######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.MucadhdhabunaFiArd.Hindawi59136080 #META# Tags: novels #META# ID: 59136080 #META# Title: المعذَّبون في الأرض #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - صالح‏ # 2 - قاسم‏ # 3 - خديجة‏ # 4 - المعتزلة‏ # 5 - رفيق‏ # 6 - صفاء‏ # 7 - خطر‏ # 8 - تضامن‏ # 9 - ثقل الغنى‏ # 10 - سخاء‏ # 11 - مصر المريضة‏ # مقدمة‏ # 1 - صالح‏ # 2 - قاسم‏ # 3 - خديجة‏ # 4 - المعتزلة‏ # 5 - رفيق‏ # 6 - صفاء‏ # 7 - خطر‏ # 8 - تضامن‏ # 9 - ثقل الغنى‏ # 10 - سخاء‏ # 11 - مصر المريضة‏ # | المعذبون في الأرض # | المعذبون في الأرض # تأليف # طه حسين # | مقدمة # إلى الذين يحرقهم الشوق إلى العدل، # وإلى الذين يؤرقهم الخوف من العدل، # إلى أولئك وهؤلاء جميعا، # أسوق هذا الحديث. ~~••• # إلى الذين يجدون ما لا ينفقون، # وإلى الذين لا يجدون ما ينفقون، # يساق هذا الحديث. # لا أجد لتصوير الحياة في مصر أثناء الأعوام الأخيرة من العهد الماضي أدق من هذين ~~الإهدائين اللذين يقرؤهما كل من تناول هذا الكتاب؛ فقد كان المصريون في تلك الأعوام ~~القريبة البعيدة فريقين، أحدهما يصور الكثرة الكثيرة البائسة التي تتحرق شوقا إلى العدل ~~مصبحة وممسية، وفيما بين ذلك من آناء الليل وأطراف النهار، والآخر يصور القلة القليلة ~~التي تشفق من العدل حين تستقبل ضوء النهار، وتفزع من العدل حين تجنها ظلمة الليل، وكان فريق ~~الكثرة ذاك لا يجد ما ينفق في رزق نفسه، وفي رزق من يعول، فيشقى بما يجد من الحرمان، ويشقى ~~أشد الشقاء وأعظمه نكرا بما يجد عياله من الحرمان؛ كانت عينه بصيرة إلى أبعد ما يبلغ ~~البصر، وكانت يده قصيرة إلى أدنى ما يكون القصر، كان يرى الطيبات بين يديه فتتوق إليها ~~نفسه، وتتوق إليها نفوس بنيه وبناته، فإذا أراد أن يمد إليها يده أبت أن تمتد كأنما ~~أصابها شلل، أو كأنها شدت إلى سائر جسمه بأثقل الأغلال، فكان يكظم غيظه، ويصبر نفسه ~~على مكروهها، ويصبر أهله على البأساء والضراء، وينتظر العدل الذي يبطئ عليه؛ فيغلو في ~~الإبطاء. # وكان يرى الآفاق المختلفة تصطلح على جسمه ونفسه، وعلى أجسام عياله ونفوسهم، ويهم أن يصلح ~~مما تفسده تلك الآفات، فيقصر به همه، ويقعد به عزمه، ويضطر إلى أن يسلم نفسه وأهله لهذه ~~الآفات تعبث بهم كما ms001 تريد، قد وطن نفسه على الجهل لأن أباه لم يستطع تعليمه، وهم أن ~~يخرج عياله من الجهل الذي اضطر هو إليه، فلم يجد إلى ذلك سبيلا، فرضي الجهل لبنيه كما ~~رضيه لنفسه، وانتظر العدل الذي يتيح لبنيه من المعرفة ما لم يتح له في صباه، ولكن العدل ~~يبطئ عليه وعلى بينه فيغلو في الإبطاء. # وكان يرى البؤس له خليطا بغيضا، يصحبه إذا سعى في الأرض، ويصحبه إذا راح إلى داره، ~~ويسكن معه ومع أسرته في تلك الدار إن أتيحت له ولأسرته دار يأوون إليها؛ فيصبر نفسه على ~~هذا الخليط البغيض، ويصبر أهله عليه، واثقا بأنه لن يستطيع منه فرارا؛ لأنه لن يستطيع أن ~~يتخذ نفقا في الأرض أو سلما في السماء، فينتظر العدل الذي سيخلصه ويخلص أهله من خليطه ذاك ~~البغيض، ولكن العدل يبطئ عليه فيغلو في الإبطاء. # ولم يكن البؤس يرضى أن يصحب هذا الفريق إلا إذا تبعه أصحابه من الجوع والعري والعلل والذل ~~والهوان، والكد الذي يضني ولا يفني، والهم الذي يسوء وينوء، وكان الناس من ذلك الفريق ~~يبغضون أولئك الضيف أشد البغض، ويضيقون بهم أشد الضيق، ولكنهم لا يجدون إلى الخلاص من ضيفهم ~~الثقلاء سبيلا إلا أن يأتي العدل فيلقي بينهم وبين ضيفهم ستارا، ولكن العدل كان بطيئا ~~مسرفا في البطء، كأنه كان يمشي في القيد، لا يكاد يخطو خطوات قصارا حتى يجذبه من ورائه ~~جاذب، فيرده إلى مكانه الذي استقر فيه بعيدا كل البعد عن الناس الذين يحبهم ويحبونه، ~~ويشتاق إليهم ويشتاقون إليه. كذلك كان ذلك الفريق طامحا إلى العدل، يحرقه طموحه دون أن ~~يبلغه شيئا، وما أكثر ما مضت الأجيال وليس لها من العدل حظ إلا انتظارها له، وتحرقها ~~شوقا إليه. # فأما الفريق الثاني، فريق تلك القلة القليلة، فقد كان يرى بؤس الفريق الأول وشقاءه ~~وعناءه، وخضوعه للمحن والخطوب، وإذعانه للكوارث والنائبات؛ فلا يحفل بما يرى ولا يلتفت ~~إليه، ولعله لم يكن يرى شيئا ولا يحس شيئا، كان مشغولا بيسره عن عسر الناس من حوله، ms002 وكان ~~مشغولا بترفه عن شظف الناس من حوله، وكان مثقلا بالغنى فلا يعنيه أن يثقل الناس بالفقر. ~~كان نظره قصيرا كأدنى ما يكون القصر، وكانت يده طويلة كأبعد ما يكون الطول، كان يشتهي ~~فيبلغ ما يشتهي حتى سئم شهواته، وكان يريد فيبلغ ما يريد حتى مل إرادته، وكان قلبه قد قسا ~~فهو كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما تتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق ~~فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله. وكان عقله قد حجب عما حوله أو حجب ~~عنه ما حوله، فهو لا يرى ما كان يملأ البيئة التي يعيش فيها من النذر، فإن رأى منها ~~شيئا أعرض ونأى بجانبه، وأمعن في الحمق والغرور، فلم يفكر فيما كان، ولم يفكر فيما يمكن أن ~~يكون، وإنما عاش للساعة التي هو فيها، كأن كل يوم من أيامه قد اقتطع من الزمان اقتطاعا، ~~فليس له أمس وليس له غد، والبعد يشتد بينه وبين ذلك الفريق من البائسين المعذبين، فهو ~~لا يحسهم إلا أن يحتاج إليهم، وهو إذا احتاج إليهم لم يرفق بهم ولم يعطف عليهم، وإنما ينزل ~~إليهم الأمر تنزيلا أن يشتقوا له من شقائهم سعادة، ومن عنائهم راحة، ومن بؤسهم نعيما، ~~وكانت الحكومات تقوم على إرضاء هذا الفريق المترف طوعا أو كرها، وربما حاول بعضها أن ~~يختلس شيئا من الإصلاح اختلاسا، فنظر إلى هذا الفريق من المعذبين في الأرض نظرة فيها ~~شيء من إشفاق، وهم أن يمسهم بجناح من رحمة، ولكنه لا يكاد يفعل حتى تزلزل به الأرض، ~~ويحاول بينه وبين الحكم، وتلقى عليه الدروس في إثر الدروس لعله يفهم أن غاية الحكم إنما هي ~~أن يزداد المترف ترفا، ويمعن البائس في البؤس والشقاء. # في بعض ذلك العهد نشرت هذه الأحاديث متفرقة، فلم تحفل بها الحكومة القائمة إذ ذاك، ولم ~~تلتفت إليها، ولكنها جمعت ذات يوم في كتاب، وأرادت أن تصل إلى أيدي القراء مجتمعة لتعظ ~~المسرف، وتعزي المحروم، وهنالك حفلت بها تلك الحكومة والتفتت ms003 إليها، ووقفت عندها وقفة لم ~~تطل، وإنما صدر فيها الأمر بأن يحال بين هذا الكتاب وبين الناس، وبأن تؤخذ نسخة من المطبعة ~~إلى حيث يصنع بها السلطان ما يشاء، يحرقها أو يخرقها أو يغرقها أو ما شاء الله من ألوان ~~العبث، ما دامت لا تصل إلى أيدي القراء! # وكذلك صودر هذا الكتاب فيما صورد من كتب أخرى كانت تريد أن تبصر المصريين بحقائق أمورهم، ~~وأن تعظ منهم الطغاة والبغاة، وتعزي منهم البائسين واليائسين، ونظرت مصر التي كانت ترى أنها ~~ملجأ الحرية في الشرق الأدنى، وأنها قائدة الشعوب العربية إلى الكرامة والعزة والاستقلال، ~~وأنها آمنت من بغي الدولة التركية القديمة وطغيانها أحرار سوريا ولبنان والعراق، نظرت ~~مصر هذه فإذا كتاب قد كتبه أحد أبنائها يحال بينه وبين المواطنين، وإذا هو يسلك طريقه إلى ~~لبنان فيطبع فيه وينشر، ويذاع في أقطار البلاد العربية، ثم يعود إلى مصر فيدخلها ~~خائفا يترقب، ويستخفي به قراؤه استخفاء، ثم يعاد طبعه ونشره في لبنان، والقراء من ~~المصريين يسمعون بذلك فينكرون فيما بينهم وبين أنفسهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجهروا بهذا ~~النكير. # عادت مصر إذن إلى مثل ما كانت عليه فرنسا أثناء القرن السابع عشر، حين كان بعض كتابها ~~يفرون بكتبهم لينشروها في هولندا؛ مخافة البأس والبطش وطغيان القريب. وأحاول أن أفهم مصدر ~~هذا الخوف الذي أغرى تلك الحكومة بهذا الكتاب، فحرمت عليه الحياة في مصر، فلا أجد إلى فهمه ~~سبيلا؛ فليس في الكتاب سياسة أو شيء يشبه السياسة، وليس في الكتاب تحريض على النظام ~~الاجتماعي ينكره القانون، وليس فيه إغراء بتلك المبادئ الهدامة كما كان يقال في ذلك ~~الوقت، وليس من فصوله فصل إلا وقد نشر في مجلة أو صحيفة سيارة، فلم تنكره الحكومة، ولم ~~تضق به النيابة، ولم يقدم كاتبه وناشره إلى القضاء. # وإذن فهو الخوف الذي يورط في البغي، وهو الذعر الذي يدفع إلى الطغيان، وهو التنكيل ~~بالكاتب من طريق التنكيل بكتابه، وهو الاستجابة للهوى، والانقياد للشهوة، والحكم في الناس ~~بالحب والبغض لا بالحق ms004 والعدل. ولست أعرف أشد حمقا، لا أجهل جهلا، ولا أغبى غباء من الذين ~~يصدرون في حكمهم عن الخوف والذعر، وعن الشهوة والهوى ، وعن الحب والبغض؛ فهم يورطون أنفسهم ~~في ألوان من السخف لا تكاد تنقضي، يحسبون أن قدرتهم تبلغ كل شيء، مع أنها قدرة إنسانية ~~محدودة لها مدى لا تستطيع أن تتجاوزه؛ فهي تصادر كتابا في مصر، وتظن أنها حالت بينه وبين ~~المصريين، ثم لا تلبث أن تراه قد نشر في لبنان وعاد إلى مصر فقرأه الناس فيها، وانتقض ~~عليها كل ما أبرمت، وفسد عليها كل ما دبرت، واستبق الناس إلى هذا الكتاب، وتنافسوا في ~~الظفر به، ولو قد خلت الحكومة بينهم وبينه لكان منهم القارئ له والمعرض عنه. ويحسبون ~~أنهم يفهمون كل شيء، وأن عقولهم تنفذ إلى ما لا تنفذ إليه عقول غيرهم من الناس، وعقولهم مع ~~ذلك عقول إنسانية تفهم من الأمر قليلا، وتعيا عن فهم الكثير، ولو قد فطنت عقولهم لكل ما ~~كانت الصحف تنشر من الفصول، ولكل ما كانت المطابع تذيع من الكتب؛ لعطلوا الصحف كلها ~~تعطيلا، ولأغلقوا المطابع كلها إغلاقا. وأي شيء أدل على ذلك من هذا الأدب الجديد الذي ~~أنشأته حكومات الطغيان إنشاء، حين اضطرت الكتاب إلى العدول عن الصراحة إلى فنون من ~~التعريض والتلميح، ومن الإشارة والرمز، حتى استقل هذا الأدب بنفسه، وتنافس القراء فيه ~~تنافسا شديدا، وجعلوا يقرءون ويئولون، ويناقش بعضهم ~~بعضا في التأويل والتحليل، واستخراج المعاني الواضحة من الإشارات الغامضة. وانظر إلى ما ~~نشر صاحب هذا الكتاب من «جنة الشوك»، و«جنة الحيوان»، و«مرآة الضمير الحديث»، و«أحلام ~~شهرزاد»؛ فلن ترى فيها إلا رمزا لمظاهر كنا نبغضها، ولا نستطيع أن نتحدث عنها في صراحة ~~أثناء تلك الأيام السود، فكنا نؤثر الغموض على الوضوح، والرمز والإلغاز على التصريح، ~~والإشارة والتلميح على تسمية الأشياء بأسمائها، وكانت حكومات ذلك العهد ورقابتها تقرأ فلا ~~تفهم، فتخلي بين الكتاب وما يكتبون، وتخلي بين القراء وما يذاع فيهم من ذلك الأدب ~~الجديد. # وكذلك قهر الأدب بغي البغاة، وأفلت من ms005 رقابة الرقباء، وسجل على الظالمين ظلمهم، وعلى ~~المفسدين إفسادهم، وأنشأ بينه وبين القراء لغة جديدة يفهمها الأدباء وقراؤهم، وفنا جديدا ~~يذوقه القراء ويحبونه ويؤثرونه على فنون التصريح والوضوح. # والأدب أشبه شيء بالنهر العظيم القوي الذي يندفع من ينابيعه، فيشق مجراه حتى يصل إلى ~~البحر، قاهرا ما يلقاه من المصاعب، مقتحما ما يعترضه من العقاب، محتالا في شق طريقه ~~ألوانا من الحيل تنتهي به كلها إلى غايته، فظلم الظالمين وبطش أصحاب الطغيان، وتحكم ~~الرقباء، كل أولئك أضعف من أن يقوم في سبيل الأدب والفن، أو يحول بينهما وبين ~~القراء. # يا لها ليالي قاتمة مظلمة كثيفة الإظلام، لم يتح فيها للنجوم أن ترسل سهامها المشرقة، ~~ولم يتح فيها للقمر أن ينشر ضوءه الهادئ الجميل، وإنما ازدحمت فيها الظلمات يركب بعضها ~~بعضا، وقد احتملنا أثقالها ونهضنا بأعبائها نكاد نختنق، ولكننا مع ذلك نرسل أنفاسنا حارة ~~محرقة كأنها شعل من نار تضيء لقرائنا الطريق، وتهديهم إلى قصد السبيل. # وها هو الفجر الصادق قد أخذ يشير إلى الظلمات المتراكبة المتراكمة بأصبعه الوردية التي ~~ذكرها الشعراء، فتنهزم متفرقة كأنها لم تزدحم ولم يركب بعضها بعضا، وما هي إلا أيام ~~وأسابيع، وإذا الفجر الضئيل يمتد ويتسع، ويملأ الأرض نورا وجمالا وبرا وإنصافا؛ وهنالك ~~لا يحتاج الأديب إلى حيلة ليعرب عن ذات نفسه، ولا إلى رمز يخفي به سر ضميره على الرقباء، ~~وإنما يتحدث إلى قرائه في صراحة ووضوح، ويسر ورضى، يصور لهم حياة ناعمة، وعيشا رغدا، ~~وعدلا واسعا، بعد أن صور لهم جحيم البؤس والجور والشقاء. # صدق الله الظنون، وحقق الآمال، وجعل ثورتنا الموفقة عضدا للحق، وسندا للعدل، وأداة ~~للإنصاف، وسبيلا إلى المساواة، وبدل المعذبين في الأرض من عذابهم رحمة، ومن شقائهم ~~سعادة، ومن بؤسهم نعيما. # طه حسين # الفصل الأول # | صالح # «إذا سمعت الشيخ يرفع صوته بالتكبيرة الأخيرة فأنبئني، فإن فعلت ذلك فأنت ابني حقا.» ~~قال الصبي وهو يبتسم لأمه التي كانت تحدثه هذا الحديث وهي تداعب خده: «فإن لم أفعل فابن ~~من أكون؟» # هنالك وجمت أم ms006 الصبي شيئا، وتضاحك من حولها بنوها وبناتها، ولكنها لطمت خد الصبي لطمة ~~خفيفة ظريفة وهي تقول: «إنك لطويل اللسان ، كثير الخصام.» ثم دست في يد الصبي قطعة من ~~سكر، وأعادت عليه قولها: «إذا سمعت الشيخ يرفع صوته بالتكبيرة الأخيرة فأنبئني، وإن فعلت ~~ذلك فلك مثلها قبل أن تنام.» قال الصبي وهو يقضم السكر قضما: «أما الآن فنعم.» ثم انطلق ~~مسرعا يتبعه ضحك أمه ومن حولها بنوها وبناتها. # وكانت الدار قائمة قاعدة في ذلك المساء؛ فقد ألم بها ضيف لهم خطر ومكانة في الإقليم، ~~وهم لم يقبلوا أصفار الأيدي، وإنما أقبلوا يحملون من الطرف والهدايا شيئا كثيرا. وكانت ~~سيدة الدار حريصة دائما على الاحتفاء بالضيف، مهتمة في ذلك المساء بالتكبيرة الأخيرة حين ~~يرفع الشيخ بها صوته ليخرج بها من دعائه بعد صلاة المغرب. فقد كانت أصناف الطعام مهيأة ~~تنتظر أن تحمل إلى المائدة حين يفرغ الضيف من صلاتهم مع الشيخ، وكان الثريد وهو أول هذه ~~الأصناف قد هيئ، ولكن تهيئته لم تتم بعد، فقد فت الخبز في طبق كبير، وأعد المرق، ~~وتم إعداد الأرز، وقطع الثوم قطعا توشك أن تشبه الذرات، ولكن إعداد هذا الصنف يجب ألا ~~يتم إلا في اللحظة الأخيرة حتى لا يشرب الخبز كل المرق، ولا يذهب ريح الثوم والخل في الجو، ~~ولا يبرد الأرز فيفسد ما ألقي عليه من السمن. من أجل هذا كله لم يكن بد من أن يتسمع ~~الصبي لدعاء الشيخ، حتى إذا رفع صوته بالتكبيرة الأخيرة أسرع إلى أمه فأنبأها، وأسرعت هي ~~إلى هذه الأخلاط من الخبز والمرق والثوم والخل والأرز فجمعتها في هذا الطبق الكبير الذي كان ~~ينتظرها منذ حين، فإذا استفتح العشاء بهذا الصنف تبعته الأصناف الأخرى على مهل وريث، فليس ~~في الإبطاء بها بأس ولا جناح، ولكن الصبي لم ينبئ أمه بشيء لأنه لم يسمع شيئا، وإنما ~~شغل عن التكبيرة الأولى وعن التكبيرة الأخيرة بأمر ذي بال. وقد فرغ الشيخ وضيفه من ~~صلاتهم، وجلسوا يتحدثون ينتظرون أن يحمل إليهم العشاء، وجعل ms007 الشيخ يترقب هذا العشاء ~~قلقا؛ لأنه لم يتعود مثل هذا الإبطاء حين يلم به الضيف. وقد هم غير مرة أن يضرب إحدى ~~يديه بالأخرى ليعلم أهل الدار أن الضيف ينتظرون، ولكنه استحيا وكره أن يظن به تنبيه أهل ~~الدار، وأن يظن بأهل الدار غفلة أو إهمال، فمضى في حديثه يرفع به صوته. ومرت من وراء ~~الباب إحدى بناته، فسمعت الصوت يرتفع بالحديث، وأسرعت إلى أمها فأنبأتها بما لم ينبئها به ~~الصبي، وما هي إلا لحظة حتى كان الضيف إلى مائدتهم يأكلون ويلغطون. # وقد كان الصبي خالص النية صادق الرأي، قد اتخذ مرقبه في زاوية من فناء الدار، هنالك ~~حيث تجتمع قطع من الحديد كان يراها كنزه، وكان يخلو إليها فينفق الساعة والساعات في جمعها ~~وتفريقها، وطرق بعضها ببعض، يجد في ذلك تسلية ولهوا، ينفرد به مرة ويشارك فيه أخته ~~الصغيرة مرة أخرى، وقد جلس في زاويته تلك أمام حديده ذاك، واعتزم إذا أتم التهام قطعة السكر ~~أن يقبل إلى قطع الحديد فيعبث بها في رفق، مانحا الشيخ وضيفه إحدى أذنيه، مستمعا ~~متتبعا لصلاتهم، حتى إذا سمع التكبيرة الأخيرة يرتفع بها صوت الشيخ انسل إلى أمه فألقى ~~إليها النبأ، ثم عاد إلى لعبه فمضى فيه. # ولكنه لم يكد يستقر في زاويته ويمضي في قضم سكره حتى أحس يدا تمس كتفه، ونظر فإذا رفيقه ~~صالح ماثل أمامه يداعب كتفه بإحدى يديه، ويقبض بيده الأخرى على طاقة من زهر الحقول يقدمها ~~إليه باسما. وقد نظر الصبي إلى صالح فراعه ثوبه الممزق قد ظهر منه صدره أكثر مما ينبغي، ~~وقد انشق عنه كتفه فظهرتا منه نابيتين، والثوب على ذلك رث قذر، يظهر من جسم الصبي ~~أكثر مما يخفي، كأنه أسمال قد وصل بعضها ببعض وصلا ما، وعلقت على هذا الجسم الضئيل ~~الناحل تعليقا ما، لتستر منه ما تستطيع، وليقال إن صاحبه لا يمضي به متجردا عريانا. ثم ~~رفع الصبي رأسه إلى وجه صالح فرأى بؤسا شاحبا يشيع فيه، ورأى ابتسامة فيها كثير من حزن، ms008 ~~وكثير من أمل، ورأى عينين تدوران تنظران إلى ما حولهما، تنخفضان حينا إلى هذا الحديد ~~الملقى على الأرض، وترتفعان حينا إلى قطعة السكر في يد رفيقه، وترتفعان بعد ذلك إلى عناقيد ~~الكرم هذه التي تتدلى على الجدران، وتمتد على هذه العيدان التي نصبت لتحملها. # والصبي على ذلك كله باسط يده إلى رفيقه بهذه الطاقة الساذجة الخشنة من زهر الحقول، يقول ~~له: «لم أرد أن أعود إلى دارنا دون أن أمر بك، وأحمل إليك هذه الأكمام التي لم ~~تتفتح بعد. خذها إليك وضعها في إناء فيه شيء من ماء، وانتظر بها الصبح، ثم أقبل ~~عليها فستراها متفتحة عن زهر جميل طيب الرائحة.» لم يقل الصبي لصالح شيئا، وإنما أخذ منذ ~~زهراته وأعطاه ما بقي في يده من قطعة السكر، وأشار إليه أن يجلس ويلعب معه بقطع الحديد. وقد ~~أخذ صالح قطعة السكر فأطال النظر إليها، والتحديق فيها، وقربها من فمه، ثم أبعدها عنه، ~~ثم نظر إليها نظرة قصيرة، ثم دسها في فمه بين خده وأضراسه، واستأنى بها لتذوب في رفق، ~~وليطول استمتاعه بذوقها الحلو، ثم جلس وأخذ يقلب مع رفيقه قطع الحديد، ثم لم يطل صمت ~~الرفيقين، وإنما استأنفا حديثهما عن الكتاب وعن الرفاق، وعن الحقل، وعن أهل القرية. ~~وأنسي الصبي بهذا كله صلاة الشيخ والضيف والنبأ الذي كان يجب أن يحمله إلى أمه، ولم يرعه ~~بعد وقت طويل أو قصير إلا صوت أخته تدعوه من وراء الباب إلى العشاء. # وقد فرغ الشيخ وأصحابه من طعامهم، وفرغوا كذلك من الصلاة الآخرة وما يتبعها من دعاء، ~~ودارت عليهم قهوة الليل، وجمعت ربة الدار الصغار من بنيها وبناتها إلى طعامهم، وافتقدت ~~صاحبنا ذاك المهذار، فأرسلت أخته تلتمسه في مظانه. # ولما سمع صوت أخته تدعوه أبطأ في الاستجابة لها؛ لأنه لم يكن يدري كيف يخلص من رفيقه، أو ~~لم يكن يحب أن يخلص من رفيقه، ولكن صالحا قال له في صوت خافت حزين: «أجب، إنك تدعى ~~إلى العشاء.» قال الصبي لصالح: «وأنت هل تعشيت؟» ms009 قال صالح: «سأتعشى حين أبلغ الدار.» ~~ونهض متثاقلا، وأدبر يريد أن يخرج، ولو استطاع لأقام، ولكنه مضى. وعاد الصبي إلى أمه وفي ~~يده تلك الزهرات، فلما رأته أنكرت نسيانه لما أمرته به، ولكنها سألته عن هذه الزهرات من ~~حملهن إليه. قال الصبي وفي صوته اختلاجة خفيفة: «حملهن إلي صالح بن الحاج علي.» قالت ~~أمه: «ولم تعطه شيئا؟» قال الصبي: «أعطيته ما بقي لي من قطعة السكر.» قالت أمه: «وما تراه ~~يصنع بقطعة السكر؟ أتراه يدفع بها عن نفسه الجوع، ألم تستبقه للعشاء؟» قال الصبي ~~مضطربا: «هممت ولكني لم أجرؤ.» قالت أمه: «فامض في إثره مسرعا حتى تعود به وحتى تتعشى ~~معه.» وانطلق الصبي كأنه السهم، ولم يكد يجاوز باب الدار حتى رفع صوته بدعاء صاحبه، ولكنه ~~لم يحتج إلى أن يعدو، ولا إلى أن يكرر الدعاء، فقد كان صالح قائما أمام الدار قد ~~استند إلى الحائط، ومد بصره أمامه، وقدم إحدى رجليه وأخر الأخرى يريد أن يمضي، ~~وتنازعه نفسه إلى البقاء. فلما سمع صوت رفيقه أجاب مستخذيا: «هأنذا، ماذا تريد؟» قال ~~الصبي: «أريد أن تبقى لنتعشى معا.» ولم يقل صالح شيئا، وإنما تحول إلى رفيقه، وسعى في ~~إثره هادئا مطرقا كأنه الكلب يتبع صاحبه إذا دعاه. # ولم يكد الصبي يغلق الباب من دونه حتى رأى إحدى أخواته قد وضعت في زاويته تلك كرسيا ~~مستديرا وعليه صينية مستديرة مثله، وقد كثرت على هذه الصينية الأطباق فيها من كل أصناف ~~الطعام التي قدمت للضيف. وأبت أخت الصبي أن تشارك الأسرة في عشائها، وآثرت أن تقوم على ~~خدمة هذين الرفيقين، حتى إذا فرغا من طعامهما مضى صالح موفورا، وعاد الصبي إلى أمه راضيا، ~~فقالت له وهي تمسح رأسه: «إذا زارك رفيق لك في وقت العشاء، فلا ينبغي أن تدعه ينصرف دون أن ~~تدعوه إلى مشاركتك في الطعام.» ثم قالت له بعد صمت قصير: «وهل تعلم أن صالحا إنما حمل إليك ~~هذه الزهرات ليتعشى؟» قال الصبي: «لا أعلم.» قالت أمه: «لقد رأى الأضياف حين ms010 أقبلوا، ورأى ~~ما حملوا من الطرف والهدايا، وعلم أن سيكون في الدار خير كثير في هذا المساء، فأراد أن يصيب ~~منه شيئا، واتخذ أزهاره هذه تعلة يلم بها في الدار ليقدمها إليك.» قال الصبي: «لو ~~رأيت ثوبه وقد بدا منه صدره وظهره وكتفاه!» قالت أمه: «إذا خرجت من الكتاب غدا ~~فاحمله على أن يصحبك، فإن عندي من ثيابك ما يكسوه.» # ثم انصرفت إلى بنيها وبناتها تحدثهم عن الضيف وعن العشاء، تلوم هذه لأنها نسيت أن ~~تحرك الأرز حين ألقته في الماء وهو يضطرب من الغليان، وأوشك هذا اللون من ألوان الطعام أن ~~يفسد، ويصبح عجينة متماسكة لا تصلح لشيء، ومن حق الأرز ألا يلتئم ولا يتماسك، وأن تتفرق ~~حباته وتمتاز. وتثني على تلك لأنها رفقت بالفالوذج، فلم تتركه سائلا تفيض به الملاعق كأنه ~~الحساء، ولم تجعله جامدا تقطعه الملاعق قطعا، ولم تهمل تحريكه حتى تتخلله تلك العقد ~~البغيضة التي لا تجعله سائغا ولا يسيرا، وإنما صنعته سواء سهلا لا يبلغ الأفواه حتى ~~تدعوه الحلوق، وهو فيما بين ذلك خفيف حلو المذاق. وإنها لتتحدث إلى بناتها هذه الأحاديث ~~التي كانت تعلمهن بها فنون الطهي، والتي كان أبناؤها يسمعون لها فيغرقون في ضحك متصل، ~~وإذا الصبي يقطع عليها حديثها، ويسألها: «ما بال صالح لم يتعش في داره؟» أجابت أمه: «ألم ~~أقل لك إنه أحس أن سيكون عندنا خير كثير، فأراد أن يصيب منه؟» قال الصبي: «فإني أرى الأضياف ~~يلمون بجارنا كما يلمون بنا، وأعرف أن عند جارنا خيرا كثيرا، فلا أسعى إلى أترابي من ~~أبنائه، ولا أحاول أن أصيب ما عندهم.» قالت: «لأنك لست في حاجة إلى ذلك، فلست محروما.» ~~قال الصبي: «فصالح محروم إذن؟» قالت أمه متضاحكة، وقد أخذ إخوته من حوله يضيقون بلجاجته ~~وإلحاحه: «لأن أباك ميسر عليه في الرزق، وقد قتر في الرزق على أبي صالح.» قال الصبي: ~~«ولماذا؟» قالت أمه: «إنك لمكثار.» ثم التفتت إلى كبرى بناتها وهي تقول: «خذيه إلى مضجعه، ~~فقد تقدم الليل، وآن له أن ms011 ينام.» # وأصبح الصبي، فغدا على كتابه كما تعود أن يفعل خمسة أيام في الأسبوع. وقد يخطر ~~للقارئ أن يسألني عن هذا الصبي: ما اسمه؟ وما موطنه؟ وما بيئته؟ وما أسرته؟ ومن عسى أن ~~يكون؟ ولكني أجيب القارئ إن خطرت له هذه الأسئلة كما كان الكاتب الفرنسي «ديديرو» يجيب ~~قراءه حين يخيل إليه أنهم يسألونه أو يهمون أن يسألوه عن بعض الأمر من قصصه؛ أجيب ~~القارئ بأنه يسرف على نفسه وعلي بهذه الأسئلة التي قد يكون الرد عليها مفيدا لتكون القصة ~~منسقة، حسنة البناء، ملتئمة الأجزاء، يأخذ بعضها برقاب بعض، كما كان النقاد القدماء ~~يقولون. ولكني لا أحاول أن أضع قصة فأخضعها لما ينبغي أن تخضع له القصة من أصول الفن كما ~~رسمها كبار النقاد، فقد يجب لتستقيم القصة أن يحدد الزمان والمكان وتستبين شخصية الناس ~~الذين تحدث لهم الحوادث أو الذين يحدثون هذه الحوادث، الذين تعرض لهم الخطوب، أو الذين ~~يبتكرون هذه الخطوب. # لا أضع قصة فأخضعها لأصول الفن، ولو كنت أضع قصة لما التزمت إخضاعها لهذه الأصول؛ لأني ~~لا أؤمن بها، ولا أذعن لها، ولا أعترف بأن للنقاد مهما يكونوا أن يرسموا لي القواعد ~~والقوانين مهما تكن، ولا أقبل من القارئ مهما ترتفع منزلته أن يدخل بيني وبين ما أحب أن ~~أسوق من الحديث، وإنما هو كلام يخطر لي فأمليه ثم أذيعه، فمن شاء أن يقرأه فليقرأه، ومن ~~ضاق بقراءته فلينصرف عنه، ومن شاء أن يرضى عنه بعد فليرض مشكورا، ومن شاء أن يسخط ~~عليه بعد القراءة فليسخط مشكورا أيضا. والمهم هو أن يخطر لي الكلام، وأن أمليه، وأن ~~أذيعه، وأن يجد القارئ ما يشعره بأن له إرادة حرة تستطيع أن تغريه بالقراءة، وأن تصده ~~عنها، وأن يشعر القارئ أيضا بأن له ذوقا صافيا يستطيع أن يعرف في الأدب وأن ينكر، وأن ~~يقبل من الأدب أو يرفض، وليس هذا كله بالشيء القليل. وما أحب أن يظن القارئ أني أتحكم فيه ~~أو أتجنى عليه، فأنا أبعد الناس عن التحكم، وأزهدهم ms012 في التجني، وأشدهم للقارئ حبا ~~وإكبارا، ولكني لا أحب أن يتحكم القارئ في، ولا أن يتجنى علي، ولا أن يخضعني لذوقه، ~~كما لا أحب أن أخضعه لذوقي. ويجب أن تكون الحرية هي الأساس الصحيح للصلة بين القارئ وبيني ~~حين أكتب أنا ويقرأ هو. ولو أني استجبت لهذه الأسئلة فبينت موطن الصبي وبيئته، وعرفت ~~أسرته إلى القراء لطال بي الحديث أكثر مما أحب أن يطول. وليس في الحديث صبي واحد، بل فيه ~~صبيان، أحدهما صالح هذا الذي يتخذ زهرات الحقول وسيلة إلى عشاء يصيبه، والآخر هو هذا ~~الصبي الذي وجد عنده صالح هذا العشاء، ولأكن منصفا، فقد يكون من حق القارئ أن أسمي له هذا ~~الصبي الثاني ما دمت قد سميت له الصبي الأول؛ ليكون الأمر ميسرا له فلا يضطرب بين ~~صبي يعرف اسمه واسم أبيه، وصبي آخر لا يعرف من أمره شيئا. والواقع أني حين أخذت في إملاء ~~هذا الحديث لم أكن أعرف لهذا الصبي الثاني اسما، وما زلت أجهل اسمه إلى الآن؛ فلم يكن شخص ~~هذا الصبي، ولم يكن شخص صالح يعنيني، وإنما كانت الأحداث التي حدثت للصبيين هي التي تعنيني، ~~وأكبر الظن أن صالحا هذا لم يوجد قط؛ لأنه يملأ المملكة المصرية من شرقها إلى غربها، ومن ~~شمالها إلى جنوبها، يوجد في القرى، ويوجد في المدن، ويوجد في كل مكان، يملأ مصر نعمة ~~وخيرا، وهو مع ذلك يشعر الناس بأن مصر هي بلد البؤس والشقاء. وأنا أزعم أن قارئ هذا ~~الحديث مهما يكن لا يستطيع أن يقضي يوما من دهره أو ساعة من يومه دون أن يرى صالحا هذا ~~الذي لا يجد ما ينفق، والذي يود أن تتاح له الوسيلة ليجد الغداء أو العشاء، عند رفيقه ذاك ~~الصبي الذي لم نجد له اسما إلى الآن. فلنتفق على أن اسمه أمين، وعلى أنه كان يختلف إلى ~~الكتاب مع قليل جدا من أمثاله الذين يعيشون في شيء من اليسر، وكثير جدا من أترابه ~~الذين يستظلون بهذا الظل الوارف الجميل، ظل ms013 البؤس والشقاء والحرمان وابتغاء الوسيلة للظفر ~~بما يقيم الأود عند هذا الرفيق أو ذاك. # لم يوجد صالح قط لأنه يملأ المملكة المصرية، وإذا أسرف الشيء في الوجود فهو غير موجود، ~~سواء أرضيت الفلسفة عن هذا الكلام أم لم ترض. أما أمين فموجود من غير شك؛ لأننا نراه ولا ~~نكاد نرى غيره؛ لأنه عظيم الخطر، فهو هذا الصبي الذي لا ينام جائعا إذا أقبل الليل، ولا ~~يغدو طاويا على المدرسة أو على الكتاب، ولا يطول انتظاره للغداء إذا آن وقت الغداء، ولا ~~ينبغي أن يطول انتظاره للعشاء إذا أقبل الليل؛ لأن من حقه أن يتناول الطعام في إبانه، وأن ~~يأخذ قسطه من النوم حتى لا تتعرض صحته الغالية لبعض ما يؤذيها. هذا الصبي أو هذا الفتى الذي ~~اتفقنا على أن اسمه أمين موجود من غير شك؛ لأنه لا يملأ القرى ولا يملأ المدن، وإنما هو شخص ~~ممتاز يمكن أن يحصى أمثاله وأترابه إحصاء دقيقا في كل قرية، وفي كل مدينة، وهو من أجل ~~ذلك موجود؛ لأن عدده محدود، ولأننا نستطيع إحصاءه واستقصاءه والدلالة عليه. وهنا يرتفع رأس ~~القارئ وقد ظهرت على وجهه ابتسامة ساخرة، وبرقت عيناه بريق الانتصار والفوز، وهو يسألني في ~~صوت فاتر ساحر: لقد أردت أن تتجنب الإطالة بالإجابة على أسئلتنا، فهل أنت إلا ممعن في ~~الإطالة بهذا الكلام الكثير الذي لا يغني ولا يفيد! معذرة يا سيدي القارئ الكريم، بل إن هذا ~~الكلام الكثير يغني كل الغناء، ويفيد كل الفائدة؛ فأنت تلقى في كل يوم ألف صالح وصالح دون ~~أن تحس لواحد منهم خطرا، أو تعرف له وجودا، قد كثر لقاؤك لهم، واتصلت معاشرتك إياهم حتى ~~أصبحت الحياة بينهم شيئا يسيرا مألوفا لا يحفل به، ولا يلتفت إليه، وحتى أصبحت معاشرة ~~البؤس والشقاء والحرمان شيئا تطمئن إليه كما تطمئن إلى الصحة والعافية، ولا تلتفت إليه كما ~~أنك لا تلتفت إلى الهواء الذي تتنفسه، والنور الذي تهتدي به. وترى أمينا أو أمينين أو ~~أمناء بين حين وحين، فيملأ كل ms014 واحد منهم قلبك وعقلك، ويشغل همك وعنايتك. فأيهما خير: أن ~~ألفتك إلى صالح هذا البائس المسكين الذي ملأ مصر نعمة وخيرا، وملأت مصر حياته شقاء ~~وبؤسا، أم أن أحدثك عن أمين وموطنه وبيئته وأسرته لتستقيم القصة، وتستوي رائعة بارعة ~~ملائمة لأصول الفن التي رسمها النقاد؟ أما أنا فأوثر أن أتحدث إلى قلبك، وما يضطرب فيه ~~من عاطفة، وما يشيع فيه من شعور، على أن أتحدث إلى عقلك وذوقك، وما يثيران في نفسك من ~~تهالك على النقد وحب للاستطلاع. # أؤثر أن أتحدث إلى قلبك، وأن ألفتك إلى صالح هذا الذي وجد وأسرف في الوجود، حتى ~~اعتقدنا أو كدنا نعتقد أنه غير موجود. ومن يدري! لعلي حينما ألفتك إلى صالح إنما ألفتك ~~إلى نفسك، وما أحب أن تغضب ولا أن تثور، فما أردت، وما ينبغي أن أريد إلى إيذائك، أو ~~التعريض بأنك قد اتخذت في يوم من الأيام زهرات الحقول وسيلة إلى خير تصيبه كما فعل صالح، ~~وإنما أردت أن أقول: إن في حياة كل واحد منا نحن كثرة المصريين شيئا من صالح، فصالح صورة ~~البؤس والشقاء والحرمان. وما أقل المصريين الذين لا يصورون بؤسا ولا شقاء ولا حرمانا! ~~وليس البؤس مقصورا على هذه الصفة التي تأتي من الفقر، وما يستتبعه الفقر من الجوع الذي ~~يمزق البطون، والإعدام الذي يمزق الثياب، ويظهر من ثناياها الصدور والظهور والأكتاف، ~~ولكن البؤس قد يتصل بأشياء أخرى ليست جوعا ولا إعداما، ولكنها قد تكون شرا من الجوع ~~والإعدام؛ لأنها تتصل بالنفوس والقلوب. وإني لأعرف قوما كثيرين تمتلئ أيديهم بالمال، ويعظم ~~حظهم من الثراء حتى يضيقوا به، وهم مع ذلك يجدون بؤسا أي بؤس، وشقاء أي شقاء، ويتخذون ~~زهرات الحقول أو هذا الزهر الذي تصنفه أيدي الحسان تصنيفا في الحواضر والمدن وسيلة إلى ~~شيء يصيبونه عند من يكونون أقل منهم غنى، وأضيق منهم ثراء. # مهما يكن من شيء فقد غدا الصبي الذي اتفقنا على أن اسمه أمين على كتابه كما تعود أن ~~يفعل إذا كان الصباح، فلقي ms015 أترابه وشاركهم في الجد والهزل، وفي الدرس واللعب. حاول أن يحفظ ~~حصته من القرآن فانصرف عن هذا الحفظ إلى مداعبة اللدات والأتراب، وكان قد أنسي قصة ~~صالح، ولم يذكر إلا أنه سيعود معه آخر النهار إلى الدار، ولكنه اضطر حين تقدم النهار إلى ~~أن يذكر صالحا في كثير جدا من القلق والخوف، ثم في كثير جدا من الجزع والهلع، ثم في ~~كثير جدا من الألم والحزن، فقد سمع سيدنا الضرير يسأل عريفه البصير: هل تفقدت الأختام؟ ~~قال العريف: نعم. قال سيدنا: وهل سلمت لك كلها؟ قال العريف: نعم، إلا ختم صالح بن ~~الحاج علي؛ فإنه قد ضاع، وما أشد حاجة هذا الفتى إلى التأديب، فإنه لا يطيع أمرا ولا يسمع ~~كلاما، ولا يخرج من الكتاب مع العصر إلا لينغمس في الماء. # وهنا يسأل القارئ - وما أكثر ما يسألني القراء كما كانوا يسألون الكاتب الفرنسي الذي ~~ذكرته آنفا - هنا يسأل القارئ عن هذه الأختام ما هي؟ وماذا يمكن أن تكون؟ ولا بد من أن ~~أجيبهم، فأكثرهم من أبناء هذا الجيل الذين لم يذهبوا إلى الكتاب، ولم يعرفوا قصة الأختام ~~والماء، وقليل منهم قد بعد عهده بالكتاب، وما كان يحدث فيه من خطوب. كانت قصة الأختام هذه ~~تمثل في الكتاب كل عام حين يقدم الصيف، ويشتد القيظ، ويحب الصبية والفتيان أن يبتردوا بماء ~~النهر أو بماء القناة إذا خرجوا من الكتاب مع العصر، أو إذا ذهبوا إلى دورهم للغداء، ~~وكانوا يسرعون إلى نسيان القيظ والتبرد متى انغمسوا في الماء، وينصرفون إلى العبث والسباحة ~~والاستباق في العوم. وكانت الأسر تشفق عليهم من ماء النهر، ومن ماء القناة، وتطلب إلى سيدنا ~~أن يتخذ ما يرى من وسائل التأديب والتقويم ليصدهم عن هذه الرياضة الخطرة. وسيدنا قد اتخذ ~~قطعة مستديرة من الخشب، واحتفر فيها شيئا لا أدري ما هو، فإذا كان الضحى يرتفع أقبل العريف ~~بهذه القطعة من الخشب التي كانت تسمى الختم، وغمسها في مادة حمراء، وختم بها أفخاذ ~~الصبية والفتيان الذين كان يظن ms016 بهم حب الرياضة في ماء النهر أو ماء القناة، وكان زوال الآية ~~التي يتركها الخاتم في فخذ الصبي أو الفتى دليلا على أنه قد خالف الأمر، وقارب هذا الإثم ~~العظيم؛ فلم يكن بد إذن من تفقد هذه الأختام في كل يوم، وتجديدها إذا محاها طول الوقت، ~~وعقاب الصبي أو الفتى إذا محيت آية الختم عن فخذه قبل الأوان. ولست أدري أيعرف القارئ أو ~~لا يعرف أن العريف في الكتاب قد كان رمز الرشوة والفساد، كما أن سيدنا قد كان رمز السذاجة ~~والقسوة، ولكن المحقق أن الصبية والفتيان كانوا يقترفون إثمهم هذا العظيم في غير اكتراث، ~~ولا يكادون يخرجون من الكتاب حتى يسرعوا إلى الماء، ويلقوا أنفسهم فيه، وكانوا يشترون كذب ~~العريف ورضاه بما يقدمون إليه من هذه الطرف اليسيرة التي يحملونها من بيوتهم، يسرقونها ~~للعريف أحيانا، ويصرفونها عن أنفسهم إليه دائما. ولم يكن صالح يحمل طرفا يسيرة ولا خطيرة ~~لنفسه أو للعريف، وقد طال على العريف إبطاء صالح عليه بالرشوة، ولم يسأل نفسه أكان هذا ~~الإبطاء عن عجز أم كان عن عمد ومكر، فأراد أن يؤدبه فأفشى أمره لسيدنا، ولو آثر الصدق لما ~~خص صالحا بهذه الوشاية. # وكان أمين يعلم هذا حق العلم كما كان يعرفه غيره من أترابه، ولأمر ما امتلأ قلبه فجاءة ~~حبا لصالح، وعطفا عليه، ورحمة له، فلم يكد يسمع العريف البصير يغري به سيدنا الضرير حتى ~~صاح بأعلى صوته: إن العريف لم يقل لك الحق كله، فليس صالح وحده هو الذي فقد ختمه، ~~وإنما فقده الأتراب جميعا؛ لأنهم يذهبون جميعا إلى النهر أو إلى القناة، ولكنهم يرشون ~~العريف بما يحملون إليه من طرف، فأما صالح فلا يحمل إليه شيئا. وكانت النتيجة الطبيعية ~~لهذه الشجاعة أن أديرت الفلقة على ساقي صالح، وعمل السوط في رجليه حتى دميتا، ثم أديرت ~~الفلقة على ساق أمين، ومس السوط رجليه مسا خفيفا لم يدمهما، ولكنه علم أمينا أن ~~الشجاعة والصراحة وقول الحق خصال لا تحسن في جميع المواطن. ولو وقف الأمر ms017 عند هذا الحد ~~لهانت المحنة وسهل احتمالها، ولكن الأتراب والرفاق أعرضوا عن صالح وأمين، واتخذوهما عدوا، ~~وجعلوا يكيدون لهما ويمكرون بهما، ويذيقونهما من العنت فنونا وألوانا. وقد عاد صالح مع ~~أمين إلى داره لا يكاد يحسن المشي على رجليه، ولكنه وجد عند رفيقه تسلية وتعزية. # ولم تكد أم أمين ترى هذا البائس المسكين حتى رحمته ورقت له وآثرته ببعض الخير، ثم أهدت ~~إليه ثوبا من ثياب ابنها، لم يكد صالح يراه حتى جن جنونه وخرج عن طوره من الفرح، ونسي ~~الفلقة التي دارت على ساقيه والسوط الذي مزق قدميه، وأقسم ليسرعن إلى الماء ويغسلن ~~نفسه فيه، وليضيعن آية الختم الجديدة، وليتعرضن لوشاية العريف وغضب سيدنا، فما ينبغي أن ~~يلبس هذا الثوب الجميل دون أن يستحم ويزيل من جسمه آثار ذلك الثوب البالي القذر. قالت له أم ~~أمين: لا بأس عليك، فسأطلب من سيدنا أن يعفيك من الفلقة والسوط غدا. وانصرف الصبي فرحا ~~مرحا محبورا. وقال أمين لأمه: ألا تنبئينني الآن لماذا ضرب سيدنا صالحا ضربا مبرحا ~~حتى أدمى رجليه، ولم يضربني أنا إلا عابثا؟ قالت: لأن صالحا أضاع الختم وخالف الأمر ~~وانغمس في الماء، فكان ذنبه عظيما يستحق عقابا عظيما، فأما أنت فقد خرجت عن حدود اللياقة ~~حين قلت أمام أترابك ما قلت في العريف، فكنت خليقا أن تلقى عقابا يسيرا. قال الصبي: ~~وأنا مع ذلك لم أقل إلا الحق. قالت أمه وهي تضحك: فإن الحق لا يقال في جميع المواطن. قال ~~الصبي: وكيف السبيل إلى أن أعرف المواطن التي يقال فيها الحق، والمواطن التي يقال فيها ~~الباطل؟ قالت أمه وهي تضحك: ستعرف هذا كله إذا تقدمت بك السن، فأما الآن فانصرف إلى ~~حديدك هذا الذي في زاويتك تلك والعب به، وتحدث إليه حتى تدعى للعشاء. # وذهب أمين إلى حديده فلعب به، وتحدث إليه، وأحدث من الضجيج والعجيج ما شاء الله أن ~~يحدث، ولكنه انصرف عن حديده وزاويته، وسعى إلى أمه يسألها: ما بال صالح لا يحمل إلى ~~العريف مثل ms018 ما يحمل إليه غيره من الطرف والهدايا؟ قالت أمه: لأن صالحا فقير معدم لا يجد ما ~~يقوت به نفسه ، فضلا عن أن يجد ما يهدي إلى العريف. قال أمين: ولماذا كان صالح فقيرا ~~معدما لا يجد ما يقوت به نفسه، وما يدفع به شر العريف؟ قالت أمه وقد أخذت تضيق بإلحاحه: ~~لقد عدت إلى ثرثرتك، فامض لشأنك ولا تثقل علي. ولكن الصبي لم يمض لشأنه، وإنما مضى ~~في الإثقال على أمه، فلم تتخلص منه إلا حين أظهرت له الغضب، وأنذرته إنذارا كاد يبكي له، ~~ثم رحمته فوضعت في يده قطعة من النقد وهي تقول: اذهب فاشتر بهذا شيئا من الحلوى. قال ~~الصبي مبتهجا: سأشتري بنصفه شيئا من الحلوى، وسأدفع نصفه الآخر إلى صالح ليؤديه إلى ~~العريف إذا كان الغد. ثم انصرف يعدو وقد ارتفع صوته بالغناء. # ولكن أمينا لم يدفع نصف القرش إلى صالح؛ لأن صالحا لم يذهب إلى الكتاب من غده، وقد ~~وقع في نفس الصبي شيء من الغيظ، ثم من الحزن، حين التمس رفيقه فلم يجده، وحين انتظر مقدمه ~~فلم يقبل حتى ارتفع الضحى، وحين استيقن أن صالحا لن يلم بالكتاب من يومه، ثم لم يلبث ~~أن تسلى عن صالح وغيبته بمداعبة الرفاق والأتراب، ثم لم يكد يفرغ من غدائه بين سيدنا ~~الضرير وعريفه البصير حتى خرج ليشهد صلاة الظهر فيما زعم، ولكنه اشترى بنصف القرش هذا السخف ~~الذي يحبه الصبية، وعبث مع أترابه حول المسجد، وعاد معهم إلى الكتاب، وما يشك سيدنا وما ~~يشك عريفه في أنه قد شهد الصلاة. # وانقطع صالح عن الكتاب يوما ويوما، ثم أقبل ذات صباح كئيبا محزونا لا يكاد قده ~~يستقيم من الضعف، ونظر أمين فإذا هو في ثوبه ذلك البالي القذر، وقد تلقى أمين رفيقه ~~مبتسما له، حفيا به، مستنبئا عن غيبته تلك التي طالت. وهم صالح أن يجيب، ولكن صوته ~~احتبس في حلقه، وجرت على خديه دموع منسجمة غزار، فبهت أمين لأنه لم يعرف البكاء الصامت ~~قط، ولم يقدر أن ms019 الصبية يمكن أن يبكوا دون أن يمسهم سوط سيدنا، أو دون أن يعنف بهم الآباء ~~والأمهات ليؤدبوهم بالأيدي حينا ، وبالكلام أحيانا. ثم استبان لأمين من أمر رفيقه ما ملأ ~~قلبه حزنا، ودفعه إلى كثير من الحيرة والشك والاضطراب، فقد كان الثوب الذي أهدته أمه ~~لرفيقه مصدر شقاء عظيم، وضر ملح لهذا الرفيق البائس. # خرج صالح بثوبه الجديد مسرورا محبورا، تكاد ساقاه تسبقان الريح عدوا، ويكاد صوته ~~المرتفع بالغناء يسكت الطير التي كانت ترقص على أغصان التوت، وتنشر في الجو ألحانها العذاب، ~~وانغمس في القناة كأحسن ما تعلم أن ينغمس، وعام في القناة كأحسن ما تعود أن يعوم، فبذ ~~الأتراب وتفوق على الرفاق، وخرج من القناة فرحا مرحا، مبتهجا مغتبطا، وقد امتلأت ~~نفسه رضا، وامتلأ قلبه سعادة، وفاض من نفس الرضية وقلبه السعيدة على جسمه جمال غريب، لفت ~~إليه أصحابه وأترابه، وقال بعضهم لبعض: ما رأينا صالحا كما نراه اليوم، حسن المنظر، رائع ~~الطلعة، قد امتلأ قوة وحياة ونشاطا! ثم دخل في ثوبه الجديد، وكاد السرور أن يدفعه إلى شيء ~~من الغرور، ولكن الحياء اضطره إلى بعض القصد وأمسكه في بعض الاعتدال، فرضي عن نفسه في دخيلة ~~ضميره، وارتفعت إليه أبصار أصحابه بألوان من الغبطة والحسد، ومن العطف والبغض. # وعاد مع مغرب الشمس إلى داره يكاد يخطر في ثوبه الجديد، وقد طوى ثوبه البالي القذر وحمله ~~بين ذراعيه وجنبه متأذيا متكرها لاحتماله، ولو استطاع لتركه في بعض الطريق، ولكنه كان ~~أذكى من ذلك قلبا، وأصدق من ذلك فطنة، فاحتمل ثوبه ذلك البالي إلى امرأة أبيه لعلها تستطيع ~~أن تصنع منه شيئا. # وما أشك في أن القارئ سيقف عند هذا الموضع من الحديث، وسيسأل نفسه ولو استطاع لسألني ~~أنا: ألم يكن من الخير أن نعرف من أول القصة أن صالحا قد فقد أمه، وأنه كان يعيش يتيما ~~ينعم بما يختلس من حب أبيه سرا، ويشقى جهرة بما يصب عليه من بغض هذه الضرة التي ~~قامت مقام أمه في البيت؟ # ولست أشك في ms020 أن القارئ سيضيف إلى هذا السؤال ملاحظة فيها شيء من القسوة والسخرية والغيظ، ~~فيقول في نفسه: لو أن الكاتب سلك في قصته هذه الطرق الممهدة، والسبل المعبدة التي رسمها ~~النقاد للقصة لعرف إلينا صالحا في أول حديثه، ولأنبأنا بموت أمه، وتزوج أبيه، ~~ولأعفانا من هذه المفاجأة التي لم نكن في حاجة إليها. ولكني أعيد على القارئ ما قلته آنفا ~~من أني لا أضع قصة، وإنما أسوق حديثا، وأضيف إلى ذلك أن الذين يسوقون الأحاديث لا يقدمون ~~بين يديها هذه المقدمات التي يبينون فيها الموطن والبيئة والأسرة، والزمان والمكان، إلى ~~آخر هذا الكلام الكثير الفارغ الذي يلهج به النقاد، ولو أني بدأت هذا الحديث برسم واضح ~~دقيق لشخصية صالح وأمين، ومن يتصل بصالح وأمين من الناس؛ لضاق القراء بهذه المقدمات ~~أشد الضيق، ولقال بعضهم: تجاوز حديث الطوفان وصل إلى غايتك، فلسنا من الغباء والغفلة ~~بحيث نحتاج إلى كل هذا التمهيد. # وبعد، فمن أنبأ القارئ بأن صالحا يتيم، وبأن أمه قد ماتت؟ الشيء الذي لا أشك فيه، ولا ~~ينبغي أن يشك فيه القارئ هو أن صالحا لم يكن يتيما، وأن أمه لم تكن ميتة، وإنما كانت حية ~~أكثر مما ينبغي أن يحيا الناس، إن صح أن تكثر الحياة وتقل. وسواء رضي القارئ أم لم يرض، ~~فقد كانت أم صالح حية من غير شك؛ لأني أنا أريد ذلك، وليس يعنيني ما يريد غيري من الناس، ~~فأنا الذي اخترع صالحا من لا شيء، أو أخذ صالحا من عرض الطريق؛ لأن صالحا موجود، ولأنه ~~غير موجود، موجود في حقيقة الأمر؛ لأننا نراه في كل ساعة وفي كل مكان، وغير موجود في حقيقة ~~الأمر أيضا؛ لأنه يملأ المدن والقرى، ويسرف على نفسه وعلى الناس في الوجود، والشيء إذا زاد ~~عن حده انقلب إلى ضده، كما يقال، فأنا إذن وحدي - كما كان يقال أيضا - أعرف من أمر صالح ~~ما لا يعرف غيري من الناس، وأقرر أن أمه لم تترك الدار لأنها ماتت، وإنما تركت الدار ~~لأنها طلقت. ms021 وأنا أستطيع أن أصنع بأمه بعد هذا الطلاق ما أشاء: أستطيع أن أدعها ~~مطلقة تعمل خادما في بعض الدور ، وأستطيع أن أجد لها زوجا تعيش معه سعيدة موفورة، ~~وأستطيع أن أسخرها لعمل من هذه الأعمال التي يعيش منها أمثالها من البائسات، فقد أسخرها ~~لبيع الخضر، وقد أسخرها لبيع الفاكهة، وقد أكلفها أن تصنع الخبز في بيوت الأغنياء ~~وأوساط الناس، وقد أكلفها أن تغسل الثياب في هذه البيوت، وقد أجد لها ما أشاء من الأعمال ~~غير هذا كله؛ لأني حر فيما أحب أن أسوق إلى القارئ من حديث، ولأن القارئ مضطر إلى أن ~~يتلقى حديثي كما أسوقه إليه، ثم هو حر بعد ذلك في أن يقبله أو يرفضه، وفي أن يرضى عنه أو ~~يسخط عليه. # والواقع من الأمر أني لا أكلف أم صالح شيئا من هذه الأعمال التي ذكرتها، ولا أفرض ~~عليها شيئا من هذه الخطط التي رسمتها؛ لأني على حريتي في أن أصنع بها ما أشاء، أوثر ~~الأمانة في رواية التاريخ، وقد حدثني التاريخ بأن خديجة أم صالح قد كانت شاذة الخلق سيئة ~~العشرة، وبأن الحاج عليا أبا صالح لم يكن ظالما ولا جائرا حين طلقها بعد أن ولدت له ~~صالحا بعام أو عامين؛ فقد كان هذا الرجل طيب القلب، سليم النفس، لا يحب شيئا كما يحب ~~الدعة والهدوء. وكانت امرأته خديجة أم صالح منكرة الخلق، بغيضة العشرة، كثيرة الكلام، شديدة ~~الصياح، لا ترضى بشيء، ولا ترضى عن شيء، فاضطر هذا الرجل البائس إلى فراقها، واستبقى ابنه ~~صالح في كنفه، وحاول أن يفرغ له ويقوم على تربيته فلم يستطع؛ لأن خطوب الحياة تكلف أمثاله ~~أن يعملوا ليعيشوا. ولم يكن من الممكن أن يعمل الرجل لكسب القوت، وأن يفرغ لتربية ابنه، وهو ~~بعد ذلك رجل من الناس لا يستطيع إلا أن يعيش كما يعيش الناس، فاضطر إذن أن يتخذ لنفسه امرأة ~~تربي له صالحا، وتمنحه غيره من الولد، واتخذت خديجة لنفسها زوجا يعينها على الحياة، ~~ويعوضها من صالح هذا الذي احتجزه ms022 أبوه؛ لأنه اشترى القاضي بأرطال من البن. وماذا تريد أن ~~أصنع وقد كانت الحياة تجري على هذا النحو في ذلك العهد القديم؟! # وليس أدل على أن أبا صالح قد كان معذورا حين فارق امرأته، من أن خديجة قد اضطرت زوجها ~~الثاني إلى أن يطلقها بعد أن وهبت له غلاما أسماه سعيدا، وهو قد فارقها لتلك الأسباب ~~التي فارقها من أجلها زوجها الأول؛ فقد كانت سيئة العشرة، بغيضة الخلق، كثيرة الكلام، ~~مرتفعة الصياح، لا ترضى بشيء، ولا ترضى عن شيء، ولكن حظها في هذا الطلاق الثاني كان حسنا ~~أو سيئا لا أدري! فما أكثر ما تختلط أمور الناس على الأذكياء حتى لا يفرقوا بين الخير ~~والشر، فكيف بمن كان مثلي قليل الحظ من الذكاء لا يفرق بين السعادة والشقاء! والشيء ~~المحقق هو أن خديجة لم تكد تطلق حتى مات زوجها وترك لها سعيدا تربيه كما تشاء أو كما ~~تستطيع، ولم تربه كما شاءت أو كما استطاعت، وإنما ربته الطبيعة كما أحبت. وقد زهد ~~الأزواج في هذه المرأة ذات العشرة السيئة والخلق البغيض، وثقلت الحياة على هذه المرأة ذات ~~الحيلة الضيقة والعقل الكليل، فباعت الفجل حينا، والترمس حينا آخر، ثم اختلط الأمر عليها ~~فجنت جنونا هادئا رفيقا، عطف عليها القلوب، وأخاف منها الناس، فسميت «خديجة ~~المعفرتة»، وعاشت من إحسان المحسنين. وبينما كان ابنها سعيد ينمو في ظل هذا الجنون الهادئ ~~المخيف، كان ابنها صالح ينشأ في ظل هذه الضرة التي أظهرت حبا له وعطفا عليه، ثم رزقت ~~البنين والبنات فأظهرت بغضا له وضيقا به. وكذلك نشأ أحد الأخوين في حماية البغض العاقل، ~~ونشأ الآخر في رعاية الحب المجنون. # حدثني أيها القارئ العزيز أكان من الخير أن أعرض عليك تفصيل هذا كله، في أول هذا ~~الحديث فتضيق بي وبصالح وبأمين، وبالسفر الذي يحمل إليك هذا الحديث، أم كان الخير أن ~~أذهب إلى المذهب اليسير الذي اخترته، وأن أحدثك بكل شيء حين يحين التحدث به إليك؟ أنا ~~أعرف أنك ستعاند وستماري، وستذهب في عنادك ms023 ومرائك مذاهب مختلفة، فأنت وما تشاء. أما أنا فقد ~~ذهبت المذهب الذي اخترته، وحدثتك بالأمر على النحو الذي آثرته ، وانتهيت منذ حين إلى أن ~~صالحا قد استحم في القناة، ودخل في ثوبه الجديد، وعاد إلى امرأة أبيه مسرورا بهذا الثوب ~~الذي لبسه، مهديا ثوبه القديم الذي ضمه بين ذراعيه وجنبه. # ولكن امرأة أبيه نظرت إليه من رأسه إلى قدمه، فرأت ثوبه الجديد ورضيت عنه، ورأت ثوبه ~~القديم وضاقت به، ثم أدارت بصرها في الحجرة، فرأت ابنها وبنتها قد اتخذا ثوبين باليين كذلك ~~الثوب القديم، يبديان عن الكتفين كما يبديان عن الظهور والصدور، ثم ردت النظر إلى صالح ~~في ثوبه الجديد، ثم أعادت النظر إلى ابنيها في ثوبيهما القديمين، ثم ارتدت عيناها ~~إليها وقد ارتسمت في نفسها الخطة واضحة جلية، ولكنها بشعة بغيضة؛ فإن هذا الثوب الجديد لم ~~يخلق لصالح، وإنما خلق لابنها محمود. ولم يشرق الصبح من غد حتى كان صالح قد لقي من ~~أبيه ومن امرأة أبيه نكرا، فضرب ضربا مبرحا مرض له أياما، وجرد من ثوبه الجديد ~~الجميل ورد إلى ثوبه القديم البالي، وعجز الفتى عن الذهاب إلى الكتاب من غده، وأقام في ~~الدار ملقى في زاوية من زواياها، يهمل في ازدراء ويمرض في عنف، حتى إذا استطاع أن يمشي ~~على قدميه سعى إلى الكتاب ليشقى فيه ببغض العريف وقسوة سيدنا، ولينعم فيه بعشرة ~~أمين. # كذلك عرف أمين قصة رفيقه البائس، فلم يدر عقله الناشئ كيف يقضي في هذه القصة. لو أنه ~~لم يتحدث إلى أمه عن ذلك الثوب البالي الذي كان صالح يلبسه، لما أهدت أمه إلى صالح ذلك ~~الثوب الجديد، ولمضت أمور صالح على ذلك البؤس الهادئ المطرد. فهو إذن قد أراد أن يحسن إلى ~~رفيقه فأساء إليه. أيلوم نفسه في ذلك أم يلتمس لها المعاذير؟ والحق أنه لم يلم نفسه أو ~~يعذرها، وإنما فرغ لصاحبه يعزيه ويسليه، وحدث نفسه بأن أمه الكريمة الرحيمة قد تجد بين ~~ثيابه ثوبا آخر تكسو به رفيقه المسكين. ولكن القارئ ms024 يخطئ أشد الخطأ إن ظن أن الحياة تجري ~~دائما على هذا النحو المألوف من المنطق، وتلائم دائما ما ألف الناس من التفكير والتقدير؛ ~~فليست الحياة أقل مني ثورة على الأصول الموضوعة والقواعد المرسومة والخطط المدبرة، وإنما ~~الحياة تمضي كما تريد هي لا كما يريد الناس. وقد راح صالح وأمين من الكتاب مساء ذلك ~~اليوم، فلم يرعهما حين بلغا ذلك المكان الذي تمتد فيه الخطوط الحديدية من الشمال إلى الجنوب ~~ومن الجنوب إلى الشمال، إلا جماعة مزدحمة تتصايح، ويدعو بعضها بعضا، ولم يبلغا هذه الجماعة ~~حتى رأيا منظرا راعهما وروعهما؛ جثة قد شطرت شطرين وألقى عليها ثوب غليظ يستر بشاعتها ~~عن العيون، وامرأة قائمة تلطم وجهها، وتضرب صدرها، وتسفح دمعها، وتنشر في الفضاء ضحكا ~~عريضا. فأما الجثة فكانت جثة سعيد أكلها القطار، كما كان يقال في تلك الأيام، وأما المرأة ~~فكانت خديجة تدفعها الغريزة إلى الجزع ويدفعها الجنون إلى الضحك، وأما صالح فنظر إلى أخيه ~~ونظر إلى أمه وهم أن يقف، ولكنه آثر أن يمضي مع رفيقه كأنه لم ير شيئا. ولست أدري ما ~~صنع الرفيقان، ولكني أعلم أن أبا أمين راح إلى أهله حين تقدم الليل وهو يقول محزونا: ~~لقد كانت القطر شرهة منذ اليوم، أكل أحدها سعيدا مع الظهر، وأكل الآخر صالحا مع الليل، ~~وفقدت «خديجة المعفرتة» ابنيها في يوم واحد. ثم التفت فرأى ابنه أمينا مذعورا يكاد ~~ينقد من البكاء، فمسح على رأسه وقبل بين عينيه، وقال له في صوت رفيق: لن تغدو على ~~الكتاب إذا كان الصبح؛ لأنك ستذهب إلى المدرسة الابتدائية في عاصمة الإقليم. # قال أمين بعد أن تقدمت به السن وأصبح رجلا ذا خطر: ما زلت أرى تلك الجثة قد ألقي ~~عليها ثوب غليظ، ولكني أنظر إلى وجهها فلا أرى وجه سعيد، وإنما أرى وجه صالح، ومع ذلك فلم ~~أر صالحا حين أكله القطار. # الفصل الثاني # | قاسم # كان يسعى في ظلمة الليل القاتمة، قد هدأ من حوله كل شيء، وجثم على الكون سكون رهيب مرهق، ms025 ~~ولو قد رفع رأسه إلى السماء لرأى فيها نقطا من النور ضئيلة منتثرة، ولكنه لم يكن يرفع رأسه ~~إلى السماء، ولم يكن يطرق برأسه إلى الأرض، وإنما كان يمضي أمامه يمد بصره كأنما يريد أن ~~يخترق به هذه الحجب الكثيفة من الظلام، بل لم يكن يلتفت عن يمين ولا عن شمال، وإنما كان ~~أشبه شيء بقطعة من الجماد قد صورت في صورة إنسان، ولو قد عدا أو أسرع الخطو لجاز أن ~~يشبه بسهم حي يشق هذه الظلمات المتكاثفة أمامه، ولكنه لم يكن يسرع الخطو، كان يسعى هادئا ~~مطمئنا، يتردد في سعيه كأنما تدفعه إلى أمام قوة خفية رفيقة، فهو يسعى سعيا مستأنيا ~~رفيقا، لا يتعجل شيئا، ولا يقف عند شيء، وإنما يمضي إلى غايته كما يمضي الزمان إلى غايته، ~~في أناة ومهل وحزم. # ولو كان شاعرا أو راوية للشعر أو على حظ من ثقافة، لذكر تلك الأصبع الوردية التي تشير ~~إلى ظلمة الليل بأن تنجلي، أو لتصور سهما ضئيلا من الفضة النقية يمضي في هذه الظلمات ~~المتكاثفة، فتنهزم أمامه هذه الظلمات متهالكة، وتساقط أمامه نجوم السماء في الأفق الغربي ~~كأنما يدعو بعضها بعضا إلى الفرار، ولكنه رأى نور الفجر يمد لسانه الدقيق وراء النهر، وسمع ~~صوتا قد أقبل من ورائه في الجو ضئيلا نحيلا ماضيا أمامه إلى الشرق، كأنما يريد أن يلقي ~~بالتحية والترحيب ذلك الضوء الضئيل. ثم رأى النور يمتد طولا، وينبسط عرضا، حتى أحس كأن ~~الجو كله قد أخذ يمتلئ نورا وغناء؛ فأما النور فكان يوقظ الأشياء وينبئها بمطلع الفجر، ~~وأما الصوت فكان يوقظ الأحياء وينبئهم بأن الصلاة خير من النوم. ولم يذكره شيء من هذا كله ~~بشعر ولا بنثر، ولم يخرج من أعماق ذاكرته أدبا قديما أو حديثا؛ لأنه لم يكن من هذا كله ~~في شيء، ولم يكن يقدر أن شيئا من هذا كله يمكن أن يوجد أو يخطر لأحد على بال، وكل ما في ~~الأمر أن أخاه الشيخ الضرير قد قال له ذات يوم: إنك تسعى ms026 في ظلمة الليل فتطيل السعي، وتمتد ~~بك الطريق مخوفة غير آمنة، فاحفظ هذه الآية من القرآن، ورددها في قلبك أو في لسانك، ~~فإنها تؤمنك من خوف، وتؤنسك من وحشة. ثم قرأ الآية الكريمة: # الذين ~~آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب ~~، فكان لا يخرج من بيته الحقير المتضائل ساعيا إلى النهر في ظلمة ~~الليل، إلا ترددت هذه الآية في صدره ترددا متصلا، فملأت ضميره أمنا وراحة وهدوءا، ~~فإذا أحس نبأة من قريب أو من بعيد، تجاوزت هذه الآية الكريمة قلبه إلى لسانه، واندفع ~~بها صوته إلى الفضاء، فأمن كل كيد، وجنب كل مكروم. # وكان في تلك الليلة يمضي أمامه، تؤنس قلبه هذه الآية التي تتردد فيه، فلما رأى ما رأى، ~~وسمع ما سمع، لم يخف شيئا، ولم يذكر شيئا، وإنما كف عن التلاوة، وسأل نفسه مسرعا: ~~أيمضي إلى النهر أمامه، أم يرجع إلى المسجد وراءه حتى إذا أدى الصلاة مضى إلى النهر، ~~فاستخرج منه ما يسوقه الله إليه من رزق؟ ولم يشك طويلا حين ألقى على نفسه هذا السؤال، ~~وإنما استدار إلى المسجد فأدى صلاته لم يكلم أحدا ولم يكلمه أحد، ثم استأنف سعيه إلى النهر ~~هادئا مطمئنا وحيدا، لا يذكر شيئا، ولا يكاد يفكر في شيء، وإنما هو قطعة جامدة قد ~~صورت في صورة إنسان تمضي أمامها في أناة ومهل، لا تنظر في السماء ولا تنظر في الأرض، ~~ولا تلتفت إلى يمين ولا إلى شمال، ولا تحس جلال الليل المنهزم، ولا جمال الصبح المنتصر، ~~وإنما خرجت من ذلك البيت الحقير، وسعت إلى ذلك النهر العظيم، تلتمس فيه ما ساقه الله لها من ~~رزق، فلم يكن قاسم شاعرا ولا راوية شعر، ولا محبا لجلال الليل وجمال النهار، بل لم يخطر ~~له قط أن لليل جلالا، وأن للنهار جمالا. فلم يكن قاسم إلا رجلا جاهلا بائسا ~~مريضا، يلتمس في النهر ما يستعين به على أن يقيم أوده، ويقوت امرأته «أمونة»، وابنته ~~«سكينة» في بيته ذلك الحقير، ولولا أن ms027 قاسما كان يردد في صدره هذه الآية، ويؤدي صلاة ~~الفجر إن أدركته وهو في طريقه إلى النهر، ويفكر أيسر التفكير وأهونه في بيع ما يخرج له من ~~سمك النهر ليقوت نفسه وأهله، لولا ذلك لكان سعيه بين بيته وبين النهر شيئا غريزيا خالصا ~~يشبه سعي النمل والنحل إلى أرزاقها. # وقد كان قاسم عليلا قد نهكه المرض، وكاد يسل جسمه سلا، ومن أجل ذلك لم يكن يجد ولا ~~يكد، ولا يضطرب في شئون الحياة كما يضطرب غيره من الناس، وإنما كان ينفق أيسر الجهد ليمسك ~~الحياة على نفسه وعلى أسرته الصغيرة. يسعى إلى النهر بين حين وحين، فإن ساق الله إلى شبكته ~~شيئا من السمك باعه في غير مشقة ولا مساومة، ثم عاد بما يغل ذلك عليه من نقد فاشترى في ~~كثير من الفتور والسأم ما يصلح أمره وأمر زوجه وابنته، ثم يعود بذلك كله إلى البيت فيلقيه ~~بين يدي أمونة إلقاء، ويسعى متخاذلا متهالكا إلى حصير بال رث قد ألقي في ناحية من ~~نواحي البيت، فيمتد عليه ضئيلا نحيلا يكاد السقم يفنيه إفناء. وما يزال على حصيره ذاك لا ~~ينطق كلمة، ولا يفكر في شيء حتى تهيئ امرأته ما يمكن أن تهيئ من الطعام، فتضعه بين يديه ~~ويصيب ثلاثتهم منه ما يصيبون. وما أكثر الليالي التي لم يكن قاسم ينهض فيها للصيد! يقعد به ~~الداء، وتثقل عليه العلة، فيستقر في مكانه مثبتا لا يأتي حركة، ولا ينطق بكلمة، وفي نفسه ~~ما فيها من حسرة وألم إن استطاعت نفسه أن تحس حسرة أو ألما، وربما كلف نفسه فوق ما ~~تطيق، وحمل جسمه أكثر مما يحتمل، ونهض وهو لا يقدر على النهوض، وسعى وهو لا يقدر على السعي، ~~وبلغ النهر فوجده كريما بالقياس إلى غيره من الناس، بخيلا بالقياس إليه، فعاد إلى بيته ~~مكدودا محزونا، صفر اليدين، وألقى إلى امرأته نظرة حزينة مريضة، ومضى إلى حصيره فامتد ~~عليه لا يقول شيئا ولا يصنع شيئا. # هنالك كانت أمونة تخرج متباطئة، فتلم بهذه الدار ms028 أو تلك تعين أهلها من أمرهم على بعض ما ~~يصنعون، وتعود حين ينتصف النهار، وقد حملت ما يمسك عليها وعلى زوجها وابنتها الحياة، ويرد ~~عنهم الجوع. # في ذلك الصباح خرج قاسم من المسجد بعد أن أدى الصلاة، فسعى إلى النهر مطمئن القلب، هادئ ~~النفس، على ثغره ابتسامة ضئيلة شاحبة تريد أن تصور الراحة والرضا، فلا تستطيع أن تصور إلا ~~حزنا هادئا فيه شيء من أمل يسير، وقد صادف النهر كريما في ذلك اليوم، وساق الله إليه ~~رزقا حسنا، فخرجت له شبكته بسمكة عظيمة لم يكد يحس ثقلها، ولم يكد يرى طولها وعرضها حتى ~~اضطرب في قلبه فرح ضئيل، اتسعت له الابتسامة التي كانت مرتسمة على ثغره، وذهب عنها ما كان ~~يظهر فيها من شحوب، ولمع في عينيه الصغيرتين نور متهالك ضئيل، ثم أحس أنه لن يستطيع أن ~~يحمل صيده إلى أمد بعيد، فأقام أمامه ينظر إليه حينا وإلى النهر حينا، ويتلفت من حوله ~~حينا، ويرفع رأسه إلى السماء بالشكر حينا، وينتظر أن يمر به بعض الأصحاء من شباب المدينة ~~فيحمل له هذا الصيد إلى بيت العمدة؛ فقد استقر في نفسه منذ رأى هذا الصيد الرائع الجميل أنه ~~لا ينبغي أن يباع في السوق، وإنما ينبغي أن يحمل إلى بيت العمدة، هذا الرجل الموسر الذي ~~يرفق به ويعطف عليه، ويوصيه بين حين وحين بأن يحمل إلى داره ما قد يتاح له من صيد ~~حسن. # وكانت فتاة من فتيات الدار قد نهضت مع الصبح قبل أن تستيقظ الأسرة من نومها، فبدأت بما ~~تعودت أن تبدأ به مع الصباح من كل يوم، وأخذت تكنس فناء الدار وترده إلى هيئته التي ينبغي ~~أن يكون عليها، فتصفف الكراسي في أماكنها، وتنفض التراب عن تلك الدكة الطويلة التي كانت ~~تمتد في صدر الفناء، وتهيئها لمجلس سيدنا حين يقبل مطلع الشمس ليقرأ السورة ويشرب القهوة، ~~ويتحدث إليها حديثا يطوله حينا ويقصره حينا حسب ما يكون عليه من عجلة أو ريث. وإن الفتاة ~~لفي ذلك وإذا بالباب يطرق ms029 طرقا خفيفا، فإذا فتحته رأت قاسما حزينا تظهر على وجهه الشاحب ~~آية الرضا والأمل، ومن ورائه غلام يحمل عنه عبأه، فحيا قاسم وحيا معه الغلام، ثم دخل ~~الرجلان صامتين ووضعا صيدهما العظيم على هذه الدكة في صدر الفناء، وقال قاسم في صوته الخافت ~~المريض: ما أشك في أن السيدة ستسر بهذا الصيد. وهم صاحبه أن ينصرف، ولكن الفتاة ألقت في ~~يده شيئا فقبله راضيا وولى محبورا، وهم قاسم أن ينصرف، ولكن الفتاة أشارت إليه أن ~~أقم، ثم غابت عنه لحظة وعادت إليه بقليل مما يؤكل، وبقدح من القهوة فأكل وشرب ~~ودعا. # وهو في ذلك وإذا سيدنا الضرير يقبل كما تعود أن يقبل في كل صباح، متكلفا شيئا من ~~العنف في دفع الباب أمامه، رافعا صوته بدعاء ربه الستار، يريد أن ينبئ الأسرة بمقدمه، حتى ~~إذا أغلق الباب وراءه في غير رفق سعى إلى دكته في صدر الفناء، ولكنه لم يكد يجلس حتى وثب ~~مرتاعا وجلا، قد تملكه ذعر ضرير مثله لم يعرف كيف يظهر، ولا في أي عضو من أعضائه يظهر، ~~فوجهه يضطرب، وجسمه يرتعد، ويداه تذهبان وتجيئان في الهواء، وفمه مفتوح عن أسنان متحطمة، ~~وصوته يتردد في حشرجة بين جوفه وشفتيه. ويرى قاسم وترى الفتاة معه هذا المنظر، ويشهدان هذا ~~الذعر، فيدفعان إلى ضحك عال متصل. ويثوب سيدنا إلى نفسه وقد أمن بعد خوف، وظن أن فتيان ~~الدار وفتياتها قد كادوا له الكيد، حتى إذا علم آخر الأمر أن أحدا من أهل الدار لم يهيئ ~~له كيدا، وإنما أخطأ قاسم فوضع هذه السمكة في غير موضعها، وشغلت الفتاة بالصيد والصائد ~~عن مقدم سيدنا، فلم تهيئ له مجلسه، تضاحك الشيخ الضرير من نفسه ومن قاسم ومن الفتاة، ثم ~~جلس على كرسي وأبى أن يقرأ السورة حتى يشرب قهوة قبل القراءة، لا تغني عن قهوته تلك التي ~~تعود أن يشربها متى فرغ من الترتيب، وقد شرب القهوتين، ولكنه قال وهو ينهض للانصراف: إن ~~حكمة الله بالغة، لقد ضحكتما مني وأضحكتماني من ms030 نفسي، ولكن الله قد أراد بي خيرا؛ فلن ~~أتكلف لأهلي طعاما منذ اليوم، أنبئي السيدة يا ابنتي بأن هذه السمكة قد ملأت قلبي ~~رعبا، وبأني أنتظر منها نصيبي حين يتقدم النهار، وما أشك في أنكم ستتخذون منها ألوانا ~~مختلفة، وما أرضى أن ترسلوا لي لونا واحدا، وإنما يجب أن أصيب من هذه الألوان جميعا. ~~وانصرف الشيخ الضرير راضيا عن نفسه، مستبشرا بهذا اليوم الذي يسر الله فيه رزقه حسنا ~~دون أن يسعى إليه. والله يرزق من يشاء بغير حساب. # وقد استيقظت الأسرة كلها على ذعر الشيخ الضرير وعلى تضاحك الصائد والفتاة، وعلى قراءة ~~القرآن، فأخذت تستقبل النهار كما تعودت أن تستقبله، يعمل بعضها ويكسل بعضها، والصائد في ~~مكانه لا يبرحه لعله نسي نفسه، أو لعله ينتظر ثمن صيده، أو لعله قد أنس إلى الدار لما أكل ~~فيها وما شرب، وما وجد من تسلية عن همه وسقمه. ومهما يكن من شيء فقد رآه صاحب الدار، فقال ~~له قولا حسنا، ووضع في يده قروشا، وخرج الصائد راضيا مغتبطا، ولكنه لم يمض إلى داره ~~وإنما استدار وذهب إلى السوق. # والقارئ يستطيع أن يلاحظ أننا قد انتهينا إلى مفرق من مفارق الطرق في هذا الحديث، فأنا ~~أستطيع أن أذهب معه إلى السوق التي ذهب إليها قاسم الصياد، وأنا أستطيع أن أذهب إلى هذه ~~الدور، التي يلم بها سيدنا كل صباح ليقرأ القرآن، ويشرب فيها القهوة، ويجاذب أهلها أطراف ~~الحديث، لا يضعف صوته، ولا يضيق جوفه بما يلقى فيه من أقداح القهوة المرة، ثم أذهب معه ~~إلى الكتاب الذي سينتهي إليه سيدنا حين يرتفع الضحى وتوشك الشمس أن تزول. وأنا أستطيع أن ~~أترك قاسما يشتري في السوق ما يشاء، وأن أترك سيدنا يطوف بالدور وينتهي إلى الكتاب، وأن ~~أقيم في الدار لا أبرحها، وإنما أتبع السمكة إلى حيث نقلت من الفناء واستقرت في مكانها من ~~المطبخ بين الفرن وهذا الصف الطويل من الكوانين التي تختلف سعة وضيقا وارتفاعا وانخفاضا، ~~وأشهد إقبال النساء على هذه السمكة ms031 العظيمة، ينظفنها ويقطعنها ويهيئنها لما ~~يراد أن يتخذ منها من ألوان الطعام، ولكني لن أقيم في الدار، ولن أتبع قاسما، ولن أتبع ~~سيدنا، وإنما سأخرج من الدار، وسأنحرف إلى الشمال فأسعى حينا، ثم أنحرف إلى الشمال مرة ~~أخرى فأسعى قليلا، ثم أنحرف إلى يمين فأمضي أمامي خطوات، ثم أجد في أقصى هذه الحارة ~~الحقيرة حجرة حقيرة قد اتخذت من الطين، لا من الحجارة ولا من الطوب الأحمر ولا من ~~اللبن، وإنما اتخذت من الطين الذي سويت قطع منه تسوية ما، وخلط بها شيء من القش والتبن، ~~ورص بعضها إلى بعض حتى ارتفعت في الجو ارتفاعا ما، وأحاطت بقطعة متضائلة من الأرض، ثم ~~ألقي عليها شيء من سعف النخل فأصبح لها سقفا، ثم نصب في فرجتها لوح ضيق قليل الطول من ~~خشب رقيق فأصبح لها بابا، فهذا البيت هو الذي أوثره على السوق وما يعرض فيها من السلع، ~~وما يدار فيها من التجارة، وعلى الدور وما يكون فيها من حديث، وعلى الكتاب وما يكون فيه ~~من جد ولعب، ومن سذاجة ومكر. # أوثر هذا البيت الحقير لأني أحب أن أجد فيه أمونة وابنتها سكينة، وقد استقبلتا النهار ~~بائستين كما استقبلتا الليل بائستين، أحستا قاسما وهو ينهض متثاقلا يجر قدميه، ويغلق ~~الباب الضئيل من ورائه، وينغمس انغماسا رفيقا مستأنيا في ظلمة الليل يرجو أن يبلغ النهر، ~~وأن يجد فيه رزقه ورزقهما، أحستا نهوضه في جوف الليل، فلم تنهضا معه ولم تقولا له ~~شيئا. ولم تنهضان؟ وما عسى أن تفعلا؟ ولم تقولان؟ وما عسى أن تقولا؟ مضى قاسم وأقامتا، ~~واشتملهما الليل ساكنتين نائمتين كما اشتمله يقظان ساعيا، وأسفر الصباح لهما ساكنتين ~~قائمتين كما أسفر له ساعيا إلى الرزق. فأما هما فقد نهضتا من نومهما حين أشرقت الشمس، ~~فجلست كل واحدة منهما في مكانها واجمة لا تدري ما تصنع، ولا تعرف ما تقول، وظلتا تنتظران ~~قاسما لعله يعود إليهما بشيء من خير. وقد جرت العادة إذا طال عليهما الانتظار أن تصيبا ~~شيئا من خبز جاف ms032 تبعدان به الجوع عن نفسيهما، أو تبعدان به نفسيهما عن الجوع، وربما ~~خرجتا من البيت فتحدثتا إلى الجارات. # وسكينة فتاة في السابعة عشرة من عمرها، فيها دعة ولين، وفيها سذاجة تشبه الغفلة، وعلى ~~وجهها مسحة من جمال توشك أن تروق الناظرين لولا ما يبدو على الفتاة من الضر، وفي جسمها ~~تناسق وفي قدها اعتدال يظهران للناظر دون أن يتكلف التماسا، فالفتاة عارية أو كالعارية، ~~لا تستر جسمها إلا أسمال تتكشف هنا وهناك عن حسن أليم. # على أن وجومهما في ذلك الصباح لم يتصل إلا قليلا، وقد قالت أمونة لابنتها فجاءة في صوت ~~فاتر منكسر: ألم تنهضي وتتركي البيت بعد أن خرج أبوك إلى النهر بساعة قصيرة؟ قالت الفتاة: ~~بلى، قد نهضت وخرجت من البيت، ولكني عدت بعد لحظة. قالت أمونة: فإني قدرت ذلك وانتظرت أن ~~تعودي بعد لحظة، ولكن هذه اللحظة طالت، واشتد طولها حتى أشفقت عليك من بعض الشر، وحتى ~~هممت أن أخرج في التماسك، ولكني أكرهت نفسي على البقاء مخافة أن يفطن إلينا ~~الجيران، وما زلت أنتظرك وأنتظرك حتى أسفر الصبح، وإذا أنت تقبلين مترفقة، وتدخلين ~~متلصصة، وتندسين في مضجعك حريصة على ألا أحس مقدمك كما كنت حريصة على ألا أحس ~~انسلالك من البيت، فإلى أين ذهبت؟ وماذا كنت تصنعين؟ وقد سمعت سكينة حديث أمها مرفوعة الرأس ~~أول الأمر، ولكنها لم تلبث أن انخفض رأسها فجأة، كأنما عجزت الأعصاب والعضلات أن تمسكه ~~فانكب نحو الأرض انكبابا، ولبثت الفتاة صامتة لا تقول شيئا، جامدة لا تأتي حركة. وقد ~~أعادت أمها عليها المسألة مرة ومرة، فلم تظفر منها برجع الحديث؛ هنالك تنمرت أمونة، وظهر في ~~وجهها شيء من الجد، لم يلبث أن استحال إلى غضب منكر عنيف، وقالت لابنتها في صوت مكظوم: ~~ستنبئينني إلى أين ذهبت وماذا كنت تصنعين؟ ثم انحرفت بنصفها الأعلى إلى يمين وتناولت عودا ~~يابسا من سعف النخيل كانت تصطنعه في تقليب الخبز وإنضاجه، ثم استقبلت الفتاة ملوحة بهذا ~~العود اليابس، وهي تقول لها في صوتها المكظوم: ms033 ستنبئينني أين كنت، وماذا كنت ~~تصنعين؟ # ولم تقل الفتاة شيئا، ولكن العود أخذ يقع ما بين كتفيها في عنف شديد وثبت له الفتاة ~~كأنما دفعها إلى الوثوب لولب في الأرض، أو جذبها إلى الوقوف سبب في السقف، على أن وقوفها لم ~~يطل، فقد أخذ العود يصيب من جسمها ما شاءت المصادفة الغاضبة، وإذا الفتاة تجثو وقد جمعت ~~يديها إلى وجهها وهي تتلوى من الألم، تدافع شهيقا يريد أن ينطلق ويكاد أن ينفجر عنه حلقها. ~~ثم يستأثر الغضب بأمونة، فإذا هي لم تبق امرأة، وإنما استحالت إلى جنية ثائرة، وقد ألقت ~~العود من يدها، ووثبت بسرعة وخفة، فكبت الفتاة على وجهها وجمعت شعر البائسة بين يديها، ~~وجعلت تجذب الفتاة من شعرها في غير رفق، وتدفع بقدميها وجهها في غير نظام. وقد انفجر صوت ~~الفتاة عن صيحة منكرة، فتلقي أمونة نفسها على ابنتها، وتضغط بيدها على فم الفتاة وتنبئها ~~في صوتها المكظوم دائما بأنه الموت إذا لم تكظم صوتها، ولم تضبط نفسها، ولم تنبئها في هدوء ~~وصدق إلى أين ذهبت، وماذا صنعت حين انسلت من البيت في ظلمة الليل. # وقد ضاق صدر الفتاة لثقل ما حملت من جسم أمها، ولهذا الضغط المتصل على فمها، فاستيقنت أو ~~كادت تستيقن أنه الموت، ولكنها جاهدت جهادا عنيفا حتى تخلصت من ثقل أمها واستوت ~~جالسة، وظهر في وجهها هدوء حازم عنيد، ودفعت يد أمها عن فمها وقالت في صوت مكظوم كصوت أمها، ~~ولكنه ينم عن التحدي والعناد: تريدين أن تعلمي إلى أين ذهبت، وماذا كنت أصنع حين ~~انسللت من البيت في ظلمة الليل؟ فاعلمي إذن أني لقيت زوج عمتي غير بعيد في مزرعته، وأقمت ~~معه ما أقمت، ثم رجعت حين كاد الصبح أن يسفر. أعلمت الآن ما كنت تجهلين؟ أراضية أنت بما ~~عملت؟ # وجمت أمونة شيئا ثم قالت مستخذية: ومتى لقي الفتيات أزواج عماتهن في جنح الليل؟ إنك ~~لتلقينه متى شئت في وضح النهار. قالت الفتاة: ألقاه في وضح النهار، وألقاه في ظلمة الليل، ~~ذلك شأنه ms034 وشأني، وما أنت وذاك؟ فإنه لا يعنيك من قريب ولا من بعيد. هنالك استأنف العود ~~تمزيقه لجسم الفتاة، ولكن الفتاة قالت لأمها بصوت تكلفت كظمه: ستكفين يدك عني أو أستغيث ~~بالجيران؟ قالت أمونة وقد سقط العود من يدها: الجيران؟ يا للفضيحة! يا للعار! ثم انحنى ~~أعلاها على أسفلها وجعلت تنتحب غير جاهرة بالنحيب، وظلت الفتاة في مكانها واجمة ساهمة كأنها ~~قطعة من المرمر، على أنها لم تلبث أن فرقت بين أجفانها فانهل على وجهها دمع غزير. # وفي القارئ حب استطلاع أقل ما يوصف به أنه يضايق الكاتب ويأخذ عليه الطريق، ويضطره إلى ~~الوقوف حين كان يؤثر المضي في كتابته، أو يضطره إلى الاستطراد حين كان يفضل ألا يتجاوز ~~الموضوع الذي يعرضه أو يقول فيه. والقارئ لا يكفيه ما أنبأته به من أن هذه الفتاة قد تغفلت ~~أمها، وانتهزت غيبة أبيها وانسلت من بيتها في ظلمة الليل، واعترفت لأمها آخر الأمر، ~~وبعد ما ذاقت من عذاب بأنها خرجت لغي لا لرشد، وبأن قد كان بينها وبين زوج عمتها إثم ~~بغيض. # القارئ لا يكتفي بهذا، وإنما يحب أن يعرف كيف نشأت هذه الصلة المنكرة بين فتاة في السابعة ~~عشرة من عمرها ورجل قد جاوز الشباب، وهو زوج عمتها. ولولا أني أرفق بالقارئ ولا أحب أن ~~أشق عليه، ولا أن أرده خائبا حين يحب الاستطلاع، لمضيت في الحديث كما بدأته، ولأبيت ~~الانحراف إلى نشأة هذه الصلة البغيضة؛ لأن الحديث عنها بغيض، ولكن لا بد مما ليس منه بد، ~~فمن حق الكاتب أن يذهب ما شاء من المذاهب في كتابته، ولكن من حق القارئ أيضا أن يفهم في ~~وضوح وجلاء ما يقدم إليه الكتاب من المقالات والفصول. وقد عرف القارئ أن قد كان لقاسم أخ ~~شيخ ضرير أقرأه آية كريمة من القرآن تؤمنه من خوف وتؤنسه من وحشة، فقد ينبغي أن يعرف القارئ ~~الآن أن قد كانت لقاسم أخت فاتنة لعوب، خلبت عقول كثير من الشباب حين واتاها الحظ وابتسمت ~~لها الدنيا واستقامت لها ms035 الأمور، ثم تولت عنها الدنيا كما تتولى عن كثير من الناس، ~~وأصاب جسمها ذبول، وألم بجمالها ذواء حين دخلت في الكهولة ودنت من الشيخوخة. وقد كانت ~~خليقة أن تضطر إلى بؤس كبؤس أخيها الصياد أو أخيها الضرير، لولا أنها صادفت الحاج محمودا، ~~وكان رجلا يقيم في طرف من أطراف المدينة، فيه بقية من قوة وفضل من شباب، ويملك قراريط من ~~الأرض يستغلها في استنبات البقول، وقد لعبت الأيام بالحاج محمود كما لعبت بتلك المرأة، ثم ~~أحس حاجة إلى شيء من الاستقامة، فاصطنع الهدوء وتكلف التقوى وحافظ على الصلوات، ثم ~~سعى إلى الحج وعاد وعليه زي من وقار ومسحة من نقاء، فاتخذ هذه المرأة له زوجا واستقر في ~~حياة مطمئنة لا يظهر أحد منها على بأس. وكأن غريزته كانت أقوى من إرادته، وكأن ميله إلى ~~اللهو كان أقوى من طموحه إلى التقوى، وكأن دنو امرأته من الشيخوخة أو دنو الشيخوخة من ~~امرأته قد حول نفسه عن القناعة والرضا إلى المجانة والطمع، فكان يمشي في المدينة زائغ ~~الطرف يدير عينه يمينا وشمالا، ويقصر بصره إلى هنا ويمد بصره إلى هناك، وكان كل شيء في ~~تقلب وجهه واضطراب بصره يدل على أن في نفسه طموحا إلى الشر، ونزوعا إلى ما لا يستحب ~~من الأمر. وكان قاسيا على أخي امرأته، يرمقه في ازدراء ويتحدث عنه في استخفاف، ولا يمد ~~إليه يدا بالمعونة ولا يظهر إشفاقا عليه مما كان يبهظه من الفقر والبؤس والداء، ولكنه ~~رأى ابنة هذا الرجل فتاة كاعبا تستقبل الحياة في قوة وجمال، وفي بؤس وشقاء أيضا، فلم يرق ~~لبؤسها ولم يرحم شقاءها، وإنما اشتهى جمالها وطمع في محاسنها، وابتغى إليها الوسائل. وما ~~أكثر وسائل الإغراء للذين يبهظهم الشقاء! # وقد رأى هذه الفتاة الجميلة البائسة تنظر ذات يوم نظرة فيها كثير جدا من الأمل إلى رجل ~~من هؤلاء الباعة، الذين كانوا يطوفون في المدن والقرى يحملون هذه السخافات التي تطمح إليها ~~نفوس البائسين من أهل المدن والقرى، يحملون حقيبة فيها هذا الصمغ ms036 الذي يمضغ في الأفواه، ~~ويسميه أهل القرى «لبانا»، ويسميه المترفون من أهل المدن «لادنا»، ويحملون حقيبة أخرى ~~فيها صنوف من الخرز، وضروب من الخواتم والأساور قد اتخذت من المعدن الرخيص. ونساء الريف ~~يكلفن بهذه السخافات، يتخذن من الخرز عقودا، ويزين أيديهن ومرافقهن بهذه الخواتم ~~والأساور، ويتجملن بمضغ اللبان يدرنه في أفواههن، ويحدثن في مضغه بين حين وحين صوتا ~~يفتن به الرجال المكتملين والشباب الناشئين. وقد رأى الحاج محمود تلك الفتاة البائسة ذات ~~الجمال البارع وقد تعلقت نفسها بشيء من هذه السخافات، بين يدي رجل من هؤلاء الباعة قد ~~أطاف به النساء والفتيات من أهل المدينة يأخذن منه سخفه الرخيص، ويدفعن إليه نقدهن القليل. ~~وسكينة تنظر وتشتهي ولكنها لا تستطيع أن تأخذ شيئا؛ لأنها لا تستطيع أن تدفع شيئا، فرق ~~الحاج محمود لهذه الفتاة، أو مال قلبه إلى هذه الفتاة، فاشترى من سقط المتاع هذا شيئا ~~قليلا أدى له ثمنا ضئيلا، وملأ قلب الفتاة به فرحا وأفعم به نفسها سرورا، وأفاض على ~~وجهها بهجة زادتها حسنا إلى حسن وروعة إلى روعة. ومنذ ذلك اليوم وقع في قلب الحاج ~~محمود لهذه الفتاة الغافلة حب أثيم، ومنذ ذلك اليوم جعل الحاج محمود يسعى بالخير بين حين ~~وحين إلى هذه الأسرة البائسة، بدأ بالحديث الرفيق، وثنى بالمعونة اليسيرة، واختص الفتاة ~~بعطف كاد يتصل لولا أن الحاج محمودا كان يحتاط ويتحفظ ويخشى الريبة. وكان قاسم وامرأته ~~يتلقيان هذا الود الجديد في تردد بين ما يحمل إليهما من خير، وما يثير في نفسيهما بعض ~~الشك، ولكن الحاجة كانت أقوى من الحيطة، والشيء الذي ليس فيه شك هو أن الفتاة قد اطمأنت ~~إلى هذا الرجل ووثقت به، وتعلقت نفسها بما كان يطرفها به بين حين وحين من هذه الطيبات ~~المتواضعة، فأكثرت التردد على دار عمتها، ثم اتصلت المودة بينها وبين هذا الرجل الذي ~~كانت تسميه عمها. # وهنا ليس يحتاج القارئ فيما أظن إلى أن أمضي به في هذا الحديث البغيض إلى غايته، فهو ~~يستطيع أن يبلغها وحده. ms037 وأحسبه قد أطال الانتظار لقاسم هذا الذي ذهب إلى السوق، وفي يده أو ~~في جيبه قروش العمدة؛ فلينظر إليه إن شاء عائدا من السوق قد امتلأت يداه بالخير، وظهر ~~على وجهه الشاحب حبور كئيب، وأقبل يسعى إلى بيته الحقير متباطئا ثقيل الخطو، وفي نفسه شيء ~~من رضا، فسيطعم امرأته وابنته ما لم تتعودا أن تصيبا منه إلا نادرا، حين يكرم النهر أو ~~حين يتصدق الموسرون. ومهما يبلغ الفقر بالناس، ومهما يثقل عليهم البؤس، ومهما يسيء إليهم ~~الضيق، فإن في فطرتهم شيئا من كرامة تحملهم على أن يجدوا حين يأكلون مما كسبت أيديهم لذة، ~~لا يجدونها حين يأكلون مما يساق إليهم دون أن يكسبوه أو يحتالوا فيه؛ فقد كان قاسم في تلك ~~الساعة يشعر بشيء من هذه الكرامة، ويريد أن يعتد بنفسه، لولا أنه كان أشد بؤسا وتضاؤلا ~~وإذعانا للعلة من هذا الاعتداد، وهو على ذلك كان يسعى متباطئا ثقيل الخطو، ولم يكن يسوءه ~~أن يلحظ الجيران كلما دنا من بيته، وأن يروا ما يحمل من طيبات السوق، وأن يقولوا في أنفسهم: ~~لقد حسن صيد قاسم منذ اليوم، وسينعم مع امراته وابنته بطعام لذيذ. يقول بعضهم ذلك لنفسه مع ~~كثير من الرفق والإشفاق، ويقول بعضهم ذلك لنفسه مع كثير من الحسد والغيظ. ويرى قاسم هذا كله ~~في لحظ العيون، واضطراب الوجوه، ويكاد قاسم يجد في نفسه الرضا عن رفق الرفيق وحسد الحسود، ~~ولكنه يبلغ البيت ويدفع الباب الدقيق الضئيل ويخطو، وقد جعل الدم يصاعد إلى وجهه، وجعلت ~~عيناه تبرقان، وشفتاه تنفرجان، وهم صوته الخافت أن يصبح أهله بالخير، وهمت يداه ~~المتهالكتان أن تضعا بين يدي زوجه ما حملا إليها من طعام، وهم أن يداعبها في بعض الحزن، ~~ولكنه يخطو وينظر، فإذا امرأة تساقط دموعها غزارا وهي جامدة هامدة، وإذا فتاة تنتحب، ~~وتدافع شهيقا لا تحب أن يسمع، وإذا قاسم واجم أول الأمر، ثم سائل بعد ذلك، ثم مكرر ~~المسألة، وإذا امرأته ترد عليه في صوت مختنق منقطع بكلمات تقع من قلبه ms038 البائس موقع الجمر، ~~وإذا يداه تسترخيان، وإذا هذا الخير الذي كان يحمله حفيا به حريصا عليه، يسقط إلى الأرض ~~في غير نظام، وإذا عيناه تنطفئان، وإذا شفتاه تلتقيان ثم تمتدان، وإذا هو يسعى إلى حصيره ~~ذاك البالي فيجلس عليه متهالكا، ثم يمتد وقد نهكه ما أصاب جسمه النحيل وقلبه العليل الضئيل ~~من جهد، وإذا امرأته تسمع صوتا خافتا يأتي من بعيد جدا، وهو يقول: لو رزقنا الله ~~مكانها غلاما لم نتعرض لهذا الخزي. ثم يعيد: لهذا الخزي. ثم ينقطع الصوت حينا، ثم يعود ~~أشد خفوتا وأعظم بعدا وهو يقول: ما ينبغي للفقراء أن يلدوا البنات! ثم ينقطع صوته فلا ~~تسمعه امرأته سائر النهار، ليس هو نائما وليس يقظان، وإنما هو شيء بين ذلك. وقد همت حين ~~تقدم النهار أن تنظر إلى هذا الطعام وتحاول تهيئته، ولكنها تنظر إليه ثم تعرض عنه، وتظل في ~~مكانها هامدة جامدة، تنهل دموعها حين تجود عيناها بالدموع، وتنقطع دموعها حين تجمد عيناها ~~من البكاء. والفتاة ملقاة في مكانها لا هي بالحية ولا بالميتة، وإنما تأخذها رعدة بين حين ~~وحين، ثم يشتمل عليها الخمول والجمود. ولم ير الجيران في ذلك اليوم أمونة تخرج لالتماس ~~الحطب، ولم ير الجيران في ذلك اليوم دخانا من ذلك البيت، ولم يشم الجيران في ذلك اليوم ~~رائحة الطعام الذي تنضجه النار، وقد كانوا مع ذلك يتوقعون هذا كله حين رأوا قاسما يروح ~~إلى داره وقد امتلأت يداه بالخير. # وسعت الشمس إلى مغربها متباطئة، وأقبلت ظلمة الليل فنشرت أرديتها السود على كل شيء، ~~وجثم الليل على المدينة ثقيلا مرهقا، فاضطر الناس إلى مضاجعهم وفرض الهدوء والصمت على ~~كل شيء، وانتثرت في السماء نقطة ضئيلة من النور، ونهض من فراش قاسم شخص ضئيل يوشك أن يكون ~~شبحا، فانسل من البيت لم يلتفت إلى أحد، ولم يلتفت إليه أحد، وغمس نفسه في ظلمة الليل ~~وجعل يمضي فيها متباطئا وإن أراد الإسراع، متثاقلا وإن كان في نفسه خفيفا. مضى أمامه لا ~~يرفع رأسه إلى السماء، ms039 ولا يلتفت إلى يمين ولا إلى شمال، فقد نفذت ظلمة الليل إلى نفسه، ~~فأصبح ضميره فحمة قاتمة ليس لها حظ من صفاء، وقد نفذ سكون الليل إلى قلبه فلم يتردد فيه ~~صدى، ولم تخطر له الآية الكريمة: # الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ~~، ولم ~~يشعر في الوقت نفسه بشيء من خوف؛ لأنه قد استحال كله خوفا. # وقد تجاوز المسجد في طريقه إلى النهر، وأقبل أمامه من الشرق ضوء الفجر ضئيلا يمتد طولا ~~وينبسط عرضا، وأقبل وراءه من المسجد صوت المؤذن يمتد طولا وينبسط عرضا، وامتلأ الجو ~~من حوله ضياء يوقظ الأشياء، وغناء يوقظ الأحياء ويدعو الناس إلى الصلاة، ولكن قاسما لم ~~ير ضياء ولم يسمع غناء، قد أظلمت عيناه وسدت أذناه، ومضى أمامه كأنه السهم الكليل ~~الفاتر تدفعه قوة كليلة فاترة، وجعل يمضي أمامه ويمضي مترفقا، حتى أحس أنه يخطو في فراغ، ~~ثم أحس بردا يأخذه من جميع أقطاره، ثم لم يحس شيئا، ولم يحسه شيء، وإنما مضى إلى الغيب ~~كما تمضي في كل لحظة أشياء كثيرة إلى الغيب. # وما من شك في أن الشمس قد أشرقت بعد ذلك بنور ربها، وفي أن المدينة امتلأت حياة ونشاطا، ~~وفي أن الناس اضطربوا في أعمالهم بما يضطرب في قلوبهم من نزعات الخير والشر، وفي أن أمونة ~~وابنتها قد انتظرتا أن يعود إليهما قاسم كما تعودتا أن تنتظرا كلما سعى إلى النهر من ~~آخر الليل، ولكنهما أطالتا الانتظار، ولم تظفرا منه بشيء. # وقد يحب القارئ أن يعرف كيف عبث بهما الأمل، وكيف بطش بهما اليأس، وكيف لعبت بهما صروف ~~الأيام، ولكن القارئ ليس في حاجة إلى أن أقص عليه هذه الخطوب، فأيسر شيء عليه أن ينظر إلى ~~هذه الحياة الصاخبة من حوله، فسيرى فيها «أمونات وسكينات» كثيرات لا يحصين بالمئات ولا ~~بالألوف، وإنما يحصين بمئات الألوف وقد يحصين بالملايين، تطلع الشمس عليهن كل يوم مشرقة ~~بنور ربها، ولكنها لا تحمل إليهن رضا ولا غبطة ولا أملا في الرضا ms040 أو الغبطة، ويقبل ~~الليل عليهن مظلما قاتم الظلمة يزدان بهذا القمر في أطواره المختلفة، ويزدان بنقط النور ~~هذه التي تنتثر في السماء، ولكنه لا يحمل إليهن راحة ولا أملا في الراحة، وإنما يدفعهن ~~إلى نوم ثقيل بغيض كريه يشقين فيه بأحلام بغيضة تصور ما يشقين به في النهار من حياة ~~بغيضة، لا تحفل الشمس بهن حين تطلع، ولا يحفل الليل بهن حين يقبل. ومتى حفل الليل والنهار ~~ببؤس البائسين ونعيم الناعمين! ولكن الغريب أن الأحياء من الناس الذين أتيحت لهم قلوب ~~تشعر، وعقول تفكر، ونفوس تميز بين الخير والشر، ونعيم كان خليقا أن يلفتهم إلى جحيم ~~البؤس، هؤلاء الناس يمضون حياتهم كما يمضي الليل والنهار إلى غايتهما، لا يحفلون بأمونة ولا ~~بسكينة ولا بقاسم، شغلتهم أنفسهم عن كل شيء وعن كل إنسان. # الفصل الثالث # | خديجة # لم تنزل من السماء كما تنزل الملائكة رحمة وروحا على الأرض، ولم تخرج من النهر كما كانت ~~العذارى الحسان من بنات الماء يخرجن في الزمان القديم من الجداول والأنهار، ومن العيون ~~والينابيع، ولم يحملها إلينا السحاب، ولا أرسلها إلينا نجم من النجوم، وإنما نشأت في ~~القرية، وفي أسرة بائسة شقية من أسرها كما ينشأ غيرها من عشرات العذارى، بل من مئاتهن ~~وألوفهن في المدن والقرى دائما، ولكنها امتازت من أترابها بوجه كأن الشمس ألقت رداءها ~~عليه؛ نقي اللون لم يتخدد. ولم يكن أحد يعرف من أين جاءت بهذا الوجه السمح الطلق المشرق ~~النقي، فقد كان وجه أبيها جهما غليظا، قد احتفرت فيه الأخاديد احتفارا، وفعل به البؤس ~~والشقاء وشظف العيش الأفاعيل، وكان وجه أمها صورة رائعة للقبح، إن جاز أن تكون للقبح ~~صورة رائعة، وكان ضيق الحياة وخشونة العيش، وهذه الضرورات المحرجة التي تدفع البائسين من ~~العمل إلى ما لا يحبون، وترضيهم آخر الأمر عما يكرهون؛ كان هذا كله قد غشى وجهي هذين ~~الأبوين بغشاء صفيق مؤلم من الكآبة والذلة والحزن والغفلة والغباء. # ولم تكن تمتاز بإشراق الوجه ونقائه فحسب، وإنما كان إشراق وجهها ونقاؤه ms041 مظهرا لصورة ~~رائعة بارعة من الجمال والحسن، قد أسبغت على جسمها كله، فكان شيئا رائعا متقنا كأنما ~~صنع في تمهل وتأنق وأناة، كأحسن ما يتمهل المثال البارع ويتأنق ويستأني بعمله، ~~فيخرج تمثاله آية في الروعة وفتنة للعيون والقلوب جميعا. # وكان صوتها - إذا تكلمت - رخصا عذبا صافيا ممتلئا، لا تكاد الأذن تسمعه حتى يحضر في ~~النفوس هذا الوقت القصير بين انطلاق الفجر في ظلمة الليل كأنه السهم، وإشراق الشمس على ~~الأرض حتى تملأها جمالا ونورا. # كان صوتها يحضر في النفس هذا الوقت القصير الذي يكون بين انطلاق الفجر وإشراق الشمس، ~~والذي يترقرق فيه نسيم رقيق عليل، ويسقط فيه الندى كأنه تحية حلوة ملؤها الحياة والنشاط قد ~~أرسلتها السماء إلى الأرض، وتستيقظ فيه الطبيعة نشيطة متكاسلة مع ذلك؛ تتغنى الطير وتحف ~~الأوراق وتهف الغصون، ويهمس الضوء الفاتر إلى الأرض أن أفيقي وتأهبي، فقد أوشك موكب ~~الشمس أن يلم. # كان صوتها يحضر في النفس هذا كله إذا تكلمت، ولم تكن تتكلم إلا قليلا، وكان صوتها ~~ذاك الرخص العذب الصافي يلائم وجهها المشرق النقي، وخلقها الرائع السوي، فكان شخصها أشبه ~~شيء بآية من آيات الموسيقى التي لا تلذ السمع وحده، وإنما تلذ كل ما في الإنسان من ملكات ~~الحس والشعور والتفكير. وكان الناس يتساءلون ولا يكفون عن التساؤل: من أين جاء هذان الأبوان ~~اللذان آثرتهما الطبيعة بالدمامة والقبح، بهذه الآية التي استأثرت بأرقى الحسن وأنقاه؟ وكان ~~فقيه القرية إذا ألح الناس في التساؤل أمامه، تلا عليهم هذه الآية من القرآن، منكرا ~~عليهم تساؤلهم وإلحاحهم فيه: # تولج النهار في الليل ~~وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق ~~من تشاء بغير حساب ~~. ثم يقول لهم: ويحكم! ما تنكرون أن يهب الله ~~الجمال للقبح وهو يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل! إنكم لا تنكرون أن ينشق ~~الليل المظلم عن النهار المبصر، ولا أن ينهزم ضوء النهار أمام ظلمة الليل، فلم تنكرون أن ~~يهب الله خديجة هذه لأمها محبوبة ولأبيها شعبان؟ # وكانت محبوبة هذه ms042 امرأة نصفا، تطوف بأهل القرية تصنع لهم الخبز، وتصنع لهم من الخبز ~~نوعا خاصا هو هذا الذي يتخذ من الذرة رقيقا مستديرا واسعا، لا تحسن أن تصنع غيره ~~من خبز القمح؛ فكنت تراها في آخر الليل ملمة بهذه الدار أو تلك تهيئ العجين، وكنت تراها في ~~أول النهار جالسة أمام الفرن، تدير بيدها السريعة الصناع قطع العجين، فتسويها في سرعة مدهشة ~~على الشكل الذي ينبغي أن يسوى عليه، ثم تقذفها إلى النهار قذفا خفيفا رفيقا، ثم ~~تستردها من النار وقد منحتها النضج الذي يجعلها سائغة في الأفواه والحلوق والبطون. وكنت ~~تراها حين يرتفع الضحى ويوشك النهار أن ينتصف عائدة إلى بيتها ذاك الوضيع الحقير، وقد حملت ~~أجرها طائفة من هذا الخبز تضيفها إلى طائفة، وتعيش عليها مع زوجها وبنيها وبناتها، ويقنعون ~~بهذا الخبز في كثير من الأيام، وقد يضيفون إليه هذا الإدام أو ذاك، إن ساق الله إلى شعبان ~~رزقا، أو تفضلت بعض الأسر الموسرة على هذه الأسرة المعسرة بشيء من طعام، فإن لم يكن ~~هذا ولا ذاك فالخبز وحده، أو الخبز مع شيء مما تنبت الأرض، وتصل إليه الأيدي القصار من ~~البصل والفجل، وهذه الأعشاب التي لا يتحرج البائسون من أن يستعينوا بها على ~~الحياة. # وكان شعبان رجلا مقترا عليه في الرزق، قد ورث عن أبيه مهنة لا تغني من جوع؛ كان ~~بناء متواضعا، لا يقيم الدور التي تتخذ من الحجر والآجر واللبن، وإنما يقيم البيوت ~~والحجرات التي تتخذ من الطين الغليظ: تراب يجمع ويصب عليه الماء، ويخلط به بعض ~~الهشيم، ثم تسوى منه قطع متلائمة أو غير متلائمة يضاف بعضها إلى بعض لتمتد في الفضاء، ~~وترتفع في الجو، وتدور أو تستطيل حول رقعة ضيقة من الأرض، حتى إذا ارتفعت فبلغت القامة أو ~~أقل من القامة، مد عليها شيء من سعف النخل، فاستقام منها بيت أو حجرة يأوي إليها ~~البائسون من أهل القرى، فتقيهم أيسر ما ينبغي أن يتقوا من عاديات الطبيعة. # وأهل القرى لا يبنون هذه البيوت في ms043 كل يوم ولا في كل أسبوع، وإنما يبنونها حين يتاح لهم ~~البناء، وحين تأذن لهم الظروف أن يتخذوا البيوت والحجرات، أو أن يقيموا الغرفة فوق هذه ~~الحجرة أو تلك، أو فوق هذا البيت أو ذاك. # فكان يعمل اليوم أو اليومين أو الأيام القليلة ليظل بعد ذلك متعطلا أياما أو أسابيع. ~~وكان يوسع على أهله بهذه القروش التي يغلها عليه عمله من حين إلى حين، يكسوهم إن استطاع لهم ~~كسوة، ويمتعهم بقليل من الطيبات إن طالت يده إلى قليل من الطيبات، فلم يكن بد من أن يعمل ~~الصبية حين شبوا ليقوتوا أنفسهم حيث يعملون، وليرجعوا على أهلهم بفضل ما يساق إليهم من ~~الرزق. # وكانت خديجة كاعبا، تعمل في دار من دور أهل اليسار، تقبل مع الصبح المسفر فتنفق ما ~~تملك من نشاط في خدمة أهل الدار، وتعود مع الليل المظلم إلى بيت أبويها فتنفق الليل فيه. ~~وكانت راضية بهذه الحياة باسمة لها على شيء من حزن كان يستقر في قلبها ويتغلغل في ضميرها، ~~ولا يبين عنه لسانها حين ينطق، ولا وجهها حين يأخذ ما يأخذ من الأشكال. كانت تفكر من غير ~~شك في بؤس أبويها وإخوتها الصغار، ولكنها لم تكن تعبر عن هذه الخواطر الكئيبة بلفظ أو لحظ ~~أو حركة، إنما كانت تخفي حزنها كما يخفي البخيل كنزه، وربما نمت بهذا الحزن نغمة ضئيلة مرة، ~~تغمر هذا الصوت الممتلئ العذب، فتترك في نفوس السامعين أثرا غريبا، وربما نمت بهذا الحزن ~~سحابة خفيفة رقيقة تمر بهذا الوجه المشرق الجميل، مرا سريعا لا يتيح للذين يرونها أن ~~يفكروا فيها فضلا عن أن يسألوا عنها. كانت حياتها في تلك الدار بهجة متصلة ورضا مقيما، ~~تقطعها بين حين وحين وفي لحظات قصار جدا هذه النميمة التي تهم أن تنبئ بالحزن، ولكنها ~~تذوب قبل أن تنبئ بما همت أن تنبه إليه. # وكانت ربة الدار محبة لخديجة رفيقة بها، عطوفا على أهلها، تبرهم كلما سنحت لها ~~الفرصة، وتحسن إليهم كلما أتيح لها الإحسان، وكانت كثيرا ما تدعو ms044 محبوبة إلى الدار ~~وتكلفها بعض العمل اليسير الهين أو الغليظ العنيف، تأجرها على ذلك لا بالقروش التي تضعها ~~في يدها، ولكن بالثوب الذي تهديه إليها من ثيابها هي الخليعة، أو من ثياب أبنائها وبناتها، ~~أو من ثياب زوجها، وبالطعام تكلفها حمله إلى زوجها وبنيها، وبالطرف تطرفها بها في أيام ~~الأعياد وفي أيام السعة والرخاء، حين تلم أيام السعة والرخاء، ولكنها لم تكن تقف عند هذا ~~النوع من البر، وإنما كانت تحرص على أن يكون رفقها بالأسرة متجددا، وعطفها عليها ~~متصلا. # وفي ذات يوم سمعت ربة الدار في فناء دارها من نحو حظيرة الماشية صياح امرأة تصيح، ~~وبكاء فتاة تبكي، وصوت عصا تلهب جسما بضرب متصل، وصراخ صبية يجأرون بالشكاة، فتخرج ~~من حجرتها مسرعة، ولا يروعها إلا محبوبة قد ألقت ابنتها على الأرض وأخذت بشعرها الطويل ~~الجميل تجذبه بإحدى يديها جذبا عنيفا، ويدها الأخرى ترتفع وتنخفض بغصن يابس من هذه الغصون ~~التي تتخذ لإدارة الخبز في النار واستخراجه منها، وغير بعيد من هذ المنظر الأليم طبقان ~~من خزف قد نحيا ناحية، ومحبوبة تنظر إليهما وتسأل عنهما الفتاة، في حين تمعن يدها في جذب ~~الشعر، وتمعن الأخرى في رفع العصا وخفضها. # قالت ربة الدار منكرة: ماذا أرى وماذا أسمع؟! ثم أسرعت إلى محبوبة فردتها عن الفتاة ~~وانتزعت من يدها العصا، وإلى الفتاة فأنهضتها وفرقت بينها وبين أمها، ولكن محبوبة أمعنت ~~في بكاء متصل فيه شهيق وزفير، ثم لم تلبث أن أخذتها نوبة عصبية، من هذه النوبات التي تأخذ ~~أمثالها من النساء حين يمعن في الشهيق والزفير، حتى اضطرت ربة الدار إلى أن تنضحها بشيء ~~من ماء لتردها إلى الاتزان والسكون. # فلما ثابت محبوبة إلى نفسها، واستنبأتها ربة الدار عن خطبها وخطب الفتاة، سمعت منها ~~كلاما لم يكد يبلغ نفسها حتى انهلت دموعها له غزارا: سمعت منها أنها وجدت في زاوية من ~~زوايا بيتها هذين الطبقين، فلم تشك في أن ابنتها تخون سادتها وتسرق ما في دارهم من متاع. لم ~~يبق إذن إلا ms045 أن تسرق، فتخون من يحسنون إليها وإلى أهلها، ويتيحون لهم حياة فيها شيء ~~من نعمة ورضا! لم يبق إذن إلا أن تسرق فتدخل الشر على أهلها وتزيد عيشهم ضيقا إلى ~~ضيق، وحياتهم شقاء إلى شقاء، من أجل هذه السرقة التي استكشفتها قتر عليهم في الرزق، ~~فردت هي عن بعض الدور التي كانت تصنع فيها الخبز، ولم يدع زوجها إلى بناء البيوت، ~~ولا إلى تسوية الطوب منذ وقت طويل. لقد كنا نسأل عن مصدر هذا الشقاء، فقد عرفناه الآن، إن ~~لنا ابنة سارقة تخون سادتها، وتختلس ما عندهم من متاع! # قالت ربة الدار وقد كفكفت عبراتها: على رسلك أيتها المرأة! فإن ابنتك لم تسرق هذين ~~الطبقين، وإنما كلفتها أن تحملهما إليكم أمس مع الليل، وفيهما شيء من الطعام، كدأبي ~~معها دائما، وما أرى إلا أنها قد نسيتهما حين أقبلت على عملها مع الصبح. قالت محبوبة: ~~فإنها لم تحمل إلينا أمس طعاما، كما أنها لم تحمل إلينا طعاما قط. وانجلت القصة بعد ~~قليل، وتبين أن خديجة كانت تستحيي أن ترفض ما تكلفها سيدتها أن تحمل من الطعام إلى ~~أهلها، وكانت تستحيي أن تحمل إلى أهلها هذا الطعام، فكانت إذا خرجت بالطبق أو الأطباق ~~تخففت مما فيها، تهديه إلى الفقراء إن وجدت في طريقها الفقراء، وتلقيه إلى الكلاب إن ~~لم تجد في طريقها إلا الكلاب، وتلقيه في عرض الطريق إن لم تجد في طريقها ناسا ولا كلابا، ~~ثم تضع الأطباق في زاوية من زوايا البيت، فإذا أصبحت عادت بها إلى الدار باسمة ظاهرة ~~الرضا، كأنها قد وسعت على أهلها بما حملت إليهم من رزق. ولكنها في ذلك اليوم قد أعجلت عن ~~حمل الطبقين، ولم تذكرهما إلا حين رأت أمها مقبلة تحملهما وتسألها في غلظة عنهما؛ أين ~~كانا ومن أين سرقتهما، ثم لا تمهلها ولا تنتظر منها جوابا، وإنما تجذب شعرها بإحدى يديها ~~وتلهب جسمها بذلك الغصن اليابس في يدها الأخرى، ويأخذها الغضب فتصيح، والفتاة يأخذها الألم ~~فتبكي، وكلما أمعنت الفتاة في النحيب أمعنت ms046 أمها في الصياح. # منذ ذلك اليوم عرفت ربة الدار أن خديجة خادم لا كالخدم، وفتاة لا كالفتيات، فآثرتها ~~بالمودة ، واختصتها بالحب، وكادت تتخذها لنفسها صديقا، وقصت على زوجها القصة آخر ~~النهار، فرق للفتاة وأهلها، وأوصى امرأته بها وبهم خيرا، وتلا قول الله - عز وجل: # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من ~~التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما ~~تنفقوا من خير فإن الله به عليم ~~. # وفتيان القرية يتسامعون بقصة خديجة هذه، ويتحدثون بما تصور هذه القصة من تعفف لا ~~يجدونه عند الأغنياء، ومن حياء نادر لا يجدونه فيما يشهدون من أمور الناس ولا فيما يقص ~~عليهم من أحاديث الجدات. وفتيان القرية يتحدثون عن جمال خديجة الفاتن، وحسنها الذي يسحر ~~العيون ويخلب القلوب ويملك الألباب. وفتيان القرية يسرون في أنفسهم حبا لخديجة، وإعجابا ~~بها، وطمعا فيها، ويعلنون بألسنتهم إطراء لخديجة وثناء عليها، والأماني تلعب بعقولهم كل ~~ملعب، وتسلك بقلوبهم كل سبيل. ثم يتقدم الخاطب ذات يوم من أسرة ليست عظيمة الحظ من الثراء ~~ولكنها بعيدة كل البعد عن الإعدام، لها أرض تزرع غير بعيد من القرية، ولها ماشية تخرج من ~~الدار مع الصباح، وتعود إليها مع المساء، وتغل على الأسرة خيرا كثيرا. # والفتى قوي موفور الصحة، عظيم النشاط، جميل المنظر، منطلق اللسان، ولا سيما حين يأخذ ~~زينته ويذهب إلى المسجد ليشهد صلاة الجمعة، ثم يعود فيأخذ مع رفاقه في ضروب من العبث وفنون ~~من الحديث. # وأسرة خديجة تسمع أول الأمر ولا تصدق، ثم تعرف بعد إنكار، وتقبل بعد تردد فيه كثير من ~~الأمل الذي يحيي النفوس، والخوف الذي يميت القلوب. وما يمنع هذه الأسرة البائسة أن تجد في ~~هذه الخطبة روحا من الله، سيتيح لها رخاء بعد شدة، وسعة بعد ضيق؟ وما يمنعها أن ترى نفسها ~~وبؤسها، فتشفق من إصهارها لأسرة ذات سعة ويسار؟ ولكن الفتى صادق محب ملح في صدقه وحبه، ~~وأسرته لا تعدل برضاه وسعادته شيئا آخر، فهي صادقة ملحة ms047 في صدقها، تبتغي الوسائل إلى ~~إقناع البؤس بأن يصهر إلى النعيم. # وقد استقامت الأمور بين الأسرتين، ولكنها لم تستقم في نفس خديجة، فهي تمتنع على هذا ~~الزواج، وتلح في الامتناع، تؤثر حياتها هذه التي تحياها خادما على تلك الحياة التي تدعوها ~~إلى الحرية والاستقلال بأمر نفسها، والقدرة على معونة أهلها. وهي تمتنع وتلح في الامتناع ~~حتى تثير الريبة في نفس أبويها، فما ينبغي أن تصر على هذا الإباء إلا أن تكون قد قصرت في ~~ذات نفسها، وفرطت فيما للشرف على الفتاة من حق. # ومحبوبة تفضي بسرها هذا البشع إلى سيدة خديجة في صوت يقطعه البكاء وتغمره الدموع، ولكن ~~سيدة خديجة تردها إلى القصد وتعيد الطمأنينة إلى نفسها البائسة وقلبها القلق، وما تزال ~~بالفتاة تلاينها حينا، وتخاشنها حينا آخر، حتى تختلس منها الرضا اختلاسا. وقد احتفلت ~~أسرة الفتى ليوم الزفاف واختلف سيدة خديجة ليوم الزفاف أيضا، وهيئت الفتاة لهذا اليوم ~~المشهود من حياتها كأحسن ما تهيأ الفتيات من بنات الطبقة الوسطى لمثل هذا اليوم، ~~وأبت سيدة خديجة إلا أن يبدأ الزفاف من دارها لا من دار شعبان. # وفي ذات ليلة كانت محبوبة قد انكفأت على وجهها أمام بيتها الحقير تريد أن تبكي فلا تجد ~~الدموع، وتريد أن تتكلم فلا تجد الألفاظ، وإنما يتردد في حلقها صوت خفي منكر، إن دل ~~على شيء فإنما يدل على خوفها وهلعها مما ستنكشف عنه ساعة من ساعات هذا الليل حين يدخل الفتى ~~على زوجه. وهي كذلك ملقاة على الأرض يضطرب جسمها من حين إلى حين اضطرابا عنيفا، وتجري في ~~أطرافها رعشة تخف لحظة، وتعنف لحظة أخرى، ويتردد في حلقها هذا الصوت المنكر البغيض، ~~والفرح من حولها يملأ قلوب الشباب بهجة وسرورا. # ثم تنطلق الزغاريد كأنها سهام من فضة تشق ظلمة الليل الحالكة، وتسمع طلقات للبنادق هنا ~~وهناك، ويظهر جمع من النساء والصبية قد نصبوا شيئا يشبه أن يكون راية قانية، وهم ~~يهتفون بألفاظ ينكرها السمع ويمجها الذوق، وسهام الزغاريد منطلقة يتبع بعضها بعضا، كأنما ~~تريد ms048 أن تمزق أحشاء الليل تمزيقا، وامرأة وقاح تهز محبوبة هزا عنيفا وتزجرها زجرا ~~مخيفا، وتقول لها في صوت يسمعه الناس: أفيقي! ثوبي إلى نفسك، ما تخافين؟ لقد بيضت ~~خديجة وجهك ووجه شعبان. # وتثوب السكينة إلى محبوبة قليلا قليلا، وقد أقامها النساء فأجلسنها وقدمن إليها ~~شيئا من ماء لتسترد صوابها كاملا وقوتها موفورة. # وتنقضي الليلة كما تنقضي ليالي الأعراس، ويقبل النهار من غد، ولكن خديجة لا تبدو للزائرات ~~إلا مكرهة على ذلك إكراها، تسمع منهن كل شيء ولا تقول لهن شيئا، تحاول أن تمسك دموعها ~~فلا تجد إلى إمساك الدموع سبيلا. # وهن يسألنها، ويتساءلن فيما بينهن: ما خطبها؟ وما مصدر هذه الكآبة التي تغمر نفسها، وهذه ~~الدموع التي تغمر وجهها؟ ومتى رأى الناس فتاة يملأ قلبها الحزن في مثل هذا اليوم الذي تفيض ~~فيه القلوب فرحا وبشرا؟! هن يسألنها فلا يجدن عندها جوابا؛ لأنها لا تجد عند نفسها ~~جوابا، أو قل إن الجواب مستقر في نفسها، ولكنها لا تستطيع أن تبديه لأنها لا تستطيع أن ~~تصل إليه ولا تظهر عليه، وهن يتساءلن فيما بينهن فلا يجدن جوابا لما يدور على ألسنتهن من ~~سؤال. ولو جرت أنفسهن على سجيتها لاخترعن الجواب عن تساؤلهن اختراعا. وأي شيء أيسر عليهن ~~من الريبة تثار بالحق وبالباطل! لقد رأين الفتاة أمس تزف إلى زوجها شاحبة الوجه ممتقعة ~~اللون زائغة البصر لا تمسك نفسها إلا في جهد، كأنما كانت تساق إلى الموت وهي تنظر إليه، ~~ولقد كانت أمها ملقاة على الأرض تضطرب اضطراب من مسها الصرع وركبها الشيطان، أليس في ~~كل هذا وفي بعض هذا ما يريب؟ ولكنهن رأين الراية القانية ترتفع في ظلمة الليل وبين خفقان ~~المصابيح. # والضحى يرتفع، والنهار يوشك أن ينتصف، وهذه سيدة خديجة قد أقبلت زائرة لها، تحمل إليها ~~التحية وتحمل إليها الهدية أيضا، فترى وتسمع ويروعها ما ترى وما تسمع. # ثم تخلو إلى الفتاة خلوة تطول شيئا، وتخرج من عندها متضاحكة تقول لمن حولها: عبث أطفال، ~~وحياء فتاة غافلة لن تلبث الأيام ms049 أن تذهب به كما تذهب بكثير من الأشياء. # ولكن الأيام تمضي ولا تذهب بشيء، أو يخيل إلى من حول خديجة أن الأيام تمضي كما ~~تعودت أن تمضي في أعقاب الأعراس، فالفتاة هادئة مطمئنة وإن كان وجهها الصبوح قد فقد غير ~~قليل من جماله وبهجته، وغشيته سحابة مقيمة من حزن رقيق يزيدها إلى النفوس حبا، ويزيد ~~موقعها في القلوب حسنا، وإن كان صوتها الرخص العذب الصافي الممتلئ، قد جرت فيه نغمة ~~حزينة متكسرة، تجعله ألذ موقعا في السمع، وأسرع نفوذا إلى القلب. # وزوج الفتاة سعيد مغتبط كأحسن ما يسعد الأزواج ويغتبطون. # وينطلق الفجر ذات يوم جريئا يريد أن يمحو آية لليل، وتغمر الأرض هذه الساعة الحلوة التي ~~تكون بين انطلاق الفجر وإشراق الشمس، والتي كان صوت خديجة يحضرها في النفوس بما يملؤها من ~~ترقرق النسيم، وحفيف الأوراق، وهفيف الغصون، وسقوط الندى، وغناء الطيور، واستيقاظ الطبيعة، ~~وفي هذه الساعة الهادئة الحلوة يخرج النساء والعذارى من أهل القرية ساعيات إلى النهر، ~~متغنيات جمال الحياة، كأنه حلم يلم بنفوسهن في آخر عهدها بالليل، وأول عهدها بالنهار. ثم ~~يعدن إلى القرية صامتات، قد أخذ الابتسام يغادر ثغورهن قليلا قليلا، وأخذت الكآبة ~~تغشى وجوههن شيئا فشيئا، وأخذ الهم يستيقظ في قلوبهن فنونا وألوانا، وأخذن ~~يتهيأن لاحتمال أثقال الحياة وآلامها ما غمرت الشمس قريتهن بنورها الملح الثقيل. # ذهبن إلى النهر فرحات مرحات، وعدن إلى القرية كاسفات البال بائسات النفوس. ~~وافتقدت خديجة حين تقدم النهار قليلا فلم توجد، وإنما وجدت على شاطئ النهر، وفي ~~مكان بعيد من حيث تعود النساء أن يملأن جرارهن؛ جرة مملوءة وإلى جانبها بعض الحلى، ~~والتمست خديجة في النهر فلم يظفر بها الباحثون. # قالت سيدتها وهي تكفكف دموعها تريد أن تنسجم، وتثبت صوتا يريد أن ينفطر: لقد أكرهت ~~خديجة إكراها على الزواج، ومس حياءها النقي ونفسها الطاهرة منه دنس، لم يستطع الحب أن ~~يغسله فغسله الموت. # قال سيد خديجة: وصنع الله لأبويها؛ فقد كتب على محبوبة أن تطوف ما عاشت بالدور تصنع ~~لأهلها الخبز، ms050 وكتب على شعبان ألا ينظف يديه ولا ثيابه من الطين. # الفصل الرابع # | المعتزلة # لا أريد تلك الفرقة الإسلامية المعروفة من فرق المتكلمين، وإنما أريد أسرة مصرية بائسة ~~كنت أنسيت أمرها، حتى كان هذا الوباء الذي ألم بمصر، فذكرتها ذكرا متصلا ملحا، ~~وحاولت أن أخلص من التفكير فيها فلم أستطع، فأردت أن أتسلى عن ذكراها بالتحدث عنها، لعل ~~هذا التحدث أن يخرجها من ضميري الخاص إلى الضمير العام، فيكون في ذلك تخفيف للعبء، ~~وتفريج للكرب، وشفاء لبعض ما في النفس. والهموم الثقال تخف إذا شاركت في حملها ضمائر كثيرة، ~~ولم يقصر ثقلها على ضمير واحد مهما يكن أيدا قويا، فكيف إذا لم يكن له حظ من قوة أو ~~أيد! # وأردت أن أهدي حديث هذه الأسرة البائسة إلى المترفين المنعمين في الأرض، لا لأبغض إليهم ~~الترف بل لأزينه في قلوبهم، ولا لأصرفهم عن النعيم بل لأرغبهم فيه ترغيبا وأدفعهم إليه ~~دفعا، فقد تحدث الحكماء منذ الزمن الأول بأن الرجل الحازم خليق ألا ينظر إلى الذين ~~يتفوقون عليه، فتملأ قلبه الحسرة ويثقل نفسه الهم، وأن ينظر إلى من دونه من الناس ~~فيعرف ما أتيح له من حسن الحظ، ويحمد رفق الله به، ورعاية الله له، وإسباغ نعمته عليه، ~~ويستمسك من أجل ذلك بما قسم له من الخير، ويستمتع من أجل ذلك بما قدر له من النعيم. ~~وأنا أبعد الناس عن التفكير في أن أزهد المترفين في ترفهم وأرغب المنعمين عن نعيمهم؛ ~~لأني أعلم من جهة أني لن أبلغ من ذلك شيئا إن أردته مهما أنفق من الجهد، ومهما أبرع في ~~تدبيج القول وتنميق الحديث، ولأني أعلم من جهة أخرى أن ترف المترفين إنما يأتيهم بحكم ~~القضاء المكتوب والقدر المحتوم، وليس من سبيل إلى تغيير القضاء، أو تبديل القدر، أو إلغاء ~~سنة الله في الناس؛ فالله قد خلق الناس على ما نراهم من هذه الفرقة فيما بينهم، يترف ~~بعضهم حتى يطغيه الترف، وينعم حتى يبطره النعيم، ويحرم بعضهم حتى يضيق به الحرمان، ويشقى ~~حتى ms051 يمجه الشقاء ... ولأني أكره بعد هذا وذاك أن أكون كالثعلب الذي حاول أن يصيب العنب، فلما ~~لم يتح له ذلك عاب العنب وزعم أنه فج بغيض! # وقد خطر لي أن أتخذ لهذا الحديث عنوانا آخر، هو «أم تمام» لا أريد به زوج شاعرنا ~~العظيم، وإنما أريد به زعيمة هذه الأسرة المصرية البائسة، فقد كانت تكنى بأكبر أبنائها. ~~وخطر لي أن أهدي حديث هذه الأم وبنيها الثلاثة إلى البائسين المعذبين الذين مسهم الضر ~~قبل الوباء، وألح عليهم بعد الوباء، حين تخطف الموت أبناءهم وآباءهم وأخواتهم وعائليهم، ~~وتركهم نهبا للشقاء لا يدرون كيف يتقونه، ولا كيف يحتملونه، ولا كيف يخلصون منه، لا ~~لأبغض إليهم حياتهم البائسة وعيشهم النكد، فما ينبغي أن تبغض إلى البائس بؤسه، ولا أن تكره ~~إليه شقاءه، وإنما ينبغي أن تحبب إليه البؤس ليتحمله وليزيد منه إن استطاع، وأن تزين في ~~قلبه الشقاء ليصبر عليه ويمعن فيه إن وجد إلى الإمعان فيه سبيلا، فالبؤس قضاء محتوم على ~~البائسين، كما أن النعيم قضاء محتوم على المنعمين، والشقاء قدر مقدور على الأشقياء، كما أن ~~السعادة قدر مقدور على السعداء. والرجل الحازم العازم الحكيم خليق أن يرضى بالقضاء ~~المكتوب، والقدر المحتوم، يحتمل الخير غير زاهد فيه، ويحتمل الشر غير ساخط عليه. ولأمر ما ~~وصف الشرقيون بأنهم أصحاب إذعان للقضاء، واستسلام للقدر، ورضا بالمكروه، فلنصدق على ~~أقل تقدير قول الغرب عنا وظنه بنا ورأيه فينا؛ ليصطنع المترفون الشجاعة ليحتملوا الترف، ~~وليصطنع البائسون الشجاعة ليحتملوا البؤس، وليصبر أصحاب الثراء على محنتهم بالثراء، وأصحاب ~~الحرمان على فتنتهم بالحرمان، حتى ينتهي أولئك وهؤلاء إلى الموطن الذي لا يكون فيه ثراء ولا ~~حرمان، والذي لا يكون فيه فقر ولا غنى، والذي لا يكون فيه يسر ولا عسر، والذي تتحقق فيه ~~المساواة بين الناس جميعا حين يصيرون إلى تراب كما خلقوا من تراب. # ومهما يكن من شيء فقد ترددت بين هذين العنوانين: المعتزلة، وأم تمام، كما ترددت ~~في إهداء هذا الحديث بين المترفين والبائسين، ثم آثرت آخر الأمر ms052 أن أخير القارئ بين ~~العنوانين، وأن أهدي الحديث إلى الفريقين؛ ففي حديث هذه الأسرة ما يرضي المنعمين ~~والمعذبين جميعا ، وأي مطمع للكاتب أجل شأنا وأعظم خطرا من أن يرضي قراءه على ما ~~يكون بينهم من اختلاف! وفي حديث هذه الأسرة البائسة ما يسخط المنعمين والمعذبين جميعا، ~~وما قيمة الكاتب إذا لم يسخط قراءه على ما يكون بينهم من الاختلاف! وأنا أريد دائما أن ~~أكون كاتبا ذا خطر، فأرضي قرائي وأسخطهم، وأسر قرائي وأسوءهم، وأعجب قرائي حتى يكلفوا ~~بي أشد الكلف، وأغيظهم حتى يمقتوني أعظم المقت، وأنا زعيم للمترفين بأن يجدوا في حديث هذه ~~الأسرة ما يحبب إليهم ترفهم، فيعضون عليه بالنواجذ كما يقال، ويرضون عني كل الرضا؛ وبأن ~~أصور لهم هذا الترف منكرا بشعا، ومذمما بغيضا، فيسخطون علي أشد السخط. وأنا زعيم ~~للمعذبين بأن يجدوا في حديث هذه الأسرة البائسة ما يعلمهم الصبر على المكروه فيرضون ~~عني، وما يلقى في قلوبهم أن حياتهم لا تطاق، وأن من حقهم أن يخرجوا منها إلى حياة ألين ~~جانبا وأرق ملمسا، وأن ليس لهم سبيل إلى هذا الخروج، فيضيقون بي أشد الضيق، وأبلغ بذلك كل ~~ما أريد، وهو أن أرضي القراء وأغيظهم مهما يكن بينهم من التفاوت والاختلاف، فأنا لا أريد ~~إلا هذا، ولا أفكر إلا فيه، وما الذي يعنيني من أن يترف المترفون حتى يقتلهم الترف، ومن ~~أن يشقى الأشقياء حتى يهلكهم الشقاء! لا يعنيني من ذلك شيء؛ لأني رجل من أهل العصر الذي ~~أعيش فيه، وأخص ما يمتاز به هذا العصر الذي أعيش فيه الأثرة وحب النفس، فأنا رجل أثر ~~لا أحب إلا نفسي، ولا أفكر إلا فيها، ولا أعنى إلا بها، وأنا رجل كاتب لا يعنيني إلا أن ~~أملك على القراء أمرهم بما أثير في قلوبهم من رضا وسخط، وبما أشيع في ضمائرهم من حب ~~وبغض، ولست أزدري شيئا كما أزدري إلقاء الدروس في الأخلاق، ولست أنفر من شيء كما أنفر من ~~ترغيب الأغنياء في العطف على الفقراء، ومن تشجيع الأشقياء ms053 على احتمال الشقاء. ما أنا وهذا ~~كله؟ إن الناس من حولي لا يذوقون للتضامن طعما، ولا يعرفون للتعاطف قدرا ، لا يحفل بعضهم ~~ببعض، ولا يفكر بعضهم في بعض، ولا يأسى بعضهم لآلام بعض، فما لي أحمل نفسي من الأعباء ~~ما لا يريد الناس من حولي أن يحتملوا؟ وما لي أدفع نفسي إلى هذا الشذوذ الذي لا خير فيه، ~~ولا خير لأحد فيه؟ وما لي لا أسير سيرة الجيل، ولا أعيش عيشة المعاصرين، ولا أنتفع بقول أبي ~~العلاء: # ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا # تجاهلت حتى قيل إني جاهل # الأثرة - يا سيدي - هي الأساس المتين الذي يقوم عليه نظامنا الاجتماعي البديع، الذي ~~نفتديه بأنفسنا، ونحميه بما نملك وما لا نملك من جهد، فمن أراد الدفاع عن هذا النظام ~~وحياطته وصيانته من أن يعبث به العابثون، أو أن تمسه الخطوب بما لا يحب وبما لا نحب، ~~فليكن أثرا إلى أبعد غايات الأثرة، محبا لنفسه إلى أقصى آماد حب النفس، لا يحفل ~~بالناس إلا بمقدار ما يهيئون له من الخير، وما يحققونه له من المنفعة، وما يبلغونه من ~~الآراب، فإذا بعد الأمل بينه وبينهم، أو خفيت عليه أسرار الصلات التي تجعله محتاجا ~~إليهم وتجعلهم محتاجين إليه، فلا عليه من أن ينكرهم إنكارا ويزدريهم ازدراء، ويمضي في ~~طريقه مستمتعا بطيبات الحياة، غير ملق بالا إلى ما يكتنفهم من الهول، وما يصب عليهم من ~~الهم، وما يسلط عليهم من الكوارث والنكبات. # كذلك نعيش وكذلك يجب أن نعيش. وأيسر انحراف عن هذا اللون من ألوان العيش، وعن هذا النظام ~~من نظم الحياة، خليق أن يجشمنا أهوالا، ويحملنا هموما ثقالا. وكيف تستقيم حياتنا إذا عني ~~أصحاب الترف المترف والثراء العريض بأصحاب البؤس البائس والعذاب الأليم، فذادوا عنهم بعض ما ~~يثقلهم من البؤس، ورفعوا عنهم بعض ما يضنيهم من العذاب، وشغلهم ذلك عن الاستمتاع بلذاتهم ~~والانتفاع بهذه الثمرات الحلوة المرة السائغة الفجة، التي تأتيهم من بؤس البائسين وعذاب ~~المعذبين، وشغلهم ذلك عن أن يجمعوا إلى سخف الحديث حين ms054 يرتفع الضحى، وإلى سخف المتاع ~~حين يقبل المساء، وإلى اللهو واللعب حين يتقدم الليل، وإلى النوم الثقيل حين يهم الصباح ~~بالإشراق؟ إذن تفقد الحياة بهجتها، وتفقد الدنيا زينتها، ويصبح العيش المصري كله نكدا ~~كدرا منغصا، لا صفو فيه ولا عفو ولا جمال. حسب الأشقياء أن تعطف عليهم ألسنتنا، وتنأى ~~عنهم قلوبنا، وأن نرثي لهم بالقول ونقسو عليهم بالفعل، ونخلي بينهم وبين أحداث الزمان ~~ونوائب الأيام، تجرعهم الآلام غصصا، وتعلمهم كيف يكون استعذاب العذاب المر، وإساغة ~~الشر الذي لا يساغ. وأقول هذا كله جادا لا عابثا، فالله قادر على أن يمس الأرض بجناح ~~من رحمته، فيتيح لأهلها جميعا ما يتمنون من الترف والثراء والنعيم، والله قادر على أن ~~يمس الأرض بجناح من نقمته، فيفرض على أهلها ما يكرهون من البؤس والشقاء والعذاب، وما دام ~~الله لم يجعل الناس جميعا سعداء، ولم يجعلهم جميعا أشقياء، وإنما قسم حظوظهم بينهم على ~~هذا النحو الذي نراه، فليس لنا وليس علينا إلا أن نريح أنفسنا، وأن يريح بعضنا بعضا من ~~اللوم والنكير والتثريب، وأن يرضى كل منا بما قسم له من الحظ، وأن يحقق السعيد إرادة ~~الله في الأرض فينعم بالسعادة كأقصى ما يستطيع، وأن يحقق الشقي إرادة الله فيغرق في ~~الشقاء إلى كتفيه أو إلى أذنيه، أو إلى شعر رأسه إن شاء! # وقد يظن القارئ أني قد أسرفت في البعد عن هذه الأسرة المعتزلة، وعن حديث أم تمام، ولكنه ~~يخطئ أشد الخطأ إن ظن بي هذا الإسراف، وهبه يصيب كل الصواب حين يظن بي هذا الإسراف، ~~فليس يعنيني من خطئه أو صوابه شيء، وإنما الذي يعنيني هو أني أنا لا أعتقد أني أطلت ~~المقامات أو انحرفت عن موضوع الحديث، فقد قلت إن هذا الوباء الذي ألم بمصر أذكرني من أمر ~~هذه الأسرة المعتزلة ما كنت ناسيا، ثم ألح علي ذكرها إلحاحا شديدا. وأكبر الظن ~~أني لم أذكر هذه الأسرة البائسة ذكرا متصلا ملحا، ليقف منها عقلي وقلبي موقف الناظر لها ~~المحدق فيها، دون أن ms055 يثير ذلك في العقل بعض الخواطر، ودون أن يثير ذلك في القلب بعض ~~العواطف، ودون أن يشيع ذلك في الضمير بعض الحزن. والكتاب البارعون في الفن يؤخرون خواطر ~~عقولهم وعواطف قلوبهم وأحزان ضمائرهم إلى آخر الحديث، يجعلون من هذا كله عبرة لمن يريد ~~أن يعتبر، وموعظة لمن يريد أن يتعظ، فيجعلون من أنفسهم أساتذة في الأخلاق، ومصلحين ~~لنظم الاجتماع، ويرضون عن أنفسهم بعد ذلك كل الرضا، ويجهلون أن القارئ أشد منهم مكرا ~~وأبلغ منهم دهاء، وأنه يقرأ أول الحديث لما قد يجد فيه من تسلية، أو لما قد يلتمس فيه من ~~تسلية، ويترك آخر الحديث لأنه يضيق بدروس الوعظ والإرشاد والإصلاح أشد الضيق. # ومن الكتاب البارعين من يشيعون خواطر عقولهم، وعواطف قلوبهم، وأحزان ضمائرهم في حديثهم ~~كله منذ يبدءونه إلى حيث يفرغون منه، يتخذون من قصصهم أغشية لهذه المواعظ والعبر، فيخدعون ~~بذلك بعض القراء عن أنفسهم، ولكنهم لا يخدعون القراء جميعا، فلا يكاد الأذكياء منهم ~~يقرءون حتى يستكشفوا مكر الكاتب ويعرفوا حيلته، فيقرءون على كره أو يزورون عن القراء ~~ازورارا. فأما أنا فقد قلت وما زلت أقول: إني لا أريد أن أعلم جاهلا، ولا أريد أن أعظ ~~غافلا ولا أن أنبه ذاهلا، فلست من هذا كله في شيء؛ لأني واثق بأن القراء جميعا ~~علماء لا يمكن أن يرقى إليهم الجهل، أذكياء لا يمكن أن تسعى إليهم الغفلة، متنبهون لا ~~يمكن أن يعرض لهم الذهول، وقلت وما زلت أقول: إني لا أريد أن أخدع أحدا عن نفسه؛ لأني لا ~~أسيء الظن بالقراء، ولا أنظر إليهم على أنهم أطفال يجب أن يلهوا عن الدواء بهذه الأغشية ~~التي تجنبهم مرارته وكراهته، فكيف وأنا لا أقدم إليهم دواء؛ لأني لست طبيبا، ولأنهم ~~ليسوا مرضى، ولأني راض عن حياتنا التي نحياها كل الرضا، مطمئن إليها كل الاطمئنان، معجب ~~بها أعظم الإعجاب، لا أريد أن أغير منها قليلا ولا كثيرا، ولا أحب أن يتغير منها قليل ~~أو كثير. وأول هذا الحديث يدل فيما أظن دلالة واضحة ms056 على أني من المحافظين المتشددين في ~~المحافظة، ومن أصحاب اليمين الذين لا يضيقون بأحد كما يضيقون بأصحاب الشمال. # ومن أجل هذا كله اخترت أن أتحدث إلى القراء في هذا المقال عن أم تمام وأسرتها المعتزلة؛ ~~لأن أم تمام كانت تصور المحافظة الميامنة أبرع تصوير وأصدقه وأقواه؛ فهي كانت من أهل ~~الصعيد الأعلى، وأهل الصعيد محافظون كما يعمل القراء، لم يفسدهم العلم، ولم تنحرف بهم ~~المعرفة عن الطريق القصد، ولم تعلمهم الحضارة وما كثر فيها من البدع أن في الأرض جورا ~~يجب أن يرتفع عنها، وأن في السماء عدلا يحب أن يهبط إلى الأرض ليملأها أمنا ودعة ورضا، ~~وإنما هم قوم يعيشون على فطرتهم، ويرسلون نفوسهم على سجاياها. رأوا الأرض ملعبا لقليل من ~~ملائكة العدل وكثير من شياطين الجور، فأحبوا أولئك وألفوا هؤلاء، ولم يطلبوا من أولئك ولا ~~هؤلاء إلى أن يمضوا فيما استأنفوا من لعب، فإن مسهم من هذا اللعب خير نعموا به، وإن ~~مسهم منه شر شقوا به، غير منكرين ولا معترضين ولا محاولين تغييرا ولا تبديلا، ويقال ~~إن الكاتب يختار أشخاصه على صورته، وقد يقتطعهم من نفسه اقتطاعا، ولولا أن أم تمام كانت ~~غارقة في البؤس والشقاء، ومسرفة في الدمامة والقبح، لقلت إني اقتطعتها من نفسي اقتطاعا، ~~ولكني لست غارقا في البؤس والشقاء، والحمد لله على كل حال. وسيرى القارئ أن صورة أم تمام ~~ليست مني في شيء، فيدله ذلك من غير شك على أني لم أخترعها ولم أبتدعها، وعلى أن خيالي ~~الضعيف الكليل ليس له في حياتها ولا في حياة أسرتها أثر ما، وإنما هي حقيقة واقعة خلقها ~~الله الذي يخلق الحقائق كلها، والذي يقسم بين الناس حظوظهم من الجمال والقبح، كما يقسم ~~بينهم حظوظهم من السعادة والشقاء. # وقد كانت أم تمام هذه غريبة الأطوار من كل جوانبها، حتى إني لا أستطيع أن أختار الطور ~~الذي أبدأ به من أطورها. وربما كان الخير أن أعرض عليك صورة ضئيلة حقيرة للبيت الضئيل ~~الحقير الذي كانت تعيش مع أبنائها ms057 فيه. # فقد كان هذا البيت أشبه شيء بالبقعة القذرة التي تفسد جمال الثوب الجميل النقي، كان ضيقا ~~في الفضاء أشد الضيق، منخفضا إلى الأرض أشد الانخفاض، قد أقيم من هذا الطين الساذج الذي ~~يخلطه الفلاحون بشيء من التبن والقش ويسوونه تسوية مقاربة، ويسمونه في مصر الوسطى «بالطوف»، ~~ثم يجمعون بعض هذه الأطواف إلى بعض حول قطعة من الأرض، يرفعونها في الجو شيئا، ويمدونها ~~في الفضاء شيئا، ويلقون عليها طائفة من سعف النخيل أو من قصب الذرة، ويتخذون لها بابا من ~~خشب رقيق، فتصبح بيتا يأوون إليه ويتقون فيه برد الشتاء وحر الصيف ومطر السماء، إن كان من ~~الممكن لمثل هذا البناء المهلهل أن يقي الذين يأوون إليه بردا أو حرا أو مطرا. وكان بيت ~~أم تمام هذا الصغير الحقير يقوم بين دارين ضخمتين فخمتين، أو قل بين فنائين واسعين لهاتين ~~الدارين، وفي كل فناء من هذين الفناءين قامت أشجار وشجيرات، بحيث هم كل فناء منهما أن ~~يكون حديثة تقوم أمام الدار، ولكنه لم يبلغ أن يكون حديقة، فكان شيئا بين الفناء المهمل ~~والحديقة التي يمنحها الناس شيئا من عناية، ويجدون فيها شيئا من راحة وروح. ولم أدر كيف ~~قام هذا البيت الحقير الصغير بين هاتين الدارين العظيمتين، وقد سألت الناس من حولي عن ~~هذا، كما سألتهم عن مقدم أم تمام وبنيها إلى القرية وإقامتها في هذا البيت، فلم أجد عند أحد ~~منهم جوابا؛ لأنهم كانوا جميعا طارئين على القرية، دعتهم إليها الدائرة السنية، ولأن ~~القرية نفسها كانت طائرة على المكان، أنشأتها فيه الدائرة السنية، فلم يكونوا يعرفون من أمر ~~جيرانهم ولا من أمر قريتهم إلا قليلا أو أقل من القليل. وكانت سيرة أم تمام وبنيها تمنع ~~جيرانها من أن يعرفوا شيئا من أمرها، فقد كانوا يعتزلون الناس اعتزالا غير مألوف. ولكن ~~أوان الحديث عن هذا الاعتزال لم يئن بعد، فقد ينبغي أن تعرف قبل ذلك أم تمام هذه، أو أن ~~ترى صورتها على أقل تقدير، فصورتها خليقة أن ترسم؛ كانت ms058 أم تمام قصيرة مسرفة في القصر، ~~منحنية مسرفة في الانحناء، همت قامتها أن ترتفع في الجو فلم تستطع أن تستقيم، وإنما ~~انعطف أعلاها على أسفلها كأنها خلقت لتلتصق بالأرض التصاقا؛ وكانت من أجل ذلك أشبه بذوات ~~الأربع منها بالإنسان ذي القامة المعتدلة والقد المستقيم، وكانت من أجل هذا إذا مشت خيلت ~~إليك أنها تتدحرج كما تتدحرج الكرة، وكان مشيها بطيئا رفيقا، فكان يشبه حركة الكرة عندما ~~تخف عنها قوة الدفع، فتضطرب مبطئة تسعى إلى السكون. وكان صوت أم تمام نحيلا ضئيلا، وكانت ~~قد فقدت بعض أسنانها، فكان صوتها النحيل يستحيل إذا تكلمت إلى هواء خافت لا يكاد السامع ~~يتميز حروفه إلا في مشقة وجهد. وكان يعيش معها في بيتها ذاك الصغير الحقير غلامان، كاد ~~أحدهما أن يبلغ العشرين، وهو تمام، وجاوز الآخر الخامسة عشرة قليلا، وهو أبو العلاء. ~~وكان تمام وأخوه يعملان في البناء، يحاول تمام أن يكون بناء، ويحمل أخوه الطين والماء ~~وغيرها من الأدوات التي تتصل بعمل البنائين، ويصيب الغلامان من هذا العمل الذي يتصل ~~أحيانا وينقطع أحيانا أخرى، ما يتيح لأسرتهما قوتا يقيم الأود ولا يكاد. # وكانت لأم تمام بنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها، وهي سعدى التي كان الجمال ~~والدمامة يختصمان على وجهها وجسمها كله اختصاما شديدا؛ يريد الجمال أن يستخلصها لنفسه ~~مستعينا بقوة الصبا والشباب، ويريد القبح أن يؤثر بها نفسه مستعينا بالبؤس وما يستتبعه ~~من الحرمان، وكانت الصبية بين هذين الخصمين أشبه شيء بالكرة يتقاذفها اللاعبان. ولم يعرف ~~أحد لهذه الأسرة زعيما، بل لم يعرف أحد كيف هبطت الأسرة من أعلى الصعيد إلى هذه القرية من ~~قرى مصر الوسطى، وإنما كان الناس يتحدثون بأن أم تمام قد نهضت وحيدة أو كالوحيدة تنشئ بنيها ~~الثلاثة، وقد لقيت في ذلك جهدا جهيدا وعناء شديدا، لم تهبط بهم من صعيدها الأعلى إلى ~~قريتنا تلك إلا متنقلة بين المدن والقرى، تقيم في هذه المدينة سنة أو أقل أو أكثر، ~~وتقيم في هذه القرية أشهرا، وفي ms059 هذه القرية أسابيع، وفي هذه القرية أياما قليلة أو كثيرة، ~~حتى انتهت إلى قريتنا تلك، فأقامت فيها وأطالت المقام . # ولم يكن اسم أم تمام أقل غرابة من كنيتها، بل لم يكن أقل من جسمها، فأنت إن أردت أن ~~تنطق به كما كان الناس ينطقون به في القرية قلت «ست أبوها»، وإن أردت أن تنطق به على أصول ~~اللغة الفصحى، قلت «سيدة أبيها» أو «ست أبيها»، كما كان الناس ينطقون في بعض عصورنا ~~القديمة. وكان هذا الاسم يقع من آذاننا موقعا غريبا، وكنا ننطق به على أنه لي كلمة ~~واحدة لا كلمتان، وكنا نسأل أنفسنا عن معنى هذا اللفظ الغريب. # ولم تحاول أم تمام قط، ولم يحاول أحد من بنيها قط الاتصال بالناس إلا حين كانت ~~الضرورة الملجئة تضطرهم إلى ذلك اضطرارا؛ فقد كانوا يحتاجون إلى أن يشتروا الطعام ليقيموا ~~أودهم، وكانت أم تمام تحتاج أحيانا إلى أن تبيع، فقد كان يعرض لها في بعض الوقت أن تخرج ~~إلى الطريق الزراعية العامة، وأن تتلقط من هذه الطريق روث البقر والجاموس، تقطعه قطعا ~~متقاربة، وتجففه على سقف بيتها، وتتخذ منه وقودا لتطبخ إن أتيح لها أن تطبخ، وتبيع فضله ~~بين حين وحين لبعض نساء القرية بالقروش أو بعض القرش، توسع بذلك على نفسها وعلى بنيها، ولم ~~يخطر فيما أعلم لأحد من الموسرين، ولأهل الدارين اللتين كانتا تكتنفان بيتها أن يبروا هذه ~~الأسرة بقليل أو كثير من الخير، لا لأن الموسرين كانوا يبخلون بالمعونة على الذين يحتاجون ~~إلى المعونة، بل لأنهم في أكثر الظن قد هموا أن يبروا هؤلاء الناس، فردوا برهم عليهم ~~في شيء من التعفف الذي لا يحب من الفقراء، فكف الموسرون عن محاولة الرفق بهم والتوسيع ~~عليهم في الرزق. # وأمثال أم تمام في القرى يوسعن على أنفسهن وعلى أبنائهن وأزواجهن أحيانا بالعمل في دور ~~الموسرين والأغنياء، يكسبن من هذا العمل قوت أنفسهن، وفضلا من خير يحملنه إلى البيوت، ~~فيأكل الجائع ويكتسي العريان ويذوق المحروم شيئا من طيبات الحياة، ولكن أم ms060 تمام لم تحاول ~~شيئا من ذلك ولم تفكر فيه، وكأنها قد حرجت على ابنيها أن يحاولا بعض ما يحاول الشباب ~~الفقراء من الاتصال بشباب الأغنياء وأصحاب السعة، فلم يكن الغلامان يشاركان في لعب ولا في ~~جد. وربما رآهما الراءون وقد جلس كل منهما إلى أخيه يخططان في الأرض أو يلعبان لعبة ~~«الطاب»، وكذلك نظر أهل القرية إلى هذه الأسرة على أنها أسرة غريبة ثقيلة سمجة، ليست منهم ~~وليسوا منها في كل شيء. وكان أهل القرية مع ذلك يتحدثون فيما بينهم عن هؤلاء الناس في إشفاق ~~كثير لا يخلو من سخرية، وربما يقسو - إن أمكن أن يكون الإشفاق قاسيا - فيشتمل على شيء من ~~شماتة. كانوا يرون هذين الغلامين يحتملان أشد العناء وأشق المشقة ليكسبا القروش القليلة في ~~بعض الأيام، ويتساءلون كيف تعيش هذه الأسرة من هذا الكسب القليل، وكانوا يرون هذين الغلامين ~~وقد بليت ثيابهما فكشفت عن مواضع من الجسم من حقها أن تستر، ورقعت حتى ملت الترقيع، ~~وكانوا يرون الصبية سعدى في أسمالها البالية، فيرحمون هذا الصبا النضر في هذا الغشاء ~~المبتذل. ويقول بعضهم لبعض: لولا الكبرياء لأصاب هؤلاء الناس عيشا أرق رقة وألين ~~لينا. # أما أم تمام فلم يرها أحد قط إلا ملتفة في شقتها السوداء تتدحرج على الأرض حين تشرق ~~الشمس ساعية إلى الطريق العامة، وتتدحرج على الأرض حين يترفع الضحى أو ينتصف النهار، حاملة ~~ما جمعت من روث، وربما رآها الراءون متبذلة على سقف بيتها تقطع الروث وتسويه، فرأوا منظرا ~~بشعا وشكلا مخيفا. # ويقبل الوباء ولما يبلغ هذا القرن من عمره سنتين، ويلم الوباء بالقرية فيما يلم به من ~~المدن والقرى، ويفجع الناس في أنفسهم وأبنائهم وذوي قرابتهم ومحبتهم، وتكون أم تمام في ~~طليعة الذين يفجعهم الوباء، فهو يختطف ابنيها في أقل من خمسة أيام، وهي مع ذلك هادئة ~~ساكنة مطرقة بجسمها كله إلى الأرض، لا يرتفع لها صوت بالإعوال، ولا ينخفض لها صوت بالنحيب، ~~وإنما هي مقيمة في بيتها، وقد آوت إليها ابنتها كأنما تنتظران أن ms061 يلم الوباء بهما ويختطفهما ~~كما اختطف الغلامين. ولكن الوباء قد أرضى حاجته من هذا البيت فهو لا يعود إليه ، فإذا طال ~~انتظار أم تمام له في غير طائل، نظر الناس فإذا أطوارها قد تغيرت من جميع جوانبها، وإذا ~~حياتها قد بدلت تبديلا، فهي لا تألف بيتها ولا تحب الاستقرار فيه، وإنما تمسك فيه ~~الصبية وتحرج عليها أن تخرج منه، وتنطلق هي مع الشمس المشرقة لتعود إلى بيتها ~~وابنتها حين ينشر الليل ظلمته على الأرض، ويسعى الموت والمرض مستخفين إلى البيوت. # كانت أم تمام تخرج من بيتها حين تشرق الشمس ملففة في شقتها السوداء، مطرقة بجسمها كلها ~~إلى الأرض، فتقف أمام بيتها وقفة قصيرة تستقبل الغرب، وترفع رأسها في تكلف شديد إلى ~~السماء، وتمد بصرها أمامها، ثم تلتفت إلى يمين وإلى شمال تجذب الهواء بأنفها جذبا، كأنما ~~تحاول أن تتنسم رائحة خفية ضئيلة، وقد كانت بالفعل تتنسم رائحة الموت تندفع إلى يمين أو ~~إلى شمال، ثم لا يراها الناس أثناء النهار كله إلا في دار من هذه الدور التي ألم بها ~~الموت وقام فيها المأتم يندبن ويبكين، وكانت أم تمام تصل إلى هذه الدار أو تلك فلا تقول ~~لأحد شيئا ولا تلقي إلى أحد سمعا، وإنما تقصد المأتم الباكيات، وتجلس حين ينتهي بها ~~المجلس، لا ترفع صوتا بإعوال، ولا تخفض صوتا بنحيب، لا تلطم وجهها، ولا تخمش صدرها، ولا ~~تصنع صنيع أحد من هؤلاء النساء، وإنما تجلس ساكنة منعطفة على نفسها، كأنها قطعة من صخر قد ~~سويت على عجل ونحتت في غير نظام، وفاض من عينيها دمع غزيز غير منقطع، كأنه بعض تلك ~~الينابيع الضئيلة التي يتفجر عنها الصخر في الجبال، حتى إذا بلغت حاجتها من البكاء في هذه ~~الدار تركتها إلى دار أخرى، ثم إلى دار ثالثة، وما تزال كذلك حتى ينقضي النهار، لا تكلم ~~أحدا ولا يكاد يكلمها أحد، ولا ترد على الذين كانوا يكلمونها رجع الحديث. # أكانت تبكي ابنيها؟ أم كانت تبكي أبناء تلك الأسرة التي كانت تلم ms062 بها؟ أم كانت تبكي ~~صرعى الوباء جميعا؟ أم كانت تبكي نفسها وابنتها بين الذين لم يصرعهم الوباء؟ وكيف كانت ~~تعيش؟ وكيف كانت تتيح لابنتها الصبية أن تعيش؟ لم يستطع أحد قط أن يعرف من ذلك قليلا ولا ~~كثيرا، لم يحاول أحد أن يعينها، ولم تحاول هي أن تستعين بأحد، وإنما أنفقت أيام الوباء ~~تتنسم ريح الموت حين يسفر الصبح، وتسفح دموعها في منازل الموت أثناء النهار، وتعود إلى ~~بيتها وابنتها حين يقبل الليل. وتنجلي غمرة الوباء، وتخرج أم تمام من بيتها مع الصبح أياما ~~وأياما، فتستقبل بوجهها الغرب تتنسم ريح الموت، فلا يحملها إليها النسيم، فترجع أدراجها ~~وتدخل بيتها وتغلق من دونها الباب، ولا يراها النهار إلا حين تخرج مع الصبح لتتنسم ريح ~~الموت. # ويراها بعض أهل القرية ذات يوم قد خرجت قبل أن يرتفع الضحى، وأخذت بيد ابنتها، وجعلتا ~~تسعيان في بطء نحو الغرب، فيقول بعضهم لبعض: هذه أم تمام قد ملت البطالة، وسئمت السكون ~~وشق عليها وعلى ابنتها الجوع، فخرجتا تلتمسان الرزق وتبتغيان من فضل الله. ولكن النهار لا ~~يكاد ينتصف حتى يأتي نفر من الفلاحين يحملون جثة قد شاع فيها الموت، وجثة أخرى تمتنع على ~~الموت امتناعا، قد رأوا أم تمام تغرق نفسها وابنتها في القناة الإبراهيمية، فأسرعوا إلى ~~استنقاذهما، ولكن الموت سبقهم إلى الشيخة، وسبقوه هم إلى الصبية، وقد دفن أهل الخير أم ~~تمام، وآووا سعدى في هذه الدار أياما وفي تلك الدار أياما، ولكن سعدى خرجت من الماء بلهاء ~~ليس لها حظ من عقل ولا نصيب من صواب، فهي ثقيلة على الذين يئوونها، بغيضة إلى الذين ~~يضيفونها، وما هي إلا أسابيع حتى تلفظها الدور والبيوت، وإذا هي مشردة تسعى ما استطاعت ~~السعي، وتسكن حين تضطر إلى السكون، تراها في هذا الشارع من شوارع القرية مصبحة، وفي هذا ~~الزقاق من أزقتها ممسية، وتراها بين ذلك في الطريق العامة تسعى سعيا رفيقا كأنها ~~السلحفاة، أو تعدو عدوا سريعا كأنها الأرنب. وقد تراها أحيانا جالسة على شاطئ القناة ms063 ~~تنظر إلى الماء كأنها تريد أن تغوص فيه، أو تنظر إلى السماء كأنها تريد أن ترقى إليها. وعرف ~~الناس سعدى البلهاء، ونسي الناس أم تمام، وجعل الناس ينظرون إلى سعدى البلهاء كما ينظر أهل ~~الريف إلى أمثالها؛ يعطفون عليها حينا ويضحكون منها أحيانا، يرثون لها مرة ويقسون عليها ~~مرات. # وسعدى البلهاء على ذلك تعيش وتشب، ويستدير جسمها، ويستقيم قدها، ويسخر البؤس منها فيلقي ~~على وجهها مسحة من جمال، وهي على ذلك حمقاء خرقاء لا تحسن أن تعمل، ولا تحسن أن تقول، ولا ~~تستقر في مكان، وإنما هي متنقلة بين القرى، ترى في هذه القرية يوما وفي تلك القرية يوما ~~آخر، وقد ترى في هذه القرية مصبحة، وفي القرية المجاورة من قرب أو من بعد ممسية، ولكن أهل ~~القرية يرونها ذات يوم فيرون منظرا عجبا من شأنه أن يمزق القلوب حزنا ويفرق النفوس ~~حسرة وأذى، يرون هذا المنظر المؤذي البشع البغيض، فلا يثير في نفوسهم رحمة ولا يجري ~~ألسنتهم بكلمة رثاء، وإنما ينظرون ثم يتضاحكون ثم يتبادلون هذه الألفاظ الغليظة التي تصور ~~سخرية أهل الريف؛ لأنهم يرون سعدى البلهاء تسعى وبطنها يسعى بين يديها، قد عبث بها غول من ~~أغوال الطريق فوضع في أحشائها جنينا، وهي بلهاء لا تفرق بين الغول والرجل، ولا بين الملك ~~والشيطان، ولا تعرف ما يراد بها، ولا تعرف ما تريد إن كان لمثلها أن تريد. # أين مضت سعدى بهذا الجنين الذي كانت تحمله في أحشائها؟ أأتيح لهذا الجنين أن يرى النور أم ~~لم يتح له أن يراه؟ ما خطبه وما خطب أمه؟ لن أحدثك من أمرهما بشيء لأني لم أعرف من ~~أمرهما شيئا، وإنما حدثتك بما وقف عنده علمي، فقد ارتحلت عن القرية قبل أن تبلغني أنباء ~~الجنين وأمه البلهاء، ثم شغلت عن الجنين وعن أمه البلهاء، وأنسيت أم تمام وابنيها، ~~وتقلبت فيما شاء الله أن أتقلب فيه من شئون الحياة خمسة وأربعين عاما. ثم أعود إلى مصر ~~بعد غيبة عنها قصيرة أو طويلة، فأجد فيها ms064 الوباء، وما هي إلا أن أذكر أم تمام وابنتها سعدى ~~البلهاء، وما هي إلا أن أسأل نفسي أيمكن أن يجد الوباء الحديث ما وجد الوباء القديم من حال ~~أم تمام وأشباه أم تمام؟ # يقال إن شئون مصر قد تغيرت، وإن حياة مصر قد صلحت فيما يقرب من نصف قرن، ولكن شئون ~~مصر التي تغيرت، وحياة مصر التي صلحت، لم تمنع الوباء من أن يجدد عهده بزيارة مصر، ~~فمن يدري! لعل تغير الشئون وصلاح الأحوال ورقي النظام الاجتماعي والسياسي، لا يمنع من أن ~~توجد في قرية من قرى مصر العليا أو من قرى مصر السفلى، أو قريبا جدا من القاهرة، أسرة ~~معتزلة كأسرة تمام. # الفصل الخامس # | رفيق # 1 # كان ذلك في ساعة من ساعات الضحى، حين كان النهار يجب أن يبطئ في سعيه ليحبس الصبية ~~والشباب من أهل الكتاب، ويمكسهم في حياتهم تلك التي كانت تخضعهم لعنف سيدنا ومكر ~~العريف، ويؤخر عنهم هذه اللحظة السعيدة التي يؤذن لهم فيها بالانطلاق ليصيبوا غداءهم، ~~والتي كانوا ينتظرونها متشوقين إليها، لا ليرضوا حاجاتهم إلى الطعام، بل ليرضوا حاجاتهم ~~إلى الحرية واللعب. وكان الصبية والشباب من أهل الكتاب يستبطئون ارتفاع الضحى وزوال ~~الشمس، ويخدعون أنفسهم عن هذا الانتظار الشاق البغيض، بنشاط غريب مفاجئ، ترتفع فيه ~~الأصوات بالقراءة وتكثر فيه حركة الأيدي التي تمسح الألواح لتزيل منها ما حفظ أمس، ~~وتكتب فيها ما سيحفظ بعد الغداء. وكان الكتاب في ذلك الوقت أشبه شيء بخلية النحل، ~~كله حركة، وكله نشاط، وكله دوي يرتفع حتى يسمع من بعيد جدا، على ما فيه من تباين ~~الأصوات واختلافها بين أصوات الصبية النحيلة الضئيلة العالية التي لم تثبت بعد، وأصوات ~~الصبية التي أخذت تمتلئ لأن أصحابها قد تقدمت بهم السن شيئا، وأصوات الشباب التي ~~كادت تشبه أصوات الرجال، وكادت تستوفي حظها من الامتلاء، وكانت هذه الأصوات المختلفة ~~المنطلقة في وقت واحد، تحمل إلى الآذان شيئا حلوا رائقا، فيه كثير من الملاءمة ~~والانسجام، يشبه ما تحمله إلى الأذن الأدوات الكبيرة للموسيقى حين ms065 يشتد اختلافها في ~~طبيعة الجرس، وينشأ عن ائتلاف مختلفها جمال يسحر السمع، ويملأ النفس روعة ~~وطربا. # في هذه الساعة من ساعات الضحى، وفي ساعة أخرى من ساعات النهار حين كان المؤذن يوشك أن ~~يدعو إلى صلاة العصر، كانت حماسة الصبية والشباب من أهل الكتاب تبلغ أقصاها، ولم يكن من ~~اليسير أن يظفر سيدنا أو العريف بردهم إلى السكوت دون أن يصفق تصفيقا قويا، ~~ويخرج من حلقه صوتا كأنه الرعد يقرع الآذان ويفجأ النفوس، فيعقد الألسنة عن النطق، ~~ويكف الأيدي عن الحركة، ويعقل التلاميذ في صمت أبله، وسكون أحمق، ووجوم غريب. # في ساعة من تلك الساعات، وقف على عتبة الكتاب بين شقي الباب رجل تجاوز الشباب ~~ولكنه لم يمعن في الشيخوخة، وعليه مظهر الثروة وارتفاع المنزلة، يعرف ذلك من لباسه ~~الأنيق، ووجهه الذي تشرق فيه الثقة وتظهر عليه الكبرياء. وكان الرجل مرتفع القامة، مهيب ~~الطلعة، ظاهر النعمة، يدل منظره على أنه راض عن نفسه كل الرضا، مستقر في الحياة كل ~~الاستقرار، لا يخاف شيئا ولا يشك في شيء، ولا يعرف التردد ولا الاضطراب، وأكبر الظن ~~أنه كان ضابطا من ضباط الجيش وقتا ما، ثم تحول عن الحياة العسكرية إلى الحياة ~~المدنية، فانتقل إلى هذه الحياة الجديدة محتفظا بعاداته وتقاليده العسكرية كلها أو ~~أكثرها، وأكبر الظن أنه لم يكن مصري الأصل، وإنما كان تركيا تمصر هو أو ~~تمصرت أسرته، فقد كان يحمل في وجهه وفي شكله كله شيئا لا أدري ما هو، ولكنه يبين ~~أنه ليس من المصريين، ويباعد بينه وبين المصريين مباعدة ما، ويثير في نفوس المصريين إذا ~~رأوه من قريب شيئا غريبا فيه إكبار له، وفيه استخفاف به. # وكان هذا الرجل حين وصل إلى الكتاب، قد أعطى كلتا يديه لصبيين يكتنفانه ويسعيان ~~معه سعيا رفيقا، فأما أحدهما عن يمينه فقد كانت على وجهه سحابة رقيقة من حزن، وأما ~~ثانيهما عن شماله فقد كان باسم الثغر مشرق الوجه يكاد يخرج من جسمه قوة ونشاطا، فلما ~~بلغ باب الكتاب ومن حوله هذان ms066 الصبيان ألقى تحيته، فسمع أهل الكتاب صوتا لم يسمعوا ~~مثله قط في قريتهم، صوتا ضخما عريضا ممتلئا، أغنى سيدنا وأغنى العريف عن التصفيق ~~والزئير، فقد قرع آذان التلاميذ وفجأ نفوسهم، وعقلهم في هذا السكوت الأبله، وفي هذا ~~السكون الغريب، ووثب بسيدنا كأنما دفعه دافع، فإذا هو قائم على دكته قد أعجل حتى عن أن ~~يقوم كما تعود أن يفعل في مهل وأناة، وقد رد التحية على صاحبها في شيء من وجل، ثم ~~دعاه إلى أن يتفضل بالجلوس، وتنحى له عن موضعه في صدر المكان، وشكر الزائر لهذا ~~الشيخ احتفاءه به ودعاءه له إلى الجلوس، ولكنه أبى أن يدخل وأبى أن يجلس، وقال في صوته ~~ذاك المهيب المخيف: «إني حديث عهد بهذه المدينة، لم أصل إليها إلا منذ يومين، وقد عرفت ~~أن كتابك هو خير ما فيها من الكتاتيب، فأحببت أن أقود إليه ابني هذين، وأن أكل ~~إليك تعليمهما؛ فأما أحدهما فهو هذا - وقدم الصبي الذي كان قد أعطاه يده اليمنى - ~~فقد فقد بصره إلا قليلا، فهبه كل عنايتك وأحفظه القرآن، فإني قد وهبته ~~للأزهر، وأما ثانيهما فعفريت ما أراه يصلح إلا للمدرسة، فأمسكه في الكتاب حتى لا ينسى ~~من الكتابة والقراءة ما تعلم، وأحفظه شيئا من القرآن، وخذه بشدة إن أبى إلا أن ~~يكون عفريتا في الكتاب كما هو عفريت في البيت.» ثم دفع من فمه ضحكا عريضا ما أظن ~~إلا انه روع بعض القلوب في صدور أولئك الصبية الصغار، ثم تقدم خطوة وأخذ بيد ~~سيدنا فوضعها على كتف أحد الصبيين وقال: «هذا هو الأزهري.» ثم رفع يد سيدنا عن كتف ذلك ~~الصبي ووضعها على كتف الصبي الآخر وهو يقول متضاحكا: «وهذا هو العفريت.» ثم قال ~~لسيدنا: «أما الأزهري فاسمه عثمان، وأما العفريت فاسمه محمود. أتريد أن أتركهما لك منذ ~~الآن؟ أم ترى أن أعود بهما اليوم على أن يستأنفا سعيهما إلى الكتاب إذا كان الغد؟» ~~وهم سيدنا أن يجيب، ولكن الرجل لم يمهله وإنما قال: «سأستصحبهما اليوم وسيسعيان إلى ms067 ~~الكتاب منذ غد، ولا تطلقهما للغداء فسيحمل إليهما غداؤهما كل يوم، ولا تطلقهما إذا ~~صليت العصر حتى يأتي من يصحبهما إلى الدار، فإنهما غريبان لا يعرفان طريق المدينة ~~بعد، وليست الدار قريبة من الكتاب.» ثم ألقى تحيته بصوته ذاك المرعب المخيف، وأدار ~~ظهره منصرفا لم ينتظر أن ترد عليه تحيته. وما أحسب إلا أنه قد سمع هذا الضحك الذي ~~اندفع الكتاب كله فيه، والذي لم يستطع سيدنا ولا العريف أن يكفا عنه التلاميذ، إلا ~~حين أذنا لهم بالانطلاق ليصيبوا غداءهم، على أن يذكروا أن من تأخر منهم عن موعده ~~فلن تعفى رجلاه من هذا النصيب المعلوم من العذاب، الذي لم يكن يقل عن خمسة سياط، ~~وربما بلغ العشرين سوطا. # وقد رضي سيدنا ورضي معه العريف عن يومهما، وعما ساق الله إليهما من الخير فيه، فقد ~~كان هذا الرجل موظفا كبيرا طرأ على المدينة منذ أيام، ولم يكن شك في أنه ضابط تركي ~~قديم من ضباط الجيش، يظهر ذلك في حديثه، وفي عربيته التي تبرأ من الرطانة والتكسر، ~~ولكنها لا تمضي مستقيمة إلى غايتها، وإنما يثقل بها لسانه ويتعثر بها منطقه، بل زعم ~~العريف أن زوجه تركية خالصة لا تتكلم العربية إلا في مشقة شاقة وجهد شديد، وهي إذا أتيح ~~لها أن تتكل العربية التوى لسانها بها التواء شديدا، وهي تؤنث المذكر، وتذكر ~~المؤنث، وتفعل ببعض الحروف العربية الأفاعيل. وزعم العريف أن لهذين الصبيين أختين قد ~~بلغتا طور الشباب وظفرتا بحظ من جمال لا يتاح إلا للترك أو من يشبههم أو يقاربهم من ~~الأوربيين. وقد سمع سيدنا لكل هذا الكلام غير حافل به ولا آبه له، وآية ذلك أنه لم ~~يرد على العريف إلا بقوله: «ما أظنه يدفع أقل من عشرين قرشا في الشهر أجرا لتعليم ~~ابنيه.» # وكان في الكتاب صبي لم ينطلق مع التلاميذ ليصيب غداءه؛ لأنه كان من الذين يحمل ~~إليهم الغداء في الكتاب، وقد سمع حديث الأب إلى سيدنا، وسمع حديث سيدنا والعريف عن ~~الأب وابنيه وعن الأسرة ms068 كلها، فوعي هذا كله في صدره وحفظه في نفسه، ولم يكد يبلغ داره ~~بعد أن صليت العصر حتى أعاد إلى أمه ما سمع من حديث، وسألها عن هذه الأسرة، فقالت ~~باسمة: «إنها أسرة المأمور الجديد، وستزورنا السيدة وابنتاها بعد حين، فاحذر أن تقع عين ~~إحداهن عليك.» # 2 # ولم يرتفع الضحى من الغد حتى كان الصبي قد تعرف إلى زميليه في الكتاب، عرفه ~~إليهما سيدنا؛ لأنه كان يحب أن يؤلف بين الأسر التي تستمتع بحظها من الامتياز، ولأن ~~هذا الصبي كان حافظا للقرآن مجودا له، فلم يتردد سيدنا في أن يكلفه إقراء الصبي ~~الأزهري، وقال له وقد أخذ بيده الصغيرة فوضعها على لحيته الغزيرة: «لقد وكلت إليك ~~ذقني، فأحفظ هذا الصبي ما حفظت وأجد إحفاظه، ولا تفضحني عند أبيه الموظف الجديد ~~الكبير، وقدر أني وكلت إليك عملا كنت خليقا أن أنهض به أنا، أو أن أكله ~~إلى العريف.» وقد وجد الصبي في نفسه شيئا من الكبرياء، فقد أصبح معلما بعد أن كان ~~متعلما، وأصبح مقرئا بعد أن كان قارئا، ووجد في نفسه شيئا من الفرح والابتهاج ~~لاتصال الأسباب بينه وبين هذين الزميلين المترفين اللذين يلبسان اللباس الأوروبي، ~~ويضعان على رأسيهما الطربوش، ولا يلبسان هذه الثياب الفضفاضة القذرة التي كان يلبسها ~~التلاميذ من أهل المدينة، واللذين ينتميان إلى أسر تركية ولا ينحدران من هذه الأسر ~~التي تأتلف من التجار والفلاحين. وقد أقبل الصبي على عمله، فطلب إلى تلميذه أن يتلو ~~عليه ما حفظ من القرآن في القاهرة، ثم اتخذ هذا نفسه سببا للسؤال عن كتاتيب القاهرة ~~كيف تكون، وعن سادة هذه الكتاتيب كيف يسيرون مع التلاميذ، وعن مذاهب هؤلاء السادة في ~~تأديب تلاميذهم ووسائلهم إلى هذا التأديب، والأدوات التي يصطنعونها فيه. وكان الصبي ~~يسمع أحاديث تلميذه كلفا بها متهالكا عليها، يكاد ينسى في سبيلها ما وكل إليه من ~~إقراء هذا التلميذ، لولا أنه كان يذكر من حين إلى حين يده الصغيرة في اللحية الغزيرة، ~~وصوت سيدنا الغليظ وقد تكلف الرقة والرفق، وهو ms069 يلفته إلى أنه يكلفه عملا خطيرا ~~كان خليقا أن ينهض به هو أو أن يكله إلى العريف، فكان ذلك يرده إلى القصد ويحمله على ~~أداء الواجب. # وكان النهار يمضي ساعة للقراءة وساعة للحديث، ثم ازدادت الأسباب بين الصبي وزميله ~~متانة واتصالا، فكان الثلاثة يخرجون من الكتاب إذا صليت العصر، فيذهبون معا ~~إلى بيت الصبي قليلا وإلى بيت الزميلين غالبا، وكان البيت أنيقا مترفا في نفس الصبي ~~يملأ قلبه حين يدخله روعة وكبرا. كان قائما على القناة ليس بينه وبين الماء إلا هذه ~~الطريق الضيقة التي يسعى فيها الناس ودوابهم بين المدينة والقرية، وقد انبسطت من وراء ~~سوره المرتفع الذي تكسوه الأغصان الخضر والزهر النضر حديقة عميقة مترامية الأطراف، عن ~~يمين وشمال، تقوم الدار من ورائها مطمئنة لا ترتفع في السماء إلا قليلا، ولكنها تمتد ~~في الفضاء وتكثر فيها الحجرات، وكان الذي يفجأ الصبي من أمر هذه الدار ويملأ قلبه رضا ~~وإعجابا، أنه كان إذا عبر إليها الحديقة العميقة ودخل الدهليز الذي ينبسط بين الحجرات، ~~لم يمش على أرض من تراب، وإنما يمشي على أرض قد بسط فيها البلاط، وكثيرا ما راعه ~~أنه كان يرى الخادم تغسل هذه الأرض غسلا وتنقيها تنقية، ولا ترش عليها الماء رشا ~~ليستقر ترابها فلا يثور. # وكان مما يملأ قلب الصبي رضا وإعجابا أنه كان لا يكاد يدخل الدار مع زميليه حتى ~~ينعطفوا إلى يمين، ويأووا إلى حجرة خاصة لا يسكنها أحد من أهل الدار، ولا يطرقها أحد ~~غير هذين الصبيين، قد خصصت لهما يلعبان فيها، وجمعت لهما فيها أدوات كثيرة ~~مختلفة غريبة للعب، وأسندت إلى جدرانها كراسي ومجالس يستريح عليها الصبيان ومن ~~يلاعبهما من الرفاق، فهما لم يكونا يجلسان على الأرض ولا يلعبان في الفضاء المنبسط أمام ~~الدار، ولا يتعرض لعبهما لضحك الكبار منه أو مشاركة الواغلين من الأطفال فيه، كان ~~لعبا مترفا في حجرة مترفة ليس للصبي بمثله عهد، وكان ثلاثتهم إذا وصلوا إلى الدار لا ~~يكادون يستقرون في حجرتهم تلك حتى تلم ربة ms070 الدار وآنسة من الآنستين، فيكون الحديث ~~الرفيق والحنان الرقيق والدعابة العذبة، ثم يخلو الصبية بعد ذلك إلى لعبهم، فينفقون ~~فيه ما شاء الله من وقت يقصر أو يطول. # وكانت ربة الدار سيدة كريمة، فقد تقدمت بها السن شيئا، ولكنها كانت حلوة ~~الشمائل، عذبة الحديث في لهجة عربية غريبة، ضعيفة أشد الضعف، ملتوية أعظم الالتواء، ~~وكان حديثها ذاك الملتوي المتعثر البطيء يسحر نفس الصبي ويملأ قلبه فتونا. فأما ~~الآنستان فقد كانت كبراهما «تفيدة» رائقة الحديث، شائقة الدعابة، متكسرة اللفظ، ~~تتكلم فيخيل إلى السامع أن عهدها بالنوم غير بعيد، وكانت على ذلك ماكرة حديدة ~~اللسان، لاذعة النكتة، بطيئة الحركة، قليلة النشاط، وكانت أختها الصغرى «إقبال» جذوة من ~~نشاط، لا تنقطع لها حركة ولا يستقر لسانها في فمها، وهي على ذلك حلوة المحضر، مشغوفة ~~باللعب، لو أطلقت لها حريتها لما فارقت الصبية ولا زهدت في لعبهم، ولكن الدار كانت ~~منظمة أدق النظام وأشقه، فلم يكن يتاح لهاتين الآنستين إلا قليل من فراغ بين حين ~~وحين. وقد نعم الصبي بهذه الحياة وقتا لا يذكر أطال أو قصر، ولكنه يرى ذات يوم في ~~الدار حركة غير مألوفة، ويخيل إليه أن في الجو شيئا لا يلبث أن يعرف ما هو، فقد ~~خطبت تفيدة، وما هي إلا أسابيع حتى يقبل قوم من القاهرة، وحتى تقام في الدار أعياد، ~~ثم يعود الزائرون من حيث أتوا وقد استصحبوا تفيدة، ففقدت الدار من جمالها وبهجتها شيئا ~~غير قليل. # والحياة مع ذلك ماضية في طريقها في هدوئها المتصل واطرادها الممل، والصبي ناهض ~~بواجبه، يحفظ زميله القرآن، ويشاركه في اللعب، ويخوض معه في فنون الحديث، ولكن ~~محمودا يتحول من الكتاب إلى المدرسة المدنية، فيفقد الكتاب بانصراف العفريت عنه ~~من بهجته شيئا غير قليل. ويخلو الصبي إلى زميله وتلميذه عثمان يعلمه ويلاعبه، ولكن ~~السأم يسعى بينهما، وإذا بالصبي ينصرف عنه قليلا قليلا، ويشغل شيئا فشيئا برفاق ~~آخرين من أهل المدينة، يعرضون عليه فنونا جديدة من اللعب، ويلقون إليه ألوانا طريفة ~~من الحديث، ويقرءون ms071 معه كتبا لا عهد لأبناء الكتاب بها، ولا أرب لهم في قراءتها، ~~والصبي مع ذلك يلقى رفيقيه المترفين في داره حينا وفي دارهما حينا آخر، ثم يسمع ~~ذات ليلة أبويه يتحدثان في شيء من الحزن وفي شيء من السخرية أيضا بأن الضابط التركي ~~القديم من ضباط الجيش قد سافر إلى القاهرة، فأقام فيها أياما، ثم عاد ومعه سيدة تركية ~~لم تبلغ الثلاثين بعد، لها حسن رائع، وجمال بارع، وفتنة فاتنة، وتسلط على الضابط ~~الشيخ عظيم، وأن تلك الدار المترفة الأنيقة التي كانت جنة من جنات النعيم، قد أصبحت ~~مستقرا للحزن والبؤس والشقاء، قد أصبحت جحيما تصلى فيه أم البنين نار الحزن ولوعة ~~الغيرة، ويشقى فيها هؤلاء الثلاثة بما يرون من حزن أمهم وبؤسها وبكائها المتواصل، ~~واعتكافها في حجرة لا تبرحها إلا أن تكره على ذلك إكراها، كما يشقون بهذا النعيم ~~العظيم يستمتع به الضابط وزوجته الشابة في طرف من أطراف الدار. كانا يستخفيان بسعادتهما ~~أول الأمر فينعمان من وراء الأبواب المغلقة والأستار المسدلة، ولكن السعادة جمحت بهما ~~حتى تجاوزا القصد، وأكبر الظن أن شقاء الأشقياء، هو الذي أذكى سعادة السعداء. وكأن ~~الزوجين السعيدين قد رأيا في اعتكاف تلك المعتكفة وبكائها المتصل، وفي هذه الوجوه ~~العابسة الكئيبة من حولها، وفي خفوت تلك الأصوات التي كانت تكلأ الدار فرحا ومرحا، ~~وفي سكون تلك الحركات التي كانت تملأ الدار بهجة وسرورا، كأنهما رأيا في هذا كله ~~احتجاجا على ما أتيح لهما من سعادة، وإنكارا لم سيق إليهما من نعيم، فقبلا التحدي، ~~وأظهرا ما كانا يضمران، وأعلنا ما كانا يسران، وظهرت سعادتهما وقحة، مسرفة في ~~القحة، لا تتحفظ ولا تحتشم ولا ترجو لشيء وقارا، فالقبل تختلس في هذه الزاوية أو ~~تلك في غير احتياط أول الأمر، ثم هي لا تختلس ولا يستخفى بها، وإنما يتهاداها ~~الزوجان أمام هذه الكاعب البائسة، وبمنظر من هذين الغلامين الشقيين، وغير بعيد من ~~هذه الأم التعسة المحزونة، ثم تتجاوز القحة حدودها، ويتعمد الزوجان المفتونان إيذاء هذه ~~المرأة الكئيب، فينتهزان ms072 الفرص ليظهرا لها سعادتهما بشعة ليس لها حظ من تحفظ أو ~~استحياء. # ويتحدث الناس ذات يوم بأن هذه الأم البائسة عليلة لا تخرج من حجرتها ولا تترك ~~فراشها، ثم يأتي النبأ ذات صباح بأنها قد فارقت الحياة، فأراحت واستراحت وتركت في قلب ~~أبنائها سعيرا أي سعير. وقد استقرت هذه الأم البائسة في قبرها المتواضع من وراء النهر، ~~وجلس صاحب الدار للمعزين يستقبلهم كما تعود الناس أن يفعلوا، وقد مرت الليلة ~~الأولى كما تعودت ليالي العزاء أن تمر؛ أقبل المعزون فسلموا وجلسوا وسمعوا القرآن، ~~وانصرف فوج منهم ليخلفه فوج آخر، ثم ختمت القراءة حين أوشك الليل أن ينتصف. # ثم أقبل اليوم الثاني وأقبل معه القراء يتلون القرآن، وأقبل الناس يعزون ويستمعون ~~ويخوضون في مختلف الأحاديث، وإنهم لفي ذلك بعد أن صليت العصر، وإذا امرأة شابة ~~تخرج من الدار وتتوسط جمع الناس هادئة مطمئنة رزينة الخطو، سافرة لم تلق على ~~وجهها نقابا، وقد اتخذت في إحدى يديها حقيبة صغيرة، فلما توسطت الجمع وجم الناس، ~~وهم صاحب الدار أن ينهض ولكن الوجوم أخذه هو أيضا فأثبته في مكانه، وارتفع صوت ~~تفيدة هادئا رزينا، فقطع المقرئ قراءته واستمع لها الجمع كأن على رءوسهم الطير، وإذا ~~هي تقول: «من ظن منكم أنه أقبل للتعزية والمجاملة فليغير ذات نفسه ودخيلة ضميره، ~~فليس هذا حفل عزاء وإنما هو حفل فرح وابتهاج. إن هذا الرجل الذي تعزونه قد قتل امرأته ~~وابتهج بموتها، لم يرع حرمتها، ولم يرع حياء ابنته الكاعب، ولم يرع صبا غلاميه ~~الصغيرين، وإنما ازدرى هذا كله في سبيل سعادته بزوجه الجديدة؛ فكان يداعبها ويلاعبها، ~~وينال من مداعبتها وملاعبتها في الجهر ما لا يناله الرجل الكريم ذو المروءة إلا سرا، ~~وكنت في القاهرة لا أعلم من ذلك شيئا، فلما أقبلت لدفن أمي سمعت، فأنكرت أذناي ~~ولم يصدق قلبي، ولكن أشهد وأشهدكم أني رأيت ورأى إخوتي، وفيهم كاعب وصبيان، هذا ~~الرجل يداعب امرأته الشابة ويلاعبها راضيا مغتبطا مسرورا ولم يمض على دفن أمنا ~~إلا يوم وبعض اليوم، ms073 فإن رأيتم بعد ذلك أن هذا الرجل محتاج إلى تعزيتكم فأقيموا، وإلا ~~فانصرفوا راشدين.» # ثم تحولت عن الجمع فلم تدخل الدار ، وإنما أخذت طريقها إلى المحطة لتركب القطار ~~الذي يحملها إلى القاهرة. # ولست أدري ماذا كان من أمر الجمع المحتشدين بعد هذه الفضيحة، ولكني أعلم أن استقبال ~~المعزين لم يبلغ أيامه الثلاثة، وأن هذا الضابط التركي القديم من ضباط الجيش لم يستطع ~~أن يقيم في المدينة إلا ريثما يدبر أمر سفره، وأنه ارتحل ذات يوم بما كان يحيط به من ~~نعيم وجحيم، فانقطعت بينه وبين المدينة الصلات والأسباب، لم يسمع أهل المدينة عنه شيئا ~~ولم يسمع هو عنهم شيئا. # 3 # ومضت الحياة في طريقها هادئة مطمئنة، تعبث بالناس ويعبث الناس بها، ويعفي ما يقبل ~~من أحداثها على آثار ما أدبر من الخطوب. وقد هاجرت أسرة الصبي من المدينة إلى أعلى ~~الأرض، وهاجرت أسر أخرى إلى أدنى الأرض، وشغلت كل أسرة بنفسها عن غيرها، وشغل كل ~~واحد من أبناء الأسرة الواحدة بشأنه الخاص عن شئون أهله وذويه، ومضت أعوام تبعتها ~~أعوام، وبلغ الصبي طور الشباب بعد أن خاض إليه غمرات الخطوب، ولكنه يحس ذات مساء بين ~~درسين من دروس الجامعة القديمة يدا تمس كتفه، وصوتا يمس أذنه، وتقع في نفسه هذه ~~الجملة: «ألا تذكرني! لقد كنت معك في الكتاب. أنسيت العفريت؟!» # بلى، لم أنس العفريت وهيهات أن أنساه، وقد استأثر من قلبي ذاك الناشئ بمكان ممتاز ~~لم يبلغه أحد من إخوته كما لم يبلغه أحد من رفاق الصبا، أولئك الذين عرفتهم في الكتاب ~~أو عرفتهم خارج الكتاب، أولئك الذين اتصلت بينهم وبيني أسباب المودة أيام الصبا، ~~فكانت عشريتي لهم طويلة أو قصيرة. بلى لم أنس العفريت، وقد حدثت نفسي غير مرة ~~حين هبطت إلى القاهرة لأطلب العلم في الأزهر الشريف، بأن من الممكن أن ألقاه أو ألقى ~~أخاه فأجدد من أسباب المودة ما رث، وأصل منها ما انقطع، وأنقل من صباي في ~~المدينة إلى القاهرة طرفا أستبقيه وأنميه، وأجد في استبقائه ms074 وتنميته رضا القلب ومتعة ~~النفس وسعادة الضمير، ولكني اختلفت إلى الأزهر أعواما وأعواما، وعرفت فيه كثيرا من ~~الصبية والشباب والشيوخ، دون أن ألقى العفريت أو أخاه أو أسمع عنهما قليلا أو كثيرا، ~~ولم أبح لنفسي أن أسأل عنهما أحدهما أو كليهما، ولو قد سألت لكان من الممكن أن أصل ~~إلى هذا الأزهري الذي كنت أحفظه القرآن أيام الصبا، وأن أصل من طريقه إلى أخيه ~~العفريت. لم أبح لنفسي أن أسأل، وما أقل ما كنت أبيح لنفسي السؤال! وما أكثر ما ~~صرفني الحياء عن السؤال والاستقصاء! # ثم أنفقت في الجامعة عاما وعاما وعاما ثالثا، ولقيت من الطلاب من درس في الأزهر، ~~ومن تعلم في المدارس المدنية على اختلافها، وخطر لي غير مرة أن أسأل عن العفريت ما ~~خطبه، وأين يكون؟ ولكني لم أبح لنفسي هذا السؤال، فحفظت في قلبي من ذكر العفريت ما ~~كنت أردده على نفسي حينا بعد حين، أختصها به ولا أظهر عليه أحدا من الناس، حتى ~~أقبل علي العفريت ذات مساء فمست يده كتفي، ومس صوته أذني، ومست نفسه نفسي، ~~واستأنفنا في الشباب حياتنا كما ألفناها في الصبا. كان حديث عهد بالجامعة، يدخلها في ~~أول العام الذي كنت أريد أنا أن أتركها في آخره، فكنا نجتمع وجه النهار، لا في داره ~~تلك، وأين كنا من داره تلك! ولكن في تلك الحجرة المتواضعة التي كنت آوي إليها أثناء ~~الطلب، ولم يخطر له قط أن يدعوني إلى داره، ولم يخطر لي قط أن أسأله عن هذه الدار، ~~ولقد هممت أن أسأله عن إخوته فأجابني من طرف اللسان، فلما استزدته راغ عني بالجواب، ~~وانتقل إلى حديث آخر؛ فأحسست أنه يستحي من أسرته، فلم أسأله عنها بعد ذلك. # كان قد تخرج في إحدى المدارس الفرنسية، وظفر بشهادة الثانوية والتحق بالجامعة، ~~وكنت أحاول أن أتعلم هذه اللغة الأجنبية، وأبذل في ذلك جهودا مختلطة أشد الاختلاط، ~~منها الموفق ومنها غير الموفق، وكان هو مشغوفا بالترجمة من هذه اللغة إلى اللغة ~~العربية، فكان يقرأ علي ms075 بعض ما كان يترجم، وكان يقرأ لي ما كنت أريد أن أعرف من ~~الأدب الفرنسي. وقد أنسى أشياء كثيرة، ولكنني لن أنسى أنه قرأ لي أساطير لافونتين، وقصة ~~«كانديد»، وأحاول أن أذكر كيف قضينا أول الليل بعد خروجنا من الجامعة ذات يوم، وأين ~~قضيناه، ولكني لا أجد إلى ذلك سبيلا، وإنما أذكر أني صرفت خادمي وبقيت معه على أن ~~يردني إلى داري بعد أن نفرغ مما أردنا إليه، ولست أعرف ما هذا الذي أردنا إليه، ولكني ~~أعرف أن الليل بلغ نصفه، وأنا كنا بعيدين عن داري قريبين من داره في حي من ~~الأحياء الوطنية المتواضعة، فقال لي في صوت متكسر: «لننفق سائر الليل معا، فنقرأ ما ~~أطقنا السهر، ثم تعود إلى دارك في ضحى الغد.» وقد أجبته إلى ما أراد، فدرنا في حارات ~~ملتوية وانتهينا إلى دار متواضعة حقيرة، وأوينا من هذه الدار إلى حجرة بائسة قد ألقي ~~عليها حصير بال، وألقي على الحصير وسادة ولحاف، في هذه الحجرة قرأ لي جزءا عظيما ~~من «كانديد»، ولم ننم إلا بعد أن جاوز الليل ثلثيه، فلما كان ضحى الغد عدت إلى داري ~~واستبقيته معي إلى آخر النهار، وفي تلك الليلة فهمت مصدر هذا الحياء الذي منعه أن ~~يتحدث إلي من أمر أسرته بشيء. # ومضت أشهر الصيف التي يفترق فيها الطلاب، وأقبلت أشهر الخريف التي يلتقي فيها ~~الطلاب، ولقيت صاحبي فيمن لقيت، ولكنه كان لقاء قصيرا؛ فقد سافرت إلى فرنسا في خريف ~~ذلك العام، وودعت صاحبي في القطار. وأشهد ما نسيته أثناء ذلك العام الذي قضيته في ~~فرنسا، وأشهد لقد عدت إلى مصر حين دعتنا الجامعة إلى أن نعود قبل أن نتم الدرس، وفي ~~نفسي أني سأجد عند صاحبي هذا عزاء عن هذا الدرس المقطوع، ولكني أصل إلى القاهرة، وأسأل ~~عن صاحبي، فأعلم أن حمى التيفوئيد قد أسلمته إلى الموت أثناء الصيف. # وما أريد أن أصور للقارئ ما وقع في نفسي من حزن ولوعة، فإني لم أكتب هذا الحديث ~~لشيء من هذا، وإنما ms076 أذكر أني سعيت مع رفيقين لي ذات يوم بعد أن صليت العصر إلى قرافة ~~المجاورين حيث قيل لي إنه دفن، وأني أنفقت مع رفيقي وقتا طويلا وجهدا ثقيلا ~~نلتمس قبره لنهدي إليه التحية ولنضع عليه شيئا من زهر، فلم نهتد إلى هذا القبر، ~~فعدنا يائسين وقد ألقينا التحية إلى قبور القرافة كلها، وألقينا الزهر على قبر ما في ~~قرافة المجاورين، وكنت كئيبا كاسف البال مظلم النفس معقود اللسان، وكان أحد ~~رفيقي يهون علي، وينشدني قول الشاعر العربي القديم: # لقد لامني عند القبور على البكا # رفيقي لتذراف الدموع السوافك # فقال أتبكي كل قبر رأيته # لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك # فقلت له إن الشجا يبعث الشجا # فدعني فهذا كله قبر مالك # الفصل السادس # | صفاء # «كان ذلك ممكنا في تلك الأيام السود، فأما الآن فقد يسر الله الأمور، وأتاح لنا أن ~~نخرج من ظلمة البؤس والشقاء، إلى نور النعيم والرخاء، فلست أحب أن أخوض، ولا أن تخوضي في ~~هذا الحديث.» وهمت حنينة أن تتكلم ولكن ابنها نصيفا أعرض عنها بوجهه، ونأى عنها ~~بجانبه، وأشعل سيجارته في شيء من أنفة، ونهض في شيء من كبرياء ومضى أمامه، فترك الحجارة ~~وترك الدار كأنه لم يخلف فيهما أحدا. وظلت حنينة صامتة مبهوتة، ثم كفكفت دموعا كانت ~~تريد أن تسيل، ثم حزمت أمرها وقدرت في نفسها أنها ستراجع ابنها في هذا الحديث، ونهضت ~~فأقبلت على أعمال الدار كأن لم يكن بينها وبين ابنها شيء. # وقد استوفيت فيما أظن ما ينبغي أن يستوفيه الكاتب حين يريد أن يستأنف قصة خطيرة أو ~~يسيرة، فألقيت إلى القراء هذه الجملة الغامضة التي لا يذكر فيها الفاعل ولا المبتدأ إلا ~~متأخرا، لأثير في نفوسهم هذه الغرابة التي تدعو إلى الاستطلاع، ثم ذكرت بعد هذه الجملة ~~اسم حنينة وابنها نصيف لتزداد حاجة القراء إلى هذا الاستطلاع، ثم فرقت بين الأم وابنها ~~على هذا النحو الغريب المريب، فبينهما حديث لا يريد الفتى أن يتصل وتحرص الأم على أن يتصل، ~~وهذا الحديث يمس الماضي المنكر ms077 الذي خرجت منه الأسرة، ويريد الفتى أن تنساه، وتريد الأم أن ~~تفي له وتحرص عليه، وآية ذلك أنها تكفكف