######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.OedipusAndTheseus.Hindawi29384073 #META# Tags: novels #META# ID: 29384073 #META# Title: أوديب وثيسيوس: من أبطال الأساطير اليونانية #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # أوديب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # ثيسيوس‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # مقدمة‏ # أوديب‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # ثيسيوس‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # | أوديب وثيسيوس # | أوديب وثيسيوس # | من أبطال الأساطير اليونانية # تأليف # أندريه جيد # ترجمة # طه حسين # Mon cher André Gide Pour vous avoir entendu nous ltre “Edipe” et “Thésée”, je sais la ~~particulière tendresse que vous avez pour eux. # C’est pourquoi je leur appris l’arabe, ajin qu’ils puissent aux ~~lecteurs de l’Orient dire votre message, qui est confiance, courage, ~~sérénité. # Ils témoigneront aussi de cette grande admiration que j’ai pour vous, ~~et qui, depuis notre rencontre, est devenue une si précieuse ~~amitié. # TAHA HUSSEIN # Le Caire, le 7 octobre 1946 # صديقي أندريه جيد # سمعتك تقرأ لنا قصتي «أوديب» و«ثيسيوس»، فعرفت الحنان الخاص الذي تؤثرهما به. # ومن أجل هذا علمتهما العربية ليبلغا إلى قراء الشرق رسالتك التي هي ثقة وشجاعة واستبشار. # وسيشهدان كذلك بما أضمر من إعجاب بك قد أصبح منذ التقينا ودا كريما. # طه حسين # القاهرة، 7 أكتوبر 1946 # | مقدمة # 1 # كان لايوس # Laïus # منذ ارتقى إلى عرش ثيبا # Thèbes # يحيا حياة سعيدة راضية مع زوجه جوكاست # Jocaste ~~. ولم يكن يكدر صفو هذه السعادة إلا شيء ~~واحد وهو أن الزوجين لم يرزقا الولد؛ فخطر للملك أن يستثير أبولون # Apollon # في محنته هذه، لعله أن يجد له منها مخرجا، ~~وأن يتم عليه نعمة الملك السعيد المجيد الذي لا يقتصر على شخص صاحب العرش، وإنما ~~ينتقل منه إلى ذريته التي تتوارثه أجيالها إلى آخر الدهر. فلم يكن لايوس قصير الأمل ~~ولا محدود الأمد. لم يكن يريد أن يملك ليس غير، وإنما كان يريد أن ms01 ينشئ ~~أسرة مالكة. ولكن أبولون لم يكن سمحا ولا مواتيا؛ فأظهر للملك في شيء من الإلغاز ما ~~خبأه له القضاء. أعلن إليه أنه إن رزق الولد فسيقتله ابنه. وقد عاد لايوس من ~~معبد أبولون مهموما، شديد الحزن، موزع النفس بين الحرص على الحياة والرغبة في ~~الولد الذي يرث الملك، ويخلد الذكر. # وقد شك طويلا أو قصيرا بين هاتين العاطفتين، ولكنه آثر الحياة آخر الأمر على ~~الولد، فرضي العقم، بل رغب فيه وحرص عليه. غير أن القضاء ماض إلى غايته دائما ، ~~فما هي إلا أن يرزق لايوس من زوجه جوكاست هذا الغلام الذي أنذره أبولون بأنه ~~سيذيقه الموت. هنالك استأثر الحرص على الحياة بنفس الملك؛ فأزمع أن يقتل ابنه قبل أن ~~يقتله هذا الابن، وأسلم الطفل إلى راع من رعاته، وكلفه أن يلقيه على الجبل نهبا ~~للسباع. ولكن الراعي لم يكن قاسي القلب ولا غليظ الطبع، فلم يلق الطفل على ~~الجبل ولم يقتله، وإنما أسلمه إلى راع آخر لملك كورنت # Corinthe # في بعض الروايات، أو علقه إلى شجرة من أشجار الجبل من ~~رجليه اللتين شقهما، وجمع بينهما بحبل متين. # ومهما يكن من اختلاف الروايات، فإن الصبي لم يمت نهبا للسباع ولا نهبا للجوع ~~والبرد والجراح، وإنما تلقاه راعي كورنت فعطف عليه ورفق به. وكان ملك كورنت ~~بوليب Polybe # شقيا بعقم امرأته ميروب # Mérope ~~، فيدفع الراعي إليه هذا الصبي ويتبناه الملك ~~وينشئه تنشئة أبناء الملوك. # وقد شب الصبي قوي الجسم والنفس جميعا، ماضي العزم، صارم الإرادة، ~~معتدا بنفسه، جاهلا لأصله، بعيد الأمل مع هذا كله، عظيم الأطماع، ولكنه ~~يرى من لداته وأترابه ما يريبه؛ فهم يلمحون له بأنه ليس ابن الملك، وهو يضيق بهذه ~~الريبة، ويريد أن يعرف جلية أمره، فيذهب إلى معبد أبولون ليتبين حقيقة الأمر في ~~وحي الإله. والقضاء صارم حازم قاس لا يعرف رفقا ولا لينا، وإذا أبولون لا ينبئ الفتى ~~بأصله، ولا يزيل من نفسه الريبة، وإنما يضيف شكا إلى شك وخوفا إلى خوف، فينبئ ~~الفتى بأنه سيقتل ms02 أباه، وسيتزوج من أمه، وسيقترف هاتين الخطيئتين ~~المنكرتين. # وكان لايوس قد أراد أن يقاوم القضاء، فيخلص من هذا الصبي الذي سيذيقه الموت، ~~فانتصر القضاء على إرادة لايوس، وعاش الصبي ونما حتى أصبح قادرا على اصطناع ~~السلاح. # وهذا الفتى ينبئه أبولون بأنه سيقتل أباه ويقترن بأمه، فيريد أن يقاوم القضاء، ~~وهو لا يعرف لنفسه أبا غير بوليب ملك كورنت، ولا أما غير ميروب ملكتها. فليجتنب إذن ~~كورنت، وليأخذ طريقه إلى أي بلد آخر بعيد عن هذه المدينة؛ حتى لا يغرى بقتل أبيه ~~أو اتخاذ أمه لنفسه زوجا. وإنه لفي بعض الطريق عند مكان شديد الضيق، وإذا عربة ~~تعترضه وتأخذ عليه سبيله، فيكون الخصام باللسان، ثم يكون الاقتتال، وإذا الفتى يقتل ~~صاحب العربة، وقد تفرق من كان معه من خدم وأنصار. ويمضي الفتى لوجهه راضيا عن ~~نفسه، مطمئنا لحسن بلائه، غير مقدر أنه قد أنفذ بعض ما كتب القضاء عليه، فقتل ~~أباه، واقترف أحد الإثمين اللذين أنذره بهما أبولون. # وهو يمضي في طريقه حتى يدنو من مدينة ثيبا، فيسمع بأن المدينة مروعة بخطر ~~داهم ونكر مبين؛ فهذا كائن غريب قد هبط عليها من السماء أو نجم لها من الأرض، ~~جاءها من حيث لا تعلم على كل حال، واستقر غير بعيد من المدينة على صخرة مرتفعة ~~يرصد من يمر به من الناس، فيلقي عليهم لغزه الغريب: «ما كائن له صوت واحد، يمشي ~~على أربع إذا أصبح، وعلى اثنتين إذا زالت الشمس، وعلى ثلاث إذا أقبل ~~المساء؟» # وهذا الكائن الغريب الذي اتخذ جسم الأسد، ورأس المرأة، ووصل بجسمه جناحين، والذي ~~يسميه اليونان سفنكس # Sphinx ~~، ويسميه المصريون ~~القدماء بو الهول، أو أبا الهول، لا يعفي أحدا من الإجابة على هذا السؤال وحل هذا ~~اللغز. والناس جميعا يعجزون عن الإجابة ولا يجدون حلا لهذا اللغز، وهو ~~يعاقبهم بالموت على هذا العجز والإخفاق. وقد عظم الكرب، وعم البلاء، وامتلأت ~~قلوب أهل المدينة خوفا ورعبا، حتى اضطر كريون # Créon # أخو الملكة جوكاست والناهض بأعباء الملك بعد قتل لايوس ms03 ~~أن يذيع في أقطار الأرض أن من أراح المدينة من هذه المحنة فله تاجها وله الملكة ~~زوجا. # وقد سمع الفتى بأنباء هذا الكائن الخطر، وبهذا الوعد الرائع الذي يبذل لمن ينقذ ~~منه هذه المدينة البائسة، وهو قوي الجسم والنفس، ذكي القلب، حديد الفؤاد، بعيد الأمل، ~~شديد الطموح؛ فيقبل على أبي الهول يجرب ذكاءه وقوته، ويغامر بحياته في سبيل ~~المجد والملك. # وأبو الهول يلقي عليه السؤال؛ فيجيبه الفتى بأن الإنسان هو الذي يمشي على أربع ~~إذا أصبح؛ لأنه يحبو في الطفولة، ويمشي على اثنتين إذا انتصف النهار؛ لأن قامته تعتدل ~~وتستقيم إذا شب، ويمشي على ثلاث إذا أقبل المساء؛ لأنه ينحني على العصا ~~إذا أدركته الشيخوخة. وقد أفحم أبو الهول وألقى بنفسه من أعلى الصخرة فمات؛ وظفر ~~الفتى بعرش ثيبا، واتخذ الملكة له زوجا، واطمأن إلى أنه قد أفلت مما تنبأ له ~~به وحي أبولون، فلم يقتل أباه، وأين هو من عابر السبيل ذاك الذي قتله؟! ولم يقترن بأمه، ~~وأين هو من ملكة ثيبا هذه التي تزوج منها! لقد ترك أبويه في كورنت وأسس لنفسه ~~ملكا جديدا، وقد رضي عن رعيته ورضيت عنه رعيته ورزق الولد. فله ابنان ~~إتيوكل # Etéocle # وبولينيس Polynice ~~، وله ابنتان أنتيجون # Antigone # وإسمين # Ismène ~~. وهو يرى ~~نفسه سعيدا موفورا راضي النفس رخي البال. ولكن المدينة تمتحن ذات عام بوباء ~~يفسد عليها أمرها كله فسادا عظيما؛ فقد هلك الزرع وجف الضرع وأسرف الموت ~~في كل حي؛ فالطير تساقط من السماء؛ والماشية تخر إلى جنوبها، والناس يستبقون ~~إلى القبور حتى تضيق بهم وحتى يعجز بعضهم عن دفن بعض. وقد عم البلاء وعظم الكرب ~~واشتدت المحنة حتى بلغت أقصاها. # وأهل المدينة يستعطفون الآلهة بالضحايا والقرابين ويتوسلون إليهم بالصلاة ~~والدعاء؛ فلا يغني عنهم هذا كله شيئا. وهم قد هرعوا إلى ملكهم يفزعون إليه ~~ويستعينونه، فيرسل الملك إلى معبد أبولون من يؤامر الإله ويستشيره في هذا البلاء ~~العظيم. ويعود رسول الملك إليه يحمل جواب الإله واضحا غامضا ومعمى صريحا، كما ~~تعود أبولون ms04 أن يجيب دائما. أجاب أبولون بأن الآلهة لن يكشفوا الضر عن هذه ~~المدينة إلا إذا ثأرت للايوس من قاتله. # ولم يكد الملك يتلقى هذا الجواب حتى أعلن في حزم وصرامة أنه باحث عن هذا ~~القاتل ومنزل به أشد العقاب، وأنه يطلب إلى أهل المدينة أن يعاونوه على ذلك في ~~غير تردد ولا ضعف مهما يكن هذا القاتل. # ثم هو لا يكتفي بذلك، بل يستنزل اللعنات وغضب الآلهة على هذا المجرم الذي قتل ملكا ~~وعرض المدينة لشر عظيم. ولكن الملك لا يكاد يبحث عن هذا المجرم حتى تتبين له ~~الحقيقة منكرة بشعة؛ فهو المجرم الذي قتل لايوس هناك في ذلك المكان الضيق، وهو الآثم ~~الذي اتخذ أمه له زوجا وعاش معها في هذا القصر وأولدها أبناءه الأربعة. # ليس في ذلك شك، واسمه نفسه يدله على ذلك دلالة قاطعة، فهو أوديب # Œdipe # ذو الرجل المتورمة، ورجله متورمة حقا من أثر ذلك ~~الثقب الذي علق به إلى الشجرة في طفولته الأولى على الجبل. يعرف ذلك من الراعي ~~الذي كلف قتله، ويعرف ذلك من الراعي الذي أنقذه من الموت وأسلمه إلى ملك كورنت. ~~هنالك يتبين أوديب وتتبين جوكاست أن لا مرد لما كتب القضاء؛ فلم يغن عن ~~لايوس تخلصه من الصبي؛ فقد عاش الصبي حتى قتله، ولم يغن عن جوكاست تخلصها من الصبي؛ ~~فقد عاش الصبي حتى اقترن بها. ولم يغن عن أوديب فراره من قصر كورنت وتجنبه ملكها ~~وملكتها هربا من الإثم، فلم يكن من هذين الزوجين في شيء. وإنما هو ابن لايوس وقد قتل ~~لايوس، وابن جوكاست وقد تزوج من جوكاست. # والمهم أنه قد عرف القاتل الذي يجب أن يثأر منه لتخلص المدينة من هذا البلاء؛ فيجب ~~أن يثأر من نفسه إذن، فإن لم يفعل فستثأر منه المدينة التي لم تكن ترى فيه ملكا فحسب، ~~وإنما كانت ترى فيه شيئا يشبه الإله. # فأما جوكاست فلم تكد تظهر على الحقيقة البشعة حتى خنقت نفسها. وأما أوديب ~~ففقأ عينيه بيديه حتى لا يرى الضوء. ms05 # وتختلف الروايات بعد ذلك أو قل تختلف الروايات قبل ذلك، ويزيد في اختلافها فن ~~شعراء الممثلين الذين اتخذوا هذه القصة موضوعا للتمثيل؛ فقوم يرون أن جوكاست لم تقتل ~~نفسها، وإنما عاشت حتى رأت اختلاف ابنيها على العرش وتساقيهما الموت، ولم تقتل نفسها ~~إلا بعد أن رأتهما صريعين، وقوم يرون أن أوديب قد نفى نفسه من الأرض بعد ~~أن فقأ عينيه وهام غريبا تقوده ابنته أنتيجون حتى انتهى آخر الأمر إلى ~~ضاحية من ضواحي أثينا فمات فيها. # وآخرون يرون أنه لم ينف نفسه، وإنما نفاه ابناه بعد أن وليا الملك، وآخرون يرون ~~أن ابنيه قد أمسكاه في القصر ولم ينفياه، وإنما نفاه كريون بعد أن مات ابناه، فلجأ ~~إلى الضاحية الأثينية ومات فيها. # هذه هي القصة التي روتها الأساطير اليونانية منذ أبعد العصور؛ فقد تحدثت بها ~~الأودسة # L’Odyssée # في نشيدها الحادي عشر، كما ~~تحدثت بها أقاصيص ثيبا نفسها بعد ذلك. # 2 # والشعراء الممثلون من اليونان يعتمدون في تمثيلهم بحكم الفن نفسه وبحكم الدين أيضا ~~على الأساطير؛ فالأبطال القدماء هم موضوع المأساة اليونانية التي تصور حياتهم، أو ~~تصور ما تمتاز به حياتهم من المحن والخطوب. وتصوير هذه المحن التي ألمت ~~بالأبطال وعرضها على النظارة في ملاعب التمثيل شيء كان الأثينيون يرونه فنا ~~ويرونه دينا، فيه الجمال الأدبي الذي يعظ النفس، ويذكي القلب، ويثير ~~العاطفة، وينمي الفضيلة، ويرفع الإنسان عن صغائر الحياة إلى جلائل الأمور، وفيه ~~تقديس الآلهة، وتمجيد الأبطال، والإشادة بالقديم وما فيه من مآثر كتب لها ~~الخلود. # وقد كان اليونان قبل أن ينشأ فن التمثيل، وقبل أن ينشأ فن الغناء نفسه، يتقربون ~~إلى آلهتهم بإنشاد الشعر القصصي والاستماع له. ثم نشأ الغناء ~~فتقربوا به إلى الآلهة، يتغنون حياة الأبطال وحياة الآلهة وما عرض لهم فيها من خير ~~وشر؛ ثم نشأ فن التمثيل فتقربوا به إلى الآلهة كما كانوا يتقربون بالقصص والغناء. ~~ومن أجل هذا كله تغيرت صور الفن الشعري عند اليونان ولم يتغير موضوعه؛ فالأبطال ~~والآلهة هم موضوع القصص في الإلياذة ms06 والأودسة، وهم الموضوع الأساسي لغناء المغنين، ~~وهم الموضوع الأساسي لتمثيل الممثلين أيضا. # ومع ذلك فتغير الصورة له خطره العظيم وإن بقي الموضوع ثابتا مستقرا؛ ~~ذلك أن الصورة لم تتغير إلا لأن النفس اليونانية قد تغيرت بحكم ما أحاط ~~بالشعب اليوناني من الظروف. فقد كان القصص اليوناني صورة لحياة الجماعة لا يكاد يظهر ~~فيها من الأفراد إلا شخصية الآلهة والأبطال، بل لا تظهر فيها شخصية الشاعر نفسه. # فلما ارتقت الحضارة وذكت القلوب وقويت شخصية الفرد، تغيرت صورة ~~الشعر، فظهر شخص الشاعر أولا، وأصبح الشعر لا يضاف إلى شاعر مجهول ~~يسمى هوميروس مهما يكن موضوعه، وإنما يضاف إلى شعراء معروفين يراهم الناس ~~ويتحدثون إليهم ويتحدثون عنهم، وأصبح الشعر لا يصور الآلهة والأبطال ~~الممتازين وحدهم، وإنما يصور شخصية الشاعر نفسه، ويصور معها شخصية كثير من ~~الأفراد وما يجدون من لذة وألم، ومن حب وبغض، ومن عاطفة وشعور بوجه عام. ثم ~~أصبح الشعر لا ينشد إنشادا يسيرا تسنده بين حين وحين نغمات ساذجة توقع ~~على أداة ساذجة من أدوات الموسيقى، وإنما ينشد إنشادا معقدا يتشكل فيه الصوت ~~بالأشكال المختلفة التي يقتضيها الغناء، وتسنده وتريح منه أحيانا أدوات موسيقية ~~كثيرة مختلفة، ويسنده الرقص أيضا بحيث يوشك أن يشبه الأوبرا في عصرنا ~~الحديث، لولا أنه كان يخلو من حركة التمثيل. # ثم تتقدم الحضارة، ويرقى العقل، وتقوى الشخصية، وتظفر الشعوب في ~~المدن بحقوقها السياسية، فتتغير صورة الشعر؛ وإذا الحوادث التي كانت تقص في ~~الشعر القصصي، وتغنى في الشعر الغنائي، قد أصبحت تعرض على النظارة في ملعب ~~التمثيل يجريها الشاعر على أيدي أشخاص يمثلون الأبطال والآلهة أنفسهم. وهذا التمثيل ~~نفسه لا يخلو من الغناء والرقص توقعهما الجوقة، وقد يشارك فيهما كليهما أو أحدهما ~~الممثلون. وقد أصبح جمهور النظارة ذا شأن خطير؛ فهو يشارك في حفلات ~~التمثيل لا بشهود التمثيل فحسب، ولكن كذلك بالقضاء بين المستبقين من الشعراء ~~الممثلين. وقد كان الشعراء يشاركون بأنفسهم في التمثيل أول الأمر، ثم نشأت طائفة ~~الممثلين المحترفين، وجعل الشعراء يكتفون بإنشاء الشعر وإرشاد ms07 الممثلين وأعضاء ~~الجوقة. # كذلك كانت الحال في القرن الخامس قبل المسيح حين عرض الشعراء الثلاثة الممتازون: ~~إيسكولوس # Eschyle # وسوفوكل # Sophocle # وأوريبيد # Euripide # لحياة ~~الأبطال والآلهة؛ فعرضوها في الملاعب على النظارة من الأثينيين. # وكان من نتيجة هذا كله أن هؤلاء الشعراء وغيرهم من الشعراء الممثلين كانوا يرون ~~من الطبيعي والمألوف أن يعرضوا للموضوعات التي سبقهم إليها القصاص والمغنون، فينشئوا ~~فيها قصصهم التمثيلي، بل كان من الطبيعي والمألوف أن يعرض المتأخر منهم لما عرض ~~له المتقدم، لا يجدون في ذلك حرجا، بل يجدون فيه سبيلا إلى الإجادة والإتقان. # فقصة أوديب مثلا قد عرض لها إيسكولوس، ثم عرض لها بعده سوفوكل، ثم عرض لها بعدهما ~~أوريبيد، ثم عرض لها شعراء آخرون من اليونان؛ لم يجد أحد في ذلك حرجا. # وهذه السنة التي سنها اليونان قد انتقلت منهم إلى غيرهم من الأمم؛ ~~فالرومان في العصر القديم حين حاولوا التمثيل اتخذوا أكثر الموضوعات لقصصهم من ~~التمثيل اليوناني نفسه؛ فقصة أوديب مثلا عرض لها منهم غير شاعر، وامتازت قصة ~~سينيك # Sénèque # من هذه القصص التي وضعها الشعراء ~~اللاتينيون. وجرى الأمر على ذلك بعد النهضة الأوروبية في العصر الحديث، ~~فاستعار شعراء التمثيل من الإنجليز والألمان والإيطاليين والفرنسيين خاصة موضوعات ~~شعرهم التمثيلي من تمثيل اليونان والرومان. # وقد وضع الشاعر الإنجليزي دريدن # Dryden # في القرن ~~السابع عشر قصة أوديب، كما وضع الشاعر الإيطالي ألفييري # Alfieri # في القرن الثامن عشر قصة أوديب أيضا. أما الفرنسيون فقد ~~فتن شعراؤهم وكتابهم بقصة أوديب منذ أواخر القرن السادس عشر إلى ~~الآن. ولست أحصي شعراءهم الذين عرضوا لهذه القصة، وإنما أذكر أن كورني # Corneille # قد وضع قصة تمثيلية لأوديب فتن بها معاصروه، ~~وأن فولتير # Voltaire # قد وضع في أول القرن الثامن عشر ~~قصة لأوديب كثر حولها الحديث والنقد، وأن شاعرين فرنسيين هما دي سيس # Ducis # وشينيه # M. J. Chénier # 1 # وضعا قصتين لأوديب في آخر القرن الثامن عشر وأول القرن التاسع عشر. # أما في هذا القرن العشرين؛ فقد عني بأوديب الكاتب الفرنسي العظيم أندريه ms08 جيد # André ~~Gide # في القصة التي ~~نترجمها في هذا السفر، كما عني به الكاتب الشاعر المعروف جان كوكتو # Jean ~~Cocteau # في قصته المشهورة ~~«أداة الجحيم». # فأنت ترى أن السنة اليونانية التي أتاحت للشعراء ألا ينفروا مما سبقوا إليه ~~قد أصبحت سنة أدبية إنسانية شائعة على اختلاف العصور. وأنت ترى كذلك أن ~~قصة أوديب وحدها قد شغلت شعراء كثيرين في الأمم المختلفة على اختلاف العصور، وما ~~زالت تشغل الشعراء والكتاب إلى الآن. وأكبر الظن أنها ستشغلهم ~~دائما. # 3 # ولا أكاد أذكر من القصص اليوناني القديم الذي شغل به المحدثون شيئا تجاوز ~~القرن السابع عشر والثامن عشر إلا قصة «أفجيني في توريس» # Iphigénie en Tauride # التي عني بها جوت، وقصصا قليلة أخرى طفت في ~~القرن العشرين، أعظمها خطرا قصة «أوديب» هذه وقصة «إلكتر» # Electre # و«أمفتريون» # Amphytrion ~~، وقد جددهما جان ~~جيرودو # Jean Giraudoux ~~، وقصة أنتيجون، وقد جددها جان كوكتو بين الحربين، ثم ~~جددها جان أنوي # Jean Anouilh # في هذه الأعوام الأخيرة. ~~وهناك قصص تمثيلية معاصرة جددت أو حاولت أن تجدد بعض القصص التمثيلي اليوناني ~~القديم، ولكنها لم تبلغ الملعب أو لم تظفر فيه بفوز باهر ونجح عظيم. # ولعل المحدثين المعاصرين يؤثرون أن يشهدوا القصص اليوناني يعرض عليهم كما تركه ~~أصحابه مع قليل أو كثير من التغيير، إلا أن يوجد الكاتب الممتاز ~~الذي يستطيع أن يدل بالقصة اليونانية على