به في مقالي «بين كأسين»، فسماني ~~وسمى الفصل الذي أراد أن يناقشه، ولكنه لم يسم الصحيفة التي نشر فيها هذا الفصل. # ومن الناس من قرأ مقالة الأستاذ ولم يكن قرأ مقالتي، فأحب أن يعرف أين نشرت فسألني عن ~~ذلك. وواضح جدا أن الأستاذ لم يقصد إلى هذا الإهمال، وإنما شغل عنه بالفكرة التي كان ~~يريد أن يؤديها، وإن كان الأصل المقرر عند العلماء أن ذكر المصادر فرض على من يكتب في ~~العلم. # على أني لا أستطيع أن أصلح خطأ بالتورط في مثله، فلا بد لي إذن من أن أسمي المصدر الذي ~~نشر فيه مقال الأستاذ الصديق وهو مجلة الهلال الغراء. وأكبر ظني، بل أكبر يقيني - إن كان ~~اليقين يكبر ويصغر - أن الصديق إذا رد على هذا الفصل أو على غيره مما أكتبه أنا أو ~~يكتبه غيري سيتوخى الأصل العلمي اليسير فلا يكتفي بتسمية الكاتب الذي يرد عليه، بل يسمي معه ~~المصدر الذي كتب فيه. # وبعد، فإن بين الصديق وبيني خصومتين: إحداهما لا تكاد تحتمل الجد، والأخرى لا تكاد تحتمل ~~المزاح. فأما الأولى فمصدرها أن الصديق قد قرر حين قرأ الفصل الذي كتبته أني رويت ما رويت ~~فيه من الحديث عن صاحب لي كان مريضا قد أدركه الزكام، أو ألم به البرد، فخيل إليه أن ~~الأستاذ قد أسرف في ms011 الإساءة إلى هيلانة حين أضاف حرب طروادة إلى التجارة والتماس المنافع. ~~وأنا أستطيع أن أؤكد للصديق تأكيدا قاطعا أن صاحبي لم يكن مريضا ولا مزكوما ولا متأثرا ~~بالبرد القوي أو الضعيف حين ألقى إلي حديثه، ولا حين قرأ الفصل الذي نشرته الهلال، ولقد ~~سألته وألححت عليه في السؤال فأقسم جهد أيمانه ما أدركه البرد ولا الزكام، ولا ألم به ~~المرض أثناء قراءة هذا الفصل، وأثناء التحدث إلي بتأثير في نفسه، ولم أطمئن إلى حديث ~~صاحبي غلوا في العناية وإلحاحا في التحقيق، فجئت وأطلت البحث، واستقصيت وأنعمت في ~~الاستقصاء، وسألت عن صاحبي القريب منه والبعيد عنه، فانتهت إلي الأنباء كلها بأنه كان ~~صحيحا موفورا أثناء هذه الأوقات، لم يدركه برد، ولم يلم به زكام، فكان مالكا لعقله وقلبه ~~وقوته وحلمه جميعا، وأن الصديق بما كتب عن هيلانة قد أخرجه عن طوره شيئا ونفره من العلم ~~قليلا، ودفعه إلى الأدب دفعا فتحدث إلي بهذا الحديث. ولعل الصديق ينصف صاحبي فيعترف ~~بأنه لم ينكر العلم ولم يثر به ولم يخرج عليه، وأنا أضطر إلى الإذعان له والخضوع لما ينتهي ~~إليه من النتائج حين يحصي ويستقصي، وحين يعلل ويحلل، وحين يقلب الأمور ظهرا لبطن أو بطنا ~~لظهر، ويضربها أخماسا في أسداس أو أسداسا في أخماس، وينتهي إلى ما يغني حينا، وإلى ما لا ~~يغني أحيانا. # لم ينكر صاحبي العلم، ولكنه ضاق به، ومن حق صاحبي أن يضيق بالعلم، ومن حق الأستاذ عوض أن ~~يضيق بالأدب، وليس من الضروري أن ترضى النفوس عن العلم والأدب جميعا في جميع أوقاتها. ولكن ~~أخشى أن أثقل على الأستاذ الصديق بهذا الإلحاح في طلب الإنصاف، فأنا أعلم أن الصديق كان ~~مريضا حين كتب الفصل الذي أرد عليه أنا اليوم. وكان مرضه يسيرا مع السرور، لم يكن ~~يتجاوز بردا خفيفا وزكاما هينا سهلا غير من صوته بعض الشيء، ولعله غير من خلقه ~~فدفعه إلى الضجر بعض الدفع، وإلى الضيق بما لم يتعود أن يضيق به. ومن خصائص الزكام - فيما ~~يقول ms012 الناس - أنه يدفع إلى السأم وضيق الصدر، ويشغل عن المزاح ويصرف عن الدعابة ويقبح الحسن ~~ويسوئ المحمود. وأكبر الظن أن الصديق حين أراد أن يرد على ذلك الفصل ظنه جدا مع أنه لم ~~يكن إلا مزاحا، فهاجمه مهاجمة الجاد، وخيل إليه أنه سيدافع عن العلم دفاع الأبطال؛ لأن ~~العلم معرض للخطر، ولأن صرحه الشامخ الشاهق المتين يريد أن ينقض فلا بد من إقامته. والأمر ~~أيسر من هذا وأهون خطرا لولا الزكام، فلم يرد صاحبي أن يهاجم العلم لأنه لم يرد أن يكون ~~سخيفا، وإنما أراد أن يداعب العلم، وويل للحياة إذا حرمت فيها الدعابة على الناس. وأؤكد ~~للأستاذ الصديق أن صاحبي لم يضق بفصله الثاني، ولم يتأذ بشيء من هذا المزاح الذي جاء ~~فيه، ولكنه حريص على أن تقر الأمور في نصابها، وعلى أن يسجل أنه لم يكن مزكوما ولا ضحية ~~للبرد في ذلك الوقت الذي اتهمه فيه الأستاذ بالبرد والزكام. وما أظن الصديق يستطيع أن يجحد ~~أنه كان مزكوما متأثرا بالبرد، وأنه اعتكف اعتكافا ما، وأنه كتب هذا الفصل في ظل ذلك ~~البرد وهذا الزكام وأثناء هذا الاعتكاف. وهذه نقطة خطيرة جدا لا بد من تحقيقها؛ لأن العلم ~~يحرض على مثل هذا التحقيق، فرب زكام أحدث في تاريخ العلم حدثا ذا بال. وكثيرا ما ~~يزعم مؤرخو العلم أن للعلل العارضة والأسقام الطارئة وما يلم بالعلماء والباحثين، وبالحكماء ~~والفلاسفة من عسر الهضم آثارا بالغة فيما يفكرون ويكتبون. والأستاذ يوافقني على أن من ~~الأشياء ذات الخطر أن نؤرخ بصحته الغالية من هذا الانحراف اليسير أحيانا، فيعرضه لما لم ~~يتعود أن يتعرض له من السأم ويغشى ابتسامته الحلوة بما لم تتعود أن تتغشى به من العبوس، ~~والأمر بعد هذا كله لا يعدو أن يكون دعابة ومزاحا. # فأما الخصومة الأخرى فهي أجل من ذلك خطرا وأعظم شأنا لأنها تدور حول طروادة وحرب ~~طروادة، وحول هذا العنق من أعناق الدولة التي تسمى الدردانيل؛ فقد كنت وكان صاحبي على علم ~~منذ زمن بعيد ببحث شليمان ms013 عن طروادة، وبهذه المدن التسع التي انتهى إليها هذا البحث من سنة ~~1871 إلى سنة 1894، وبالنتائج الأخرى الخطيرة التي انتهى إليها بحث شليمان وأصحابه في ~~الجنوب الشرقي لبلاد اليونان. وكنت وكان صاحبي منذ زمن بعيد على علم بفروض شليمان وأصحابه، ~~وبكثير مما قيل حول هذه الفروض مما يثير الشك حينا ويدعو إلى الترجيح حينا آخر. ومع ذلك ~~فإن في الفصل الذي كتبه الصديق شيئا ما أظن أن العلم يطمئن إليه اطمئنانا تاما. # فلنلاحظ قبل كل شيء أن اليقين لم يستقر بعد في نفوس العلماء بأن المدن التي استكشفها ~~شليمان على التل المعروف بحصار لق قد استكشفت في نفس المكان الذي كانت تقوم فيه طروادة ~~هيلانة وباريس والإلياذة وهوميروس. وإنما العلماء مستيقنون أن هذه المدن قد استكشفت في ~~المكان الذي كانت تقوم فيه مدينة طروادة التي أقيمت في العصر التاريخي وأكبر من شأنها ~~اليونان والرومان. فأما المدينة القديمة فالعلماء يقفون منها موقف الترجيح لا موقف اليقين. ~~والصديق يعلم حق العلم أن زملاءه الجغرافيين من اليونان القدماء لم يكونوا متفقين على أن ~~طروادة التاريخية الجديدة كانت تقوم على أطلال طروادة الهوميرية القديمة. والصديق يعلم - من ~~غير شك - أن المدن التي استكشفها شليمان لم تشتمل على نقش مكتوب أو على آية تدل دلالة قاطعة ~~على أنها كانت تقوم حيث قامت طروادة هوميروس. وإذا كان شليمان وأصحابه قد زعموا ذلك فإنما ~~تأثروا بحسن الظن وساروا سيرة المرجحين وأعانتهم على ذلك آثار الحريق. والصديق يعلم أن ~~شليمان كان يعتقد أنه استكشف قبر أجامبون ومدينته في الجنوب الشرقي لبلاد اليونان كما ~~استكشف كنز بريام ومدينته على الساحل الآسيوي للدردنيل. وأن هذا كله ظن لم يقم عليه ~~الدليل التاريخي المقنع بعد، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذا الظن أساسا لحقائق ~~نسميها علما ونقيم عليها حقائق مثلها ونمضي في هذا إلى غير حد. من الجائز جدا - بل من ~~الراجح - أن يكون شليمان قد استكشف طروادة، ولكن الدليل القاطع لم يظهر بعد. فلنؤثر ~~الحيطة حين نتحدث عن ms014 هذه المدينة، ولنؤثر الحيطة حين ننتهي من هذا الحديث إلى النتائج ~~الخطيرة التي نسجلها في الفصول العلمية تسجيلا. # وأنا أريد أن أقتنع بأن شليمان قد استكشف طروادة هوميروس، وبأن طروادة هذه كانت تقوم على ~~بعد ثمانية كيلومترات من الدردنيل. وأريد أن أرفض آراء العلماء القدماء والمحدثين الذين ~~يقيمون هذه المدينة في أماكن أخرى. فما رأي الأستاذ الصديق في أني بعد هذا كله لا أطمئن ~~اطمئنانا علميا إلى أن تلك الحرب التي أثارها اليونان على طروادة كانت من أجل الدردنيل ~~ومن أجل السيادة على البحر؟ لأن النص التاريخي الذي يثبت ذلك لم يوجد بعد، فإلى أن يوجد ~~هذا النص يجب أن نتجنب القطع والجزم. ولأن العناية بالبحر الأسود وما ينبسط حوله من الأرض ~~لم تكن قد ظهرت بعد كما يقول الأستاذ نفسه وكما يدل عليه خلو الإلياذة وما يعاصرها من ~~الأساطير من الذكر الواضح لهذه الأرض. وإنما ظهرت العناية بالبحر الأسود وما حوله في عصور ~~متأخرة من عصر الإلياذة، أو عن عصر هذه الحرب التي أثيرت على طروادة، ولأن اليونان في ذلك ~~الوقت كانوا يستطيعون أن يمضوا في البحر محتاطين دون أن يخشوا منافسة بحرية خطيرة في هذه ~~النواحي، فلم يحدثنا الأستاذ ولم تحدثنا الأساطير بأن طروادة كان لها أسطول يستطيع أن يرد ~~اليونانيين عن الوصول إلى البحر الأسود إن حاولوا الوصول إليه. # وليس من شك في أن قصة هذه الحرب رمز لخطوب تتصل بالتنافس حول المنافع بين اليونان وتلك ~~المدينة الآسيوية العظيمة، ولكني أشك الشك كله في أن هذا التنافس كان بحريا، وأرجح أن ~~هذه المدينة كانت ملتقى خطيرا للتجارة التي كانت تأتي من أعماق الشرق الآسيوي، فأراد ~~اليونان أن يستقروا في هذا المكان كما أرادوا أن يستقروا في الساحل الآسيوي كله. # وهذا كله لون من ألوان الفرض يستطيع الخيال أن يذهب فيه إلى غير هذا، ولكنه لا يسمى علما ~~إلا يوم تقدم الأدلة الواضحة على أنه حق لا شك فيه. # وإذن فكل هذه القصة الطريفة التي صورها الأستاذ الصديق ms015 لحرب طروادة ووصلها بعنق الدولة ~~التي تسمى الدردانيل إنما هي قصة أدبية قوامها الخيال الخصب القوي، لا علمية قوامها البحث ~~الدقيق. # وإذا كان الأمر كذلك فإني أستأذن الصديق في أن أرى القصة اليونانية القديمة أقوى وأبلغ ~~وأشد تأثيرا في النفس واستهواء للقلب من هذه القصة الحديثة. وأستأذن الأستاذ في أن أجد لذة ~~وراحة حين أقرأ أن بوسيدون إله البحر هو الذي أقام هذه المدينة العظيمة، وأن ملكها بريام ~~كان رجلا عظيما ضخم الملك واسع السلطان له خمسون من الولد، وأن أحد أبنائه باريس كان ~~شرا عليه وعلى ملكه. كان جميلا رائع الجمال، وقد تنبأ المتنبئون يوم مولده بأنه سيجلب ~~على المدينة شرا عظيما، فأمر أبوه بطرحه في مكان بعيد يدركه فيه الهلاك، ولكن الآلهة ~~احتفظوا به لأمر دبروه فشب الفتى رائعا بارع الجمال، واحتكمت إليه ثلاث من الآلهة أيهن ~~أجمل، فقضى لأفروديت على هيرا وأتينا، فكان هذا أول الشر. ثم اختطف هذا الشاب هيلانة من قصر ~~زوجها إسبرتا، فكان هذا مصدر الحرب، ثم دمرت المدينة وردت هيلانة إلى قصرها فكان هذا ~~ينبوع الشعر. # أستأذن الصديق في أن أوثر هذه القصة الخصبة التي نفعت الإنسانية وما زالت تنفعها بما ~~أثارت من شعر قصصي وغنائي وتمثيلي، وبما أثارت من فن جميل خالد وبما لا تزال تثير الآن في ~~الأدب والفن من آثار قوية ممتعة كثير منها سيتاح له الخلود فيما يظهر. ولست أدري هل علم ~~الأستاذ الصديق أن قصة هيلانة تشغل الباريسيين منذ أشهر الآن؛ لأن كاتبا فرنسيا بارعا ~~هو جيرودو قد وضع فيها قصة تمثيلية رائعة عنوانها «لن تكون حرب طروادة»، وهو قد اتخذ من ~~أسطورة هيلانة صورة فنية من أروع الصور لما تضطرب فيه أوروبا الآن من أسباب الخلاف والخصومة ~~التي تدعو إلى الشر والفساد. # أما بعد، فإني أريد أن أتفق مع الأستاذ الصديق على أن أقبل تفسيره العلمي لحرب طروادة يوم ~~تنهض به أدلة العلم التي لا تقبل الشك، وعلى أن يقبل هو قصة هيلانة الأدبية كما تصورها ~~الأدباء ms016 وأصحاب الفن، وقد يخيل إلي أن هذا الاتفاق لا يؤذي أحدا، وقد يخيل إلي أن ~~الأدب أرحب صدرا من العلم؛ لأنه يحتمل كثيرا جدا من لعب الخيال، بل هو يقوم على لعب ~~الخيال. فأما العلم فحاجته إلى الخيال محدودة بالمرحلة الأولى، فإذا تجاوزها ضيق على نفسه ~~وعلى الناس والتزم حدودا وقيودا ومناهج لم يلتزمها الأستاذ الصديق حين وقف على أطلال ~~طروادة. أما أنا فإني أستطيع أن أقف على هذه الأطلال، وأنا أقف عليها في كل يوم حرا ~~طليقا فأستمتع بلذات لا تقدر، منها الحزين المكتئب، ومنها الجميل المبتهج، ومصدر ذلك أني ~~لا أحفل بأعناق الدول ولا أبحث عنها، وإنما أوثر عليها جيد هيلانة الحسناء. # | الخيال العاقل # تحية صديق مشارك في الحزن آمل في العزاء # إلى أخي الزيات # أعرفت قط خيالا عاقلا أيها الأخ العزيز؟ أما أنا فقد عرفته أمس، ولم أتكلف في معرفته ~~مشقة ولا جهدا، ولم أنفق في البحث عنه قوة ولا وقتا، بل لم أبحث عنه وإنما سعى إلي، أو ~~قل هممت أن أدعوه فاستجاب لي قبل الدعاء، ولكني لم أدعه لأعرفه، فإن عهدي به بعيد، بعيد ~~جدا لا أكاد أذكر أوله، وإنما أعلم أنه رفيقي منذ بدأت أفكر، بل منذ استقبلت الحياة، ما ~~أكثر ما زين لي الأشياء حتى كلفت بها ورغبت فيها! وما أكثر ما بغض إلي الأشياء حتى ~~نفرت منها وضقت بها! وما أسرع ما اخترع لي أشياء لم أكن أعرفها ولا أقدرها! فإذا هي تملأ ~~قلبي أملا ورجاء، وتدفعني إلى العمل والنشاط، وإذا هي تملأ قلبي يأسا وقنوطا، وتدفعني ~~إلى الفتور والخمود والانزواء. # لقد خلق لي عالما كاملا بعيد الآماد، متنائي الأرجاء مختلف الألوان، قضيت فيه أيام ~~الصبا، وما أكثر ما تمنيت أن أعود إليه! ثم خلق لي عالما آخر ليس أقل من ذلك العالم سعة ~~وتنوعا واختلافا، ولكنه مزاج من الجمال والقبح، ومن اللذة والألم، ومن اليأس والأمل، قضيت ~~فيه أيام الشباب، وما زلت أتمنى أن أعود إليه، ثم هو يرافقني الآن فيزين ms017 لي الحياة قليلا ~~ويقبحها في نفسي كثيرا، ويحاول أن يخلق لي ما يسر، ويحاول أن يخلق لي ما يسوء، فأطيعه ~~حينا وأعصيه أحيانا، ولكنه وفي لي دائما كلما أردت استعانته على الكتابة والإنشاء. ~~وأعترف أيها الأخ العزيز بأني كنت مقتصدا أشد الاقتصاد في الالتجاء إليه والاستعانة به؛ ~~لأني أعرفه جريئا مسرفا في الجراءة، نشيطا غاليا في النشاط، يخترع من الصور وفنون ~~المعاني ما لا أطيق أن أعرضه على بيئاتنا الاجتماعية التي تقتصد في الاطمئنان إلى وحي ~~الخيال. # عرفته وفيا نشيطا متأهبا دائما للمعونة كلما دعوته أو فزعت إليه، مقدما من هذه ~~المعونة أكثر مما أسأله، وأعظم جدا مما أقترح عليه. وقد دعوته أمس فاستجاب لي مسرعا ~~غير مبطئ ولا متثاقل، بل أشهد لقد كان يكاد يتمزح نشاطا ومرحا، ولقد كنت أتهيأ للكبح من ~~جماحه والرد من نشاطه، وآخذه بكثير جدا من الأناة والقصد كما تعودت دائما، ولكني لم أكد ~~أعرض عليه ما كنت أريد أن يعينني على الأخذ فيه حتى كفكف من نشاطه، واتأد في غلوائه، ~~وابتسم ابتسامة الهادئ المطمئن، وقال في صوت الراضي الرزين في غير عجز مؤلم، ولا قصور موئس: ~~«إليك عني، فلست مما تريد في شيء.» ذلك أني كنت أريده على أن يمدني بما أصور به فصلا من ~~حياة النبي الكريم في هذه الأيام التي يذكر فيها المسلمون أكبر حدث من أحداثهم، وأعظم عبرة ~~من عبرهم، والتي يعود فيها المسلمون قرونا طوالا من الزمان ليشهدوا ذلك اليوم العظيم الذي ~~خرج فيه النبي وصديقه الصديق من مكة مهاجرين إلى الله بآمال سيفنى الزمان قبل أن تفنى، ~~وإيمان سيزول هذا العالم قبل أن يدركه ضعف ويسعى إليه فتور، وثقة بنصر الله عاشت عليها ~~الأجيال التي لا تحصى، وستعيش عليها الأجيال التي لا تحصى، وسيستمد المسلمون منها أبدا قوة ~~على الجد والكد، واستقبال الحياة بما فيها من خير وشر، ومن حلو ومر، ومن محنة ~~ونعمة. # نعم، دعوته أيها الأخ العزيز إلى أن يلهمني بعض ما تعود أن يوحي إلي من ms018 الصور فأعرض ~~في غير غضب، وامتنع في غير بخل، وألح في الإعراض والامتناع، فلما ألححت عليه تبينت منه ~~الاستحياء وإيثار العافية، والضن بنفسه على ما لا يحسن، وتجنيبها ما لا يطيق. وإذا هو ~~يقول لي في لهجة الهادئ المطمئن: استعني فيما شئت، فقد عرفت قدرتي على الاختراع ~~والابتكار، وحسن بلائي في لبس الحق بالباطل حتى يصبح زينة كله، ولكن من الحق ما هو أرفع من ~~أن أسمو إليه مهما أكن قوي الجناح، وأوضح من أن أجليه مهما أكن قوي النور، وأسطع من أن ~~أوضح مهما أكن نافذا بعيد الهم، وأنصع من أن أزينه مهما أكن ماهرا في اختراع الزينة ~~وابتكار الجمال. # ولئن حدثتك عن هذا الرجل الكامل لأحدثنك حديث العقل. أستغفر الله، فما يستطيع العقل أن ~~يحدثك عنه كما يجب؛ لأنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه العقل، كما أنه أكرم وأرفع وأرقى من ~~أن يبلغه الخيال. اجتهد في أن تتمثل ما أتيح للناس أن يعرفوا من حياته، ثم انظر فيه واستمد ~~منه، فلست محتاجا مع ذلك إلى معونة عقل أو خيال. # انظر إلى الناحية الحزينة من حياته، واقصص على نفسك أطرافا منها، فإن لم تملأ قلبك عبرة ~~وعظمة وجمالا وحبا وإكبارا دون استعانة بعقل أو خيال؛ فلست إنسانا ولست من الإنسانية ~~في شيء. # انظر إلى هذا الذي ذاق اليتم جنينا، إن كانت للأجنة أن يذوقوا المعاني والآلام، ثم لم ~~يكد يستقبل الحياة ويتقدم في الصبا حتى ذاق اليتم مرة أخرى، ففقد أمه بعد أن فقد أباه، ثم ~~لم يكد يتقدم خطوات أخرى في الصبا حتى ذاق اليتم مرة ثالثة؛ ففقد جده بعد أن فقد أبويه، ثم ~~ألحت عليه حياة فيها شدة وجهد، وفيها حرمان وفقر، وفيها ضيق وضنك، ثم تظاهرت هذه الآلام ~~كلها على نفسه الكريمة الناشئة فلم تستطع أن تبلغها ولا أن تنال منها؛ لأن الله قد قطع ~~الأسباب بين هذه النفس المصفاة وبين البؤس والشقاء. ثم امض معه خارجا من الصبا داخلا ~~في الشباب متقدما فيه، فإذا ms019 الحياة كما هي شديدة شاقة ثقيلة ضيقة، ولكنه مبتسم الشباب ~~كما كان مبتسم الصبا، وادع النفس رجلا كما كان وادع النفس طفلا. إنه يجد ويعمل، إنه ~~يكد ويكدح، إن الحياة تبسم له أحيانا، إن الناس من حوله يحبونه ويقدرونه ويكبرونه ~~ويثقون به، ويطمئنون إليه ويلتمسون به العافية والسلم، ويحكمونه فيما يشجر بينهم من خلاف، ~~فلا يعرضه ذلك لبطر ولا لأشر؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوب ~~حياة الناس من الأشر والبطر والغرور. ثم انظر إليه وقد اختاره الله لخير ما يؤثر به عبدا ~~من عباده، وحمله أثقل أمانة حملها أحدا من خلقه، فإذا هو يلقى هذا العبء الثقيل جلدا ~~له، صبورا عليه، ناهضا به، ماضيا فيه، لا يعرف كلالا ولا ملالا ولا فتورا؛ لأن الله ~~قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوه حياة الناس من الكلال والملال ~~والفتور. # ثم انظر إليه يذوق الثكل بعد أن ذاق اليتم، ويمتحن في نفسه وسمعته، ويمتحن في صحبه ~~وأولي نصره، ويمتحن في بنيه، ثم يمتحن في زوجه التي جعلها الله رحمة يسكن إليها ويعتز ~~بها، ثم يمتحن في دينه، ثم يمتحن في كل شيء، ثم يمتحن في كل إنسان، فإذا هو كما هو، باسم ~~الكهولة كما كان باسم الشباب وكما كان باسم الصبا، لا يعرف الضعف ولا اليأس ولا هذا ~~الاكتئاب العقيم إليه سبيلا؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الضعف واليأس ~~والاكتئاب العقيم. # ثم انظر إليه وقد أنكر قومه وأنكره قومه، وقد ضاقت به مكة وضاق به ما حول مكة، وقد لقي ~~المحن التي لا تحتمل، والمكروه الذي لا يطاق، فلم يدركه نكول ولا استسلام، وإنما فتحت له ~~أبواب الأمل، وفرج عنه تأييد الله له ما تضايق من الأمر، فإذا هو يهاجر إلى يثرب. أفتراه ~~اطمأن فيها إلى الدعة ونعم فيها بالخفض واللين؟ كلا، ما هذه الحروب التي لا تنقضي، ~~والتي يمتحنه الله فيها بالنصر حينا وبغير النصر حينا آخر؟ ما هذا الجهد الذي لا ms020 ينقضي ؟ ~~ما هذا الضيق الذي يضطره أحيانا إلى الجوع؟ ما هذه الخيانات تأتيه من المنافقين؟ ما هذه ~~الخيانات تأتيه من حلفائه من يهود؟ ما هذا الموت يتخطف أعز أصحابه عليه وآثرهم عنده؟ ~~أفتراه يئس لذلك أو ضعف عن احتماله، أو اضطره شيء من ذلك إلى أن يحيد عن طريقه المستقيمة ~~قيد شعرة؟ كلا؛ لأن الله جعل نفسه الكريمة مضاء كلها، وإباء كلها، وصبرا كلها، وثقة ~~بالله كلها. # ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن، ولم يبق له من بنيه وبناته إلا فاطمة رحمها الله، ~~وإذا الأيام تبسم له، وإذا الأمل يشرق أمامه، وإذا المبشرات ينبئنه بأن الله قد رزقه غلاما ~~فيسميه باسم أبيه إبراهيم، وإذا قلبه مسرور محبور، وإذا هو يشرك المسلمين معه في سروره ~~وحبوره فيبشرهم بما بشر به، ويجد المسلمون أن عينه قد قرت فتقر عيونهم، وأن نفسه قد طابت ~~فتطيب نفوسهم، وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال، ولكن الله يأبى إلا أن ~~يمتحنه شيخا كما امتحنه صبيا وشابا وكهلا، وإذا إبراهيم ينزع منه ولما يتم الرضاع. ~~أفتراه جزع لذلك أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف؟ كلا، إن الله قد قطع الأسباب بين ~~نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف. لم يتم إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة. ~~وانظر إلى أبيه وإنه ليسعى في جنازته محزونا، ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين ولا حزن ~~القانطين، وإنه ليقوم على قبره، وإنه ليعنى بتسوية القبر وترويته وصب الماء عليه، وإنه ~~لينصح للمسلمين إذا عملوا عملا أن يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر؛ لأن من كمال العقل أن ~~يحسن الرجل ما يعمل. ثم انظر إليه يعلن إلى ربه أنه راض بقضائه، مذعن لأمره، مؤمن بحكمته، ~~ويعلن إلى ابنه أنه محزون لفقده. ثم انظر إليه إن عينيه الكريمتين لتدمعان، وما يمنعه أن ~~يبكي وإن البكاء ليتم مروءة الرجل أحيانا؟ ولكن انظر إليه، أترى شيئا من حياته قد تغير؟ ~~أترى شيئا من رأيه في الحياة قد تغير؟ كلا، ما ms021 كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفسا هي ~~أكبر من الدنيا! # قلت لهذا الخيال: ما رأيت كاليوم خيالا عاقلا رشيدا. إن في حديثك لعبرة لمن أراد أن ~~يعتبر. قال: وأي غرابة في أن يعقل الخيال ويرشد إذا تحدث عن محمد، وإن كان من طبعه الطموح ~~والجموح؟ قلت: لأنقلن حديثك هذا إلى صديق محزون جزع. قال: انقله راشدا إلى صديقك وإلى كل ~~محزون جزع، فما أرى أن مسلما يتمثل حياة محمد من هذه الناحية من نواحيها ثم يعرف اليأس أو ~~الجزع إلى قلبه سبيلا. # | لجنة المروءة # ولم يكن بد من أن يؤلف صديقي العزيز أحمد أمين لجنة للمروءة، كما يؤلف في كل يوم لجانا ~~ولجانا لما يعرض من المشكلات القريبة والبعيدة، فتأليف اللجان لازمة من لوازمه، واللجنة ~~عنصر من العناصر الأساسية لتفكيره الاجتماعي، فلا يكاد يعرض له أمر يحتاج إلى الروية ~~والتفكير حتى يفكر قليلا، ويستعرض ألوانا من الحلول، ثم يقترح تأليف لجنة للنظر في هذا ~~الأمر وحله على أحسن وجه ممكن. # ذلك لون من ألوان التواضع، وفن من فنون الديمقراطية، وتقدير لأصل الشورى، يحمد للأستاذ ~~ويسجل له فضله. وقد عرفنا منه الشغف باللجان، والإسراع إلى تأليفها، فداعبناه بذلك. والله ~~يعلم أني حين طلبت إليه النظر في تنظيم مدرسة المروءة لم أكن أريد إلا توريطه، وقد تورط في ~~تأليف لجنة، فله الشكر على هذه اللجنة قبل أن تؤلف وبعد أن تؤلف، وقبل أن تعمل وبعد أن ~~تعمل، وله الشكر عليها إن وفقت، وله الشكر عليها إن أخفقت؛ فليس المهم من أمر هذه اللجنة ~~أن تعمل أو تكسل، وليس المهم من أمرها أن تنجح أو تخفق، وإنما المهم أن تؤلف، وأن تؤلف ~~ليس غير؛ ففي تأليفها ما يضحكنا ويسري عن نفوسنا، وليس ذلك بالشيء اليسير في هذه الأيام ~~التي لا يتاح الضحك فيها للناس إلا بمقدار. # وفي تأليفها ما يخيل إلينا أننا عملنا شيئا، وهذا كثير جدا، يلائم ما فطر الله عليه ~~أمزجتنا من الاستغناء بالخيال عن الحقيقة، والاكتفاء بالصور والأشكال ms022 في أكثر ما نعمل وما ~~لا نعمل، وفي أكثر ما نقبل عليه أو ننصرف عنه. # وليس أيسر من أن نطلب إلى مصلحة الإحصاء، وهي عندنا قادرة ماهرة، أن تحصي لنا اللجان التي ~~ألفناها والنتائج التي انتهت إليها هذه اللجان، فسنرى من هذا الإحصاء ما يسر ويرضي، ~~وسنستقبل اللجنة الجديدة التي يقترح صديقنا تأليفها بشيء من الابتسام الحلو أو المر، ~~وسنطمئن إلى أنها لن تعمل شيئا بإذن الله. # ولكن هذا لن يغض من قيمة هذه اللجنة الخطيرة؛ فإن في تأليفها وتكليفها العمل على نحو ~~ما فعل الصديق العزيز شيئا من الشعر له خطره، وحظا من الجمال له قيمته؛ فهو حلم لذيذ، ~~والأحلام خير ما في الحياة لأنها تخيل إلينا من المثل العليا، وتصور لنا من الآمال، ما لا ~~تواتينا به الحياة الواقعة؛ فهي تريح نفوسنا الطامحة من اليأس، وتسليها عن العجز، وتخفف ~~عليها أثقال الحياة. ولكني مع ذلك أريد أن أجادل الصديق العزيز في لجنتنا هذه العزيزة، فقد ~~يخيل إلي أنها ليست أقل عسرا ولا إشكالا من المدرسة التي كنت أتحدث عنها، والتي كنت ~~أريد لها المناهج والبرامج، والإجازات والدرجات، والحجرات والغرفات، والأساتذة ~~والمدرسين. # ظن صديقنا أنه يخلص من هذه المشكلات حين يجعل المملكة المصرية كلها مدرسة للمروءة، وحين ~~يكل أمر هذه المدرسة إلى لجنة واسعة السلطان عظيمة السيطرة، لا حد لما تملك من قوة وبأس. ~~ولكن هل فكر الصديق في هذه اللجنة كيف تختار؟ وممن تؤلف؟ وعلى أي مبدأ من المبادئ يكون ~~اختيارها وتأليفها؟ أيختارها هو وحده، فقد جعل نفسه إذن ديكتاتورا هائلا مخوفا، وهو ~~فيما أعلم أبغض الناس للنظام الديكتاتوري؟ أم يكل اختيارها إلى جماعة بعينها من الناس؟ فكيف ~~تختار هذه الجماعة؟ وعلى أي مبدأ تختار؟ أم يجعل اختيارها إلى الشعب كله تحقيقا للأصول ~~الديمقراطية ورعاية لمبادئ الدستور؟ فإن الشعب قد انتخب وسينتخب، كما انتخبت وستنتخب الشعوب ~~ألوانا من البرلمان، وفنونا من مجالس الحكم، فلم تحقق مما أراد الأستاذ ومما أريد ~~أنا شيئا. وإذن فكيف اختيار هذه اللجنة؟ وممن ms023 يكون تأليفها؟ وعلى أي مبدأ من المبادئ ~~يكون هذا الاختيار والتأليف؟ فهذه مشكلة أزعم أن الأستاذ لن يظفر لها بحل مهما يؤلف من ~~لجان. # ومشكلة أخرى، وهي أني أفترض أننا قد ظفرنا بما لا سبيل إليه، فألفنا هذه اللجنة على خير ~~وجه ومنحناها أو منحت هي نفسها أعرض السلطان وأضخمه، وأعمقه وأنفذه، وبدأت في العمل. ~~فثق أيها الصديق العزيز بأنها ستجر البلاد إلى خطر لا يشبهه خطر، وستصب عليها كوارث وقانا ~~الله شرها، وجنبنا نتائجها السود. ذلك أنها ستجري أمور التولية والعزل على المروءة، ~~قبل أن تجريها على الكفاية، وعلى الأخلاق قبل أن تجريها على الذكاء، وعلى حسن السيرة ~~والارتفاع عن الصغائر والحياة مما لا يليق بالرجل الكريم، قبل أن تجريها على العلم بما ~~ينبغي لمرافق الناس من فنون تمكن من إدارة هذه المرافق على ما ينفع الناس ويصلح شئونهم؛ ~~فليس المهم أن يظفر المهندس بإجازته الفنية من كلية الهندسة، وأن يكون بارعا في فنون الري ~~أو البناء أو الكهرباء، وإنما المهم أن يكون ذا مروءة لا يفعل في السر ما يكره أن يفعله في ~~العلانية. فحدثني ماذا يصنع الناس بهذا الرجل ذي المروءة إذا اضطربت عليهم أمور الري ~~والبناء والكهرباء، ولم يكن هذا الرجل ذو المروءة يحس من هذه الأمور شيئا؟ وليس المهم أن ~~يخرج المعلم من كليات الجامعة ومعهد التربية، وأن يحسن المادة التي يراد تعليمها والفن الذي ~~يصطنع في هذا التعليم، وإنما المهم أن يكون ذا مروءة؛ أي أن يكون رجلا كامل الرجولة أو ~~إنسانا كامل الإنسانية. فماذا يصنع الناس بهذا الرجل ذي المروءة إذا كان لا يحسن علما ولا ~~فنا، وهم في حاجة إلى من يعلمهم ويؤدبهم؟ وقل مثل هذا في القضاة، وقل مثله فيمن ~~شئت من الذين توكل إليهم أمور الحياة العامة. أرأيت إلى أن لجنة المروءة هذه إن ألفت ~~وتركت إليها الأمور، واتخذت المروءة وحدها شرطا أساسيا للتولية والعزل، لن تكون مصدرا ~~للخير ولا للإصلاح، ولكنها ستصبح مصدرا للشر والفساد، وستدفع الناس ومصالحهم إلى ms024 خطر ~~عظيم؟ # وليس هذا كل شيء؛ فإن لجنة المروءة هذه ستكون صغيرة كما قلت، أو كبيرة كما يمكن أن يقال، ~~ولكنها ستكون قلة على كل حال، فإذا جعلت الأمر إليهم وتركت لها الحكم في أقدار الناس ~~وحظوظهم من المروءة، فهي مندفعة إلى الجور راضية أو كارهة. # فليست المروءة شيئا يمكن تحديده، بحيث لا يكون في هذا التحديد تنافر أو اختلاف، وإنما هي ~~شيء تقديري يختلف الناس في تصوره كما يختلفون في تعريفه وفي تقديره؛ ولذلك لم تستطع أن ~~تعرض علينا تعريفا جامعا مانعا للمروءة. وإذن فسترى اللجنة رجلا ذا مروءة لأنها عرفت ~~ذلك فيه، فحكمت بذلك له، وستكل إليه من أمور الناس ما يحسن وما لا يحسن، وسترى أنت - ~~وسأرى أنا، وسيرى غيرك وغيري - أن اللجنة قد أخطأت فيما قدرت، وجارت فيما حكمت، وحابت هذا ~~الرجل بما وكلت إليه من أمور الناس، وسننكر اللجنة وأعمالها كما ننكر كثيرا من الوزارات ~~وكما ننكر أعمالها، وسيكون للجنة مؤيدون ومعارضون كما أن للوزارات مؤيدين ومعارضين، وسيكون ~~التنافس بين أولئك وهؤلاء، ستدافع اللجنة عن نفسها، وستستمسك بسلطانها، وستسلك إلى ذلك كل ~~سبيل، وسنعود إلى حيث كنا قبل أن تؤلف اللجنة، وسنشكو مما نشكو منه الآن، وسأطلب ~~إليك أن تنظم لنا مدرسة للمروءة، تعلم الناس كيف يرتفعون عن الصغائر، وكيف يبرئون أنفسهم ~~من النقائص، وكيف يتنزهون عن إيثار أنفسهم بالخير على حساب الناس، وكيف يربئون بأنفسهم عن ~~الكيد والدس، ويطهرونها من الخيانة والغدر والمكر والخداع، وكيف يقدمون على العمل وهم ~~مطمئنون إلى أنهم لن يستحوا منه أمام أنفسهم إذا خلوا إليها، كما أنهم لا يستحون منه أمام ~~الناس حين يلقون الناس. # أترى أيها الصديق العزيز أن لجنتك ليست أيسر أمرا ولا أهون خطبا من مدرستي، وأن الأمور ~~ليست من السهولة والأسماح بحيث تظن أنت وأظن أنا؟ وأن إصلاح الأخلاق لا يكون بالقانون ولا ~~يكون بالمدارس ولا يكون باللجان؟ وإن كنت لا أدري بماذا يكون لك الشكر، فقد أتحت لي أن أحلم ~~معك حلما لذيذا، ولك ms025 العذر ؛ فقد حاولت ما لا سبيل إلى تحقيقه، وطلبت ما لا أمل في الوصول ~~إليه؛ فلقد مضى الناس على أمرهم منذ عرفوا حياتهم الاجتماعية ونظمهم السياسية. وما أعرف أن ~~جماعة منهم تحضرت وعرفت نفسها إلا وقد اتخذت لها مثلا عليا في الآداب والأخلاق، وجدت ~~في الوصول، وسلكت إلى ذلك سبلها المختلفة، فوصلت الإنسانية إلى ما ترى، وما زالت تطلب ~~مثلها العليا، وترى أنها بعيدة عن هذه المثل، وتشكو من نقص المروءة، وضعف الأخلاق، ~~وفساد الأمور المعنوية كلها، كما كانت تشكو منذ أزمان، وكما ستشكو بعد أزمان. ذلك أن ~~المثل الأعلى ماكر ماهر، وخادع مداعب، يدني نفسه منا حتى يطمعنا في نفسه، وحتى يخيل ~~إلينا أن ليس بيننا وبينه إلا أن نمد إليه أيدينا فنأخذه، ولكننا نمد أيدينا فلا نأخذ ~~شيئا، ولا نقبض إلا على الهواء، وهو مع ذلك يتراءى لنا قريبا كل القرب، دانيا كل ~~الدنو. كذلك خيل إلي حين فكرت في مدرسة المروءة، وكذلك خيل إليك حين فكرت في لجنة ~~المروءة. أستغفر الله، فما لنا نخدع أنفسنا ونخدع الناس! إنه لم يخيل إلي شيئا، ولم يخيل ~~إليك شيئا، وإنما أحسست أنت كما أحسست أنا آلاما لما نجد من نقص المروءة عند الناس، ومن ~~ضعف الأخلاق وانحراف الطبائع عما ينبغي لها. وكرهت أنت كما كرهت أنا أن نشكو من هذا الشر؛ ~~فعرضت أنت كما عرضت أنا الشكاة في صورة السعي إلى الإصلاح، من طريق المدرسة ذات المناهج ~~والبرامج، وذات الحجرات والغرفات، والتي تتبع وزارة المعارف أو وزارة الشئون الاجتماعية، ~~ومن طريق اللجنة الصغيرة ذات السيطرة الواسعة والسلطان العريض، ثم أفقت أنت كما أفقت أنا ~~من هذا الحلم اللذيذ، فرأينا أن أيا كذا خلقت كما يقول النحاة، وأن تغيرها ليس في ~~أيدينا، وإنما هو في أيدي الزمن الذي هو أقوى منا، والذي يصعب تحليله ورده إلى أصوله ~~وعناصره، فما أريد زمن الفلاسفة، وإنما أريد هذا الزمن الذي يتغناه الشعراء، فيشكون منه ~~حينا، ويشكون إليه حينا آخر. # فلنتواضع أيها الصديق، ولتعدل أنت ms026 عن لجنتك، ولأعدل أنا عن مدرستي، ولنكتف بما اكتفى به ~~الناس من قبلنا، وبما سيكتفي به الناس من بعدنا، فنحب الخير وندعو إليه، ونبغض الشر ونصد ~~عنه، ونحلم من حين إلى حين بأن بلوغ المثل الأعلى قريب يسير، فنستمتع بهذا الحلم ساعة من ~~نهار أو ساعة من ليل حين نكتب ما نكتب للثقافة، ونمتع قراءنا بهذا الحلم ساعة من ليل أو ~~ساعة من نهار حين يقرءون ما نكتب لهم، فستجيب لنا نفوسهم وتخلص لنا قلوبهم، ويسايروننا في ~~هذه الطريق التي تحفها الرياض النضرة؛ حتى إذا أفقنا من حلمنا ورأينا ما في الحقيقة ~~الواقعة من نقص المروءة وضعف الخلق، وتغلب المنافع العاجلة على محاسن الشمائل وخيار ~~الفضائل، تمثلنا بقول جميل لبثينة، وهل كان جميل إلا طالبا للمثل الأعلى مثلك ومثلي؟ وهل ~~كانت بثينة إلا رمزا لهذا المثل الذي تسعى الإنسانية في أثره فلا تبلغه؟ فلنتمثل إذن بقول ~~جميل لمثله الأعلى: # ومنيتني حتى إذا ما ملكتني # بقول يحل العصم سهل الأباطح # تناءيت عني حين لا لي حيلة # وغادرت ما غادرت بين الجوانح # | مدرسة الأزواج # أرادت وزارة الشئون الاجتماعية أن تصلح نظام الحياة في مصر، وكان بين النظم التي ~~ذكرتها في أحاديثها وإعلاناتها نظام الأسرة؛ لأنها لاحظت كما لاحظ الناس منذ زمن بعيد، ~~وكما سيلاحظون إلى زمن بعيد، أن نظام الأسرة المصرية في حاجة إلى الإصلاح. وقد بحثت، ~~وأستطيع أن أبحث دائما عن بيئة متحضرة ترضى عن نظمها الاجتماعية، وتطمئن إليها، ولا ~~تبتغي لها إصلاحا؛ فلم أجد، ويظهر أني لن أجد مهما أمعن في البحث والاستقصاء. # فالسخط على الحياة الحاضرة أصل من أصول الطبيعة الإنسانية، وهو سبيل هذه الطبيعة ~~الإنسانية إلى التطور والرقي، كما أن الرضى المطلق سبيلها إلى الجمود والخمود، ثم إلى ~~التدهور والانحطاط؛ فستظل دائما في حاجة إلى الإصلاح مهما تكن أمورنا صالحة، وسنسخط دائما ~~على نظام الأسرة مهما يكن هذا النظام مصدر لذة لنفوسنا وغبطة لقلوبنا، وسعادة تعيننا على ~~احتمال أعباء الحياة. والشر كل الشر أن نسرف في تقدير هذا ms027 السخط الطبيعي الذي يدفع إلى ~~العمل، ويسمو بالناس إلى الكمال، ويطمح بهم إلى المثل العليا. الشر كل الشر أن نغلو في ~~تقدير هذا السخط فنحوله إلى يأس مثبط للهمم، مفسد للآراء، صارف عن العمل، باعث على ~~القعود. # فليس نظام الأسرة في مصر بالقياس إلى الحياة المصرية، من الفساد والقبح بحيث يظن ~~المتشائمون، ولكنه نظام يلائم حياتنا، وقد أنتج لنا نتائج رضينا عنها ورغبنا فيها، وهو ~~كغيره من النظم قابل للتطور، مصدر لشيء من القلق، معرض لكثير من الاضطراب؛ فالخير في أن ~~نلاحظه ملاحظة دقيقة، ونلائم بينه وبين ما يلم بحياتنا من ألوان التطور، حتى لا يختل ~~التوازن بين أعضاء الأسرة من جهة، وبين الأسرة والبيئة الاجتماعية من جهة. # وكنت أظن حين أنشئت وزارة الشئون الاجتماعية أنها ستكون وزارة ملاحظة ومراقبة وإحصاء ~~وتسجيل؛ تلاحظ حياتنا من جميع أنحائها، وتراقب ما يعرض لها من العوارض، وما يلم بها من ~~التطور، وما يكون لذلك من أثر في الدقيق والجليل من أمرها، ثم تسجل هذا كله وتحصيه ~~وتستخلص نتائجه وتعلنها إلى الناس، ليتعلم منهم من يريد العلم، وليصلح منهم من يريد ~~الإصلاح. وتعلنها بنوع خاص إلى الذين إليهم تدبير الأمر في هذه البلاد ليروا فيها آراءهم، ~~وليطلبوا لها بما تقتضيه من أعمال التشريع والتنفيذ. # كنت أظن ذلك، وكنت أظن أن وزارة الشئون الاجتماعية ستستقبل حياتها على طريقة ديكارت، قد ~~جردت نفسها من كل علم سابق، ومن كل رأي سابق، وأخذت تدرس شئون مصر في أناة ومهل، كأنها لا ~~تعلم من هذه الشئون شيئا، وهيأت لهذا الدرس وسائله قبل البدء فيه، فأنشأت إدارة الإحصاء ~~وإدارات مختلفة لمراقبة شئوننا الاجتماعية وملاحظتها. وكنت أظن أنها ستنفق عاما أو نحو ~~العام في إعداد هذه المصالح والإدارات، وإمدادها بوسائل البحث العلمي الدقيق، وأدوات ~~الملاحظة الصحيحة المنتجة، ثم تأخذ بعد ذلك في الدرس على مهل وفي روية وتثبت. وكنت أظن ~~أنها ستحتاج إلى عامين، أو إلى أعوام، قبل أن تظهر لإنشائها نتائجه اليسيرة الأولى، ولكنا ~~في مصر نحب العجلة ونكره ms028 الأناة ، وليس لنا صبر على الروية والبحث، ولا طاقة لنا ~~بالحياة يوما أو أياما دون أن يقول الناس عنا شيئا، ودون أن ترى أسماءنا في الصحف ~~والمجلات مقرونة إلى أعمال تضاف إلينا خطأ أو صوابا، وتحمل علينا صدقا أو كذبا، وليس ~~المهم أن نعمل، وإنما المهم أن يظن بنا العمل، وليس المهم أن ننتج أو نصلح، وإنما المهم ~~أن نتهم بالإنتاج والإصلاح. وأنا أستعمل كلمة الاتهام عن عمد. # ومهما يكن من شيء فقد أنشئت وزارة الشئون الاجتماعية، فكنت أسعد الناس بإنشائها، ثم أخذت ~~وزارة الشئون الاجتماعية في النشاط، فلا أقول إلا أنها رسمت في نفسي وعلى وجهي ابتسامة فيها ~~مرارة شديدة. ومهما ننكر على وزارة الشئون الاجتماعية فنحن مضطرون إلى الاعتراف بأنها قد ~~أعطتنا مادة للكلام، وقد أعطتنا مادة للدعاية أيضا. ونحن في مصر نحب الكلام، ونحن في مصر ~~نكلف بالدعاية كلفا شديدا. فلنشكر وزارة الشئون الاجتماعية فضلها علينا، ولعلها أن ~~تتقاضانا غدا أو بعد غد شكرا آخر أقوم وأجدى من هذا الشكر. # وكان من أول ما أنشأت وزارة الشئون الاجتماعية إدارة الدعاية، وكانت الدعاية نفسها أول ما ~~أقبلت عليه، وكان صديقنا توفيق الحكيم هو قائد هذه الحملة الهائلة التي وجهت في عنف شديد ~~إلى نظمنا الاجتماعية الفاسدة لتدكها دكا، ولتقيم لنا مكانها نظما اجتماعية صالحة لسنا ~~نعرف ما هي. ولم يرد القائد أن يكون أقل بلاء من جنده، ولا أن يكتفي بتدبير الخطط، وتوزيع ~~الجيوش على مناطق الخطر. وإنما كان قائدا باسلا مغامرا، كقادة القصص القديم؛ يسبق جنده ~~إلى الميدان، ويعرض نفسه للخطر ليكون أسوة حسنة، وقدوة صالحة لأتباعه المستبسلين. # وقد افتتح الحرب بحملة عنيفة على خصمه القديم وصديقه القديم أيضا؛ ذلك الخصم الذي ينغص ~~يومه، ويؤرق ليله، ذلك الصديق الذي تنقطع نفسه حسرات في سبيله، والذي ألهمه ما أنتج من ~~أدبه الجميل، ذلك الخصم وذلك الصديق الذي يسمى المرأة. وكانت غارة القائد المستبسل عنيفة ~~ظريفة، وكانت مضحكة، وكانت مخيبة للآمال؛ فلم يقل فيها صديقنا الأديب شيئا لم يكن ms029 قد قيل ~~من قبل، ولكنه أعاد حديثا زهد فيه الناس، وأعاده في لهجة محنقة من جهة، ومؤذية للذوق من ~~جهة أخرى؛ محنقة لأنها لا تلائم الحق، ومؤذية للذوق - وأريد الذوق الأدبي - لأنها نزلت ~~بالأستاذ إلى أن يتحدث عن أشياء لم نألف الحديث عنها في أدبه الرفيع عن البطاطس والفرن وما ~~يتصل بالبطاطس والفرن. وقد قرأت وضحكت وغضبت، ثم انتهى بي الغضب والضحك إلى هذه الابتسامة ~~المرة التي ترسمها على وجهي وزارة الشئون الاجتماعية دائما كلما ذكرت. وقلت في ~~نفسي: هذا فن جديد من فنون الإعلان، فلن يمضي حديث مدير الدعاية دون أن يثير السخط، ~~ويدعو السيدات والآنسات إلى الرد والجدال، فيكثر القول، وتذكر وزارة الشئون الاجتماعية فيه، ~~وتتحقق الدعاية العنيفة يسيرة سهلة، لم تكلف عناء، ولم تحتج إلى نفقة. ولم أخطئ في ~~التقدير؛ فقد هاج السيدات والآنسات، وما أسرع ما يهجن! وكان من حقهن أن يهجن في هذه المرة، ~~وقد أخذن على غرة، ولم يقدرن كما قدرت أن الأمر لا يراد به إيذاؤهن، ولا الغض من قدرهن ~~الرفيع في نفوسنا جميعا، وفي نفس الأستاذ توفيق الحكيم خاصة، وإنما هو لون من ألوان ~~الدعاية وفن من فنون الإعلان. # هاج السيدات والآنسات، فاتصلت ردودهن في الصحف العربية والفرنسية، وثارت بينهن المناقشات، ~~ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن الشكوى لم تلبث أن ارتفعت إلى الوزير، والسؤال لم يلبث أن ~~وجه إلى الوزير في مجلس الشيوخ؛ وإذا الوزير ينفي، وإذا الكاتب يبرأ، وإذا الأمور تستقر ~~والحمد لله، بعد عاصفة لم تكن هوجاء ولم تكن فاترة، ولكنها كانت شيئا بين ذلك، وكانت تثير ~~في نفوس أصحاب الجد والحزم غضبا وضحكا في وقت واحد، ولا مصدر لهذا كله إلا الإعلان. فمتى ~~يريحنا الله من الإعلان؟ ومتى تقتصد وزارة الشئون الاجتماعية في الإعلان؟ ومتى يكلف ~~الأستاذ توفيق الحكيم شيئا غير إدارة الإعلان؟ # وكذلك كنت أجيل في نفسي هذه الأحاديث وأعبث بها مع بعض الأصدقاء، وإذا «الثقافة» تحمل ~~إلي ذات يوم فصلا لصديقنا أحمد أمين، يصور هذه ms030 الآراء التي ذكرتها آنفا تصويرا دقيقا. ~~فصديقنا أحمد أمين جاد في هذا الفصل، عابث فيه أيضا؛ جاد لأنه يريد الإصلاح ويبتغي ~~إليه الوسائل، وعابث لأنه يساير وزارة الشئون الاجتماعية في هذه الطريق الغريبة التي ~~سلكتها، طريق التفكير السريع، والاقتراح السريع، والإعلان السريع، والإقدام السهل والعسير، ~~في غير تحفظ ولا احتياط. # يريد صديقنا أحمد أمين مجاراة لوزارة الشئون الاجتماعية أن تنشأ في مصر مدرسة للزوجات، ~~ولم لا ولكل شيء في مصر مدرسة؟ والزوجات شيء، فيجب أن تكون لهن مدرسة. ولم لا والدولة ~~تنشئ المدارس في فروع العلم والعمل لتخريج من تحتاج إليهم في مرافق الحياة وحياة الأسرة أهم ~~مرافق الحياة، فما بالنا لا ننشئ مدرسة تخرج اللاتي يقمن على هذه المرافق الخطيرة التي ~~هي أساس الخير والشر في كل ما يمس حياتنا الخاصة والعامة؟ وقد احتاط الأستاذ أحمد أمين في ~~لباقة وظرف وعبث أيضا، لي ولأمثالي من المناكفين الذين يثيرون الاعتراضات ويخلقون ~~المشكلات؛ فرد على الاعتراضات قبل أن تثار، وحل المشكلات قبل أن تخلق، وظن أن فصله هذا ~~سيمضي دون أن أتعقبه، كما تعقبت فصله البديع في فن السرور. # ولكن صديقنا لم يقدر أني مصمم على تعقبه دائما في هذا اللون من ألوان الحديث الذي يمس ~~شئوننا الاجتماعية ويلتمس لها العلاج السهل اليسير القريب، الذي يكفي أن نفكر فيه ساعة، ~~ونكتب فيه فصلا، لنظن أننا قد وصلنا به إلى الغاية، وانتهينا به إلى أبعد آماد ~~الإصلاح. # فمدرسة الزوجات هذه فكرة ظريفة، ذكرتني لمجرد قراءتها بآثار أدبية رائعة لموليير وجيد ~~وموروا، وغيرهم من الكتاب والشعراء. ولعلها شوقتني إلى أن أعود إلى قراءة هذه الآثار ~~الأدبية التماسا للمتعة الفنية، والتماسا لبعض ما أتحدث به إليكم أيها القراء الأعزاء. ثم ~~هي ذكرتني في الوقت نفسه بكتاب آخر خطير، ألفه المسيو ليون بلوم رئيس الوزراء السابق في ~~فرنسا، وزعيم الاشتراكية الفرنسية منذ حين، ألفه في أول هذا القرن وأعاد نشره حين كان ~~رئيسا للوزارة الفرنسية منذ عامين. وهو كتاب الزواج، وهو كتاب ضخم طويل ممتع، ms031 ولكن الحديث ~~عنه لا يلائم هذا الطور من أطوار حياتنا الاجتماعية، ولا يوافق عرفنا وأخلاقنا. وحسبك أنه ~~أثار وما زال يثير في فرنسا سخطا عنيفا. وهذا الكتاب يمكن تقسيمه إلى قسمين: أحدهما تعريف ~~الزواج وتصويره وتصوير الأغراض التي ينبغي أن تلتمس منه وتطلب إليه، والثاني تصوير الوسائل ~~التي تمكن من تحقيق الزواج على النحو الذي يلائم ما أراد المسيو ليون بلوم من ~~الأغراض. # والقسم الأول يمكن أن يختصر في أسطر، وهو يطابق كل المطابقة رأي صديقنا أحمد أمين؛ فليس ~~الزواج عند مسيو ليون بلوم متعة عنيفة ولذة متهالكة، وليس الزواج وسيلة إلى إرضاء طائفة من ~~الشهوات الجامحة التي تضبط ولا تنظم، وإنما الزواج نظام هادئ، ينظم حياة هادئة، ويؤدي إلى ~~سعادة هادئة، ويعين على احتمال أعباء الحياة في طور من أطوار السن، يصعب فيه احتمال أعباء ~~الحياة. وإذن فلا بد من أن يعد الزوجان إعدادا صحيحا دقيقا لهذا الطور الهادئ المريح ~~الخصب من حياتهما، وإلى هنا يتفق مسيو ليون بلوم والأستاذ أحمد أمين. # ولكنهما يختلفان بعد ذلك في مسائل إعداد الزوجين؛ فأما المسيو ليون بلوم فيفرض مدرسة لا ~~تقيمها وزارة المعارف ولا وزارة الشئون الاجتماعية ولا أي وزارة من الوزارات، مدرسة لا بناء ~~لها ولا برنامج لها ولا ناظر لها، وإنما الدنيا كلها هي بناؤها، والحياة كلها هي برنامجها، ~~والطبيعة كلها هي ناظرها، يدخل الناس فيها أحرارا ويخرجون منها أحرارا - إن كان الناس ~~أحرارا في هذه الحياة - ولكنهم قد يدفعون إلى الشر الذي لا حد له وإلى الفوضى التي لا ~~ضابط لها. وأما مدرسة الأستاذ أحمد أمين فهي - كما رأيت - مدرسة ستقام في شارع المنيرة أو ~~في شارع العباسية أو في شارع من شوارع القاهرة، سيكون لها برنامج محدود مكتوب، يأبى الأستاذ ~~أحمد أمين أن يرسمه، لأنه لا يستطيع أن يرسمه، ولأن رسمه لا سبيل إليه، وستكون له ناظرة ~~درست بالطبع في فرنسا أو في إنجلترا ونالت الليسانس أو الدكتوراه أو البكالوريوس أو ~~الماجستير، في أي مادة؟ لا أدري ولا ms032 يدري الأستاذ أحمد أمين. وستكون هذه المدرسة تابعة ~~لمراقبة تعليم البنات في وزارة المعارف أو لفرع من فروع الشئون الاجتماعية، لا أدري ما هو ~~ولا يدري الأستاذ أحمد أمين ما هو، وسيكون في هذه المدرسة أساتذة لا أدري أيكن من السيدات ~~والآنسات؟ أيتخرجن في مصر أم في أوروبا أم يتخرجن هنا وهناك؟ ولا أدري في أي مادة يتخرجن ~~ولا يدري الأستاذ أحمد أمين أيضا. وليس يكفي أن تزعم أن ذكر البرنامج تفصيل وأنك لا تريد ~~الدخول في التفصيل، فحاجتنا إلى التفصيل أشد من حاجتنا إلى الإجمال. فحدثني ماذا تريد أن ~~يدرس في هذه المدرسة؟ صنع البطاطس في الفرن كما يريد توفيق الحكيم؟ فإن بناتنا يتعلمن ~~هذا وكن يتعلمنه قبل أن تنشأ المدارس. العزف على البيانو والعود والقانون؟ فإن هذه أشياء ~~تدرس الآن في المدارس والبيوت. تفصيل الثياب وألوان اللباس؟ فإن هذا يدرس عند المعلمات قبل ~~أن تنشأ المدارس. ويدرس في هذه المدرسة بعد إنشائها ثقافة العقل والقلب والحس والشعور ~~بالأدب والعلم وبالفن والفلسفة؟ فإن هذا يدرس في المدارس والجامعات. الأخلاق وآداب الأسرة ~~والاجتماع؟ فإن هذا يدرس ولا يجدي درسه والخير أن يكتسب من الحياة العملية اكتسابا. ماذا ~~تريد إذن أن يدرس في هذه المدرسة؟ وأين تريد إذن أن يتخرج الأساتذة الذين يعلمون في هذه ~~المدرسة برنامجا لم ترسمه، وما أرى إلا أنك ستجد إلى رسمه سبيلا؟ وهل من الحق أن الزوجات ~~وحدهن يحتجن إلى العناية وإلى أن تنشأ لهن مدرسة خاصة؟ أعليهن وحدهن وزر الفساد الاجتماعي ~~الذي تشقى به الأسرة والأمة؟ أليس من الحق، بل من الواجب، أن نصارح أنفسنا في شجاعة وحزم ~~وبراءة من الأثرة والكبرياء بأن وزر الفساد - إن كان هناك فسادا - إنما يقع على الرجال قبل ~~أن يقع على النساء، وأن النساء إن شاركن فيه فإنما يشاركن فيه بمقدار يسير. إن المرأة لا ~~تشكو من آثام الزوج أو لا تشكو منها إلا قليلا جدا، وأؤكد لك أن آثام الزوج وسيئاته أعظم ~~وأضخم وأشد هولا مما يمكن أن ms033 تؤخذ به المرأة. # إنك لتعلم كما أعلم أن أكثر الرجال يلغون المرأة إلغاء من حسابهم في حياتهم اليومية، ~~فهم يهملونها إذا أقبلوا على أعمالهم لينهضوا بتكاليف الحياة، وليس عليهم بذلك بأس، ولكنهم ~~قد يسرفون في تكاليف الحياة هذه فيغرقون فيها إلى آذانهم، ويضحون في سبيلها بتكاليف الحياة ~~المنزلية، وإذا المرأة وحيدة مهملة قد أصبحت أجيرة لتقوم لسيدها ومولاها على إعداد طعامه ~~وتنظيم حياته المادية اليسيرة، وتقوم على تربية أبنائها كما تستطيع؛ تعمل في النهار وتعمل ~~في الليل، تعمل عن علم إن علمتها، وتعمل عن جهل إذا لم تعلمها، وتحظى بالرضى قليلا وتشقى ~~بالغضب. # ثم لا ينصرف الرجال عن أزواجهم إلى تكاليف الحياة وحدها، ولكنهم ينصرفون إلى متاع الحياة ~~وفضولها وسخافاتها، يتخذون بيوتهم فنادق يؤون إليها ليناموا ويؤون إليها ليطعموا، ولعلهم ~~يطعمون في بيوتهم مرة في اليوم ويأخذون حاجتهم إلى الطعام في الأندية والمطاعم والقهوات. ~~وإنك لتعلم كما أعلم جناية القهوات والأندية على البيوت، وجناية حياة الشارع على حياة ~~الأسرة. وإنك لتعلم أن الرجل يؤثر نفسه بما استطاع من ألوان اللذة والمتاع، ويترك امرأته ~~حيث هي في بيئتها البائسة المظلمة كأنها لم تخلق للذة ولا لمتاع، فإذا سئل عن ذلك تعلل ~~بأن امرأته لا تلائمه، وبأن الزوج الصالحة لم توجد في مصر بعد. وإنما هي معاذير لا تغني عن ~~الحق شيئا، والحق أن الرجل ليس خيرا من امرأته، ولعل امرأته أن تكون خيرا منه وأصفى ~~نفسا وأطهر قلبا وأقوى إرادة وأشد احتمالا وأنقى ضميرا. # شيئا من الرفق أيها السادة! لا تظلموا أنفسكم بظلم النساء، ولا تزعموا أنهن في حاجة إلى ~~الإصلاح من دونكم؛ فهن في حاجة إلى أن يتعلمن كما أنكم في حاجة إلى أن تتعلموا، وهن في حاجة ~~إلى أن نلائم بين حياتهن وبين التطور الذي انتهينا إليه أو الذي نقبل عليه، وأنتم في حاجة ~~إلى مثل ذلك، ولكنكم في حاجة إلى أشياء لم تظهر حاجتهن إليها بعد، أنتم في حاجة إلى ضبط ~~أنفسكم، والقصد في لذاتكم وإرضاء شهواتكم، والاعتدال ms034 في إيثاركم أنفسكم بالخير واعتقادكم ~~بأن الدنيا قد خلقت لكم ولكم وحدكم؛ فأصلحوا أنفسكم تصلح المرأة. # والله يعلم ما أزعم أن المرأة ليست في حاجة إلى الإصلاح، ولكني أزعم أن حاجة الرجال إلى ~~هذا الإصلاح أشد من حاجة النساء، ثم أزعم بعد ذلك أن هذا الإصلاح لا يكون بإنشاء مدرسة ~~تخرج الزوجات الصالحات أو الأزواج الصالحين، وإنما يكون بالملاءمة بين حياتنا ~~الاجتماعية وبين ما يقتضيه العصر الحديث من التطور في النظم السياسية والاقتصادية قبل كل ~~شيء، وفي النظم الاجتماعية المختلفة بعد ذلك. حققوا العدل بين الناس في الغنى والفقر، وفي ~~الاستمتاع بلذات الحياة والاحتمال لآلامها ومشقاتها، وفي الاستمتاع بالحقوق والنهوض ~~بالواجبات، وأنشئوا للحكم وتحقيق العدل ونشر التعليم والعناية بالصحة العامة أدوات صالحة ~~مستقيمة، وثقوا بأن هذا كله سيصلح شئون الرجال والنساء جميعا، وسيكفل تخريج الزوجات ~~الصالحات والأزواج الصالحين. # وأخيرا، أين تكون الشكوى من الزوجات غير الصالحات؟ إنا لا نسمعها في القرى والريف؛ لأن ~~الرجال والنساء يشقون جميعا شقاء مشتركا بحياة قوامها البؤس والضنك والعلل والأمراض، ~~ولا نسمعها في طبقات العمال التي تعيش في المدن؛ لأن هذه الطبقات يشقى رجالها ونساؤها شقاء ~~مشتركا بعذاب مشترك، يشبه ما يشقى به أهل الريف. وإنما نسمع هذه الشكوى في بيئات ضيقة بين ~~الشباب المتعلمين الذي ارتفعوا شيئا ما عن طبقتهم فارتسمت لهم مثل عليا في الحياة، لا ~~يجدون من النساء أعوانا عليها، وهذه أزمة طارئة ستزول يوم يتحقق العدل بين المصريين ~~جميعا، وبين الرجال والنساء خاصة في جميع مرافق الحياة. # فالعدل العدل أيها السادة، العدل الاجتماعي وحده هو قوام الإصلاح، وهو سبيله، وهو غايته، ~~وهو كل شيء. وقد كنت أظن أن وزارة الشئون الاجتماعية قد أنشئت لتحقيق هذا العدل ~~الاجتماعي، وما زلت أظن بها ذلك وأنتظره منها. # | أزمة الجامعة # لست أحسن التنبؤ بما سيكون في غد، ولا حظ لي من القدرة على التحدث بالغيب، ولم أتعلم قط ~~ضرب الرمل ولا استشارة الودع، ولا قراءة خطوط الكف، ولا استنباء الورق سيكون. ومع ذلك فقد ~~كنت ms035 متنبئا أو كالمتنبئ حين كتبت متحدثا عن الجامعة؛ فقد كنت أقدر في ذلك الفصل أن ~~الجامعة بعد أن رد إليها استقلالها، وبعد أن تم لها تكوينها بضم المدارس العليا إليها، ~~قد أصبحت أعظم قوة عقلية ومعنوية في مصر. ولم أكن في حاجة إلى شيء من هذه المؤهلات التي ~~أشرت إليها آنفا، بل لم أكن في حاجة إلى ذكاء ممتاز لأتنبأ بهذه الحقيقة التي أثبتتها ~~الأيام بعد أن أذعتها في الناس بشهر ونصف شهر، ذلك أن طبيعة الأشياء تفرض هذه الحقيقة على ~~مصر فرضا؛ فالعقليون في كل أمة متحضرة هم مصدر القوة الصحيحة لأنهم هم الذين يفكرون ~~ويقدرون، وهم الذين يعدون ويدبرون، منهم تصدر الآراء والخواطر التي ينبعث عنها العمل في كل ~~بيئة من بيئات العمل، وإليهم تعود هذه الآراء والخواطر بعد أن تتصل بالعاملين في بيئاتهم ~~التطبيقية فيدركها التمحيص الذي يصلح ما قد يكون فيها من خطأ ويقوم ما قد يكون فيها من ~~عوج، ويكمل ما قد يكون فيها من نقص، ويحذف ما قد يكون فيها من زيادة، ويهدئ ما قد يكون ~~فيها من غلو وإسراف. وخذ أي مظهر من مظاهر الحياة العاملة في أي بيئة من بيئات النشاط ~~القومي، ثم حلله وعلله فسترى أنه صدر عن العقليين فبعث نشاط العاملين، وأنه عاد إلى ~~العقليين فمكنهم من إصلاح آرائهم وتقويم نظرياتهم، ثم عاد بعد ذلك إلى العاملين فمنحهم ~~قوة إلى قوة، ونشاطا إلى نشاط، وإنتاجا إلى إنتاج. # ذلك حق واقع في كل بلد من بلاد الأرض يستمتع بحظ ولو قليل من الحرية. على أن ظواهر ~~الأشياء قد تخدع الناس أحيانا عن هذا الحق الواقع، فتصور لهم تكوين الجماعة على أنه ~~مؤلف من عناصر مختلفة؛ فرجال العقل يعملون من ناحية، ورجال الاقتصاد والمال يعملون من ~~ناحية أخرى، ورجال السياسة والحرب يعملون من ناحية ثالثة، والطبقات العاملة في الحياة ~~المادية اليومية - طبقات الزراع والصناع والتجار - تعمل من ناحية رابعة. # ولكن هذه كلها ظواهر تنتهي عند أيسر التروية والبحث إلى أن هؤلاء جميعا ms036 مهما يكن بينهم ~~من الاختلاف وتباين النشاط إنما يصدرون فيما يعملون عن الفكرة التي تنشأ في مكتب الأستاذ من ~~أساتذة الجامعة أو من أساتذة المدارس الفنية الخاصة أو في معمل من معامل التجربة ~~والاستقصاء. عن العقل إذن تصدر القوة فتبعث على العمل، وإلى العقل إذن تعود القوة فيدركها ~~التمحيص والإصلاح والتهذيب؛ فالذين يلغون من حسابهم في سياسة الأمم وتدبير الشعوب رجال ~~العقل والتفكير، يخطئون خطأ فاحشا ويأثمون إثما شنيعا. وحياة العقليين مغرية لغير ~~العقليين بإهمالهم والإعراض عنهم، فالعقليون مبهورون بروعة البحث وجمال العلم، منصرفون ~~إليهما عن أي شيء آخر، لا يكادون يفكرون في النتائج العملية والآثار المادية لحياتهم ~~العقلية العليا. هم يحسنون إلى الناس ويلقون منهم العقوق والإعراض، ولا يحسون هذا العقوق ~~والإعراض لأنهم في شغل بحقائق العلم عن صغائر الأمور، وكل ما ليس علما فهو عندهم من صغائر ~~الأمور، ولكن حياة الأمم ليست أمنا كلها، وكثيرا ما يعرض فيها الخوف، وكثيرا ما يعرض ~~فيها الفزع. والخوف والفزع أبغض الأشياء إلى العقليين؛ لأنهما يحولان بينهم وبين الاستمتاع ~~بروعة البحث وجمال العلم. فالعقليون معرضون عن كل شيء إذا أمنوا على نشاطهم العقلي، فإذا ~~لم يأمنوا فهم كغيرهم من الناس، بل هم أكثر من غيرهم من الناس قلقا واضطرابا، ثم سخطا ~~وإنكارا، ثم ثورة واندفاعا في الثورة. وتستطيع أن تبحث في تاريخ الأمم المتحضرة كلها ~~فستجد حياة العقليين فيها ملائمة كل الملاءمة لهذه الصورة التي أعرضها عليك. فإذا قال قائل ~~إن الجامعة في مصر بعد أن تم لها استقلالها، وتم لها تكوينها القوي، قد أصبحت أعظم قوة ~~معنوية في هذا البلد؛ فهو لم يقل شيئا غريبا، ولم يستكشف شيئا يحتاج استكشافه إلى ~~الذكاء. ولقد استأنفت الجامعة المصرية حياتها هادئة، ولكنها لم تكد تمضي في هذه الحياة ~~أسابيع حتى أحست قلقا من حولها أخذ يعظم ويشتد، ثم أخذ يسعى إليها هي سعيا، ثم أخذ ~~يستقر فيها استقرارا إن أمكن أن يستقر القلق. # فهذه القصة التي ثارت حول قبول الطلاب في بعض الكليات، ثم ms037 العدول بهم عن هذه الكليات، ثم ~~الرجوع بهم إليها، لم تترك الجامعيين وما كانوا يحبون من دعة وهدوء. بل لم يقف أمر هذا ~~القلق الجامعي عند هذه القصة، وإنما كانت هذه القصة مظهرا من مظاهره، وليس سرا من ~~الأسرار أن الجامعيين قضوا الشهر الأول من ذلك العام قلقين أشد القلق، ضيقين أشد الضيق، ~~يكاد التشاؤم يكون أظهر ما يساور نفوسهم من عاطفة أو شعور. وكانت الجامعة في هذا القلق ~~والتشاؤم مرآة للشعب كله؛ فهؤلاء الآلاف من الأساتذة والطلاب صورة لأسرهم الكثيرة المنبثة ~~في أقطار مصر، وكل منهم يحس ما تحسه أسرته من أمن وخوف ومن قلق واستقرار، فلما كانت الأزمة ~~السياسية صادفت جامعيين قلقين لا يجدون من حولهم ما يمكنهم من الفراغ الآمن بما يحبون من ~~بحث ودرس، فاضطربوا ثم اتصل اضطرابهم، ثم اشتد ثم استمر، ثم لم يحفل بالنذر ولم يكترث ~~للوعيد، ثم مضى في طريقه وقد أبى إلا أن يقول الجامعيون رأيهم واضحا صريحا حازما مهما ~~يكلفهم ذلك من هول. وقد قال الجامعيون رأيهم حازمين مخلصين، وقد اضطربت من حولهم الأمور ~~وجاءتهم النذر يسعى بعضها في أثر بعض، فلم يغيروا من موقفهم شيئا، وإنما مضوا أمامهم ~~حتى انتهوا إلى ما انتهوا إليه. وقد يكون من الحق أن يسجل للجامعيين أنهم كانوا قوام هذه ~~الحركة الأخيرة، بدأت في جامعتهم ثم مضت معهم في جميع الأنحاء والأرجاء، قوية حازمة ماضية ~~لا تلوي على شيء. وقد يكون من الحق أيضا أن يسجل للجامعيين أنهم رأوا في اجتماع الكلمة ~~وسيلة إلى الاحتفاظ بكرامة مصر والذود عن حقها، فاعتزموا أن يصلوا إلى جمع هذه الكلمة، ~~ووفقوا من ذلك إلى ما أرادوا. ولو لم يكن للجامعيين إلا أنهم قد وحدوا الكلمة بعد ~~اختلافها وجمعوا الرأي بعد افتراقه، وأنبئوا العالم كله بأن مصر لم تنس حقها ولم تطمئن ~~إلى الضيم ولم ترض العنف والخنوع، لكان هذا وحده خليقا أن يسجل على أنه فصل من أروع ~~فصول التاريخ لهذه الجامعة الناشئة. # وقد يلاحظ على الجامعيين أنهم ms038 أقحموا أنفسهم وجامعتهم في السياسة، وما ينبغي للجامعيين ~~ولا للجامعة أن يكون بينهم وبين السياسة سبب من قريب أو بعيد. وقد سجل مجلس الوزراء هذا ~~اللوم تسجيلا في القرار الذي أصدره فأغلق به الجامعة إلى أجل غير مسمى، وأظنني أصف رأي ~~الجامعيين أصدق الوصف إن قلت إنهم يكرهون السياسة أشد الكره، ويكرهون أن يدفعوا إليها، ~~ويتمنون دائما لو استقامت الأمور ومضت على وجهها ففزعوا لدرسهم وبحثهم وانصرفوا إليهما عن ~~غيرهما من أعراض الحياة. ولكن الجامعيين كغيرهم من المصريين مكلفون بالذود عن وطنهم حين ~~يتعرض للخطر، والدفاع عن كرامة وطنهم حين تهان. أفلو اعتدى معتد على مصر واضطر حكومتها إلى ~~أن تعلن الحرب يعفى الجامعيون من حمل السلاح والسعي إلى الميدان؟ كلا إن الذود عن الوطن ~~لا يعرف جامعيا ولا غير جامعي، وإذا تعرض الوطن للخطر فالمصريون جميعا سواء يجب عليهم ~~أن يشتركوا في التضحية حتى يأمن الوطن بعد خوف. # وإنما يلام الجامعيون إن دخلوا في السياسة الحزبية، أو أعانوا فريقا من المصريين على ~~فريق. فأما أن يدخل الأجنبي في شئونهم فينكروا عليه ذلك ويردوه عنه أشد الرد فواجب وطني لا ~~يسعهم التقصير فيه إلا أن ينكروا مروءتهم ورجولتهم. وويل للجامعة إن كان من برنامجها قبول ~~أبنائها للضيم وإذعانهم للسلطان الأجنبي! # | تجربة # أما أنها نجحت نجاحا باهرا قاهرا فذلك شيء لا شك فيه، وأما أن نجاحها كان خيرا للناس ~~وللحضارة فهذا هو الشيء الذي أشك فيه كل الشك، ولعلي أقطع بما يناقضه من جميع الوجوه، ~~ولنعرف أولا ما هذه التجربة الناجحة المخفقة، الرابحة الخاسرة، التي أحيت ناسا كثيرين ~~وعرضت خير ما في الإنسانية للشر والتلف، والتي خيلت إلى الناس أن حضارتهم قد بلغت من ~~الرقي أقصاه، وانتهت من الكمال إلى غايته، على حين أنها زلزلت أركان هذه الحضارة، حتى انتهت ~~بها إلى ما تتعرض له الآن من الانهيار؛ وأريد بها تجربة الإعلان أو تجربة الدعاية. # وقد قلت إن نجاحها ليس فيه شك، وما أظن أحدا ينازع في أن الإعلان قد أصبح ms039 من أصول الحياة ~~الحديثة وركنا من أركانها، بل لعله أصبح أهم أصولها وأعظم أركانها خطرا. عظم شأنه في ~~التجارة والصناعة فكان مروجا للبيع والشراء والأخذ والعطاء، ثم عظم أمره في السياسة ~~وأمور الحكم فكان مروجا للأحزاب السياسية، وكان حكما بين هذه الأحزاب يقضي لبعضها على ~~بعض، ويديل لبعضها من بعض. وكان مروجا للحكومات حين تنهض بأمور الحكم، وللمعارضة حين تقاوم ~~هذه الحكومات، وكان إليه الأمر في كل ما يكون؛ من قيام الوزارات وسقوطها، ومن ظفر الأحزاب ~~في الانتخاب وانهزامها. أعانه على ذلك انتشار القراءة والكتابة، وانتشار الصحف التي تحمل ~~إلى قارئ ما يستطيع أن يقرأ، والتي تدس على كل قارئ فيما يقرأ هذا الإعلان أو ذاك، تروج به ~~لما تراد على أن تروج له من أمور التجارة والصناعة والسياسة، ومن أمور الثقافة ~~أيضا. # ثم أتاح العلم والاختراع للصحافة شريكا له خطره وأثره في الإعلان، وهو الراديو. هذه تروج ~~بالقراءة في الصباح والمساء، وحين يتوسط النهار وحين يتقدم الليل، وهذا يروج بالإلقاء في كل ~~ساعة من ساعات النهار والليل، بل في كل لحظة من لحظات النهار والليل. # هذه تسلك إلى النفس طريق العين، وهذا يسلك إلى النفس طريق الأذن، وكذلك يحاط بالفرد ~~وبالجماعة من جميع وجوههما، ويؤخذ الفرد والجماعة من جميع أقطارهما، يخضعون للإعلان في كل ~~لحظة من لحظات الحياة، والإنسان - كما قال أرسطاطاليس - مدني بالطبع، وليس معنى ذلك أنه ~~بطبعه يحب الحياة المنظمة تنظيما سياسيا دقيقا فحسب، بل معناه أيضا أنه يتأثر أشد ~~التأثر بهذه الظواهر التي تنشأ ويدعى إليها ويقبل عليها بعض الناس حتى يتهالك الناس ~~جميعا عليها، وما أسرع ما تصبح لهم نظاما ولحياتهم قواما! كأنها أصل من أصول الحضارة ~~وضرورة من ضرورات العيش. # لقد عرفت القطارات فأعرضت عنها كثرة الناس إعراضا، وأقبلت عليها منهم قلة، ولكن وقتا ~~قصيرا لم يمض حتى أصبحت القطارات أساسا من أسس الحضارة الحديثة، ثم تقدم الاختراع وأنشئت ~~وسائل أخرى للمواصلات أسرع وأيسر من القطارات، فقاومها الناس وأقبلت عليها قلة، ثم لم تلبث ms040 ~~أن أصبحت أصلا من أصول الحياة. # وكذلك كان الإعلان نفسه، لم يقبل عليه في أول أمره إلا المجربون ثم المطمئنون إلى ~~التجربة، ثم لم يلبث هؤلاء المجربون أن كثروا، ولم يلبث هؤلاء المطمئنون أن تزايدوا وأصبح ~~عددهم ضخما، ثم لم يلبث الإعلان أن أصبح أصلا من أصول حياتنا الحديثة، لا نكاد نتصور ~~عملا من الأعمال الخطيرة أو الضئيلة التي نريد أن نقدم عليها، حتى نقدر حظ الإعلان منه ~~أو حظه من الإعلان. فإذا أهملنا هذا التقدير فعملنا معرض للخطر، بل مقضي عليه بالإخفاق ~~الذي لا مخرج منه ولا منصرف عنه. # والظريف أن هذا التقدير لأمر الإعلان قد أصبح جزءا طبيعيا، وهو مضحك بنوع خاص حين يتصل ~~بأمور الثقافة، وحين يتصل بالإنتاج الأدبي الممتاز، ولا سيما في أوروبا، فلا يكاد الأديب أو ~~الفيلسوف يفرغ من كتابه أو يفكر في إنشاء كتابه ويتحدث فيه إلى الناشر - وأنت تعلم أن من ~~المؤلفين من يتفق على نشر كتابه قبل البدء فيه، ومنهم من يتفق على ذلك بعد الفراغ منه - حتى ~~يكون الإعلان أول شيء يعرض له الحديث؛ فالناشر يحسب ما سيكلفه الإعلان من نفقة، والكاتب ~~يحسب ما سيكلفه الإعلان من نسخ. وقد نشرت ترجمة الأيام بالفرنسية وتحدث إلي في أمرها ~~الكاتب الفرنسي العظيم دي هامل، فكان مما قاله لي: «يجب أن توطن نفسك على توزيع 370 نسخة ~~مجانا على الصحف ليعرف الكتاب، فبغير هذا لا سبيل إلى معرفته.» وقد حدثتك في الأسبوع ~~الماضي عن كتاب دي هامل «الدفاع عن الأدب»، وهو من أشد الكتب بغضا للإعلان وسخطا عليه، ~~وما أشك مع ذلك في أنه قد قدر أمر الإعلان مع الناشر حين هيأ كتابه هذا للنشر، قدر ما ~~سيكلفه الإعلان من نسخ وما سيكلفه الناشر من مال، يحسب عليه هو في آخر الأمر. # فالإعلان إذن أصل من أصول الحياة الحديثة قد تغلغل في فروعها كلها، فلم يبق للناس سبيل ~~للتخلص منه أو الفرار من سلطانه، وهو من هذه الناحية قد نجح نجاحا باهرا قاهرا، بل ms041 هو قد ~~نجح من ناحية أخرى؛ فهو يفيد الذين يلجئون إليه ويحسنون الانتفاع به فائدة قريبة محققة، ~~وهو يضر الذين لا يلجئون أو لا يحسنون الانتفاع به ضررا قريبا محتوما. فالتاجر الذي ~~يحسن الإعلان، وينفق عليه الأموال الضخمة ناجح رابح، والتاجر الذي يقصر في ذات الإعلان أو ~~تقصر يده عما ينبغي له من الضحايا والقربان خاسر مقضي على تجارته بالكساد من غير شك. ~~والكتاب الذي تعلن الصحف ظهوره ومحاسنه سريع النفاد، والكتاب الذي تجهله الصحف أو لا تذكره ~~إلا قليلا بائر على مؤلفه وناشره جميعا بإذن الله. # والحزب السياسي الذي يظفر بالصحف المنتشرة الرائجة كثير الأتباع موفق إلى الظفر في ~~حياته السياسية مهما تختلف ألوانها، والحزب الذي يقصر به الفقر أو ترتفع به الكرامة عن ~~الإعلان مخذول مدحور في حياته السياسية مهما تكن مبادئه ومذاهبه، ومهما كانت استقامة ~~أعضائه، ومهما يكن حظهم من رجاحة الحلم ونزاهة المقصد وحب الوطن وإيثار المنفعة العامة على ~~كل شيء. # وقل مثل ذلك في كل ما يمس الجماعة وحياة الفرد، لا سبيل إلى الإقدام على عمل تنشئه إلا ~~إذا قدرت حظ الإعلان في الترويج له، ولا سبيل إلى الإقدام على شيء تحتازه احتيازا ~~ماديا أو معنويا إلا إذا عرفت رضى الإعلان عنه، وما أنتج من حسن رأي الناس أو سوء رأي ~~الناس فيه. # كل هذا حق واضح قد أطال الناس فيه حتى أصبح ذكره حديثا معادا، ولكن هل أفادت الحضارة من ~~هذه الظاهرة ما يصلحها ويرقيها ويدنيها من المثل الأعلى، ويقربها من الكمال الذي يقال إننا ~~نسعى لندركه ولندنو منه؟ أم هل أفادت الحضارة من الإعلان ما يسوءها ويغض من قدرها ويضع من ~~مكانتها، ويردها إلى هذه الغلطة التي لا تلائم ارتفاع النفوس عن الصغائر وتنزهها عما لا ~~يليق بالقلوب الكريمة، هذه التي ينبغي أن تصوغها حضارتنا ذات الحظ العظيم من الامتياز فيما ~~نزعم؟ # هذه هي المسألة التي أشك فيها كل الشك، بل أكاد أقطع بأن الجواب عليها لا يرضي ولا يسر، ~~بل لا يشرف، ms042 بل لا يسمح لنا بأن نفاخر بحياتنا الحديثة، وبما أنتجت من حضارة، وبما انتهت ~~إليه من مثل عليا في الأخلاق؛ ذلك أن الإعلان يفقد قيمته كلها إذا اعتمد على العقل، وقام ~~على ما يراه العقل أساسا للحياة الكريمة النقية من الفضائل وخصال الخير. فالإعلان الذي لا ~~يقول إلا حقا، والذي لا يتحدث إلى الناس إلا بالصدق، والذي لا يتجه من الناس إلا إلى ~~عقولهم وملكاتهم المفكرة المقدرة المتدبرة فيما تكون من رأي وما تصدر من حكم، هذا ~~الإعلان لا وجود له، ولا يمكن أن يوجد، ولا ينبغي أن يوجد؛ لأنه لو وجد لما حفل به أحد، ولا ~~أقبل عليه أحد، ولا أذعن لسلطانه أحد، ولكان أمره كفلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، مقصورا ~~على طبقة من الخاصة، بل من خاصة الخاصة، وكانت نتيجته إخفاقا تاما، وإفلاسا محتوما، ~~وليس من العسير أن توازن بين الكتب القيمة ذات الخطر العظيم التي لا يعلن أصحابها أو ~~ناشروها أمرها إلا بمقدار وفي صحف معينة قد خصصت لها ولأمثالها، وبين الكتب الأخرى المتوسطة ~~أو ذات الخطر الضئيل أو التي لا خطر لها، ولكنها تظفر بالإعلان الهائل الذي لا يصدر عن عقل ~~ولا عن صدق ولا عن نصيحة للقارئ، وإنما يصدر عن رغبة في البيع وحرص على الرواج؛ فسترى نتيجة ~~هذه الموازنة مصدقة لهذه الحقيقة الواضحة، وهي أن الإعلان لا نفع له إلا إذا اعتمد على شيء ~~غير الصدق، وصدر عن مصدر غير العقل، وقصد إلى شيء غير النصح والإرشاد. # وتعليل ذلك يسير عند علماء النفس وعلماء الاجتماع، فصاحب الإعلان مروج، ومروج في بيئة ~~اجتماعية تختلف طبقاتها وتتفاوت أقدار أفرادها وحظوظهم من العلم والجهل، ومن الذكاء ~~والغباء، ومن قوة الحس وبلادة الطبع، ومن سرعة التصديق والإبطاء فيه، ومن سهولة الانقياد ~~وصعوبة المراس، ولا بد من أن يتجه الإعلان إلى هؤلاء جميعا، ولا بد من أن يبلغ هؤلاء ~~جميعا ويصل إلى نفوسهم، ويحدث فيهم الأثر الذي يريده صاحب الإعلان. فالإعلان لون من ~~الخطابة التي تتجه إلى الجماهير، ولكنه لا ms043 يتجه إلى جمهور بعينه قد اشتمل عليه مكان محدود ~~وأحاط به إطار معنوي محدود، وإنما هو خطابة مكتوبة، فيه خصائص الخطابة التي تتجه إلى عواطف ~~الجماهير، وتهاجم منها مواطن الضعف لتقهرها وتبهرها وتبلغ منها كل ما تريده، وفيه خصائص ~~الكتابة التي تتجه إلى الغائبين منفردين ومجتمعين، فتقرأ جهرا وتقرأ سرا، ويقرؤها الفرد ~~وحده ويقرؤها الفرد مجتمعا إلى غيره، وهو من هاتين الناحيتين بعيد كل البعد عن أن يكون ~~شيئا عقليا ممتازا أو متوسطا قوامه الصواب والصدق والنصح والإخلاص، إلا أن يكون ~~الإخلاص متصلا بما يريد المعلن أن يروج له ويدعو إليه. # فالإعلان إذن شيء يقوم على غير الصدق وعلى غير الصواب في أكثر الأحيان، وتلاحظ أني متحفظ ~~محتاط لا أصطنع كلمة الكذب ولا كلمة الخطأ؛ لأني لا أريد هاتين الكلمتين، وإنما أريد شيئا ~~وسطا بين الصدق والكذب، وشيئا وسطا بين الخطأ والصواب، وشيئا وسطا كذلك بين النصح ~~والغش، وبين الإخلاص والنفاق، وأريد شيئا أقل مما يتصف به أنه غامض من جميع نواحيه إلا ~~من ناحية الترويج لما يريد المعلن أن يروج له، والدعوة لما يريد المعلن أن يدعو إليه؛ أي من ~~ناحية تحقيق المنفعة القريبة العاجلة مهما يحط بها من الظروف الحسنة والسيئة، النقية ~~والكدرة، البريئة. # ومعنى هذا كله أن الإعلان حين اندس في الحضارة الحديثة وتغلغل في أعماقها حتى أصبح لها ~~قواما، قد دس فيها عنصرا غامضا مبهما خطرا، قوامه الشبهات، وقد أضعف بهذا العنصر حظ ~~العقل من التأثير في الحضارة، وحظ الاختيار القائم على التفكير الصحيح وعلى تحري الصواب ~~والإخلاص في هذا التحري. وهو بهذا قد ألغى حظا عظيما جدا من حرية الفرد ومن حرية ~~الجماعة، واستبعد الناس لفريق قليل ضئيل من هؤلاء الذين ينظمون الإعلان ويصوغونه ويذيعونه ~~ويشرفون عليه. # ومعنى هذا أن الإعلان في حقيقة الأمر خصم من خصوم الحرية الفردية والاجتماعية، وخصم من ~~خصوم العقل، وخصم من خصوم التفكير وتحري الصدق والصواب؛ ونتائج هذا كله ظاهرة في حياتنا ~~وحضارتنا؛ فالإعلان هو الذي أفسد قلوب الألمان وخدعهم ms044 بزخرف القول حتى أضاع عليهم عقلهم، ~~وحتى سلبهم حريتهم، وحتى أخضع ملايينهم الضخمة لفرد أو لأفراد يصرفونهم كما يحبون، ويتصرفون ~~في أنفسهم وأموالهم وعقائدهم وآرائهم كما يشتهون. والإعلان هو الذي دفع الألمان - بعد أن ~~صاغهم هذه الصيغة - إلى هذه الطاعة المطلقة التي انتهت بهم وبجزء عظيم من العالم إلى هذه ~~الكارثة التي نشهدها، والتي نرجو ألا تشمل العالم كله بآثارها المنكرة. # فالإعلان إذن شر قد لا يكون منه بد، ولكنه شر لا بد من الاحتياط حينما نضطر إليه، ~~وحينما تكرهنا الظروف على اصطناعه، وما أكثر الشرور التي لا بد منها! ولكن ما أشد ما يجب ~~على الناس أن يصطنعوا من الحذر والاحتياط حين يضطرون إلى بعض هذه الشرور! فهل نحن نصطنع ~~شيئا من الحذر والاحتياط فيما يكون بيننا وبين الإعلان من صلة تضطرنا إلى أن نصطنعه في بعض ~~شئوننا ومصالحنا؟ أم هل نحن قد فتنا به كما فتن غيرنا، وأذعنا له كما أذعن له غيرنا، ~~وأهدينا إليه عقولنا وقلوبنا في غير تحفظ ولا احتياط كما أهداها إليه غيرنا؟ # وأنا لا أريد بالطبع أن أقوم مقام الواعظ المرشد؛ فليس بي أن أقوم هذا المقام، ومصر ~~والحمد لله غنية بالوعاظ والمرشدين، قد امتلأت الصحف والراديو والأندية بوعظهم وإرشادهم، ~~وإنما أنا باحث يحاول أن يفهم، ويحاول أن يدعو غيره إلى الفهم والاستقصاء. ولست أخفي عليك ~~أن الذي حملني على التفكير في أمر الإعلان هو هذه الظاهرة الغريبة، ظاهر التهالك على ~~الإعلان، في بيئات قد كانت خليقة ألا تفكر في الإعلان الآن، فضلا عن أن تتهالك عليه. وقد ~~قرأت في بعض الصحف ما دعاني إلى هذا التفكير، وهو أن الذين يعلنون يجب أن يكون عندهم ما ~~يعلنونه إلى الناس، فأما أن يعلنوا قبل أن يظفروا بما يريدون إعلانه فهذا هو الشيء الغريب ~~حقا، وواضح جدا أن هذا الكلام إنما يمس وزارة الشئون الاجتماعية، التي لم تكد تنشأ، ~~ولم يكد الناس يبتهجون بإنشائها حتى كان أول ما أقدمت عليه وآخر ما أقدمت عليه وأهم ما ms045 ~~أقدمت عليه إلى الآن الإعلان. أنشأت له إدارة، وعينت له موظفين. أستغفر الله، بل أساءت ~~إلى الأدب الخالص، فأخذت أديبا كان الناس يحبون أن يقرءوا له، وكلفته أن يفرغ لأبعد ~~الأشياء عن الأدب، وأبغضها إلى الأدب، وأسوئها أثرا في الأدب؛ وهو الإعلان. وأخذنا لا نعرف ~~توفيق الحكيم ولا نسمع عنه، ولا نلقاه إلا وهو غارق في الإعلان إلى أذنيه، قد اتخذ لنفسه من ~~الإعلان معطفا وعصا مكان معطفه وعصاه اللذين طالما تحدث عنهما الناس، وسيتخذ لنفسه ~~من الإعلان صنما يشغله عن أصنامه تلك التي كان مفتونا بها كل الفتنة، والتي كانت تسمى ~~الموسيقى والتمثيل والغناء والقصص؛ فكان من أول الشر الذي جناه تهالكنا على الإعلان في ~~وزارتنا الجديدة تعقيم توفيق الحكيم. وأنا أستأذنك في الضحك من هذه الكلمة، فقد أراها تصلح ~~عنوانا لرسالة ظريفة تصور صديقنا حين كان أديبا خالصا للفن، وتصوره بعد أن أصبح معلنا ~~خالصا للإعلان. # ولكن أمر الإعلان في وزارة الشئون الاجتماعية - وقد كدت أملي في وزارة الدعاية - لا يقف ~~عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما هو شر منه من إضاعة الوقت والجهد والمال في غير نفع ولا ~~غناء؛ فإدارة الدعاية في هذه الوزارة تريد أن تعظ الناس وترشدهم إلى الخير والإصلاح، ~~والأزهر قائم بهذا الإرشاد والوعظ منذ زمن بعيد، ووزارة الداخلية قائمة بهذا الإرشاد والوعظ ~~منذ زمن بعيد أيضا. وما أظن أن وزارتنا الجديدة ستبلغ من التوفيق في الوعظ والإرشاد إلى ~~ما لم يبلغه الأزهر ووزارة الداخلية. # وأكثر من هذا أن كل وزارات الحكومة لم تنشأ عبثا، وإنما أنشئت لمصلحة الناس قبل كل ~~شيء، وهي من هذه الجهة محتاجة إلى الإعلان كما يحتاج الإصلاح الاجتماعي نفسه إلى الإعلان. ~~فما رأيك لو أنشأت وزارة العدل إدارة للإعلان تذيع في الناس فضائل العدل وتدعوهم إليه؟ وما ~~رأيك لو أنشأت وزارة التعليم ووزارة الأمن ووزارة الري والصرف إدارات للإعلان، تذيع في ~~الناس فضائل التعليم والأمن والري والصرف، وتدعوهم إلى ما يصلح من ذلك وتردهم عما لا ~~يصلح؟ وما ms046 رأيك لو أنشأت وزارة المال والاقتصاد ووزارة الدفاع عن الوطن ووزارة البر ~~والإحسان إدارات تدعو الناس من طريق الإعلان إلى الخير وتردهم عن الشر في كل ما تعالج من ~~مرافق البلاد؟ # وأظرف من هذا كله أن وزارة التجارة - وهي وزارة الإعلان بأصح ما لهذه الكلمة من معنى - لم ~~تنشئ إدارة للإعلان، أو أنشأتها ولكن لا تتحدث عن نفسها ولا تشغل الناس بنفسها! # أليس يكون من أغرب الأمور أن تنشئ كل وزارة إدارة للإعلان وأن تختار لها الموظفين وتنفق ~~عليها المال وتغذي منها الصحف والراديو، وتصبح أمور الحكومة كلها إعلانا في إعلان، ولا شيء ~~غير الإعلان؟ ألست توافقني على أن هذا كثير، وعلى أن الخير أن نرجع في هذا كله إلى القصد ~~والاعتدال؟ ألست توافقني على أني لا أسرف على وزارتنا الجديدة إذا طلبت إليها ناصحا لها أن ~~تلغي هذه الإدارة الجديدة، وأن ترد موظفيها إلى أعمال أنفع وأجدى وأحسن ملاءمة للمصلحة من ~~أعمال الإعلان هذه، وأن ترد توفيق الحكيم إلى أدبه وكتبه وأحاديثه في الصحف، فذلك أحسن ~~موقعا عند الناس من هذا الجهد الضائع الذي يضر كثيرا ولا ينفع شيئا، والذي أقل ما يوصف ~~به أنه تهالك على الكلام الذي لا يدل على معنى، وعلى الدعاء الذي لا يحصل منه شيء، وأظنك ~~تستطيع أن تؤكد معي لوزارة الشئون الاجتماعية أن المصلحين إن كانوا قد سئموا شيئا من مصر ~~والمصريين فقد سئموا الكلام والإعلان، وطال شوقهم إلى أن يفكر المصريون تفكيرا صحيحا ~~منتجا في كلمة قاسم أمين رحمه الله: إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تعلن عن نفسها. # | رحلة # تركت للقاهرة جد الحرب والسلم، ودعابة الحرب والسلم أيضا، وفررت منها إلى حيث تعودت أن ~~ألجأ بين حين وحين من أعماق الصحراء في أواسط الصعيد. فشغلت بضروب أخرى من الجد والهزل ليس ~~بينها وبين ما يشغل به الناس في القاهرة سبب قريب أو بعيد. وقد علمنا أساتذتنا القدماء ~~والمحدثون أن في التغيير ترفيها على النفس وتسلية عن الهم وتجديدا للنشاط. # وأعترف بأني حين ms047 أزمعت هذه الرحلة كنت ألتمس الترفيه على النفس والتسلي عن الهم والتجديد ~~للنشاط، ومع أني قد ظفرت من هذا التغيير بشيء كثير فقد عدت إلى القاهرة كما خرجت منها ~~متعبا مكدودا عظيم الحظ من السأم والضيق. إما لأن الحوادث التي تشغلنا في هذه الأيام أثقل ~~وأكثف من أن يجليها التغيير ويريحنا التنقل من بيئة إلى بيئة، وإما لأن الرحلة كانت ~~قصيرة لا تكفي لنسيان ما خرجنا منه قبل أن نعود إليه، وإثم هذا على مجلس الجامعة وعلى ~~السادة العمداء خاصة؛ فهم قد أرادوا في هذا العام أن يسرفوا على أنفسهم وعلى زملائهم ~~وطلابهم في الجد، كأن الأيام لا تسرف على الناس في هذا الجد. ولأول مرة في تاريخ الجامعة ~~قصرت إجازة العيد حتى لا تتجاوز خمسة أيام، منها يوم الجمعة الذي هو يوم أجازة بطبعه. ولأول ~~مرة في تاريخ الجامعة كان الجامعيون أشد على أنفسهم وتلاميذهم وأعنف بها وبهم من وزارة ~~المعارف؛ فقد أذنت وزارة المعارف للأساتذة والتلاميذ في أن يستريحوا أسبوعا كاملا من ~~عناء الدرس، وأبت الجامعة إلا أن ترد الأساتذة والطلاب إلى القاهرة مساء الإثنين ليستأنفوا ~~الدرس صباح الثلاثاء، كأن الدرس شيء لذيذ لا يمكن الصبر عنه ولا تصح الاستراحة منه سبعة ~~أيام. ومهما يكن من شيء فكانت الرحلة قصيرة ذهب منها يومان في السفر ذهابا وإيابا كما ~~يقال، وأنفق باقيها في راحة تشبه التعب أو تعب يشبه الراحة. فلم نسمع للراديو ولم نقرأ ~~فيها الصحف ولم ينفض علينا التليفون فيها ضوء النهار ولا ظلمة الليل، ولم نشعر فيها بهذا ~~التطواف السخيف في مدينة القاهرة وضواحيها، نلقي البطاقات إلى الخدم والبوابين حتى إذا عدنا ~~وجدنا بطاقات قد ألقيت عندنا إلى الخدم والبوابين، ولم نناقش أحدا ولم يناقشنا أحد فيما ~~كان وما يمكن أن يكون من شئون الحرب، ولم نجادل أحدا ولم يجادلنا أحد فيما كان وما يمكن أن ~~يكون من سياسة أحزابنا المصرية الموفقة في كل ما تأتي وما تدع. وإنما فرغنا في هذه الأيام ~~لأنفسنا، ولهذه الناحية ms048 من أنفسنا التي نزدريها ما أقمنا في القاهرة؛ لأنها فيما يظهر تقرب ~~من الحيوان، وتنزل بنا عن هذه المرتبة الممتازة مرتبة الإنسان المتحضر الذي يقرأ الكتب ~~ويلقي الدروس ويجادل في العلم والسياسية ويكتب في الأدب والسياسة، وقد يختلف إلى ملاعب ~~السينما والتمثيل. هذه الناحية التي نتنافس في البعد عنها ونستبق إلى ازدرائها ونصطنع ألوان ~~النفاق في كتمانها والتستر في أكثر ما نضطر إليه من مظاهرها، أريد بها ناحية الحياة ~~الجسمية الخالصة التي تختصر في الطعام والشراب والنوم وبعض الحركات الآلية السخيفة. إلى ~~هذه الناحية الحقيرة من نواحي حياتنا فزعنا في هذه الأيام الثلاثة، فأنسينا العلم والأدب ~~نسيانا تاما، وكدنا نشغل عن الحرب لولا هؤلاء الذين كانوا يلمون بنا من حين إلى حين، ~~فيحملون إلينا غرائب الأنباء وطرائف الأخبار عن بلاء الإنجليز في مقاومة الألمان وبلاء ~~اليونانيين في مقاومة الإيطاليين. # وكانت طريقنا في الذهاب والإياب سهلة ميسرة هذه المرة قد اطردت فيها الأقنية ~~اطرادا حسنا، وجرت المياه في مساربها تستقيم حينا وتلتوي حينا آخر، ولكنها جرت معتدلة ~~هادئة، لا تنسد الأقنية ولا تضطر عمال وزارة الأشغال إلى قطع الطرق على السيارات وتحويلها ~~إلى تلك الطرق التي شكوت منها في رحلة سابقة. # وكان أهل الريف مشغولين بالعيد، وللعيد في نفوس الريفيين أثره، مهما تكن أحوالهم، ومهما ~~تكن الظروف التي تحيط بهم؛ فهم يبتهجون وإن كانت أمورهم كلها بؤس، وهم يظهرون السعادة ~~والرضى وإن كانت حياتهم كلها تدعو إلى الشقاء والسخط، ومصدر ذلك فيما أظن أنهم مقتنعون بأن ~~العيد يجب أن يدل على معناه، وأن يؤخذ أمره بالجد لا بالهزل، وأن يفرح الناس فيه، ويبتهجوا ~~به مهما تكن الظروف؛ لأنهم قد خلقوا للفرح والابتهاج. وأهل الريف لم يتحضروا كما تحضرنا، ~~ولم يتعمقوا الحياة كما تعمقناها، وهم يحبون فيما أعتقد أن يسموا الأشياء بأسمائها، وفيهم ~~من السذاجة وطهارة القلوب ما يحملهم على أن يصدقوا الحياة حين تنبئهم بأن من أيام الدنيا ما ~~ينبغي أن يفرح الناس فيه ويبتهجوا به، فهم يفرحون ويبتهجون لأن الفرح ms049 والابتهاج من الأشياء ~~المفروضة في هذه الأيام المعينة. وعلى كل حال فقد قطعنا الطريق إلى صحرائنا، وقطعنا ~~الطريق من صحرائنا إلى القاهرة دون أن نرى مظاهر البؤس والحزن؛ لأن العيد قد أخفى مظاهر ~~البؤس والحزن، ولأن أهل الريف قد أرادوا كما يريدون دائما أن يحسنوا لقاء العيد ويكرموا ~~مثواه، ويتلقوه بما يجب أن يتلقى به من السرور والابتهاج، ويؤجلوا حزنهم وبؤسهم وشقاءهم ~~إلى الأيام التي تحتمل أن يظهر فيها البؤس والحزن والشقاء. # في هذه الأيام - أيام العيد - خدع الغني وصاحب الثراء عن غناه وثرائه، وعن رأي الناس ~~فيهما واحتمال الناس لهما، فلم يحس سخطا ولا حسدا. وفي هذه الأيام - أيام العيد - خدع ~~الفقير البائس عن فقره وبؤسه، فخيل إلى نفسه أنه غني وأنه سعيد، ولم ينظر إلى غنى الغني ~~وثراء صاحب الثروة هذه النظرات التي يملؤها الحقد أحيانا، ويملؤها الحزن والتمني دائما. ~~وفي هذه الأيام أيام العيد أحس الأغنياء والفقراء جميعا كأن الله قد مسهم بجناح من رحمته ~~التي وسعت كل شيء، فسعد الأغنياء بثرائهم وسعد الفقراء بفقرهم وبأسائهم، وجرت أمور الناس ~~على خير ما ينبغي أن تجري عليه في أيام العيد التي هي أيام هدنة بين السراء والضراء، وبين ~~النعماء والبأساء، وفرغنا نحن لما أردنا أن نفرغ له من هذه الحياة الحيوانية التي نزدريها ~~في القاهرة كما قلت منذ حين. # ولعلي قد أسرفت على نفسي بعض الشيء حين زعمت أني برئت من الحياة العقلية في هذه الأيام ~~الثلاثة براءة تامة أو مقاربة؛ فليس من شك في أني لم أقرأ أدبا ولا علما ولا سياسة، ~~ولكني لم أفرغ لحياة الجسم وحده، وإنما رجعت نفسي إلى عهدين من عهود الحياة المصرية، لم أكد ~~أتصل بهما حتى فكرت فأطلت التفكير، وحتى أحسست وشعرت، فكنت قوي الإحساس دقيق الشعور. فأما ~~أحد هذين العهدين فعهد مصر القديمة، رجعت إليه حين زرت صديقتي تلك التي اتصلت بها نفسي ~~أشد الاتصال، وهام بها قلبي أشد الهيام، وتعلق بها عقلي أشد التعلق، تلك الصبية التي فارقت ~~الحياة ms050 ولم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، والتي خطفها من أهلها بنات النيل إلى قصرهن ~~المسحور في أعماق النيل. فلما انتهين بها إلى هذا القصر أخذن نفسها البريئة الطاهرة ورددن ~~جسمها إلى أهلها، فتلقاه هؤلاء محزونين فرحين، وأقاموا له ذلك البيت الذي أحب أن ألم ~~به كلما زرت تلك الصحراء. وسجل أبوها في ذلك البيت تسجيلا مؤثرا في لغة يونانية عذبة، ~~وسجل ما يجب أن يقدم إليها في المواسم من ألوان التحيات، فأحببت أن ألم ببيت أسيدورا ~~كلما زرت تلك الصحراء، وأن ألم بذلك البيت على نحو ما كان يلم به أبوها، ذلك المصري ~~القديم. وما يمنع أن يقدم إلى نفس تلك الصبية البريئة شيء من الزهر؟ وما يمنع أن يحرق في ~~بيت تلك الصبية البريئة شيء من البخور، ولا سيما حين يكون هذا البخور قديما قد وجد في ~~مقابر المصريين القدماء؟ وما يمنع أن يقف مثلي أمام ذلك السرير الذي اضطجع فيه جسم تلك ~~الصبية البريئة ألفي عام، حتى إذا كشف عنه بحث الجامعيين وجد فيه رمادا لا يثبت للمس ~~اللامس، وخاتما صغيرا من الذهب نقل إلى مصلحة الآثار؟ أما أنا فلا أكره أن ألم ~~بهذا البيت وقد قدمت بين يدي زيارتي له بعض الزهر، وسبقني من حرق فيه بعض الطيب، وأشعل فيه ~~ذبالة ضئيلة تكاد تشبه تلك النفس الطاهرة الصافية البريئة التي احتفظ بها بنات النيل في ~~قصرهن المسحور في أعماق النيل. نعم، وما أكره أن أقف أمام ذلك السرير، فأذكر وأعتبر؛ لأن ~~الذكرى تنفع المؤمنين. وما أبيح لنفسي أن أزور تلك الصحراء دون أن ألم بذلك البيت ~~إلمامة قصيرة، وأذكر قول الشاعر العربي القديم: # ألما بمي قبل أن تطرح النوى # بنا مطرحا أو قبل بين يزيلها # فإلا يكن إلا تمتع ساعة # قليل فإني نافع لي قليلها # فهذا أحد العهدين. أما العهد الثاني فما زال قائما حاضرا تصرفنا عنه حياتنا المثقفة ~~الممتازة، ولعلنا نرتفع بأنفسنا عنه لأننا نراه سخفا وإيغالا في حب القديم، ولكني أحب أن ~~ألم به بين ms051 حين وحين ؛ لأني أتمثل فيه عهد الصبا، وأتمثل فيه حياة الكثرة المطلقة من ~~المصريين، وأمتزج فيه بهذه الكثرة المطلقة، وألغي فيه ما بيني وبين هذه الكثرة من الفروق، ~~وأشعر فيه شعورا قويا جدا بأني واحد من هذه الملايين التي لا تحصى من المصريين منذ عرف ~~المصريون أرض مصر وعاشوا. وهذا العهد الذي أحبه كل الحب وأبيح للمثقفين أن يسخروا مني لأني ~~أحبه كل الحب، هو هذا الذي يتمثل حين يجتمع فريق من أهل القرى حول شيخ من مشايخ الطرق ~~ليعقدوا مجلسا من مجالس الذكر. وأنا أعرف ما يقول الذين ينكرون البدع، وأعرف أيضا ما ~~يقوله الأوروبيون عن مجالس الذكر. ولكن ماذا تريد؟ إني أحب هذه المجالس وأجد فيها نفسي ~~الضائعة، وأتمثل فيها مصريتي القديمة والجديدة والمستقبلة، وأشعر فيها بهذا التضامن الذي ~~أحب أن أجده دائما بين المصريين، ولا أكاد أصل إلى تلك الصحراء حتى أطلب إلى صاحبي أن يدعو ~~لي مجلس الذكر، فيجتمع هؤلاء الفلاحون على ذكر الله كما تعودوا أن يذكروا، وعلى غناء ~~المنشد مدح النبي # صلى الله عليه وسلم # كما تعودوا أن يستمعوا له. وإذا أنا شديد الشوق إلى أن أنضم ~~إلى حلقتهم فآتي ما يأتون من الحركات وأنطق بما ينطقون به من الألفاظ، وأطرب لما يطربون له ~~من الغناء. قل ما شئت وتصورني كما أحببت، واحكم علي بما تريد أن تحكم به، ولكني أحب حلقات ~~الذكر وأطرب لإنشاد المنشدين، وأجد في هذا الجو المصري الخالص لذة ومتاعا وشعورا بالمصرية ~~الخالصة. # وكذلك زرت صديقتي أسيدورا في الصباح وشهدت مجلس الذكر في المساء، وأحسست في هذين الطورين ~~من أطوار حياتي في ذلك اليوم أني مصري حقا، وأن في مصر ما يحب، وأن فيها ما ينبغي أن ~~يفتدى بكل ما يستطيع الإنسان بذله من نفس وجهد ومال. # أترى إلى هذا الذي فر من الحياة العقلية في القاهرة إلى حياة الحيوان في الصحراء فلم ~~يستطع أن يخلص من عقله ولا من تفكيره؟ ولكني انصرفت عن مجلس الذكر، أستغفر الله، بل انصرف ms052 ~~عني مجلس الذكر وترك في نفسي أصداء لم تفارقني أثناء الليل، فلما أصبحت قال قائل في ~~الجماعة: لنذهب إلى أسيوط. فأجابت الجماعة كلها: لنذهب إلى أسيوط. ولم أستطع إلا أن أذهب ~~إلى أسيوط. وهناك في أسيوط كان العجب العجاب؛ كان ثلاثة من أساتذة الجامعة قد بلغوا الساعة ~~الرابعة من المساء. وقد انتهى بهم الجوع وبأسرهم إلى أقصاه، وبلغ بهم غايته، فانتهوا إلى ما ~~يحبون من الحياة الحيوانية الخالصة؛ فهم لا يريدون إلا الطعام، ولا يفكرون إلا في الطعام، ~~ولا يتحدثون إلا بالطعام. وقد دعاهم إلى الشاي كريم من أهل المدينة؛ فأقبلوا إلى الشاي ~~جياعا قد أهلكهم الجوع، ظماء قد أضناهم الظمأ. وهنالك بلغت الحيوانية بهم أقصى ما تستطيع ~~أن تنتهي إليه. وكان صاحب الدعوة قد أعد لهم مقدارا صالحا من هذا اللون الذي يسميه ~~المجمع اللغوي شاطرا ومشطورا بينهما طازج فيما يقول أصحاب العبث، والذي يسميه الفرنسيون ~~ساندويش. فلا تسل عن اندفاعهم على هذا الساندوتش البائس، ولا تسل عن التهامهم له وازدرادهم ~~إياه، حتى أفنوه في دقائق لا تكاد تبلغ العشر. ثم عطفوا على ما أعد لهم من ألوان الطعام ~~الأخرى، فمسحوها مسحا وألغوها إلغاء، ونظفوا المائدة منها تنظيفا. فأما الشاي فما أكثر ~~ما شربوا منه، وما أقل ما أطفأ من ظمئهم. ولكن الظريف الطريف من الأمر أنهم لم يشعروا ~~بإسرافهم في الشره وغلوهم في النهم وتجاوزهم للحد في ذلك كله إلا بعد أن فعلوا الأفاعيل ~~بالساندويش والجاتو والشاي. # هنالك، هنالك ليس غير، أحسوا أنهم قد تجاوزوا حدود الحضارة، وتعدوا ما ينبغي للمترفين ~~ألا يتعدوه، وساروا سيرة الحيوان لا سيرة الإنسان. وهنالك أحس أساتذة الجامعة الثلاثة أنهم ~~أسرفوا على أنفسهم وعلى أسرهم وعلى مضيفهم، وأنهم كانوا يستطيعون أن يملكوا أنفسهم أكثر ~~مما ملكوها، وأن يضبطوا غرائزهم أكثر مما ضبطوها، وأن كلمة ساندويش قد أصبحت معادلة لكلمة ~~الخزي والخجل والعار. وهنالك، وهنالك ليس غير، أحس الأساتذة الثلاثة من أساتذة الجامعة أن ~~في حياة الناس شيئا يسمى الخجل، وأنهم قد بلغوا من ms053 هذا الخجل أقصاه وانتهوا به إلى غايته. ~~وهنالك، وهنالك ليس غير، أحس هؤلاء الأساتذة الثلاثة من أساتذة الجامعة أنهم يستطيعون أن ~~يجعلوا لفظ الساندويش مرادفا للفظ الخجل، وأن يصرفوه تصريفا فرنسيا كما يصرف لفظ ~~الخجل في اللغة العربية. وأن يقول قائلهم لمن يأتي الأمر العظيم: ألا تشعر بالساندويش؟ كما ~~يقول القائل العربي لمن يأتي الأمر العظيم: ألا تشعر بالخجل؟ # وهنالك، وهنالك ليس غير، أحس هؤلاء الأساتذة الثلاثة من أساتذة الجامعة، بأن من الممكن أن ~~تصبح كلمة الساندويش الأجنبية مرادفة لكلمة الخجل في اللغة العربية. # ولكن ماذا عسى أن ينفع هذا الإحساس بعد أن التهم الساندويش التهاما وازدردت الفطائر ~~ازدرادا ومسحت مائدة الداعي مسحا، ولم يبق عليها إلا أطباق فارغة وفناجين نقية وأباريق ~~قد خلت من كل شيء إلا من بقايا الشاي؟! # وقد تقول حين تصل إلى هذا الموضع من هذا الفصل: ما قيمة هذا الحديث، وما نفع هذا القصص، ~~وما فائدة هذه الدعابة؟ معذرة يا سيدي القارئ العزيز، أتستطيع أن تنبئني عن قيمة اختلاف ~~نوابنا المحترمين في رياسة مجلس النواب وفي عضوية مكتب مجلس النواب في هذه الأيام حين تحاول ~~ألمانيا هدم الإمبراطورية البريطانية فلا تستطيع، وحين تحاول إيطاليا سحق الدولة اليونانية ~~فلا تستطيع؟ معذرة يا سيدي القارئ، لماذا تقبل أن تحدثك الأهرام والمصري في الصباح وأن ~~يحدثك البلاغ والوفد والمقطم في مساء، باختلاف نوابنا المحترمين في رياسة مجلس النواب ومكتب ~~مجلس النواب، ولا تقبل أن أحدثك أنا عن زيارتي لبيت أسيدورا وشهودي لمجلس الذكر وإسراف ~~ثلاثة من أساتذة الجامعة وأسرهم على ساندويش كريم من كرماء أسيوط؟ أتشعر بأن هنالك فرقا ~~بين دعابة الأفراد ودعابة الأمم؟ إن العالم يمثل في هذه الأيام مأساة تمزق القلوب وتفطر ~~الأكباد، وقد يكون لها أعمق الآثار في حياته المقبلة، والأمة المصرية تعبث فيتنافس نوابها ~~فيمن يكون الرئيس، وفيمن يتألف منهم مكتب المجلس؛ فلم تقبل منهم هذا العبث ولا تقبل مني ~~أن أقص عليك زيارتي لصديقتي العزيزة أسيدورا وشهودي لمجلس الذكر في تونة الجبل، وتهالك ms054 ~~أصحابي وأسرهم وأسرتي معهم على ذلك الساندويش الذي أؤكد لك أنه كان لذيذا متقنا ~~حقا؟ # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو؛ فلنلعب ولنله يا صديقي القارئ العزيز، ولنترك الجد ~~لأصحاب الجد من الأوروبيين، ومن يدري؟ لعلهم أن يكونوا مخطئين فيما يصطنعون من جد، ~~ولعلنا أن نكون مصيبين فيما نصطنع من دعابة وهزل. # | المصري الغريب في مصر # هو مختار رحمه الله؛ فقد كان في حياته مرآة صادقة كل الصدق لنفس مصر الخالدة التي لا تحد ~~ولا تحصر. كنت تجد في هذه المرآة صورا صادقة لنفس مصر القديمة، ولنفس مصر الإسلامية، ولنفس ~~مصر هذه التي يكونها هذا الجيل، ولآمال مصر ومثلها العليا بعد أن يتقدم الزمان ويتقدم، ~~وترث أجيال أخرى أرض الوطن عن هذه الأجيال التي تضطرب فيها الآن. # كان مختار هذه المرآة الصافية المجلوة التي تنعكس فيها حياة مصر على اختلاف أزمنتها وما ~~يحيط بها من الظروف، فكان من هذه الناحية أشد أبناء مصر اتصالا بها وقربا منها وتمثيلا ~~لها. ولكنه على ذلك كان غريبا في مصر أثناء هذه الأسابيع التي ختمت مساء الثلاثاء حين ختمت ~~حياة مختار. أقبل من أوروبا فلم تكد الصحف تتحدث عن إقباله، ولم يكد يخف للقائه من ~~أصدقائه إلا نفر قليلون. وأقام في مصر مريضا مكدودا يلح عليه الألم والسقم فلا يكاد ~~يذكره من المصريين الذين كانوا يعجبون به ويحشدون له ويهتفون باسمه ويعتزون بمجده ويرفعون ~~رءوسهم بآثاره إلا نفر يحصون، ولعلك إن أحصيتهم لم تبلغ بهم العشرين، وأخشى ألا تبلغ ~~بهم أقل من هذا العدد اليسير. ثم اشتد عليه المرض وألجأه إلى المستشفى، فلم تكد الصحف تتحدث ~~عن ذلك إلا حديثا يسيرا جدا. وخف أصدقاء مختار إلى المستشفى يسألون عن صديقهم ويريدون ~~لقاءه فحال المرض بينهم وبين اللقاء، وأعلن إليهم أن الحجاب قد ألقي بينهم وبين هذا ~~الصديق، وإن كانت الحياة ما تزال تتردد في جسمه النحيل. ثم أصبح الناس يوم الأربعاء وإذا ~~نعي مختار يملأ القاهرة ويقع من نفوس أهلها موقع الألم اللاذع والحزن الممض. ms055 ثم أمسى ~~الناس يوم الأربعاء، وإذا جماعة من خاصة المصريين وقليل من الأجانب عند محطة القاهرة ~~يستقبلون جثمان مختار، ثم يسعون معه إلى المسجد، ثم يتفرقون ويمضي مختار إلى مستقره ~~الأخير، ومن حوله جماعة قل في إحصائهم ما شئت فلن تستطيع أن تبلغ بهم نصف المائة. ثم يصل ~~مختار إلى قبره، ثم يهبط مختار هذا القبر، وهؤلاء الأصدقاء قائمون قد ملكهم وجوم عميق لا ~~يقطعه إلا هذا الصوت الرفيق المزعج، صوت المساحي والمعاول وهي تسوي القبر عليه، وتقطع ما ~~بقي بينه وبين الحياة من أسباب، وإلا هذا النداء الذي يتردد بين حين وحين عنيفا يتكلف ~~الرفق، طالبا الماء الذي يحتاج إليه في تسوية هذا القبر، وإقامة هذا السد بين صاحبه وبين ~~الحياة، وإلا هذا اللغط الذي يؤذي الأسماع، وكان من حقه أن يكون موسيقى عذبة رقيقة تأسو ~~القلوب الجريحة وتهدئ النفوس الثائرة، وترد الجازعين اليائسين إلى ما ينبغي لهم من الإذعان ~~لقضاء الله والرضى بحكم الله. وهو لغط هؤلاء القراء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب وقد كره ~~الله أن يلوي الناس ألسنتهم بالكتاب؛ لأنه كتاب مبين مستقيم لا عوج فيه ولا التواء، وإنما ~~فيه هداية للعقول وشفاء لما في الصدور. ثم ينقطع كل صوت، ويتفرق هؤلاء الأصدقاء يحملون في ~~قلوبهم ما يحملون من حب ووجد، ومن أسى ولوعة، يحملون هذا كله لينغمسوا به في هذه الحياة ~~التي تنتظرهم على خطوات قليلة قصيرة من مستقر الموتى. # وكذلك انتهت قصة مختار مع انتهاء النهار يوم الأربعاء، وكذلك أسدل ستار الموت على ~~حياة مختار في الوقت الذي أسدل فيه ظلام الليل على حياة الأحياء. وما أكثر ما تنتهي قصص ~~الناس في كل يوم! بل في كل ساعة، بل في كل لحظة! وما أكثر ما يسدل ستار الموت حين تشرق ~~الشمس أو حين تغيب، فلا نحس ذلك ولا نلتفت إليه! لأن الذين تختطفهم المنية أو تحصدهم في ~~جميع الأوقات قوم مجهولون لم تميزهم الظروف أو لم تميزهم أنفسهم، فهم يمضون دون أن يحسهم ~~أحد كما ms056 يقبلون دون أن يحسهم أحد، ولكن مختارا كان غريبا حقا في آخر حياته، وكان ~~غريبا حقا في أول موته، وأي عجب في هذا؟ لقد آثر حياة الغربة منذ أعوام، فكان لا يزور ~~وطنه إلا لماما، ولقد تعود الجفوة من مواطنيه. وأكبر الظن أن ذلك كان يؤذيه، ولكنه كان ~~أكرم على نفسه من أن يشكو أو يظهر الألم. ولقد سمعنا أنه احتمل المرض شجاعا، واستقبل ~~الموت شجاعا، لم يدركه جزع ولا فرق. # ولو أنه رأى بعد أن مات كيف ودعه مواطنوه لما أثر فيه ذلك أكثر مما أثرت فيه جفوة ~~مواطنيه قبل أن يموت. ولعله كان يألم لذلك في قرارة قلبه الممتاز، ثم لا يظهر من ألمه ~~شيئا كما كان يفعل أثناء الحياة، إنما نحن الذين ينبغي لهم أن يألموا أشد الألم، وأن ~~يحزنوا أشد الحزن، وأن يستشعروا شيئا غير قليل من اللوعة والحسرة وخيبة الأمل حين نرى هذا ~~العقوق، وحين نقدر أثره في نفس صديقنا الراحل العزيز؛ فقد كنا وما زلنا نتحدث بأن ~~مختارا هو الذي رد إلى مصر بعض حظها من المجد الفني، وكنا وما زلنا نتحدث بأن ~~مختارا قد مكن مصر من أن تعرب عن نفسها وعما تجد من الألم والأمل بلسان جديد لم تكن ~~تستطيع أن تصطنعه من قبل، وهو لسان الفن. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختارا قد أنطق مصر ~~بهذه اللغة التي يفهمها الناس جميعا وهي لغة الجمال، لغة الفن، بعد أن كانت لا تنطق إلا ~~بهذه اللغة التي لا يفهمها إلا جيل بعينه من الناس، وهي لغة الكلام. # وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختارا قد جدد في مصر سنة كانت قد درست ومضت عليها قرون ~~وقرون، وهي سنة الفن. وكنا وما زلنا نتحدث بأن مختارا قد لفت الأوروبيين إلى مصر، ~~وأقام لهم الدليل على أن مطالبتها بالاستقلال لم تكن عبثا ولا لغوا، وإنما كانت نتيجة ~~لحياة جديدة ونشاط جديد، وقد لفت مختار الأوروبيين إلى ذلك في أشد الأوقات ملاءمة، في وقت ~~الثورة السياسية. وكنا ms057 وما زلنا نتحدث بأن مختارا على حداثة عهده بالفن كان أسبق ~~المصريين إلى إعجاب أوروبا، ألم يعرض آثاره في باريس؟ ألم تتحدث صحف الفن عن مختار قبل أن ~~تتحدث صحف الأدب عن كتابنا وشعرائنا؟ ألم تستقر آثار مختار في متاحف باريس قبل أن تستقر ~~آثار كتابنا وشعرائنا في مكاتبها؟ كنا نتحدث بهذا كله، وكنا وما زلنا نتحدث بأن ~~مختارا قد رد إلى المصريين شيئا غير قليل من الثقة بأنفسهم، والأمل في مستقبلهم، ~~والاطمئنان إلى قدرتهم على الحياة الممتازة الراقية. # كنا وما زلنا نتحدث بهذا وبأكثر من هذا، ومع ذلك فقد قضى مختار آخر حياته شريدا أو ~~كالشريد، وقد قضى مختار آخر أيامه في مصر منسيا أو كالمنسي، وقد عبرت جنازة مختار مدينة ~~القاهرة يطيف بها جماعة من الخاصة ليس غير! نستغفر الله، بل مرت جنازة مختار أمام التمثال ~~الذي صنعه بيديه كما تمر أمام أي شيء، لم يظهر على التمثال ما يدل على الحزن أو ما يدل ~~على الاكتئاب، أو ما يدل على الشكر وعرفان الجميل. وعبرت جنازة مختار مدينة القاهرة تجهلها ~~الحكومة المصرية أو تكاد تجهلها، لم يمش في جنازة مختار ولم يقم على قبر مختار وزير ~~العلوم والفنون، ولم يلق أحد على قبر مختار كلمة الوداع، وإنما كان الصمت يشيعه، وكان ~~الصمت يواريه التراب، وكان الصمت يودعه حينما تفرق من حوله الأصدقاء. ولو قد مات مختار ~~في بلد غير مصر لكان لموته شأن آخر، ولو قد كان مختار فرنسيا أو إنجليزيا أو إيطاليا ~~وأدى لبلده مثل ما أدى لمصر لقامت الدولة له بشيء آخر غير الإهمال والإعراض. إذن لكانت ~~جنازته رسمية تنفق عليها الدولة، ويمشي فيها رجال الدولة، ويخطب فيها كبار رجال الدولة، ~~ولكن مختارا نشأ في مصر، وعمل لمصر، ومات في مصر، فحسبه ما أتيح له يوم الأربعاء من توديع ~~الذين كانوا من أصدقائه وأحبائه ليس غير. # ولا ننس أن رئيس الوزراء قد تفضل فندب من مثله في جنازة مختار. وهذا - ويا لسخرية ~~الأقدار - كثير جدا ينبغي ms058 أن يشكر لرئيس الوزراء؛ فقد ينبغي ألا ننسى أن مختارا لم يكن ~~من أنصار السياسة الرسمية، ولا من الذين يستمتعون بعطفها وحبها ورضاها، فكثير أن يتفضل ~~رئيس الوزراء فيندب من يمثله في جنازة هذا المعارض وإن كان صاحب فن، وإن كان قد أنفق حياته ~~كلها لمصر لا لحزب من الأحزاب ولا لجماعة من الجماعات. لا أكذب المصريين أن لنا في مثل هذه ~~الأحداث والخطوب مواقف لا تشرفنا ولا تلائم ما نحب لأنفسنا من الكرامة، ولا تشجع العاملين ~~على أن يعملوا. ومن الذي نسي موت الشاعرين العظيمين حافظ وشوقي وموقف السياسة منهما؟ ذهب ~~المعارضون بحافظ، واستأثر المؤيدون بشوقي، ثم ذهب المعارضون بمختار منذ أيام، وضحي ~~بالأدب والفن في سبيل الأهواء والشهوات، وظهر المصريون في مظهر العقوق الذي لا يليق بالشعب ~~الكريم. لا أكذب المصريين أنهم في حاجة إلى أن يرفعوا أنفسهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم عن ~~هذه المنزلة المهينة، إنهم في حاجة إلى أن يرفعوا الأدب والعلم والفن عن أغراض الحياة، ~~وأغراض الخصومة السياسية؛ لأن في الحياة أشياء أرقى وأطهر وأكرم من السياسة وخصوماتها، ~~والأدب والعلم والفن أول هذه الأشياء. لقد هم أصحاب حافظ أن يخلدوا ذكر حافظ فلم ~~يوفقوا، وهذا حافظ يخلد ذكر نفسه. ولقد هم المستأثرون بشوقي من رجال السياسة الرسمية ~~أن يخلدوا ذكر شوقي فلم يفلحوا، وهذا شوقي يخلد ذكر نفسه. فهل بين المصريين من يهمون ~~بحماية آثار مختار من الضياع وبتخليد ذكر مختار؟ وهل هم إن فعلوا موفقون إلى ما يريدون؟ ~~أم هل تدخل السياسة في أمر مختار فتفسده كما أفسدت أمر حافظ وشوقي؟ سؤال مؤلم ما كان ينبغي ~~أن يلقى، ولكن انتظار جوابه لن يكون طويلا، ولعله لا يضيف ألما إلى ألم، وحزنا إلى ~~حزن. # | أحاديث الأسبوع # كان جو القاهرة قلقا مضطربا أثناء الأسبوع، يذكر الشتاء المدبر فيستحضر بعض أرواح ~~البرد، ويلمح الصيف المقبل فيسرع إلى بعض بشائر القيظ. وكان النهار ضعيف الذاكرة جدا، ~~محي الشتاء من نفسه محوا على قرب عهد الشتاء، وكان الليل وفيا ms059 بعض الشيء ، قوي ~~الذاكرة إلى حد ما، رفيقا بالناس بعض الرفق، كأنما كان يشفق عليهم من قسوة النهار ~~ونسيانه للعهد، وزهده في الأمس وتهالكه على غد، فكان يثير لهم بعض هذه النسمات الهادئة ~~الحلوة التي تغرق أحيانا في الهدوء والخفة حتى توشك أن تكون لاذعة، وحتى تلفت الناس إلى ~~أن من الخطر أن يخونوا عهد الشتاء كما خانه النهار، وأن يتهالكوا على عهد الصيف كما تهالك ~~عليه النهار، وأن يتخففوا من ثيابهم، ويتهاونوا في الاحتياط والحذر من هذه الأرواح ~~القليلة الخفية المغرقة التي تتعلق بشعاع من أشعة القمر، أو بنفس من أنفاس النسيم، ~~والتي لا تكره أحيانا أن تمس المهملين مسا خفيفا، فتعرضهم للأذى، وتحملهم من الآلام ~~جهدا ثقيلا. # وكان الناس، أو بعبارة أدق، كان الأدباء يسايرون الزمان كدأبهم في كل حين وفي كل بيئة، ~~كانوا يفترون للنهار وينشطون لليل، كانوا يثقلون للظهر ويخفون لمغرب الشمس، كانوا يؤدون ~~أعمالهم خامدين هامدين في الضحى، أو يتخذون شكل الذين يؤدون أعمالهم وهم لا يؤدون منها ~~شيئا، فإذا ألقت الشمس يدا في كافر كما كان يقول لبيد؛ خفت الأجسام، ونشطت النفوس، واتسعت ~~الرئات للهواء، وتفتحت العقول والأذهان للخواطر، وانطلقت الألسنة بالحديث، ولم تكن أحاديث ~~الأدباء في هذا الأسبوع قليلة الخطر، ولا ضئيلة الشأن، ولا هينة الأمر على المتحدثين بها ~~من الأدباء، والمتناقلين لها من غير الأدباء، فهم قد بدءوا أحاديث الأسبوع بهذا الاجتماع ~~الذي كان عند جماعة «الإسيست»، وقصد به لا أقول إلى إحياء ذكر مختار، بل أقول إلى ذكر ~~مختار ليس غير. وكان حديث الأدباء عن هذا الاجتماع طريفا؛ لأنه لم يزد على أن ذكره وألم ~~به دون أن يفسره أو يعلق عليه. وهل أحاديث غير الأدباء في مصر الآن خير من أحاديث الأدباء؟ ~~فأنت تستطيع أن تلتمس النشاط عند رجال السياسة، أو عند أصحاب المال، أو عند غير أولئك ~~وهؤلاء من طبقات الناس، فإن استطعت أن تجد صورة من صوره فأنت منصف حين تلوم الأدباء على ~~القصور، وتعيبهم بالفتور. على أن ms060 شيئين لم يهملهما الأدباء حين تحدثوا عن هذا الاجتماع، ~~إن كانوا قد تحدثوا عنه بالفعل أو خاضوا فيه حقا، ولم يكن هذا الحديث الذي أنقله عنهم ~~خيالا فاترا فتور حياة الأدباء كلها في هذه الأيام. فأما أول هذين الشيئين: فهو أن هذا ~~الاجتماع إنما كان أثرا من آثار الشباب وحدهم، هم الذي فكروا فيه، وهم الذين دعوا إليه، ~~وهم الذين ألحوا في الدعوة، فوفقوا إلى إكراه جماعة من الكهول والشيوخ على الاستجابة ~~لدعوتهم، وظفروا من جماعة أخرى بالوعود والأماني التي لم يقدر لها الوفاء ولا التحقيق، ولم ~~يظفروا من جماعة آخرين بوعد ولا أمنية، فضلا عن الوفاء أو التحقيق. # وأما الشيء الثاني فهو أن هذا الاجتماع لم يحدث في الأدب حدثا، ولم ينتج له جديدا، ~~إلا كلمة طريفة قيمة مؤثرة قالها صديقنا مصطفى عبد الرازق. فأما ما دون هذه الكلمة فلم ~~يكن شيئا، حتى إن صديقنا مطران لم يستطع إلا أن يعيد على السامعين قصيدة رائعة بارعة من ~~غير شك، ولكنها قديمة، أنشئت وأنشدت لاستقبال مختار حين عاد ظافرا يستقبل المجد، ثم ~~استخرجت وأنشدت لوداع مختار حين استأثر به الموت، فولى يودع المجد ويودع الحياة. ~~والغريب أن هذا الاجتماع كان لتكريم الفن، ولتأبين المثال الأول في تاريخ مصر الحديثة، ~~المثال الذي ابتكر من الآثار ما يقال إنه جميل رائع ينطق البكم ويثير حس الذين لا ~~يثور لهم حس، ويفيض شعور الذين لا يفيض لهم شعور، ومع ذلك فهو لم ينطق أدباءنا وما أكثر ~~ما كانوا ينطقون! ولم يثر حسهم وما أكثر ما كان يثور! ولم يفض شعورهم وما أكثر ما كان ~~يفيض! تساءل الأدباء عن مصدر هذا في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة ~~أو في الخيال؛ فكان الجواب أن مصر الآن نائمة تستريح. # ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا الأدباء ينسون حديث مختار إن كانوا قد ذكروه؛ لأن ~~حديثا آخر قد فتحت لهم أبوابه، ومدت لهم أسبابه، وهو حديث صحيفة اضطرها حكم ms061 القضاء ~~إلى الصمت، فتفرق كتابها، وانتشر أصحابها في الأرض يبتغون من فضل الله عليهم وعلى الناس، ~~وسكت هذا الصوت، أو هذه الأصوات التي كانت تسمع مع الصباح في كل يوم، والتي كانت تفتح ~~للساسة والأدباء وأصحاب الاقتصاد والذين يلتمسون الأنباء فنونا من القول وألوانا من ~~الحديث. تحدث الأدباء عن هذا الحدث الأدبي السياسي، في السر أو في الجهر، في النوم أو في ~~اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال، وتساءلوا ما باله لم ينطق الأدباء بشيء؟ فكان الجواب أن ~~مصر الآن نائمة تستريح. # ثم مضى من الأسبوع يوم ويوم ويوم، وإذا حفل يقام واجتماع يحتشد له الناس في ملعب من ~~ملاعب التمثيل، وإذا خطب تلقى مختلفة ألوانها، متباينة أشكالها. وإذا شاعر يكرم بهذا ~~الاجتماع الضخم، وبهذا الاحتفال الرائع، وبهذه الخطب الطوال، وإذا الأدباء - أستغفر الله - ~~بل الشعراء منهم خاصة، يتحدثون بهذا الحدث الأدبي، ويتناقلون أنباءه، ويفسرونها ~~ويؤولونها، في السر أو في الجهر، في النوم أو في اليقظة، في الحقيقة أو في الخيال. ثم ~~يتساءلون ما بال الشعر لم يأخذ بحظه من تكريم الشعر، وما بال الشعراء لم يشاركوا في ~~تكريم الشاعر؛ فكان الجواب أن مصر الآن نائمة تستريح. # وأنا أعترف بأني لم أكره هذا الجواب، ولم أضق به؛ فحب النوم والإغراق في الراحة شر، ~~ولكن بعض الشر أهون من بعض. وأنا أعترف بأني أوثر هذا الجواب على جواب آخر بغيض، لا أحب أن ~~أسمعه ولا أن يسمعه غيري، ولا أن يكون هو المصور لحقيقة الأمر. وقد كان يهمس به بعض الناس ~~الذين يفترون الكذب على الله وعلى الناس، فكانوا يقولون وليتهم لم يقولوا: إنما تثاقل ~~الأدباء والمثقفون من ذكر مختار لأن ذكر مختار شيء يخاف. وكانوا يقولون وليتهم لم ~~يقولوا: إنما سكتت أصوات الأدباء عن صمت أولئك الكتاب لأن التعرض لصمت أولئك الكتاب أو ~~نطقهم شيء يخاف. وكانوا يقولون وليتهم لم يقولوا: إنما ثقل الشعر عن تكريم العقاد لأن ~~تكريم العقاد شيء يخاف من جهة، وشيء يشق على الشعراء من جهة ms062 أخرى. وقد استقر الخوف على أحد ~~جناحي الشعر، واستقرت المنافسة على جناحه الآخر، فظل المسكين جاثما على الأرض، لا يستطيع ~~أن يرقى في الجو، ولا أن يسبح في الهواء. # أما أنا فلم يعجبني الجواب الأول لأني رجل لا أحب النوم ولا أستريح إلى الراحة، ولم ~~يعجبني الجواب الثاني لأنه كذب كله، أملاه سوء الظن وحب الكيد. ولهذا أعرضت عن أحاديث ~~الأدباء في هذا الأسبوع، وتحدثت إلى نفسي، وإلى نفسي وحدها، بحديث لا صلة بينه وبين الأدب، ~~ولا صلة بينه وبين السياسة، ولا صلة بينه وبين شيء مما يعنى به الناس الممتازون في هذه ~~البلاد الآن، وهو حديث المنجمين. لا تعجب ويأخذك الدهش، فقد فكرت في المنجمين وأطلت ~~التفكير. ألم تزعم لنا الصحف أن السلطان يطارد التنجيم والمنجمين في مصر؟ فما يمنعني أن ~~أفكر في التنجيم والمنجمين وأنا أقرأ في الصحف الأوروبية أن التنجيم ينهض في أوروبا بعد ~~كبوته ويستيقظ بعد نومه الطويل، ويسترد مكانته العليا في قصور الملوك ودواوين الوزراء، ~~أستغفر الله، بل في ميادين القتال، بل في الجامعات أيضا؟ فهذه صحيفة فرنسية - النوڤيل ~~ليترير - تحدثنا بأن صاحب الجلالة جورج الملك الإمبراطور، قد عني بالتنجيم وحديث ~~المنجمين، فأبى أن يسافر ابنه إلى أستراليا في يوم كان المنجمون يخافون منه الشر، واحترقت ~~فيه طيارة فرنسية كانت تحمل حاكم الهند الصينية العام. # والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الزعيم الإيطالي العظيم يحفل بالتنجيم والمنجمين، كما يحفل ~~بالسياسة والساسة، وهي تحدثنا بأن الألمانيين كانوا قد ألحقوا بقيادتهم العليا أثناء الحرب ~~منجمين، وكانت كلمة هؤلاء المنجمين مسموعة، وكانت وعود المنجمين لقواد الألمان أصدق من ~~وعيد المنجمين للمعتصم بن الرشيد. والصحيفة نفسها تحدثنا بأن الألمانيين أنشئوا كرسيا ~~للتنجيم في جامعة برلين سنة 1918. ثم الصحيفة نفسها تلوم فرنسا لأنها لا تعنى بالتنجيم ~~والمنجمين عناية الإنجليز والإيطاليين والألمان، فكيف لو علمت هذه الصحيفة أن المصريين ~~يعدون التنجيم إثما، ويرون المنجمين جماعة من المتشردين؟ ألا يؤذن لنا في أن نلفت ~~السلطان إلى أنه ليس من الضروري أن يكون بيننا وبين ms063 الأوروبيين هذا الأمد البعيد فنحارب ~~التنجيم ونعرض عنه حين يؤيده الأوروبيون ويقبلون عليه؟ أليس من الخير أن يكون لكل وزارة ~~منجمها؟ بل ما لنا وللوزارات ومنجميها؟ ألسنا نرى أن التحدث إلى النفس في التنجيم ~~والمنجمين خير من التحدث إليها في الأدب والأدباء؟ # | من لغو الصيف إلى جد الشتاء # كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجد أثناء الشتاء، وماذا كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف، وفي ~~الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير إلا على مهل يشبه ~~الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين؛ غرف الاستقبال مقفلة، ~~وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغلقة ولا تذكر الموسيقى والغناء، فمن للموسيقيين أو المغنين ~~بهذا الجو القوي الحي الذي يبعث النشاط والخفة والمرح في النفوس والقلوب، وفي الألسنة ~~والأيدي! # جو ثقيل يستتبع فتورا ثقيلا، يضطر الناس إلى أن يغدوا على أعمالهم فاترين، ويروحوا إلى ~~بيوتهم مثقلين، لا يكادون ينظرون إلى المائدة حتى ينصرفوا عنها، تنازعهم نفوسهم إلى ~~النوم، وتنازعهم أجسامهم إلى أمهم الأرض، فلا يكادون ينظرون إلى سرير أو شيء يشبه السرير ~~حتى يسرعوا إليه، ويلقوا بأنفسهم عليه، وإذا هم يتصلون به ويتصل بهم، وإذا هم يمتزجون به ~~ويمتزج بهم، وإذا هم يصبحون مثله شيئا جامدا خامدا لا حركة فيه ولا حياة إلا هذه اليقظة ~~الفاترة البطيئة الثقيلة السمجة التي تلم بهم من حين إلى حين، حين يثقل عليهم الحر، ~~ويشتد عليهم القيظ، فيفيقون أو يهمون بالإفاقة، ثم يغرقون في النوم ليفيقوا، ثم ليعودوا إلى ~~الغرق فيه، ثم ينحسر النهار عن الأرض بشمسه المحرقة الملتهبة. # ويقبل الليل متثاقلا متثائبا، يبعث في الجو أنفاسا حارة، كأنها أنفاس العاشق الولهان ~~المحروم قد أوقد الحب الخائب في قلبه نارا مضطرمة قوية اللظى، فلا تكاد أطراف هذا الليل ~~الكسلان تمس الأرض حتى تبعث في الناس نشاطا كسلا يدفعهم إلى حركات متخاذلة، فيخرجون من ~~بيوتهم متثاقلين قد ضاقوا بالدنيا وضاقت بهم. فهم يهيمون إن حملتهم أقدامهم يلتمسون مكانا ~~خضرا نضرا لعلهم ms064 يجدون فيه فضلا من نسيم قد صافح الماء، وأطال عشرته بعض الوقت، فيحمل ~~إلى وجوههم وإلى قلوبهم شيئا من هذا البرد الخفيف اللطيف الذي يردهم إلى شيء من الدعة ~~والهدوء. # هنالك يريدون أن يخرجوا من أنفسهم وأن ينسوا أشخاصهم؛ فيعمدون إلى اللغو يقبلون عليه ~~كما يقبل المريض على الطعام، لا يكادون يذوقونه إلا على كره وفي مضض، ولعل الجو أن ~~يعتدل، ولعل النسيم أن يرق، ولعل هذه الأشربة الباردة المثلوجة أن تخفف بعض هذا اللظى ~~الذي يجدونه في نفوسهم وفي أجسامهم فتطلق الألسنة من عقلها بعض الشيء، وتستطيع النفوس أن ~~تحرك أجنحتها قليلا وأن تصعد في الجو بعض التصعيد، ويستطيع المرح الهادئ أن يبعث في ~~القلوب شيئا من الراحة والابتهاج. ثم يتقدم الليل ويذكر الناس أن الصبح سيشرق بعد حين ومعه ~~الأعمال والأثقال، والتكاليف والحر والضيق، وإذا هم مضطرون إلى أن يعودوا إلى بيوتهم ويسعوا ~~إلى مضاجعهم كارهين. # كذلك نقضي الصيف في بلادنا إن لم نكن من المترفين الذين لا يكادون يحسون الصيف حتى ~~يعبروا البحر إلى حيث يحيون حياة أخرى، أو لا يكادون يحسون الصيف حتى يسرعوا إلى ساحل ~~البحر، فيحيون حياة خير منها ما نحن فيه من كسل وفتور، ومن تقصير وقصور. فلغو الصيف شيء ~~طبيعي ملائم أشد الملاءمة لحياة الصيف. أما الشتاء فشيء آخر كله فرح ومرح، وكله حركة ونشاط، ~~وكله حياة خصبة عذبة منتجة، تجد فيه النفوس أقصى لذاتها، وتجد فيه الأجسام أقصى قدرتها على ~~الاستمتاع. أكل كثير، وشرب كثير، واضطراب في الأرض كثير، وإقبال على العمل، ونسيان للكسل، ~~وحياة مملوءة إلى حافتها، تفيض أو تكاد تفيض بما يفعمها من الآمال والأعمال. ثم ضيق ~~بالحياة؛ لأن الحياة تضيق بما نريد، وتعجز عن أن تسع كل ما تسعه آمالنا ورغباتنا وشهواتنا، ~~وقد كدت أنسى واجباتنا. وهل للواجبات مكان في حياة الشتاء هذه التي يفعمها الجنون؟ مسكينة ~~هذه الواجبات! يطاردها فتور الصيف ويطاردها نشاط الشتاء؛ فحظها من عنايتنا قليل دائما. ~~ولعمري إنا لمعذورون، أما عذرنا في الصيف، فلا ms065 يقبل جدالا ولا مراء، ومن ذا الذي ~~يستطيع أن يكلف الناس أن يعملوا وهم عاجزون عن العمل، أو يكدوا وهم مصروفون عن الكد، ~~والله - عز وجل - لا يكلف النفوس إلا وسعها، ولا يحمل الناس ما لا طاقة لهم به، وأما في ~~الشتاء فعذرنا أبلغ منه في الصيف، وكيف تريدنا على أن نفرغ للعمل، ونخلص للإنتاج، ونؤدي ~~واجباتنا مشغوفين بها، مقبلين عليها، وحولنا من المغريات ما لا تقاومه إلا نفس سقراط أو ~~أشباه سقراط، ومن يدري لعل سقراط لو عاش في أيامنا، واضطرب في بيئتنا، لكان رجلا مثلنا ~~تصرفه المغريات عن أن يعرف نفسه بنفسه، وعن أن يولد نفوس محاوريه ويخرج منها كل ما احتوت من ~~حقائق العلم والحكمة، وفنون المعرفة وألوان الخير. # وقد زعموا أن امرأة سقراط كانت مسلطة عليه، وأنه كان يخافها خوفا شديدا، ويشفق منها ~~إشفاقا لا حد له، فلو عاشت امرأة سقراط في مدينة القاهرة وفي القرن العشرين لاتخذت ~~لها يوما في كل أسبوع، تستقبل فيه الزائرين والزائرات، فلا تكاد تطلع الشمس حتى تهيئ وتضطر ~~زوجها إلى أن يهيئ معها غرف البيت لاستقبال الزائرين والزائرات، وحتى تسعى وتضطر زوجها إلى ~~أن يسعى معها إلى حيث تشتري ألوان الحلوى وفنون الزهر وصنوف الفاكهة، حتى إذا تقدم النهار ~~ودنت الساعة الرابعة، قامت واضطر زوجها إلى أن يقوم معها لاستقبال الأصدقاء وغير الأصدقاء، ~~من هؤلاء الذين يغشون غرف الاستقبال لأنهم يكلفون بغشيانها، أو لأنهم يكرهون غشيانها. ~~تكرههم عليه امرأة سقراط وأمثالها؛ لأن امرأة سقراط لا تغفر لفلان وفلان من العلماء ~~والأدباء وأصحاب الفن أن يهملوها، أو ينصرفوا عن غرفة استقبالها، وهي تصر أشد الإصرار على ~~أن يظهروا في بيتها مرة كل أسبوع، حتى لا يقول صديقاتها إن غرفتها ليست حافلة بأعلام الفن ~~وأفذاذ الأدب ورجال المال والأعمال، فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ معها زوجها من الاستقبال ~~وما فيه من حديث مختلف مؤتلف، معوج مستقيم، واضح غامض، خصب جدب، خطر بريء، فلم تنته امرأة ~~سقراط ولم ينته سقراط من كل شيء، ms066 وإنما ابتدآ شيئا لا سبيل إلى أن ينتهي، فهؤلاء الزائرون ~~والزائرات لا بد أن ترد لهم الزيارات؛ لأنهم كسقراط وامرأة سقراط مضطرون إلى أن ~~يستقبلوا كما كانوا مضطرين إلى أن يزوروا، وكذلك تقضي امرأة سقراط ويقضي معها سقراط مساء كل ~~يوم متنقلين من دار إلى دار، ومن غرفة استقبال إلى غرفة استقبال، يقولان كلاما، ويسمعان ~~كلاما، يصدقان ويكذبان، ويصدقان ويكذبان، وويل لسقراط إن أدركه الكسل أو أصابه الملل ~~أو شغلته الفلسفة أو صرفه عن زيارة من هذه الزيارات حوار مهما تكن قيمته، ومهما يكن ~~المحاورون. فأفلاطون، وكسنوفون، وفيدون، وفيدر؛ كل هؤلاء يستطيعون أن يلقوه في داره يوم ~~استقباله، أو في دار من هذه الدور التي تستقبل من الساعة الرابعة والثامنة من كل يوم، وإذا ~~لم يكن بد من الحوار في الطبيعة أو في القوانين، أو في أي شيء من هذه الأشياء التي تنجم ~~من الأرض، أو تهبط من السماء، فليدبر لهم سقراط وقتا من هذه الأوقات التي يمكن فيها اللقاء ~~دون أن تصرفه عن واجباته الاجتماعية وتعرضه للغضب، وأي غضب؟ غضب السيدات! # فإذا فرغت امرأة سقراط وفرغ معها سقراط من الاستقبال والزيارة وأقبل الليل، فالويل كل ~~الويل للفيلسوف العظيم إن دعته نفسه إلى أن يعرفها، أو يحقق ما كان مكتوبا على معبد دلف ~~«اعرف نفسك بنفسك» وأين يجد سقراط الوقت الذي يخلو فيه إلى نفسه إذا جنه الليل؟ فالليل ~~لا يلقي على الأرض أستاره المظلمة ليأوي الناس إلى بيوتهم، بل ليخرجوا منها، وكيف تريد أن ~~يأوي سقراط إلى بيته أو يخلو سقراط إلى نفسه، وهذه الأوبرا قد فتحت أبوابها، ومدت أسبابها، ~~وأقبل عليها الممثلون والمغنون يعرضون بدائع التمثيل وآيات الغناء؟ # وهذه دور السينما تعرض كل يوم جديدا، وهذه قاعة (يورت) يوقع فيها فلان، وقاعة (الليسيه) ~~يوقع فيها فلان، وقد يجمع سقراط شجاعته كلها ويقول بقلب متردد ولسان متلعثم إنه لا يحب ما ~~يمثل الليلة، أو ما يوقع، أو ما يغنى، وإنه يؤثر الراحة أو الانقطاع لبعض العمل، ~~ولكن ويل لسقراط ms067 من هذه المقالة ! فمن زعم له أنه سيشهد التمثيل أو يسمع الغناء لأنه يحب أو ~~لا يحب، ولأنه متعب أو مستريح، إنما يشهد التمثيل ويسمع الغناء ويختلف إلى دور السينما لأن ~~الناس يجب أن يروه في هذه المشاهد كلها، وإلا فليس هو من أهل القاهرة، ولا من ذوي ~~المكانة فيها، وقد تظن أن سقراط حين يذهب إلى الملعب أو إلى دار من دور السينما أو إلى قاعة ~~من قاعات الغناء يستطيع أن يفرغ للفن أو يستمتع به، فاطرد عن نفسك هذا الظن، واذكر أن هناك ~~(الإنتراكت) ومقابلات الإنتراكت، وأحاديث النظارة والمستمعين عما رأوا وما سمعوا، ويا لها ~~من أحاديث تبغض الفن إلى أحب الناس للفن! يجب أن يكون لكل واحد من هؤلاء النظارة والمستمعين ~~رأي يراه، وكلمة يقولها فيما رأى وما سمع، وقد يكون هذا الرأي سخفا، وقد تكون هذه الكلمة ~~جهلا، وهما كذلك في أكثر الأوقات، ولكن سقراط مضطر إلى أن يسمعهما ويقرهما، أو يجادل ~~فيهما مجادلة المقر الذي لا ينكر. وهناك ما هو أثقل من ذلك، فيجب أن يكون لسقراط رأي يراه ~~وكلمة يقولها وإن لم ير شيئا، وإن لم يرد أن يقول شيئا؛ ذلك أنه إذا لم يقل كلمته ~~اتهم بالجهل، أو وصف بالكبرياء، وكلاهما لا يليق بالحيوان الاجتماعي الذي ذكره ~~أرستطاليس في كتاب السياسة، والذي يتألف منه ومن أمثاله سكان مدينة القاهرة، كما يتألف منه ~~ومن أمثاله سكان باريس. # حتى إذا تقدم الليل عاد سقراط إلى بيته متعبا مكدودا فآوى إلى مضجعه ولم يلبث أن يأسره ~~النوم. ولعلك تظن أن تكاليف سقراط تقف عند هذا الحد، فما أشد إغراقك في الوهم! وأين أنت من ~~المحاضرات؟ وما أدراك ما المحاضرات؟ محاضرات في الجمعية الجغرافية، وأخرى في الجمعية ~~الاقتصادية، وأخرى في قاعة يورت التذكارية، وأخرى عند جروبي، وأخرى في الكونتننتال، ولا بد ~~لأسرة سقراط من أن تشهد هذه المحاضرات لتكون ظريفة متلطفة، مجاملة للمحاضرين والمحاضرات، ~~ثم لتظهر أيضا، أو لتظهر قبل كل شيء. والمحاضرون قوم قساة لا يحفلون ms068 بالناس ولا يحفلون ~~بأنفسهم، وإنما يحفلون بالمحاضرات، فهم يحاضرون في غير رفق، وهم يحاضرون في غير حساب، وهم ~~يتنافسون في المحاضرات لا في كيفية المحاضرات وقيمتها وحظها من الجودة، بل في عدد ~~المحاضرات وعدد المستمعين، والإعلان في الصحف، وقد تسوء الحال فيلقي محاضران محاضرتيهما في ~~وقت واحد وفي مكانين مختلفين طبعا، ويومئذ يضطر سقراط إلى أن يشهد إحداهما، وتضطر ~~امرأته إلى أن تشهد الأخرى، فلا بد من ظهور أسرة سقراط في المحاضرتين جميعا. فإذا انتهى ~~كل من المحاضرين تقدم إليه نصف الأسرة فهنأه وحياه واعتذر له عن النصف الآخر لأنه ~~مشغول بمحاضرة فلان. يا لهذا الفصل: فصل الشتاء! إنه يشغل الوقت، ويصرف الناس حتى عن ~~الحياة، وقد تعطف الظروف على سقراط وتؤثره الأيام بخير ما عندها من اللذات والمتاع. ~~وإذا هو مضطر إلى أن يستمتع رغم أنفه بتناول الشاي عند فلان، ثم عند فلانة، ثم بالاستماع ~~لمحاضرة يلقيها فلان في الساعة السادسة، وأخرى يلقيها فلان في الساعة السابعة، ثم يخطف ~~عشاءه خطفا، ويلقي ملابس النهار ويتخذ ملابس الليل ليسرع إلى الأوبرا. # ويل لسقراط إن لم يكن من أصحاب السيارات! وويل للسيارة وسائقها إن كانت لسقراط سيارة، من ~~هذه الأيام العذاب الكذاب أيام الشتاء! ثم حدثني بعد ذلك كيف يستطيع سقراط أن يفرغ ~~لفلسفته ومعرفة نفسه وحوار تلاميذه إذا كان الصباح؟ وأين له القوة التي تمكنه من أن ~~يفلسف أو يفتش عن نفسه أو يحاور أصدقاءه بعد هذا الجهد العنيف الذي أنفقه أو الذي احتمله ~~منذ أقبل المساء إلى أن انقضى الليل أو كاد ينقضي؟ ومع ذلك فلا بد لسقراط من أن يعنى ~~بفلسفته، ويبحث عن نفسه، ويجاور أصدقاءه؛ لأنه بذلك يعيش، ولذلك يعيش، ومن ذلك يعيش! أرأيت ~~أن سقراط لم تظلمه الأيام حين جعلت حياته في القرن الخامس قبل المسيح في ذلك الوقت الذي لم ~~تنشأ فيه الصالونات، ولم تكثر فيه المحاضرات، ولم تتعدد فيه ملاعب التمثيل وقاعات الغناء، ~~ولم تظهر فيه دور السينما؟ لقد كان سقراط سعيدا حقا، كان ms069 يشهد التمثيل أياما في العام، ~~مرة في الربيع حين يكون فصل التراجيديا، ومرة في الخريف حين يكون فصل الكوميديا. وكان يختلف ~~إلى بعض الدور: إلى دار بيركليس مثلا، ليسمع بعض السفسطائية، وليحاور أو ليستمتع بجوار هذه ~~المرأة الجميلة زوج بيركليس. وكان ينفق ما بقي من وقته - وهو أكثره من غير شك - متنقلا ~~بفلسفته في شوارع أثينا، أو باحثا عن نفسه في حمام أثينا وملاعب الرياضة فيها. وأنا واثق ~~بأن سقراط لو خير بين حياتنا الحلوة العذبة، وبين سجنه الثقيل وما تناول فيه من السم ~~لآثر السجن والسم على هذه اللذات الطوال الثقال التي نحتملها نحن في فصل الشتاء. # أرأيت أن الصيف هو الفصل الذي يحسن فيه اللغو، وأن الشتاء هو الفصل الذي لا يحسن فيه إلا ~~الجد، ولا يمكن فيه إلا الجد؟ ولعلك تظن أن ما حدثتك به هو كل ما في الشتاء من جد، ~~فذد عن نفسك هذا الوهم؛ ففي الشتاء جد آخر مر كله، لا حلاوة فيه، فأنت توافقني على ~~أن الزيارة والاستقبال، والاختلاف إلى المحاضرات، وشهود التمثيل والاستماع للمغنين ~~والموقعين، كل ذلك يحتاج إلى نفقات، فثياب الشاي غير ثياب التمثيل، ولكن ماذا أريد أن ~~أقول؟ وما لي أدخل بك في هذا الحديث الذي لا فكاهة فيه ولا متاع؟ أهذا كل ما يحمل إلينا ~~الشتاء من الجد؟ كلا، ففي الشتاء جد آخر، جد خصب حقا، جد نافع حقا، جد ~~نعيش منه ونلهو به، ولا يجني منه أصحابه إلا حياة كلها خشونة وشظف وحرمان، هو جد هؤلاء ~~الفلاحين الذين يعملون في الأرض، لا يحفلون بالبرد ولا يحفل بهم البرد. وفي الشتاء جد ~~آخر، جد يمزق القلوب، ويعذب النفوس، ويبعث اللوعة والأسى في أفئدة الذين يعرفون الرحمة ~~واللين، ويذكرون حين يلهون أن في الأرض ليالي خير منها ظلمة القبور في الشتاء؛ هذا الجو ~~المظلم القاتم، المرهق المحرق الذي يصوره أجمل تصوير وأبلغه تلك الأغنية المشهورة أغنية ~~الإحسان التي ما استطعت أن أستقبل الشتاء منذ عرفتها دون أن أسمعها مرة ومرة: ms070 # هذا الشتاء يقبل ، ومعه حاشيته الحزينة، إن الأشقياء ليألمون كثيرا في الشتاء، ~~إن من الحق علينا أن نحميهم من هذا الشقاء، إن البرد الشديد في دورهم ~~المقفرة! # | مصر في الصباح # ولا بد من الكتابة عن (مصر في الصباح) بعد أن كتب صديقي الزيات عن الحالة الحاضرة، فهما ~~عنوانان طالما ترددا في أفواه ثلاثة من الشبان، ظلوا أعواما طوالا لا يلتقون كل يوم ~~إذا كان الضحى، ثم لا يفترقون حتى يتقدم الليل. وكانوا إذا التقوا أخذوا في فنون من الحديث ~~والقراءة وتناشد الشعر، والاختلاف إلى الدرس، وإطالة المقام في دار الكتب، ودفعوا إلى ~~ألوان من الهزل، وضروب من العبث، حتى كانوا مضرب المثل عند الذين يعرفونهم والذين لا ~~يعرفونهم من الأزهريين. # وكان هؤلاء الشبان الثلاثة قد اتفقوا على الضيق بالدرس الأزهري القديم، والابتهاج بما لم ~~يكن مألوفا في بيئات الأزهر من درس الأدب والعناية به، وقراءة الصحف والإغراق فيها، ومن ~~التطلع إلى ما كان يقوله ويأتيه المثقفون الممتازون، أولئك الذين كانوا يدبجون الفصول ~~في الصحف، يمسون بها السياسة والأخلاق وشئون الاجتماع، وأولئك الذين كانوا يخطبون في ~~المحافل والمجامع، ويتحدثون في الأندية، وتنشر الصحف خطبهم ومحاضراتهم، ويتناقل الناس ~~أحاديثهم ومحاوراتهم، وتذكر أسماؤهم فتمتلئ بها الأفواه، وتبتسم لها الشفاه، وتشرق لها ~~الوجوه، ويشتد بها الإعجاب، ويتخذ الشبان أصحابها مثلا عليا لما شئت مما يطمع فيه ~~الشباب من بعد الذكر وارتفاع الشأن، والظفر بما يظفر به عظماء الرجال من الإكبار ~~والإجلال. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة إذا التقوا وفرغوا من قراءة في كتاب، أو استماع لدرس، ~~أو إنشاد لشعر، أو نظروا أمامهم إلى هؤلاء العظماء المثقفين، فأجلوا وأكبروا، ونظروا من ~~حولهم إلى شيوخهم الأزهريين فتفكهوا وتندروا، وأطلقوا ألسنتهم بالفكاهة والنادرة، ولعل ~~من الناس من كان يجلس إليهم ويسمع منهم، ثم ينتقل فيذيع ما سمع، ويملأ به هذه الحلقات التي ~~كانت تتحلق من حول الصحن، وعند القبلة القديمة أو القبلة الجديدة. وكانت أصداء ذلك ترد ~~عليهم فيفرحون، وكان إنكار ذلك يبلغهم فلا يرتاعون، حتى أقبل ذلك ms071 اليوم الذي دار فيه ~~الملاحظون في الأزهر، يجمعونهم من دروس الظهر جمعا، ويدفعونهم إلى مجلس الشيخ الأكبر ~~دفعا، ثم يسألون، فمنهم من يجهر ومنهم من يجمجم، ثم ينهرون، فمنهم من يبسم ومنهم من ~~يعبس، ثم يعلن الشيخ إليهم أنهم مطرودون، وأن درسهم الذي كانوا يحبونه موقوف ممنوع، وأن ~~شيخهم الذي كانوا يكبرونه مكلف أن يدرس المغني لابن هشام بدل الكامل للمبرد، منفي من ~~الرواق العباسي، مقرون إلى أسطوانة من هذا الأساطين داخل المسجد يختارها له (رضوان). # هنالك ضاق الشبان الثلاثة بعض الضيق، وفرقوا بعض التفريق، ثم لم يلبثوا أن استأنفوا ~~الحياة ومضوا فيها باسمين، يطمحون إلى ما كانوا يطمحون إليه، ويسخرون مما كانوا يسخرون ~~منه، حتى ضرب الدهر بينهم بضرباته، كما قال حافظ - رحمه الله - في ترجمة البؤساء، وقد كانوا ~~يعجبون بهذه الجملة إعجابا شديدا، ويرددونها ترديدا متصلا. وهنالك مضى كل منهم في ~~سبيله، وأخذوا لا يلتقون إلا من حين إلى حين، فإذا التقوا كانت ساعات اللقاء أضيق من أن تسع ~~ما كان يضطرب في نفوسهم من الخواطر والآراء والأحاديث. # وكانوا في حياتهم تلك، كما كانت الشعوب الأولى في حياتها، أصحاب حس وشعور، وأصحاب قلوب ~~تتأثر، ونفوس تتغنى، وكانت عقولهم غافلة أو كالغافلة، فكانوا ينشئون الشعر وينشدونه، ~~وقلما يفكرون في النثر، فإن فكروا فيه فقلما يحاولونه، فإن حاولوه فقلما يجيدون. ~~وكانوا لا يخطر لهم موضوع إلا تناولوه مسرعين، فنظموا فيه الشعر وتنافسوا في الإجادة، ولم ~~يتحرجوا من أن ينقد بعضهم بعضا. وكانوا يبلغون من ذلك ما يريدون. يجيدون قليلا، ويسيئون ~~كثيرا، ويرضون دائما. وكانوا يحسون أنهم ضعاف في النثر، وأنهم في حاجة إلى أن يأخذوا منه ~~بحظ، وكان الزيات يحاول أن يقوم من صاحبيه مقام الأستاذ؛ لأنه كان أحب منهما للصحف، ~~وأكثر منهما عكوفا عليها وإغراقا في قراءتها، ويجب أن نعترف بالحق، فقد كان أوسع منهما ~~صدرا للتجديد، يحب الكتاب المحدثين وما كانوا يحدثون من الآداب، على حين كان ~~صاحباه يكلفان من الأدب بقديمه، بل بأقدمه. كان الزيات يكلف بالمتنبي، ms072 ويكرهان أن يسمعا له ~~حين ينشد شعره البديع. كان الزيات يقرأ المثل السائر، وكان صاحباه لا يعترفان بمن بعد ~~الجاحظ من الكتاب. كان الزيات يؤثر شوقي، وكان صاحباه يؤثران حافظا، ويتعصبان ~~للبارودي، ويسرفان في تقديم الكاظمي عليهم جميعا. كان الزيات إذن يقيم نفسه من صاحبيه مقام ~~الأستاذ في النثر، وكانا لا يتحرجان من أن يقرا له بهذه الأستاذية، فإذا أراد أن يزعمها ~~لنفسه في الشعر كان الجدال والنضال، وكان تذاكر الغرزمة وآثار الغرزمة، وكان انتحال الشعر ~~الرديء وحمله عليه وإضافته إليه، وكان انتحاله هو للشعر الرديء وحمله على صاحبيه وإضافته ~~إليهما، وكان إنشاد لمثل هذين البيتين: # بموسم عاشوراء قد عمت البشرى # وضاءت لنا الأكوان مذ علت الذكرى # ونادى المنادي أيها الناس يمموا # ضريح الحسين الشهم تنجوا من الأخرى # ولست أدري أي الثلاثة قال هذا الشعر الرائع، أو لعله شائع بينهم جميعا. ولعل ثالثهم ~~محمودا أن يكون قد حفظ هذا الشعر فيما حفظ من آثار هذا العصر، فقد كان إليه تخليد هذه ~~الآثار التي لم تكن تستحق أقل من الخلود. # وفي ذات يوم أقبل الزيات يقترح على صاحبيه التفكير فيما ينبغي لهم من العناية بالنثر، ~~ويبين لهما ولنفسه أسباب هذه العناية ومذاهبها، ويرى أن ليس إلى ذلك من سبيل إلا أن يفعل ~~الثلاثة كما يفعل الطلاب في المدارس، حين يعالجون الإنشاء، ويعرض عليهما وعلى نفسه هذين ~~الموضوعين: (الحالة الحاضرة)، و(مصر في الصباح). وكان يقول ذلك جادا كل الجد، مؤمنا كل ~~الإيمان، وكان صاحباه يسمعان له في موقف بين الجد والهزل، يريدان أن يكتبا ويعلمان أنهما ~~لن يستطيعا، فيقدمان ثم يضطران إلى الإحجام ويستران ضعفهما بالهزل والعبث، ثم يفزعان إلى ~~الشعر فينظمان منه ما شاء الله لهما أن ينظما بين الجيد والسخيف. وكانت الأيام تمضي وتمضي، ~~والأصدقاء يلتقون ويتحدثون في النثر، والزيات يقترح الكتابة في الحالة الحاضرة ومصر في ~~الصباح، وصاحباه يسألانه عن الحالة الحاضرة ما هي؟ وما عسى أن تكون؟ فلا يحير جوابا، ~~وصاحباه يسألانه عن مصر في الصباح كيف هي؟ ms073 وماذا يقول فيها؟ فلا يحير جوابا، فيتمثل ثالثنا ~~بهذا البيت الذي كان يغيظ الزيات ويحفظه: # شيخ لنا من ربيعة الفرس # ينتف عثنونه من الهوس # وقد فتح الله على الزيات بعد خمسة وعشرين عاما، فكتب في الحالة الحاضرة، ولم يفتح الله ~~عليه ولا على صاحبيه بعد خمسة وعشرين عاما ليكتبوا عن مصر في الصباح. ولكنه قد كتب على كل ~~حال، فما زال إذن قائما من صاحبيه مقام الأستاذ، ولن يستطيع صاحباه أن يصدماه بهذا ~~البيت: # شيخ لنا من ربيعة الفرس # ينتف عثنونه من الهوس # وإني لأخشى أن يستطيل هو على صاحبيه، وقد عجزا ربع قرن عن أن يكتبا في الحالة الحاضرة، أو ~~يصورا مصر في الصباح، فيصدمهما بهذا البيت بعد أن كان يخافه ويضيق به، ويكره استماعه ~~منهما. # ولست أدري أأشفق ثالثنا من هذا النذير فاستعد لهذه الساعة الخطرة التي يلتقي فيها ~~الأصحاب لتصفية الحساب، أم شغل بكتبه وأسفاره عن كل هذا الحديث؟ أما أنا فأعترف بأني فكرت ~~في هذه الساعة، وقدرت أنها ستكون عصيبة محرجة، وأشفقت من هذا الحرج، وحاولت أن أحتاط له، ~~وأستعد لهجمة الزيات، وأربأ بنفسي عن أن أسمع منه هذا البيت الذي كنا نخوفه به، فأصبح ~~خليقا أن يخوفنا به: # شيخ لنا من ربيعة الفرس # ينتف عثنونه من الهوس # فحاولت منذ أسبوع أن أطرق هذا الموضوع، وأن أكتب عن مصر في الصباح، فإذا بلغت من ذلك ما ~~أريد أمنت الزيات وحالفته على صديقنا الثالث، كما كنت أحالف صديقنا الثالث عليه، ثم ذهبنا ~~إلى صاحبنا نسعى إليه مبتسمين، حتى إذا بلغنا مجلسه لم نبدأه بتحية ولا مصافحة ولا حديث، ~~وإنما وضعنا الرسالة بين يديه وفيها الحالة الحاضرة للزيات، وفيها مصر في الصباح لطه حسين، ~~ثم ابتدرناه معا بهذا البيت: # شيخ لنا من ربيعة الفرس # ينتف عثنونه من الهوس # ثم انصرفنا عنه راجعين وتركناه يغلي كالمرجل. ولكن الله الذي فتح على الزيات فألهمه وصف ~~الحالة الحاضرة لم يفتح علي ولم يلهمني وصف مصر في الصباح؛ ذلك أن الزيات راغ ms074 وزاغ وعدل ~~عما كان يراد منه من وصف تلك الحالة الحاضرة قبل نيف وعشرين سنة إلى وصف هذه الحالة ~~الحاضرة التي نبغضها أشد البغض ونضيق بها أعظم الضيق. وأي الكتاب لا يقدر أن يجيد في هذا ~~الوصف ويأتي فيه بالأعاجيب؟ ومن يدري؟ لعلي أحسن إذا ذهبت إلى صديقنا الثالث فألقيت في ~~روعه أن الزيات قد ذكر اسمه القديم فراغ وزاغ، ووصف ما لم يكن يراد على وصفه. وإذن فهو ما ~~زال عاجزا كصاحبيه، وإذن فما زلنا ننتظر من يصف الحالة الحاضرة ويصور مصر في ~~الصباح. # أما أنا فلم أشك في أن مصر في الصباح موضوع خطير لا بد من الكتابة فيه، ولكن أي ~~مصر؟ أهي مصري أنا أم مصر الزيات أم مصر صديقنا محمود؟ فقد كانت لنا أمصار ثلاثة مختلفة ~~فيما بيننا اختلافا غير قليل. كانت مصري أنا تبتدئ في ربع من ربوع حوش عطى، وتنتهي إلى ~~الأزهر الشريف مارة بمشهد الحسين والحلوجي بعد أن يقطع السالك إلى هذا المشهد الكريم إحدى ~~طريقين: حارة الوطاويط، أو شارع خان جعفر. # وأما مصر محمود فكانت تبتدئ في الظاهر في حارة ضيقة قريبة من بيت الشيخ الإنبابي - رحمه ~~الله - وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بما شئت من الطرق التي تستقيم إن أردت لها أن ~~تستقيم، وتلتوي إن أحببت لها الالتواء. # وأما مصر الزيات فكانت تبتدئ في حارة ضيقة على قلعة الكبش، ثم تنحدر إلى شارع لا أذكر ~~اسمه، ولكنه ينتهي إلى مسجد السيدة زينب، ثم تصل بعد ذلك إلى الأزهر من طرق تستطيع أن ~~تستقيم وتستطيع أن تلتوي، تستطيع أن تقصر، وتستطيع أن تطول. فأي هذه الأمصار الثلاث أصف؟ ~~وعن أي هذه الأمصار الثلاث أتحدث؟ فأما مصري أنا فقد كانت حلوة لذيذة في الصباح، ولكنها لم ~~تكن تعجب الزيات، ولم تكن تلذ لمحمود. كان يوقظني فيها مع الفجر صوتان: أحدهما صوت ~~المؤذن الذي كان يدعو إلى الصلاة في جامع بيبرس، والآخر صوت جارنا الشيخ الذي كان ~~شافعيا موسوسا ينفق نصف ساعة في إقامة ms075 الصلاة: ال ... ال ... الله ... الله ... ال ... الله أكبر، ~~ثم يبدو له فيخرج من الصلاة أو يستأنف الدخول فيها: ال ... ال ... الله ... الله ال ... الله أكبر. ~~ثم يمضي في صلاته حتى يتم الفاتحة أو يكاد، وإذا هو يخرج منها ويستأنف الدخول فيها، وما ~~يزال يقبل ويدبر، ثم يبدأ ويعيد، ثم يقيم الصلاة ويستأنف إقامتها، حتى إذا أشفق من فوات ~~الوقت عزم أمره، وهجم على صلاته فاقتحمها اقتحاما ثم مضى إلى درسه في الأزهر ~~الشريف. # أستغفر الله، فقد نسيت صوتا ثالثا كان يوقظني من السحر لا في الفجر، صوت ذلك الشيخ ~~الظريف الذي لم يكن عالما ولا شيئا يشبه العالم، وإنما كان تاجرا أعرض عن التجارة، ~~وانقطع للفكاهة والضحك في النهار، وللصلاة والنسك في الليل. فإذا أقبل السحر خرج من ~~غرفته يهمهم ويجمجم ويضرب الأرض بعكاز غليظ، ويبعث في الجو صوتا هائلا رائعا يحمل ~~جملا متقطعة من الورد الذي كان يبدؤه في غرفته ليتمه، ثم يستأنفه في مسجد الحسين، ~~حتى إذا صلى الصبح عاد هادئا مطمئنا قد خف وقع عكازه على الأرض، وخف ارتفاع صوته في ~~الجو؛ لأن الذين كانوا نياما في السحر قد أصبحوا أيقاظا حين ارتفعت الشمس. أستغفر ~~الله، وقد أنسيت أصواتا أخرى، كانت تنبعث بعد أن ينقطع صوت المؤذن: فهذا سائق عربة قد ~~أقبل يحل خيله أو يحل حماره الذي عقله تحت النافذة، وهذه «حمدة» التي كانت تبيع ألوان ~~الفاكهة على اختلافها باختلاف الفصول تفرضها علينا نحن المجاورين فرضا، فإما اشترينا وإما ~~تعرضنا لغضبها، وويل لمن كان يتعرض لغضب «حمدة»! فقد كان عنيفا مخيفا يضطرب له الربع ~~ويزلزل له حوش عطى زلزالا! # على هذه الأصوات كنت أستقبل مصرا، وكانت تستقبلني مصر في الصباح، فإذا هبطت من الربع ~~ومضيت إلى مدخل حوش عطى، فهذا صاحب القهوة قد أفاق، وهو يحك عينيه من بقية النعاس ويهيئ ~~«الجوزة» للحاج فيروز، هذا الذي كنا نشتري من عنده أكثر ما نبتغي من ألوان الطعام. فإذا ~~مضيت قليلا فهذه الحوانيت تستيقظ شيئا فشيئا، وهؤلاء باعة ms076 الفول والبليلة والطعمية قد ~~ازدحم من حولهم الناس، حتى إذا تقدمت بعض الشيء عطفت ذات الشمال إن كنت مستعجلا، فمضيت من ~~حارة الوطاويط، حيث أقذر مكان خلقه الله، وحيث أعظم الناس حظا من البؤس رجالا ونساء، ~~قد جلسوا في أقبح شكل وأبشعه يسألون الناس. وإن كنت مستأنيا عطفت ذات اليمين، فمضيت من خان ~~جعفر، وانتهيت على كل حال إلى شارع الحسين، ثم المفارق الأربعة، ثم انغمست في شارع الحلوجي، ~~ثم دفعت إلى باب المزينين. # هذه مصري التي كان الزيات يريدني على أن أصورها له في الصباح، وأقسم لو فعلت لنفر مني ~~وهزأ بي وازور عني ازورارا. ولكني واثق الآن بأني حين أتحدث إليه عنها أثير في نفسه ~~عواطف يحبها وأحلاما يرضاها، وأبلغ من استحسانه ما أقصر عنه من غير شك لو أني صورت له مصر ~~في الصباح هذه التي تبتدئ من داري في الزمالك، وتنتهي عند الكوكب في عابدين. # إن الزيات ليحسن أعظم الإحسان لو أنه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ من ~~قلعة الكبش، وتنتهي إلى الأزهر، وإن محمودا ليحسن أعظم الإحسان لو أنه وصف لنا مصره في ~~الصباح، تلك التي كانت تبتدئ في ظاهر القاهرة المعزية - كما كان يقول - وتنتهي إلى ~~الأزهر. فأما مصرهما الأخرى هذه التي تبتدئ في شبرا وتنتهي عند الرسالة، أو عند قبة ~~الغوري، فلسنا في حاجة إليها الآن، وقد يحتاج إليها أبناؤنا بعد ربع قرن، كما نحتاج نحن إلى ~~أمصارنا تلك العزيزة في أيامنا هذه. # | من أحاديث العيد # ابتسم الصبح فابتسمت معه الثغور، وأشرقت الشمس فأشرقت معها الوجوه، وغنت الطير فتغنت ~~معها نفوس بالآمال والأماني وبالأهواء والميول، وتغنت معها نفوس أخرى بالأحزان اللاذعة، ~~والآلام الممضة، والعواطف التي تفطر القلوب وتسفح الدموع. واندفع قوم إلى السرور العريض، ~~واندفع قوم آخرون إلى الحزن العميق، وتردد قوم بين هذا وذاك يأخذون من كليهما بحظ ~~معتدل، ويؤلفون لأنفسهم منهما مزاجا لا هو بالمشرق المبتهج، ولا هو بالمظلم القاتم، ~~وإنما هو شيء بين ذاك، فيه مكان ms077 للذة والأمل ، وفيه مكان للألم والذكرى. واضطرب الناس أيام ~~العيد بين دور الأحياء ودور الموتى، يتحدثون إلى أولئك ويفكرون في هؤلاء. # وكثير من حديث الناس إلى الأحياء، وكثير من حديثهم عن الموتى، خليق أن يسجل ويتخذ ~~موضوعا لألوان مختلفة من الأدب والفن. ولكن هذه الأحاديث تقبل مع أيام العيد، وتذهب معها ~~كأنها لم تكن. تترك آثارها في نفوس الناس ولكنها لا تترك آثارها فيما ينشئون ويكتبون؛ ~~لأنهم لا ينشئون ولا يكتبون، ولأنهم إن أنشئوا أو كتبوا فقلما يقفون عند ما يشعرون أو ~~يجدون، إنما يلتمسون موضوعاتهم في السماء حينا، وفي السحاب حينا، وبعيدا عن حياتهم ~~دائما. فإن مسوا حياتهم فهم لا يمسون إلا ظاهرا منها، وهم يمسونه في رفق أقرب إلى ~~الجدب الموئس منه إلى الخصب الذي يحيي النفوس ويغذو القلوب. # أما أنا فقد كنت أتحدث إلى نفسي وإلى أصدقائي في أيام العيد أحاديث مختلفة، منها الباسم ~~ومنها العابس، فيها الجد وفيها الهزل. ولكني كنت أحتفظ لنفسي بأشد هذه الأحاديث مرارة ~~ولذعا؛ لأني أعلم أن الناس يكرهون في أيام العيد وفي غير أيام العيد مرارة الحزن ولذع ~~الألم. وأشهد لقد استقبلت يوم العيد بحزن عميق؛ لأني استعرضت صورا تعودت أن أستعرضها ~~كلما أقبلت الأعياد، وفكرت فيمن أزوره ويزورني، وفيمن أسعى إليه ويسعى إلي، فإذا كثير من ~~هذه الصور قد محي من صفحة الحياة، ولم يبق له إلا رسم في صفحة القلب، قوي عند قوم، ~~ضعيف ضئيل عند قوم آخرين. # محيت هذه الصور من صفحة الحياة فلن أسعى إلى أصحابها، ولن يسعى أصحابها إلي، إما لأن ~~أصحابها قد نقلوا من هذه الدار التي نضطرب فيها بالألم والأمل إلى دار أخرى لا تعرف الحركة ~~ولا الاضطراب، وإما لأن أصحابها ما يزالون يضطربون معنا في هذه الدار، ولكن ظروف الحياة ~~وأسباب العيش قد نقلت أهواءهم عنا إلى قوم آخرين ليسوا منا ولسنا منهم الآن في شيء، لقد ~~كنت أبدأ زيارات العيد بهؤلاء النفر من الأصدقاء الأعزاء أكون معهم ليلة العيد، فإذا ~~تنفس الصبح ms078 فكرت فيهم ، وإذا ارتفع الضحى سعيت إليهم، فلقيتهم وكأننا لم نلتق منذ دهر ~~طويل، وقضيت معهم ساعة قصيرة ضيقة لم أفرغ لهم فيها، ولم يفرغوا لي لكثرة المقبلين ~~والمنصرفين، ولكنها على ذلك ساعة عريضة خصبة لكثرة ما فيها من هذا الود الذي ينتقل إلى قلبك ~~مريحا عذبا لا لشيء إلا لأن اليد صافحت اليد، ولأن التحية الهادئة البريئة من التكلف قد ~~مست الأذن فملأت النفس حياة وغبطة وسرورا. فإذا قضيت مع هؤلاء الأصدقاء هذه ~~اللحظة القصيرة الخصبة خرجت من عندهم وقد ادخرت من الغبطة والسعادة ما يعينني على ~~احتمال أثقال العيد، فذهبت إلى دار عدلي ثم إلى دار ثروت ثم إلى دار فلان وفلان. # وقد أخذت الأيام تتخطف هؤلاء الناس واحدا واحدا حتى لقد زرت هؤلاء الأصدقاء فقضيت معهم ~~ما قضيت من الوقت ثم خرجت فإذا أنا أنصرف إلى كوكب الشرق لا إلى دار عدلي ولا إلى دار ثروت ~~ولا إلى دار فلان وفلان من أولئك الذين كنت أحب أن أسعى إليهم وأغتبط حين يسعون إلي أو ~~حين يرسلون إلي تحياتهم مع البريد. وكنت لا أكاد أتهيأ للخروج يوم العيد حتى ينبئني ~~المتنبئون بأن فلانا وفلانا وفلانا من الأصدقاء قد أقبلوا وهم ينتظرون، منهم من يريد أن ~~يبدأ العيد بلقائي لأن لقائي كان أحب شيء إليه يوم العيد، ومنهم من يريد أن يصحبني في ~~زيارات العيد لأنه يجد في هذه الصحبة لذة ويسرا. # فأما الآن فإني أنبأ بأن قوما آخرين قد أقبلوا وبأنهم ينتظرون، أما أولئك الذين كانوا ~~يقبلون وينتظرون فقد انقطع إقبالهم وانقطع انتظارهم إلى حين؛ لأنهم يخشون الأحداث ويخافون ~~الظروف ويشفقون من الجواسيس ويربئون بأنفسهم عن غضب السلطان. هم أحياء ولكن ظروف الحياة قد ~~قطعت ما بينهم وبيني من الأسباب، كما أن ظروف الموت قد قطعت ما بين الموتى وبيني من ~~الأسباب. ولم تكن أيام العيد تنقضي حتى أزور دارا من الدور في ناحية من نواحي القاهرة ~~فألقى فيها ابتسام الزهرة النضرة، والشباب الغض، والحياة التي تبتسم للحياة. ms079 # وقد انقضت أيام هذا العيد فلم أزر هذه الدار لأنها محزونة لا تحتفل بالعيد، ولأن زهرتها ~~النضرة قد اجتثت منها اجتثاثا، وانتزعت منها انتزاعا، وحملتها الريح إلى حيث لا ينضر ~~الزهر ولا تبتسم الحياة للحياة. لم أزر هذه الدار ولم أنعم بتلك الابتسامة ولم أسمع ذلك ~~الحديث، ولكن الله يشهد أني قضيت أيام العيد كلها، ويظهر أني سأقضي أياما طويلة أخرى وأن ~~صوتا من الأصوات سيتردد في نفسي جافا خشنا متعثرا موئسا كما تتردد النغمة من الأنغام ~~في القطعة الطويلة من الموسيقى، وتسألني عن هذا الصوت الذي تردد في نفسي منذ أشهر وسيتردد ~~فيها أشهرا وأشهرا وأعواما، فهو صوت ذلك النعش حين خرج الحاملون به من الصلاة في مسجد من ~~مساجد القاهرة وهم يعالجون إثباته على سيارة من سيارات الموتى وهو يأبى عليهم بعض الإباء ثم ~~يطيعهم ويستسلم لهم، وإذا خفقة جافة كإقفال الباب، وإذا النعش قد استقر، وإذا أزيز ضئيل ~~نحيل يرتفع في الميدان ثم يتسع ويضخم، وإذا السيارة تنطلق كأنها السهم إلى ذلك المكان الذي ~~لا يعود منه من استقر فيه، وإذا نحن نتبعها كاسفين ونعود كاسفين، وإذا الحياة تتصل بنا ~~وتضطرب خطوبها حولنا، وتصرفنا عن أنفسنا وعن الناس، ولكن ذلك الصوت الجاف الخشن التعثر يعود ~~إلي من حين إلى حين فيذكرني بذلك اليوم الثقيل الذي شيعت فيه فقيدين عزيزين في أقل من ~~ساعتين. # بهذا وأمثاله كنت أتحدث إلى نفسي أيام العيد، فإذا سألتني عما كنت أتحدث فيه إلى ~~الناس، وعما كان الناس يتحدثون فيه إلي حين كنا نلتقي، فيا للبؤس! ويا للفقر! ويا ~~للشقاء! ويا لجدب الحياة وإفلاس الأحياء! كنا نتحدث عن الأزمة المالية، وكنا نتحدث عن ~~السياسة، وكنا نتحدث عن غدو المندوب السامي مع الطير يوم العيد وما يحيط بغدوه ذلك من ~~أسرار وأخبار، ومن تأويل وتعليل، ثم كنا نتحدث عن بعض هذه الأشياء الممتازة التي ظفرت ~~بأحاديث الناس وشغل الصحف وعناية رجال الأمن، كنا نتحدث عن ذلك الخاتم الذي اضطرب له رجال ~~الأمن وعطلت له ms080 دار من دور التجارة، واتصل حوله تحقيق طويل دقيق ولم تبح صحيفة مصرية ~~عربية أو غير عربية لنفسها أن تعرض عنه أو تطوي أخباره عن قرائها، ثم أصبح الناس يوم ~~العيد فإذا الصحف تنبئهم بأن سيدة التقطته أمام مدرسة من المدارس فظنت جوهره من الزجاج ولم ~~تعلم أنه حجر نفيس، وأن مدينة القاهرة مضطربة له أشد الاضطراب، وأن قيمته تربى على ألف من ~~الجنيهات. وكنا نتحدث عن هذا الدبوس الذي افتقدته صاحبته فلم تجده، فارتاعت لفقده وهمت ~~وهم أصحابها أن يقولوا قصة كقصة الخاتم، ولكن شابا لم يلبث أن التقطه فرده إلى ~~صاحبته، فلم يضطرب رجال الأمن ولم يحتج رجال التحقيق إلى النشاط، ولم تزد الصحف على أن ~~روت الخبر رواية يسيرة قصيرة في مكان غير ظاهر ولا ممتاز. وكنا نقارن بين قصة الخاتم وقصة ~~الدبوس، وبين حظ الخاتم وحظ الدبوس، وكنت أقول لأصدقائي وهم يبتسمون ويضحكون ويفلسفون: على ~~رسلكم أيها السادة، فلو سألتم ذلك الخاتم أو هذا الدبوس عما يعرفان من التاريخ، ولو قد ~~أراد الخاتم وأراد الدبوس أن يقصا عليكم بعض ما يعرفان لما ابتسمتم ولا ضحكتم ولا ~~أغرقتم في الفلسفة هذا الإغراق؛ فليست قيمة الخاتم والدبوس في هذه الجنيهات التي تربى على ~~الألف أو تبلغ المئات فحسب، ولكن قيمتهما فيما يحملان من ذكرى وما يصوران من حياة، وفي ~~هذه الصلة التي تصل بينهما وبين القلوب والنفوس. # قال صديق ماكر: فحدثنا إذن عن خاتمك الذي فقدته، فقد يظهر أنك فقدت خاتما أيضا وأن ~~أمره قد ارتفع إلى رجال الشرطة ثم هبط إلى الصحف ثم ذاع بين الناس. قلت: وإنك لتتحدث عن هذا ~~الخاتم هازلا كأنما تغض من أمره وتزدريه، فهل تعلم أني حزنت عليه حزنا شديدا؟ وهل تعلم ~~أنه ليس أقل خطرا، ولعله أعظم خطرا عندي من ذلك الخاتم وهذا الدبوس؟ وهل تعلم أنه يمتاز ~~من ذلك الخاتم وهذا الدبوس بأن له في الحياة المصرية العامة آثارا باقية؟ به أصبح قوم ~~دكاترة، وبه أدرك قوم آخرون إجازة الليسانس، ms081 وبه صرف كثير من أمور الدولة، وقضي في ~~مصالح كثير من الأساتذة والطلاب أعواما. فحدثني أين يقع من هذا كله أثر ذلك الخاتم وهذا ~~الدبوس في حياة المصريين؟ ومع ذلك فلم تبلغ قيمته ألفا ولا مائة، ولا عشرة من الجنيهات، ~~أستغفر الله، بل لم تبلغ قيمته عشرة من القروش، وإنما كانت قيمته قرشا ونصف قرش ليس غير، ~~اتخذته حين كانت الأشياء رخيصة، في ذلك الزمن الذي كنا نستطيع أن نبلغ فيه بالقرش كثيرا ~~من المآرب والحاجات، اتخذته في باب الخلق، وأنا خارج ذات يوم من دار الكتب، وكنت في الرابعة ~~والعشرين من العمر، وكنت أريد أن أسافر إلى أوروبا، وأظهر لي هذا السفر أني شخص من الأشخاص، ~~يجب أن أذكر مولدي، وأعرف سني وأقدر ما آتي من الأعمال، في ذلك الوقت بحثت عن شهادة ~~الميلاد وكانت ضائعة، فعرفت سني وكنت أجهلها، وفي ذلك الوقت قيل لي إن من أتى عملا أو قال ~~قولا وجب عليه أن يمضيه، فاتخذت هذا الخاتم، صنعه لي رجل كان يصنع الخواتم قريبا من ~~المحافظة، ثم عبر معي البحر، وصحبني في فرنسا طالبا، وصحبني في الجامعة أستاذا، عمل معي ~~في أعمال الدولة، وأمضى معي عن أمور الدولة، وكان صديقا أمينا، لست أدري، كيف قبلت فراقه ~~حينا، وائتمنت عليه صاحبي، حتى أقبل ذات يوم ينبئني أنه افتقده فلم يجده، هنالك ضقت به ~~وضقت بالناس، وضقت بالحياة كلها وقتا غير قصير، ثم زعم لي زاعم أن الأمر يجب أن يرفع إلى ~~الشرطة فرفع إليها، وهبط إلى الصحف، ولكن الشرطة تلقت أمره باسمة، ولكن الصحف نشرت أمره ~~مداعبة، ولكن الأصدقاء تحدثوا عنه مازحين. أفرأيت أن قيم الأشياء تختلف لا باختلاف آثارها ~~ومكاناتها ولكن باختلاف أصحابها؟ فلو كنت رئيس الوزراء لما ابتسم الشرطي، ولما داعبت الصحف ~~لأني فقدت خاتما، ولكني لست رئيس الوزراء، فيبسم الشرطي ولا يأتي حركة، وتداعب الصحف، ~~وتمزح أنت ويمزح هؤلاء بهذا وأمثاله، كنا نتحدث أيام العيد. # | القرين # من يوميات وزير قديم # 5 مايو سنة ... لم أر ms082 قط أعجب مما رأيت اليوم، ولن أمضي في تسجيل الأحداث السياسية ~~والإدارية والأعمال اليومية الخاصة التي تعودت أن أسجلها في هذا الدفتر قبل أن أقص هذا ~~الحادث الغريب الذي شهدته، أو الذي حدث لي في مكتبي صباح اليوم. # لم أكن نائما، وما أعرف أن الوزراء تعودوا النوم في مكاتبهم، وما أعرف أني تلقيت النوم ~~أو أن النوم تلقاني إلا حين آوي إلى مضجعي بعد أن ينتصف الليل. وقد أشهد مجلس الوزراء ~~متعبا مكدودا، وأضيق بما يقال فيه أحيانا من أحاديث لا تغني، وبما يعرض فيه من شئون لا ~~تعني وزارتي ولا تعني السياسة العامة، فأرسل نفسي في ألوان من التفكير ليس بينها وبين مجلس ~~الوزراء صلة. وقد أكون متعبا فلا أستطيع التفكير وإنما أظل حاضرا كالغائب وغائبا ~~كالحاضر، أسمع وأرى ولا ألقي إلى شيء مما أسمع وأرى بالا، وأنا على هذا كله يقظ أشد ~~اليقظة متنبه أشد التنبه أرى بعض الزملاء وقد أخذ رأسه يخفق من النعاس، وأسمع بعض ~~الزملاء وقد أخذ يغط لأنه أغرق في نوم عميق، وقد أعبث بهذا وألفت الزملاء في شيء من المكر ~~إلى ذاك ... والمهم أني لم أتعلق على نفسي ولم يتعلق علي أحد بنومة في مجلس الوزراء. # وأنا أشهد مجلس النواب ومجلس الشيوخ وقد أضناني الجهد وكاد يهلكني الإعياء، وأسمع مناقشات ~~مملة وخطبا ليست أقل منها إملالا، وأكره مع ذلك أن أترك مكاني من المجلس لأرفه على نفسي ~~بما يرفه البرلمانيون به على أنفسهم في المقصف أو في بعض الغرفات والحجرات من التدخين ~~وشرب القهوة وحديث الدعابة والجد ... ولكني لا أذكر أني احتجت يوما أو ليلة إلى أن أدافع ~~النوم عن نفسي حين تمل المناقشات وحين يصير الخطباء إلى إملال لا يطاق. # وما أعرف أني أذعنت للنوم قط في قاعة من قاعات المحاضرات على كثرة ما يذعن المستمعون ~~للنوم في قاعات المحاضرات. وإذا كنت لا أذعن للنوم في أشد الأماكن دعاء للنوم فأحرى ألا ~~يعرض لي النوم في مكتبي بوزارة ... حيث يشغلني الأمر والنهي ms083 وتصريف الأعمال واستقبال من أحب ~~ومن أبغض من الزائرين عن الراحة فضلا عن النوم الخفيف أو الثقيل. # لم أكن نائما إذن في مكتبي صباح اليوم، ولم يكن ما رأيته شيئا مما يرى الحالمون، ~~وإنما رأيت ما يراه الأيقاظ لا يعرض لي في ذلك شك ولا ريب، ولكن الشيء الغريب هو أني رأيت ~~وحدي وسمعت وحدي على كثرة من أثقل علي في غرفتي من الموظفين، وعلى كثرة من أثقل علي ~~فيها من الزائرين. وكانت طبيعة الأشياء تقتضي أن يرى الناس ما أرى، وأن يسمع الناس ما أسمع، ~~ولكني دهشت حين تبينت أن أحدا من الناس لم يكن يرى ذلك الشخص الذي كان جالسا أمامي، ولم ~~يكن يسمع ما كان يلقى إلي من الحديث بين حين وحين. ولولا أني أشفقت أن يسوء بي ظن ~~الموظفين أو ظن الزائرين لسألتهم عن هذا الشخص من يكون، وسألتهم عن رأيهم في بعض ما كان ~~يقول. ولكني أمسكت عن ذلك متحاملا على نفسي متكلفا، أدافع خاطرا بشعا جعل يخطر لي ~~ويلح علي، فقد أخذت أسيء الظن بنفسي وأفكر في استشارة الطبيب. ويحسن أن أستأنف هذه القصة ~~من أولها، فما أشك في أنها شيء له ما بعده، وفي أن سيكون لها شأن فيما سأستقبل من الحياة. ~~فليس متاحا لكل الناس أن يروا مثل ما رأيت، أو أن يسمعوا مثل ما سمعت، أو أن يشغلوا ~~بمثل ما أشغل به الآن. # لم أكد أبلغ مكتبي في الوزارة حين ارتفع الضحى، وآخذ في شرب القهوة وتدخين السيجارة ~~خاليا إليهما كما تعودت أن أفعل من ضحى كل يوم قبل أن آذن للموظفين، أو قبل أن يأذن ~~الموظفون لأنفسهم في الدخول علي والتحدث إلي في مختلف الأعمال، حتى رأيت باب غرفتي ~~يفتح على مصراعيه ويدخل علي منه وكيل الوزارة مرحبا باسما باسطا إلي يده كما ~~تعود أن يفعل في كل يوم، فلم أنكر مما رأيت شيئا، إلا أن الوكيل تعجل مقدمه في هذا ~~اليوم، ولم يتح لي أن أستمتع بهذه الخلوة التي ms084 كنت أحب أن أخلوها إلى نفسي كل يوم قبل أن ~~آخذ في العمل، وقد تكلفت ألا أظهر شيئا من الإنكار، ولكني لست أدري ألاحظ في وجهي ما لم ~~أستطع أن أخفيه، أم رأى أمامي قدح القهوة لم يكد يبلغ نصفه فاعتذر من أنه سعى إلي مبكرا، ~~ثم أخذ مجلسه وبدأ في الحديث. # وكنت أظن بالطبع أنه سيتحدث إلي في شئون الوزارة، أو في الشئون السياسية العامة، أو ~~فيما يتحدث فيه الممتازون من الناس حين يلقى بعضهم بعضا من أحاديث الأندية والبيئات العليا ~~... ولكنه لم يتحدث إلي في شيء من ذلك، وإنما أخذ يذكرني بأيام الشباب ويحيي ذكريات كنت ~~قد أنسيتها أو تكلفت نسيانها، وكنت على كل حال قد احتفظت بها لنفسي، وخبأتها في أعماق ~~ضميري، لم أظهر عليها أحدا، ولم أسمح قط بأن يظهر عليها أحد. بعضها يسرني ويغرني ~~ويثير في نفسي شيئا من العجب والتيه، وبعضها يؤذيني ويخزيني ويثير في نفسي كثيرا من ~~الخجل وكثيرا من الحزن وشيئا من الندم أشد وقعا في النفس من الخجل والحزن. وكل إنسان ذي ~~خطر يحتفظ في نفسه بألوان من هذه الذكريات الخاصة التي يتخذها مادة لما يخلو إليه بين حين ~~وحين من النعيم والجحيم، يتخذها مادة لهذا الغذاء الروحي الذي يتيح للرجل المثقف أن يعيش ~~وأن يشعر بأنه ليس كغيره من الناس، وبأنه قد أحرز في أعماق ضميره كنزا من الذكريات فيه ~~الجوهر الكريم وفيه الزجاج الخسيس، فيه ما يسر وفيه ما يسوء. # وقد أخذ وكيل الوزارة يتخير من هذه الذكريات ما يسر ويرضي، فهو يحدثني ببعض المواقف ~~التي وقفتها من بعض العظماء وأصحاب السلطان أيام الشباب، حين كان الأتراب يتهالكون على رضا ~~القادة والسادة ويطمحون إلى الحظوة عندهم، وحين كنت أنا أمتنع على هؤلاء السادة والقادة ~~سرا حينا وجهرة حينا آخر. وقد هممت أن أسأل محدثي كيف ظهر على هذه المخبآت، وما باله ~~يتحدث إلي فيها ويدخل فيما لم أبح قط لأحد أن يدخل فيه؟ ولكنه سبقني إلى ما كنت أريد، ms085 ~~فقال في لهجة ساخرة ضقت بها أشد الضيق ولكني احتملتها متكلفا: ثق بأن شيئا من أمرك ~~لا يخفى علي، وبأني أعرف من أسرار حياتك ودقائقها مثل ما تعرف، ولعلي أذكر أشياء قد ~~نسيتها أنت، وأستطيع الآن أن أعيد عليك من الطفولة والصبا ما لا تقضي منه العجب. وسيتاح ~~لنا من الوقت ما يمكننا من وصل هذا الحديث، وإنما أريد أن أنبهك إلى أن من وقف مواقفك ~~الرائعة مع فلان وفلان بشأن كذا وكذا من الأحداث لا ينبغي أن يتورط في مثل ما تتورط فيه ~~الآن من السيئات. # وهممت أن أقطع عليه الحديث، فقد ملأني الغضب، ولكنه دفع ضحكة ملأت الحجرة من حولي وقال: ~~لا تغضب، فلن يغني الغضب عنك شيئا، فلست أنا وكيل الوزارة، وإنما جئت أحذرك من إمضاء ما ~~سيعرضه عليك وكيل الوزارة بعد دقائق، فإنه سيحملك على أن تأتي من الظلم والإثم ما لا يليق ~~بالوزير الكريم. # قلت: لست وكيل الوزارة! ومن تكون إذن؟ قال: لست وكيل الوزارة، وإنما أنا قرينك الذي دخل ~~الحياة معك يوم دخلتها، وسيخرج من الحياة معك يوم تخرج منها. # فأما وكيل الوزارة فستراه مقبلا عليك بإثمه بعد لحظات قصار. وقد كنت أكتفي إلى الآن ~~بالإيحاء إلى ضميرك وتحريك قلبك ونفسك دون أن أظهر لعينيك أو أتحدث إلى أذنيك، فلما رأيت أن ~~الوحي لا يبلغ من نفسك ما أريد، وأن ضميرك يمتنع علي امتناعا شديدا ملحا، أزمعت أن ~~أظهر لك شخصا حيا كما تراني، وأن أمنعك من المضي في هذه المظالم التي تقحم نفسك ~~فيها أو تقحمك الحياة فيها عن إرادة منك حينا وعلى كره منك حينا آخر. # فاحذر أن تمضي ما سيعرض عليك، ولئن حاولت إمضاءه لأمنعنك مما تحاول، وانظر الآن فهذا ~~الوكيل مقبلا. # وانظر فإذا باب الغرفة يفتح على مصراعيه كما فتح منذ حين، وإذا الوكيل يدخل فرحا باسما ~~باسطا إلي يده كما فعل ذلك الشخص من قبله. وكنت أقدر أنه سيرى ذلك الشخص كما أراه ~~ويحييه كما حياني، ولكنه لم ير ms086 أحدا ولم يحي أحدا. وهممت أن ألفته ولكني أسمع في ~~أذني همسا ليس بالقوي ولا بالخفي، وإنما هو صوت يبلغ النفس ويتغلغل في أعماق الضمير ويقول: ~~أتريد أن يظن بك الجنون؟! # وقد رأى وكيل الوزارة علي شيئا من اضطراب وتخاذل فسألني عن صحتي مرتاعا، وهدأته، ~~وهونت عليه الأمر وأخذت معه في أطراف الحديث حتى إذا هدأ روعي وروعه وهم أن يعرض علي ~~ما كان يحمل إلي من أوراق أحسست ضعفا لم أحس مثله من قبل، وسمعتني أطلب إليه أن يؤجل ~~الأمور الهامة إلى غد؛ لأني لا أجد من نفسي نشاطا للعمل ولا إقبالا عليه. وأنا بعد مضطر ~~إلى أن ألقى رئيس الوزراء، وقد أعود إلى الوزارة وقد لا أعود، فإذا عدت فليعرض علي ما ~~شاء، وإلا فإلى غد. # ثم نهض ولم يشك وكيل الوزارة في أن أمرا ذا بال يدفعني إلى لقاء الرئيس قبل أن ينتصف ~~النهار. ولم يكن هناك أمر يقتضي لقاء الرئيس، بل لقد نهضت ولست صادق النية ولا واضح العزم ~~على لقاء الرئيس، ولكني خرجت وخرج معي ذلك الشخص الغريب أراه أنا ولا يراه غيري، ماذا ~~أقول؟! لقد أخذ بذراعي وانحدر معي إلى السيارة يتحدث إلي، أسمعه أنا ولا يسمعه أحد ممن ~~كانوا يحيطون بي، وهو يحمد لي ردي على الوكيل، ويشجعني على زيارة الرئيس، ويعلن إلي أني ~~أراه متى ركبت السيارة، ولن أراه عند رئيس الوزراء، ولكنه هو سيراني وسيصاحبني وسيراقبني ~~وسيردني عن كل أمر يرى أنه لا يليق بي أن أمضي فيه. # وأركب السيارة فلا أرى فيها أحدا غيري، وأصغي من حولي فلا أسمع ذلك الصوت الذي كنت أسمعه ~~منذ حين، وألقى رئيس الوزراء فلا أرى عنده أحدا، وإنما أتحدث إليه في الأمور العامة ~~والخاصة كما تعودت أن أفعل كلما لقيته، ثم أنصرف عنه وأعود إلى الوزارة فلا أكاد أدخل مكتبي ~~حتى أرى صاحبي قد وقف أمامي وأشرف بقية الصباح على كل ما أذنت به من زيارة. أمضيت أوراقا ~~لم أجد في إمضائها مشقة، ونظرت ms087 في أوراق أخرى وهممت أن أمضيها، ولكني كنت أحس يدا تمس كتفي ~~فأؤجل الإمضاء إلى غد. ونهضت حين انتصفت الساعة الثانية وإذا هو يصحبني إلى السيارة ثم يهمس ~~في أذني: إلى اللقاء، لن أشق عليك بمنظري ولا بمحضري إلا في ساعات العمل، وسيكون ذلك دأبك ~~ودأبي حتى تسقط الوزارة أو تستقيل أنت منها. # هذا كله وقع صباح اليوم، لست أدري كيف وقع! ولست أعرف له تعليلا ولا تأويلا، والغريب ~~أني استشرت طبيبي دون أن أقص عليه من هذه القصة شيئا، وإنما عرضت عليه نفسي ففحص وامتحن، ~~ثم أنبأني بأن صحتي لم تكن في يوم من الأيام خيرا مما هي الآن. ولعلي لو أنبأته ببعض ما ~~رأيت وما سمعت لغيرت رأيه في هذه الصحة التي يراها موفورة وأراها مضعضعة منقوصة. ولكني لم ~~أرد أن يظن الطبيب بي اضطراب الأعصاب، والشيء الذي ليس فيه شك وليس عنه محيص، هو أني ~~سأنتظر حتى إذا رأيت وسمعت من الغد مثل ما رأيت اليوم وسمعت، فسألقى رئيس الوزراء، لا لأنفق ~~معه ساعة في الحديث، ولكن لأرفع إليه استقالة ليس فيها رجوع. # | الفأل # كان ممعنا في القراءة حين سمع صوتا عذبا يدعوه، فلما رفع رأسه رأى زوجه قائمة أمامه، ~~وقد أشرقت في وجهها كله ابتسامة حلوة فيها كثير من الخفر وفيها شيء من خوف ضئيل وشيء من ~~العجب أيضا. قالت له في صوت يريد أن يضحك، ولكنه يقاوم الارتياع: إن في حجرة الاستقبال ~~ضيفا ينتظرك. وهم أن يسألها عن هذا الضيف، ولكنها أخذت يده في رفق، وأنهضته فاستجاب لها ~~مداعبا مخفيا لبعض الوجل، فلم يكن أحب إليه من أن يمضي في قراءته لتلك القصة الرائعة التي ~~يعرض فيها مكسيم جوركي حياته أثناء الصبا. # وقد سعت به زوجه سعيا رفيقا إلى حجرة الاستقبال، فلما بلغ باب الحجرة لم يجد أحدا، ~~وإنما وجد هدهدا قد استقر على البيانو في هدوء واطمئنان، فلم يكد يراه حتى أغرق وأغرقت ~~زوجه معه في ضحك متصل لم يكد يفرغ منه حتى تلا ms088 الآية الكريمة: # فمكث ~~غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ ~~يقين # ثم داعب خد امرأته وقال لها في صوت حازم جازم: انتظري نبأ عظيما ~~يبلغك اليوم أو غدا. فنظرت إليه كالحائرة المستفهمة، ولكنه قال لها في صوته الحازم الجازم: ~~قد علمت أن الهدهد لا يكذب ولا يحب الكذب. ثم عاد إلى كتابه ولكنه لم ينظر فيه، وانتظرت هي ~~أن ينصرف الهدهد عن البيانو. فلما انصرف أقبلت على الموسيقى، ولكنها لم تعزف، وإنما جعلت ~~أصابعها تذهب وتجيء في غير انتظام، كان مشرد النفس أمام الكتاب، وكانت مشردة النفس أمام ~~البيانو. # كان كل منهما بعيدا عن صاحبه، ولكنهما كانا يفكران في شيء واحد، أو في أشياء مؤتلفة ~~متقاربة، يتكون منها جزء قيم من نسيج الذكرى هذا الذي يعمر القلوب ويمتع العقول، ويضيء في ~~النفوس، حين تظلم الأحداث وتدلهم الخطوب. فقد كان للهدهد أثر عظيم الخطر في حياتهما الأولى. ~~كان رسول البشر والغبطة والحبور إلى أبنائهما حين كانوا أطفالا لا يكادون يعقلون. كان ~~الهدهد هو الذي يحمل إليهم ما تريد أمهم أن تمتعهم به من طرفة وما يريد أبوهم أن يسرهم به ~~من هدية، وكان الهدهد يستخفي بطرفه وهداياه ينثرها في حجرات البيت وغرفاته نثرا، وينشرها ~~في أبهاء الدار ودهاليزها نشرا، وربما ألقاها إلقاء في هذا الفناء المنبسط أمام الدار، ~~وربما أخفاها إخفاء في أعشاب الحديقة وبين أشجارها ونجومها، وربما علقها في الأغصان أو ~~تركها على حافات النوافذ. # ولم يكن يمضي يوم حتى يتصايح الأطفال في الصباح أو في المساء بأن الهدهد قد زار الدار ~~وترك فيها شيئا، وكان الأطفال يحبون الهدهد أشد الحب، ويودون لو استطاعوا أن يؤنسوه ~~ويحدثوه ويسمعوا منه، ولكنهم كانوا يرونه قد وقف منهم غير بعيد، في هذا المكان أو ذاك «من ~~الحديقة»، فإذا دعوه لم يستجب لهم كأنه لا يسمع منهم، وإذا سعوا إليه ارتفع في الجو ~~ارتفاعا يسيرا، ثم انصرف عنهم دون أن يؤنسهم من منظره، ودون أن يبخل عليهم بصوته هذا ms089 الذي ~~لم يكن يخلو من التحدي. # وكان الأطفال يسألون أمهم حينا وأباهم حينا آخر، ما بالهم لا يرون الهدهد حين يحمل ~~إليهم طرفه وتحفه، وإنما يرونه دائما فارغا خاليا إلى نفسه، نافرا منهم منصرفا ~~عنهم؟ فكانت أمهم تجيبهم، وكان أبوهم يجيبهم أيضا، بأن الهدهد حذر لبق ظريف يحب المداعبة، ~~ويؤثر أن يفجأ أصدقاءه بما يترك لهم من الهدايا. وقد شب الأطفال وعقلوا واستبانوا الحقائق ~~من أمر الهدهد، وما كان يحمل إليهم من الهدايا، ولكنهم مع ذلك خادعوا أبويهم حينا وخيلوا ~~إليهما أنهم كانوا يصدقون ما يقصان عليهم من أمر الهدهد، ثم خادعوا أنفسهم حينا آخر ~~وأرادوا أن يصدقوا ما كان يقص عليهم من أمر الهدهد. ثم لم يجدوا بدا من الإذعان لحكم ~~العقل والانحراف عن قصة الهدهد، فجعلوا يتندرون بها في كثير من الحنان ساخرين من أنفسهم ~~ومداعبين لأبويهم. ثم صرفوا إلى شئون الصبا والشباب عن شئون الطفولة، وشغلوا بالدرس ~~والتحصيل عن هدايا الهدهد وطرفه. # كان صاحبنا يستعرض هذا كله، وهو ينظر في كتاب مكسيم جوركي دون أن يرى مما كتبض فيه ~~شيئا. وكانت زوجه تستعرض هذا كله وهي تجري أصابعها على البيانو دون أن تستخرج منه لحنا ~~مستقيما؛ على أنها لم تلبث أن حزمت أمرها، وأقبلت على موسيقاها، فانغمست فيها انغماسا، ~~أما هو فلم يستطع أن يحزم أمره ولا أن يعود إلى مكسيم جوركي؛ لأنه لم يكد يفرغ من استعراض ~~طفولة أبنائه حتى استعرض طفولة نفسه. # فقد كانت الصلة بينه وبين الهدهد بعيدة جدا، أبعد من الصلة بينه وبين زوجه وبنيه. كان ~~يعرف الهدهد منذ طفولته الأولى؛ يراه فيعجب بشكله، ويسمعه فيحن إلى صوته، ويتمنى أن يتاح له ~~هدهد يمسكه في الدار ويتخذه له رفيقا. وما زال يلح بهذا التمني على أبيه وإخوته وذوي ~~معرفته حتى رفق به بعض أهل القرية فجاءه ذات صباح بقفص ظريف قد استقر فيه هدهد ظريف. وهو ~~يذكر ابتهاجه بهذه التحفة وإسراعه إلى أمه راضيا مسرورا، يخرجه الرضى والسرور عن طوره، ~~وهو يذكر كيف ms090 ابتسمت له أمه في رفق، وكيف تقدمت إليه في ألا يعذب الهدهد ولا يرهقه من أمره ~~عسرا، وكيف نهضت فأخذت منه القفص وعلقته إلى جدار من جدران الدار، ووضعت فيه إناءين صغيرين ~~في أحدهما قليل من ماء وفي الأخر قليل من حب، وطرحت إلى جانب الجدار وسادة، وقالت لابنها ~~وهي تمسح على رأسه: هذا مكانك من صديقك الهدهد، تستطيع أن تأوي إليه كلما أحببت أن تراه أو ~~تسمع منه. # وقد وفى الصبي لهدهده أياما طوالا؛ فكان يسرع إليه كلما عاد من الكتاب وسط النهار ~~وآخره فيتحدث إليه، ويسمع منه، ويطيل الحديث والاستماع ... # ولكن الرجل الذي أهدى إليه الهدهد لم يحسن الفهم عنه فيما يظهر، كما أنه هو لم يحسن الفهم ~~عن نفسه؛ فقد أقبل ذلك الرجل عليه في الضحى ذات يوم وأهدى إليه صقرا صغيرا لطيفا بعد أن ~~قص من جناحيه، وفرح الصبي بصقره ذاك الجميل، وخيل إليه، بل ألقي في نفسه، أن هذا الصقر ~~سيؤنس الهدهد في وحدته، وسيكون رفيقه حين يشغل هو بهذا الكتاب البغيض الذي كان يذهب إليه ~~أول النهار ويعود منه لحظة للغذاء ثم يرجع إليه مسرعا ولا يعود إلى صديقه الهدهد إلا آخر ~~النهار. وكان الصبي يشفق على هدهده من هذه الوحدة المتصلة، فأي غرابة في أن يسعد بهذا ~~الصديق الجديد الذي سيسلي الهدهد ما بعد صاحبه؟ فإذا عاد لم يتحدث إلى الهدهد وحده، وإنما ~~تحدث إليه وإلى الصقر جميعا، وما هو إلا أن يدخل الصقر على الهدهد في قفصه وينصرف لبعض ما ~~ينصرف إليه الصبية، ثم يعود بعد ساعة قصيرة أو طويلة فيرى - ويا هول ما يرى - يرى الهدهد ~~ميتا قد نقر الصقر رأسه واستخرج ما فيه، لم يكن يعرف أن الطير يعدو بعضها على بعض! # ويرى أمه حزينة تلومه وتعنف به في اللوم، وترسل إلى ذلك الفلاح الذي أهدى إليه الصقر ~~شتما قبيحا، وقد أخذ صاحبنا وهو ينظر في كتاب مكسيم جوركي دون أن يرى مما كتب فيه شيئا ~~يستعرض هذه الذكرى، ويستعرض ms091 حزنه على الهدهد وحبه له من بعيد بعد تلك الكارثة، واقتناعه بأن ~~الخير له وللهدهد في أن يتراءيا ويتحدثا من بعيد، ثم ينتقل من هذا الاستعراض إلى ما عرف ~~من أمر الهدهد حين حفظ القرآن واستظهر سورة النمل وعرف قصة سليمان وملكة سبأ. # كل ذلك جعل يستعرضه وهو ينظر في كتابه دون أن يرى ما فيه، وقد استقر في نفسه أن لزيارة ~~الهدهد لداره شأنا، وأنه قد جاء بالنبأ اليقين، وأن النهار لن ينقضي حتى يبلغه أمر ذو ~~بال. والغريب الذي تستطيع أن تصدقه أو تكذبه - فلن يغير تصديقك ولا تكذيبك من الحق شيئا - ~~هو أن النهار لم ينقض دون أن يأتيه النبأ العظيم. # والحق أن صاحبنا قد عاد في ذلك اليوم طفلا فعلق نفسه من بعض نواحيها الأخرى بالجرس، ~~وعلقها من ناحية ثالثة من نواحيها بساعي البريد، وتستطيع أن تقول إنه جلس في مكتبه واجما ~~وخصص إحدى أذنيه للتليفون وإحداهما الأخرى للجرس، ومد عينيه أمامه إلى النافذة يرقب من يمكن ~~أن يصعد سلم الدار من الزائرين، وقد طال به ذلك وشق عليه، ثم أقبلت عليه شئون الحياة ~~اليومية فصرفته عن هذا السخف صرفا ظاهرا، ولكن قلبه ظل بقية النهار ينتظر شيئا ~~غامضا، وقد دعاه التليفون حين أقبل الأصيل، فلما استمع إلى ما قيل له وأجاب بكلمات قصار ~~أسرع إلى زوجه يقبلها ويقول مستبشرا: ألم أقل لك إن الهدهد قد جاء بالنبأ اليقين؟! قالت ~~زوجه: وما ذاك؟ قال: استقالت الوزارة ودعيت إلى الاشتراك في الحكم! # ولم تشرق الشمس من غد حتى كان صاحبنا وزيرا، ولم يرتفع الضحى من اليوم نفسه حتى كان ~~صاحبنا لا يخاف شيئا كما يخاف الهدهد، ولا يبغض شيئا كما يبغض الهدهد، ولم يكن بالأمس ~~يأنس إلى شيء كما كان يأنس إلى الهدهد، ولم يكن بالأمس يحب شيئا كما كان يحب الهدهد، ~~ولكن صدق الهدهد قد استقر في نفسه كما استقر في نفسه أيضا أن الهدهد لا يستطيع أن ~~يأتيه بعد الوزارة نبأ يسر أو يروق؛ فمن ms092 يدري إن أقبل الهدهد لعله يحمل نبأ استقالة ~~الوزارة. وليس الهدهد صديقا له وحده من دون الناس يحمل إليه وحده الأنباء السارة، فقد يكون ~~للهدهد أصدقاء آخرون يمكن أن يحمل إليهم أنباء سارة صادقة، ويمكن أن يكون من هذه الأنباء ~~نبأ استقالة الوزارة والدعوة إلى الاشتراك في الحكم. # قل إن هذا منطق سخيف، وأؤكد لك أني أرى هذا منطقا سخيفا، ولكني أؤكد لك أيضا أن ~~للحوادث منطقا غير منطق الناس، وأن التفاؤل والتشاؤم يعبثان بعقول الناس، فيفسدان منطقهم ~~في رأي «أرسططاليس» وفي رأي الأستاذ لطفي السيد، ولكنهما يقربان بين هذا المنطق وبين ~~منطق الحوادث أحيانا. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن صاحبنا قد تطير بالهدهد طيرة شديدة ~~كما كان يتفاءل به من قبل تفاؤلا شديدا، وأنه لم يسع قط إلى غرفة استقباله إلا وفي ~~نفسه إشفاق شديد أن يرى الهدهد قائما على البيانو في مكانه ذاك، ولو استطاع لتقدم إلى أهله ~~في أن تغلق نوافذ الدار ما أشرق النهار، وفي ألا تفتح إلا حين تنام الطير، والشيء الذي لا ~~شك فيه أيضا هو أنه استحى أن يتقدم في ذلك إلى أهله مخافة أن يظنوا به الظنون، ولكنه تقدم ~~إلى أعوانه في الوزارة ألا تفتح نوافذ مكتبه، وزعم لهم أنه يكره أن يأتيه منها الضجيج ~~والعجيج، ويشفق من تيارات الهواء، ويؤثر الضوء الرفيق على الضوء العنيف. # وحياة الوزراء حافلة بخطوب السياسة وأحداثها، فهم يرضون إذا أصبحوا، ويغضبون إذا ارتفع ~~الضحى، ويعودون إلى الرضى حين ينتصف النهار، ويردون إلى السخط حين يجلسون إلى الغداء كل ~~ساعة من ساعات الليل والنهار تحمل إليهم في دقائقها ألوانا من الرضى والسخط ومن الأمن ~~والخوف ومن القلق والهدوء. فكان صاحبنا كلما حدث حادث مغضب أو مقلق، وكلما نشر خبر مسخط ~~أو مثير للخوف، لم يذكر إلا الهدهد، ولم ير أمامه إلا الهدهد، فقد كان الهدهد رسول النعمة ~~إليه قبل أن يرقى إلى الحكم، فأصبح الهدهد نذير النقمة إليه بعد أن ارتقى إلى الحكم. # ولكل أجل ms093 كتاب، ولكل وزارة آخرة. وقد أقبل صاحبنا مع الضحى ذات يوم على مكتبه، ولكنه لم ~~يكد يدخل حتى رأى حبيبه أمس وعدوه اليوم قائما بشكله الجميل البشع على حافة النافذة وقد ~~نسي الخدم إغلاقها لأمر ما. ولست أصف لك ثورة الوزير الظاهرة، فقد تعرفها، وهي لا تعنيني، ~~وإن كان خادم مكتبه قد سمع ما لا يرضى وقضى ساعة منكرة. وإنما أصف لك تشاؤم الوزير فيما ~~بينه وبين نفسه: فقد أظلم قلبه، واربدت نفسه، وساء خلقه، وقبح لقاؤه للموظفين والزائرين ~~جميعا، وعاد إلى أهله غضبان أسفا لا يكاد يبتسم ولا يكاد ينطق، وجلس إلى الغداء فلم يكد ~~يصيب منه شيئا حتى قالت زوجه: إنك لمحزون منذ اليوم، هل من جديد؟ قال وهو يتكلف الابتسام: ~~ما أدري! ولكني رأيت الهدهد البغيض. قالت وقد كادت العبرة تخنق صوتها: لقد أصبح الهدهد ~~بغيضا الآن، وما أكثر ما كان يملأ قلوبنا غبطة وسرورا! ثم خلت إلى أبنائها فضحكت ~~وضحكوا. # ولكن المساء لم يقبل في ذلك اليوم حتى كان صاحبنا يستأنف القراءة في كتاب مكسيم جوركي من ~~حيث تركها، وحتى كانت زوجه تعزف على البيانو شيئا من ألحان «موزار»، أما هو فكان محزونا ~~يلعن الهدهد، وأما هي فكانت راضية تثني على الهدهد ثناء كثيرا، وأما الناس فكان منهم ~~الراضي المستبشر وكان منهم من مزق الغيظ قلبه تمزيقا! # | تمصير # هي عاطفة طبيعية تسيطر علينا في أكثر ما نعمل وفي أكثر ما نقول. وأي غرابة في أن يكون ~~الميل إلى تمصير الحضارة الأجنبية على اختلاف فروعها أظهر ما تمتاز به حياتنا العامة في عصر ~~كهذا العصر الذي نعيش فيه، قد اشتدت فيه النهضة الوطنية، وقوي فيه الشعور بالقومية المصرية، ~~وظهر فيه الحرص واضحا جليا على أن تكون شخصيتنا بارزة لا لبس فيها ولا غموض؟ وقد مضى عصر ~~كنا نستعير فيه الحضارة الأجنبية استعارة من أوروبا ونجهر بذلك ونقدم عليه لا نجد فيه ~~حرجا ولا نحس منه حياء، ثم مضى عصر آخر كنا نسرع فيه إلى هذه الحضارة الأجنبية ms094 ~~مبتهجين بالإسراع إليها مفاخرين بالأخذ بأسبابها، يمتدح الرجل منا بأنه يحسن مجاراة ~~الأوروبيين في هذا الأمر أو ذاك، ويحسن تقليد الأوروبيين في التفكير والقول وغيرهما من ~~أساليب الحياة. # مضى هذا العصر كما مضى ذلك العصر، وأصبحنا نطمئن فيما بيننا وبين أنفسنا إلى أن الحضارة ~~الأوروبية وإن كانت ضرورة من ضرورات حياتنا الفردية والاجتماعية؛ فإن لنا مقومات خاصة ~~ليست حاجتنا إليها بأقل من حاجتنا إلى الحضارة الحديثة. وأخذنا نشعر منذ عهد غير قصير بأن ~~المشكلة التي تواجهنا والتي يجب أن نجد لأنفسنا منها مخرجا ليست هي نقل الحضارة الأجنبية ~~إلى وادي النيل، ولا إقرارها على ضفاف النيل، ولا التغلغل بها في أعماق الريف، وإنما هي ~~الملاءمة بين هذه الحضارة التي نقلت بالفعل إلى مصر واستقرت فيها وبين أشياء أخرى لا بد ~~لنا من أن نحتفظ بها لنكون أمة من حقها أن تطمع في الاستقلال وتطمح إليه، ولنكون أفرادا من ~~حقهم أن يؤمنوا بأن لهم وجودا خليقا بهذا الاسم وشخصية خليقة أن يعترف بها الناس. # ولعل أول ما عنينا به من ذلك إنما هو الملاءمة بين ما في الحضارة الأجنبية من علم ~~وأدب ومن فلسفة وفن، وبين ما لنا نحن من لغة عربية مصرية نحبها ونؤثرها ونحرص عليها أشد ~~الحرص، فقد كنا في أواخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن نلتمس العلم الأجنبي والأدب ~~الأجنبي في لغة الأجانب وكتبهم؛ نقرأ ما نقرأ من ذلك، ونعي منه ما نعي، لا نكاد نشعر ~~بالحاجة إلى أن نقرأ ذلك في لغتنا العربية، أو إلى أن يقرأ ذلك منا الذين لا يحسنون لغة ~~أوروبية. وقد أعرضنا لأمر ما عن ذلك الجهد الخصب الذي بذله جماعة من المصريين في أول ~~تاريخنا الحديث، وأقبلنا على لغات الأجانب نتعلمها وعلى علوم الأجانب وآدابهم ندرسها ~~ونستظهرها دون أن نفكر في النقل والترجمة إلا قليلا فضلا عن أن نفكر في الإنشاء والتأليف، ~~ثم اشتدت الحركة الوطنية بعض الشيء أول هذا القرن، فأخذنا نحس الحاجة إلى أن يظهر سلطان ~~اللغة العربية واضحا ms095 جليا في التعليم ، وجاهدنا في ذلك حتى بلغنا منه حظا لا بأس به، ~~وحتى أخذنا في تمصير أكثر ما يلقى على التلاميذ من العلم في المدارس الابتدائية والثانوية، ~~ومضينا في ذلك موفقين أحيانا أخرى حتى انتهينا إلى تمصير كثير مما يلقى من العلم على ~~الطلاب في الجامعة والمدارس العليا. # وكنا نشهد التمثيل الأجنبي في أوروبا ونحاول تقليده في مصر، فنمصره بعض الشيء حين نفرض ~~عليه لغتنا فرضا، وحين نترجم قصصه ترجمة دقيقة أو مقاربة أو مباعدة للأصل. ثم اشتدت الحركة ~~الوطنية فإذا نحن نريد أن يكون لنا تمثيل مصري يتخذ لغتنا كما يتخذ تفكيرنا وشعورنا، ويصور ~~حياتنا المصرية الخاصة تصويرا صحيحا دقيقا، وقد وفقنا في ذلك إلى بعض الخير، ثم صرفنا ~~عنه لأمور لست في حاجة إلى أن أبينها الآن. # وتستطيع أن تقول مثل هذا في فروع حياتنا العامة والخاصة كلها؛ فقد نقلنا عن الأوروبيين ~~فنون الحكم والإدارة والقضاء، وكنا في هذا النقل مقلدين أول الأمر، ثم أخذنا نمصر هذه ~~الفنون شيئا فشيئا حتى بلغنا من ذلك حظا لا بأس به. وكذلك قلدنا في التجارة والصناعة، ~~ثم أخذنا نمصر التجارة والصناعة، وقلدنا في الأدب أو في بعض فنون الأدب، ثم أخذنا نمصر ~~هذه الفنون. طبعي إذن أن نميل إلى التمصير ونجد فيه، وأن نضيق إذا أبطأت حركة ~~التمصير في لون من ألوان المعرفة أو فن من فنون الحياة. ولكن هذا الميل نفسه كغيره من ~~الميول قد يحتاج إلى شيء غير قليل من المراقبة والملاحظة، وقد يحتاج إلى شيء غير قليل من ~~التحفظ والاحتياط. فنحن في حاجة إلى تمصير العلم، وإنما يتم تمصير العلم إذا أتقناه ~~وتمثلناه وشاركنا فيه كما يشارك فيه أصحابه الأوروبيون. فأما إذا وقفنا عند الترجمة أو ~~تجاوزنا الترجمة إلى تأليف هو إلى التقليد والمحاكاة أقرب منه إلى الابتكار والإبداع فنحن ~~لا نمصر العلم، وإنما ننقله إلى بلادنا نقلا ونقره فيها كما يستقر الضيف. # فإذا لم نوفق إلى الابتكار والإبداع، ثم لم نوفق إلى الترجمة الصحيحة ولا إلى ms096 التقليد ~~المستقيم؛ فنحن لا نمصر ولا ننقل، ونحن لا نحسن إلى أنفسنا ولا إلى العلم الذي نريد تمصيره، ~~ولا إلى الأوروبيين الذين نأخذ عنهم، وإنما نحن نمسخ العلم مسخا، ونسيء إلى عقولنا كما ~~نسيء إلى الأوروبيين أيضا فنصورهم صورا لا تلائم الحق ولا ترضيهم ولا ترضينا نحن ~~أيضا. # والأمر كذلك بالقياس إلى كل ما نريد أن نمصره من ألوان الحضارة الأوروبية. ولعلك تسألني ~~إلى أين أريد أن أنتهي، وإلى أي شيء أعمد حين أسوق هذا الحديث الطويل وهذه المقدمات التي لا ~~تريد أن تنقضي؟ ومن حقك أن تلقي علي هذا السؤال، ومن الحق علي أن أسرع إلى الرد عليه ~~بعدما بسطت هذه المقدمات. إنما أريد أن أنتهي إلى تمصير التمثيل، وقد فكرت فيه حين شهدت قصة ~~أو جزءا من قصة مثلت في ملعب الأوبرا؛ فقد انتهت إلي الدعوة إلى شهود هذه القصة تحمل ~~عنوانا لها لم يدلني على شيء، كما أنه لم يحط به من التفسير والتعليق ما يدل على شيء. ~~وحسبك أن تعلم أن عنوان القصة هو «السكرتير الفني». # وأظن أنك إذا سمعت هذا العنوان أو قرأته دون أن تسمع أو تقرأ معه أن القصة مترجمة ترجمة ~~دقيقة أو مقاربة، أو أن القصة مبتكرة ابتكارا؛ لا تقدر إلا أنها قصة قد وضعت في مصر ~~وضعا. وعلى هذا التقدير ذهبت إلى ملعب الأوبرا وأنا أعد نفسي في شيء من الغبطة بأني سأشهد ~~مظهرا من مظاهر النشاط الفني المصري، وسأرى قصة تمثيلية جديدة، وسأرف إلى أي حد انتهى ~~كتابنا من ترقية القصة التمثيلية، وإلى أي حد انتهى ممثلونا من ترقية التمثيل ~~نفسه. # ويجب أن أعترف بأني لم أكد أسمع شطرا من الحوار حتى ضقت بالقصة وبالأوبرا ضيقا شديدا؛ ~~فقد كان الحوار كله باللغة العامية، والناس يعلمون أني أضيق باللغة العامية حين تتخذ أداة ~~للفن، وأكره أن يعتمد عليها الكتاب إلا أن تدعو إلى ذلك حاجة ملحة أو ضرورة ماسة. ~~على أني قد أخذت نفسي منذ عهد بعيد بألا بد مما ليس ms097 منه بد، وبأن الخير - كما يقول ~~الفيلسوف القديم - إذا لم يكن ما أريد، أن أريد ما يكون. وإذن فقد صرفت عن نفسي ما كانت تجد ~~من ضيق، واستقبلت التمثيل والممثلين بهذا النشاط الذي لا بد منه لأسمع منهم وأفهم عنهم ~~وألهو مع اللاهين. وكان الممثلون مجيدين حقا، فلم أتردد في أني سأقضي ساعات ملهية مسلية ~~في هذه الأيام التي تقل فيها التلهية والتسلية، ولكني لم أكد أنفق مع الممثلين لحظات حتى ~~أحسست الغضب يملأ نفسي ويملك قلبي، وأحسست الحاجة الشديدة إلى أن أسلط إرادتي على نفسي ~~تسليطا حتى لا أظهر من الغيظ والإنكار ما يحسن كتمانه في مثل هذه المواقف، وما قد يؤذي ~~الناس الذين يجاورونني إن أحسوه أو ظهروا عليه؛ ذلك أني تبينت أن القصة فرنسية معروفة شائعة ~~قد ترجمت في كثير من اللغات الأوروبية، ومثلت في كثير جدا من الملاعب، ثم تجاوزت ~~الملعب إلى السينما فعرضت على الناس في أقطار الأرض المتحضرة كلها، وهي قصة «توباز» التي ~~وضعها الكاتب الفرنسي المعروف بانيول. # وقد عمد الكاتب المصري إلى هذه القصة فمسخها مسخا وحرفها تحريفا، وذهب بما فيها من ~~جمال فني رائع لا سبيل إلى الشك فيه مهما تختلف الآراء في تقديره. ولست أدري أأعلن الكاتب ~~هذا أم لم يعلنه، بل أنا أريد أن أعتقد أنه أعلنه إعلانا وأنه استأذن صاحب القصة فيه. ~~ولكني مع ذلك آسف أشد الأسف، بل أحزن أشد الحزن لما أصاب هذه القصة الجميلة من مسخ ~~وتشويه. # القصة لم تكتب باللغة العامية في فرنسا، وإنما كتبت باللغة الفرنسية الفصحى إن صح هذا ~~التعبير؛ فهي تترك في نفسك حين تشهدها أو تقرؤها ما تتركه الآيات الأدبية الرائعة من الأثر، ~~فإذا شهدت القصة المصرية واستمعت لأشخاصها وهم يتحدثون لغة الشارع آنذاك هذا الاستماع وشق ~~عليك هذا المسخ وآلمك هذا الابتذال. # وفي القصة الفرنسية أشخاص مختلفون؛ منهم من ينتمي إلى الطبقة الوسطى ومنهم من ينتمي إلى ~~طبقة تتكلف الأرستقراطية، منهم الغني ومنهم الفقير، ولكنهم جميعا بعيدون عن هذا الابتذال ms098 ~~الذي نراه في القصة المصرية حين نسمع هؤلاء الأشخاص من الرجال والنساء يتحدثون لغة الأزقة ~~والحارات في القاهرة. # والقصة الفرنسية تصور لونا من ألوان الحياة في باريس، وهي تمتاز بالجراءة، بل بالإسراف ~~في الجراءة، جراءة على السياسة، جراءة على العرف، جراءة على المألوف من أخلاق الناس. وقد ~~أراد الكاتب أن يصور تهالك الناس على المنفعة وازدراءهم لما تواضعت الجماعات على إكباره من ~~أصول الخلق والشرف والكرامة. فالقصة مرآة تنعكس فيها حياة جماعة من رجال المال والأعمال ~~كما تنعكس فيها حياة جماعة من الطبقة الوسطى قد أفسدت أزمة الحرب مزاجهم، فهم لا يقاومون ~~الشر وإنما يدفعون إليه ويتفوقون فيه. # للقصة بطلان ممتازان من الرجال؛ أحدهما عضو في المجلس البلدي الباريسي والآخر معلم فقير. ~~فأما عضو المجلس البلدي فمجرم يسرق ويحتال ويستغل نفوذه ويقترف آثاما مالية منكرة، ويتستر ~~في هذا كله بأشخاص يشتريهم لذلك ويأجرهم عليه. وأما المعلم فرجل ساذج شريف نقي النفس في ~~ظاهر الأمر، يصور حياة أمثاله من الفرنسيين أحسن تصوير، ولكنه يتصل بعضو المجلس البلدي في ~~ظرف شديد ويقبل أن يعمل معه، ثم يتبين له الحق فيثور، ثم يذعن كارها لحكم القضاء، ثم ما ~~يزال يسعى إلى الفساد ويسعى الفساد إليه حتى يغلب أستاذه ويتفوق عليه ويستأثر من دونه بما ~~كان يعينه عليه من عمل، بل يستأثر من دونه بهذه المرأة اللعوب التي كانت تحبه أو تتكلف حبه ~~وتشاركه في الإثم، فأصبحت تحب خصمه لأنه استأثر بالثروة والغنى والبراعة في السرقة ~~والاختلاس. # وفي القصة أشخاص آخرون لهم أطوار غريبة، منها المضحك، ومنها المؤلم، ومنها ما يجمع ~~الأمرين معا، ولكن هؤلاء الأشخاص على ذلك ليسوا من هذه الطبقات الشعبية الصريحة التي ~~تمثلها القصة المصرية تمثيلا واضحا ملهيا حقا. # ليس في القصة الفرنسية سماك ينكر دوران الأرض كما في القصة المصرية، وليس فيها غير ~~السماك من هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون عندنا ناحية من نواحي الحياة نحبها ونضحك منها، ~~ولكننا لا نكاد نراها في مثل هذه المواقف التي تصورها القصة. وقد عجزت ms099 القصة المصرية عن ~~الصراحة والجراءة، ولم تبلغ من الشجاعة ما بلغت القصة الفرنسية؛ فالسارق المحتال عضو في ~~شركة من الشركات لا في مجلس بلدي. وهذا معقول؛ فليس في فرنسا قانون يقيد الحرية الأدبية ~~كالقوانين المصرية، وإن كان في مصر من الأحداث والفضائح ما يذكر بما أراد الكاتب الفرنسي ~~تصويره. والغريب أن الكاتب المصري ذكر ستافسكي في قصته مع أن توباز ظهرت في فرنسا وتجاوزتها ~~قبل أن تظهر الفضيحة الفرنسية الكبرى. # وليس في قصتنا المصرية إشارة إلى الكورنيش ولا إلى ما يشبهها من الحوادث لمكان هذه ~~المراقبة الأدبية الدقيقة. ولست أستطيع أن أمضي في تحليل القصة المصرية لأني لم أشهدها ~~كلها، وإنما انصرفت حين أذنت لي الأوضاع الاجتماعية بالانصراف. ولولا هذه الأوضاع نفسها ~~لانصرفت قبل أن أشهد الفصل الأول كله؛ لأن من المؤلم حقا أن يشهد الإنسان أثرا فنيا ~~بارعا قد أصابه المسخ والتشويه وأخذه العبث من جميع نواحيه. ومع ذلك فقد ضحكت النظارة ~~وأغرقت في الضحك. ولعلي أغلو وأتجاوز الحق إن زعمت أني لم أضحك، فقد ضحكت وضحكت كثيرا، ~~ولكني أظن أننا إنما ضحكنا من لغة القصة وعباراتها ومن براعة الممثلين وإجادتهم لا من ~~القصة نفسها. وهبنا ضحكنا من القصة نفسها فلم يكن ضحكنا ليغير الألم الذي كنا نجده شيئا ~~حين كنا نشهد مواقف الممثلين ونسمع ما كانوا يقولون ونذكر من مواقف الممثلين في القصة ~~الفرنسية وما يقولون. # في هذا النحو من التمصير شر كثير؛ لأنه كما رأيت مسيء إلى الفن يمسخه ويغير معالمه ~~ويرد جماله قبحا وجودته رداءة، ثم هو في الوقت نفسه عدوان لا أدري إلى أي حد يباح. وقد كان ~~الجاحظ يكره أن تختصر آثاره، يشفق عليها من المسخ والتشويه، فكيف بالكاتب الفرنسي بانيول لو ~~رأى قصته وما ألم بها من الخطوب؟ وإذا كان هذا مبلغ ألمنا نحن ونحن مصريون غرباء لم ~~ننشئ القصة ولا نغار عليها كما يغار عليها الفرنسيون الذين أنشئت فيهم ولهم، فكيف يكون ~~ألم الكاتب الفرنسي لو أنه تمثل هذا الخطب العظيم الذي ms100 ألم بأثر من أروع آثاره الأدبية ~~وأبقاها؟ # وأنا أعلم أن هذا التغيير الخطر يصيب كثيرا من القصص التمثيلية لا في مصر وحدها بل في ~~كثير غيرها من البلاد، ولكن هذا لا يخفف من شر هذا التغيير ولا يمحو ما فيه من سوء. وليس من ~~الحق أني أستطيع أن آتي الشر لأن كثيرا من الناس يأتونه، وإنما الحق أني خليق أن أنصرف عن ~~الشر حين أرى إقدام الناس عليه وتتبعهم له. # وأنا أعلم أن طائفة من قصص موليير قد نقلت إلينا على نحو من هذا التغيير، ولكن هذا ~~وقع منذ عهد بعيد، على أنه يجد شيئا من الشفاعة في هذا الجمال الساذج الريفي الذي نجده ~~في قصة الشيخ متلوف، والذي يعزينا بعض العزاء عن جمال ترتوف إن صح أن يضاف الجمال إلى ~~ترتوف. # حسن جدا أن يمصر التمثيل، وأن يتخذ العربية - ولا سيما العربية الفصحى - له لغة ~~وأداة، ولكن بشرط أن يكون تمصيره صحيحا صريحا لا فساد فيه ولا عدوان، بشرط أن يكون ~~تمصيرا مثبتا للشخصية المصرية على أنها شخصية قوية تنتج وتبتكر أكثر مما تحاكي ~~وتقلد، بشرط أن يكون تمصيرا جريئا جليا لا يثير حزنا ولا ندما ولا حياء. # | حب # أيها العاتب الذي ليس يرضى # نم هنيئا فلست أطعم غمضا # إن لي من هواك وجدا قد استه # لك نومي ومضجعا قد أقضا # كذلك كان يقول البحتري منذ أكثر من ألف عام، وكذلك يستطيع بعض ساستنا المصريين أن يقولوا ~~لأحبائهم في هذه الأيام. # فالحب عاطفة إنسانية خالدة ليست مقصورة على جيل دون جيل ولا على بيئة دون بيئة، وإنما هي ~~متصلة بالنفس الإنسانية في مزاجها وتكوينها. وليس من الضروري أن يحب المصري مصريا ~~والعراقي عراقيا. وربما كان من الحق أن البحتري إنما كان يسوق هذا الحديث العذب إلى حبيب ~~من الروم. فكما أن الحب لا يتقيد بجيل ولا ببيئة، فهو كذلك ينشئ صلته بين الأجيال المختلفة ~~والأجناس المتباينة، ولا عليه أن يختلف المحبان في الوطن والجنس واللغة والدين. فالحب أعم ~~من ms101 هذا كله وأشمل . وليس الحب صلة يسيرة مطردة بين نفسين، وإنما هو يمتاز بما يثير بين ~~الأحباء من قرب وبعد، ومن رضا وسخط، ومن هجر ووصل، وبما ينشئ عن هذا كله من أسقام تعذب ~~النفوس وتمزق القلوب وتضني الأجسام وتطلق الألسنة بالشكوى وتملأ الجو حول المحبين غناء ~~يروع أحيانا بما يشيع فيه من الأمل والابتهاج، ويروع أحيانا أخرى بما يسيطر عليه من اليأس ~~والابتئاس. وكان البحتري يقول عن حبيبه ذاك: # لج هذا الحبيب في الهجر جدا # وأعاد الصدود منه وأبدى # ذو فنون يريك في كل حال # خلقا من جفائه مستجدا # اغتدى راضيا وقد بت غضبا # ن وأمسى مولى وأصبح عبدا # وربما كان أخص ما يمتاز به الحب أنه صلة بين طرفين أحدهما قوي دائما والآخر ضعيف دائما، ~~أحدهما يدل ويتيه والآخر يذل ويستكين، أحدهما يتحكم ويتجنى والآخر يتوسل ويتمنى، ولا سبيل ~~إلى غير ذلك. فلو قد أتيح للمحبين حظ متشابه متساو من القوة لما أمكن أن يلتقيا، ولفسد ~~أمرهما فسادا عظيما. فقوام الحب نعيم لا يكاد يتجدد حتى يتبدد، وجحيم لا يكاد يملأ النفوس ~~يأسا وقنوطا حتى ينجاب عنها فيردها إلى الأمل والرجاء. وقوام الحب أيضا أن بين المحبين ~~أسبابا تمتد وتشتد حتى توشك أن تنقطع ثم تسمح وتلين، فإذا العبوس قد صار إلى ابتسام، وإذا ~~البكاء قد صار إلى ضحك، وإذا العذاب قد صار إلى نعيم. # وقوام الحب كذلك أنه تردد بين جنة ينعم فيها العاشقون بما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب إنسان - وإن كان كل الناس يستمتع بنعيمه هذا وقتا ما - ونار يصلى فيها ~~العاشقون عذابا أليما مهينا ينغص يقظة النهار ويذود نوم الليل. وهذا هو الذي جعل الحب ~~خلاصة ما في الآداب كلها على اختلافها في الزمان والمكان واللغة من فن شائق رائق وجمال ~~رائع بارع. # وقد يدهش القارئ لكل هذا الحديث عن الحب وأطواره وآثاره وظواهره ومظاهره، وقد يسأل ما ~~الذي دعا إليه وما الذي يراد به؟ وقد يزداد دهش القارئ ms102 وقد يدفعه هذا الدهش إلى الضحك ~~والإغراق في الضحك حين يعلم أن حديث المفاوضات هو الذي دفعني إلى التفكير في الحب وأعراضه ~~وأمراضه، ودفعني إلى ذلك دفعا لا تعمد له ولا تكلف فيه! # فقد يخيل إلي أن بين فريق من ساستنا وبين فريق من الإنجليز حبا ليس أقل خطرا ولا ~~أيسر أثرا من هذا الحب الذي تغناه البحتري وتغناه غيره من الشعراء في كل مكان وفي كل ~~جيل. فمن المصريين قوم لا يصبرون على هجر الإنجليز؛ وإنما يجدون في هذا الهجر العذاب كل ~~العذاب والتباب كل التباب، تظلم له حياتهم إظلاما حتى يضيقوا بالحياة وتضيق بهم الحياة، ~~وإذا هم يبتذلون في سبيل الوصل كل عزيز، ويمتهنون كل كريم، ويقولون كما كان يقول البحتري ~~لحبيبه: # أتراني مستبدلا بك ما عش # ت بديلا أو واجدا منك ندا # حاشا لله! أنت أفتن ألفا # ظا، وأحلى شكلا، وأملح قدا # ولن يستطيع القارئ مهما يعظم حظه من الذكاء وسعة الحيلة والقدرة على التعليل والتحليل ~~والتأويل أن يجد مصدرا معقولا لهذه الأطوار التي اختلفت على المفاوضات أثناء عام كامل، بل ~~أكثر من عام كامل غير الحب الذي يعذب النفوس ويمزق القلوب ويضني الأجسام. # وقد بدأ هذا الحب كما يبدأ الحب دائما برغبة تمازجها الرغبة، وطمع يشيع فيه الخوف، وأمل ~~يعروه اليأس. والقارئ يذكر من غير شك أن بعض ساستنا كان يمد طرفه إلى الإنجليز، وقد امتلأت ~~نفسه فتونا وهياما، ثم يرد طرفه عن الإنجليز وقد امتلأت نفسه خوفا وإشفاقا. يقرب ~~ليبعد، ويدنو لينأى، ويقدم ليحجم، وينشد قول الشاعر القديم: # شكوت فقالت كل هذا تبرما # بحبي أراح الله قلبك من حبي # وأدنو فتقصيني فأبعد طالبا # رضاها فتعتد التباعد من ذنبي # فيا قوم هل من حيلة تعرفونها # أشير بها أستوجب الشكر من ربي! # وكانت الهيئة السياسية في ذلك الوقت تسمع هذه الشكاة وتشير على الشاكي بألوان من الحيل؛ ~~فكان بعض الناس يشير بالحزم الرفيق والعزم الرقيق والإقدام في كثير من الاحترام، وكان بعض ~~الناس يشير بالحزم العنيف والعزم ms103 المخيف والإقدام في غير إحجام، وكان الشاكي يتردد بين هذين ~~الناصحين، أو بين هذين العاذلين، وكان الشعب المصري يرثي لهذا الشاكي مرة ويضحك منه مرة ~~أخرى، وكان الحبيب البعيد القريب يصنع صنيع صاحبة بشار حيث يقول: # صدت بخد وجلت عن خد # ثم انثنت كالنفس المرتد # أو صنيع صاحبة جميل حيث يقول: # ومنيتني حتى إذا ما ملكتني # بقول يحل العصم سهل الأباطح # تناءيت عني حين لا لي حيلة # وغادرت ما غادرت بين الجوانح # أو صنيع صاحبات جرير حيث يقول: # إن الذين غدوا بلبك غادروا # وشلا بعينك ما يزال معينا # غيضن من عبراتهن وقلن لي # ماذا لقيت من الهوى ولقينا # ولكن الإنجليز لم يكونوا يقولون لهذا العاشق المهيم المتيم الولهان في ذلك الوقت: ماذا ~~لقيت من الهوى ولقينا؟ وإنما كانوا يذكرون له الشركة التي تقوم على المساواة بين الند ~~والند، والاستقلال الذي يظفر به السودانيون بعد الاستفتاء، والجلاء الذي يمكن أن يتحقق بشرط ~~أن تستبقى المطارات والقواعد البحرية ... وما زال ذلك العاشق يترجح بين القرب والبعد، وبين ~~الأمل واليأس، حتى تقطعت به الأسباب، وأغلق من دونه الباب، ووكل بليله ونهاره العذاب، وأقبل ~~سياسي مصري آخر تقدمت به السن وسكتت عنه دواعي الهوى. ولكن القارئ يذكر أن عمر بن أبي ~~ربيعة قد عاوده الهيام حين رأى عاشقين فقال: # وذو الشوق القديم وإن تسلى # مشوق حين يلقى العاشقين # وإذا سياسينا الجديد القديم، الشيخ الشاب، يمتحن بمثل ما امتحن به سلفه، فيشقى من العشق ~~بمثل ما شقي به. ولكنه أوسع من سلفه حيلة وأمضى منه عزما وأقدر منه على وصل الأسباب حين ~~تتقطع، وتجديد الثياب حين تتمزق ويدركها البلى. وهو من أجل ذلك قد بلغ ما لا يبلغه سلفه، ~~فما زال يدعو ويلح في الدعاء، ويرجو ويمعن في الرجاء، حتى استجيب له، فأقبلت رسل الحبيب ~~تحمل إليه شعاعا من أمل وبريقا من رجاء، وكان كريما، فلم يستأثر وحده بكل شيء، وإن ~~استأثر بأعظم الحظ، فقد جمع من حوله العشاق والمتيمين، وأتاح لهم شيئا من لقاء ms104 الرسل، مرة ~~أو مرتين أو مرات، واختص نفسه باللقاء المتصل والحديث المتجدد والنعيم المقيم. # ولكن الحب كما علمت أطوار؛ فيه الرضا والسخط، وفيه الأمل واليأس، وفيه القرب والبعد. وقد ~~اختلفت هذه الأطوار نفسها على هذا الحب السياسي البديع؛ فاتصلت المفاوضات حتى استيقن الناس ~~أنها منتهية إلى غايتها، وأن مقدم الحبيب البعيد بشخصه القريب برسله واقع لا شك فيه. # فقد كان يقال إن المستر بيفن سيشرف مصر بزيارته للقاء الأحباء وإمضاء المعاهدة، ثم ~~انقطعت المفاوضات حتى استيقن الناس أن مقدم الحبيب البعيد بشخصه القريب برسله ميئوس منه لا ~~أمل فيه. ثم جعلت المفاوضات تتصل وتنقطع، وتتجدد وتبلى، حتى ضجر الشعب وملت كثرة العاشقين ~~إلا جماعة هم الذين يحسنون العشق ويعرفون للحب حقه ويرون ظلم الحبيب - بضم الظاء - كظلم ~~الحبيب بفتح الظاء؛ فهؤلاء يحبون عذاب الحب، ويستلذون ألمه ويسعدون بشقائه وينعمون بجحيمه ~~ويأبون أن يجد اليأس إلى قلوبهم سبيلا. أبى الحبيب أن يقدم ودعا رسله إليه، فما لهم لا ~~يسعون هم إلى الحبيب! وما لهم لا يجشمون أنفسهم المصاعب والأهوال في سبيل اللقاء! وقد قيل ~~لهم إن الحبيب مزمع رحلة بعيدة إلى ما وراء المحيط، فقال قائلهم: فلنسرع إليه قبل أن ~~يرتحل. وغنى مغنيهم قول العاشق العربي القديم: # ألما بمي قبل أن تطرح النوى # بها مطرحا أو قبل بين يزيلها # فإلا يكن إلا تمتع ساعة # قليل فإني نافع لي قليلها # وقد يسأل القارئ: وما خطب الشعب المصري من هذا الغرام والحب والهيام؟ # فأجيب: إن من طبيعة الحب أنه فردي وليس اجتماعي؛ فهؤلاء السادة يحبون لأن لهم قلوبا تخفق ~~ونفوسا تتذوق الجمال، فأما الشعب فلا قلب له ولا نفس له ولا ذوق له، فهو من أجل ذلك لا ~~يحب، وقل إن شئت إن للشعب قلبا ونفسا وذوقا، ولكنه لا يبيح للحب أن يسيطر على قلبه، ~~ولا أن يستأثر بنفسه، ولا أن يفسد ذوقه إفسادا، فالشعب ساذج لا حظ له من ترف، ~~والاستسلام للحب من خصال المترفين. ألست تذكر قول ذلك الشاعر الأمير العراقي: ms105 # نحن قوم تذيبنا الأعين النج # ل على أننا نذيب الحديدا # طوع أيدي الغرام تقتادنا الغي # د ونقتاد بالطعان الأسودا # ألست ترى أن ساستنا العاشقين المترفين يشبهون هذا الأمير الشاعر العراقي القديم المترف؟ ~~إنهم قوم تذيبهم الأعين النجل ويقودهم الحب إلى لندرة، ولكن حظهم من البأس حين يكون البأس ~~ومن الشدة حين تكون الشدة عظيم، تشهد لهم بذلك، أو تشهد عليهم بذلك، نفوس أزهقت ودماء ~~أريقت على كوبري عباس، وعلى غير كوبري عباس من أرض مصر في شهر فبراير وفي غير شهر فبراير من ~~ذلك العام، وتشهد لهم بذلك، أو تشهد عليهم بذلك، سجون عرفت كيف يكون الامتلاء، وتشهد لهم ~~بذلك أو تشهد عليهم بذلك حرية عرفت عض القيود وثقل الأغلال. # | معجزة الفن # لا يشبه وجهها بالشمس المضيئة ولا بالنجوم الوضيئة؛ فليست من شمس النهار ولا نجوم الليل ~~في شيء، لم تلق الشمس رداءها المشرق على وجهها كما ألقته على وجه تلك البدوية التي يقول ~~فيها طرفة: # ووجه كأن الشمس ألقت رداءها # عليه نقي اللون لم يتخدد # ولم يلق القمر على وجهها غلالته الرقيقة الرشيقة المتألقة فتصبح أو تمسي كتلك ~~الحضرية التي يقول فيها أبو نواس: # قامت بإبريقها والليل معتكر # فلاح من وجهها في البيت لألاء # لا يشبه وجهها بضوء الشمس حين تملأ الأرض جمالا وجلالا، ولا بضوء البدر حين يملأ ~~الأرض عذوبة وسحرا وفتونا، ولا تشبه بتلك الحسناء التي قال فيها ابن مياد: # فيهن بيضاء المعاصم طفلة # صفراء مثل غريضة التفاح # فليست من هذا كله في شيء، وإنما يشبه وجهها إذا لم يكن من تشبيه وجهها بد بهذا الغبش ~~الذي يكون حين يختلط ضوء النهار المقبل بظلمة الليل المدبر، أو حين تختلط ظلمة الليل ~~المقبل بضوء النهار المدبر؛ فعلى وجهها غشاء كدر قد استعار شيئا قليلا من بياض النهار ~~وشيئا كثيرا من سواد الليل؛ لأنها مولدة قد منحها الحياة أبوان أحدهما من الجنس الأبيض ~~والآخر من الجنس الأسود، فهي ابنة النهار المشرق والليل المظلم جميعا. ولكنها على ذلك لا ~~تكاد ms106 ترفع صوتها بالغناء حتى تنشر من حولها ضياء باهرا وجمالا ساحرا وفتونا يختطف ~~القلوب ويستهوي النفوس ويعبث بالألباب، قد جمع صوتها خصائص الضوء والظلمة، وخصائص الصحراء ~~المحرقة والرياض التي يشيع فيها الروح والريحان والراحة والنعيم. فيه قوة تصور الشمس في ~~عنفوانها، وقد استوت في أفق السماء ملكة على ما حولها من الكون، وفيه رقة عذبة ساحرة ~~تصور ضوء القمر حين يترقرق على الطبيعة رقيقا رشيقا يدفع النفوس إلى الحلم، والعقول إلى ~~التفكير، والقلوب إلى الغناء. وفيه مع ذلك قوة تصور هدير البحر حين يأخذه الغضب من جميع ~~أقطاره فيغالب العاصفة القاصفة واثقا بأنه المنتصر مطمئنا إلى أنه سيبقى ويهدأ، وإلى أن ~~العاصفة ستفنى وتتحلل وتزول. وفيه قوة معتدلة مقتصدة تصور انحدار النهر، وقد هم أن يغضب ~~ثم بدا له فآثر الرزانة والرصانة واستمسك في غير استرخاء ولا انحلال، وفيه رقة رقيقة ~~ولين يصوران الجدول حين يناجي الحصى وحين يداعب ما يقوم على شاطئيه من الشجر والنجم ~~والأعشاب. وفيه همس خفي حفي يصور هفيف النسيم وحفيف الأغصان في الجنة المطمئنة اليقظة ~~التي لا تريد أن تعنف بنفسها فتضطرب، ولا تريد أن تستسلم لأثقال الطبيعة فتنام، وإنما هي ~~يقظة فرحة مرحة تبسم للحياة في دعة، وتبسم لها الحياة في دعة، تتناجى غصونها، وتتناغى ~~أطيارها، وتتبادل أزهارها وأنهارها في يسر من الفكاهة والدعابة والعبث فنونا لا تشق عليها ~~ولا تشق على من يلم بها من الناس. # في صوتها هذا كله وأكثر من هذا كله، وهي على ذلك ساذجة متواضعة؛ لا أدري أتؤمن بنفسها أم ~~لا تؤمن؟ بل لا أدري أتحقق نفسها أم لا تحققها؟ ولكن أعلم أنها تؤمن بفنها أشد الإيمان ~~وأحده وأقواه. وهي إلى ذلك كريمة النفس، سخية الطبع، سمحة الخلق، حلوة الشمائل، عذبة ~~الروح، لا تعرف البخل ولا تتعلل على السائلين، وإنما تعرف أن الله قد منحها الفن لتملأ به ~~قلوب الناس حبا وعطفا ورفقا وحنانا وطموحا إلى المثل العليا، وسموا إلى الجمال، ~~ورغبة في التنزه عن أوضار الحياة، والتخفف من ms107 أثقالها، والترفع عن نقائصها، والتبرؤ من ~~سفاسفها. فهي تمنحهم من هذا النعيم ما وسعها المنح، ولا تصد عن السائلين إلا حين لا تجد إلى ~~الإقبال عليهم سبيلا. # هذه هي المغنية الأمريكية المولدة هاريان أندرسون، قال لي قائل إنها تغني في باريس، ~~وإنها لا تمنح الباريسيين إلا ليلتين اثنتين، وإنها تغني في قصر شايو، وإن باريس كلها من ~~أقام فيها ومن طرأ عليها تريد أن تسمعها، وإن الأماكن كلها قد احتجزت فلم يبق فيها مطمع ~~لطامع ولا أمل لمشتاق. وكنت قد سمعت صوتها في الفنوغراف والراديو، وكنت به معجبا أو أكثر ~~من المعجب إن استطعت أن تجد لفظا يؤدي ما فوق الإعجاب. فأزمعت أن أسمع لها مهما يكلفني ذلك ~~من الجهد، ومهما يحملني من المشقة، ومهما يفرض علي من العناء. ولم أتكلف جهدا ولم أحتمل ~~مشقة ولم ألق عناء، وإنما طلبت إلى بواب الفندق أن يحتال لي. وبواب الفندق واسع الحيلة ~~لا يعرف المصاعب ولا يؤمن بالعقبات، وإنما ييسر العسير ويفرج الحرج ويذلل المتعاصي بقوة ~~سحرية خاصة لا أدري من أين جاءته، ولكن أعرف كيف أنتفع بها وكيف أسخرها حين تعترضني مصاعب ~~باريس، وما أكثر المصاعب في باريس! # طلبت إليه أن يحتال لي فلم يبتسم كما تعود أن يبتسم، وإنما تجهم واعتل وتثاقل كما ~~كان أصحاب أبي نواس يفعلون حين يأتيهم طارق بليل. ولم أبخل عليه بالرجاء والإلحاح فوعد غير ~~واثق، ولم يكن بيننا وبين الليلة المشهودة إلا أسبوع والناس قد احتجزوا الأماكن منذ أسابيع. ~~وجعلت أخرج من الفندق وأعود إليه وأمر بالبواب مصبحا وممسيا أخشى أن أسأله فأجد عنده ~~اليأس، ولكنه يهتف بي ذات صباح وينبئني مشرقا مبتهجا بأنه قد وجد الأماكن في قصر شايو، ~~ولكنها أماكن قد لا تروقني ولا تعجبني؛ فالأماكن التي تلائمني قد أخذت كلها. قلت: كل ~~مكان في قصر شايو يروقني ويعجبني ما دام صوتها يستطيع أن يصل إلي فيه. قال: إذن ستجلسون ~~على كراسي نصبت على المسرح وراء المغنية. قلت: هو ذاك. وأنفقت ما بقي ms108 من الأيام تتردد في ~~نفسي تلك الألحان الدينية التي سمعتها في الفونغراف والراديو. فلما كانت الليلة الموعودة ~~ذهبت فرأيت، وما أروع ما رأيت! رأيت ألوفا مؤلفة من الناس يتدافعون في قصر شايو، وقد ~~اشتد الزحام بينهم على سعة القصر وكثرة المسالك المؤدية إلى قاعة الغناء. وقد ارتفعت ~~الأصوات حتى انعقد منها في جو القصر سحاب صفيق ذكرني بتلك الأصوات التي كان الأزهر الشريف ~~يموج بها في تلك الأيام السعيدة التي مضت ولن تعود. وقد جعلت أنحدر وأنحدر حتى أعياني ~~الانحدار، ثم أصل إلى المسرح وأجلس حيث أتيح لي أن أجلس فأحتاج إلى وقت أسترد فيه نفسي ~~لكثرة ما تفرقت، وأسترد فيه قوتي لكثرة ما أنهكها التصويب في هذه السلالم التي لا تنقضي، ~~والقاعة تموج بالأصوات التي لا يتبين السامع منها شيئا، ثم ينحسر هذا الموج المتراكم فجأة ~~ليخلفه موج متراكم آخر من التصفيق المتصل والرقص المتلاحق والهتاف الذي لا يريد أن ينقضي. ~~ثم يسكت هذا كله فجأة سكوتا عميقا عريضا تفهم معه المثل العربي القديم «كأن على رءوسهم ~~الطير» فهما عميقا دقيقا. ثم يندفع العازف فتخفق القلوب وترتفع الرءوس وتشخص الأبصار، ثم ~~تندفع المغنية فكأنما أعدت من غنائها بساطا سحريا حملت عليه نفوس هذه الألوف المؤلفة ~~وأرسلته مع الريح إلى مكان بعيد بعيد. لا تدري أفي الأرض هو أم في السماء؟ ثم تسكت المغنية ~~ويسكت العزف، وإذا ألوف النفوس قد عادت في أقل من لمح البصر إلى ألوف الأجسام الماثلة لا ~~لتفكر ولا لتحلل ولكن لتدفع الأيدي إلى التصفيق المتصل، والأرجل إلى الركض المتلاحق، ~~والحناجر إلى الهتاف الطويل. ويتكرر هذا المشهد ثلاث ساعات تكاد تتصل لولا أن تحتاج ~~المغنية إلى الراحة من الغناء، والمستمعون إلى الراحة من التطويف في آفاق الأرض والسماء، ~~فيتاح لنا وقت نخلو فيه إلى أنفسنا، وما تكاد، ثم تستأنف القصة كأحسن ما يستأنف القصص، ~~ويعود الحلم كأروع ما تعود الأحلام، ثم ننظر حين ينتصف الليل فإذا أحلامنا قد انقضت إلى غير ~~رجعة، وإذا نحن أيقاظ نسعى ms109 في الشوارع نلتمس العودة إلى منازلنا، وإذا قلوبنا قسمة بين ~~الابتهاج بهذه الساعات العذاب والاكتئاب؛ لأن هذه الساعات لن تعود. # وأريد أن أكتب، ولكن أكره الاستسلام للعاطفة فأستأني بالكتابة أسبوعا كاملا حتى يسكت عن ~~النفس إعجابها وفتونها؛ حتى أستطيع أن أكتب فيما ينبغي من الرزانة والمهل والأناة. وما أحب ~~أن يطيش بي الإعجاب فأندفع إلى حماسة لا قصد فيها، ولو قد فعلت لما أخطأت القصد. وما زلت ~~أغبط ذلك الفرنسي الذي استخفه الطرب حين انتهى الشطر الأول من الغناء فوثب من كرسيه وسعى ~~في تؤدة متكلفة حتى بلغ المغنية فقدم إليها طاقة من الزهر وانحنى إلى يدها فقبلها في ~~خشوع. # هذه الفتاة المولدة التي سحرت أمريكا على ما في أمريكا من بغض للسود وازدراء ~~للمولدين، حرة كأكمل ما تكون الحرية، أبية كأقوى ما يكون الإباء؛ أريدت على الغناء في ~~نيويورك وعرفت أن السود لن يسمح لهم بالاستماع لها؛ فامتنعت عن الغناء حتى أذن ~~للسود بمشاركة البيض في الاستمتاع بفنها الرفيع وقهرت بذلك نظاما اجتماعيا عنيفا في ~~أمريكا. # هذه الفتاة المولدة لم تكتف بسلطان فنها على أمريكا، فبسطته على باريس، وهي الآن تبسطه ~~على لندرة، وهي خليقة أن تبسطه على العالم المثقف كله، لا لأن الله قد وهب لها صوتها ~~المعجز فحسب، بل لأن الله قد وهب لها القوة على أن تثقف نفسها وصوتها وفنها، فهي لم ~~تغن في باريس غناء السود وحدهم ولا غناء الأمريكيين وحدهم، وإنما سحرت باريس قبل كل شيء ~~بغناء أوروبا وبالغناء الممتاز في أوروبا. غنت لنوابغ الفن في فرنسا وألمانيا وإيطاليا ~~والنمسا، غنت بالإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية، وغنت في هذه اللغات كما ~~يغني فيها أصحابها في غير عوج ولا أمت ولا اضطراب. أليس من الحق أنها جديرة بالإعجاب ~~لصوتها المعجز وفنها المعجز وقوتها المعجزة على أن تأخذ نفسها بأثقل القيود والأغلال حتى ~~تروضها للفن وتروض الفن لها وتنتزع الإعجاب والإكبار من نفوس الملايين في العالمين؟ # أما أنا فقد أكون مسرفا في المحافظة، ولكن أشهد أني ما ms110 زلت مؤمنا بأن الثقافة هي القوة ~~العليا في الأرض، وبأن سلطان الثقافة وسلطان الفن لا يزالان - وسيظلان - فوق كل ~~سلطان. ms111