الدمع وتقدر في نفسها أنها ستعود إلى الخوض فيه ~~متى لقيت ابنها حين يقبل المساء، أو حين يسفر الصباح، وأكبر الظن أنها تؤثر أن تتحدث إلى ~~ابنها في أول النهار حين يجلس إلى فطوره هادئ النفس، مستريح الجسم، فارغ البال، لم يتكلف من ~~أعمال يومه الجديد شيئا، ولم يتح له بعد أن يذكر من أعمال أمسه القديمة شيئا، ذلك خير ~~من التحدث إليه في المساء، فهي قلما تخلو إليه في المساء لأنه يروح إلى داره عجلا، فيصيب ~~شيئا من طعام مع الأسرة كلها، ثم ينصرف عنها عجلا ليلقى أترابه وأصحابه، فيسمر معهم شطرا ~~من الليل، ويعود وقد بسط النوم جناحيه على الأسرة كلها فأغرقها في سبات عميق. # ومن حق القارئ بعد هذا كله أن يعرف حنينة ونصيفا، وأسرة حنينة ونصيف، وهذا الماضي القاتم ~~الذي يكره الفتى أن يستبقي منه شيئا، وتحرص الأم على أن تستبقي منه بعض الأشياء. # ولست أكره أن أؤدي للقارئ حقه في هذا إن قبل أن ينتقل معي في الزمان والمكان جميعا، ~~وما أطلب إليه أن ينتقل معي إلى زمان مسرف في القدم، أو إلى مكان مسرف في البعد، وإنما ~~نريد أن نعود إلى أول هذا القرن، وأن نترك القاهرة إلى مدينة من مدن الأقاليم في مصر ~~الوسطى؛ فقد ينبغي لكل قصة أن يكون لأحداثها زمان ومكان يختارهما الكاتب أو تختارهما ~~الأحداث نفسها. والشيء الذي أؤكده للقارئ هو أني لم أختر ولم أكن أستطيع أن أختار زمان ~~هذه القصة ومكانها، كما أني لم أختر ولم أكن أستطيع أن أختار أشخاص هذه القصة وأحداثها، ~~وإنما اختارت طبيعة الأشياء هؤلاء الأشخاص، وأجرت طبيعة الأشياء عليهم ما أجرت من الأحداث، ~~وأرادت أن يكون هذا في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن، وأن أشهد القصة وأتأثر بها أشد ~~التأثر وأعمقه، وأن أدخرها في نفسي لشيء لم أكن أعرفه حين شهدت القصة وادخرتها، ms078 ~~وقد أخذت أعرفه الآن حين بدأت أملي هذا الحديث؛ فأنا إنما شهدت القصة وادخرتها لأتحدث ~~بها إلى قراء هذا السفر، بعد أن مضى على أحداثها ما يقرب من نصف قرن. # بل أكاد أقطع بأني لم أختر، ولم أكن أستطيع أن أختار، أن أتخذ هذه القصة موضوعا لهذا ~~الحديث، وإنما هي التي اختارتني لتصل من طريقي إلى القراء، ولست أستطيع أن أبين لذلك ~~سببا؛ لأني لا أستطيع - والقارئ نفسه لا يستطيع - أن أسأل القصة عن السبب الذي من أجله ~~اختارت أن تذاع في هذه الأيام، والذي من أجله اختارت أن تذاع من طريقي أنا، ومن ~~طريق هذه المجلة التي أكتب فيها. # وإنما أرى أني قد فرغت أياما وأياما، لموضوع من موضوعات الأدب الفرنسي، وجعلت أدرسه ~~وأستقصيه لأتخذه موضوعا لهذا الحديث، وبلغت من ذلك أكثر ما كنت أريد، إن لم أكن بلغت كل ~~ما كنت أريد، وجلست إلى صاحبي لأملي عليه ما قدرت إملاءه، ولكن صاحبي لا يسمع مني حديثا ~~عن شيء يتصل بالأدب الفرنسي من قريب أو بعيد، وإنما يسمع مني بدء هذا الحديث، ويهم أن ~~يراجعني، كما همت حنينة أن تراجع نصيفا. ولكني أعرض عنه بوجهي، وأنأى عنه بجانبي، أشعل ~~سيجارتي في شيء من حزم، وأمضي في الإملاء، فيمضي هو في الكتابة، ويظهر أمامي أشخاص هذه ~~القصة مزدحمين أشد الازدحام، ملحين أعظم الإلحاح، كلهم يريد أن يسبق إلى مكانه من هذا ~~الحديث، كأنما طال عليهم النوم حتى سئموه، وثقل عليهم النسيان حتى ضاقوا به، فهم يريدون ~~أن يستيقظوا، وهم يريدون أن أذكرهم أنا، وأن يذكرهم القراء، وأن يستردوا بذلك شيئا من ~~حياة، وإن كانت حياتهم تلك الأولى لأهون وأشقى من أن يفكر فيها أصحابها، ومن أن يحرصوا ~~على أن يستردوا منها نصيبا قليلا أو كثيرا. # وهؤلاء الأشخاص كثيرون بعض الكثرة، فلا بد من أن أصطنع شيئا من النظام الحازم لأردهم ~~إلى بعض القصد، ولأظهرهم في أماكنهم المقسومة لهم من هذا الحديث. وأماكنهم هذه لم أقسمها ~~أنا لهم، وإنما قسمتها لهم ms079 حياتهم الأولى نفسها، فهم يؤلفون أسرتين قبطيتين من أسر ~~الريف، كانتا تعيشان متجاورتين قد أنشأ الجوار بينهما ما ينشئ عادة بين الجيران من ~~المودة والألفة، ومن العشرة المتصلة والاختلاط الدائم في غير تكليف ولا عناء، ومن هذا ~~الاشتراك في لذات الحياة وآلامها، وفي مسرات الحياة ومساءاتها، وفي هذه الأحداث التي تحدث، ~~والخطوب التي تلم، والنوائب التي تنوب. # وكانت أسرة المقدس ميخائيل تادرس في دار ليست بالمسرفة في السعة، وليست بالمسرفة في ~~الضيق، وإنما هي دار متوسطة، تألفت من حجرات قليلة، لا يظهر عليها الثراء، ولا يظهر عليها ~~الضر، ولا يظهر عليها ما يلفت إليها أحدا. كانت دارا متواضعة وإن لم تكن حقيرة، وكانت ~~تقوم في أول الشارع مما يلي القناة على نحو منحدر يسير يكلف الساعي إليها قليلا من ~~الجهد، فينحدر إليها إن جاء من هذه الناحية، ويصعد إليها إن جاء من تلك الناحية، ولا يسعى ~~إليها سعيا هينا على كل حال، وكان المقدس ميخائيل صاحب تجارة يسيرة هينة قد اتخذ له ~~حانوتا يبعد عن داره بعض البعد، يبيع فيه سقط المتاع من هذا الخرز الذي يتخذ الفقراء منه ~~عقودا يتحلى بها النساء والفتيات، ومن هذا الزجاج الملون الذي يتخذ النساء منه أساور ~~أو دوائر مفرغة يدخلن فيها سواعدهن، أو يدخلنها في سواعدهن، ويبهرن أنفسهن كما يبهرن ~~الرجال بألوانها الزاهية ورنينها الحلو، وشيئا من الأقمشة الرخيصة التي يتخذ منها نساء ~~الريف ثيابهن حين يتفضلن، وزينتهن حين يتبرجن. # وكانت لحانوته شهرة خاصة بهذه العصابات المطرزة التي كان النساء يدرنها حول رءوسهم، ~~فيفتن بها الرجال، ويسحرن بها عيون الشباب، وكان المقدس ميخائيل يفيد من تجارته هذه ~~اليسيرة ما يتيح له أن يكفل لأهله حياة إن لم تكن رخية كل الرخاء، فلم تكن ضيقة كل الضيق، ~~وإنما كانت شيئا بين ذلك، يسمح لهذه الأسرة أن ترى نفسها من الطبقة المتوسطة، وأن تطمح إلى ~~ما تطمح إليه هذه الطبقة من الآمال التي كانت في ذلك الوقت متواضعة أشد التواضع. # ولم تكن هذه الأسرة ضخمة ms080 ولا كثيرة العدد، وإنما كانت تأتلف من ميخائيل، وزوجه حنينة، ~~وابنهما نصيف، وابنتهما صفاء، وواضح أن هذا الاسم لم يكن ينطق على هذا النحو الفصيح، ~~وإنما كان ينطق به مقصور الألف لا ممدودها، وكان النطق به يثير في نفوس السامعين أنه ~~مستعار من تلك الغدائر المعدنية التي كان النساء يصلنها بشعورهن ويرسلنها على ظهورهن، ~~ويسمع لها حين يقمن ويقعدن ويسعين صليل يعجب الآذان. # وقد طمع ميخائيل أن يرفع ابنه عن المنزلة التي كتبت له هو في الحياة، فلم ينشئه في ~~التجارة ليخلفه في الحانوت حين تقعد به السن، وإنما أرسله إلى المدرسة المدنية، بعد أن ~~اختلف إلى الكتاب القبطي عاما وبعض عام، وأضمر فيما بينه وبين نفسه ألا يكتفي بالمدرسة ~~الابتدائية، وأنه يرسله إذا استطاع إلى القاهرة ليتعلم في بعض مدارسها، وليكون موظفا من ~~موظفي الحكومة، وليسلك بنفسه طريقا جديدة غير الطريق التي سلكها هو، وسلكها أبوه من ~~قبله. # وطمعت حنينة في أن ترفع ابنتها عن المنزلة التي قسمت لها هي في الحياة، فأرسلتها إلى ~~«المعلمة» كما كانت الأمهات في الطبقة المتوسطة يرسلن إليها بناتهن؛ ليتعلمن عندها فنونا ~~من التطريز والتدبيج، والتأنق في التفصيل وصناعة الأزياء. # وقد اختلف الصبي إلى المدرسة، واختلفت الصبية إلى المعلمة، ورضيت الأسرة عن نفسها وعن ~~تربيتها لابنيها أعواما. وظفر الصبي بالشهادة الابتدائية بعد جهد، وأخذ الصبية من فنون ~~المعلمة ما استطاعت أن تأخذ، ونظرت الأسرة فإذا هي مضطرة أن ترسل الصبي إلى القاهرة، وإلى ~~أن تمسك الصبية في الدار. والله يعلم ما تكلف المقدس ميخائيل من الجهد ليدبر ما يحتاج ~~الفتى إليه من النفقات، وما احتملت حنينة من الحزن لفراق ابنها الوحيد. وقد ألحق الفتى ~~بمدرسة ثانوية، فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، عاما وعاما وعاما دون أن يصيب فيها ~~نجحا، وإنما هي السنة الأولى يقيم فيها العام بعد العام، ثم تضطر المدرسة إلى فصله لكثرة ~~ما أخفق، فيلحق بالمدرسة القبطية الكبرى التي كانت في ذلك الوقت تتلقى من تفصلهم المدارس ~~الحكومية من الشباب ms081 المخفقين، أو من تحول السن بينهم وبين الالتحاق بالمدارس الحكومية، ~~أو من تقصر أيدي آبائهم عن أجور التعليم في مدارس الدولة، وتطول مع ذلك آمال آبائهم، ~~فيأبون ألا أن يتعلم أبناؤهم حتى يبلغوا الشهادة الثانوية، لعلهم أن يجدوا لأنفسهم مكانا ~~في مدرسة من المدارس العالية، أو عملا في ديوان من الدواوين. وقد أقام نصيف في المدرسة ~~الحرة عاما وعاما ولكنه لم يصب فيها نجحا كما لم يصب في المدرسة الحكومية ~~نجحا، وثقلت النفقة على أبيه، وثقل الحزن على أمه، وضاق الفتى بأبيه وأمه ونفسه أيضا، ~~وإذا هو يقترح على أبويه ذات عام أن يتحول عن التعليم الثانوي الذي لم يخلق له، إلى ~~تعليم آخر يسير قريب، لا يحتاج إلى كثير من ثقافة، ولا إلى إلحاح في عمل، ولا إلى فضل من ~~جهد، ولا إلى طويل من قوت، وإنما هو عام أو بعض عام، ثم يتقدم الطالب إلى الامتحان ويظفر ~~بالدبلوم، ويشغل منصبا من مناصب الدولة. وكذلك التحق الفتى بمدرسة التلغراف، وما هي إلا أن ~~ينفق فيها الفتى عاما أو أقل من عام، ثم يتقدم للامتحان فيصيب ما أراد من نجح، ويعود ~~إلى أهله ومعه الدبلوم قد لفه لفا أنيقا، ووضعه في حرز أنيق اتخذ من ~~الصفيح. # وجعل الأب ينظر إلى الدبلوم يحاول أن يقرأ ما فيه، وجعلت الأم تنظر إلى الدبلوم تعجب ~~بزينته، واختصم الأبوان بعض الاختصام أيهما يحتفظ بهذه العلبة من الصفيح، أتدسها الأم بين ~~ثيابها، أم يخفيها الأب في درج من أدراج مكتبه القديم، ولكن المهم هو أن المقدس ميخائيل كان ~~قد بلغ من الجهد أقصاه، فأنفق أكثر مما كانت تجارته تغل عليه، واحتمل من المشقة أكثر مما ~~كانت سنه تستطيع أن تحتمل، وباع في سبيل هذا الفتى ما كان عند زوجه من الحلي المتواضعة، ~~واضطر الأسرة إلى شيء من الفقر الضيق البغيض الثقيل الذي لا يطاق، لولا شيء من فسحة ~~الأمل. ولم يدرك الفتى ما أدرك من نجح حتى كان المقدس الشيخ مضطرا إلى أن يقعد في ms082 داره، ~~وينتظر الرزق من هذا المرتب الضئيل الذي كانت الدولة تجريه حينئذ على الموظفين في البرق ~~أول ما ينهضون بأعمالهم. # وكانت الدولة بخيلة حقا في تلك الأيام؛ فقد كان حامل الدبلوم يلحق بمكتب من مكاتب ~~البرق على سبيل التجربة والتمرين، ويؤجر في أثناء ذلك ثلاثة جنيهات في الشهر، لا تحسب له ~~جملة، وإنما تحسب له مياومة أثناء التمرين، عشرة قروش في اليوم لا تزيد. ولم يكن حامل ~~الدبلوم حرا في اختيار مكتب البرق الذي يعمل فيه، ومتى كان عمال الدولة وموظفوها ~~أحرارا في اختيار المكاتب التي يعملون فيها؟ إنما كانت الدولة ترسل هؤلاء الموظفين ~~والعمال حيث تشاء، وحيث يقتضي النظام أن يرسلوا، فأرسل الفتى إلى أقصى الصعيد، وأقامت ~~أسرته في أدناه، وجعل الفتى يقبض أجره آخر الشهر، فيرسل نصفه إلى أسرته لتعيش، وينفق نصفه ~~الآخر على نفسه. وعلم الفتى وعلمت أسرته أن الآمال لا تصدق أصحابها دائما، وإنما تكذبهم ~~في كثير من الأحيان؛ فقد ظفر الفتى بالدبلوم وشغل منصبا من مناصب الدولة، وأصبح فردا ~~ممتازا من هذه الطبقة الممتازة، طبقة الموظفين، ولكنه ما زال فقيرا بائسا محتاجا، وما ~~زالت أسرته متوسطة ترد إلى الفقر يوما بعد يوم، وتدفع إلى الضيق عاما بعد عام، ~~والفتى بعد ذلك فرد ممتاز من طبقة ممتازة، والامتياز يكلف أصحابه كثيرا من المال، فلا بد ~~من أن يعيش الفتى بين أترابه عيشة ملائمة، ومن أن يتخذ من الزينة ما يلائم طبقته، ومن أن ~~يحيا حياة لا ينظر إليها أترابه في شيء من الاستخفاف به أو الإشفاق عليه، وكان هذا كله ~~يرهق الفتى من أمره عسرا، وربما اضطره بين حين وحين إلى ألا يرسل إلى أبويه ما تعود ~~أن يرسل إليهما من النقد، أو أن يرسله إليهما منقوصا؛ فكان هذا يحفظ الأسرة ويغيظها ~~ويضنيها، فلم تكن حاجتها إلى الحياة الملائمة بأقل من حاجة الفتى، والفتى وحيد، وهي أسرة ~~مؤلفة من أشخاص ثلاثة، فحقها أن يرسل إليها أكثر المرتب، وأن يكتفي الفتى بأقله، فكيف ~~إذا لم يرسل إليها ms083 إلا أقله؟! وكيف إذا لم يرسل إليها شيئا؟! وهي بعد ذلك قد أفنت عمرها ~~وجهدها وكل ما ملكت في سبيل هذا الفتى ، فانظر إلى الأبناء كيف يجحدون حقوق الآباء، وانظر ~~إلى الشباب كيف يكفرون بنعمة الشيوخ، وانظر إلى هؤلاء الفتيان الناشئين كيف يؤثرون أنفسهم ~~بالخير ويختصونها باللذات، ويتركون آباءهم وأمهاتهم وأخواتهم يشقون بالنقص في الأموال ~~والثمرات، بل يشقون بالبؤس والجوع والحرمان. وكذلك أنفقت الأسرة بعد نجح ابنها في ~~الامتحان وظفره بالمنصب، أعواما ذاقت فيها من البؤس المادي والمعنوي ما لم تذقه حين كان ~~الفتى صبيا يختلف إلى المدرسة الابتدائية، أو غلاما يختلف إلى المدارس في ~~القاهرة. # أما الأسرة الأخرى فأسرة المعلم يونان، كان زعيمها كاتبا متواضعا في دائرة من دوائر ~~الترك، ينفق نهاره عاكفا على دفاتره، أو محاسبا للناظر، أو مراقبا للمعاون، ويعود إلى ~~أهله آخر النهار راضيا عن نفسه ولكنه متعب مكدود، فلا يكاد يصيب معهم شيئا من الطعام ~~ويسمر مع جاره شيئا من سمر، حتى يأوي إلى مضجعه وقد بلغ الإعياء به أقصاه، ثم لا يكاد ~~الصبح يتنفس حتى يراه في الطريق العامة غاديا على عمله في الدائرة أو في الحقول. وكان ~~الأجر الذي يصيبه من هذا العناء قليلا ضئيلا لا يكاد يقيم الأود لأسرة تألفت من ~~ثلاثة أشخاص، هم المعلم يونان، وزوجته مرجانة، وابنهما عبد السيد. # وكان المعلم يونان رجلا متواضعا، لا يرفع نفسه عن طبقته، ولا يحاول أن يرفع ابنه عن هذه ~~الطبقة، وإنما حاول أن يعلم ابنه مهنته هو؛ ليكون كاتبا في الدائرة كما كان هو كاتبا في ~~الدائرة، وكما كان أبوه من قبل كاتبا فيها أيضا. وكان أقصى همه أن يحسن الصبي الأخذ عنه ~~والاقتداء به، حتى إذا أدرك أول الشباب استطاع أن يعينه على عمله، وأن يلتفت إليه المأمور ~~لعله أن يرضى عنه ويعطف عليه، فيأجره قرشين أو قروشا في اليوم تعين الأسرة على احتمال ~~أعباء الحياة. ولكن الصبي لم يكن ذكي القلب، ولا محبا للعمل، وإنما كان كلا خامدا، ~~يؤثر اللعب حين ms084 تسنح له فرصة اللعب، فإن لم تسنح له آثر حياة هادئة هي إلى الذهول أقرب ~~منها إلى أي شيء آخر، وكان ذلك يغيظ أباه ويحفظه ويدفعه أن يقسو عليه أحيانا، ولكنه كان ~~وحيد أبويه، فكان المعلم لا يعنف به إلا ليرق له، ولا يشق عليه إلا ليرفق به. # والسن تتقدم بالمعلم حتى يحس الضعف عن النهوض بأعبائه، والفتى يتقدم في العلم بمهنة أبيه ~~متباطئا متثاقلا، حتى إذا اضطر الشيخ إلى القعود في داره كان الفتى أجهل وأكسل من أن ~~يقوم مقامه، فلم تستبقه الدائرة إلا رعاية لحق أبيه ورفقا بأسرته، ولم تمنحه من أجل ذلك ~~إلا نصف ما كانت تمنح أباه من الأجر. # واضطرت مرجانة أن تبرح الدار، وتسعى بعض السعي على شيخها القاعد لترزقه، وعلى ابنها ~~الخامد لتعينه، فجعلت تسعى إلى القرى القريبة تشتري من أهلها ما يريدون أن يبيعوا من جبنهم ~~وزبدهم، تحمل في ذلك قصعة ضخمة، وتغطيه بشيء من العشب الأخضر الرطب يحفظ عليه رطوبته، ويجذب ~~إليه العيون، وتطوف بذلك على بعض البيوت، فتبيعه فيها بما يتيح لها شيئا من ربح يتم لزوجها ~~وابنها ما يحتاجان إليه. # وقد سعت الأسرتان المتجاورتان في طريق واحدة إلى الضيق، ثم إلى الضيق الشديد، ثم إلى ~~الإعدام والحرمان، فازدادت الصلات بينهما قوة، وفرغ الشيخان القاعدان للبطالة والحديث. ~~وجعلت مرجانة وحنينة تلتقيان حين يسفر الصبح، وحين يتقدم النهار، تتقارضان المنافع ~~وتتعاونان على أثقال الحياة، وتتجاذبان أطراف الحديث كما يقال، وجعلت صفاء - بألفها ~~الممدودة أو المقصورة - تلقى عبد السيد يغدو إلى عمله في الدائرة، وحين يروح من عمله إلى ~~الدار، فيكون بينهما ما يكون بين الفتيان من هذه الأحاديث الفارغة، التي لا تؤدي شيئا ولا ~~تدل على شيء، وإنما تشغل أصحابها عن أنفسهم، وتلهيهم عن آمالهم. # ولكن الشاب ماكر ماهر، ينتهز الفرص، ويختلس الوسائل اختلاسا، فهو يشيع في هذه الأحاديث ~~الفارغة بين حين وحين ما يريد أن يملأها، فيعجزه ذلك في أول الأمر، ولكنه لا يعرف العجز ولا ~~اليأس ولا الإخفاق، وإنما هو ms085 ملح دوءب، يخطئه النجح هذه المرة فلا يرده ذلك عن ~~استئناف المحاولة، وهو يسلك إلى غايته طرقا مختلفة ملتوية، لا يحسن العلم بها إلا الذين ~~محصتهم الحياة وعلمتهم التجارب. وأين الفتيان الفارون من تمحيص الحياة وتعليم ~~التجارب! كلمة تنطق بها صفاء، فإذا الشباب يجري فيها عذوبة غير مألوفة، ويوقعها من أذن ~~عبد السيد وقلبه موقعا غير مألوف؛ وحركة يأتي بها عبد السيد، فإذا الشباب يجري فيها ~~رشاقة غير مألوفة، ويوقعها من عين صفاء وقلبها موقعا غير مألوف، وإذا الفتى مشغول بهذه ~~الكلمة العذبة، يريد أن تتكرر وأن يضاف إليها أمثالها، وإذا الفتاة مشغولة بهذه الحركة ~~الرشيقة، تريد أن تتكرر وأن يضاف إليها أمثالها. وإذا كلاهما مشغول بصاحبه حين يلقاه، ~~ومشغول بصاحبه حين ينأى عنه، ومشغول بصاحبه حين يقبل الليل، ومشغول بصاحبه حين يسفر ~~النهار، وإذا اللقاء الذي كاد يكون بينهما على غير موعد وعلى غير نية، قد جعل يصبح شيئا ~~تدبر له الخطط وتبتغى إليه الوسائل، وإذا الحديث الذي كاد يكون بينهما فارغا ليس ~~وراءه شيء، قد جعل يصبح مليئا وراءه كثير من الأشياء، وإذا الأسرتان تلحظان أن لهذين ~~الفتيين شأنا، فلا تنكران ولا تعرفان أول الأمر، ثم تبتسم قلوب الشيوخ لهذه الصلة الناشئة ~~بين هذين القلبين الشابين، ثم يتحدث المقدس ميخائيل إلى حنينة، ويتحدث المعلم يونان إلى ~~مرجانة، ولا تقول إحدى الأسرتين للأخرى شيئا، وإنما تنتظر كلتاهما أن تكون الأخرى هي التي ~~تبدأ الحديث. والشباب لا يحفل بما يثور في نفوس الشيوخ من خواطر، ولا بما يضطرب في عقولهم ~~من تفكير، وإنما هو ماض لغايته لا ينظر إلى وراء، وإنما ينظر إلى أمام، وإلى أمام دائما، ~~حتى لا يلفت الأسرتين وحدهما إلى نفسه وإلى ما أحدث من صلات، وإنما يلفت أسرا أخرى من ~~الجيران. وهناك يتنبه الشيوخ، فتتحدث مرجانة إلى حنينة، ويتحدث المعلم إلى المقدس، وتصبح ~~الخطبة شيئا مقررا متفقا عليه. # ونصيف مقيم في غربته تتقاذفه المدن في أعلى الأرض وفي أسفلها، قد ثبت في منصبه فلم يقبض ~~أجره ms086 مياومة، وإنما أصبح موظفا بالمعنى الصحيح الدقيق، وزيد مرتبه حتى بلغ أربعة جنيهات ~~ونصف جنيه، يحسم منها المعاش آخر الشهر، ولكن مرتبه قد زيد على كل حال، إلا أنه لم يزد ~~وحده، وإنما زادت معه نفقات الفتى وتكاليف حياته بعد أن أصبح موظفا مثبتا. زاد مرتب ~~الفتى، ولكن نصيب أبويه من هذا المرتب لم يزد، وإنما ظل كما كان؛ يصل إليهما أحيانا ~~كاملا، وأحيانا منقوصا، ويتخلف عنهما بين حين وحين. # ويقبل الفتى ذات يوم في إجازة من إجازات الموظفين ليرى أسرته، فترى المدينة منه شابا ~~رشيقا أنيقا لم تعرفه من قبل، وترى زينة ورواء لا عهد لها بهما عند أمثال هذا الفتى من ~~شبابها بين أبناء الزراع والتجار، ويرتفع رأس المقدس حين يرى إعجاب الناس بابنه واحتفاءهم ~~به، واحتشاد النسوة والصبية لرؤيته حين يمر بهذا الشارع أو ذاك، وبهذه الحارة أو تلك، ~~ويمتلئ الفتى بنفسه تيها وإعجابا حين يرى تهافت الناس عليه وسعيهم إليه، يحييه بعضهم من ~~قريب، ويحييه بعضهم من بعيد، ويعجب به أولئك وهؤلاء، ويرى فيه مع ذلك أولئك وهؤلاء شيئا من ~~الكبرياء، فينكره بعض الناس في قلوبهم، وينكره بعض الناس بألسنتهم. ويشفق الأب والأم على ~~ابنهما من حسد الحاسدين، ويتمنى الأب والأم أن يقيم ابنهما فيطيل المقام ليستمتعا به ~~ولينعما بمحضره، ويتمنيان مع ذلك أن يعجل السفر ليأمن كيد الكائدين وحسد الحاسدين. ويعود ~~الفتى بعد أيام إلى عمله، وقد رضي عن نفسه ورضي عنه أبواه، ورضي عنه أكثر أهل المدينة، وضاق ~~به أقلهم. وكأنما ألم الفتى بهذه المدينة إلمامته القصيرة تلك ليودع أباه ويراه للمرة ~~الأخيرة، فما يكاد الفتى يسافر، وتمضي على سفره أيام حتى يحس المقدس من الضعف ما يحس ~~الشيوخ، فلا يكاد يحفل بذلك ولا يلتفت إليه، ولكن الضعف يزداد ويلح، والشيخ يثقل ويضطر إلى ~~لزوم داره، ثم إلى لزوم فراشه، ثم إلى فراق هذه الدنيا. ويعود الفتى مرة أخرى إلى المدينة ~~حزينا كئيبا، ولكن الحزن والكآبة لم يزيداه إلا رشاقة وأناقة واستهواء لقلوب الناس، ms087 ~~واستجلابا لحبهم له وعطفهم عليه؛ فقد ذهبا بكثير من فرحه ومرحه واعتداده بنفسه واستخفافه ~~بغيره، ورداه إلى شيء من الدعة والاتزان واعتدال المزاج. # ومهما يكن من شيء فقد ألقى في روع الفتى أنه أصبح بعد موت أبيه رجلا يحتمل التبعات، ~~وينهض بأعمال الأسرة. وقد واجه التبعات والأعباء مواجهة حسنة، فشمل أمه وأخته بكثير من ~~العطف والرعاية، وجد واجتهد وسعى، ووسط غيره في السعي حتى استطاع أن ينقل نفسه من ~~مدينته تلك البعيدة التي كان يعمل فيها، إلى مدينته هذه التي تقيم فيها أسرته، وإذا هو ~~موظف في مكتب البرق بالمدينة يقيم في أسرته ويرعاها، ويقوم منها مقام أبيه. # وتمضي أمور الأسرة كما تستطيع، أو على خير ما تستطيع، فقد أقام الفتى في داره وعاش مع ~~أهله، ودبر أمره خيرا مما كان يدبره أثناء الغربة، فاستقامت له ولأهله حياة لم تكن ~~تستقيم لهم من قبل. وكم تمنت حنينة - لو كان ينفع التمني - أن يعود المقدس فيشارك في ~~هذه الحياة، وينعم بها، ويسعد برؤية ابنه غاديا على العمل أو رائحا إلى الدار، في زيه ~~ذاك الجميل، وشكله ذاك الوسيم، ومنظره الذي يملأ القلوب روعة ورضا. # وتتصل أسباب الفتى بزملائه الذين يعملون معه في مكتب البرق، وبزملاء آخرين يعملون في ~~المحطة، وبجماعات أخرى من الموظفين يعملون في المحكمة أو في مكتب البريد، وإذا هو يرقى ~~بأسرته حقا إلى هذه الطبقة الممتازة التي طالما ود أبوه لو يرقى بها إليها، وإذا هو ~~ممتاز بين هؤلاء الموظفين الممتازين حين يلتقون من آخر النهار أو من أول الليل في قهوة ذلك ~~الرومي التي كانت تقوم على شاطئ القناة قريبا من المحطة، والتي كان الموظفون - ولا سيما ~~الشباب منهم - يسعون إليها حين يدنو الأصيل، فيقيمون فيها فرحين لاعبين مداعبين حتى يتقدم ~~الليل. # وفي ذات صباح يجلس الفتى إلى فطوره وأمه إلى جانبه تنظر إليه وتعجب به، وأخته صفاء قائمة ~~بين يديه تخدمه، تذهب وتجيء مقدمة هذا اللون رافعة هذا الإناء، وإذا الفتى يحتل حتى يبعد ~~أخته، ويخلو ms088 إلى أمه فيلقي إليها في همس سريع أو سرعة هامسة، أن زميله فلانا يخطب إليه ~~أخته، وأنه سعيد بهذه الخطبة، يرى فيها مزيدا من رقي وفضلا من رخاء؛ فهذا الزميل فتى كريم ~~من أسرة كريمة، قد فقد أبويه، فهو إذن سيد نفسه، وهو يقبض في آخر الشهر مرتبا كالذي يقبضه ~~هو، وهو يريد أن يكون له أخا، وإذا قبلت خطبته وتم زواجه فسيعيش في الدار، وسيكون لأمه ~~ابنا ثانيا، وسيجتمع المرتبان، وستغرق الأسرة في نعيم ورخاء لم تكن لترجوهما أو تفكر ~~فيهما. وتسمع الأم هذا الحديث فيقع من قلبها موقعا غريبا فيه كثير من الإغراء، ولكنه يثير ~~كثيرا من الحزن والخوف والأسى، فابنتها مخطوبة أو كالمخطوبة لجارها الفتى؛ قد ذهب زوجها ~~إلى الدار الآخرة وهو مقر لهذه الخطة راض عنها مغتبط بها، وفي نفس ابنتها شيء من هذا ~~الفتى الجار، ليس في ذلك شك. ثم تثوب الشيخة إلى نفسها بعد أن شكت غير طويل، وتقول لابنها ~~في صوت هادئ رزين: وددت لو كان ذلك يا بني، ولكن أختك مخطوبة أو كالمخطوبة، قد أحبها ~~جارنا عبد السيد، وكأنها تحبه، وقد تحدثنا في خطبتهما وقبلها أبوك. ولا يكاد الفتى يسمع ~~حديث أمه حتى تأخذه الكبرياء، ويعادوه الاعتداد بالنفس، ويقول لأمه في صوت المغضب الذي كادت ~~تخرجه الموجدة عن طوره: «كان هذا في تلك الأيام السود، فأما الآن فما أحب أن أخوض ولا أن ~~تخوضي في هذا الحديث.» ثم يشعل سيجارته في أنفة، وينهض في كبرياء متثاقلة، وينصرف عن ~~الحجرة، ثم ينصرف عن الدار وكأنه لم يخلف فيهما أحدا. # وقد صبرت حنينة نفسها عن هذا المكروه، فلم تتحدث فيه إلى ابنتها، وأزمعت أن تراجع فيه ~~ابنها، وراجعته مرة ومرة، ولكنها لم تظفر منه بشيء ولم تلق منه إلا ازورارا وإعراضا، ~~حتى أنذرها ذات يوم بأنها إن لم تذعن له فسينتقل من هذه المدينة كما انتقل إليها، وسيستأنف ~~حياته تلك الغريبة المشردة، وسيتركها تعيش مع ابنتها في ظل هذا الفتى الغافل الذي لا غناء ms089 ~~فيه، وسيرسل إليها ما يستطيع أن يرسل إليها من المال ليعينها على العيش كما كان يفعل في ~~حياة أبيه. # ولم تتعود الأمهات في مثل هذه البيئة مقاومة أبنائهن، وإنما تعودن الإذعان لهم ~~والاستجابة إلى ما يريدون. والفتى يقوم مقام أبيه، فهو سيد الأسرة وصاحب الأمر والنهي ~~فيها، لا ينبغي أن يلقى منها مقاومة ولا اعتراضا، فما أيسر ما تذعن حنينة لابنها، وما أسرع ~~ما تحاول أن تحمل صفاء على الإذعان، وصفاء ليست في حاجة إلى أن تحمل على الإذعان، فهي ~~مذعنة بطبعها لما يريد أخوها ولما تحب أمها. ومتى استطاعت الفتيات أن يخالفن عن أمر ~~الإخوة والأمهات! # هي إذن مذعنة الإرادة، ولكنها ثائرة القلب، وقد بذلت حنينة جهدا غير قليل لتغري ابنتها ~~بمثل ما أغراها به ابنها من الرخاء والنعيم، وارتفاع المنزلة، وامتياز الطبقة، وبما سيتاح ~~لها من زينة وترف لم تكن لتظفر بهما لو اقترنت إلى هذا الفتى المتواضع الفقير الذي لا يكسب ~~قوته إلا بالجهد والمشقة وسعي أمه لتعينه على تحصيل ما تحتاج الأسرة إليه. وكانت صفاء ~~تسمع لهذه الأحاديث، فتذعن إرادتها ويثور قلبها، وتحاول أن تظهر الرضا فلا تجد إلى إظهاره ~~سبيلا. # ثم يخرج نبأ هذه الخطبة من دار حنينة إلى دار مرجانة، ثم على غيرها من الدور، ويصبح حديث ~~أهل الشوارع، ثم حديث من يعرف الأسرة من الناس. فأما مرجانة فتسمع ولا تقول شيئا، وأما ~~المعلم يونان فيسمع ويبتسم ولا يزيد على أن يقول: وأين يكون ابننا من هذا الفتى، وابننا ~~كاتب لا يكاد يكسب قوته، وهذا الفتى موظف ممتاز! وأما الناس فأقلهم يغبط صفاء وأكثرهم ~~يحسدها، وأما عبد السيد فيثور ويثور وينذر مرة باقتراف الجريمة، ومرة أخرى بقتل نفسه، ثم ~~يرد إلى هدوء منكر من ورائه شر عظيم. # فهو يغدو ويروح بين أهله وعمله قد انطوى على نفسه، وانطوت نفسه على ما فيها، فهو لا يتحدث ~~إلى أحد في هذه الخطبة المعلنة، وفي هذا الزواج المنتظر، ولا يحب أن يتحدث إليه أحد ~~فيهما، وإذا تحدث ms090 الناس إليه في شيء من ذلك أعرض عن الحديث ولم يلق إليه بالا، كأنه ~~غريب عن هذه البيئة التي يعيش فيها، لا يعنيه شيء مما يفعل الناس حوله أو يقولون. # وقد كانت مرجانة تهيئ نفسها لتفيض على ابنها شيئا من عطف، وفضلا من حنان، تريد أن ~~تعزيه عن محنته، وتواسيه في هذه الملمة التي نزلت به فبغضت إليه الحياة، وألقت بينه ~~وبين الأمل حجبا صفاقا، وأستارا كثافا، ولكنها لم تر من ابنها حزنا، ولم تسمع من ~~شكاة، وحاولت أن تنفذ إلى ذات نفسه فلم تبلغ مما حاولت شيئا، وظنت آخر الأمر أنها ~~أكبرت من هذا الأمر صغيرا، وعظمت منه حقيرا، وأسرفت في حسن الظن بابنها، فقدرت ~~أنه كان يحب ويسعد بالحب، وأن هذه الخطبة قد ردته من الكآبة والحزن واليأس إلى ما لا ~~يطاق، ولكنها تنظر فترى ابنها ساهيا لاهيا، لا يحفل بأحد، ولا يحفل بشيء، ولا يظهر عليه ~~ما يدل أنه حزين أو يائس أو كئيب؛ فقد كان الفتى عابثا في حبه إذن، وهو الآن غافل بعد أن ~~تقطعت الأسباب بينه وبين هذا الحب، ينتظر أن تتاح له فرصة أخرى لعبث آخر مع فتاة غير هذه ~~الفتاة. # وليس من شك في أن مرجانة لم تنعم بما لاحظت من سهو ابنها ولهوه وغفلته، وإنما آذاها ذلك ~~في نفسها، وأضاف إلى حزنها القديم حزنا جديدا، وإلى ما ألفت من خيبة الأمل في فتاها الذي ~~لم يكن يحسن العمل كما كان يحسنه أبوه، ويكسب من المال كما كان يكسب أبوه، خيبة أمل جديد في ~~فتاها الذي لا يحسن أن يحب، ولا يحسن أن يأسى حين تنقطع به أسباب الحب، ويحال بينه وبين من ~~يهوى، وهي ترد عطفها وحنانها ورحمتها وإشفاقها إلى نفسها البائسة الكئيبة، التي كانت تريد ~~أن تجد شيئا من الروح في إظهار ما تكنه نفوس الأمهات من العطف والحنان والرحمة ~~والإشفاق. # ولست أدري بأي الأمرين كانت مرجانة أشد تأذيا: بخيبة أملها المجددة في ابنها الوحيد، أم ~~بما اضطرت إليه من ms091 كبت عواطفهما ورد نفسها إلى الإجداب بعد أن كادت تخصب، وإلى الفقر بعد ~~أن كادت تغنى، وإلى الموت بعد أن همت بالحياة . وليس شيء أدفع لنفوس الأمهات إلى اليأس ~~القاتل من هذا الحرمان الذي ترد إليه ردا وتكره عليه إكراها، فما نفس الأم إذا لم ~~تجد العطف على ابنها، والرحمة له حين يألم أو يتعرض للألم؟ وما نفس الأم إذا لم تجد الرضا ~~والغبطة والإعجاب حين يأتي ابنها بما يدعو إلى الرضا والغبطة والإعجاب؟ وهذه مرجانة قد حيل ~~بينها وبين الرضا عن ابنها والإعجاب به منذ وقت طويل، وهي ترى جارتها حنينة ترضى على ابنها ~~نصيف كل الرضا وتعجب به كل الإعجاب، ويزيد رضاها وإعجابها أن الناس من حولها يكبرون الفتى ~~ويقدرونه ويثنون عليه، ولا يدعونها باسمها كما كانوا يفعلون في بعض ما مضى من الوقت، ولا ~~يدعونها بأم نصيف كما كانوا يفعلون بعد أن ولد ابنها، وحين كان صبيا أو شابا يختلف ~~إلى المدارس، وحين كان موظفا غائبا لا تراه العيون ولا تحقق النفوس ما يمتاز به من ~~الرشاقة والأناقة وجمال الزي وروعة المنظر، وإنما يدعونها أم الأفندي. يلغون الهمزة، ويلقون ~~فتحها على اللام فيقولون «أم لفندي». # حيل بين مرجانة وبين الرضا عن ابنها والإعجاب به منذ تبينت أنه خامل خامد، لا يغني ~~غناء أبيه، ويحال بينها الآن وبين ما بقي لها من أن تشمل ابنها بالعطف والرحمة والحنان حين ~~يلم به الخطب، أو يلح عليه الهم، أو ينزل به المكروه؛ فابنها لا يحس خطبا ولا هما ولا ~~مكروها، ولا يجد حاجة إلى عطف أو رحمة أو حنان، ولو قد شملته أمه بشيء من ذلك لما أحسه ولا ~~ذاقه ولا التفت إليه. هي إذن شقية بخيبة الأمل، شقية بكبت العاطفة، وهي تحاول أن تتحدث إلى ~~زوجها الشيخ في بعض ذلك، فلا تسمع منه إلا هذا الجواب يرده عليها في ابتسامة حزينة ساخرة: ~~وأين يقع ابننا الخامل الخامد البائس اليائس، من هذا الفتى الجميل الوسيم الذي تبتسم له ~~الحياة! # وهمت ms092 مرجانة أن تتحدث ذات يوم إلى ابنها في بعض ذلك، فقال لها متضاحكا: «ما نحن وذاك! ~~إن المال أقوى قوة، وأعظم بأسا ، وأوسع سلطانا، وأشد إغراء في الحب، وما ينبغي للفقراء أن ~~يحبوا.» وهمت أن تمضي في حديثها فكفها عن ذلك بإغراقه في ضحك طويل، وبانتقاله إلى ~~أحاديث الحقل والعاملين فيه، وإلى أحاديث الدائرة وموظفيها، حتى قال أبوه الشيخ: «دعي هذا ~~الفتى، فإنه لم يخلق لفرح ولا لحزن، كما لم يخلق لجد ولا لعمل.» وسمع الفتى مقالة أبيه، ~~فازداد إغراقا في الضحك، ثم انصرف عن الدار كأنه مجنون. وكان من وراء هذا الجنون مع ذلك ~~خاطر قد طوى عليه نفسه طيا، وهو أن المال أقوى من الحب، ولكن الطريق بينه وبين الحب قريبة ~~كل القرب، ممهدة كل التمهيد؛ فليس بينه وبين صفاء إلا جدار واحد يفصل بينهما، فإذا ارتقى ~~إلى سقف الدار، فليس بينه وبين صفاء جدار ولا ستار ولا حائل رقيق أو صفيق، فالأسوار بينه ~~وبين الخطبة، والأسوار بينه وبين الزواج، كثيفة منيعة لا سبيل إلى اقتحامها ولا إلى النفوذ ~~منها، ومتى استطاع الفقير المعدم أن ينفذ من أسوار المال والثراء! ولكن الأسوار بينه وبين ~~الحب لا وجود لها، وإنما هي حيلة واسعة أولا، وجراءة جريئة ثانيا، وصبر للنفس على ما تكره ~~بعد ذلك. وقد جعل هذا الخاطر يتردد في ضمير الفتى يقظان، ويتردد في أحلامه نائما، والفتى ~~يملك أمره ويضبط نفسه ويمسك لسانه، فلا يظهر شيئا ولا يقول شيئا ولا يخلي بين الناس ~~وبين ما أخفى في ضميره من هذا السر المكتوم. ولم تكن حال صفاء خيرا من حاله، ولكنها كانت ~~أدنى منه إلى الصراحة، وأسرع منه إلى الإذعان. لم تكن نفسها عسيرة ولا مقعدة، ولم يكن لها ~~حظ من مهارة أو مكر، وإنما كانت ساذجة غافلة لا تحسن حقدا ولا كيدا ولا استخفاء، وهي من ~~أجل ذلك لم تنطو على نفسها ولم تستخف بما في ضميرها، وإنما أذعنت خاضعة الإرادة ثائرة ~~القلب كما قلت، فلما اشتد عليها ms093 الإلحاح، وكثر حولها الإغراء، وجعلت ألوان الطرف وفنون ~~الهدايا تستبق إلى الدار، رضيت بنصف نفسها وسخطت بنصفها الآخر، فكانت تمنح الخطبة والزواج ~~ابتساما ظاهرا ورضا يكاد يشرق له وجهها أحيانا، وكانت تمنح الحب حزنا دخيلا، وأملا ~~دفينا، ودموعا لعلها أن تنهل حين تخلو إلى نفسها في ساعة من ساعات النهار، أو في ساعة ~~من ساعات الليل، وهي بعد لم تر خطبها ولم تسمع له، وإنما رأت آثاره وسمعت ما كان ~~يروى عنه من الأحاديث، فكان خطبها ظلا يرسل الطرف والهدايا والزينة، ويتحدث الناس عنه ~~بما يشاءون، وكان حبها شخصا رأته من قرب، واستمعت له وتحدثت إليه، وتمثلته في نفسها، ~~واستحضرته في ضميرها، وقد جعلت منذ حين لا تراه إلا مخالسة، ولكنها تراه على كل حال، وهي ~~تستطيع إن شاءت أن تبتغي الوسائل للقائه، ولو فعلت لأتيح لها هذا اللقاء، ولو فعلت لاستأنفت ~~التحدث إليه والاستماع له، ولمتعته من حديثها ونظراتها بما كانت تمتعه من قبل، ~~ولاستمتعت من حديثه ونظراته بما كانت تستمتع به من قبل. # خواطر تتردد في نفس الفتاة، وهي مشبهة شبها قويا أو ضعيفا لخواطر تتردد في نفس الفتى، ~~وربما خطر لصفاء أن لو كان جارها ميسر الحال موفور الكسب لما استطاع أحد أن يصدها عنه أو ~~يردها عن حبه، ولكنه خامل خامد لا يكسب ما يقيم أوده وأود أبويه، فما اجتماع الفقر إلى ~~الفقر، وما اقتران البؤس إلى البؤس، وما التباس الإعدام بالإعدام! أحق إذن أن الحب لم ~~يخلق للفقراء، وأن الفقراء لم يخلقوا ليحبوا، وإنما خلقوا ليكدوا ويجدوا ويعملوا ~~ويكسبوا القوت، فإن بلغوا من ذلك ما يريدون فهو خير لهم، وإن لم يبلغوه فإن في الشقاء لهم ~~سعة، وفي الموت لهم راحة وروحا؟ # وكذلك كانت نفس الفتاة تضطرب بمثل ما كانت تضطرب به نفس الفتى من الألم والحزن واليأس، ~~وكان قلب الفتاة يجد ما كان قلب الفتى يجد من اللوعة والحسرة والأسى، وكان أحب شيء إليها أن ~~تفضي إلى الفتى بذات نفسها، وأحب شيء إلى الفتى ms094 أن يفضي إليها بذات نفسه، ولم يكن إلى ذلك ~~سبيل بمشهد من الناس أو على غيب منهم، فقد حيل بينهما وبين اللقاء ، وليس يفصل بينهما مع ذلك ~~إلا حائط واحد رقيق، ولو قد صعد كلاهما إلى سقف داره مخالسة لأتيح لهما اللقاء ~~والحديث. # والأيام تمضي على ذلك وتتبعها الليالي، فازداد المعلم يونان اتصالا بمصطبته ولزوما لها، ~~وازدادت مرجانة تطويفا في الأرض بقصعتها تلك التي تغطيها الأعشاب، ومضى الفتى في حياته ~~الكسلة العاملة ويقظته الغافلة الذاهلة، واتصل النشاط واشتدت الحركة في دار صفاء، وأحس ~~الناس أن يوم الزواج يدنو قليلا قليلا. وقد أطل هذا اليوم، واستقبلته صفاء باسمة الثغر، ~~عابسة النفس، تظهر الرضا وتضمر السخط، وأقبل القسس مع المساء على دار فرحة مبتهجة قد ~~امتلأت بقوم فرحين مبتهجين. وقد أحيا القسس مراسمهم فرتلوا، وكللوا وقرعوا الأجراس ~~والنواقيس، وعقدوا تلك العقدة التي لا يفصمها إلا الموت. وكان المعلم يونان مستلقيا على ~~مصطبته في الجانب الأيمن من داره، وكانت مرجانة قد جلست منه غير بعيدة واجمة ساهمة، تجري ~~على وجهها دموع صامتة، يقول المعلم: «أين ابنك يا مرجانة؟» فتقول مرجانة بصوت مبتل: «لعلك ~~كنت تريد أن يشارك في هذا الفرح!» # فيعود الشيخ إلى صمته، وتمضي الشيخة في وجومها الباكي أو بكائها الواجم، ولم تشعل في ~~دار مرجانة لذلك اليوم نار، ولم تر دار مرجانة في تلك الليلة نورا، وإنما كانت النار ~~ذاكية والنور متألقا في دار حنينة. ويتقدم الليل حتى يبلغ نصفه، ثم يتقدم حتى يوشك أن يبلغ ~~ثلثيه، والمحتفلون في فرحهم ومرحهم، قد أخذوا يتشوفون ويتشوقون إلى مثل ما تعودوا أن يشهدوا ~~في تلك الليالي، ولكنهم ينصرفون لما يروا شيئا، ولم يسمعوا شيئا، وقد شملهم فتور غريب ~~بغيض. وترى أعقاب الليل المنهزم فتى ينسل من دار حنينة مستخفيا فيما بقي من ظلام، ويسفر ~~الصبح شاحبا كئيبا، وتشرق الشمس بنور ربها، ولكنها ترسل على ذلك الشعاع أشعة فاترة خائرة ~~متهالكة، لا تكاد تخرجه من سكونه إلى الحركة، ولا تكاد تخرج أهله من صمتهم ms095 إلى الكلام، ~~وهؤلاء نفر من الناس قد أقبلوا يسايرون شاطئ القناة، حتى إذا بلغوا المنحدر هبطوا إلى دار ~~مرجانة فأدخلوا فيها جثة قد احتز القطار رأسها احتزازا، ويرتفع صوت مرجانة مولولا، فلا ~~يكاد يتجاوز دارها حتى يجيبه من دار حنينة صوت آخر مولول قد ارتفع بالإعوال. ويعلم الناس ~~قبل أن ينتصف النهار أن الفتى قد نام ينتظر الموت حتى جاءه به قطار الصعيد، وأن صفاء قد ~~أصبحت مزوجة كالمطلقة، ففصمت تلك العقدة التي عقدها القسس والتي لا يفصمها إلا ~~الموت. # تقول حنينة في نحيبها: «يا ليتنا لم نعرف المال!» وتقول مرجانة في نحيبها: «يا ليتنا لم ~~نعرف الحب!» ويقول المعلم يونان في صوته الهادئ المتقطع: «قد عرفنا الموت الذي هو أقوى قوة ~~من المال والحب جميعا.» # الفصل السابع # | خطر # لست أبغض شيئا كما أبغض إلقاء الدروس في الوعظ والإرشاد، وتنبيه الغافلين وإيقاظ ~~النائمين، وتحذير الذين لا يغني فيهم التحذير ولا النذير، وأنا مع ذلك مضطر إلى هذا أشد ~~الاضطرار، أراه واجبا تفرضه الوطنية الصادقة، وتفرضه الكرامة الإنسانية، ويفرضه الحرص على ~~ألا تتعرض مصر للأخطار العنيفة قبل إبانها، وعلى أن يسلك هذا الوطن البائس طريقه إلى ~~التطور في أناة ورفق وهدوء، لا تعصف به العواصف، ولا يجري عليه ما جرى على بعض الأمم من هذه ~~الثورات التي لا تبقي على شيء. # وقد يذعر القارئ حين يقرأ هذا الكلام، وكم أتمنى أن يكون ذعره صادقا يبلغ القلب، ويصل ~~إلى أعماق الضمير، ويدفع إلى العمل الذي يعصم مصر من هذه الأهوال التي تنتظرها في طريقها ~~إلى التطور والرقي. # موظف من موظفي الدولة، ليس بالعامل الذي يحسب له أجرة مياومة، وإنما هو من الموظفين ~~الدائمين - أو المثبتين - كما يقول الحكوميون. هذا الموظف في الدرجة السابعة، يبلغ مرتبه ~~اثني عشر جنيها أو أقل من ذلك قليلا، له زوجة وخمسة من الولد، وقضت عليه ظروف الحياة أن ~~يعول بني أخته وهم ستة، وأن يعول عمة له تقطعت بها أسباب الرزق، فهم إذن أربعة عشر ~~شخصا، يعيشون ms096 أو يراد منهم أن يعيشوا على هذا المرتب الضئيل. والعيش طعام وشراب ولباس، ~~والتجاء إلى دار يظلهم سقفها، وتحميهم جدرانها من أن تأخذهم الشرطة كما تأخذ المتشردين. ~~وطبيعي ألا ينهض هذا المرتب الضئيل بحاجة هذه الأسرة الضخمة، فيكون الاقتراض، ثم يكون ~~العجز عن أداء الدين، ثم يكون امتناع القادرين عن الإقراض ما داموا لا يستردون ما ~~يقرضون، ثم يكون الحرمان، لا أقول من طيبات الحياة، فليس لمثل هذه الأسرة أمل في طيبات ~~الحياة، وإنما أقول مما يقيم الأود ويرد ألم الجوع. ثم يكون الحرمان، لا أقول من الثياب ~~التي تقي حر الصيف وبرد الشتاء، فليس لهذه الأسرة في هذه الثياب أمل، وإنما أقول من ~~الثياب التي تستر ما يجب أن يستر من الأجسام. ثم يكون الحرمان، لا أقول من الفرش الوثيرة، ~~فليس لهذه الأسرة في الفرش الوثيرة أمل، وإنما أقول من الحصير الذي يحول بين أجسامها وبين ~~الأرض، ومن الغطاء الذي يخيل إليها أنها تحاول أن تتقي به البرد. ثم يكون الضيق ~~بالحياة، ثم يكون الالتجاء إلى الأغنياء بطلب المعونة، ثم يكون إعراض الأغنياء عن هؤلاء ~~اللاجئين البائسين، إما لأن قلوب الأغنياء قاسية، وإما لأن هؤلاء اللاجئين ليسوا وحدهم ~~طلاب العون وإنما لهم شركاء في الالتجاء والتماس البر، وإما لأن الأغنياء يرون أن من الحق ~~عليهم أن يحسنوا ولكنهم يرون أن من الحق أن ينظم الإحسان حتى لا ينتشر الأمر، وحتى لا ~~يلجأ إليهم البائس ومتكلف البؤس، وحتى لا يتخذ التسول صناعة وحرفة، وحتى لا ~~يتخذ البر وسيلة إلى طمع الناس فيما ليس في أيديهم من يسر الموسرين؛ وإما لهذه العلل ~~كلها مجتمعة ولعلل أخرى كثيرة يمكن أن تضاف إليها وليس في إحصائها نفع لأحد. ولكن الشيء ~~الذي ليس فيه شك، هو أن هذا الموظف من موظفي الدولة عاجز عن أن يجد في مرتبه الضئيل ما ~~يرضي أيسر ما تحتاج إليه أسرته لتعيش، فهو يستدين من جهة حتى لا يجد إلى الاستدانة سبيلا، ~~وهو يلتمس الإحسان من كل طريق فلا ms097 يظفر بما يلتمس من الإحسان، فليس أمامه إلا أن يقترف ~~الإثم ليعيش ويتيح لأسرته أن تعيش، وقد يمنعه خلقه ودينه من اقتراف الإثم، وقد تكون ~~الحاجة إلى الغذاء والكساء أقوى من خلقه ودينه، فيقترف الإثم، ولكن القانون له بالمرصاد، ~~فهو إن فعل تعرض للعقوبة، وتعرضت أسرته لبؤس تضاعفه الظروف أضعافا، وإذن ~~فليصبر، ولكن الصبر لا يطعم الجائع، ولا يكسو العاري، ولا يسكت الصبي الذي يصيح ملتمسا ~~طعامه حين يعضه الجوع، ولا يداوي المريض، ولا يغني عن الذين انتهوا إلى الدرك الأسفل من ~~الحرمان شيئا. # والشيء الذي ليس فيه شك، أن هذا الموظف ليس وحيدا في بؤسه هذا المنكر، وفي عبئه هذا ~~الثقيل، وإنما له نظراء لا يحصون بالعشرات ولا بالمئات، وإنما يحصون بالألوف وأخشى أن ~~يحصوا بعشرات الألوف، وليس من الممكن أن تحل مشكلات هؤلاء الناس بالاستدانة، والعجز ~~عن أداء الدين، أو الالتواء بالدين، وليس من الممكن أن تحل مشكلات هؤلاء الناس ~~بالتصدق والإحسان، فإن التصدق والإحسان قد يعينان على تفريج أزمة عارضة، وعلى إطعام ~~العيال يوما أو أياما، وعلى كسوة العيال في فصل من الفصول، ولكنهما لن يستطيعا أن يكفلا ~~لهؤلاء الناس حياة يأمنون فيها من البؤس والجوع. # وأنا لم أذكر إلى الآن حق هؤلاء الصبية في أن يتعلموا، وفي أن يستمتعوا بصحة لا ~~تجعلهم عرضة للأدواء المهلكة والأمراض المعدية، ولا تجعلهم مصدر خطر على من يتصل بهم من ~~الناس. # هذه مشكلة لو كانت طارئة لظننت أن الحديث عنها قد يلفت إليها ويدعو إلى التفكير فيها ~~والاجتهاد في حلها، ولكنها لم تطرأ اليوم، ولم تطرأ أمس، وإنما عهدها بنا بعيد، وإهمالنا ~~لها متصل، وهي من أجل ذلك تنتج نتائجها المنكرة المخزية؛ فانتشار الوباء في غير مشقة، ~~وانتشار الفساد الخلقي، وانتشار الرشوة، وانتشار السرقة، وتقطيع الصلات بين الناس، ~~وانتشار الظلمة في الضمائر والقلوب، وانتشار اليأس حتى من روح الله، وانتشار الذلة والمسكنة ~~والهوان، وانتشار الإذعان للظلم والاستسلام للعسف، والانقياد للاستبداد بالحرية والكرامة، ~~والازدراء لكل ما يجعل الإنسان إنسانا، فضلا عن ms098 الازدراء لكل ما يجعل الإنسان إنسانا ~~متحضرا ممتازا؛ كل هذه الآفات والمخازي ليس لها مصدر إلا هذا الشقاء. # ولأعد إلى هذا الموظف من موظفي الدولة، إنه كغيره من الموظفين؛ يغدو إلى مكتبه مع ~~الصباح، ويروح إلى داره مع المساء، قد اتخذ ثيابا تلائم عمله، ولو بليت ثيابه فلم يجد ~~ما يشتري به ثيابا أخرى لعوقب على ذلك، فالدولة حريصة على أن يكون موظفوها كراما في ~~مظاهرهم على أقل تقدير. هو إذن يغدو ويروح في ثيابه تلك الملائمة، وعلى رأسه طربوشه، وفي ~~رجليه حذاؤه الذي لا ينبغي أن يبلى، وهو يستقبل أصحاب الحاجات من الشعب، يبسم لهم أو يعبس ~~في وجوههم، يخدمهم ناصحا أو يخدمهم متكرها، وهو يتحدث إلى زملائه فيبادلهم الدعابة ~~حينا ويبادلهم الشكوى أحيانا، وهو على كل حال قبر متحرك، يحيا حياة ظاهرة ولكن قلبه ميت، ~~قد أماته البؤس والشقاء والهم، وأكثر زملائه يشبهونه؛ فأعجب لدولة يخدمها موظفون تحيا ~~أجسامهم، وتموت نفوسهم، وانتظر بعد ذلك من هذه الدولة أن تسلك بالشعب طريقه إلى العزة ~~والكرامة والاستقلال الناقص أو التام. والمهم هو أننا عشنا حتى رأينا موظفي الدولة يطلبون ~~الصدقة ويلتمسون الإحسان، يطلبون ذلك بألسنتهم، ويطلبون ذلك بأقلامهم، جاهدوا ما وسعهم ~~الجهاد حتى أرغمتهم الحاجة على أن يتخففوا من هذه الكرامة التي منحها الله للإنسان، والتي ~~تمنع الإنسان من أن يسأل ويلتمس الإحسان! # موظفو الدولة إذن يطلبون الصدقة ويلتمسون الإحسان، وأغرب ما في الأمر أن عامة الشعب ~~يحسدون الموظفين على مرتباتهم هذه المقررة المنظمة التي تصرف لهم في أول الشهر، لا ~~تتخلف عنهم ولا تبطئ عليهم، وإذا كانت هذه حال المحسودين فكيف تكون حال الحاسدين؟ أظن أنك ~~قد رأيت الخطر الذي يسعى إلينا مسرعا، أو الذي نسعى إليه مسرعين، وأظنك توافقني على أننا ~~بين اثنتين: إما أن نترك الأمور تجري على سجيتها فيكون ما لا بد أن يكون، ويجري علينا ما ~~جرى على الأمم من قبلنا، وإما أن نستقبل من أمرنا ما استدبرنا، وأن نحاول الإصلاح لنعصم ~~موظفي الدولة من ms099 طلب الصدقة والتماس الإحسان، فنعصم الشعب كله من طلب الصدقة والتماس ~~الإحسان، وليس إلى ذلك إلا سبيل واحدة، هي أن نعيد النظر في نظامنا الاجتماعي كله، فيما ~~تجبي الدولة من الضرائب، وفيما تمنح الدولة من المرتبات. # الضرائب قليلة جدا، أقل مما ينبغي، والمرتبات قليلة جدا، أقل مما ينبغي، والعدل يقتضي ~~أن تضاعف الضرائب، وأن تضاعف المرتبات، وأن تكف الدولة عن الإسراف في الأموال العامة، ~~وأن يكف الأغنياء عن الإسراف في أموالهم الخاصة. وليس إلى الإصلاح الاجتماعي من سبيل إلا ~~إذا وجدت الأداة السياسية الصالحة التي تستطيع أن تنهض بعبئه، وتنقذه من مشكلاته، فهل ترى ~~أن مصر تملك في هذه الأيام أداة سياسية صالحة تمكنها من محاولة هذا الإصلاح؟ هذا سؤال لست ~~في حاجة إلى أن أجيب عليه. # الفصل الثامن # | تضامن # لم يكن عمر بن الخطاب رحمه الله، يقدر حين صدر بالمسلمين من الحج سنة ثماني عشرة للهجرة، ~~أنه يستقبل بالمسلمين من أهل بلاد العرب، ومن أهل الحجاز ونجد وتهامة خاصة، عاما أسود ~~قاتما يمتحن المسلمون به في أنفسهم وأموالهم وأخلاقهم، وفيما أتيح لهم من الصبر على ~~الشدائد والثبات للمكروه والنفوذ من الخطوب، وفيما أتيح لهم كذلك من هذا الشعور الكريم ~~الممتاز الذي يجعل الإنسان إنسانا، ويرقى به إلى المنزلة العليا من منازل الكرامة، وهو ~~شعور التعاطف والتآلف والتضامن الاجتماعي الذي يلقي في روع كل فرد مهما تكن منزلته، أنه عضو ~~من جماعة يسعد بسعادتها، ويشقى بشقائها، ويأخذ بحظه مما يصيبها من النعماء والبأساء، وما ~~ينوبها من السراء والضراء. # لم يكن عمر - رحمه الله - يقدر أن الغيب قد أضمر له وللمسلمين من أهل بلاد العرب هذه ~~المحنة القاسية، يمحص بها قلوبهم، ويصفي بها نفوسهم، ويعلمهم بها أن الحياة ليست نعيما ~~متصلا، ولا رضاء مقيما، ولا خصبا يتجدد كلما تجددت الفصول، وإنما هي مزاج من ~~النعيم والبؤس، ومن اللذة والألم، ومن السعادة والشقاء، وأن سبيل المؤمن الذي مس الإيمان ~~قلبه حقا، هو ألا يطغى إذا استغنى، ولا يبطر إذا نعم، ولا ييأس ms100 إذا امتحن بالبؤس ~~والشقاء، وألا يؤثر نفسه بالخير إن أتيح له الخير من دون الناس، وألا يترك نظراءه ~~نهبا للنوازل حين تنزل ، وللخطوب حين تلم، وإنما يعطي الناس مما عنده حتى يشاركوه في ~~نعمائه، ويأخذ من الناس بعض ما عندهم حتى يشاركهم في بأسائهم، فالله لم ينشر ضوء الشمس ~~ليستمتع به فريق من الناس دون فريق، والله لم يرسل النسيم لتتنفسه طائفة من الناس دون ~~طائفة، والله لم يجر الأنهار ولم يفجر الينابيع لتشرب منها جماعات من الناس وتظمأ إليها ~~جماعات أخرى، والله كذلك لم يخرج النبات من الأرض ليشبع منه قوم ويجوع آخرون. # وإنما أسبغ الله نعمته ليستمتع بها الناس جميعا، تتفاوت حظوظهم من هذا الاستمتاع، ولكن ~~لا ينبغي أن يفرض الحرمان على أحد منهم، مهما يكن شخصه، ومهما تكن طبقته، ومهما تكن ~~منزلته بين مواطنيه. # لم يكن عمر - رحمه الله - يقدر حين صدر من الموسم في ذلك العام أن الله سيرسل إلى ~~المسلمين عاما جديدا يمتحنهم فيه بالجوع والظمأ والعري، امتحانا لم يعرفوا مثله منذ ~~عهد بعيد أشد البعد، وكيف كان عمر يستطيع أن يقدر ذلك وأمور الدولة الناشئة تجري على خير ~~ما كان المسلمون يحبون من العدل والسعة وبعد الصيت، وانتشار الفتح وكثرة الفيء وغزارة ~~الرخاء؟ ولكن العام الجديد يقبل، وإذا السماء تبخل بمائها حتى تحترق الأرض ظمأ إلى هذا ~~الماء، وحتى تسود كأنها الرماد، وحتى يضطر المسلمون إلى أن يسموا هذا العام عام ~~الرمادة. # بخلت السماء بالماء، وجادت الشمس بالحر، وعجزت الأرض عن أن تخرج للناس ما يأكلون وما ~~يطعمون به ما كانوا يسومون من الثاغية والراغية. وينظر عمر بعد أن استقر في المدينة، فإذا ~~الأزمة تسعى متمهلة مستأنية، ولكنها مستوثقة من نفسها ملحة في سعيها، وإذا أهل البادية ~~قد أجدبوا واشتد عليهم الجدب، فلم يفكروا إلا في أن يهرعوا إلى خليفتهم، يلتمسون عنده ما ~~يطعمهم من جوع، ويسقيهم من ظمأ، ويكسوهم من عري، وما له لا يفعل ذلك وهو قد أخذ أبناءهم ~~وآباءهم وإخوانهم وكاسبيهم ms101 وعائليهم، فرمى بهم تلك الثغور، ودفع بهم إلى حروب يعرفون أولها ~~ولا يعرفون آخرها! وما لهم لا يهرعون إليه وهم كانوا يشعرون بحبه لهم، وعطفه عليهم، وبره ~~بهم، يسعى إلى أقصاهم كما يسعى إلى أدناهم، لا يقصر عن السعي إليهم ساعة من ليل أو ساعة من ~~نهار. # ثم ينظر عمر فإذا جزيرة العرب كلها ترسل إليه من بقي فيها من الشيوخ والنساء والأطفال ~~والعاجزين الذين لا يقدرون على شيء، والقادرين الذين لا يجدون شيئا يقدرون عليه ... هنالك ~~ينهض عمر للقاء هذه الأزمة العنيفة الجائحة نهوض الرجل الذي يعرف الحق كما لم يعرفه أحد ~~بعده، ويحمل العبء كما لم يحمله أحد بعده، ويواجه الخطب مصمما على أن ينفذ منه أو يموت ~~من دونه مهما تكن الظروف، حتى أصبح عام الرمادة ذاك كنزا من كنوز المسلمين لا ينفد ولا ~~يدركه الفناء؛ يجد المسلمون فيه من العبرة والموعظة الحسنة والقدوة الصالحة، ما لا يمتنع ~~عليه قلب له حظ من رفق ولين، إلا أن يكون من تلك القلوب التي وصفها الله عز وجل، بأنها ~~قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. وقد بدأ عمر رحمه الله بنفسه في مقاومة هذا الخطب، فأبى إلا ~~أن يكون رجلا من المسلمين؛ يشقى كما يشقون، ويجزع كما يجوعون، ويظمأ كما يظمئون، ويشتد على ~~نفسه وعلى أهله بمقدار ما تشتد الأزمة على أشد الناس فقرا وبؤسا، يفعل ذلك لأنه مؤمن قبل ~~كل شيء بأن من الحق عليه لنفسه ولله وللناس أن يفعل ذلك، ثم يفعله لأنه مؤمن بأن من الحق ~~عليه أن يعلم الناس كيف يكون التضامن والتعاون والتعاطف، حين تنزل المحن وتلم الخطوب، ~~فيأبى إلا أن يعيش كما يعيش أفقر الناس! # رأى المسلمين لا يجدون السمن إلا في مشقة وجهد، فحرم على نفسه السمن حتى تجده عامة ~~الناس، وفرض على نفسه الزيت والخبز الجاف، فلما ثقل عليه الزيت ظن أنه إن طبخ له فقد ~~يكون أخف على معدته احتمالا، فأمر أن يطبخ له بالزيت، وأكله مطبوخا فكان أوجع له ms102 وأعسر ~~هضما، حتى تغير لونه واسود وجهه، وكان شديد البياض، ثم جعل يطعم الناس على الموائد ~~العامة ويجلس معهم إلى هذه الموائد يأكل مما يأكلون منه. ثم أمر المنادين أن ينادوا في ~~الناس: من يشأ أن يقبل على هذه الموائد ليأكل منها فليفعل، ومن شاء أن يقبل على ~~هذا الطعام فيأخذ منه حاجته وحاجة أهله ليأكل معهم فليفعل. وكان يشرف بنفسه على إعداد ~~الطعام، وربما علم الطباخين كيف يطبخون. ولكن الأزمة تشتد وتشتد، وأهل البادية يهرعون ~~إلى المدينة، وكثير منهم لا يستطيعون أن ينتقلوا من أماكنهم، قد هلك الزرع، وجف الضرع، ~~ونفقت الماشية، وأصبح من الحق على الخليفة أن يدرك هؤلاء الناس في مواطنهم، ويحمل إليهم ~~أرزاقهم ما داموا عاجزين عن السعي إلى هذه الأرزاق؛ هنالك يكتب عمر إلى عماله في الأقاليم ~~يأمرهم بأن يرسلوا إليه الأمداد. واقرأ هذا الكتاب القصير الرائع الذي كتبه عمر إلى عامله ~~على مصر عمرو بن العاص رحمه الله، وانظر إلى ما في هذا الكتاب القصير الرائع من عنف عنيف ~~ملؤه الرحمة الرحيمة، والرفق الذي ليس بعده رفق: «بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله أمير ~~المؤمنين إلى العاصي ابن العاصي. سلام عليك. أما بعد، أفتراني هالكا ومن قبلي، وتعيش ~~أنت ومن قبلك؟ فيا غوثاه! ... يا غوثاه! ... يا غوثاه!» # فلم يكد عمرو بن العاص - رحمه الله - يقرأ هذا الكتاب الذي يزجره فيه أمير المؤمنين أشد ~~الزجر، حتى كتب إليه: # بسم الله الرحمن الرحيم # لعبد الله عمر أمير المؤمنين من عمرو بن العاص. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله ~~الذي لا إله إلا هو. أما بعد، أتاك الغوث فلبث فلبث، لأبعثن إليك بعيرا ~~أولها عندك وآخرها عندي. # ثم نهض عمرو في إرسال هذا الغوث برا وبحرا. وكتب عمر إلى عماله الآخرين في الشام ~~والعراق، فكلهم صنع صنيع عامل مصر، ثم أرسل عمر رسله إلى حدود بلاد العرب مما يلي الشام ~~والعراق ومصر، وأمرهم أن يتلقوا هذه المعونات، فيميلوا بها إلى أهل البادية في أماكنهم ~~وأحيائهم ليطعموهم، ms103 ويكسوهم، ويسقوهم، وعزم على رسله هؤلاء ألا يضعفوا ولا يلينوا ولا ~~يفرقوا ما في أيديهم من الطعام دون أن يتبينوا أنه صائر إلى بطون الجائعين، لا إلى خزائن ~~المختزنين. وأشد من هذا روعة وأعظم من هذا إثارة للعبرة، أن عمر رحمه الله كان يقول: «نطعم ~~ما وجدنا أن نطعم، فإن أعوزنا جعلنا مع أهل كل بيت ممن يجد، عدتهم ممن لا يجد، إلى ~~أن يأتي الله بالحيا.» # ومعنى ذلك أنه - رحمه الله - قد فتح بيت المال على مصراعيه، وأزمع أن يرزق الناس منه، حتى ~~إذا لم يجد فيه شيئا كلف كل أسرة غنية أن تطعم مثل عددها من الفقراء، يأخذهم بذلك بسلطان ~~القانون والدين، حتى يأتي الله بالفرج. # وما قصصت عليك هذا كله لأرفه عليك بروائع التاريخ، أو لأطرفك بهذه النوادر البارعة من ~~سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ فلسنا في وقت ترفيه ولا إطراف ولا ترويح، وإنما نحن نحيا ~~في أيام سود، ليست أقل نكرا، ولعلها أن تكون أشد نكرا من عام الرمادة ذاك. # فقد كان المسلمون في أيام عمر، وفي ذلك العام، يجدون الجوع والظمأ والعري، فأما ~~المصريون في هذا العام فإنهم يجدون الموت ويجدون المرض، ويجدون بعد الموت والمرض ما كان يجد ~~العرب في عام الرمادة من الجوع والظمأ والعري، ومن حق المصريين الذين صب عليهم الوباء ~~أن يدفع عنهم هذا الوباء، وأن ترد عنهم آثاره، فلا يكون منهم من يشكو الجوع والظمأ ~~والعري، وهذا الحق واجب على الدولة ما وجدت في خزائنها من المال ما يمكنها من ذلك، لا ~~ينبغي أن تفكر في شيء حتى تفرغ من هذه المحنة، فإن لم تسعفها خزائنها فمن الحق عليها أن ~~تسلك الطريق التي أراد عمر أن يسلكها، وأن تفرض على القادرين رعاية العاجزين حتى يأتي الله ~~بالفرج. # يجب أن تعلم الدولة، ويجب أن يعلم الموسرون، أن التصدق بالمال خير في أوقات الرخاء ~~والدعة واللين، فإذا اشتدت الشدة، وأزمت الأزمة، وألم الوباء، فالتصدق واجب يفرضه ~~العدل، فإن لم ينهض به ms104 الأفراد من تلقاء أنفسهم، وجب على الدولة أن تأخذهم به أخذا. يجب ~~على الدولة أن تعلم أن الله قد أمر أئمة المسلمين في أوقات الرخاء والدعة أن يأخذوا من ~~الأغنياء ويردوا على الفقراء، حتى لا يبقى بين الناس جائع أو محروم، فإذا جد الجد ~~وألمت الكارثة، فحرام على الموسرين أن يطعموا وأن يشربوا وأن يكتسوا حتى يطعم الجائعون ~~ويشرب الظامئون ويكتسي العارون من المعسرين، وعلى الدولة أن تقوم على هذا كله بسلطان ~~القانون، فإن لم تفعل فهي آثمة أشنع الإثم في ذات الله، وفي ذات الوطن، وفي ذات ~~المواطنين! # هذه دروس ألقاها عمر بن الخطاب على الحاكمين والمحكومين في التضامن الاجتماعي الذي لا ~~يقوم على الاشتراكية ولا على الشيوعية، وإنما يقوم على قول الله عز وجل: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون ~~. # فهل نطمع في أن تسمع الدولة، وفي أن يسمع الموسرون؟ وهل نطمع في أن تتذكر الدولة ويتذكر ~~الموسرون؟ وهل نطمع في أن نعفى وتعفى الكرامة الإنسانية من طلب الصدقات في الصحف إلى ~~قوم يؤثرون الأموال على الوطن وعلى المواطنين؟ # إن من الحق على الدولة أن تعلم البخلاء كيف يكون الكرم والجود بسلطان القانون؛ إذ لم ~~يصدر عن يقظة الضمائر وحياة النفوس ... # الفصل التاسع # | ثقل الغنى # كان عبد الرحمن بن عوف - رحمه الله - كثير المال عريض الثراء في جاهليته، وقد أسرع إلى ~~الإسلام حين ظهرت الدعوة إليه فيمن أسرع إليه من السابقين الأولين، لم يبطره الغنى ولم ~~يصرف الثراء قلبه عن الخير، ولم يخف كما خاف الأغنياء المترفون من قريش ما كان الإسلام ~~يدعو إليه من التسوية بين الأغنياء والفقراء، وبين الأقوياء والضعفاء، وبين الأحرار ~~والعبيد، وإنما شرح الله صدره للإسلام، فأقبل عليه مشغوفا به مضحيا في سبيله بما جمع من ~~مال وما ضم من ثروة وما اكتسب من سؤدد، مستعدا لمشاركة أصحابه في التعرض للأذى ~~واحتمال المكروه، ولم يتردد - كما لم يتردد غيره من أصحابه - حين اشتدت المحنة ms105 وثقلت الفتنة ~~وعظم البلاء، في أن يفر بدينه إلى حيث يأمن على رأيه وعقيدته وعبادته لربه، تاركا وراءه ~~ماله الكثير وثراءه العريض ومكانه الرفيع، وقوما من أهله ذوي قرابته كان يحبهم أشد الحب ~~ويعطف عليهم أرق العطف ويمنحهم صفو ما كان يفيض به قلبه من الرفق والبر والحنان، فهاجر إلى ~~أرض الحبشة الهجرتين جميعا، ثم هاجر إلى المدينة حين اتخذها النبي # صلى الله عليه وسلم # للإسلام دارا، ~~فانتهى إليها وهو لا يملك إلا قلبه الذكي، وضميره النقي، وأنفه الحمي، وإيمانه الذي ملأ ~~نفسه ثقة ويقينا. # وقد آخى النبي # صلى الله عليه وسلم # بينه وبين رجل من أغنياء الأنصار هو سعد بن الربيع الخزرجي رحمه ~~الله، فقال له سعد: انظر إلى مالي وخذ نصفه، ولي زوجتان أطلق لك أيتهما أعجب إليك ~~فتتخذها لنفسك زوجا! قال عبد الرحمن: بارك الله لك، ولكن إذا أصبحت فدلوني على سوقكم. ~~فلما أصبح ذهب إلى السوق فأنفق فيها وجه النهار، ثم عاد وقد باع واشترى واكتسب ما يقيم به ~~الأود، ثم أقبل بعد حين على مجلس النبي # صلى الله عليه وسلم # وقد لبس الجديد، واتخذ من الزينة ما كان ~~يباح للمسلين في ذلك الوقت، فلما سأله النبي # صلى الله عليه وسلم # عن ذلك أنبأه بأنه قد اتخذ لنفسه ~~زوجا من نساء المدينة، وبأنه قد أمهر زوجه وزن نواة من ذهب، فأمره النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يولم ~~لأصحابه، ففعل. # ولم تمض أعوام حتى كان عبد الرحمن بن عوف من أغنياء المدينة قد اكتسب ثروة مكان ثروة، ~~وكنز مالا مكان مال، واستطاع أن يتزوج فيمهر امرأته ثلاثين ألفا، وكان يقول: لقد رأيتني ~~وما أرفع حجرا إلا ظننت أني سأجد تحته ذهبا أو فضة! # كان عبد الرحمن إذن من كبار الأغنياء قبل أن تفتح مكة، فلما تم فتح مكة ضم إلى ~~ثرائه الجديد ثراءه التليد، ثم استثمر هذا كله كأحسن ما يستثمر المال، وكأحسن ما كانت قريش ~~تستثمر المال، حتى أصبح ذات يوم وإنه لمن أغنياء العرب ms106 كافة، ولعله أن يكون أغناهم كافة، لا ~~يستثنى منهم إلا عثمان بن عفان رحمه الله. وربما كان من الممكن أن يقال إن عبد الرحمن بن ~~عوف كان أغنى من بيت مال المسلمين أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فلم يكن بيت المال في ذلك الوقت ~~يدخر شيئا، ولم تكن تجبى إليه الضرائب، ولم يكن يحمل إليه فيء ذو خطر، وإنما كانت ~~تصاب الغنائم اليسيرة في الغزوات فتقسم بين الغزاة، ويحفظ خمسها للمرافق العامة ~~ولوجوه الإحسان والبر. وكانت الصدقات تؤخذ من الأغنياء فتقسم بين الفقراء، ولا يصل منها ~~إلى المدينة إلا أقلها، فإذا وصل حبس على المصارف التي بينها الله في القرآن الكريم، ~~فكان بيت المال فقيرا. وليس أدل على فقر بيت المال من إلحاح النبي # صلى الله عليه وسلم # على الأغنياء ~~من الناس في أن يعينوه على بعض غزواته بأموالهم؛ يخرجون له عن بعض فضولها، أو ينزلون له عن ~~بعض أصولها. # ولم يكن النبي # صلى الله عليه وسلم # يكره شيئا كما كان يكره اجتماع المال، ولم يكن يشفق على نفسه ~~وعلى أصحابه من شيء كما كان يشفق على نفسه وعلى أصحابه من اجتماع المال وتضخم الثراء، ~~فنظر ذات يوم إلى عبد الرحمن وقال له: «يا ابن عوف، إنك من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إلا ~~زحفا؛ فأقرض الله يطلق لك قدميك.» قال عبد الرحمن بن عوف: «وما الذي أقرض الله يا ~~رسول الله؟» قال: «تبدأ بما أمسيت فيه.» قال: «أبكله أجمع يا رسول الله؟» قال: «نعم!» ~~فخرج ابن عوف وهو يهم بذلك، فأرسل إليه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: إن جبريل قال مر ابن عوف ~~فليضف الضيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل ويبدأ بمن يعول، فإنه إذا فعل ذلك ~~كان تزكية ما هو فيه. # وأحب قبل كل شيء أن يقف القارئ معي عند ما في هذا الحديث من سذاجة رائعة، أو روعة ساذجة ~~في لفظه وفي معناه وفي قصته كلها، فرسول الله يشفق على عبد الرحمن من غناه الواسع وماله ms107 ~~الكثير، ويصور هذه الثروة ثقيلة باهظة يحملها صاحبها على كاهله، فتمنعه من السعي وتعسر عليه ~~الحركة، حتى كأنه مقيد لا يستطيع أن يمشي إلى الجنة مع الساعين، أو يعدو إليها مع ~~العادين. وهو لا يشير عليه بأن يتخفف من هذا الثقل يلقيه عن كاهله إلقاء، وإنما يشير ~~عليه بأن يثمر هذا المال ولا يضيعه، وذلك بأن يقرض الله قرضا حسنا، فلا يضيع عليه ماله ~~وإنما يرد عليه يوم القيامة أضعافا مضاعفة. وعبد الرحمن يسأل عما ينبغي أن يقرض الله ~~من ماله، فيقال له: ابدأ بما أمسيت فيه، أي قم فتصدق بكل ما اجتمع لك من مال حين ~~استقبلت المساء، واعلم أنك حين تفعل ذلك لا تزيد على أن تبتدئ، وأنك ستمتحن فيما سيجتمع ~~لك من المال في مستقبل أيامك، بمثل ما امتحنت به فيما اجتمع لك من المال في أيامك ~~الماضية. # وقد ثقل الامتحان على عبد الرحمن بعض الثقل، فهو يسأل النبي: أبكل ما اجتمع لي من المال؟ ~~فيجيبه النبي: نعم. وينهض عبد الرحمن مصمما على أن يمضي أمر الله ورسوله في هذا المال ~~الذي يحبه، والذي أنفق في جمعه وتثميره ما أنفق من الجهد والوقت، واحتمل في تثميره ما احتمل ~~من المشقة والعناء. ولا بأس عليه من أن يحب المال، وإنما البأس كل البأس والجناح كل الجناح ~~أن يمنعه حب المال من أن ينفقه ليبر به اليتامى والمساكين وذوي القربى وأبناء السبيل. أليس ~~الله قد بين البر للمسلمين بأنه ليس التوجه إلى المشرق أو المغرب، وإنما هو الإيمان ~~بالله وإيتاء المال على حبه للذين يحتاجون إليه. # ينهض عبد الرحمن إذن مصمما على أن يمضي في ماله أمر الله ورسوله، ولكن النبي يرسل ~~إليه أن الله ورسوله يرفقان به بعد أن امتحناه ومحصاه، فيأمرانه بأن يضيف الضيف ويطعم ~~المسكين ويعطي السائل، ويبدأ بأهله وعياله؛ فإن فعل فقد زكى نفسه تزكية، وطهر ماله ~~تطهيرا. # حزم في الامتحان حتى تستبين العزيمة الصادقة الماضية على الإذعان مهما يكن شاقا، وعلى ~~التضحية مهما تكن ms108 عزيزة، وعلى الجهد مهما يكن ثقيلا، فإذا استبانت العزيمة الجازمة وظهرت ~~النية الصادقة فالله ورسوله يضعان عنهم بعض ما يحتملون من الثقل . # وقد اختار الله نبيه لجواره، وانقطع خبر السماء، وحرم المسلمون هذا الوحي الذي كان ~~يصابحهم ويماسيهم، وأصبح الناس ذات يوم وإذا رجة عنيفة تتجاوب أصداؤها أرجاء المدينة ~~كلها، وتسأل عائشة أم المؤمنين رحمها الله عن هذه الرجة، فيقال لها: هذه عير عبد الرحمن بن ~~عوف قدمت. فتقول عائشة: أما إني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «كأني بعبد الرحمن بن عوف ~~على الصراط يميل به مرة ويستقيم أخرى حتى يفلت، ولم يكد!» # ويبلغ حديث عائشة عبد الرحمن، وكانت هذه العير خمسمائة راحلة تحمل نفائس العروض من الشام، ~~فإذا سمع هذا الحديث قال: هي وما تحمله صدقة! لم يكتف ببعض ما كانت تحمل، ولم يكتف بكل ما ~~كانت تحمل، ولم يكتف بها دون ما كانت تحمل، وإنما تصدق بها وبأحمالها. ولو قد امتدت ~~الحياة برسول الله واتصل نزول الوحي وتنزلت أخبار السماء إلى الأرض، لكان من الممكن أن يقبل ~~النبي من عبد الرحمن التصدق ببعض تجارته والإبقاء على بعضها الآخر، ولكن عائشة لم تزد ~~على أن روت ما سمعت من رسول الله، وأشفق عبد الرحمن من أن يميل به الصراط مرة ويستقيم به ~~أخرى حتى يبلغ الجنة بعد جهد، وحرص عبد الرحمن على أن يستقيم له الصراط، فلا يكون فيه ميل ~~ولا اضطراب حتى يبلغ الجنة في غير تعثر ولا جهد ولا عناء. # وكان عبد الرحمن رحمه الله من أكبر المسلمين تصدقا، ومن أسخاهم بماله، ومن أوصلهم ~~للرحم، ومن أبرهم بالناس، أنفق حياته كلها مستثمرا لماله متصدقا به، وكان تصدقه لا ينقص ~~من ماله، وإنما يزيد فيه ويضاعفه أضعافا، كأنما قضى الله ألا يجزيه عن صدقته في الآخرة ~~وحدها، وألا يضاعف له قرضه في الجنة وحدها، وإنما يكفل له ثواب الدنيا والآخرة ~~جميعا. # هذا حديث قديم، ولكن الأيام التي نعيش فيها تجعله جديدا كل الجدة، وأنا أسوقه ms109 إلى الذين ~~أتيح لهم من الغنى والثراء مثل ما أتيح لعبد الرحمن أو أكثر مما أتيح لعبد الرحمن، وأحب أن ~~يستقر في قلوبهم أن الثراء إن ثقل على عبد الرحمن مع أنه كان من السابقين الأولين، ومع ~~أنه جاهد بنفسه وماله مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ومع أنه لم ينفق يوما من أيامه إلا تصدق ~~فيه بالكثير؛ أحب أن يستقر في قلوبهم أن الثراء إن ثقل على عبد الرحمن، مع أن النبي قد ضمن ~~له الجنة في نفر من السابقين الأولين، فهو عليهم أثقل؛ لأنهم لم يسبقوا إلى الإسلام، ولم ~~يجاهدوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ولم يضمن النبي لهم شيئا إلا أنهم إن أحسنوا ~~طاعة الله في أنفسهم وأموالهم، لم يضع عليهم مما قدموا شيئا. وإذا خاف النبي على عبد ~~الرحمن ألا يبلغ الجنة إلا زحفا، وألا يعبر الصراط إلا بعد جهد، فنحن أجدر أن نخاف على ~~أغنيائنا ألا يبلغوا الجنة زاحفين، وألا يعبروا الصراط جاهدين أو غير جاهدين. # فلينظر أغنياؤنا إلى ما حولهم من بؤس وشقاء ووباء وموت، وليفكروا في أن أموالهم عارية ~~مردودة، وفي أن الذين يقرضون الله قرضا حسنا يضاعف لهم قرضهم يوم القيامة، وفي أن الذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله قد بشروا بعذاب أليم، يوم يحمى عليها ~~في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، ويقال لهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ~~ما كنتم تكنزون! # الفصل العاشر # | سخاء # لست أدري أتصح هذه الأخبار كما أحب وكما أعتقد، أم لا تصح كما يحب المتشككون وكما ~~يعتقدون، وهي سواء صحت أو لم تصح، تثير في نفسي كثيرا من الخواطر، وتثير في قلبي كثيرا ~~من العواطف، وتدفعني إلى كثير من التفكير، كما تدفعني إلى كثير من الأحلام الحسان ~~العذاب، التي إن صدقت كانت أحسن المنى، وإن لم تصدق كانت قد أتاحت لي أن أعيش ساعات ~~حلوة كما يريد الشاعر القديم أن يقول. # وهذه الأخبار هي التي تتصل بكرم الكرماء، وجود الأجواد، وتبرم ms110 الأغنياء بما يتاح لهم من ~~الغنى وما يساق إليهم من الثراء. والحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعا حراصا على المال، ~~بخلاء بما يملكون، لا ينالون من الغنى حظا إلا ليبتغوا حظا أوفر مما نالوا، ولا ~~يحرزون من الثراء نصيبا إلا ليطلبوا أكثر مما أدركوا، ثم هم على كثرة ما يملكون وكثرة ما ~~يحصلون وكثرة ما يتراكم عندهم من الغنى، أشبه شيء بالصخرة المصمتة، ذات القاع البعيد أو ~~التي ليس لها قاع، فهي لا تجود بشيء مما يستقر فيها من الماء مهما يكثر، ومهما يركب بعضه ~~بعضا، وإنما هي مصمتة من جميع جوانبها، ليس فيها أمل لمن يطيف بها إلا أن يحطمها ~~تحطيما. # الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعا حراصا على هذا النحو من الحرص، بخلاء إلى هذا الحد ~~من البخل، وإنما جعل منهم بين حين وحين من لا يكره الغنى، ولكنه على ذلك لا يفنى فيه ولا ~~يتهالك عليه ولا يتخذه غاية، وإنما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه وينفع بها أهله، وينفع بها ~~ذوي قرابته، وذوي مودته، وينفع بها أكثر عدد ممكن من الناس، حين يتاح له أن ينفع أكثر عدد ~~ممكن من الناس. # هؤلاء الأجواد الأسخياء عزاء عن الحراص البخلاء، يلقون في روعك أن الإنسانية ليست شرا ~~كلها، وأن حياة الناس قد تكون صحراء مقفرة مجدبة شديدة العقم، ولكنها على ذلك لا تخلو من ~~الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر وأضناه الجهد، أن يجد ~~فيها من الظل والماء، ومن الراحة والروح، ما ينسيه بعض ما احتمل من المشقة، ويعينه على ~~احتمال ما سيلقاه من الجهد حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة، ولولا هؤلاء ~~الأجواد الأسخياء لكانت الإنسانية خليقة أن نبغضها أشد البغض وأعظمه بشاعة ونكرا. # والناس يلتمسون الراحة حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها، وهم لذلك يلتمسون العزاء ~~حيث يجدونه وكما يستطيعون أن يجدوه؛ يلتمسونه من حولهم، فإذا لم يظفروا به أبعدوا في السعي ~~والتمسوه في الأطراف النائية والأماكن ms111 المتباعدة، فإذا أعياهم أن يظفروا به في المعاصرين، ~~من قرب منهم ومن بعد، التمسوه فيما مضى من الأيام وفيما سلف من العصور . وقد يظن ~~القارئ أني أتكثر أو أتزيد، ولكني أؤكد له أني لست من التكثر والتزيد في شيء، وإنما ~~استقبلت هذه الأحداث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، وهذا البؤس الذي يأخذ كثرة المصريين من ~~جميع أقطارهم، ويسعى إليهم من كل وجه، يعدهم للموت حتى يسلم بعضهم إليه، ثم يستأثر بمن ~~بقي منهم فيمضي في إعدادهم للموت، متمهلا حينا ومتعجلا حينا، وجعلت أنظر فيمن حولي من ~~الأغنياء، وأنظر في موقفهم من هذا الشقاء الملم، والبلاء المدلهم، والهول الهائل، والعذاب ~~الشديد، فلم أر إلا حرصا وبخلا، وقسوة في القلوب، وغلظا في الأكباد، وجفوة في الطباع، ~~وكدرا في الضمائر، ووجدت قوما ينفقون على كره للإنفاق، وقوما آخرين يترددون بين ~~الكرم والبخل ثم يؤثرون البخل بعد طول التردد واتصال التفكير، وقوما آخرين لا ينفقون ولا ~~يترددون ولا يفكرون، وإنما يجهلون من حولهم من الناس، ويجهلون ما حولهم من البؤس والضنك ~~والضيق والموت، يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا ~~يروا، ويجعلون على قلوبهم أكنة وأقفالا حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئا من تضامن ~~أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق. # أولئك وهؤلاء يقبلون على لذاتهم ومنافعهم وآمالهم كما يتصورونها، لا يعنيهم أن يلذوا ~~والناس من حولهم يألمون، ولا يسوءهم أن ينعموا والناس من حولهم يتجرعون الشقاء والبؤس ~~والعذاب غصصا، فهم يرقصون على جثث المواطنين، ويسعدون بشقائهم، ولا يفرقون بين هذه ~~الموسيقى البشعة المنكرة التي تأتي من شكاة الشاكين، وبكاء الباكين، وأنين المرضى، وحشرجة ~~المحتضرين، وهذه الموسيقى الأخرى التي تصل إليهم من عزف العازفين، ونفخ النافخين، ورقص ~~الراقصين، ولا يجدون بأسا حين يقبلون على كئوسهم المترعة المصفاة، أن يكون مزاجها من هذه ~~الدموع الغزار التي لا ترى ولا تحس لأنها لا تنزف من أعين الناس، وإنما تنزف من أعين مصر ~~كلها. ودموع الناس قد ترى وقد تحس ms112 فيضيق بها الذين يرونها والذين يحسونها، ولكن دموع ~~الأوطان والشعوب والأجيال لا يراها ولا يحسها إلا الذين أتيح لهم شيء من رقة القلوب، وصفاء ~~النفوس، ونقاء الضمائر، وتهذيب الطباع، وهؤلاء مع الأسف قليلون بل هم أقل من القليل. # استقبلت هذا كله ونظرت فيمن حولي من الناس، لأرى كيف يرفق بعضهم ببعض، وكيف يعطف بعضهم ~~على بعض، وكيف يسرع الموسرون منهم إلى معونة المعسرين، فلم أر شيئا ذا خطر، وإنما رأيت ~~كرما قليلا وكلاما كثيرا، واستباقا إلى التفاخر الكاذب، وتهالكا مع ذلك على ~~اللذة الباطلة والنعيم السخيف. وما أعلم أن أغنياءنا - على كثرة ما يملكون، وعلى كثرة ~~ما يغل عليهم ما يملكون - قد استطاعوا أن يجمعوا لمعونة المنكوبين بوباء الكوليرا مائة ألف ~~من الجنيهات، وأحسبهم ما زالوا بعيدين عن هذا المقدار أشد البعد، وما أرى أنهم سيبلغونه أو ~~يقربون منه. وهم قد أخذوا ينسون الوباء، بعد أن أمنوا على أنفسهم - إن جاز للناس أن يأمنوا ~~على أنفسهم - وبعد أن زعمت لهم وزارة الصحة أن الوباء قد أوشك أن يزول. لم يقل أحد لنفسه - ~~ولا يرجى أن يقول أحد منهم لنفسه - إن الوباء قد اختطف من أسر كثيرة رجالا كانوا ~~يعولونها، واضطرها إلى إعدام لا سبيل إلى تصوره فضلا عن وصفه، وإن من حق هذه الأسر أن ~~تعيش أولا، وأن تجد من عطف المواطنين عليها بعض العزاء عما ألم بها من الخطب ثانيا، ~~وأن تشعر بأنها أسر كريمة في وطن كريم ثالثا. # لم يخطر لأحد منهم - ولا يرجى أن يخطر لأحد منهم - شيء من ذلك؛ لأنهم مشغولون عن هذه ~~الخواطر بجمع المال إلى المال، وضم الثراء إلى الثراء، وباللذات التي لا يفرغون من بعضها ~~إلا ليقبلوا على بعضها الآخر، ولا يستريحون منها إلا ليستأنفوا العكوف عليها والإمعان ~~فيها. ثم لم يخطر لأحد منهم - وليس يرجى أن يخطر لأحد منهم - أن بؤس البائسين وإعدام ~~المعدمين لا يجر الخزي عليهم بمقدار ما يجر الخزي على وطنهم كله، وعلى الذين أتاحت لهم ~~الظروف أن يكونوا ms113 عنوانا لهذا الوطن، يلقون الأجنبي حين يفد على مصر، ويسعون إلى الأجنبي ~~إذا لم يفد على مصر، ويسمعون منه - راضين أو كارهين - حديث الوباء والمنكوبين، فلا يستحيون ~~لأنفسهم، ولا يستحيون لوطنهم، ولا يستحيون لهذا الجيل من المصريين أن يوصم في أعين الأجنبي ~~بالأثرة المنكرة التي تغض من صاحبها وتجعله خليقا أن يزدرى ويحتقر، ولا يكرمه من ~~يكرمه إلا بمقدار ما يتخذه وسيلة إلى تحقيق منافعه، وقضاء آرابه. # أي بأس علي إذا رأيت هذا كله وضقت بهذا كله، فوجدتني بين اثنتين: إما أن أبغض ~~الحياة والأحياء، وأنكر الوطن والمواطنين، وإما أن ألتمس العزاء حيث أستطيع أن ألتمسه، وكما ~~أستطيع أن ألتمسه، لعل الغمرة أن تنجلي، ولعلي أستطيع - بعد وقت قصير أو طويل - أن أعود إلى ~~هذا الجيل من المصريين المعاصرين، ومن أغنيائهم خاصة، فأقول لهم وأسمع منهم دون أن أجد في ~~نفسي هذا الألم الممض، وهذا الاشمئزاز البغيض. # إلى التاريخ إذن وإلى أحاديث القدماء، فقد ملأ المعاصرون قلوبنا يأسا ونفوسنا قنوطا. ~~لنهجرهم، ولنهاجر في الزمان إذا لم تتح لنا الهجرة في المكان، ولننظر في أخبار تلك ~~العصور القديمة، سواء أصحت أم لم تصح، فهي إن صحت كانت لنا عزاء، وهي إن لم تصح ~~أتاحت لنا أن نحلم بجيل من الناس لا يكون الرجل فيه عبدا للمال ولا مرقوقا للثروة، وإنما ~~يكون المال فيه عبدا لمالكه، وتكون الثروة فيه وسيلة إلى إعانة المنكوب وإغاثة الملهوف، ~~وإنقاذ المحروم، ثم إلى إثارة العاطفة الحلوة التي يجدها الرجل الكريم حين يحس أنه قد أعان ~~منكوبا، وأغاث ملهوفا، وأنقذ محروما وبر صديقا، وتصرف في ماله ولم يدع ماله ~~يتصرف فيه. # إلى التاريخ إذن لننسى العصر الذي نعيش فيه، وإلى أحاديث القدماء لنتسلى عن سيرة ~~المحدثين. # وتستطيع أن تصدقني أو لا تصدقني، فما يعنيني من ذلك شيء، ولكنك تستطيع أن تقرأ - على كل ~~حال - أني وقفت وقفات طويلة، طويلة جدا، عند بعض هذه الأحاديث التي تروى لنا عن القدماء ~~من أصحاب الجود والسخاء، عند هذه القصة التي ms114 تروى عن عثمان - رحمه الله - حين أجدب أهل ~~المدينة أبي بكر حتى ارتفعت الأسعار، ولم يجد الفقراء وأوساط الناس ما يأكلون، وأقبلت في ~~أثناء ذلك عير لعثمان تحمل من الشام خيرا كثيرا، فأسرع التجار إليه يريدون أن يشتروا منه ~~بضاعته لييسروا بها على الناس، وجعل يساومهم حتى عرضوا عليه ما يعدل أربعة أضعاف أثمانها، ~~ولكنه أبى أن يبيع إلا إن استطاعوا أن يدفعوا إليه عشرة أمثال أثمانها، فلما أظهروا العجز ~~أنبأهم بأن الله قد وعده عشرة أمثالها إن تصدق بها، ثم أعلن إليهم أنه يؤثر هذه التجارة ~~على تجارتهم، ويؤثر ثواب الله على أموالهم، وأن بضاعته هذه صدقة للمسلمين! # نعم، ووقفت وقفات طويلة، طويلة جدا، عند رجل آخر من أصحاب النبي، هو طلحة بن عبد الله ~~رحمه الله، وقد دخلت عليه امرأته فرأته مغتما حزينا، فلما سألته عن ذلك رفيقة به عطوفا ~~عليه، أنبأها أن قد جاءه مال كثير، فهو مهتم لا يدري ما يصنع به، فلم تزد امرأته على أن ~~قالت له مبتسمة: اقسمه. قال: نعم. ثم قسم هذا المال بين ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة ~~من المسلمين، واستقبل بعد ذلك ليله سعيدا، وكان هذا المال أربعمائة ألف درهم! # نعم، وأقف وقفات طويلة، طويلة جدا، عند طلحة نفسه حين باع أرضا له وأدى إليه ثمنها ~~سبعمائة ألف درهم، فلما حصل المال في داره، فكر غير طويل ثم قال: إن رجلا يمسي وعنده ~~هذا المال لا يدري ما ادخر له القضاء من أمر الله لمغرور! ثم أمر فقسم هذا المال على ذوي ~~قرابته، وذوي مودته، وذوي الحاجة من المسلمين، ولم ينم حتى أنفقه عن آخره. # والغريب أن هذا الإنفاق على كثرته وعلى اتصاله لم ينته بطلحة إلى الفقر أو إلى شيء يشبه ~~الفقر؛ لأن الله قد وعد الأغنياء إذا أنفقوا في سبيل الله مخلصين لا يبتغون رياء ولا شهرة ~~ولا نفاقا، أن يخلف عليهم ما أنفقوا. وقد قتل يوم الجمل وتعرضت ثروته بعد موته ~~لخطوب كثيرة، ولكن ورثته على ms115 رغم ذلك اقتسموا فيما بينهم ثلاثين مليونا من الدراهم! # فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعوا أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ~~ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئا ذا خطر. وليت أغنياءنا يصدقون وعد الله أو ~~يمتحنون هذا الوعد، ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين؛ ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا، ~~ولكن هيهات! ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم ~~إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في ناد من أندية الميسر، وميدان من ~~ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيل من سبل البر ليتبينوا أيصدقهم الله ما ~~وعدهم أم لا. والشيء الذي يملأ القلوب غيظا والنفوس كمدا، هو أن الحكومات ترى من حرص ~~الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين ~~المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحروب، وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له. # صدقني إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب، أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل. ~~فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفر إلى زمان آخر من أزمنة ~~التاريخ. # الفصل الحادي عشر # | مصر المريضة # لم أكد أصعد إلى السفينة وأستقر فيها، وأفرغ من هذه المواسم البغيضة التي لا بد منها ~~لكل مبحر مهما يكن الثغر الذي يبحر منه، حتى علمت بأن مصر مريضة، فاستمعت للنبأ غير ~~حافل به ولا آبه له ولا ملق إليه بالا. فالنبأ منشور في إحدى الصحف الفرنسية التي لا ~~تصدر في مارسيليا، وما أكثر ما ينشر عن مصر من هذه الأنباء التي لا تصور حقا ولا تدل ~~على شيء، إلا ما يكون في نفس الذين أبرقوا بها من بغض لمصر أو ميل إلى الكيد لها، والنعي ~~عليها، والإسراف فيما يذاع عنها من أنباء السوء! # والصحف الفرنسية في هذه الأشهر الأخيرة قليلة العطف على مصر، شديدة الضيق بها، سريعة إلى ~~التحدث عنها بما لا يحب ms116 المصريون، تنتهز لذلك الفرص إن سنحت، وتخلقها إذا لم تسنح، وقد كان ~~بيننا وبين فرنسا تلك الخطوب التي أحفظتنا على الفرنسيين وأغرتنا بهم، وأحفظت علينا ~~الفرنسيين وأغرتهم بنا، فالقارئ المستبصر خليق أن يصطنع كثيرا من الحرص والأناة حين يقرأ ~~أنباء مصر في فرنسا، وحين يقرأ أنباء فرنسا في مصر. ولست أخفي على القارئ أني لم أكد أسمع ~~ما نشر في تلك الصحيفة من أن مصر مريضة، ومن أن مرضها شيء يشبه أن يكون وباء الكوليرا، ~~ومن أن الحكومة المصرية قد أخذت تتأهب لمقاومة الوباء، حتى رفعت كتفي وهززت رأسي، ~~وابتسمت ابتسامة ساخرة من هؤلاء الصحفيين الذين يريدون أن يكيدوا فلا يحسنون الكيد، وأن ~~يكذبوا فلا يحسنون تخير الأكاذيب. # ومضى يوم ويوم والسفينة تجري إلى غايتها، يعنف بها البحر حينا ويرفق بها حينا آخر، دون ~~أن يتحدث أحد إلى أحد بهذا النبأ السخيف الذي نشرته صحيفة سخيفة، ومر بها القارئون ~~مرا سريعا، ولكننا نمسي ذات يوم وإذا إعلان قد ألصق في غير موضع من السفينة، ينبه فيه ~~المسافرون إلى أن الماء العذب سيحجز عنهم ساعات من النهار؛ لتستطيع السفينة أن تبلغ بيروت ~~دون أن تأخذ شيئا من ماء مصر، لأن وباء الكوليرا يمنعها من ذلك. # هنالك لم نرفع الأكتاف ولم نهز الرءوس، ولم نبتسم ابتسامات ساخرة ولا جادة، وإنما نظر بعض ~~المسافرين إلى بعض في صمت، ثم أقبل بعض المسافرين على بعض يتساءلون. أما أنا فأعترف بأني لم ~~أرفع كتفي ولم أهز رأسي، وإنما أطرقت إلى الأرض، وجعلت أتضاءل وأتضاءل، ووددت لو نظر إلي ~~من حولي من الناس فلم يروني، ووددت لو تحدث إلي من حولي من الناس فلم يسمعوا مني ~~لحديثهم رجع جواب. فلم يكن الشعور الذي وجدته في ذلك الوقت شعور الخوف، ولا الشعور ~~بالحاجة إلى الاحتياط، وإنما كان شعورا غريبا أستطيع الآن أن أقول إنه كان مزاجا من ~~الحزن والخزي جميعا. # كان فيه الحزن على هذا البلد الذي كنا نراه خليقا بالسعادة، والذي أفنينا شبابنا ~~وكهولتنا وجهودنا وقوانا ms117 لنرقى به إلى بعض هذه السعادة التي كنا نراه لها أهلا، ثم ها ~~نحن أولاء نرى الشقاء يصب عليه صبا، والبلاء يأخذه من جميع أقطاره، والآلام والنوائب ~~تسعى إليه من كل وجه. نرى البؤس البائس يغمر الكثرة الكثيرة من أهله، فيلابسهم ملابسة متصلة ~~لا تقلع عنهم في ليل ولا نهار، فهم جائعون عراة جهال، أشقياء بهذا كله، ويزيدهم شقاء أن ~~كثيرا منهم يعرفون هذا البؤس الذي هم فيه، ويعرفون أن من حقهم أن ينعموا، ويريدون أن ~~يخلصوا من بؤسهم، وأن يحققوا لأنفسهم شيئا من نعيم، ولكنهم لا يبلغون ما يريدون، ولا ~~يعرفون كيف يبلغون ما يريدون، ولا يجدون من يعينهم على أن يبلغوا ما يريدون. # وفيه الحزن على هذا البلد الذي كنا نراه أهلا للحرية والأمن، والذي أفنينا شبابنا ~~وكهولتنا وجهودنا وقوانا لنظفر له ببعض حقه من الحرية والأمن، ثم ها نحن أولاء ننظر فنراه ~~مغلولا لا يقدر على أن يتحرك، معقود اللسان لا يقدر على أن ينطق، مقفل القلب لا يقدر على ~~أن يجد ما تجد الشعوب الحرة من الشعور بأيسر كرامة الإنسان. ثم ننظر إليه فنجده من أجل ذلك ~~خائفا يترقب، يخشى أن يعمل فيغضب سادته، ويخشى أن يقول فيحفظ قادته، ويخشى أن يسكت فيسوء ~~به ظن المسيطرين على أمره، فهو حائر بين الحركة والسكون، وبين الكلام والصمت، وبين الشعور ~~والجمود. # وفيه الحزن بعد ذلك على هذا البلد الذي كنا نراه أهلا للاستقلال، والذي أفنينا شبابنا ~~وكهولتنا وجهودنا وقوانا لنظفر له بحقه في هذا الاستقلال، ثم نحن ننظر فإذا هو يرد عن حقه ~~أعنف الرد وأقساه، وإذا المنتصرون الذين كانوا يترضونه ويتملقونه في أمس القريب، قد ~~ائتمروا به وتنكروا له وكادوه كيدا، إن صور شيئا فإنما يصور الجور والغدر والظلم ~~والجحود. # وفيه الحزن بعد هذا وذاك لهذا البلد الذي صرفت عنه ضروب الخير في السياسة والثقافة ~~والاقتصاد، ومنحه الله مع ذلك إقليما معتدلا وأرضا خصبة وسماء صافية ونهرا يفيض بالنعمة ~~والنعيم، وكان هذا كله خليقا أن يكفل لأهله ms118 حياة مادية محتملة، ويصرف عن أهله الآفات ~~والعلل والأدواء، ولكنا ننظر فإذا هو قد حرم حتى هذه الحياة، وإذا الآفات والعلل والأوبئة ~~تسعى إليه من أقصى الشرق، ومن أقصى الجنوب، فلا تجد من يردها عنه أو يحميه من شرها، وإذا ~~الآفات والعلل والأوبئة تهبط عليه من سمائه الصافية، وتخرج له من أرضه الخصبة، وتسعى إليه ~~مع نهره الفياض، وإذا أهله مرتع الآفات والعلل والأوبئة، تصيب منه ما تشاء كما تشاء، ومتى ~~تشاء، وحيث تشاء! وإذا العالم كله يتلقى الأنباء في أقل من شهر بأن هذا البلد الذي خلق ~~للعزة ما زال مستذلا، وبأن هذا البلد الذي خلق للأمن ما زال خائفا، وبأن هذا البلد ~~الذي خلق للحرية ما زال مستعبدا، ثم بأن هذا البلد الذي خلق للصحة مريض يفتك وباء ~~الكوليرا بمدنه وقراه وبمن في مدنه وقراه كما يشاء، ومتى يشاء، وحيث يشاء! # ثم في هذا الشعور الذي أطرقت له إلى الأرض وتضاءلت له وتضاءلت، شيء عظيم كئيب من الخزي ~~لهذا البلد الذي كنا نظنه قد تجاوز هذا الطور، طور البلاد المتأخرة العتيقة الجاهلة التي ~~تفتك بأهلها الأوبئة، فإذا نحن نراه عرضة للوباء، بل مرتعا للوباء، وأي وباء؟ وباء ~~الكوليرا الذي كنا نظن أنه لن يعود إلى مصر بعد أن فعل بها وبأهلها الأفاعيل في أول هذا ~~القرن. # ليت شعري ماذا صنعت مصر؟ وماذا صنع المصريون؟ يقال إنهم قد أنشئوا في هذا القرن كثيرا من ~~المدارس ومعاهد العلم، ومضوا في الحضارة الحديثة إلى أبعد حد ممكن، فلهم برلمان كما أن ~~لغيرهم من الأمم برلمانات، ولهم وزارات منظمة كما أن لغيرهم من الأمم المتحضرة وزارات ~~منظمة، ولهم وزارة قد خصصت لشئون الصحة، كما أن لغيرهم وزارة مخصصة لشئون الصحة، ~~ولهم عاصمة تتفوق على كثير من عواصم البلاد المتحضرة وتقاس إلى عواصم الدول الكبرى، يعجب ~~بها أهل باريس، وأهل لوندرة، وأهل نيويورك إذا ألموا بها وأقاموا فيها، وهم بعد هذا كله ~~قد نالوا من الترف ما صرف عن كثير من الأمم المتحضرة ms119 في هذه الأيام، حتى أصبح ثراؤهم ~~وترفهم وإقبالهم على اللذات مضرب الأمثال في أقطار الأرض كلها ... كل هذا حق، وكل هذا شيء ~~نسمعه حين نزور باريس وغير باريس من المدن الكبرى في أوروبا وفي أمريكا. كل هذا حق، ولكن من ~~الحق أيضا أن العالم كله قد تلقى منذ شهر نبأ مقتضبا، ولكنه على ذلك خطير أشد الخطورة، ~~تلقى النبأ بأن مصر التي أراد إسماعيل أن يراها جزءا من أوروبا قد ألم بها وباء ~~الكوليرا، وأقام فيها، وأنها تريد أن ترده فلا تستطيع له ردا، وأنها تستعين بالعالم ~~المتحضر على وقاية أبنائها من شره، وحمايتهم من فتكه البغيض. # وكنت أظن أن هذا الشعور بالخزي مظهر من مظاهر الغرور والكبرياء والاعتداد بالنفس والوطن، ~~ولكني لم أكد أبلغ مصر حتى عرفت أني لست مستأثرا من دون المصريين المثقفين بهذا النوع ~~من الغرور والكبرياء والاعتداد بالنفس والوطن؛ فكل مصري مثقف يقدر نفسه ويقدر وطنه، ~~ويستحضر ما بذل المصريون من الجهود في العصر الحديث ليرقوا بوطنهم إلى حيث ينبغي أن يكون من ~~العزة والأمن والحرية والصحة في الأبدان والقلوب والعقول، كل مصر مثقف يجد هذا الشعور المر ~~الذي وجدته، والذي هو مزاج يأتلف من الحزن الممض، والخزي الذي تطأطأ له الرءوس. # وينظر إلي من كان حولي من المسافرين، وفيهم المصري والأجنبي، فيروعهم ما يرون من هذا ~~الوجوم الذي أغرق فيه إغراقا غريبا، فيظنون بي في أعماق أنفسهم الظنون، ويسألني بعضهم ~~محاولا أن يهون علي الخطب، وأن يردني إلى شيء من الأمن: ماذا أجد؟ فلا أزيد على أن ~~أذكره بأني أعرف وباء الكوليرا، وبأني قد تحدثت عنه في بعض ما قرأ لي من كتب، وبأني ~~قد رأيت هذا الوباء ولما أتجاوز العاشرة، فكان له في قلبي وحياتي كلها أبلغ الأثر وأعمقه ~~وأبغضه. وتأثر الأطفال حين يكون عميقا بغيضا إلى هذا الحد لا يفارقهم مهما تمتد لهم ~~أسباب الحياة. # أصدقوني أم لم يصدقوني؟ لا أدري! ولكن أنا لم أصدق نفسي، فلم يكن بين هذا الوجوم الذي ~~أغرقت ms120 فيه وبين ذكريات الصبا على مرارتها وعلى ما تثير في النفس من الحسرات، صلة قريبة أو ~~بعيدة في ذلك الوقت، وإنما نشأ هذا الوجوم عن هذا الشعور الحزين المستخذي الذي يجده المصري ~~المثقف حين يرى آماله وأعماله وجهوده، وآمال كثير من نظرائه وأعمالهم وجهودهم، تنهار ~~كأنهم لم ينعموا بهذه الآمال، وكأنهم لم يسعدوا بما حاولوا من الأعمال، وكأنهم لم يستمتعوا ~~بما بذلوا من الجهود، وكأنهم لم يتحدثوا إلى أنفسهم، ولم يتحدث بعضهم إلى بعض بأن آمالهم ~~التي كانت بعيدة قد أخذت تقرب وتقرب حتى توشك أن تتحقق، وبأن أعمالهم الشاقة قد أخذت تؤتي ~~ثمراتها، وبأن جهودهم العنيفة قد أخذت تدنيهم من غاياتهم، وبأنهم سيستطيعون بعد حين أن ~~يقفوا بعد طول السعي، وأن ينظروا فإذا هم لم ينفقوا حياتهم عبثا، ولم يبذلوا جهودهم في غير ~~طائل، وإنما تلقوا من آبائهم وطنا ضعيفا مهيضا عليلا، فما زالوا به حتى ردوا إليه ~~شيئا من قوة وصحة وعافية ونشاط، ومضوا به في طريق العزة والكرامة أشواطا وأشواطا، وهم ~~يستطيعون أن يسلموه إلى أبنائهم مطمئنين إلى أنهم قد نهضوا بالحق فأحسنوا النهوض، وأدوا ~~الواجب فأحسنوا الأداء. # كان هذا الشعور بخيبة الأمل وضيعة العمل مصدر هذا الوجوم الذي أغرقت فيه، ولكني لم أكن ~~أستطيع أن أتحدث بشيء من ذلك إلى من كان حولي من الناس، فهم كانوا مشغولين بأنفسهم عن ~~المثقفين المصريين وعن آمالهم وأعمالهم وجهودهم، وعن هذه الفلسفة اليائسة التي تغمر قلوبهم ~~في هذه الأيام السود، وهم كانوا يتحدثون فيما بينهم بما ينبغي أن يتخذوا من ضروب التحفظ ~~وألوان الاحتياط، وهم على كل حال قد عرفوا أني لا أحب أن أسمع لحديث الكوليرا ولا أن أشارك ~~فيه، فأعفوني من هذا الحديث، ولكن الأنباء لم تعفني منه؛ فقد كانت نشرة السفينة تعلن إلينا ~~كل يوم عدد الإصابات وعدد الوفيات وأماكن هذه وتلك، ولم نشرف على الإسكندرية حتى لم يكن ~~لأهل السفينة كلهم حديث إلا هذا الوباء، وكنت أظن أني سأجد إذا بلغت مصر وجوما شائعا، ~~وحزنا ms121 منتشرا، واستخذاء شاملا، كما كنت أجد في نفسي من الوجوم والحزن والاستخذاء، ~~ولكني أبلغ الإسكندرية وألقى من شاء الله أن ألقى من المصريين، فإذا حياتهم تجري على ~~الوتيرة التي ألفناها، وإذا الوباء يروعهم ولكنه لا يصرفهم عن أنفسهم ولا عن لذاتهم، وإذا ~~أنباء السياسة تحزنهم، ولكنها لا تلهيهم عن أنفسهم ولا عن لذاتهم، وإذا أنباء الاقتصاد ~~تخيفهم، ولكنها لا تشغلهم عن أنفسهم ولا عن لذاتهم، وأبلغ القاهرة فأرى فيها مثل ما رأيت ~~في الإسكندرية، وإنما الذين تشغلهم أنباء الوباء والسياسة والاقتصاد عن أنفسهم وعن لذاتهم ~~قلة ضئيلة ليس أيسر من إحصائها، فأما من عدا هذه القلة فماضون في حياتهم كما تعودوا أن ~~يمضوا؛ ألسنة طوال، وعقول قصار، وقلوب قاسية كالحجارة بل أشد قسوة، فلا أملك نفسي أن أتلو ~~قول الله عز وجل: # وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا ~~، ولا أملك نفسي أن أتلو قول الله عز وجل: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها ~~رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ~~. # ويقبل العيد فإذا المترفون مقبلون على عيدهم كما أقبل عليهم عيدهم، لا يشعرون بأن مئات ~~من الأسر في مئات من المدن والقرى قد كانت تنتظر العيد كما كانوا ينتظرونه، وتتشوق إليه ~~أكثر مما كانوا يتشوقون إليه، ولكن العيد أخلفهم موعده، وأرسل إليهم الموت نائبا عنه، ~~وأرسل إليهم مع الموت حسرات وعبرات وزفرات، وأرسل إليهم مع هذا كله شقاء ملحا وبؤسا ~~مقيما. نعم، لا يشعرون بأن أمهم مصر مريضة، وبأن مرضها هو النزيف المهلك، ولكنها لا تنزف ~~دما وإنما تنزف أبناءها ونباتها نزفا. لا يشعرون بشيء من ذلك، أو يشعرون به ولا يلتفتون ~~إليه، أو يشعرون به ويلتفتون إليه ولكنهم لا يحفلون إلا بأنفسهم، ولا يشفقون إلا عليها، ~~كأنهم يستطيعون أن يعيشوا وينعموا ويستمتعوا بالحياة إذا ضرب الحزن والبؤس والموت أطنابها ~~على هذا البلد البائس الشقي. # هيهات! هيهات! إنما ذلك تعليل النفس ms122 بالأماني الباطلة، وخداعها بالآمال الكاذبة، وإن ~~المصريين بين اثنتين لا ثالثة لهما: فإما أن يمضوا في حياتهم كما ألفوها، لا يحفلون إلا ~~بأنفسهم ولذاتهم ومنافعهم، وإذن فليثقوا بأنها الكارثة الساحقة الماحقة التي لا تبقي ~~ولا تذر؛ وإما أن يستأنفوا حياة جديدة كتلك التي عرفوها في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ~~قوامها التضامن والتعاون وإلغاء المسافات والآماد بين الأقوياء والضعفاء، وبين الأغنياء ~~والفقراء، وبين الأصحاء والمرضى، وإذن فهو التآزر على الخطب حتى يزول، وعلى الكارثة حتى ~~تنمحي، وعلى الغمرات حتى ينجلين. # إلى أي الطريقين يريد المترفون من المصريين أن يذهبوا: إلى طريق الموت أم إلى طريق ~~الحياة؟ سؤال ألقيه على نفسي حين أصبح، وألقيه على نفسي حين أمسي، وأضرع إلى الله بين ذلك ~~أن يجنبني اليأس، ويعصمني من القنوط، ف # إنه لا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون ~~. # القاهرة 10 / 10 / 1947 ms123