أكثر مما وصل إليه الشاعر ~~اليوناني القديم، أو أن يعرضها في شكل أشد ملاءمة لروح العصر الحديث. # وهذا هو الذي فعله جيرودو حين اتخذ إلكتر رمزا لا للانتقام وحده كما فعل ~~القدماء، بل للعدل أيضا؛ للعدل الذي يجب أن تبلغه الإنسانية، وأن تضحي ~~فيه بكل شيء مهما تكن التضحية قاسية، ومهما تكن الضحية غالية، والذي لا يحفل بانثلال ~~العروش، وانهيار النظم، وإزهاق النفوس، وسفك الدماء، وصب الدمار على ~~المدن، بل يرى في ذلك كله إيذانا بطلوع فجر جديد. # وكما فعل جان بول سارتر # Jean-Paul Sartre # في قصة ~~«الذباب» حين أراد أن يجدد مأساة إلكتر فجعل ms09 أخاها هو البطل، ولم يكتف بفكرة ~~الانتقام من الأم التي خانت زوجها وقتلته، ولا بفكرة العدل التي قصد ~~إليها ووقف عندها جيرودو، ولكنه عني بالحرية الإنسانية التي وقفت أورست ~~موقف الثائر على ذوس # Zeus # المعارض له، والتي تقف ~~الإنسان الحديث موقف الثائر على كل شيء، المزدري لكل شيء إلا حريته التي تجعله ~~إنسانا يوجد ليعمل ما يشاء أن يعمل، وليقول ما يشاء أن يقول، غير حافل ~~إلا بنفسه، ولا واقف إلا عند نفسه. # إلى شيء من هذا التجديد الأساسي الخطير قصد أندريه جيد حين وضع قصته ~~التمثيلية «أوديب» مجددا هذه القصة كما تركها سوفوكل، غير واقف عند ما انتهى ~~إليه سوفوكل، ولا حافل بما بلغه كورني أو فولتير أو غيرهما من الشعراء ~~والكتاب المحدثين. # وقد يحسن أن نتبين قبل كل شيء إلام أراد سوفوكل حين وضع قصته هذه التي صور ~~فيها مأساة أوديب. وقد أضاعت الأيام ما ترك إيسكولوس وأوريبيد وغيرهما من ~~الشعراء القدماء حول هذا الموضوع، بحيث أصبحت قصة سوفوكل هي النموذج القديم الوحيد ~~الذي ألهم المحدثين من الأوروبيين. # وواضح أن سوفوكل إنما قصد في هذه القصة كما قصد في أكثر قصصه ~~الأخرى إلى ما يصور لنا صرامة القضاء من جهة، وحرية الإنسان من جهة أخرى، ~~وإلى أن يلائم بين هذين الضدين المختصمين على نحو ما. فالقضاء صارم ~~قاس بالقياس إلى أوديب وإلى أبويه في هذه القصة، وهو صارم قاس بالقياس إلى ~~أبنائه في قصة أخرى هي قصة أنتيجون. # القضاء صارم قاس؛ لأنه قد كتب في غير حكمة بينة للإنسان على لايوس أن يموت مقتولا ~~بيد ابنه، وكتب على جوكاست أن تقتل نفسها بعد أن تتورط في إثمها ذاك البشع ~~الشنيع، وكتب على أوديب أن يكون قاتلا لأبيه متزوجا لأمه، مسببا لموتها ~~فاقئا عينيه بيده. # ومن البين أن أحدا من هؤلاء الأبطال لم يكن حاضرا حين كتب القضاء ما كتب، ~~ولم يقترف قبل وجوده إثما يغري به القضاء، ويسلط عليه قسوة الأقدار. فهناك إذن علة ~~خفية لا يدركها الإنسان، ms10 تدفع القضاء إلى أن يدبر أمر الناس ~~والآلهة كما يشاء. # ومن يدري! لعل هذه العلة الخفية لا وجود لها، ولعل القضاء يمضي كما يريد ~~لا يخضع لقانون، ولكنه على كل حال صارم قاس بالقياس إلى الآلهة والناس جميعا. ~~غير أن الإنسان ليس خاضعا خضوعا كاملا شاملا مستسلما لهذا القضاء، ~~وإنما هو مستمتع بشيء من الحرية قد يكون قليلا، وقد يكون ضئيل الأثر، وقد ~~لا يكون له أثر ما، ولكنه موجود على كل حال. وآية ذلك أولا أن الإنسان يريد ~~أن يعرف ما أضمر له القضاء، يعمل في ذلك عقله، ويستنبئ عن ذلك وحي الآلهة؛ فهو إذن لا ~~يخضع لأحكام القضاء غير عالم بها، أو غير مفترض لوجودها كما يخضع لها الحيوان، وكما ~~تخضع لها الكائنات الأخرى التي تأتلف منها الطبيعة. وليس قليلا أن يتلقى الإنسان ما ~~كتب له من خير وما قضي عليه من شر وهو عالم به وعالم بالمصدر الذي ~~يسوقه إليه أو يسلطه عليه. # وهناك آية ثانية على حرية الإنسان أمام القضاء؛ فهو لا يطمئن إلى ~~العلم بما كتبت الأقدار عليه، وإنما يحاول أن يخلص مما قضي عليه من الشر. ~~وليس المهم أن ينجح أو يخفق في هذه المحاولة، وإنما المهم أن يحاول. فلايوس وجوكاست ~~يعلمان أن ابنهما سيقتل أباه ويتزوج أمه، فيحاولان التخلص من هذا الشر بقتل ~~الصبي قبل أن ينمو ويقترف هذه الآثام، ولا عليهما بعد ذلك أن يفلت ~~الصبي مما دبرا له من الموت. # وأوديب يعلم بما دبر القضاء له؛ فيفر من قصر الملك في كورنت محاولا أن ~~يتجنب الإثم، ولا عليه بعد ذلك أن يقتل لايوس، فلو قد عرف أنه أبوه لما قتله، ~~ولا عليه أن يتزوج جوكاست، فلو قد عرف أنها أمه لما اقترن بها. # وهناك آية أخرى على حرية الإنسان أمام القضاء، وهي أعظم من هاتين الآيتين خطرا، ~~وهي التي يصورها لنا سوفوكل في قصة «أوديب ملكا»، ولكنه يصورها تصويرا ~~أعظم روعة وأكثر جلاء في قصته الأخرى «أوديب في كولونا»، وهي أن ms11 الإنسان حين ~~يعجز عن رد القضاء لا يرى نفسه منهزما، ولا يرى نفسه مسئولا عما تورط فيه من ~~الإثم؛ فهو يؤمن بأن التبعة يجب أن تكون نتيجة للحرية، وأن يكون حظ ~~الإنسان من هذه التبعة ملائما لحظه من الحرية، فأوديب تدفعه الغريزة الإنسانية ~~الأولى كما تدفعه التقاليد الموروثة إلى أن يعاقب نفسه حين يستكشف الإثم المروع ~~الذي تورط فيه. ولكنه بعد شيء من التفكير يستطيع أن يثبت للقضاء، وأن يقف من ~~الآلهة موقف المدافع عن نفسه المحتج لها؛ لأنه لم يرد قتل أبيه، ولم ~~يقتله وهو يعلم أنه أبوه، ولم يرد الزواج من أمه، ولم يتزوج منها وهو ~~يعلم أنها أمه. # فإن كان في هذا كله إثم فليس هو المسئول عن هذا الإثم، وإنما يسأل عنه القضاء الذي ~~دبره، والآلهة الذين ضللوا أوديب حتى تورط فيه على كثرة ما حاول تجنبه ~~والتخلص منه. هو إذن بريء أمام نفسه، ولا عليه أن يراه الناس ~~بريئا أو أن يتهموه ويحكموا عليه. # على أن أوديب لا يكتفي بذلك، وإنما يريد أن يقنع القضاء والآلهة أنفسهم ببراءته، ~~وهو يبلغ من ذلك ما يريد؛ فقد رضي الآلهة عنه آخر الأمر فآووه إلى هذه ~~الضاحية من ضواحي أثينا، وألقوا عليه السكينة، وأشاعوا في نفسه الطمأنينة ~~والأمن، وجعلوا جثته مصدر بركة للبلد الذي تدفن فيه، وهم قد عاقبوا مدينة ~~ثيبا فأثاروا فيها الفتنة بين الأخوين الملكين، وحرموها هذه البركة ~~المتصلة بشخص أوديب حين قضوا أن يموت غريبا، وأن يدفن في بلد غريب. # وإذن فقد انتهت حرية الإنسان إلى شيء من الفوز، لم تستطع أن تجنب صاحبها ~~المحنة، ولا أن تنقذه من الشر في هذه الحياة، ولكنها قد صفت نفسه، ~~وطهرت قلبه، واستخلصته من الآثام كما يستخلص المعدن النقي مما يحيط به من الخبث. ~~فليست هذه المحنة إذن إلا تجربة لحرية الإنسان، ووسيلة إلى تصفية ~~نفسه، وتنقية جوهره إن استطاع أن يثبت للآلام وينفذ من الخطوب. # إلى هذا كله أراد سوفوكل حين كتب قصتيه اللتين صور في إحداهما ms12 محنة أوديب ~~ملكا، وفي أخراهما نجاة أوديب منفيا بائسا طريدا. ويجب أن ~~نعترف بأن الذين أرادوا أن يقلدوا سوفوكل لم يبلغوا مما أرادوا شيئا ذا ~~خطر، لا أستثني منهم إلا المعاصرين من الكتاب الفرنسيين. # فالكاتب الشاعر الفيلسوف سينيك لم يضف إلى ما ابتكر سوفوكل شيئا، ولعله أضاع منه ~~أشياء. وإذا كان لقصته شيء من جمال فأكبر الظن أنه إنما يأتيها ~~من روعة الفصاحة اللاتينية، ومن بعض الخواطر الفلسفية العابرة. # أما كورني فقد كان مفتونا بقصته، ويظهر أن معاصريه منحوا قصته هذه غير قليل من ~~الرضا والإعجاب. ولكن كورني فيما أعتقد قد أفسد قصة أوديب إفسادا عظيما؛ ~~رأى أن يلائم بين القصة وبين ذوق البيئة التي كان يكتب لها، وقد لاحظ أن تلك ~~البيئة لم تكن تتصور قصة تمثيلية تخلو من الحب ، ومن الحب الذي يكون له في المأساة ~~نفسها أثر خطير. وليس في قصة سوفوكل حب أو شيء يشبه الحب، فاضطر كورني إلى أن ~~يحدث حبا ذا خطر، واضطر من أجل ذلك إلى أن ينشئ للايوس بنتا تكبر ~~أوديب سنا، وأن ينشئ بين هذه الفتاة وبين ثيسيوس # Thésée ~~- ملك أثينا - حبا، وأن ينشئ بين هذه الفتاة وبين ~~أوديب خصومة حول هذا الحب من جهة وحول العرش من جهة أخرى. # فلم تكن الفتاة تعرف أن أوديب أخوها، وهي من أجل ذلك كانت تراه غاصبا لعرش أبيها، ~~ولم يكن أوديب يعرف أن الفتاة أخته؛ فكان يؤثر أن يزوج ملك أثينا من إحدى ابنتيه. ~~وكانت جوكاست حائرة بين بناتها الثلاث وبين زوجها. # والغريب أن كل هذه الخصومات حول الحب والغيرة كانت تشغل الملك والملكة والحاشية ~~والقصر كله في نفس الوقت الذي كان الوباء يعصف فيه بالمدينة عصفا شديدا، ولا ~~نشغل بالقصة نفسها إلا حين توشك الفصول أن تنتهي؛ هنالك تثار العقدة، ويعلم الملك ومن ~~حوله أن الآلهة غضاب، وأن هناك مجرما يجب أن ينزل به العقاب، ثم يستبين للملك ~~أنه هو المجرم؛ فلا يفقد صوابه ولا يأخذه الهول، وإنما يتحدث إلى أخته في ms13 حبها لملك ~~أثينا، وفي زواجها من هذا الملك، ثم يعصف الندم بنفسه آخر الأمر حين تموت جوكاست فيفقأ ~~عينيه. # وقد لاحظ كورني كذلك أن البيئة التي كان يكتب لها كانت من الترف ورقة ~~الشعور بحيث كان يسوءها أن يظهر أمامها أوديب دامي الوجه بعد أن فقأ عينيه، ~~فلم يظهر الملك أمام النظارة، وإنما قص آخرته وآخرة الملكة عليهم في شعر قد ~~يكون جميلا رائعا، ولكنه لا يغني عن الصورة الماثلة أمام النظارة شيئا. # وقصة كورني بعد ذلك لا تضيف فكرة جديدة إلى القصة اليونانية. ولست أدري ~~أمن الحق أن تسمى أوديب، أم من الحق أن تسمى درسيه # Dircée ~~، وهو اسم الفتاة التي اخترعها كورني، والتي تدور عليها القصة ~~وعلى حبها أكثر مما تدور على أوديب وعلى محنته. # وقد نقد فولتير قصة سوفوكل نقدا مفصلا مسرف التفصيل، قاسه بمقياس العصر الذي ~~كان يعيش فيه؛ فأظهر القصة اليوناينة منحلة متهالكة لا قوام لها من منطق ولا ~~من دقة، ولا تكاد تظفر بحظ من إتقان. ثم عطف على قصة كورني، فلم يعفها من ~~النقد اللاذع الشديد. ثم أذاع قصته هو؛ فإذا هي شر من قصة كورني، لم ~~تضف إلى القصة اليونانية جديدا، ولم تظفر من الجمال اللفظي بما ظفرت به ~~قصة كورني العظيم. # ويكفي أن نلاحظ أن فولتير قد وقع في نفس التخليط الذي وقع فيه كورني؛ ~~أراد أن ينشئ حبا في هذه المأساة؛ لأن البيئة الفرنسية التي كان الأدباء يكتبون ~~لها كانت تريد الحب في التمثيل. # أراد أن ينشئ حبا إذن، فلم يجعل للايوس بنتا كما فعل كورني، ولكنه ~~استكشف لجوكاست عاشقا قديما هو فيلوكتيت Philoctète ~~، وقد عاد فيلوكتيت إلى ثيبا ليعيش قريبا من عشيقته، ~~ولكنه يعلم أن زوجها قد قتل، فيستأنف حبه القديم ثورة جامحة، إلى آخر ~~هذا العبث الذي لا يزن شيئا بالقياس إلى جد الشاعر اليوناني العظيم. # على أن من الحق أن نعتذر عن فولتير؛ فقد كان في التاسعة عشرة من ~~عمره حين أنشأ هذه القصة. والشيء المحقق أن ms14 الشاعرين الفرنسيين قد عنيا ~~بالبيئة أكثر مما عنيا بالموضوع؛ فأرضيا قوما كانوا يحبون أن يلهوا، ~~ويكرهون أن يشقوا على أنفسهم بالتأمل والتفكير فضلا عن أن يشقوا على أنفسهم بالنظر ~~إلى المناظر التي تؤذي شعور الغانيات المترفات. # ولأدع ما حاول الشعراء والكتاب بعد فولتير من تجديد قصة أوديب؛ ~~لأصل إلى هذه المحاولة الأخيرة التي أقدم عليها أندريه جيد وجان كوكتو بين ~~الحربين. # وهما قد أقدما على هذه المحاولة في وقت واحد، لم يسبق أحدهما صاحبه، ولم يعلم ~~أحدهما بمحاولة صاحبه إلا بعد أن أظهر كل منهما قصته. # والفرق عظيم جدا بين القصتين؛ فأما جان كوكتو فيسرف في التجديد ~~والابتكار إسرافا شديدا لا يدعوه إليه تعمق الفكرة التي تدور القصة حولها، ~~وهي فكرة الصراع بين سلطان القضاء وحرية الإنسان، وإنما يدعوه إليه الفن نفسه، ~~الفن الخالص الذي يروع النظارة ويبهرهم ويحرص على أن يسحر أعينهم وآذانهم ~~وعقولهم أكثر مما يحرص على أن يدعوهم إلى التأمل والتعمق والتفكير. # فجان كوكتو ليس متهالكا على الجد ولا ممعنا فيه، ولعله يبغض التقيد بأصول ~~الفن المقررة، فأحرى أن يبغض التقيد بقصة الشاعر اليوناني القديم، وهو من أجل ذلك ~~يبتكر بطلا جديدا هو أوديب، ويحيطه بظروف توشك ألا تستبقي من اليونانية ~~إلا الأسماء دون الحقائق، وهو يعقد قصته تعقيدا ويخالف فيها بين المناظر ~~والفصول، لا يتقيد بوحدة في الزمان، ولا في المكان، ولا في الحركة، وإنما ~~يكتفي بوحدة الموضوع. # فقصته تبدأ منذ قتل لايوس، وتنتهي بعد أن يفقأ أوديب عينيه؛ وإذن فهي ~~تستغرق نحو عشرين سنة. تبدأ القصة حين تعرف المدينة مصرع الملك من جهة، وحين يمتحنها ~~أبو الهول بلغزه من جهة أخرى. ونحن نرى في الفصل الأول ظل الملك القتيل يظهر لبعض ~~الجند، يريد أن يرى الملكة والكاهن ليحذرهما من خطر عظيم. ونحن نرى الملكة والكاهن ~~يصعدان إلى حيث كان يظهر ظل الملك القتيل؛ فنرى ملكة شابة حلوة الدعابة خفيفة ~~الروح، خائفة من ظل زوجها، خائفة من الأحداث التي يمكن أن تلم بها، محبة مع ~~هذا ms15 كله للحياة ولذاتها، لا تكره أن تداعب الكاهن الذي يداعبها أيضا، ولا تكره أن ~~تلاعب الجندي الشاب الذي رأى ظل الملك القتيل، وتظهر ميلا شديدا إليه. # ونحن نرى في فصل آخر ما يكون من الصراع بين أوديب الفتى المغامر وبين أبي الهول، ~~ثم ما يكون من انتصار الفتى. ونحن نرى في فصل ثالث زفاف جوكاست إلى الملك الشاب ~~ونشهد أول الشر؛ فالكاهن محنق على أوديب مشفق منه، وليس كريون أقل منه حنقا ولا ~~إشفاقا. # ثم نرى نحن آخر الأمر ظهور الحقيقة ومصرع جوكاست، ونرى أوديب وقد فقأ ~~عينيه، ونفى نفسه من الأرض، وهم أن يخرج من القصر تقوده ابنته أنتيجون، وإذا ~~ظل أمه وزوجه جوكاست يظهر، فيراه أوديب الضرير ولا يراه المبصرون من حوله، ~~ويتحدث فيسمعه أوديب ولا يسمعه الآخرون من حوله، وإذا جوكاست تنبئ ابنها بأن الموت قد ~~طهرها من الزوجية الآثمة، ولم يبق لها إلا الأمومة البرة، وهي قد أقبلت لتقود ~~ابنها إلى منفاه وتعينه على احتمال الغربة. # فالقصة كما ترى رائعة بما فيها من اختلاف المناظر وبراعة الاختراع وحسن التحدث إلى ~~الحس والشعور. ويظهر أن هذا كله يرضي الجمهور الضخم من النظارة الباريسيين. ~~فأما التحدث إلى العقل، وأما مواجهة المشكلات العليا، وأما الصراع بين ~~الدين والحرية؛ فأشياء لم يكن يحفل بها جان كوكتو، ولم يكد يحفل بغيرها أندريه ~~جيد؛ فأندريه جيد متتبع لسوفوكل في مجرى قصته، لا يخرج عن الخطة التي رسمها الشاعر ~~القديم منذ خمسة وعشرين قرنا. ولكن أوديب الذي ينشئه أندريه جيد رجل قد تم نضجه ~~الفلسفي بأرقى معاني هذه الكلمة في القرن العشرين؛ يظهر في أول القصة مستجمعا ~~شخصيته كلها، مستكملا قوته كلها، متحديا للناس متحديا للآلهة، لا يؤمن ~~إلا بنفسه، يعلن إلى النظارة أنه رجل سعيد، قد عمر أربعين سنة وملك عشرين ~~عاما، واكتسب سعادته اكتسابا لم يرثها عن أحد؛ ويوشك هذا الاعتداد بالنفس أن ~~يدفعه إلى الغرور، وهو من أجل ذلك يخادع نفسه ويزعم لها غير مخلص أن الآلهة قد ~~أعانوه، لا ms16 يريد بهذا الخداع إلا أن يتجنب الغرور الذي كثيرا ما ورط الناس ~~في الشقاء. # فالفكرة الأساسية في قصة أندريه جيد هي اعتداد الإنسان بنفسه، وثقته ~~بحريته، واعتماده على قدرته التي تمكنه من اقتحام المصاعب وتذليل العقاب. وهذا ~~الاعتداد بالنفس يسوء الناس جميعا؛ فالجوقة التي تمثل الشعب ضيقة بهذا الغرور ~~مشفقة منه على مصير المدينة، ويدفعها إلى الإشفاق والخوف هذا الوباء الذي يصب على ~~المدينة بلاء عظيما. # وقد أخذ الشعب الذي كان مفتونا بالملك يتطير به ويهم في أن يكيد ~~له بعض الكيد ليصرف إليه وحده غضب الآلهة من دون المدينة. والكاهن ساخط على الملك؛ ~~لأنه لا يخلص دينه للإله، بل لا يؤمن بالإله. وأبناء أوديب قد اختلفت أهواؤهم: فأما ~~الشابان فقد تأثرا بأبيهما، فهما لا يؤمنان بشيء، ولا يرجوان لشيء وقارا، ولا ~~يكرهان أن يصبوا إلى أختيهما، وأن يتحدثا إليهما كما يتحدثان فيما بينهما بهذه الصبوة ~~الآثمة. # أما أنتيجون وجوكاست فمتأثرتان بالكاهن إلى أبعد حد، حتى إن الفتاة ~~لتوشك أن تهب نفسها للإله. وأما كريون فناعم بالحياة في هذا القصر لا يحب ~~أحدا ولا يكره أحدا، وإنما يحب نفسه، ويحب الحياة، ويستمتع بما يتاح له من ~~لذاتها، ويحافظ على التقاليد ما وسعته المحافظة. # وعقدة القصة كلها هي الاختلاف بين أوديب الذي يعتد بنفسه حتى يبلغ الغرور وحتى ~~يجحد الآلهة، والكاهن الذي يريد أن يبسط سلطان الدين، وأن يسيطر من طريق هذا ~~السلطان على كل شيء، وعلى كل إنسان، وعلى نفس الملك خاصة. وليس الوباء الذي ألم ~~بالمدينة، وليس البحث عن مصدر هذا الوباء، وليست استشارة الآلهة لتعرف هذا المصدر، ~~وليس استكشاف المجرم الذي قتل أباه وتزوج أمه؛ ليس هذا كله إلا مظاهر لهذا ~~الصراع بين حرية الإنسان واعتداده بنفسه حتى يبلغ الغرور، وبين سلطان الإله ~~وتفوقه على غرور الإنسان. # فإذا تبينت الحقيقة وعرف أوديب أن سعادته لم تكن إلا غرورا، وأن انتصاره على أبي ~~الهول لم يكن إلا سرابا، وأن ملكه الذي أسسه ونعم به لم يكن إلا ~~امتحانا؛ إذا ms17 عرف أوديب هذا كله، ورأى امرأته وأمه قد قتلت نفسها، ورأى نفسه قد ~~فقأ عينيه بيديه، ظن الكاهن تيرسياس # Tirésias # أن ~~الإله قد انتصر على غرور الإنسان، وأن أوديب قد ثاب إلى رشده، وأذعن لسلطان ~~الدين. # ولكن أوديب لم يخرج عن كبريائه، ولم يستسلم للمحنة، ولم يعترف بالهزيمة، وإنما ~~ثبت للخطب، بل هو لم يفقأ عينيه إلا تحديا لنفسه وللناس وللألم، ومحاولة لبناء ~~مجد جديد من طراز آخر معنوي غير هذا المجد الزائل الذي كسبه حين قهر أبا الهول ~~وأسس الملك. # وهو حين ينفي نفسه من الأرض لا يفارق المدينة منهزما ولا مخذولا، وإنما ~~يفارقها يائسا. لم يقهر اليأس نفسه وإنما رفعها فوق الناس وفوق أعراض الحياة، ~~وهو ينصرف ساخرا من الشعب الذي أحبه، ثم كرهه، ثم أخذ يتملقه حين عرف أن ~~بركة الآلهة متصلة بشخصه، وينصرف ساخرا من كريون المحافظ الذي يرى الملك ~~كل شيء، وينصرف ساخرا من ابنيه اللذين لا يفكران في الحياة إلا على أنها وسيلة إلى ~~المتاع، وينصرف ساخرا من الكاهن الذي يعظه ويريد أن يحمله على الندم؛ فهو لا يرى ~~أنه قد فعل شيئا يمكن أن يندم عليه. # هذه هي القصة التي وضعها أندريه جيد، وهي كما ترى قريبة جدا من القصة اليونانية في ~~موضوعها وفي غايتها، بعيدة جدا من القصة في صورتها من ناحية، وإن احتفظت بالجوقة، ~~وفي إتقانها للتفكير، وتجنبها للتكلف الشعري الغنائي الذي قد يروق ويعجب، ولكنه لا ~~يغني عن التفكير العقلي شيئا. # ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيب، ولكني أعتقد أن هاتين القصتين: قصة سوفوكل وقصة ~~أندريه جيد هما وحدهما اللتان تشهدان بأن محنة أوديب خليقة حقا بأن تكون ~~موضوعا للتفكير الذي يغذو العقل، والفن الذي يغذو القلب، وبأن تكون من أجل ذلك ~~صالحة لتفكير الفلاسفة وابتكار الأدباء على مر العصور واختلاف ~~الأجيال. # وقد يكون مما تمتاز به قصة أندريه جيد من القصص الأخرى التي حاولت تجديد ~~القصة اليونانية أنها لم تقف عند قصة أوديب ملكا، ولكنها ألمت من قريب جدا ms18 ~~بالقصة الثانية التي وضعها سوفوكل، وهي قصة أوديب في كولونا. # وكان إلمامها بهذه القصة رائعا حقا، لا أكاد أعرف شيئا يشبهه في جمال ~~الإيجاز ودقته وكفايته، بحيث يستطيع قارئ هذه القصة أن يستوعب أمر أوديب كله ~~في غير مشقة ولا جهد. # فقصة أوديب ملكا تنتهي حين تموت جوكاست، ويعاقب أوديب نفسه، ويعلن أنه سيهاجر ~~من وطنه. وقد رضي كريون عن هذه الهجرة، وابتهج بها الشعب، وسكت عنها ابنا أوديب ~~الطامعان في الملك اللذان اتفقا قبل أن يمتحن أبوهما على أن يكون الملك دولة بينهما، ~~وأزمعت أنتيجون أن تصحب أباها في منفاه، وقررت إسمين أن تلحق بهما بعد ~~قليل. # ولكن الكاهن يعلن فجأة أن الآلهة قد أوحوا إليه أنهم يصلون البركة بشخص أوديب ~~ويكتبونها للأرض التي يدفن فيها بعد موته، وإذا كل شيء يتغير إلا رأي أوديب، فكريون ~~يطلب إليه البقاء ملحا في طلبه، والشعب يطلب إليه البقاء متملقا مترضيا، ~~ولكن أوديب يسخر من إلحاح كريون، وتملق الشعب، وتوسل الكاهن، ويمضي إلى منفاه ~~ساخرا من هؤلاء جميعا. # وفي هذا الحوار القصير اليسير يوجز أندريه جيد خير ما في القصة اليونانية الثانية ~~بحيث يخرج القارئ من قصة أندريه جيد وقد عرف من أمر أوديب كل شيء: عرف بدء القصة ~~وخاتمتها، وعرف مكر الآلهة وغرور أوديب، وعرف المحنة والمقاومة، ثم عرف عفو الآلهة ~~وانتصار الإنسان. # 4 # والظاهر أن أندريه جيد قد فكر في قصة أوديب قبل أن يحاول إنشاءها بوقت ~~طويل؛ فهو معني بأساطير اليونان، يطيل التفكير فيها والحديث عنها، ويلفته إليها ~~بنوع خاص أنها مهما تكثر فيها الأعاجيب وخوارق العادات ومخالفة المألوف من ~~قوانين الطبيعة تنتهي دائما إلى شيء من المنطق يردها إلى العقل، وإلى ما يحمل العقل ~~على التروية والتفكير فيما يفسر حياة الإنسان، أو يتصل بمصيره أو ~~بموقفه من القضاء. # نراه يكتب في ذلك بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى سنة 1919. # ثم نراه ينشئ قصة أوديب نحو سنة 1930، فإذا كانت الحرب العالمية الثانية، وهاجر إلى ~~أفريقية الشمالية، نراه ينشئ قصته الثانية ms19 التي نترجمها مع قصة «أوديب»؛ وهي قصة ~~«ثيسيوس». وهو ينبئنا في إهداء هذه القصة بأنه كان يفكر في كتابتها ~~منذ زمن طويل. # والواقع أنه يتحدث عن ثيسيوس وأسطورته في مقاله الذي أشرت إليه آنفا، والذي ~~كتب سنة 1919. فهو إذن يفكر في هذه القصة الثانية قبل أن يكتبها بأكثر من ~~عشرين سنة. # والتفكير في هذا البطل الأثيني لا يستقيم عند أندريه جيد كما أنه لا يستقيم ~~عند سوفوكل دون التفكير في أوديب. وحسبك أن تذكر أن أمر أوديب قد انتهى في ~~القصة الثانية من قصتي سوفوكل بالتجاء البطل الممتحن إلى أتيكا والتماسه ~~الأمن والجوار عند الملك الأثيني؛ فقد كان الشاعر اليوناني إذن يقرن أحد ~~البطلين إلى صاحبه. # وكذلك صنع أندريه جيد، فسترى في آخر قصة ثيسيوس حديثا بين البطلين حين التقيا يدور ~~كله حول مصيرهما. والواقع أن هذين المصيرين يختلفان أشد الاختلاف، ولكن كلا ~~منهما يدعو على ذلك إلى التفكير في الآخر؛ فقد أتيح الفوز للبطل الأثيني منذ نشأته ~~الأولى، وأتيح له على نحو متصل حتى كانت حياته كلها فوزا لم يعرف فيها الشقاء ~~إلا قليلا، على حين بدأت حياة أوديب شقية مملوءة بالمحن، ولم يكن ما أتيح له من ~~السعادة إلا غرورا. # على أن آخرة الرجلين تختلف أشد الاختلاف: فأما أعظمهما حظا من الشقاء وهو ~~أوديب، فقد مات راضيا عن نفسه وعن الآلهة، مطمئنا إلى هذه السكينة التي أنزلت ~~على قلبه. وأما أعظمهما حظا من السعادة - وهو ثيسيوس - فقد أنفق آخر ~~أيامه منفيا طريدا، نفته الثورة عن وطنه، ولم يجد عند الملك الذي استجار ~~به مثل ما وجد عنده أوديب من الثقة والأمن، وإنما وجد عنده المكر والغدر ~~والموت. # فلا غرابة إذن في أن يفكر أندريه جيد كما فكر سوفوكل في الرجلين معا. ولا ~~غرابة إذن في أن نجمع ترجمة القصتين في سفر واحد، وإن لم يفعل ذلك أندريه جيد؛ لأنه قد ~~أنفق أكثر من عشر سنين بين إنشائه لهاتين القصتين. # على أني حين تحدثت إليه في الجمع بينهما في ms20 سفر واحد رضي عن ذلك كل الرضا. وقد ~~عرفت منه في باريس أنه أشار على مترجمه الأمريكي بأن يصنع نفس ~~هذا الصنيع؛ لأن القصتين تصدران عن تفكير واحد وعن موقف واحد أمام مشكلات ~~الحياة. ومع ذلك فبين القصتين اختلاف عظيم في الصورة الفنية؛ إحداهما تمثيلية كتبت ~~للمسرح، على حين أن الثانية نوع من المذكرات يقص فيها البطل الأثيني علينا حياته التي ~~ملأتها المغامرة في ألوان من الدعابة الحلوة أحيانا والجد المر أحيانا أخرى. # ولا يشك قارئ القصتين في أن أولاهما قد كتبت حين كان أندريه جيد ~~قويا سعيدا موفورا مستكملا شخصيته كأحسن ما يستكمل الكاتب شخصيته. كان في الستين ~~من عمره، أو لم يكن قد جاوز الستين إلا قليلا، كان سعيدا بين أهله وأصدقائه، راضيا ~~عن نفسه، وراضيا حتى عن مكر الناس به وكيدهم له وانتقاض بعضهم عليه. # أما القصة الثانية فقد كتبها بعد أن جاوز السبعين، بعد أن فقد زوجه ~~وكثيرا من أصدقائه، وبعد أن خضع لألوان من الأزمات النفسية، وبعد أن ذاق وطنه ~~الهزيمة، وذاقها هو أشد ما يكون ذوقها مرارة، وكتبها منفيا عن وطنه لا يعرف متى ~~يعود إليه، بل لا يعرف أيتاح له أن يعود إليه. فهو مجاهد معاند متحد ~~للأحداث والخطوب حين يكتب قصة «أوديب»، وهو هادئ مطمئن حزين باسم مع ذلك للأحداث ~~والخطوب ساخر منها، مؤمن بنفسه، واثق بوطنه، ذائق حلاوة الصداقة حين يكتب قصة ~~«ثيسيوس». # ولذلك نرى أوديب يفرض نفسه على الأيام ويتحدى الآلهة ويعاند القضاء، ويخرج من ~~المحنة ظافرا يريد أن ينسى الماضي، وألا يفكر إلا في المستقبل، ونرى ثيسيوس ~~قانعا راضيا مطمئنا لا يفكر إلا في الماضي يستحضر منه اليسير والخطير، ويجد ~~اللذة في استحضار ما يستحضر، يتحدث به إلينا أو إلى نفسه، مستمتعا بهذا ~~الحديث قبل أن نستمتع به نحن. لا يفكر في المستقبل، ولا يريد أن يفكر فيه؛ فهو لا ~~ينتظر مستقبلا؛ لأن حياته قد أشرفت على غايتها. وأنت تجد هذا الحزن المطمئن في ~~الأسطر الأولى من القصة حين ms21 ينبئك بأنه كان يريد أن يقص حياته ليجد فيها ابنه ~~موعظة وعبرة وتعليما. ولكن ابنه قد مات، وهو يقص حياته مع ذلك؛ لمن يقصها؟ لنفسه ~~أولا، ولمن شاء أن يقرأها من الناس بعد ذلك. # فهو قد تقدمت به السن، وسبقه أكثر أصدقائه وأحبائه إلى الموت؛ فأصبح عشير نفسه، لا ~~يستطيع إن أراد أن يسري عنها إلا أن يقص عليها ما كان له في صباه ~~وشبابه وكهولته من الأحداث، وما مر به من الخطوب، وما تعرض له من ~~المغامرات، يحيا في وقت قصير حياته الطويلة، ويجدد بالذكرى ما اختلف على نفسه من ~~لذة وألم، ومن أمن وخوف، ومن أمل ويأس. # وهو ينتهي آخر الأمر بالموازنة بين حياته وحياة صديقه أوديب، فيرى بعد التفكير ~~الطويل أنه كان أسعد من صديقه حياة وأحسن حظا؛ لأن أوديب قد انتهى إلى الزهد ~~في الحياة والنفور منها والفزع إلى هذا العالم الداخلي يجد فيه الأمن والرضا، على حين ~~لقي هو الحياة كما عرضت على الأحياء، ولعب بالأوراق التي أتاح القضاء للناس أن يلعبوا ~~بها. # يئس أوديب من الناس، واستيقن آخر الأمر أنه لن يجد عندهم خيرا ولن يقدم إليهم ~~خيرا، ووثق هو بالناس واستيقن آخر الأمر أن الحياة النافعة القيمة هي التي لا تنتهي ~~إلى الجدب، وإنما تنتهي وقد تركت من ورائها آثارا يدوم انتفاع الناس ~~بها وذكرهم لها وثناؤهم على صاحبها. # وقد امتازت هذه القصة بما سترى فيها من هذه الدعابة الحلوة والسخرية الهادئة؛ فالبطل ~~الأثيني يعرف الناس كما ينبغي أن يعرفوا: يعرف قوتهم ويعرف ضعفهم، ويعرف أن هذه ~~القوة كثيرا ما تقوم على الضعف نفسه. # قيل له: إنه ابن الملك، وتحدث الناس بأنه ابن إله البحر، فهو يعتز بهذين ~~النسبين: يعتز بنسبه إلى أبيه ليملك أثينا، ويعتز بنسبه إلى الآلهة ليملك قلوب ~~الناس ويسحر عقولهم. وهو فيما بينه وبين نفسه يكاد يقطع بأنه ليس ابن هذا ولا ذاك، ~~وبأن أباه غير معروف؛ فقد يحدثنا بلوتارك بأن كثيرا من هؤلاء الأبطال كانوا ~~يولدون لغير أب ms22 معروف فينتسبون إلى الآلهة، ولا ينكر الناس من نسبهم شيئا ~~لحسن بلائهم ولما يحققون من عظائم الأمور. # ويحدثنا ثيسيوس بأنه قتل رجلا كان يظن به السوء وقطع الطريق، ثم تبين بعد ذلك ~~أنه كان رجلا خيرا نفاعا للناس، فكاد يندم على قتله. ولكن الشعب حين عرف أنه هو ~~قاتله لم يتردد في أن يقرر أنه كان مجرما أثيما؛ وكذلك تذعن الشعوب لملوكها ~~وتسبق إلى التماس المعاذير لهم حين يخطئون. # وما أكثر ما نرى في هذه القصة أخلاق أندريه جيد نفسه، فأبغض شيء إلى ثيسيوس أن ~~يقيد نفسه بما يمنعه من العمل ومن التقدم إلى أمام؛ فهو يحب، ولكن بشرط ألا يمسكه ~~الحب عند خليلة بعينها، وهو يصادق، ولكن بشرط ألا تقفه الصداقة عن أن ~~يمضي لما يريد، وهو من أجل ذلك يتخلص من أريان # Ariane # بعد أن نجته من اللابيرانت # Labyrinthe # ويؤثر عليها أختها، كما أنه لا يحفل بمشورة صديقه ~~بيريتوس Piritho # ولا يقف عند رأيه، وإنما يمضي لما ~~أراد غير حافل بفقدان الصديق الذي أوشك أن يعوقه عما يرى فيه خيرا. # كل شيء في هذه القصة يصور حرص الملك على أن يحقق نفسه ويعتمد عليها، ولا ~~يعتمد إلا عليها، ينفع الناس ولكن لا يعنيه أن يرضى الناس عنه أو يسخطوا، بل هو لا يكره ~~أن ينفعهم على رغمهم. # وإذا كانت قصة أوديب تصور الشخصية القوية المجاهدة المعاندة التي لا تؤمن ~~بشيء كما تؤمن بالحرية، ولا تحرص على شيء كما تحرص على الحرية، ولا تعرف ~~الهزيمة، ولا تذعن للخطوب، فقصة ثيسيوس تصور الشخصية القوية التي جاهدت وعاندت وانتصرت ~~على الأحداث والخطوب حتى إذا بلغت آخر الشوط نظرت إلى وراء بعد أن لم تكن تنظر إلا إلى ~~أمام، فرضيت عن نفسها، وحمدت بلاءها، وانتظرت الموت آمنة مطمئنة. # والقصتان تنتهيان إلى غاية واحدة، ولكنها في الوقت نفسه مختلفة: فقد مات أوديب ~~راضيا، ومات ثيسيوس راضيا أيضا، ولكن أحدهما وجد الرضا في العالم الداخلي الفلسفي، ~~على حين وجد الآخر هذا الرضا في العالم ms23 الخارجي الإنساني. وما أعظم الفرق بين رضا ~~مصدره اليأس من الناس، ورضا مصدره الثقة بالناس! # طه حسين # آثرت في هذا الكتاب إيراد الأسماء اليونانية كما ينطقها ويرسمها ~~الفرنسيون. ويرى القارئ في آخر الكتاب تبيينا لما قد يحتاج إلى تبيين من هذه ~~الأسماء. # | أوديب # | الفصل الأول # لقد ملئ العالم بالمعجزات، ولكن لا أشد إعجازا من الإنسان. # سوفوكل من حديث الجوقة في قصة أنتيجون # أوديب ~~: # ها أنا ذا أحضر وقد استجمعت شخصيتي كاملة في هذه اللحظة من لحظات الزمان ~~السرمدي، أشبه شيء بشخص يظهر على مقدمة المسرح قائلا: # أنا أوديب، قد عمرت أربعين سنة، وملكت عشرين عاما، وبلغت ~~بقوة ذارعي قمة السعادة. لقد كنت لقيطا لا يعرف له أصل، ولا يحمل ما يثبت ~~شخصيته، وأنا الآن أسعد الناس بأني لست مدينا بشيء لإنسان. لم توهب لي ~~السعادة، وإنما أخذتها قسرا، وأنا من أجل ذلك عرضة للغرور، وقد أردت أن ~~أتجنبه، فسألت نفسي: ألم يكن في أمري أثر للقضاء والقدر؟ أعمد بهذا السؤال ~~إلى أن أعصم نفسي من دوار الكبرياء هذا الذي تزل له أقدام كثير من أبعد ~~القادة صوتا، وأعظمهم امتيازا. ~~... هلم! هلم! يا أوديب! لا تغامر بنفسك في كلام طويل توشك ~~ألا تحسن الخروج منه. قل في يسر ما تريد أن تقول، ولا تشع في ألفاظك ~~هذا الورم الذي تحرص على أن تتقيه في حياتك، كل شيء يسير، وكل شيء يأتي في ~~إبانه؛ فكن يسيرا وكن صائبا كالسهم. امض إلى غايتك في غير عوج ولا ~~التواء ... # وهذا يردني إلى ما كنت أقول آنفا. نعم! إذا ظننت أحيانا أني صنيعة ~~الآلهة، ومصدر ذلك رغبتي في التواضع والاعتدال، وفي أن أرد إليهم فضل ما ~~كتب لي من تفوق، فمن العسير ألا يتعرض مثلي للغرور والكبرياء. وسبيلي ~~إلى القصد أن أزعم أن فوقي قوة مقدسة أخضع لها راضيا أو ~~كارها. # ومن ذا الذي لا يذعن مطمئنا لقوة مقدسة ترقى به إلى حيث بلغت! إن ~~إلها يقودك يا أوديب، وليس في الأرض اثنان يشبهانك. بذلك ms24 أحدث نفسي في ~~أيام الآحاد والأعياد، فأما في سائر الأيام فإني لا أجد الوقت للتفكير فيه. ~~وما أنا وهذا كله؟ إني لسيئ التفكير، ليس حسن المنطق من خصائصي، وإنما أنا ~~أصدر دائما عن الحدس. # من الناس من يسأل نفسه في كل فرصة، وفي كل موطن تزدحم فيه العربات: أيجب أن ~~أتأخر؟ أمن حقي أن أمضي إلى أمام؟ أما أنا فأمضي في حياتي كأن إلها ~~يرشدني إلى ما أريد. ~~(الجوقة في مقدمة المسرح وقد انقسمت قسمين؛ أحدهما عن يمين، ~~والآخر عن شمال.) # الجوقة ~~(بقسميها) ~~: # نحن الجوقة، التي كلفت في هذا المكان أن تمثل رأي أضخم عدد ممكن من ~~الناس، نعلن دهشنا وحزننا أمام هذه الشخصية الممعنة في إيمانها بنفسها. فهذا ~~الشعور الذي يظهره أوديب لا يقبل من غيره إلا إذا ألقي من دونه جحاب. # وليس من شك في أن من الخير للإنسان أن يترضى الآلهة. ولكن أقوم السبل ~~إلى ذلك أن ينحاز إلى رجال الدين، وإن أوديب ليحسن إذا استشار تيرسياس؛ ~~فهو الذي يمسك إرادة الآلهة. إن أوديب ليظهر العناية بنا، وهو يوشك أن يغضب ~~الآلهة علينا، ولعله أن يكون مصدر هذه الآلام التي تبهظنا الآن ~~(في صوت خافتة) # سنشتري رضاهم ببعض الضحايا ~~التي لا يرتفع ثمنها، وببعض الصلوات التي يحسن توجيهها، وسنباعد ما بيننا وبين ~~ملكنا فنحول إليه وحده العقاب على هذه الكبرياء التي تستوجب العقاب. # جوقة اليمين ~~(إلى أوديب) ~~: # لا يشك أحد في أنك سعيد، وإن كنت تسرف في إعلان هذه السعادة، ولكننا نحن ~~لسنا سعداء، نحن شعبك. أي أوديب نحن شعبك لسنا سعداء. وددنا لو نخفي هذا ~~عليك، ولكن هذه القصة لن تأخذ طريقها إلا إذا حدثناك بنبأ مروع. إن الطاعون ~~- ما دام يجب أن نسميه باسمه - ما زال ماضيا في دفع المدينة إلى الحداد؛ وقد ~~عوفيت منه أسرتك إلى الآن، ولكن من الملائم ألا يغضي الملك عما يصيب أمته من ~~الرزايا، وإن لم يصبه منها طرف. # جوقة الشمال ~~: # على أننا لا نكاد نشك في أن بين سعادتك ms25 وشقائنا صلة خفية، ~~بذلك تلمح لنا أحاديث تيرسياس. ومن الخير أن نتعرف جلية الأمر فيه، سينبئنا ~~بذلك أبولون، فأنت قد أرسلت الرجل الكريم كريون صهرك إلى معبد الإله، ~~وسيعود إلينا عما قليل بما ننتظر في لهفة من جواب الوحي. # أوديب ~~: # ها هو ذا مقبلا! ~~(يدخل كريون) # أوديب ~~(إلى كريون) ~~: # وإذن؟ # كريون ~~: # أليس من الخير أن نتحدث منفردين؟ # أوديب ~~: # لماذا؟ إنك تعلم أني أزدري الرياء والخواطر المستورة، فستقول إذن كل شيء ~~أمام كل الناس. إلى ذلك أدعوك، بل بذلك آمرك. من حق الشعب أن يعلم كما أعلم ~~أنا كل ما من شأنه أن يدفع عنه الضر. على هذا النحو وحده يستطيع أن يعينني على ~~دفع البلاء، ماذا قال الوحي؟ # كريون ~~: # بالضبط هو ما كنت أخاف، وهو أن في المملكة شيئا قد شمله الفساد. # أوديب ~~: # قف. ليس محضر الشعب كافيا. يجب أن تدعى إلى هذا المكان أختك جوكاست ~~وأبناؤنا الأربعة. # كريون ~~: # اسمع لي، إني أحمد لك دعاء جوكاست؛ فأنت تعلم أن شعور الأسرة شديد السلطان ~~على نفسي، وهي مع ذلك تستطيع أن تشير علينا فتحسن المشورة. أما الفتية ~~فيخيل إلي أنهم أصغر سنا من أن يشاركوا في هذا الحديث. # أوديب ~~: # ليست أنتيجون طفلة. أما إتيوكل وبولينيس فهما كما كنت في سنهما، ليسا غبيين ~~وفيهما جراءة وإقدام، فمن الخير أن ندعوهما، وأن نشغلهما ببعض الهم. أما إسمين ~~فلن تفهم شيئا. ~~(تدخل جوكاست وأبناء أوديب الأربعة.) # أوديب ~~(إلى جوكاست) ~~: # إن أخاك قادم من بيتو. # 1 # وقد أردت أن تكونوا جميعا حولي؛ لنسمع جواب الآله. هلم يا ~~كريون، تحدث الآن: ماذا قال الوحي؟ # كريون ~~: # قال: إن الإله لن يحول غضبه عن ثيبا حتى يثأر للايوس. # أوديب ~~: # يثأر له من ماذا؟ # كريون ~~: # ألا تعلم أن الذي تخلفه في سرير أختي جوكاست وعلى العرش قد مات ~~مقتولا؟ # أوديب ~~: # أعلم ذلك، ولكن ألم يعاقب المجرم؟ # كريون ~~: # لم تستطع الشرطة أن تأخذه، بل يجب أن نعترف بأن البحث عنه لم يتصل. # أوديب ~~(إلى جوكاست) ~~: # لم تنبئيني. # جوكاست ~~: # لقد كنت ms26 تقاطعني يا صديقي كلما حاولت أن أتحدث إليك، وكنت تصيح: كلا ~~لا تحدثيني عما مضى، فلست أريد أن أعلم من أمره شيئا؛ لقد بدأنا عصرا ~~ذهبيا، كل شيء يتجدد ... # كريون ~~: # وكانت كلمة العدل إذا نطق بها فمك تؤدي معنى العفو. # أوديب ~~: # لو كنت أعرف الخنزير الذي ... # جوكاست ~~: # هون عليك يا صديقي! هذا تاريخ قديم. لا تعد إلى ما مضى. # أوديب ~~: # كلا لن أهون على نفسي، بل أنا أريد أن أعلم من ذلك. أقسم بالجحيم لن ~~أنتهي حتى أظفر بالمجرم. سألتمسه حيثما يكون، وأقسم إنه لن يفوتني، كم مضى ~~على ذلك من وقت؟ # جوكاست ~~: # كنت أيما منذ ستة أشهر حين خلفت لايوس، وقد مضى على ذلك عشرون ~~عاما. # أوديب ~~: # عشرون عاما في حياة سعيدة ... # تيرسياس ~~: ~~... وهي أمام الإله كيوم واحد. ~~(وقد دخل تيرسياس مع أنتيجون وإسمين دون أن يلحظ. وهو ضرير قد ~~اتخذ لباس الكهنة.) # أوديب ~~: # يا للآلهة! إن هذا الرجل لثقيل! يقحم نفسه دائما في أمور الناس، من طلب ~~إليك الحضور؟ # جوكاست ~~(إلى أوديب) ~~: # يا صديقي لا ينبغي أن تتحدث على هذا النحو أمام الصغار؛ فمن الخطأ أن ننقص من ~~سلطان الرجل الذي اتخذناه لهم مربيا وأستاذا، والذي يجب أن يرافقهم ~~دائما. ~~(ملتفتة إلى تيرسياس) # كنت تقول ~~... # تيرسياس ~~: # لا أريد أن أسوء الملك. # أوديب ~~: # لا يسوءني ما يقال، بمقدار ما يسوءني ما تضمره النفوس ولا تقوله الألسنة؛ ~~تكلم. # تيرسياس ~~: # سنتحدث منفردين يا أوديب عن سعادتك ... عما تسميه السعادة. أما الآن فالأمر ~~يعني شقاء الشعب. أي أوديب إن الشعب يألم، ولا يمكن للملك أن يجهل هذا ~~الألم. إن الإله ينشئ صلة خفية بين السعادة التي تتاح لقليل من الناس ~~والشقاء الذي يفرض على أكثرهم. إن اسم الإله يتردد كثيرا على لسانك يا ~~أوديب، وما ينبغي أن ألومك في ذلك، وإنما ألومك في أنك تتخذ من الإله مقرا ~~لعملك لا قاضيا لك، وفي أنك لا تضطرب أمامه خوفا. # أوديب ~~: # لم أكن قط ما يسميه الناس هيابا. # تيرسياس ~~: # كلما عظمت شجاعة الإنسان أمام ms27 الناس اشتد رضا الإله حين يراه خائفا أمامه ~~مضطربا من الخوف. # أوديب ~~: # لو أني اضطربت أمام أبي الهول لما استطعت أن أجيبه، ولا أن أصير ~~ملكا. # الجوقتان ~~: # أي أوديب، أي أوديب! عبثا تحاول، إنك لتعلم أن أحدا لا يستطيع أن يستأثر ~~بالكلمة الأخيرة دون تيرسياس، وإن كان ملكا. # الجوقة الأولى ~~: # لقد قهرت أبا الهول، ولكن تذكر أنك أبيت فيما بعد ذلك أن تحفل بزجر ~~الطير. # الجوقة الثانية ~~: # ولما كانت هذه تؤرق نومك، فقد دفعتنا إلى الإثم حين أذنت لنا في صيدها، ~~على الرغم من تحريم تيرسياس لهذا الصيد. # الجوقتان ~~: # لقد كنا نتخذ من الطير طعاما شهيا، ولكننا لم نلبث أن تبينا الخطيئة حين ~~رأينا الإله الساخط يسلط الدود على زراعتنا. # الجوقة الأولى ~~: # وإذا كنا قد أخذنا أنفسنا بالصوم في ذلك العام، فإنما أردنا التكفير عن ~~خطيئتنا. # الجوقة الثانية ~~: # ولأننا لم نكن نجد ما نأكل. # الجوقتان ~~: # ولذلك فنحن على إيثارنا طاعتك؛ ننصح لك بالإصغاء إلى ما يقوله ~~تيرسياس. # أوديب ~~(إلى ابنيه) ~~: # إن الشعب يؤثر دائما تفسير ما يعرض له من الأحداث بالأسرار الغامضة على ~~تفسيرها بأسبابها الطبيعية، ليس إلى تغيير هذا من سبيل ~~(إلى تيرسياس) # هلم! امض في حديثك. # تيرسياس ~~: # تستطيع شرطة الملك أن تبحث عن مجرم، ولكن إلى أن تجده أرجو أن تأخذوا جميعا ~~أنفسكم بالندم؛ فكلكم خاطئ أمام الإله، ولن نستطيع أن نتصور إنسانا قد برئ ~~من الخطايا؛ فليعكف كل منكم على نفسه، وليحاسب ضميره، وليندم على ما قدمت ~~يداه. وفي أثناء ذلك سنقدم من الضحايا ما يهدئ من غضب الإله الذي يمتحن ~~المدينة بهذا البلاء. لقد جل عدد الموتى عن الإحصاء، ويستطيع بولينيس الذي ~~كان يسايرني آنفا، والذي رأى ما لم أكن أرى، أن ينبئك بذلك. # بولينيس ~~: # أجل يا أبت! لقد رأينا غير بعيد من القصر جماعة من المطعونين قد دنسهم ~~البراز والقيء، وهم يتلوون من الألم، ويعين بعضهم بعضا على الموت، وكان ~~الجو من حولهم يضطرب بما يبعثون من حشرجة وأنين، ومن زفرات ونظرات ... # كريون ~~: # حسبك! حسبك! ms28 ... ~~(إسمين يأخذها الإغماء.) # أوديب ~~: # هذه الصبية يغشى عليها الآن. # إتيوكل ~~(إلى بولينيس) ~~: # ما كان لك أن تقص هذا كله أمام أختك. # أوديب ~~(إلى جوكاست) ~~: # أرجو أن تخرجي هؤلاء الصبية. ~~(يخرجون ومعهم ~~تيرسياس) # لينصرف الشعب فإني أريد أن أخلو للتفكير. ~~(يبقى أوديب ومعه كريون.) # كريون ~~: # متناقض كغيرك من الذين يرسلون أنفسهم على سجاياها. ما نفع هذا القسم الذي ~~أقسمته آنفا؟ # أوديب ~~: # أي قسم؟ # كريون ~~: # أترى؟ لقد أنسيته! ولكن الشعب، ولكن أبناءك لن ينسوه، وما زال تيرسياس قادرا ~~على أن يذكرك به. لقد أقسمت لتثأرن للملك. # أوديب ~~: # هذا حق. لماذا لم يحاكم المجرم؟ # كريون ~~: # لقد طويت القضية. # أوديب ~~: # من الذي طواها؟ # كريون ~~: # أنا الذي طواها أولا حين كنت وصيا على العرش. فقد رأيت من الخطأ أن ~~ألفت إليها الشعب، وأن ألقي في روعه أن الملك يمكن أن يقتل كغيره من ~~الناس. # أوديب ~~: # نعم! ولكنه يعلم ذلك الآن. # كريون ~~: # ولم ترد جوكاست أن يجري التحقيق؛ لأنها رأت في كثير من الحكمة أن أول عهدك ~~بالملك لا ينبغي أن يشيع فيه الظلام. # أوديب ~~: # لقد حرصت جوكاست دائما على أن تحوط سعادتي. إنها كاملة، جوكاست، أي زوج ~~هي! أي أم هي! أما أنا فلم أعرف أمي قط، وإني لأحب جوكاست حب ~~البنوة والزوجية معا، قل لي: أكانت تحب زوجها الأول؟ # كريون ~~: # أقل مما تحبك من غير شك. # أوديب ~~: # قل لي أيضا: ... ألم يولد لهما الولد؟ # كريون ~~: # هذه قصة أخرى. لست أدري أمن حقي أن أقصها عليك ... # أوديب ~~: # لم يكن من حقك أن تشير إليها فأما وقد فعلت، أما الآن فأريد أن ~~أعلم. # كريون ~~: # إذن فهاك القصة: لم يكونا يريدان الولد؛ لأن الوحي ... # أوديب ~~: # الوحي أيضا ...؟ # كريون ~~: ~~... تنبأ بأن لايوس سيموت مقتولا بيد ابنه، ولكن في ليلة من ليالي الحب ~~الذي لا حذر فيه ... # أوديب ~~: # لقد فهمت عنك. وماذا كان من أمر هذا الطفل الذي أنتجه الهيام؟ # كريون ~~: # كان غلاما لم يكد يولد حتى دفع إلى راع كلف هذه المهمة الحزينة؛ ~~مهمة إلقائه على الجبل حيث ms29 التهمته الوحوش الضارية. # أوديب ~~: # ألا يزال هذا الراعي حيا؟ # كريون ~~: # إنك لتسرف علي في السؤال. أتريد نصيحتي؟ لا تشق نفسك بهذا، وعش ~~سعيدا. # أوديب ~~: # مع هذه الشوكة في وسادتي أخشى ألا يتاح لي النوم منذ الآن. على أنك قد سمعت ~~أن الإله يطلب عقاب القاتل. # كريون ~~: # أيها العزيز أوديب، إن الوحي الذي يسيغه الشعب لا ينبغي أن يخيفنا نحن ~~الحاكمين. ينبغي أن نتخذ منه وسيلة لتقوية السلطان، وأن نؤوله كما نشتهي. ~~لقد أنبأنا بأن لايوس سيموت مقتولا بيد ابنه؛ فقد هلك هذا الابن، ولم ~~يمنع ذلك من قتل لايوس. ولو قد عاش لما أتيح لك أن ترقى إلى عرشه؛ فلا ~~تشق نفسك بموته، ولا تكلفها العناء لتعلم كيف مات. إن كان بعض الناس قد ~~قتله؛ فإنما فعل ذلك من أجلك، لقد هيأ لك الفرصة، فما ينبغي لك أن ~~تعاقبه، وإنما يجب عليك أن تحسن إليه. # أوديب ~~: # ولكن ما عسى أن يقول تيرسياس. # كريون ~~: # أتخافه؟ # أوديب ~~: # لا أكاد أخافه، ولكن الشعب يسمع له، وربما أثار صوته في نفسي بعض ~~الاضطراب. نعم! جرس صوته كأنه يخرج من الجحيم، ها هو ذا مقبلا من جديد. إنه ~~ليسعى دون أن يسمع خطوه. ماذا تريد يا تيرسياس؟ ~~(دخل تيرسياس) # تيرسياس ~~: # أي أوديب، إن الملكة تريد أن تتحدث إليك. إنها تنتظرك في القصر. ~~(أوديب يبتعد. تيرسياس إلى كريون) # إنما أردت ~~أن أخلو إليك. لقد سمعت كل ما قلتما. # كريون ~~: # أكنت تتسمع؟ # تيرسياس ~~: # لست في حاجة إلى أن أتسمع لأسمع. إني أعرف ما يجول في النفس قبل أن أسمع صوت ~~المتكلم. أي كريون، ليس من الخير أن تطمئن أوديب. # كريون ~~: # ماذا تريد أن تقول؟ # تيرسياس ~~: # أريد أن أقول إنه يسرف في الاطمئنان، وإن نفسه كالإناء المطبق لا سبيل إلى ~~أن يبلغها الخوف، وإن سلطاني كله إنما يأتي من خوف من الإله. إن هذه ~~السعادة المطمئنة آثمة، إن عليك أن تحدث فيها صدعا. # كريون ~~: # لماذا؟ # تيرسياس ~~: # من هذا الصدع يصل الإله إلى قلبه. إن بولينيس وإتيوكل يفلتان مني. ms30 إن ~~شعوري بذلك يزداد من يوم إلى يوم. ستنبئك بذلك جوكاست؛ إنهما يتأثران ~~أباهما، ويريان أن من الممكن أن يتحررا من هذا السلطان الذي ينبغي ~~أن يذعن له كل إنسان. إني لا أتحدث إليك عن نفسي، وإنما أتحدث إليك عن ~~الإله الذي أمثله، وعن جوكاست، وعن أنتيجون هذه الفتاة التقية، وعن الشعب آخر ~~الأمر. # عن هذا الشعب المروع الذي يرى أن ما يلم به من الكوارث إنما هو عقاب له ~~على ما يظهر ملكه من الإلحاد. ثم كيف تستطيع أنتيجون أن تكبر أبا، ~~وكيف تستطيع جوكاست أن تحب زوجا يتحول قلبه عن الإله الذي تؤثرانه جميعا ~~بالإجلال؟! وأنت نفسك يا كريون يجب أن تفهم أن مما ينفع الناس جميعا أن ~~يذعن الملك لسلطان قوة قاهرة يستطيعون أن يفزعوا إليها حتى منه هو. ~~(تدخل جوكاست) # جوكاست ~~: # إن أوديب شديد الحزن لما قصصت عليه من نبأ. إن أنتيجون تريد أن تخلص ~~للدين. # كريون ~~: # تريد أن تكون كاهنة؟ # تيرسياس ~~: # ليس في ذلك ما يدهش. إن هذه الفتاة العزيزة تريد أن تقوم بذلك ما في فجور ~~أبيها من عوج. # جوكاست ~~: # لقد أفضت إلي بهذه النية التي يجب أن تظل سرا، والتي لم يظهر عليها ~~أخواها بعد. # كريون ~~: # آه! يا للفتاة البائسة! # تيرسياس ~~: # بائسة لماذا؟ ستجد عند الإله سعادة أوثق من سعادة أوديب: نعيما مقدسا ~~قوامه الخضوع لا الكبرياء. # كريون ~~: # أقدر كذلك أن شقاء الشعب قد أثر في نفسها. # جوكاست ~~: # إنها تلح علي في أن أدعها تعنى بالمرضى، وقد أبيت عليها ذلك؛ لأنه ليس ~~من شئون الأميرات. هنالك قالت لي: فلأصل من أجلهم ولأضرع إلى الإله في أمرهم، ~~وربما ضرعت إليه في أمر ... ثم قطع البكاء صوتها فلم تتم. # تيرسياس ~~: # في أمر شخص آخر أشد منهم مرضا. # كريون ~~: # أكانت تفكر في أبيها؟ # تيرسياس ~~: # من غير شك. كيف تلقى أوديب هذا النبأ؟ # جوكاست ~~: # مغضبا محزونا أول الأمر، ثم صائحا لأنه يعرف في هذا صنع ~~تيرسياس. # تيرسياس ~~: # لست إلا أداة الإله. وما دام الإله يتخذني أداة لإنفاذ ms31 أمره فلن يقف عملي ~~عند هذا الحد. # جوكاست ~~: # ما أعظم حظ هذا الزوج الحبيب إلي من الثبات والفضيلة والشجاعة! إن الواجب ~~يفرض علينا يا تيرسياس أن نرده إلى طاعة الإله. # تيرسياس ~~: # يجب على كريون أن يعينني. يجب عليه أن يزعزع ثقة الملك بنفسه فيعده ~~بذلك لحسن الاستماع لي. # كريون ~~: # سأحاول، ولكني لست واثقا بالنجح؛ فإن أوديب لا يلقي السمع إلى من يثقل ~~عليه. # تيرسياس ~~: # سيهديك الإله كما يهديني إلى الوسيلة التي تمس بها قلبه. # كريون ~~: # لم يعن الإله كثيرا بهدايتي قط. # تيرسياس ~~: # إنه لا يحسن العناية إلا بهداية العميان. # جوكاست ~~: # إني أعتمد عليك يا تيرسياس؛ فمن طريقك يأتينا العلم بإرادة الإله ~~القدير. # | الفصل الثاني # أي أوديب أيها الذي ولد في غير احتياط وكان السكر له أبا. # أوريبيد: الفنيقيات ~~(يتقدم أوديب وكريون وهما يمضيان في حديث كانا قد بدآه.) # كريون ~~: ~~... لو لم نكن متباينين إلى هذا الحد لما وجد أحد منا هذه المتعة حين يفهم عن ~~صاحبه. وإني أيها الصهر العزيز لأحب حديثك؛ لأنك تفتح لي آفاقا لم ~~أكن لأهتدي إليها وحدي. فلك الابتكار والتجديد، أما أنا فيقيدني الماضي، ~~وأنا من أجل ذلك أحترم التقاليد والعادات والقوانين المقررة. ولكن ألا ترى أن ~~من الخير للدولة أن يمثل هذا كله، وأني أحقق التوازن المفيد بإزاء عقلك ~~المجدد، فأحول بينك وبين الاندفاع، وأهدئ من مغامراتك الجريئة التي توشك ~~أن تحطم نظام الجماعة إذا لم تؤخذ بشيء من القصد يأتيها من هذا السكون ~~ومن هذا التشبث بالقديم ... # أوديب ~~(في شيء من الذهول) ~~: # هذا ممكن. # كريون ~~: # إن شعور الأسرة شديد السلطان على نفسي، وأنت من هذه الأسرة، وأمر أبنائك ~~يعنيني كأمر أبنائي؛ فأذن لي في أن أجد شيئا من القلق على صحة ~~إسمين؛ فهي عصبية، وقد لاحظت ما أصابها أمس من الإغماء حين سمعت حديث أخيها ~~... # أوديب ~~: # إن هذا الإغماء لم يطل. # كريون ~~: # ومع ذلك فيجب أن نعنى بها فنحملها على شيء من الرياضة ... وكذلك جوكاست ~~يخيل إلي أنها لا تستمتع بالصحة الكاملة منذ أيام؛ ms32 فهي قلقة لما يصيب ~~الشعب من شقاء، فمن الحق عليك أن تحاول تسليتها. # أوديب ~~: # حسن، حسن! # كريون ~~: # وسأحدثك عن ابنيك حين يتاح لنا شيء من فراغ، فتيرسياس أستاذ كيس، ~~ولكنهما لا يظهران حسن الاستماع له، قد ورثا عنك شيئا من العناد لا أحققه؛ ~~فهما ثائران. هل قرأ عليك إتيوكل خواطره التي صور فيها بلاء العصر؟ # أوديب ~~: # صور فيها الطاعون؟ # كريون ~~: # كلا ... بلاء العصر مع عنوان آخر هو قلقنا. وهو بالطبع يقصد إلى قلق عقلي ~~ممتاز. إن هذا الفتى لغريب حقا، وليس بولينيس أقل منه جمالا وقوة ~~وذكاء. إنهما يشبهانك من غير شك حين كنت في سنهما، ولعلك ترى نفسك ~~فيهما. # أوديب ~~: # أحيانا. # كريون ~~: # أنتم من طائفة القلقين، ولكنهما على الأقل يريان ما ضربت لهما من مثل. ~~أما أنت فقد كنت ترى نفسك غريبا عند بوليب ... أليس هذا هو الذي ~~حملك على مغادرة قصره؟ ألم تكن تجد الرضا عنده؟ # أوديب ~~: # كنت أجد عنده كل ما أحب، ولكني أكره أن أدلل. وكنت أعتقد في ذلك الوقت ~~أني ابن بوليب. ثم أقبل إلى القصر ذات يوم كاهن كان يتحدث إلى الناس بأمر ~~مستقبلهم، وكان كل واحد يريد أن يسأله عما يضمر له الغيب، فلما جاءت ~~نوبتي امتقع لونه وأبى أن ينبئني بأمري أمام الناس. ثم انفرد بي وأنبأني بأنه ~~قد كتب علي أن أقتل أبي. ضحكت أول الأمر لهذه النبوءة، ولكني رأيته يلح ~~ويؤكد، فلم أر بأسا بشيء من الاحتياط، وكان أول ذلك أن أصارح بوليب ~~بالأمر، وأن أنبئه بأني فرارا من هذه النبوءة السيئة سأفارقه إلى آخر ~~الدهر مهما يكلفني ذلك من مشقة، فقد كنت أحبه. # هنالك أنبأني ليرد الطمأنينة إلى قلبي بأني لست ابنه، وإنما ~~تبناني، فما ينبغي إذن أن أخاف أن تتحقق هذه النبوءة فيما يتصل ~~به. ولم يستطع أن يبين لي عن أبي شيئا، وإنما حدثني بأن راعيا من ~~رعاته وجدني في الجبل، وقد علقت كالثمرة من إحدى رجلي إلى غصن دان لبعض ~~الشجيرات (وهذا هو الذي جعلني أعرج ms33 قليلا)، وجدني عاريا معرضا للريح ~~والمطر كما يطرح الطفل الذي ينتجه الحب الآثم، والذي يراد التخلص منه؛ ~~لأنه جاء على غير انتظار ليفسد على المحبين أمرهما ... # كريون ~~: # طفل لغية، لا بد أن يكون ذلك قد آذاك. # أوديب ~~: # كلا! لم يؤذني. ولعل مما يسرني أن أعرف أني لم أولد لرشدة؛ فقد كنت أتكلف ~~كثيرا من الجهد لأقلد بوليب حين كنت أعتقد أني ابنه. وكنت أقول لنفسي أي شيء ~~في لم أرثه عن آبائي، وكنت أسمع لدروس الماضي، وأنتظر من أمس وحده إقرار ما ~~عملت وإملاء ما ينبغي أن أعمل. ثم تنقطع الأسباب فجأة، وإذا أنا قد ~~نجمت من المجهول، فليس لي ماض، وليس لي نموذج أحتذيه، وليس لي شيء ~~أعتمد عليه، وإنما يجب أن أبتكر كل شيء: أن أبتكر الوطن، وأن أبتكر ~~الأجداد، وأن أخترع كل شيء وأستكشف كل شيء، ليس هناك شخص يمكن أن أشبهه ~~إلا أن أكون أنا هذا الشخص. وما الذي يعنيني إذن أن أكون من أبناء ~~اليونان، أو من أبناء اللورين؟ كيف تستطيع يا كريون - وأنت المثقل بقيود ~~الماضي الملائم للتقاليد الموروثة في كل شيء - أن تقدر ما في هذه الحاجة إلى ~~ابتكار كل شيء من روعة وجمال؛ إن جهل الأبوين دعاء إلى مضاء ~~العزم. # كريون ~~: # ولكن فيم تركت بوليب بعد أن ردك إلى الاطمئنان؟ فقد كنت متبناه ولم يكن ~~له وارث، فكنت خليقا أن ترقى بعده إلى العرش. # أوديب ~~: # لست أكره شيئا كما أكره الاستئثار بما ليس لي فيه حق، ولا أريد أن أنتفع ~~بشيء إلا إذا اكتسبته بالعزم اكتسابا، وكنت أجد في نفسي فضائل ~~كأنها كانت نائمة، ولم أكن أطيق لها هذا الخمود. وكنت أشعر أني ~~بهذه الحياة التي كنت أحياها في قصر بوليب راضيا ناعم البال، إنما كنت أضيع ~~ما كتب لي من حظ. # كريون ~~: # من الطبيعي أن أرى غير ما ترى؛ فلو كنت مجهول النسب لكان من الممكن أن ~~أتكلف من الخصال وأطلب من المزايا مثلك ما لم يقدر لي من طريق الوراثة. ms34 ~~ولكني أنا ابن ملك وأخو ملك لا أستطيع إلا أن أكون محافظا. لم أكن ملكا، ~~ولكني كنت أحب أن أستمتع بنعمة الملك في قصر لايوس، كما أحب أن ~~أنعم في قصرك بكل مزايا الملك دون أن أحمل ثقله أو أتكلف همومه. # أوديب ~~: # انعم في سلام! انعم في سلام يا كريون؛ لعل من الخير أن يكون أمثالي ~~أشخاصا نادرين. ولكني أرى الفتية يقبلون، فلنستمع لهم دون أن يرونا. ~~(يتنحى أوديب وكريون، وتدخل أنتيجون وبولينيس.) # بولينيس ~~: # لا سبيل إلى التفكير الحر إلا إذا أزلنا هذه الأثناء التي تفرضها العبادة على ~~العقل. # أنتيجون ~~: # إن الاستسلام للشهوات تفرض عليه أثناء أشد نكرا وتعطفه إلى ~~الشر. نعم! لقد اتخذ عقلي هذا الثني الذي يضطره إلى ألا يفكر إلا تفكيرا ~~مستقيما. ومن المحقق أن كل اتجاه لشخصي إنما يدفعني إلى ... # بولينيس ~~: # أتمي. # أنتيجون ~~: ~~... يدفعني إلى الإله ! # بولينيس ~~: # لماذا لم تتمي حديثك أول الأمر؟ # أنتيجون ~~: # لأني أعلم أنك لا تؤمن بالإله. # بولينيس ~~: # الإله إنما هو في حقيقة الأمر شيء تضعينه عند آخر تفكيرك. أتؤمنين به ~~حقا؟ # أنتيجون ~~: # بكل قلبي وبكل عقلي؛ ولولا أني أتحدث إليك لقلت بكل نفسي، ولكنك لا ~~تؤمن بالنفس أيضا. # بولينيس ~~: # لعلك تنتهين إلى أن تحمليني على الإيمان بنفسك ... ولكن هذا الإله الذي ~~تذكرينه أيوجد خارج عقلك؟ # أنتيجون ~~: # نعم! ما دام يجذبني إليه. # بولينيس ~~: # إنما هو انعكاس بسيط لما في نفسك من الفضائل! # أنتيجون ~~: # بل أنا التي أعكس بعض ما فيه من خير، فكل فضيلة إنما تصدر عنه هو. # بولينيس ~~: # أي أنتيجون: اسمعي لي ... ولا يأخذك الخجل من سؤالي. # أنتيجون ~~: # إني أخجل مقدما، ولكن سل مع ذلك. # بولينيس ~~: # أمن المحرم أن يتزوج المرء أخته؟ # أنتيجون ~~: # نعم، لا شك في ذلك؛ إنه محرم أمام الناس وأمام الإله. لم تسألني ~~هذا السؤال؟ # بولينيس ~~: # لأني لو استطعت أن أتخذك لي زوجا لأسلمتك قيادي حتى تبلغيني إلهك ~~هذا. # أنتيجون ~~: # كيف تقترف الشر وترجو أن تصل به إلى الخير؟! # بولينيس ~~: # الخير والشر ... لا يردد فمك إلا هاتين الكلمتين. # أنتيجون ms35 ~~: # لا تنفتح شفتاي عن كلمة إلا إذا كان مصدرها قلبي. ~~(كريون وأوديب قد استخفيا أثناء هذا المنظر وسيظلان مستخفيين ~~أثناء المناظر التالية.) # كريون ~~(إلى أوديب) ~~: # كلا إنك لتعلم أني لا أستطيع أن أقبل الزواج بين المحارم. # أوديب ~~: # صه! ~~(يتنحى بولينيس وأنتيجون، ويدخل إتيوكل وإسمين.) # إسمين ~~: # ما أندر لقاءك منفردا! إنك دائما في صحبة أخيك؛ كيف تستطيع أن توافقه ~~دائما؟ # إتيوكل ~~: # أليس طبيعيا أن يفهم الأخ أخاه أكثر مما يفهمه الأجنبي؟ # إسمين ~~: # إن بين أنتيجون وبيني اختلافا عظيما في الذوق، حتى إننا لنختصم ~~في غير انقطاع، فهي تلومني في كل ما أحب وتزعم لي أنه محظور، حتى ~~انتهى بي الأمر إلى أني لا أجرؤ أمامها على الضحك أو اللعب. وأنا أعلم أنها ~~أكبر مني سنا، ولكني أكاد أعتقد أنها لم تكن صبية قط. # إتيوكل ~~: # بولينيس وأنا توءمان قد ولدنا معا ونشأنا معا، فكل شيء بيننا مشترك، ~~فأنا لا أذوق لذة ولا أجيل خاطرا حتى يجد على الفور مثل ما أجد، فيزيده ~~ذلك قوة وأيدا. # إسمين ~~: # لست واثقة بأن مما يسرني أن أجد لي ضريبا، بل لست واثقة بأني ~~لن أكرهه إن وجد؛ فهناك أشياء لا تحسن فيها الشركة. # إتيوكل ~~: # لم نواجه إلى الآن شيئا من هذه الأشياء. # إسمين ~~: # لو أن أحدا كما أحب ... # إتيوكل ~~: # لعلنا أن نحب توءمين. # إسمين ~~: # فإذا اتصل الأمر بالملك؟ # إتيوكل ~~: # لقد اتفقنا على أن نتناوب العرش. # إسمين ~~: # فإن لم تجدا توءمين. ~~(يضحكان) # إتيوكل ~~: # سأدعك لأشاوره في ذلك. ~~(يخرج إتيوكل وتدخل أنتيجون.) # أنتيجون ~~: # كيف تضحكين والشعب في حداد؟ # إسمين ~~: # إنك أنت لا تضحكين حتى حين يكون كل شيء من حولك سعيدا. # أنتيجون ~~: # وا حسرتاه! إن في كل مكان من هذه الأرض شقاء لا يقاس إليه ما قد يوجد ~~من فرح. # إسمين ~~: # إنما الفرح في أعماق نفسي، وإني لأسمع في قلبي غناء. # إن البكاء على الأشقياء لا يعفيهم من الشقاء، ولكنك أنت لا تميلين إلا إلى ~~الذين يألمون. ولعل ابتهاج الناس من حولك أن يسوءك. # أنتيجون ~~: # إن سعادة بعض ms36 الناس تقلقني يا إسمين. # إسمين ~~: # بعض الناس؟ # أنتيجون ~~: # سعادة أبي؛ وكلما ازداد حبي له اشتد خوفي من هذه السعادة التي يزعمها ~~لنفسه. إنه يهمل الإله، وليس للإنسان معتمد غير الإله. # إسمين ~~: # إن فرحي شيء مجنح. ~~(تخرجان) # كريون ~~(إلى أوديب) ~~: # أترى إلى هؤلاء الفتية كيف يحسنون الحديث! «إن فرحي شيء مجنح» ... جملة ~~ينبغي أن تحفظ. أما أنتيجون فظاهر حديثها لا يدل على شيء، ولكن أتعلم ~~أنه في حقيقة الأمر شديد العمق؟ هو بالضبط ما كنت أريد أن أشعرك ~~به، ولكني لم أكن أعرف كيف أقول. # أوديب ~~: # ماذا إذن؟ # كريون ~~: # هو أني لا أرى سعادتك من المتانة بحيث تظن. ولكن لنستمع لابنيك. ~~(يدخل إتيوكل وبولينيس.) # إتيوكل ~~: # وفي الحق ما الذي نلتمس في الكتب؟ إنما نلتمس فيها الإذن بما نريد أن ~~نعمل، بل إن الذين يزعمون أنهم يحبون النظام ويحترمون ~~الأشياء المقررة، هؤلاء الذين يسميهم تيرسياس أصحاب التفكير القويم، إنما ~~يلتمسون في الكتب الإذن في أن يضايقوا ويظلموا ويخيفوا جيرانهم، إنما يلتمسون ~~أصولا ونظريات تريح ضمائرهم وتضع الحق إلى جانبهم. # بولينيس ~~: # أما نحن أصحاب التفكير المعوج فإنما نلتمس في الكتب الإذن بأن نأتي من الأمر ~~ما تنكره التقاليد ويأباه حسن الذوق وتحظره القوانين. # إتيوكل ~~: # وبعبارة أخرى: الموافقة على مخالفة المألوف. # بولينيس ~~: # نعم، شيء يشبه هذا. # إتيوكل ~~: # فأنا الآن مثلا أبحث في الكتب عن جمل تبيح لي أن أتخذ إسمين لي ~~خليلة. # كريون ~~(في صوت خافت إلى أوديب) ~~: # وقح. # بولينيس ~~: # أختك؟ # إتيوكل ~~: # أختنا ... ماذا تنكر من هذا؟ # بولينيس ~~: # إن وجدت هذه الجملة فأظهرني عليها. # كريون ~~: # وقحان. # أوديب ~~(إلى كريون) ~~: # انصرف. ~~(يخرج كريون) # إتيوكل ~~: # إذا وجدت ماذا؟ # بولينيس ~~: # هذا الإذن. على أن هناك إذنا أقل شمولا، وهو أن تستغني عن ~~الإذن. # إتيوكل ~~: # أما هذا الإذن فلم أنتظر أن أظفر به في الكتب ل ... # بولينيس ~~: # لأنتفع به؟ # إتيوكل ~~: # طبعا! وإذا كنت الآن ألتمس الإذن فإنما ألتمسه لها هي ... # بولينيس ~~: # لإسمين؟ # إتيوكل ~~: # نعم، لإسمين. أما أنت فلست في حاجة إلى إذن. # بولينيس ~~: # وإذا منحتك لطمة على هذا ms37 الوجه الوقح أظنك لا تستطيع أن تزدري هذه ~~اللطمة. # إتيوكل ~~: # حاول، جرب. أنت غيران! ألم نشترك إلى الآن في كل شيء؟! وإذن فقد أخطأت ~~حين أفضيت إليك بهذا الحديث. ومع ذلك أيها الأحمق فإني لم أقل هذا إلا ~~لأغيظك. # بولينيس ~~: # أقسم لي على أن لا ريبة بينك وبين إسمين. # إتيوكل ~~: # إلى الآن لا ريبة. إني أكظم. # بولينيس ~~: # ما أراك تكظم كما أكظم. # إتيوكل ~~: # لو لم أحدثك لما فكرت في هذا. # بولينيس ~~: # أي إني لم أكن أعلم أني أفكر فيه؛ فهناك أشياء نفكر فيها دون أن ~~نشعر. # إتيوكل ~~: # هذه مادة أحلامنا. # بولينيس ~~: # ألم تسأل نفسك قط إلى أي حد يمكن أن يذهب الفكر؟ يخيل إلي أنه أشبه ~~شيء بالتنين الذي لا نكاد نعرف منه إلا جسمه وذنبه، ما ينسحب منه في الماضي: ~~وحش غريب غامض أحس أن رأسه المنكر القبيح يساير ضميري وشعوري ~~وحسي، يتحسس كل شيء، ويشم كل شيء، ويرسل في كل مكان رغبة شديدة في ~~الاستطلاع المغري. أما سائره فيتبعه كما يستطيع. # إتيوكل ~~: # هذا التنين هو الذي أسميه بلاء العصر، أجد في نفسي أسئلته التي لا تنقضي. إنه ~~يلتهمني بأسئلته. # بولينيس ~~: # إني أفكر في التنين الذي قهره كدموس. يقال إننا نشأنا من أسنانه. # إتيوكل ~~: # أتصدق ذلك يا بولينيس؟ يقال أيضا: إن ابنة كدموس الهالكة حملت في أحشائها ~~الإله باكوس. في هذا العصر الذي نعيش فيه، والذي تقدمت فيه الحضارة، ومنذ قتل ~~أبونا آخر ذرية أبي الهول لا تضطرب الآلهة والكائنات الغريبة في الهواء ولا في ~~الريف، وإنما تضطرب في أنفسنا. # بولينيس ~~: # كدموس، # 1 # ليكوس، # 2 # أمفيون # 3 # الذي أهدى إلينا الكتابة نقيد بها خواطرنا ... إن الإنسانية ~~لتظهر لي متقدمة السن، وإني لأرى هذا كله بعيد العهد بنا! وإني لأفكر في ~~الوقت الذي لم يكن الإنسان فيه قد اهتدى إلى الكلام. # إتيوكل ~~: # إن تيرسياس يعلمنا أن الكلام هبة من الآلهة للناس. # بولينيس ~~: # إن إيماني بالآلهة لأقل من إيماني بالأبطال. ~~(يتقدم أوديب نحو ابنيه.) # أوديب ~~: # لقد أحسنتما القول! إني لأعرف فيكما ms38 ابني. إني لأسمعكما (لقد كنت ~~أتسمع عليكما) فآسف لأني لم أتحدث إليكما كثيرا. ولكني أحب أن أقول ~~لكما قبل كل شيء: يا ابني احترما أختيكما. إن ما يمسنا من قريب ليس ~~بالغنيمة النافعة. إن من أراد أن يعظم خليق أن ينظر إلى بعيد. ثم لا تكثرا ~~النظر إلى وراء. قدرا أن الإنسانية ما زالت بعيدة جدا عن غايتها أبعد ~~مما نظن، وبينها وبين هذه الغاية آماد أطول مما بينها وبين عهدها الأول ~~الذي لا نكاد نلحظه. # إتيوكل ~~: # الغاية ... ما عسى أن تكون الغاية؟ # أوديب ~~: # هي أمامنا مهما تكن. يخيل إلي أني أرى الأرض بعد وقت طويل جدا وقد ~~سكنها أناس أحرار ينظرون إلى حضارتنا كما ننظر نحن إلى الحضارة ~~القديمة في أول عهدها برقيها البطئ. وإذا كنت قد قهرت أبا الهول فما ~~ينبغي أن تستريحا. # هذا التنين الذي كنت تتحدث عنه يا إتيوكل يشبه ذلك الوحش الذي كان ~~ينتظرني على أبواب ثيبا حيث كان يجب أن أدخل ظافرا. إن تيرسياس ليثقل علينا ~~بتصوفه وأخلاقه؛ لقد تعلمت هذا كله عند بوليب، إن تيرسياس لم يخترع شيئا، وهو ~~لا يستطيع أن يسيغ الذين يبحثون ويخترعون. إنه على ما يزعم لنفسه من الاتصال ~~بالآلهة، ومن علم الغيب من طريق الوحي، أو من زجر الطير، لم يكن هو الذي استطاع ~~أن يحل اللغز! لقد فهمت، وحدي أن كلمة السر التي ينجو بها الإنسان من ~~أبي الهول هي: الإنسان. لم يكن بد من بعض الشجاعة لينطق بهذا اللفظ، ولكني ~~كنت قد أعددته قبل أن أسمع اللغز. وقوتي إنما جاءت من أني لم أكن أقبل جوابا ~~غير هذا مهما يكن السؤال الذي يلقى. # فقد ينبغي أن تفهما يا ابني أن كل واحد منا يلقى ~~أول الشباب وحشا قائما يريد أن يأخذ عليه الطريق، وهذا الوحش يا ~~ابني يعرض على كل واحد منا سؤالا خاصا، فاعلما أن هذه الأسئلة مهما ~~تختلف فإن جوابها واحد لا يتغير. نعم! ليس هناك إلا جواب واحد لهذه الأسئلة ~~كلها، وهذا الجواب ms39 هو الإنسان، وهذا الإنسان الفرد بالقياس إلى كل واحد منا هو ~~شخصيته. ~~(هنا يدخل تيرسياس.) # تيرسياس ~~: # أي أوديب! هذه هي الكلمة الأخيرة لحكمتك؟ أإلى هذا ينتهي علمك؟ # أوديب ~~: # بل من هنا يبدأ علمي. وليست هذه الكلمة إلا الكلمة الأولى. # تيرسياس ~~: # والكلمات التالية ما هي؟ # أوديب ~~: # سيبحث عنها ابناي. # تيرسياس ~~: # لن يجداها، كما أنك لم تجدها. # أوديب ~~(لنفسه) ~~: # إنه لأشد محالا من أبي الهول. ~~(إلى ~~ابنيه) # دعانا. ~~(يخرج إتيوكل وبولينيس.) # تيرسياس ~~: # نعم! إنك تطلب إلى ابنيك أن ينصرفا حين لا تجد ما تقول لهما، وحين يضطر علمك ~~إلى العجز، لا تستطيع أن تعلمهما إلا الكبرياء. كل علم يأتي من الإنسان لا من ~~الإله فهو باطل. # أوديب ~~: # لقد أعتقدت وقتا طويلا أن إلها كان يهديني الطريق. # تيرسياس ~~: # إلها لم يكن شيئا آخر غيرك، أنت الذي أله نفسه. # أوديب ~~: # إلها أفهمتني أنت أني أستطيع أن أستغني عنه. # تيرسياس ~~: # عن هذا الإله الدعي تستطيع أن تستغني من غير شك لا عن الإله الحق، هذا ~~الذي تأبى أن تعرفه، ولكنه يراقب خطاك ويتتبع أشد خواطرك ~~خفاء، الإله الذي يعرفك خيرا مما تعرف أنت نفسك. # أوديب ~~: # من أين لك أني لا أعرف نفسي؟ # تيرسياس ~~: # من أنك ترى نفسك سعيدا. # أوديب ~~: # ولم لا أرى نفسي سعيدا حين أكونه؟ # تيرسياس ~~: # إن المريض الذي يرى نفسه صحيحا ليس شديد الشهوة إلى الشفاء. # أوديب ~~: # أتريد أن تقنعني بأنني مريض؟ # تيرسياس ~~: # مرضا شديدا؛ لأنه يزيد خطره أنك لا تعلم. أي أوديب: إنك تزعم ~~الإفلات من الإله وتجهل نفسك، وأريد أن أعلمك كيف ترى نفسك. # أوديب ~~: # يخيل إلى من سمعك أن الأعمى منا هو أنا. # تيرسياس ~~: # أي أوديب: إن كانت عينا وجهي مقفلتين، فإنما ذلك لتزداد عينا نفسي ~~إبصارا. # أوديب ~~: # وبعيني نفسك هاتين ماذا ترى؟ # تيرسياس ~~: # أرى بؤسك. ولكن أجبني منذ كم من الوقت تركت عبادة الإله؟ # أوديب ~~: # منذ تركت السعي إلى معابده. # تيرسياس ~~: # طبعا إذا لم نؤد فرائض العبادة خبت في نفوسنا جذوة الإيمان، ولكن لماذا ~~لم تقرب المعابد حين كانت ms40 في نفسك بقية من إيمان؟ # أوديب ~~: # لأن يدي لم تكونا نقيتين. # تيرسياس ~~: # أي جريمة دنستهما؟ # أوديب ~~: # دنستهما جريمة قتل اقترفتها على طريق الإله الذي كنت أريد أن أستشيره، ~~وأبي الهول الذي قهرته. # تيرسياس ~~: # من ذا الذي قتلت؟ # أوديب ~~: # رجل مجهول كان يعترض طريقي بعربته. # تيرسياس ~~: # الطريق التي كانت تقودك إلى الإله؛ فإن الطريق التي لقيت فيها أبا ~~الهول طريق أخرى، ولكنك كنت تعلم أن الإله لا يرجع جوابا على من دنس ~~يديه. # أوديب ~~: # هذا حق. ومن أجل ذلك عدلت عن استشارة الإله، وأخذت الطريق التي قهرت فيها ~~أبا الهول. # تيرسياس ~~: # ماذا كنت تريد أن تطلب إلى الإله؟ # أوديب ~~: # أن ينبئي ابن من أنا؟ ثم أزمعت فجأة أن أجهل هذا النسب. # تيرسياس ~~: # بعد اقتراف الجريمة! # أوديب ~~: # تعلمت فجأة كيف أتخذ من هذا الجهل قوة. # تيرسياس ~~: # قد كنت أظن أنك طلعة شديد الرغبة دائما في أن تعلم كل شيء ... ولكن قبل ~~هذا التهاون المتعمد ... فسر لي يا أوديب ... لماذا كنت شديد الحرص على أن تعلم ~~من الإله ما كنت تريد أن تسأل عنه؟ # أوديب ~~: # لأن وحيا تنبأ بأني يجب ... أي تيرسياس: إنك تثقل علي، ولن أجيبك بعد ~~الآن. # تيرسياس ~~: # لقد تنبأ الوحي كذلك للايوس بأنه سيموت مقتولا بيد ابنه. أي أوديب. ~~أي أوديب أيها اللقيط! أيها الملك الآثم! إن جهلك لماضيك هو الذي يمنحك ~~هذه الثقة. إن سعادتك عمياء. افتح عينيك على شقائك. لقد استرد الإله منك حقك في ~~أن تكون سعيدا. ~~(يخرج تيرسياس) # أوديب ~~: # اغرب. اغرب! كأن السعادة كانت هي الشيء الذي كنت أبتغيه، إنما هربت منها ~~حين تركت بوليب قوي الساقين مطلق اليدين. من ذا الذي يستطيع أن يصور جمال ~~الفجر وهو يلقي أشعته على البرناس # 4 # حين كنت أسعى في الندى نحو الإله ألتمس جوابه. كنت لا أملك شيئا ~~إلا قوتي، ولكني كنت غنيا بما كان في شخصيتي من استعداد، وكنت أجهل نفسي. ~~نعم لقد كان مصيري معلقا بجواب الإله، وكنت أذعن فرحا لهذا المصير ... ولكن ~~هنا شيئا لا ms41 أصل إلى فهمه، ومن الحق أني لم أفكر فيه كثيرا إلى الآن، يجب ~~أن يقف الإنسان ليفكر، وكنت في ذلك الوقت مدفوعا إلى العمل ... أمن الحق أني ~~تحولت عن طريق الإله؛ لأن يدي لم تكونا نقيتين؟ لم أكن أحفل بذلك حينئذ. ~~ويخيل إلي الآن أن جريمتي هي التي وجهتني نحو أبي الهول. # ماذا كنت أريد أن أطلب من الإله؟ كنت أطلب جوابا. وقد كنت أشعر بأني ~~كنت أنا نفسي جوابا لسؤال لم أكن أتبينه، ثم عرفت أنه سؤال أبي الهول. ~~لقد قهرته أنا الذكي، ولكن منذ ذلك الوقت ألم تزدد الأشياء كلها غموضا من يوم ~~إلى يوم بالقياس إلي؟ منذ ذلك الوقت، منذ ذلك الوقت ... ماذا صنعت يا أوديب؟ ~~لقد نعمت بالمكافأة ونمت عشرين سنة. ولكني الآن أخيرا أحس الوحش ~~يتمطى في دخيلة نفسي. إن مصيرا عظيما ينتظرني مستخفيا في ثنايا ~~التاريخ. أي أوديب لقد مضى وقت الطمأنينة؛ أفق من سعادتك. # | الفصل الثالث # إني أضرع إليكم في ألا تظنوا بي ازدراء القوانين. # سوفوكل: أوديب في كولونا # أوديب ~~(وقد أخذ بالمعطف الملكي لجوكاست) ~~: # كلا! أريد أن أعلم. لا تنسلي كما ينسل الظل؛ فلن أعفيك حتى أعلم. لن ~~أخليك حتى أعلم كل ما عندك من الحقائق. إن هنا شيئا غامضا ملتبسا ~~أريد أن أوضحه مهما يكن من شيء، وأجيبيني أولا: أكنت تعلمين بموت لايوس ~~حين دخلت ثيبا بعد أن أتيح لي قهر أبي الهول؟ # جوكاست ~~: # كيف أعد بالعرش قاهر أبي الهول دون أعلم أني أيم؟! # أوديب ~~: # فلم يكن يكفي للاستئثار بملك ثيبا أن يقهر أبو الهول، بل لم يكن بد من قتل ~~الملك. # جوكاست ~~: # بماذا تريد أن تتهم نفسك؟ # أوديب ~~: # كلا! كلا. إنك تتعجلين. إنما أردت أن أقول لم يكن بد من أن يموت ~~الملك. # جوكاست ~~: # اسمع لي: لست أذكر جيدا حقيقة ما كان ولا كم مضى من الوقت بين موت الملك ~~ووصولك إلى ثيبا. إنما يعرف ذلك حق المعرفة كريون، وهو يستطيع أن ينبئك ~~بجليته. # أوديب ~~: # ما الذي يعنيني من أمر ms42 كريون؟ أتعلمين ماذا قال لي؟ لقد قال لي إن من الحق ~~علي أن أكافئ قاتل لايوس لا أن أعاقبه؛ فلولا جريمته لما ارتقيت إلى ~~العرش، ولكن موت الملك أكنت تعلمينه؟ قولي يا جوكاست. # جوكاست ~~: # كيف تريد أن أذكر ذلك يا صديقي؟ بماذا تريد أن تعذب نفسك؟ لست أعلم إلا ~~شيئا واحدا؛ وهو أني لم أكد أراك حتى أردتك. # أوديب ~~: # لم يكن بد من أن يخلو العرش والسرير من صاحبهما قبل أن يشغلهما شخص آخر. ~~وقتل الملك وحده هو الذي أتاح لي الظفر بهما. ولكن أنت ألم تكوني تعلمين ~~أنك حرة؟ # جوكاست ~~: # يا صديقي يا صديقي لا تنبه إلى شيء من هذا؛ فإن أحدا من المؤرخين لم يلتفت ~~إليه. # أوديب ~~: # إذن فأنا أفهم كل شيء. لقد كنت تعرفين قاتل الملك. # جوكاست ~~: # صه. # أوديب ~~: # القاتل هو أنا. # جوكاست ~~: # اخفض صوتك. # أوديب ~~: # لم أكن قد أزلت عن يدي دم القتيل حين كنت أسعى إلى أبي الهول ~~لأقهره. # جوكاست ~~: # قف. # أوديب ~~: # لقد كان يريد أن يمنعني من التقدم. كانت عربته تعترض طريقي، فلما خاصمته ~~في ذلك ليفسح لي الطريق قتلته. هذا المجهول الذي لم يكن يحمل شارة الملك لم يكن ~~إلا ... # جوكاست ~~: # لماذا تريد أن تعلم؟ # أوديب ~~: # أنا شديد الحاجة إلى ذلك. # جوكاست ~~: # ألا تشفق على سعادتك؟ # أوديب ~~: # لا أشفق على شيء. لا أريد سعادة تقوم على الجهل والخطأ. هذه السعادة تليق ~~بالشعب، أما أنا فلست في حاجة إلى أن أكون سعيدا. لقد قضي الأمر ~~وتمزق سحاب تلك الأحلام الساحرة. تستطيع أن تأتي يا تيرسياس. ~~(يدخل تيرسياس يقوده كريون.) # تيرسياس ~~: # أأنت في حاجة إلي؟ # أوديب ~~: # لم يأت وقت الحاجة إليك بعد؛ أريد قبل ذلك أن أهبط إلى قاعة الهوة. قل لي: ~~هذا الملك الذي قتلته ... كلا! لا تقل شيئا؛ لقد فهمت كل شيء. لقد كنت ~~ابنه. # كريون ~~: # آه! يا للعجب! ماذا أسمع ...؟ أتكون أختى أمه؟! أوديب هذا الذي كنت ~~أحبه! أيمكن أن يتخيل الإنسان أبشع من هذا؟ ألا أعلم أيكون صهري أم ابن ~~أختي؟ ms43 # أوديب ~~: # ألا يعنيك إلا هذا؟ لا تشغلني بصلات النسب هذه. فلو أن ابني كانا لي ~~أخوين لازداد حبي لهما قوة. # كريون ~~: # ائذن لي في أن أرى هذا الخلط بين ألوان الشعور مؤلما. ومع ذلك فمن حقي ~~عليك أن تحرمني، ألست خالك؟ # أوديب ~~: # يا لها من مكافأة بغيضة على حل اللغز! ماذا؟ أهذا هو اللغز الآخر الذي كان ~~يستخفي وراء أبي الهول. وأنا الذي كان يهنئ نفسه بجهل أبويه. بفضل ~~هذا الجهل تزوجت أمي. وا حسرتاه! وا حسرتاه! وتزوجت معها ماضي كله: الآن ~~أفهم لماذا نامت مروءتي. لقد كان المستقبل يدعوني عبثا؛ لأن جوكاست ~~كانت تردني إلى وراء. أي جوكاست: لقد كنت تزعمين في جنون إلغاء ما لم ~~يكن بد من وقوعه. أنت التي كنت أحبها حب الزوج، وكنت أحبها دون ~~أن أعلم حب الابن ... لقد آن الوقت دعيني! إني لأقطع ما بيني وبينك من ~~صلة. # أما أنتم يا بني يا رفاق غفلتي، أيتها الحقائق الواقعة لما ثار في ~~نفسي من رغبات: سأدخل من دونكم في المساء لأتم ما كتب لي من مصير. # تيرسياس ~~: # أي أوديب، يا ابن الخطأ والخطيئة لتولد من جديد. قد كنت في حاجة إلى ~~الألم ليتجدد شخصك. خذ بحظك من الندم. أقبل على الإله الذي ينتظرك. ~~سيوضع عنك وزرك. # أوديب ~~: # بأمر الإله الذي رسم لي طريقي قبل أن أولد، نصب الشرك لأوخذ فيه. فليس ~~بد من إحدى اثنتين: فإما أن يكون الوحي قد كذب، وإما أن يكون الهلاك قد قضى ~~علي. لقد كنت مجبرا. # تيرسياس ~~: # كنت مجبرا بحكم الإله الذي يستطيع وحده أن يصلح بينك وبين نفسك، وأن ~~يكفر عنك خطيئتك. ستفكر في هذا. ولكن أليس من الخير أن ينبه الشعب. لقد ~~وعدته أنت بعقاب المجرم كما أراد الإله ليرفع عنه الشر. # أوديب ~~: # أنبئ من شئت، لا أريد أن يجهل أحد شيئا. ادع أبنائي أيضا. ولكن ~~أنبئهم أنت. أنبئ الناس جميعا بما لا أحسن أنا إنباءهم به. أنبئهم ~~بهذه الجريمة التي لا أعرف كيف أسميها. ~~(يخرج تيرسياس) ms44 # جوكاست ~~: # لماذا تذيع ما يمكن أن يظل بيننا مكتوما؟ كان من الممكن ألا ~~يتوهم أحد شيئا. وما زال هذا ممكنا إلى الآن. لقد نسيت الجريمة، إنها لم ~~تمنع، بل إنها أتاحت سعادتك، لم يتغير شيء. # أوديب ~~: # كيف تقولين لم يتغير شيء. لقد تغير كل شيء، ولم يبق شيء واحد كما كنت ~~أفهمه من قبل؛ فقد كنت أولا ابن ملك دون أن أعلم، ولم أكن في حاجة إلى ~~القتل لأملك. كان يكفي أن أنتظر. # جوكاست ~~: # أراد الآلهة شيئا غير هذا. # أوديب ~~: # وإذن فما عملته لم أكن أستطيع أن أتركه. نعم لقد كنت أعتقد أن إلها ~~يهديني، وكنت أستمد من هذا الاعتقاد الثقة بسعادتي، ثم أهملت هذا ~~الاعتقاد نفسه، وجعلت أعتمد على نفسي. أما الآن فلست أعرف نفسي في ~~أعمالي. هناك عمل مع ذلك صدر عني وأود لو أجحده ... لأن مظهره قد تغير، أو لأن ~~نظري إليه قد تغير على الأقل حتى أصبح كل شيء يبدو لي مختلفا. # جوكاست ~~: # لقد أضلك إله في ذلك الوقت. # أوديب ~~: # إله، تقولين؟ لقد كنت أرى نفسي قويا بحيث أستطيع أن أستغني حتى عن ~~الإله. لقد أردت أن أتحول عنه حين اتجهت إلى أبي الهول. لماذا؟ هذا هو ~~الذي أفهمه الآن؛ لقد كنت راضيا بالخضوع للإله حين كان يقودني إلى المجد، ~~لا حين يقودني إلى الجريمة، إلى الجريمة التي أخفى علي بشاعتها ... يا لها ~~خيانة من الآلهة ملؤها الجبن! إنها لخيانة لا تطاق ... ألا أزال إلى الآن ~~خاضعا لها؟ هل تنبأ الوحي بما يجب أن أصنع؟ أيجب أن أستشيره أيضا؟ ~~بماذا عسى أن تنبئك الطير يا تيرسياس؟ وددت لو أفلت من الآلهة التي ~~تحيط بي! وددت لو أفلت من نفسي. إن في نفسي شيئا يعذبني؛ إنه يشبه ~~البطولة، إنه يتجاوز طاقة الإنسان. وددت لو أخترع ألما جديدا لا ~~أدري ما هو. وددت لو أخترع حركة جنونية تدهشكم جميعا؛ تدهشني أنا وتدهش ~~الآلهة. هاتان العينان اللتان لم تحسنا تنبيهي لست ... ~~(يخرج أوديب) # جوكاست ~~: # اتبعه يا كريون. لا تدعه ms45 لحظة. ~~(يخرج كريون) # جوكاست ~~(وحدها) ~~: # أيها التعس أوديب: ما حاجتك إلى المعرفة؟ لقد عملت ما استطعت لأمنعك من ~~تمزيق القناع الذي كان يحمي سعادتنا. لقد طردتني وها أنا ذي الآن عارية ~~بشعة. كيف أستطيع أن أظهر أمام عينيك، أمام أعين أبنائنا، أمام أعين الشعب ~~الذي أحس مقدمه؟ وددت لو رجعت أدراجي ونقضت كل ما عقد، ونسيت سريرنا المخزي، ~~ولم أصبح أمام الموتى الذين ينتظرونني إلا زوج لايوس وحده ... ~~(تدخل الجوقتان وتخرج جوكاست.) # الجوقتان ~~(تتحاوران) ~~: # أين تذهب الملكة؟ ~~- تستخفي بالطبع.- أين ذهب أوديب؟- يستخفي أيضا؛ إنه خجل.- أن يتزوج الرجل أمه ويولدها الولد ... كل هذا من شئون الأسرة وهو ~~لا يعنينا، إنما يعني الآلهة الذين يسخطون عليه.- وهناك قتل لايوس وقد اقترفه ابنه أوديب.- وقد وعد أوديب أن يثأر له. يمكن أن يقال: إنه اضطر نفسه إلى حرج شديد؛ ~~يجب أن يثأر الثائر من نفسه ، وأن يتخذ نفسه على أنه مقترف الجريمة.- لم يكن بد لإرضاء الآلهة من سقوط ملك، فقد كان شقاؤنا عظيما. ~~- أليس من الطبيعي أن يضحي الملك بنفسه في سبيل شعبه؟ ~~- بلى! إذا كان من شأن هذه التضحية أن تنقذنا من الشقاء. ~~(الجوقتان معا) # أي أوديب الذي كان يرى نفسه سعيدا ويقترف في سريره أشد الآثام خزيا: ~~ليتنا لم نعرفك. لقد أنقذتنا من أبي الهول، هذا حق، ولكن ازدراءك للآلهة ~~يجر علينا آلاما لا تحصى ولا يكافئها ما قدمت إلينا من خير. كل ~~نعيم ينال على رغم الآلهة فهو نعيم مغصوب يجب أن يؤدى عنه الحساب إلى ~~الآلهة عاجلا أو آجلا. لنعلن هذه الآراء جهرة؛ فإنا نرى تيرسياس ~~مقبلا. ~~(يدخل تيرسياس ومعه أبناء أوديب.) # تيرسياس ~~: # يا بني: إنكم لتعلمون أين تجدون الملجأ إذا فقدتم حماية أبيكم. هاكم ~~سيدفعكم إلى الحياة دفعا، وقد التزم أوديب بقسمه أن يثأر من قاتل ~~لايوس. # إتيوكل ~~: # ما أرى أنه يستطيع أن يرى لنفسه الحق في عرش ثيبا. # بولينيس ~~: # ما أرى أنه يستطيع البقاء في المدينة. # أنتيجون ~~: # لا تنطقا بهذه الألفاظ القاسية التي تسمعها الآلهة ويرددونها ~~عليكما. # إتيوكل ~~: # سنتبع سيرة ms46 أبينا. # بولينيس ~~: # لن نحتاج نحن إلى أن نقتله لنرث عنه العرش. # أنتيجون ~~: # إن أبي لم يقترف جريمته عن عمد. # إتيوكل ~~: # لن تكون لنا خطايا نحتاج إلى أن نكفر عنها. ~~(يسمع صياح) # الجوقة ~~: # ما هذا الصياح؟ # إسمين ~~: # إني خائفة. # أنتيجون ~~: # تعالي إلى جانبي. ~~(يخرج كريون من القصر.) # كريون ~~: # إن بشاعة العقاب لأشنع من بشاعة الجريمة، لقد قضت أمكم جوكاست. لقد انتهت ~~حياتها حينما كنت ألاحظ أوديب «هذا ما لم يكن لعيني أن ترياه.» كذلك ~~قال أوديب حين عرفنا النبأ. أما أنا فقد رأيته، رأيت أختي البائسة ~~معلقة، وبينما كنت أجد في إسعافها اندفع أوديب إلى المعطف الملكي فانتزع ~~منه مشابكه الذهبية، ثم دفع بها في عينيه دفعا عنيفا، وإذا الدم ~~والصديد يتفجران منهما حتى يصيبني رشاشهما، وإذا هما يسيلان على وجهه. وهذا ~~الصياح الذي كنتم تسمعونه إنما هو صياحه ، صياح الروع أولا، ثم ~~صياح الألم بعد ذلك. # تيرسياس ~~: # لم نعد نسمع هذا الصياح. # كريون ~~: # لعله أغمي عليه. # الجوقة ~~: # لا، بل ها هو ذا. إنه لمتردد الخطو. # أنتيجون ~~(تترك إسمين وتسرع للقاء أوديب) ~~: # أبت ... # أوديب ~~: # هذه أنتيجون التي أمس الآن شعرها؟ ابنتي وأختي في وقت واحد ... # أنتيجون ~~: # لا تذكر هذا الخزي إلى آخر الدهر. لا أريد أن أعرف إلا أني ابنتك. # أوديب ~~: # أنت التي لم تكذبني قط. أنبئي هذا الذي لم يعد يرى: أين يكون تيرسياس. # أنتيجون ~~: # هنا. أمامك يا أبت. # أوديب ~~: # قريبا مني بحيث يسمع صوتي؟ # تيرسياس ~~: # نعم، إني أسمعك يا أوديب. أتريد أن تتحدث إلي؟ # أوديب ~~: # أهذا هو الذي كنت تريده يا تيرسياس؟ كنت تحسدني على ضوئي، فأردت أن ~~تجرني إلى ظلمتك؟ إني مثلك أشاهد الآن الظلمة الإلهية. لقد عاقبت ~~عيني اللتين لم تضيئا لي الطريق. لن تستطيع منذ الآن أن تستطيل علي بما ~~يمنحك العمى من تفوق. # تيرسياس ~~: # إذن فهي الكبرياء التي دفعتك إلى أن تفقأ عينيك. لم يكن الإله ينتظر منك هذا ~~الإثم الجديد ثمنا لجريمتك الأولى، إنما كان ينتظر منك الندم ليس ~~غير. # أوديب ~~: # الآن وقد ثاب ms47 إلي الهدوء وسكت عني الألم وفارقني السخط على نفسي، أستطيع ~~أن أجادلك يا تيرسياس. إني لمعجب بما تعرض علي من ندم. أنت الذي يزعم أن ~~الآلهة يقودوننا، وأني لم أكن أستطيع أن أفلت مما قدروا علي. # لعل هذه التضحية التي فرضتها على نفسي كانت مقدرة علي هي ~~أيضا؛ بحيث لم أكن أستطيع أن أتجنبها. لا بأس! لقد ضحيت بنفسي عن إرادة ~~ورضا. لقد بلغت من الرفعة منزلة لم أكن أستطيع أن أعدوها إلا إذا وثبت ~~محاربا لنفسي. # كريون ~~: # إني لسعيد أيها العزيز أوديب بأن ألمك محتمل على الأقل. فقد بقي علي أن ~~أنبئك بشيء مؤلم؛ لن تستطيع البقاء في ثيبا بعد كل الذي كان، وبعد أن علم ~~الشعب بجريمتك. # الجوقة ~~: # إننا نطلب أن ينفذ أمر الآلهة، وأن تعفينا من محضرك ومن آلامنا. # كريون ~~: # إن إتيوكل وبولينيس ليطمعان في العرش منذ الآن. وإذ كانا ما يزالان ~~حدثين لا يستطيعان النهوض بأعباء الملك، فسأستأنف الوصاية على العرش ~~مرة أخرى. # تيرسياس ~~: # ما أرى أن شيئا يدهشك حين ترى ابنيك ينتفعان مما قدمت إليهما من ~~قدوة. # أوديب ~~: # سأترك لهما راضيا هذه المملكة التي لم يفتحاها، ولم يستحقاها، ولكنهما لم ~~ينتفعا من القدوة التي قدمت لهما إلا باليسير الذي يتملق شهواتهما. لقد ~~أخذا بالسهل وتجنبا الصعب العسير. # أنتيجون ~~: # أي أبت، إني لأعلم أنك حين تختار لا تؤثر من الأمر إلا أنبله، ومن أجل ذلك ~~أزمعت ألا أفارقك. # تيرسياس ~~: # لقد وعدت بأن تمنحي نفسك للإله، فلن تستطيعي أن تتصرفي في أمرك كما ~~تحبين. # أنتيجون ~~: # كلا! لن أخلف موعدي. إني حين أفلت منك يا تيرسياس سأظل وفية للإله. بل ~~يخيل إلي أني أخلص في خدمته حين أتبع والدي أكثر مما أخلص فيها إن ~~بقيت معك؛ لقد سمعتك تعلمني حقائق الإله إلى اليوم. ولكن حظي من ~~التقوى سيعظم ويزداد حين أصغي لعقلي وقلبي. أي أبت، ضع يدك على كتفي، ~~فلن يدركني ضعف ولا وهن؛ تستطيع أن تعتمد علي. سأزيل الشوك من طريقك. قل ~~إلى أين تريد أن تذهب؟ ms48 # أوديب ~~: # لا أدري، سأذهب أمامي ... لا ألوي على شيء، لا وطن لي ولا أسرة ... # إسمين ~~: # إني ليحزنني أن أراكما تذهبان على هذا النحو؛ سألبس ثياب الحداد، ~~وسأدرككما ممتطية جوادا. # تيرسياس ~~: # قبل أن ينطلق أوديب اسمعوا جميعا لما أوحى إلي الآلهة؛ إنهم يعدون أن ~~يمنحوا أعظم بركاتهم للأرض التي تستقر فيها جثته. # كريون ~~: # حسن ...! أترى أنك تحسن إن أقمت بيننا؟ نستطيع أن نتفق. # أوديب ~~: # لقد سبقت الكلمة يا كريون. إن نفسي قد فارقت ثيبا منذ الآن، وقد تقطع كل ~~ما بيننا وبين الماضي من صلات. لست ملكا، لست شيئا، إنما ابن سبيل لا اسم له، ~~قد نزل عن ثرائه وعن مجده، بل عن نفسه أيضا. # الجوقة ~~: # أقم معنا يا أوديب؛ سنعنى بك، سترى. تذكر أنك أسديت إلينا فيما ~~مضى من الدهر عوارف كثيرة. لئن كانت جريمتك قد أحفظت علينا الآلهة، لقد ~~انتقمت لها من نفسك انتقاما عظيما. فكر في الأعزاء عليك من ~~أبناء ثيبا، فكر في شعبك. ما الذي يعنيك من أمر الذين لا يعرفونك؟! # أوديب ~~: # مهما يكونوا فإنهم من الناس؛ وإنه ليلذ لي أن أحمل إليهم السعادة ثمنا لما ~~ألقى من ألم. # تيرسياس ~~: # ما ينبغي أن تريد لهم السعادة، وإنما ينبغي أن تريد لهم النجاة. # أوديب ~~: # سأدعك تفسر هذا للشعب. وداعا! تعالي يا ابنتي؛ أنت الوحيدة بين أبنائي ~~أريد أن أعرف نفسي فيك، وأريد أن أكل نفسي إليك. أي أنتيجون النقية: ~~لن أسلم قيادي إلا إليك. # | ثيسيوس # أهدي هذا السفر الأخير إلى آن هورجون في غير تكلف، فبفضل ضيافتها الحلوة ورعايتها ~~المتصلة وعنايتها الدائمة استطعت أن أتمه، وأسجل هنا اعترافي بالجميل لجاك ~~هورجون، ولكل الذين أتاحوا لي أثناء هذا النفي الطويل أن أعرف قيمة الصداقة، وبنوع ~~خاص لجان أمروش الذي أحسن تشجيعي على هذا الجهد. ولعلي لم أكن بدونه أجد الميل ~~إلى البدء فيه، مع أني أفكر في كتابه منذ وقت طويل. # | الفصل الأول # لقد كنت أتمنى أن أقص حياتي على ابني هيبوليت # 1 # لأعظه وأعلمه، ولكن قد قضى، وسأقص ms49 حياتي مع ذلك. وقد كان ~~مما لا سبيل إليه - لو عاش هيبوليت - أن أروي بعض حوادث الغرام التي عرضت لي. فقد ~~كان يظهر غلوا شديدا في الحياء، ولم أكن أجرؤ على أن أتحدث أمامه ~~عما لقيت من الحب. على أن الحب لم يكن ذا خطر إلا في الشطر الأول من حياتي. ~~ولكنه علمني على الأقل أن أعرف نفسي بالقياس إلى الوحوش المختلفة التي ~~قهرتها. # فقد كنت أقول لهيبوليت: «يجب قبل كل شيء أن يعرف الإنسان من هو، ثم يحسن ~~بعد ذلك أن نستحضر في شعورنا ونأخذ بأيدينا ما ترك لنا من ميراث. وسواء أردت ذلك أم ~~لم ترده، فأنت الآن - كما كنت أنا من قبلك - ابن ملك. لا ~~سبيل إلى اتقاء ذلك؛ إنه واقع، إنه ملزم.» # ولكن هيبوليت لم يكن يلقي إلى ذلك سمعا. كانت عنايته به أقل من عنايتي حين كنت ~~في سنه، وكان مثلي لا يحفل بأن يعرف من ذلك شيئا. يا للأعوام الأولى التي ~~نحياها في البراءة والنقاء! نشأة غير مكترثة! لقد كنت الريح وكنت الموج، وكنت ~~نباتا، وكنت طائرا. لم أكن أقف عند نفسي، وكان كل اتصال بيني وبين العالم ~~الخارجي لا يعلمني حدود طاقتي بمقدار ما يوقظ في من ميل إلى اللذات. # لقد مسحت بيدي الثمر وقشر الشجر الرخص، والحصى الأملس على ساحل البحر، وشعر الكلاب ~~والخيل، قبل أن ألمس النساء. لقد كنت أثب إلى كل ما كان يقدم إلي بان، # 2 # أو ذوس، # 3 # أو تيتيس، # 4 # من جمال. # وذات يوم قال لي أبي إن الأمور لا تستطيع أن تمضي على هذا ~~النحو. «لماذا؟» لأني بالطبع كنت ابنه، وكان يجب أن أظهر نفسي كفئا للعرش ~~الذي سأرثه عنه ... على حين كنت أرى نفسي سعيدا بالجلوس عاريا على العشب الرخص، أو على ~~الرملة الملتهبة. ومع ذلك لا أستطيع أن أخطئ أبي؛ فقد كان يحسن بإثارة عقلي خصما ~~لي، وأنا مدين لذلك بكل ما أتيح لي من قيمة فيما بعد، بانقطاعي عن هذه الحياة المهملة ~~مهما ms50 يكن هذا الإهمال لذيذا رائقا. لقد علمني أن الإنسان لن يظفر بشيء عظيم، ولا ~~بشيء قيم ولا باق، إلا إذا بذل الجهد في سبيله. # وقد بذلت أول جهد مستجيبا لدعائه. كان ذلك حين كان يدعوني إلى أن ~~أرفع بعض الصخور لأبحث تحتها عن سلاح؛ كان يزعم لي أن بوسيدون # 5 # خبأه، وكان يضحك حين كان يرى هذا التمرين يزيد قوتي نموا واشتدادا. وهذا ~~التمرين العضلي كان يصاحب تمرينا للإرادة. وبعد أن رفعت كثيرا من الصخور الثقال ~~حول القصر باحثا في غير طائل أخذت أحاول أن أنزع أحجار عتبة القصر، هنالك وقفني ~~وقال: إن السلاح أقل خطرا من الذراع التي تحمله، وإن الذراع أقل خطرا من ~~الإرادة العاقلة التي توجهها. هاك السلاح، لم أرد أن أدفعه إليك قبل أن تستحقه؛ وإني ~~أجد عندك الآن الرغبة في اصطناعه، وهذا الميل إلى المجد الذي لن يتركك تصطنعه إلا ~~في الأمور النبيلة ذات الخطر وفيما يسعد الناس. لقد انقضى عصر طفولتك؛ فكن رجلا، ~~تعلم أن تبين للناس ما يمكن أن يكون وما يريد أن يكون واحد منهم. إن هناك ~~أمورا جساما يجب أن تتحقق، فحقق نفسك. # | الفصل الثاني # كان أبي إيجيه # 1 # رجلا كريما ملائما كل الملاءمة لما يجب أن يكون عليه الرجل من ~~الخصال. وأكاد أتوهم في حقيقة الأمر أني لست ابنه إلا ظنا. قيل لي هذا، ~~وقيل لي كذلك إن الإله بوسيدون هو الذي ولدني. # فإذا صح هذا فقد ورثت عن هذا الإله أخلاقي التي لا تثبت على شيء؛ فلم أستطع أن أثبت ~~على حب امرأة، وكان إيجيه يمنعني من ذلك أحيانا. ولكني أحمد له وصايته، وأحمد له كذلك ~~أنه رد في أتيكا كثيرا من الاعتبار والتقدير إلى عبادة أفروديت، # 2 # ويحزنني أني دفعته إلى الموت بما اضطررت إليه من هذا النسيان الخطير، ~~حين أنسيت أن أرفع على السفينة التي عادت بي من أقريطش # 3 # شرعا بيضا مكان شرعها السود، كما كان قد تم الاتفاق بيننا على ذلك ~~إذا عدت منتصرا من ms51 هذه المغامرة الخطرة. # وليس الإنسان قادرا على أن يفكر في كل شيء؛ وفي الحق أني سألت نفسي - ~~وقلما أسألها - لا أستطيع أن أؤكد أني تركت ذلك عن نسيان؛ فقد كان إيجيه كما قلت ~~يقوم عقبة بيني وبين الحب، ولا سيما بعد أن استكشفت له ميديه # 4 # وسيلة ترده إلى الشباب حين رأته ورأى نفسه هرما يسرع إليه الفناء، فكان ~~يصدني بأهوائه عن أهوائي، على حين أن طبيعة الأشياء تقتضي أن يتناوب الناس ~~حظوظهم في هذه الحياة. ومهما يكن من شيء فقد علمت حين دخلت أتينا أنه ~~لم يكد يرى الشرع السود حتى قذف بنفسه إلى البحر. # ومن الحقائق أني أديت إلى الناس خدمات جليلة؛ فقد طهرت الأرض من كثير من الطغاة ~~وقطاع الطرق والوحوش، وجبت طرقا خطرة لم يكن المغامرون يحاولون سلوكها إلا ~~خائفين، وصفيت السماء حتى أصبح الناس أقل إحناء للرءوس وأقل خوفا ~~من المفاجآت ... # ويجب الاعتراف أن مظهر الريف في ذلك الوقت لم يكن يشعر بأمن أو طمأنينة؛ فقد ~~كانت تمتد بين القرى المتنائية مسافات من القفر تقطعها طرق مخوفة. وكانت هناك غابات ~~كثاف وثنيات ضيفة بين الجبال. وكان أرصاد من قطاع الطرق قد استقروا في الأماكن ~~المريبة، وجعلوا يقتلون المسافرين وينهبون ما كانوا يحملون، ولم يكونوا يخضعون لرقابة ~~شرطة أو حراس. # وكان قطع الطريق يضاف إلى السطو والسرقة العنيفة، وإلى اعتداء الحيوان المفترس، وإلى ~~هذه القوى المنكرة لعناصر الطبيعة الماكرة، بحيث لم يكن الناس يتبينون حين يرون ~~مغامرا أصابه مكروه: أكان ضحية لمكر الآلهة أم كان ضحية لعدوان الناس؟ ~~كما أنهم لم يكونوا يعلمون أكان هذا الوحش أو ذاك كأبي الهول الذي قهره أوديب والجورجوني # 5 # التي قتلها بلليروفون # 6 # صنفا من الناس أم صنفا من الآلهة؟ كل شيء لا يسهل فهمه كان يظن به أنه من ~~عمل الآلهة، وقد كان الدين مليئا بالخوف حتى كان الناس يرون البطولة إثما ~~وفجورا. وكان أول الانتصار الذي ظفر به الإنسان وأعظمه خطرا هو انتصار الإنسان على ~~الآلهة. # ولم يكن ms52 سبيل إلى قهر العدو - سواء أكان إنسانا أم إلها - إلا أن تظفر ~~بسلاحه وتقهره بهذا السلاح. كذلك فعلت حين اغتصبت من بيريبتيس # 7 # سلاحه، وكان ماردا عانيا بعيد الصيت يقيم في مدينة إبيدور. # 8 # وصعقة ذوس نفسها أؤكد أن وقتا سيأتي يستطيع الناس فيه أن يسخروها لحاجتهم ~~كما استطاع برومثيوس # 9 # أن يختلس النار من الآلهة. # نعم! هذه هي الانتصارات الحاسمة. أما بالقياس إلى النساء - وهن مصدر قوتي وضعفي في ~~وقت واحد - فلم يتح لي انتصار حاسم قط، وإنما احتجت دائما إلى استئناف ~~الجهاد. # لم أكن أفلت من إحداهن إلا لأقع في حبائل غيرها، ولم أكن أظهر على إحداهن إلا بعد أن ~~تظهر هي علي. لقد كان بيريتوس # 10 # محقا حين كان يقول - وما أكثر ما كنا نتفق في الرأي - إنما المهم هو ألا ~~يدع الإنسان نفسه يصبح لعبة لإحداهن، كما كان هيرقل # 11 # بين ذراعي أمفال. # 12 # ولما كنت لا أستطيع ولا أريد أن أمتنع على النساء، فقد كان يقول لي كلما ~~رآني نهبا للحب: «امض ولكن تحول.» # أما تلك التي أرادت أن تحتاط لي فتكلفت أن تصل بينها وبيني بخيط أمسكته، ولكنه لم ~~يكن يمتد إلى غير مدى، فهي التي ... ولكن الوقت لم يئن للتحدث عن هذه القصة ... # وكانت أنتيوب # 13 # أقربهن إلى امتلاكي؛ كانت ملكة الأمازون، # 14 # وكانت كبقية رعيتها الإناث عوراء الصدر ليس لها إلا ثدي واحد، ~~ولكن هذا لم يكن يعيبها. كانت قد مرنت على السباق والصراع، وكانت عضلاتها صلابا ~~غزارا كعضلات المصارعين من فتياننا. جاهدتها، وكانت تضطرب بين ذراعي، كأنها السنور ~~العظيم؛ فإذا نزع سلاحها جاهدت بالمخالب والأسنان، وكانت تثور حين تراني أضحك - وكنت ~~مثلها لا سلاح لي - وتثور خاصة لأنها لم تكن تملك أن تصرف عني حبها. لم تتح ~~لي قط امرأة أجمع منها لخصال العذراء ولا علي بعد ذلك أنها لم ترضع ابننا هيبوليت إلا ~~من ثدي واحد، فقد كنت حريصا على أن يكون هذا العفيف النافر ولي عهدي. # وسأقص فيما بعد ms53 ما جعل حياتي كلها حدادا؛ فليس يكفي أن يوجد الإنسان، ولا ~~أن يكون قد وجد، وإنما يجب أن يورث ويعمل بحيث يشعر أن وجوده لم يتم، وأنه ما زال ~~متصلا محتاجا إلى أن يكمل؛ كذلك كان يعيد علي جدي. لقد كان بيتيه # 15 # وإيجيه أذكى مني قلبا، كما كان بيرتيوس يفضلني الآن في ~~الذكاء. # ولكن يعرف الناس في حسن التقدير. فأما سائر خصال الخير فتأتي بعد ذلك ما دمت لم ~~أفقد قط الإرادة التي تدفعني إلى الرغبة في الإتقان لكل ما أحاول. كما أن لي ~~حظا من شجاعة يدفعني إلى محاولة الأمور الجسام. # كنت من أشد الشباب طمعا، وكانت المآثر التي تنقل إلي عن ابن خالتي هيرقل تزيد ~~شبابي طموحا وقلقا، ولما تركت تريزين # 16 # وهي المدينة التي كنت أعيش فيها لألحق في أثينا بأبي المفروض، لم ~~أرد أن أسمع للنصائح التي قدمت إلي على ما كانت تمتاز به من سداد. كان ~~يشار علي بركوب البحر؛ لأن طريق البحر أشد أمنا؛ ومن أجل هذا الخطر كنت أوثر ~~طرق البر؛ لأنها بما فيها من التواء كانت تتيح لي أن أظهر حسن بلائي. # وكانت جماعات مختلفة من قطاع الطرق قد ملأت الأرض فسادا أسرفت في ذلك آمنة ~~منذ أخذ هيرقل يستأنث على قدمي أومفال. كنت في السادسة عشرة، وكان الميدان أمامي ~~رحبا، وكانت نوبتي قد حلت، وكان قلبي يتوثب إلى أقصى حدود ما كنت أجد من فرح ~~ومرح. # هنالك صحت: ما حاجتي إلى الأمن أو إلى طريق قد طهرت من الخوف؟! وكنت أزدري ~~الراحة في غير مجد، كما كنت أزدري الترف والكسل. وإذن فقد جربت نفسي ~~حين سلكت إلى أثينا برزخ بيلوبونيز، # 17 # فعرفت قوة ذراعي، وقوة قلبي، حين قهرت بعض المخوفين من قطاع الطريق: سنيس، # 18 # بيربيتيس، بروكروست، # 19 # جيريون، # 20 ~~(لقد أخطأت، إنما قهره هيرقل، أما أنا فقد أردت أن أقول سيرسيون)، # 21 # بل ارتكبت في ذلك الوقت خطأ يسيرا حين أسأت إلى سيرون، # 22 # وكان فيما يظهر رجلا كريما، ms54 حسن النية، حسن الرعاية لمن ~~يمر به، ولكني لم أعلم ذلك إلا بعد فوات الوقت، ومن حيث إني قد ظهرت عليه وقتلته، ~~فقد تقرر أنه كان مجرما أثيما. # وفي طريقي إلى أثينا أيضا لقيت أول ابتسامات الحب بين جماعة من بنات الهليون. ~~كانت بيريجون # 23 # طويلة لدنة، وكنت قد قتلت أباها، فكافأتها بأن منحتها غلاما ~~رائعا هو: ميناليب. # 24 # وقد فقدت الصبي كما فقدت أمه؛ لأني تحولت عنهما، حريصا على ألا ~~أتأخر في الطريق. وكذلك كنت دائما أقل اشتغالا واتصالا بما عملت مني بما ينبغي أن ~~أعمل؛ وكنت أرى أن أشد الأشياء خطرا هو ما أنتظر لا ما أتممت. # ومن هنا لن أطيل الوقوف عند هذه المعدات اليسيرة التي لم تكد تمسني إلا قليلا. ولكن ~~ها أنا ذا بإزاء مغامرة رائعة لم يتح مثلها لهيرقل نفسه، فيجب أن أقصها ~~مفصلة. # | الفصل الثالث # إنها قصة معقدة. يجب أن أقول قبل كل شيء إن جزيرة أقريطش كانت قوية، وكان ~~يملك عليها مينوس، # 1 # وكان يرى أتيكا مسئولة عن موت ابنه أندروجيه، # 2 # وكان قد فرض علينا ليعاقبنا ضريبة يجب أن نؤديها في كل عام؛ كان يجب أن ~~نقدم إليه سبعة من الفتيان وسبعا من الفتيات ليقربوا فيما كان يقال طعاما للمينوتور، # 3 # وهو الكائن الغريب الذي ولدته باسيفاييه # 4 # زوج ميدوس حين كانت بينها وبين ثور بعض الصلات. وكان هؤلاء الضحايا ~~يختارون من طريق القرعة. # وكنت في هذا العام قد عدت إلى بلاد اليونان. ومع أن الحظ كان خليقا أن ~~يحميني - فهو يحمي الأمراء عن رضا - فقد ألححت في أن أكون بين الضحايا على رغم ~~ما وجدت من مقاومة الملك والدي ... فلست في حاجة إلى الامتيازات الموروثة، ولا أريد أن ~~أمتاز إلا بشجاعتي وبأسي. # وكنت أدير في نفسي أني سأقهر المينوتور وأريح اليونان من هذه الضريبة البشعة، ~~وكنت على ذلك مشوقا إلى أن أرى أقريطش التي كانت ترسل إلينا في أتيكا بغير ~~انقطاع أشياء جميلة مترفة غريبة؛ فقد سافرت إذن بعد أن ms55 انضممت إلى الثلاثة ~~عشر الآخرين، وبينهم صديقي بيريتوس. # وقد ألقت سفينتنا مرساها ذات صباح من أيام مارس في ضاحية أمنيسوس، # 5 # وهي الميناء القريب بمدينة كنوسوس # 6 # عاصمة الجزيرة حيث يقيم الملك وحيث بنى قصره؛ وكان يجب أن نصل من ~~الليل، ولكن عاصفة شديدة أخرتنا. فلما هبطنا إلى الساحل أحاط بنا أحراس مسلحون، ~~ثم أخذوا سيفي وسيف صديقي بيريتوس، واستوثقوا من أننا لا نحمل سلاحا آخر، ثم قادونا ~~لنمثل بين يدي الملك الذي أقبل من كنوسوس مع حاشيته. # وكانت جماعات ضخمة من الشعب تزدحم لترانا؛ وكان الرجال جميعا عراة الصدور ~~والظهور، وكان مينوس وحده، وقد جلس تحت مظلته قد اتخذ رداء أحمر قانيا غير مخيط ~~يتدلى من كتفيه إلى كعبيه في أثناء فخمة، وعلى صدره العريض كأنه صدر ذوس قد ~~انتظمت عقود ثلاثة بعضها فوق بعض. وكثير من أهل الجزيرة يتخذون مثل هذه العقود، ~~ولكنها عقود مبتذلة. أما عقود الملك فكانت تأتلف من الجمان وقطع من الذهب قد ~~نقشت عليها أزهار السوسن. # وكان يجلس على عرش تعلوه الفأس المثناة، واتخذ في يمينه التي قدمها ~~إلى أمام مباعدا بينها وبين جسمه صولجانا من الذهب يبلغ قامته طولا، ~~وأمسك بيده الأخرى زهرة مثلثة الأوراق تشبه ما اشتملت عليه عقوده لولا أنها أكبر ~~منها، وهي في أكبر الظن من ذهب. وعلى تاجه الذهبي قامت علامة ضخمة من ريش الطاووس ~~والنعام والألكيون. # 7 # وقد أطال النظر إلينا بعد أن رحب بنا في جزيرته مجريا على ثغره ابتسامة ~~توشك أن تكون ساخرة؛ فقد كان يعلم أننا إنما أتينا إلى جزيرته مقضيا ~~علينا. # وكانت الملكة وابنتاها الأميرتان قائمات إلى جانبه. وقد خيل إلي فورا أن كبرى ~~الأميرتين قد لحظتني. وقد هم الأحراس أن يقودونا، ولكني رأيتها تميل إلى أذن ~~الملك وتقول له في صوت خافت باليونانية، وقد سمعتها لأني دقيق السمع: «إني ~~أضرع إليك في أن تبقي على هذا.» تقول ذلك وهي تشير إلي بأصبعها. ~~هنالك ابتسم مينوس وأصدر أمره فلم يقد الحرس إلا رفاقي. ولم ms56 أكد أنفرد بين ~~يديه حتى أخذ في سؤالي. # ومع أني قد أزمعت أن أصدر عن الحذر الشديد في كل ما آتي، وألا أظهر ~~شيئا من نسبي النبيل، ولا من خططي الجريئة، وقد ظهر لي فجأة أن من الخير أن ~~ألعب لعبا صريحا ما دامت الأميرة قد التفتت إلي، وأن شيئا لن يستطيع أن يصل ~~بينها وبيني، ويكفل لي عطف الملك علي كما يستطيع ذلك إعلاني إليهما أني حفيد ~~بيتيه. بل قد لمحت بأن الناس يتحدثون في أتيكا بأن بوسيدون العظيم قد ولدني؛ هنالك ~~قال الملك في جد: سنتبين ذلك بعد قليل حين نخضعك لامتحان الموج؛ فلم أتردد في أن أجيب ~~بأني واثق بأن أخرج ظافرا من كل امتحان. وقد أظهر سيدات القصر هؤلاء شيئا من ~~التأثر حين رأين ثقتي بنفسي، وإن كنت لم أر ذلك في وجه مينوس. # قال الملك: أما الآن فانصرف إلى تجديد قواك؛ فإن رفاقك ينتظرونك على المائدة، ويجب ~~أن تكون محتاجا كما يقال هنا إلى أن تقيم أودك بعد هذه الليلة الشاقة. خذ ~~حظك من الراحة؛ وأرجو أن تشهد عند آخر النهار ألعابا رسمية ستقام ~~تكريما لك. # ثم نستصحبك أيها الأمير ثيسيوس إلى كنوسوس، حيث تنام في غرفة من غرفات القصر، ثم ~~تشاركنا من غد في العشاء. سيكون عشاء يسيرا، عشاء أسرة، ترسل فيه نفسك على ~~سجيتها ويسعد هؤلاء السيدات بأن يسمعنك تحدثهن بما قدمت من مآثر، وما أحسنت من ~~بلاء. أما الآن فسيتخذن زينتهن استعدادا للحفل. سنلقاك هناك، وستجلس مع رفاقك ~~تحت المقصورة الملكية مباشرة، ذلك مكان مقسوم لك لأنك أمير. وسيشرف رفاقك بالجلوس فيه ~~معك؛ فما أحب أن أفرق بينك وبينهم. # وقد أقيم هذا الحفل في ملعب عظيم في شكل نصف دائرة ينفرج مما يلي البحر، وقد شهده ~~جمهور ضخم من الرجال والنساء أقبلوا من كنوسوس وليتوس، # 8 # بل جاء بعضهم من جورتين، على أنها تبعد عن مكان الحفل نحو مائتي ~~فرسخ، وجاء بعض الناس من مدن وقرى أخرى مجاورة، كما جاء آخرون من ms57 الريف الذي ~~يقال إنه مكتظ بالسكان. # وكان الدهش يأخذني من جميع حواسي، ولم أكن أستطيع أن أصور إلى أي حد كنت أرى أهل ~~الجزيرة غرباء، ولما لم يكن يتاح لهم جميعا أن يتخذوا مجالس في المدرج، فقد كانوا ~~يزدحمون ويتدافعون في المسارب وعلى درجات السلم. وكانت جماعة النساء ضخمة كجماعة ~~الرجال، وكن عاريات الصدور والظهور، وقليل منهن كن يتخذن القراطق قد انفرجت عن صدورهن ~~انفراجا واسعا رأيته مخالفا للحياء لما كان يظهر من أثدائهن. # وكانوا جميعا رجالا ونساء قد اتخذوا مناطق شدوها شدا عنيفا على أوساطهم؛ ~~فبدت خصورهم غاية في الضآلة والنحول كأنها المرامل. وكان الرجال سمرا قد اتخذوا ~~في أيديهم وسواعدهم وأعناقهم من الخواتم والأساور والعقود مثل ما اتخذ ~~النساء. # وكانت كثرتهن تمتاز ببياض البشرة؛ وكانت الوجوه كلها حليقة لا يستثنى من ذلك ~~إلا وجه الملك، ووجه أخيه رادامنت، # 9 # ووجه صديقه ديدال. # 10 # وكان سيدات القصر قد اتخذن أماكنهن في المقصورة التي أجلسنا تحتها، وقد ~~عرضن زينة رائعة مترفة من الثياب والحلي، وأشرفن على ميدان اللعب، وكانت كل واحدة منهن ~~قد أحاطت خصرها بثوب ألحقت به قطع عراض من النسيج، فهو منتفش في صورة رائعة مما يلي ~~الخصر، ثم هو يتدلى في منظر جميل مختلط حتى يبلغ الأقدام التي حبست في أحذية من ~~الجلد الأبيض. # وكانت الملكة في وسط المقصورة تمتاز منهن جميعا بزينتها الفخمة؛ قد عري ~~صدرها وذراعاها. وقد فصلت على ثدييها العظيمين ضروب الجوهر من اللؤلؤ والمينا والأحجار ~~النفيسة. وقد أحيط وجهها بخصل طويلة سود، ورصفت على جبهتها خصيلات دقاق. وكانت شرهة ~~الشفتين، منقبضة الأنف، كبيرة العينين فارغتهما، ترسل منهما نظرات توشك أن تشبه نظرات ~~الصوار. وقد اتخذت شيئا يشبه أن يكون تاجا من الذهب لم تضعه على شعرها مباشرة، ~~وإنما وضعته على قلنسوة قاتمة غريبة تثير الضحك، وهي تنفذ من التاج وتنتهي بطرف ~~مرتفع محدد ينعطف إلى الأمام كأنه القرن قد انحنى على جبهتها. # وكان قرطقها المفتوح من أمام إلى منطقتها يرقى على ظهرها حتى ms58 يبلغ العنق، فيحاول أن ~~يحيطه ببنيقة شديدة الانفراج. # وكان ثوبها النصفي المنتشر من حولها يعرض للإعجاب على بياضه المشرب بالصفرة ~~ضروبا من الطراز بعضها دون بعض، منها ما يصور السوسن الأرجواني، ومنها ما يصور ~~الزعفران، وأسفلها يصور زهرات البنفسج وقد أحاطت بها أوراقها الخضر. ولما ~~كنت تحت مقصورتها كنت أراها من قريب جدا كلما التفت إلى وراء. وكنت أفتن ~~بحسن اختيار الألوان، وجمال الطراز، ودقة العمل، وبلوغه حد الكمال. # وكانت أريان # 11 # ابنتها الكبرى قد جلست عن يمين أمها مشرفة على اللعب، وقد اتخذت زينة ~~أقل فخامة من زينة الملكة، واتخذت ثوبها من لون آخر؛ فلم يكن ثوبها النصفي ولا ~~ثوب أختها يحملان إلا صفين من الطراز؛ فأما الصف الأعلى فكان يرسم كلابا ومها، ~~وأما الصف الأسفل فكان يرسم كلابا وحجلا. # أما فيدر # 12 # فكان واضحا أنها أصغر من أختها سنا، وقد جلست عن ~~يسار أمها باسيفاييه، ورسم الصف الأعلى من طراز ثوبها أطفالا يعدون وراء ~~الأطواق، كما رسم الصف الأسفل أطفالا صغارا قد انحنوا يلعبون بالحصباء. وكانت تنعم ~~بمنظر اللعب في طفولة ظاهرة، وكنت أنا لا أتبع اللعب إلا قليلا، قد أخرجني عن طوري كل ~~هذه الأشياء التي لا عهد لي بمثلها، ولكني كنت شديد الدهش بما كنت أرى من مرونة ~~اللاعبين ورشاقتهم وسرعتهم حين كانوا يغامرون بالظهور على الميدان بعد أن تتركه لهم ~~جماعات الغناء والرقص والصراع. # وإذ كنت أتهيأ لمواجهة المينوتور؛ فقد كنت حريصا على أن أنتفع بما كنت أرى من ~~مكرهم وتسللهم؛ لعلي أستعين بشيء من ذلك على إجهاد الثور وإذهاله. # | الفصل الرابع # ولما قدمت أريان الجائزة لآخر الفائزين، نهض مينوس مؤذنا بانتهاء الحفل، ~~ودعاني وحيدا للقائه، وقد وقف يحيط به الحرس. # فلما صرت بين يديه قال لي: سأقودك أيها الأمير ثيسيوس الآن إلى ساحل البحر ~~وأمتحنك هناك؛ لنتبين أنك في الحق من ولد بوسيدون. # ثم قادني إلى صخرة ترتفع متقدمة إلى البحر ويلطم الموج أسفلها، وقال لي: سألقي ~~تاجي في البحر لأبين لك أني واثق ms59 بأنك سترده إلي. # وكانت الملكة والأميرتان قد رغبتا في شهود الامتحان، فشجعني ذلك واندفعت أقول ~~معترضا: أكلب أنا لأرد شيئا إلى صاحبه، وإن كان هذا الشيء تاجا! دعني أغص في ~~البحر لغير غاية، ولك أن آتيك بما يدلك على أني قد أحسنت الغوص. # ودفعت الجراءة إلى أبعد من هذا؛ فقد مرت نسمة قوية بعض الشيء، فنزعت عن كتف الأميرة ~~أريان طرحة وحملتها نحوي، فلم ألبث أن التقفتها مبتسما كأن الأميرة أو ~~إلها من الآلهة قد قدمها إلي، ثم خرجت من الصدارة التي كانت تشل حركتي وأحطت ~~خصري بهذه الطرحة ممرا طرفها بين فخذي، ثم آخذا له إلى أمام حتى أثبته عند الخصر، ~~أخيل بذلك أن الحياء هو الذي يدفعني إلى هذا الصنيع لأستر من جسمي ما لا ~~ينبغي أن يرى، ولكني في حقيقة الأمر إنما أردت أن أخفي منطقة من الجلد كنت ~~قد استبقيتها، وكنت قد علقت بهذه المنطقة كيسا صغيرا من الجلد. ولم أكن قد أحرزت في ~~هذا الكيس شيئا من النقد، وإنما أحرزت فيه طائفة من الأحجار الكريمة اصطحبتها من بلاد ~~اليونان ثقة مني بأن الأحجار الكريمة تحتفظ بقيمتها في كل مكان. # ثم تنفست تنفسا عميقا، واندفعت إلى البحر فغصت فيه؛ غصت فيه ممعنا في ~~الغوص، وكنت في ذلك ماهرا، ثم لم أطف على سطح الماء إلا بعد أن استخرجت من ~~الكيس ثلاثة أحجار من نفيس الجوهر؛ أحدها من عقيق الجزع والآخران من العقيق الأخضر. ~~فلما بلغت الساحل قدمت في ظرف إلى الملكة عقيق الجزع، وإلى كل من الأميرتين حجرا ~~آخر، مظهرا أني قد استخرجتها من القاع، بل مظهرا أن بوسيدون قد قدمها إلي ~~لأهديها إلى هؤلاء السيدات. # ولم يكن بد من هذه الحيلة؛ فلم يكن من السائغ أن توجد في أعماق البحر عند ~~جزيرة أقريطش هذه الأحجار النادرة في بلادنا، فضلا عن أن أجد الوقت لتخيرها تحت ~~الماء. وكان هذا أدل من الامتحان نفسه على أني من نسل إلهي. # هنالك رد مينوس إلي سيفي. # ثم حملتنا العربات ms60 بعد قليل إلى كنوسوس. # | الفصل الخامس # وكنت مجهودا قد بلغ بي الإعياء أقصاه، حتى لم أدهش لهذا الفناء العظيم ~~المنبسط أمام القصر، ولهذا السلم الضخم ذي العمد الدقاق، ولهذه الدهاليز الملتوية التي ~~كان يقودني فيها خدم خفاف يسعون بين يدي بالمشاعل حتى انتهوا بي إلى الغرفة التي ~~هيئت لي في الطابق الثاني، والتي كانت تضيئها جماعة من المصابيح. # فلم أكد أدخلها حتى أطفئت كلها إلا واحدا. وعلى مضجع وثير عطر ~~غرقت منذ تركوني في نوم عميق حتى كان المساء من غد. # ومع ذلك فقد نمت في العربة نوما طويلا، فلم نصل إلى كنوسوس إلا حين أسفر ~~الصبح، وبعد سفر أنفقنا فيه الليل كله. # ولست آلف الغربة، فلم ألبث أن لاحظت في قصر مينوس أني يوناني، وأحسست أني ~~غريب، وكنت أدهش لكل ما ليس لي به عهد من الأزياء والعادات، وما يتخذ الناس في ~~سيرتهم من الصور والحركات والأثاث (وكان الأثاث في قصر أبي قليلا ضئيلا)، كما كنت ~~أدهش للأدوات وطرق استعمالها. # كنت أرى نفسي متوحشا بين هذا الترف الرقيق، وكان خطئي يزداد كلما دعا إلى ~~الابتسام، وقد كنت متعودا أن أتناول الطعام بغير أداة، أحمله إلى فمي بأصابعي، وكنت ~~أجد هذه الشوك المعدنية أو الذهبية المنقوشة، وهذه السكاكين، أثقل تصريفا علي حين ~~أجلس إلى المائدة من السلاح حين كنت أصرفه في الميدان. # وكانت النظرات توجه إلي وتثبت في، وكنت أمعن في الخطأ حين كنت أشارك ~~في الحديث. يا للآلهة! لقد كنت أجد نفسي في غير موضعي؛ وأنا الذي لم يحسن قط شيئا ~~إلا أثناء الوحدة، أصبحت أراني أشارك في حياة اجتماعية. ولم يكن المهم أن أجاهد، وأن ~~أتخذ القوة وسيلة إلى الفوز، وإنما كان المهم أن أعجب، وكنت قليل العلم بوسائل ذلك إلى ~~حد بعيد. # وقد أجلست إلى مائدة العشاء بين الأميرتين، وكان العشاء فيما قيل بسيطا، عشاء ~~أسرة لا تكلف فيه. والواقع أن أحدا لم يشهده إلا الملك والملكة، ورادامانت ~~أخو الملك، والأميرتان وأخوهما الصبي جلوكوس # 1 # ومربيه اليوناني ms61 الكورنثي الذي لم يعن أحد بتقديمه إلي. # وقد دعيت إلى أن أقص في لغتي (التي كان أهل القصر يفهمونها ويتكلمونها على أحسن وجه ~~مع شيء قليل من انحراف اللسان) ما كان يسمى حسن بلائي. وقد سرني أن رأيت ~~الأميرة الفتاة فيدر وأخاها جلوكوس يضحكان حين كنت أقص تمثيل بروكروست بضحاياه ~~وإخضاعي إياه لنفس المثلة حين كنت أقطع من أطرافه ما كان يتجاوز مضجعه. ولكنهم ~~تجنبوا في شيء من الرقة أن يشيروا إلى المهمة التي جاءت بي إلى أقريطش، ولم ينظروا ~~إلي إلا على أني مسافر ضيف. # ولم تنقطع أريان طوال العشاء عن مداعبة ركبتي بركبتها تحت غطاء المائدة، ولكن ~~الحرارة التي كانت تنبعث من فيدر الفتاة هي التي كانت تشيع في القلق، على حين كانت ~~باسيفاييه الملكة جالسة أمامي تزدردني بلحظها ازدرادا، وكان مينوس إلى جانبها يحتفظ ~~على ثغره بابتسامة صافية لا تعرف الكدر. # أما رادامانت ذو اللحية الطويلة الشقراء، فقد كان وحده يظهر شيئا من العبوس. وقد ~~انصرف الملك وأخوه عن غرفة المائدة بعد الصنف الرابع؛ لأنهما كانا مضطرين فيما ~~كانا يقولان إلى الجلوس للقضاء، ولم أفهم إلا أخيرا معنى ما كانا يريدان. # لم أكن قد برئت بعد من ألم البحر، وقد أكلت كثيرا وشربت أكثر مما أكلت ~~ألوانا مختلفة من الخمر، وفنونا أخرى من الأشربة، بحيث لم يمض إلا وقت قصير ~~حتى دارت بي الأرض وأنكرت نفسي؛ فلم أتعود من قبل أن أشرب غير الماء أو ~~النبيذ المقتول. # ولما كدت أفقد الصواب وكنت محتفظا بفضل من قوة يمكنني من النهوض، استأذنت في ~~الخروج؛ هنالك قادتني الملكة إلى حمام صغير متصل بمنزلها من القصر. فلما ~~تخففت مما كان يثقلني بقيء غزير لحقت بها في غرفتها؛ فأجلستني إلى جانبها على فراش ~~وثير، وأخذت تتحدث إلي. قالت: أي صديقي الشاب ... أتأذن في أن أدعوك بهذا الدعاء ~~لننتفع مسرعين بهذه اللحظة القصيرة التي يخلو فيها كلانا إلى صاحبه! لست كما تظن، ~~ولست أريد شخصك بريبة على ما أتيح لك من جمال وفتنة. ms62 # وعلى إلحاحها في أنها لم تكن تتجه إلا إلى نفسي أو إلى شيء لا أعرفه في أعماق ضميري، ~~لم تر بأسا بأن ترفع يدها إلى جبهتي؛ ثم تدسها من دون صدارتي الجلدية متحسسة ~~عضلات صدري كأنها تريد أن تتثبت من محضري. قالت: لست أجهل ما جاء بك إلى ~~هذه الجزيرة، وأريد أن أتقي خطأ؛ فقد أقبلت مزمعا القتل. أقبلت تريد أن تصارع ~~ابني. ولست أعلم بماذا حدثت من أمره، وليس يعنيني أن أعلم. آه لا تصم أذنيك عما ~~يوجه إليك قلبي من دعاء؛ ليكن المينوتور هو الوحش الذي صور لك أو لا يكن، فإنه ~~ابني. # وهنا رأيت من حسن الذوق أن أقول إني أحب الوحوش! ولكنها مضت في حديثها دون أن ~~تسمع لي: افهم عني! إني أضرع إليك! إن لي طبيعة متصوفة تحب، بل لا تحب إلا ما يتصل ~~بالآلهة. والشيء الذي يغيظ هو أننا لا نعلم من أين يبتدئ الإله ولا أين ينتهي. ~~وقد أطلت عشرة قريبتي ليدا # 2 # ومن أجلها اتخذ الإله صورة بجعة. وقد فهم مينوس طمعي في أن ألد ~~له وارثا من أبناء الآلهة. ولكن كيف السبيل إلى أن نميز ما يبقى من الحيوان ~~فيما يلقي الآلهة أنفسهم في الأرحام؟ وإذا كان قد كتب علي أن أندم على خطئي - ~~وأنا أشعر بأن تحدثي إليك على هذا النحو يسلب الأمر كل عظمته - فإني أؤكد لك أي ثيسيوس ~~أن الأمر كان إلهيا حقا في اللحظة نفسها. فقد ينبغي أن تعلم أن ثوري لم يكن ~~حيوانا عاديا. كان بوسيدون قد قدمه إلينا، كان يجب أن نرده إليه قربانا، ولكن ~~مينوس رآه أجمل وأروع من أن يضحي به. وهذا هو الذي حملني فيما بعد على أن أفسر ~~زلتي بأنها كانت انتقاما من الإله. وأنت لا تجهل أن حماتي أوروب # 3 # قد اختطفها ثور تقمصه ذوس، ومن زواجها بهذا الثور ولد مينوس نفسه. وهذا هو ~~الذي حمل أسرته على أن تعظم أمر الثيرة. فلما ولد المينوتور ورأيت الملك يقطب ~~حاجبيه لم ms63 يكن لي إلا أن أقول له: وأمك ما خطبها؟ وكان من الحق عليه أن يفهم أن ~~من الممكن أن أكون قد أخطأت، وهو رجل حكيم، وهو يعتقد أن ذوس قد ولاه مع أخيه ~~رادامانت القضاء في دار الموتى. وهو يرى أن من الحق أن يفهم الإنسان قبل أن يقضي ~~ويقدر أنه لن يكون قاضيا عدلا إلا بعد أن يمتحن في نفسه أو في أسرته بكل ألوان ~~المحن. وفي هذا تشجيع عظيم لذوي قرابته، فأبناؤه وأنا - على ما يكون بيننا من اختلاف ~~الأمزجة والأهواء - نعمل بأغلاطنا الخاصة لنحسن إعداده لمنصبه المنتظر، ~~والمينوتور نفسه يشارك في ذلك عن غير علم. ومن أجل ذلك أطلب إليك يا ثيسيوس، بل أتوسل ~~إليك لا في ألا تسوءه، بل في أن تصالحه وتتفق معه على نحو يمحو الخصومة بين ~~اليونان وأقريطش، ويزيل آثارها المنكرة بين البلدين. # كذلك كانت تتحدث معملة يدها في إلحاح من دون صدارتي حتى ضقت بذلك أشد الضيق؛ فقد ~~كنت متأثرا ببخار النبيذ وبهذا العطر الأرج الذي كان يفلت مع ثدييها من قرطقها ~~المفتوح. قالت: لنعد إلى الأمر الإلهي؛ فقد يجب دائما أن نعود إليه ، وكيف لا تشعر ~~يا ثيسيوس بأن إلها قد تقمصك؟ ... # وكان مما يزيد نفسي ضيقا أن أريان ذات الجمال الرائع الفاتن - وإن كنت أوثر ~~أختها الصغرى - كانت قد واعدتني باللحظ واللفظ على أن نلتقي في الحديقة بعد أن ~~أفيق. # | الفصل السادس # أي حديقة! ولأي قصر! يا لها جنة مشوقة قد تعلقت بانتظار شيء لا أدري ما هو ... تحت ضوء ~~القمر. # كان ذلك في شهر مارس، وكان الربيع قد أخذ يخفق في دفء حلو. ولم أكد ألقى الهواء ~~الطلق حتى انجلى عني كل ضيق. فلست آلف الحياة في أعماق الدور، وإنما أوثر أن أتنفس ~~ملء رئتي. وقد أسرعت إلي أريان ثم ألصقت في لهفة وعنف شفتيها إلى شفتي حتى كدنا ~~نسقط جميعا. قالت: هلم. لا علي أن يرانا الراءون، ولكن ظل الضرم أوفق للحديث. # ثم هبطت بي درجات، وقادتني إلى ms64 مكان من الحديقة يشتد فيه التفاف الشجر حتى ~~يخفى القمر دون أن يخفى انعكاس ضوئه على البحر، وكانت قد استبدلت من ثوبها النصفي ذي ~~الأطواق، ومن منطقتها الصلبة ثوبا واسعا فضفاضا كانت تحس من دونه عارية. ~~قالت: أكاد أعرف ما تحدثت إليك به أمي. إنها مجنونة؛ مجنونة تستحق القيد، وما ينبغي ~~أن تحفل بما تقول؛ فاعلم أولا أنك معرض هنا لخطر عظيم. فأنا أعلم أنك أقبلت لتصارع ~~المينتور أخي لأمي، وإنما أريد منفعتك؛ فأحسن الإصغاء إلي. وأنا واثقة بأنك ستظهر ~~عليه. # فمرآك يثبت أن فو # زك واقع لا شك فيه # ألست ترى أن هذه الجملة تزن بيتا جميلا من الشعر؟ ألست رقيق الحس؟ ولكن أحدا قبلك ~~لم يستطع الخروج من اللابيرنت # 1 # داره التي يسكنها، ولن تستطيع أنت أن تخرج من هذه الدار إلا أن أعينك ~~أنا، أنا خليلتك، أنا التي ستصبح خليلتك. ليس من اليسير أن ترسم لنفسك صورة مقاربة ~~للابيرنت؛ سأقدمك إذا كان الغد إلى ديدال وسيصفها لك؛ فهو الذي بناها، وهو نفسه ~~لا يستطيع الآن أن يهتدي فيها إلى طريقه. وسينبئك كيف ضل فيها ابنه إيكار # 2 # حتى لم يستطع أن ينجو منها إلا طائرا في الهواء بجناحين. # ولكني لا أجرؤ على أن أشير عليك بالطيران فإنه مغامرة خطرة، والشيء الذي يجب ~~أن تفهمه منذ الآن هو أن أملك الوحيد في النجاة رهين بألا تتركني. لقد توثقت بينك ~~وبيني منذ الآن صلة لا تنفصم، ولا ينبغي أن تنفصم بحياة أو موت. لن تجد نفسك إلا ~~بمعونتي، إلا بي، إلا في. هذا شيء يجب أن تأخذه أو تدعه ليس لك من دون ذلك خيار، ~~فإذا تركتني فالويل لك؛ وإذن فهيت لك. # ثم أقبلت علي غير حافلة بشيء، واستسلمت لي محتفظة بي بين ذراعيها حتى أسفر ~~الصبح. # ويجب أن أعترف بأن وقت هذا اللهو قد طال علي. فلم أحب قط الإقامة حتى في ظلال ~~النعيم، وإنما أنا مشغوف بالتنقل متى ذهبت عني جدة ما ألقى من الأمر. # ثم جعلت ms65 تقول: «لقد وعدتني.» ولم أكن قد وعدت بشيء، وإنما كنت حريصا على أن ~~أستبقي حريتي، فلست مدينا بنفسي إلا لنفسي. # ومع أن قوتي على الملاحظة كانت لا تزال مغشاة ببخار السكر، فقد خيل ~~إلي أنها استسلمت في يسر حتى لم أعتقد أني كنت السابق إلى رضاها. وهذه الملاحظة هي ~~التي طوعت لي فيما بعد أن أتخلص من أريان. وفوق ذلك فما أسرع ما ضقت بإسرافها في ~~تكلف الرقة! ضقت بإلحاحها في تأكيد حبها الأبدي، وبهذه الأسماء الحلوة التي كانت ~~تدعوني بها؛ فقد كنت مرة متاعها الوحيد، ومرة كنارها، ومرة كليبها، ومرة صقيرها، ~~ومرة قصيصتها، ولست أبغض شيئا كما أبغض هذه الألفاظ المصغرة. # ثم إنها كانت مشغوفة بالأدب؛ فقد كانت تقول لي: «أي قلبي الصغير، سيذبل زهر السوسن ~~عما قريب.» على حين أن هذا الزهر كان قد بدأ يتفتح، وأنا أعلم أن كل شيء يمضي، ~~ولكني لا أحفل إلا بالساعة الحاضرة. وكانت تقول لي أيضا: «لن أستطيع أن أعيش ~~بدونك.» وكان هذا يدفعني على ألا أفكر إلا في أن أعيش بدونها. # وقد سألتها: ما عسى أن يقول أبوك الملك إن عرف هذا؟ # فأجابت: تعلم أيها الحبيب أن مينوس يحتمل كل شيء؛ فهو يرى أن أحكم الحكمة أن يقبل ~~الإنسان ما لا يستطيع له ردا. لم ينكر شيئا حين عرف مغامرة أمي مع الثور، ~~وإنما زعم - كما حدثتني أمي - أنه لا يستطيع أن يمضي في محاورتها. ثم أضاف: ~~«قد كان ما كان، وليس إلى استدراكه من سبيل.» وسيقول هذا القول نفسه بالقياس إلينا. ~~وأقصى ما في الأمر أن يطردك من قصره. وأي بأس بهذا؟! سأتبعك حيثما تكون. وكنت أقول في ~~نفسي: سنرى! # وبعد أن أخذنا بحظنا من طعام يسير، سألتها أن تصحبني إلى ديدال، وأنبأتها بأني أريد ~~أن أخلو إليه وأدير معه الحديث؛ ولم تتركني إلا بعد أن أقسمت لها باسم بوسيدون على أني ~~سألقاها في القصر بعد قليل. # | الفصل السابع # لقد نهض ديدال لاستقبالي حين فاجأته في حجرته المظلمة مقبلا على ms66 لويحات من ~~الرصاص أمامه قد انتثرت من حولها أدوات غريبة. وهو رجل طوال، لم تنحن قامته على ~~تقدم سنه، وهو يحمل لحية أطول من لحية مينوس وكانت سوداء، على حين كانت لحية ~~رادامونت شقراء. أما لحية ديدال فكانت مفضضة، وجبهته العريضة تشقها أخاديد أفقية، ~~وحاجباه المختلطان يكادان يحجبان نظراته حين يخفض رأسه، وهو طويل الحديث عميق الصوت، ~~ويفهم محدثه أنه حين يصمت فإنما يفعل ذلك ليفكر. # وقد بدا فأثنى على حسن بلائي الذي وصلت أخباره إليه - فيما قال - على اعتزاله ~~وانقطاعه عن الناس. وأضاف إلى ذلك أني أبدو له أبله بعض الشيء، وأنه لا يقدر حسن ~~اصطناع السلاح، ولا يرى أن قيمة الإنسان في قوة ذراعيه. قال: وقد رأيت قديما سلفك ~~هيرقل، وكان أبله لا يستطيع أن يعطي شيئا غير البطولة. وإنما أحببت منه ما أحب ~~منك هذا الإقدام على غاية في غير تردد ولا تراجع، بل هذا التهور الذي يدفعكما إلى أمام، ~~ويظهركما على العدو بعد أن ينصركما على ما في نفوسنا جميعا من الجبن. وكان هيرقل ~~أشد منك مثابرة، وأحرص منك على الإتقان، حزينا بعض الشيء، ولا سيما ~~بعد أن يتم عمله . أما ما أحب منك فهو هذا الابتهاج الذي يميزك من هيرقل. ويعجبني ~~منك أنك لا تريد أن تعوق نفسك بالتفكير؛ فالتفكير حظ قوم آخرين لا يعملون، ولكنهم ~~ينشئون للعاملين ما يدفعهم إلى العمل. # أتعلم أن بيننا نسبا، وأني - لا تعد ذلك على مينوس؛ فهو لا يعرف من ذلك ~~شيئا - أني يوناني؟ وقد أسفت حين اضطررت إلى ترك أتيكا في أثر خصومة شجرت بيني ~~وبين ابن أخي تالوس، # 1 # وكان مثالا مثلي منافسا لي، وكان قد ظفر بإيثار الشعب؛ لأنه كان ~~يحتفظ للآلهة بشيء من المهابة الرهيبة، يتوسل إلى ذلك بإمساك تماثيلهم بمناطق ضيقة ~~تأخذ أجسامهم من أسفلها فتمنعهم من الحركة، على حين كنت أنا أطلق أعضاءهم فأقربهم منا، ~~حتى تجدد بفضلي ذلك التجاور بين الأولمب والأرض، وكنت من جهة أخرى ~~أحاول أن أتخذ العلم وسيلة إلى ms67 أن يصبح الناس أشباها للآلهة. # فقد كنت في سنك حريصا قبل كل شيء على أن أتعلم. وما أسرع ما استيقنت بأن قوة ~~الإنسان لا تغني - أو لا تكاد تغني - عنه شيئا إلا إذا أعانتها الآلهة، وأن المثل ~~الذي يقول: «إن الأداة أجدى من القوة.» لم يكن مخطئا! وما كنت لتقهر قطاع الطرق ~~في البلوبونيز أو في أتيكا لو لم تعنك على ذلك الأسلحة التي وعدك بها أبوك. وكذلك ~~فكرت في أني لن أغني شيئا إذا لم أجد ما أصطنع من أداة، وأن سبيل ذلك هو أن ~~أتقن الحساب والميكانيكا والهندسة كما يتقنها المصريون على الأقل؛ فهم ينتفعون بها ~~انتفاعا عظيما، ثم فكرت في أني لن أنتفع بهذه العلوم في الحياة التطبيقية إلا إذا ~~تعرفت خصائص الأجسام ومميزاتها، حتى الأجسام التي لا يظهر أننا في حاجة عاجلة إلى ~~استخدامها؛ فقد يستكشف في هذه الأجسام كثير من المزايا لم يكن نتوهمها من قبل، ~~شأنها في ذلك شأن الناس أنفسهم. # وكذلك أخذ حظي من المعرفة يتسع ويقوى؛ ثم أردت أن أعرف مهنا وصناعات وأقاليم ~~ونباتات أخرى، فزرت بلادا بعيدة تلمذت فيها لعلماء أجانب، لم أفارق أحدا منهم إلا ~~بعد أن استقصيت ما كان عنده من العلم. ولكني بقيت يونانيا حيثما ذهبت وحيثما ~~أقمت، ومن هنا عنيت بك أيها النسيب لأنك يوناني. # فلما رجعت إلى أقريطش تحدثت إلى مينوس عن أسفاري ودراساتي، ثم أفضيت إليه بشيء ~~كنت أزمعته، وسألته أن يعينني على تحقيقه، فيقدم إلي ما يحتاج إليه من مال وأداة، وهو ~~أن أبني وأنظم إلى جانب قصره دارا تشبه اللابيرنت الذي رأيته وأعجبت به في مصر على ~~شاطئ بحيرة موريس # 2 # على اختلاف في الرسم. في ذلك الوقت كان مينوس محرجا؛ فقد ولدت له ~~الملكة هذا الوحش الذي يسمى المينوتور، وكان الملك يود لو استطاع أن يخفي هذا الكائن ~~الغريب على أعين الناس؛ فتقدم إلي في أن أقيم له بناء تحيط به حدائق غير ~~مسورة، ولكنه مع ذلك يمسك المينوتور في غير سجن ms68 دون أن يستطيع الخروج منه، ~~فأنفقت في ذلك ما كنت أملك من عناية ودراية. # وقد قدرت أن ليس هناك سجن يستطيع أن يمتنع على رغبة السجين في الفرار، وأن ليس هناك ~~أسوار ولا خنادق تستعصي على الجراءة والعزم، فرأيت - وأرجو أن تحسن الفهم عني - أن ~~الخير أن أقيم البناء وأنظمه بحيث لا يكون معجزا لساكنة عن الهرب، بل مانعا له من ~~التفكير في الهرب؛ فجمعت في هذا البناء ما يستجيب لشهوات الإنسان على اختلافها، وليست ~~شهوات المينوتور كثيرة ولا شديدة الاختلاف، ولكن كان علي أن أفكر في الناس جميعا، ~~وفي كل من يقضى عليه أن يدخل اللابيرنت. وكان يجب أيضا - بل قبل كل شيء - أن أضعف ~~إرادتهم؛ ومن أجل ذلك ركبت ألوانا من العقاقير يمزج فيما يدار عليهم من نبيذ. ولكن ~~هذا كله لم يكن كافيا، فوجدت أكثر منه. # وكنت قد لاحظت أن هناك ألوانا من النبات إذا ألقيت في النار أثارت وهي تحترق دخانا ~~مخدرا بعض الشيء، فرأيت أنها عظيمة النفع فيما كنت أحاول من الأمر، وقد ~~استجابت بالضبط لما دعوتها إليه، فاتخذت مواقد لا تخمد نارها في ليل أو نهار وغذوتها ~~بهذه النباتات. والأبخرة التي تصاعد منها لا تنيم الإرادة وحدها، ولكنها تشيع ~~سكرا خلابا، وتدفع إلى فنون من الخطأ المغري، وإلى ضروب من النشاط الفارغ تصدر عن ~~رءوس قد شملها الذهول وعبث بها الشراب، ضروب من النشاط الفارغ؛ لأنها لا تنتهي إلى ~~شيء إلا أن يكون وهما، ولا تثير إلا مناظر لا تثبت، لا تنتهي إلى غاية ولا تعتمد على ~~منطق. # وتأثير هذه الأبخرة ليس متفقا بالقياس إلى الذين يخضعون له جميعا، وإنما هو ~~يختلف باختلافها وينشأ عنه اختلاط غريب يجعل لكل واحد لابيرنته الخاص. وقد كان ~~اختلاط ابني إيكار فلسفيا يرقى إلى ما بعد الطبيعة. أما أنا فأرى أبنية ضخمة وجمعا ~~من القصور المتراكمة تختلط فيها السلالم والدهاليز ... بحيث انتهى هذا كله في تخليط ابني ~~إلى مأزق تتبعه خطوة غامضة إلى أمام. ولكن أشد من هذا ms69 كله غرابة أن هذه العطور إذا ~~استنشقها الإنسان حينا لم يستطع أن يستغني عنها؛ لأن الجسم والعقل قد اتخذ منها ~~متاعا لا قيمة بإزائه للحياة الواقعة، ولا رغبة في العودة إليها، وإنما هو البقاء ~~والبقاء المتصل في اللابيرنت. # ولما كنت أعلم أنك تريد أن تنفذ إليه لتصارع فيه المينوتور فقد أردت ~~أن أظهرك على جلية الأمر؛ وما أطلت عليك الحديث إلا لأحذرك؛ فلن تستطيع أن تخرج ~~منه وحدك، بل يجب أن تصحبك أريان؛ ولكنها يجب أن تبقى على عتبة الدار بحيث لا تشم ~~هذا الأرج. فيجب أن تحتفظ بعقلها وصوابها في الوقت الذي تخضع أنت فيه للسكر. ولكن ~~اجتهد في أن تملك أمرك حتى حين يأخذك السكر، هذا هو المهم، وقد لا تعينك إرادتك ~~على ذلك، فقد قلت: إن هذا الدخان يضعفها، فقد خطر لي أن أجمع بينك وبين أريان بخيط ~~يمثل الواجب تمثيلا محسا. هذا الخيط يمكنك بل يضطرك إلى أن تعود إليها بعد أن ~~تكون قد بعدت عنها. واحرص على كل حال على ألا تقطعه مهما يحط بك من الظروف، ومهما ~~تلح عليك المغريات، ومهما تدفعك إليه شجاعتك من مغامرة. عد إليها وإلا ذهب عنك كل ~~شيء، بل ذهب عنك الخير كله. سيكون هذا الخيط وصل ما بينك وبين الماضي؛ فعد إليه، عد ~~إلى نفسك، فلا شيء ينشأ من لا شيء، ولن يعتمد مستقبل أمرك إلا على ماضيك الذي ~~كنت فيه وحاضرك الذي أنت عليه. # وقد كنت خليقا أن أحدثك أقل مما حدثتك لو أني عنيت بك أقل مما ~~أعنى بك في حقيقة الأمر. ولكني أريد قبل أن تستقبل مصيرك أن تسمع لحديث ابني ~~فستحقق حين تسمعه مقدار الخطر الذي أنت مقدم عليه، وإن كان هو قد استطاع ~~بفضلي أن يفلت من فتنة اللابيرنت، ولكن عقله على ذلك قد ظل خاضعا لسحر ~~هذه الفتنة. # ثم اتجه إلى باب منخفض وأزاح ما كان يغطيه من أستار، وقال في صوت رفيع: أي إيكار، ~~أي بني العزيز، أقبل واعرض علينا ما ms70 يساورك من القلق، بل امض كما تفعل في أثناء ~~وحدتك في حديثك إلى نفسك دون أن تحفل بي ولا بضيفي. هبنا غير حاضرين. # | الفصل الثامن # رأيت فتى يقبل وهو يوشك أن يكون في سني. وقد ظهر في هذا الضوء الضئيل ~~رائع الجمال، وكان شعره الأشقر الطويل يتدلى خصلا على كتفيه، وكان لحظه الثابت يظهر ~~كأنه لا يقف عند الأشياء، وكان عاريا إلى موضع النطاق قد شد حول خصره منطقة ضيقة ~~من المعدن. # وقد ظهر لي أن إزارا واسعا من نسيج أسود ومن جلد يأخذ من أعلى وركيه، وقد جمع ~~طرفاه بعقدة ضخمة. وقد وقفت عيناي على حذاءين من جلد أبيض كانا يشيران إلى أنه ~~يتأهب للخروج، ولكن عقله وحده كان يسعى، ولم يكن يظهر عليه أنه يرانا. # وكان يقول ماضيا فيما كان يدير عقله من حديث: أيهما بدء الوجود: الرجل أم المرأة؟ ~~أيمكن أن يكون الخالد مؤنثا؟ أيتها الصور الكثيرة، أي أم هائلة أخرجتك ~~من أحشائها؟ وأي مبدأ والد ألقاك في هذه الأحشاء؟ يا لها تثنية غير معقولة، وإذن فالإله ~~هو الطفل. # إن عقلي يرفض أن ينقسم الإله؛ فإن قبول الانقسام معناه الصراع، كل ما للإله فهو ~~للحرب. ليست هناك آلهة، وإنما هو إله واحد. إن تسلط الإله هو السلام، كل شيء يأوي ~~ويأتلف في الإله الواحد. # ثم سكت حينا واستأنف قائلا: لأجل أن نحقق الإله يجب على الإنسان أن ينحاز وأن ~~يضيق؛ فليس الإله إلا متفرقا. إن الآلهة منقسمون؛ الإله الواحد لا حد له، الآلهة ~~الكثيرون محليون. # ثم عاد إلى الصمت واستأنف الحديث في صوت قلق، ولكن متقطع: ولكن ما سر هذا كله أيها ~~الإله الواضح؟ ما أصل هذا العناء؟ ما أصل هذا الجهد؟ ونحو ماذا؟ ما علة الوجود؟ وما علة ~~البحث عن علة لكل شيء؟ كيف نتجه؟ وأين نقف؟ متى نستطيع أن نقول لقد انتهى كل شيء ~~آمين؟! كيف الوصول إلى الإله حين نبدأ من الإنسان؟ وإذا بدأت من الإله فكيف أصل إلى ~~نفسي؟ ولكن أليس من الممكن ms71 أن يكون الإله من صنع الناس كما أن الناس من صنع الإله؟ في ~~مفترق الطريق هذا، في قلب هذا الصليب يريد عقلي أن يثبت. # وكان وهو يتحدث على هذا النحو يتصبب عرقا وتظهر عروق جبهته منتفخة، أو ظهر لي ~~ذلك على الأقل، فلم أكن أستطيع أن أتبينه في الضوء الضئيل، ولكني كنت أسمعه يلهث كمن ~~بذل جهدا عظيما. # ثم سكت لحظة واستأنف قائلا: لست أدري أين يبدأ الإله، وأنا أقل علما بأين ~~ينتهي! بل لعلي أحسن التعبير عما في نفسي إن قلت إن بداءته لا تنتهي. آه! لقد ~~سكرت بإذن وبلئن وبما دام! وبهذا التخليط والاستنتاج. # لن أصل إلى قياس أجمل من الذي وصلت إليه أول الأمر. فإذا كنت قد وضعت فيه الإله فإني ~~واجده، ولا أجده إلا إن وضعته. لقد جبت طرق المنطق كلها في اتجاهها الأفقي حتى ~~تعبت من الأسفار. إني لأزحف، إني لأريد أن أصعد، أن أخلص من ظلي، من مادتي ~~القذرة، أن أتخفف من ثقل ماضي. # إن أفق السماء ليدعوني. يا للشعر! يخيل إلي أن نفسا علويا يجذبني. أي عقل ~~الإنسان: لأصعدن إلى حيث تستطيع أن ترقى. إن أبي الخبير في الرياضة سيهيئ لي الوسيلة ~~إلى ذلك. سأذهب وحدي؛ إن لي من الجراءة ما يمكنني من هذا، سأؤدي الثمن، لا سبيل ~~إلى الخروج من هذا. أيها العقل الرائع الذي طال تخبطه في المشكلات ستندفع في طريق ~~غير معبدة. لست أدري ما هذا السحر الذي يدعوني، ولكني أعلم أن ليست هناك إلا غاية ~~واحدة هي الإله. # ثم تركنا راجعا أدراجه حتى بلغ الأستار فأزالها واستخفى من دونها وردها كما كانت. ~~قال ديدال: يا له من طفل بائس عزيز! لم يكن يدري كيف يفلت من اللابيرنت؛ لأنه لم يكن ~~يعلم أن اللابيرنت إنما هو في نفسه، فصنعت له مستجيبا لدعائه جناحين يتيحان له أن ~~يطير. كان يرى أن لا طريق له إلا السماء بعد أن أخذت عليه طرق الأرض. وكنت أعرف ~~فيه نزعة صوفية؛ فلم تدهشني رغبته. رغبته ms72 لم تبلغ غايتها كما رأيت؛ فعلى رغم تحذيري ~~أراد أن يصعد أكثر مما ينبغي! أسرف في تقدير قوته فهوى إلى البحر، وفيه لقي الموت. ~~صحت دهشا: كيف يكون ذلك؟ لقد رأيته الآن حيا! # أجاب: نعم! لقد رأيته الآن وخيل إليك أنه حي، ولكنه قد مات. وهنا أخشى يا ~~ثيسيوس ألا يستطيع عقلك - على أنه يوناني دقيق متقبل للحقائق كلها - ألا يتبعني؛ ~~فأنا نفسي قد احتجت إلى وقت طويل لأفهم ما يأتي وأطئمن إليه. كل واحد منا لا ~~يحيا حياته الخاصة المقسومة له إذا تبين أن ميزانه ثقيل حين توزن النفوس؛ فهو في ~~حياته الإنسانية ينمو ويتم ما كتب له ثم يموت. # ولكن الزمن نفسه لا يوجد بالقياس إلى حياة أخرى؛ وهي الحياة الصحيحة الخالدة التي ~~ترتسم فيها كل حركة بمعناها الدقيق الذي تدل عليه. فقد كان إيكار قبل أن يولد - ~~وهو الآن بعد أن مات - صورة القلق الإنساني والبحث والطموح والشعر، وهو قد تقمص هذا ~~كله أثناء حياته القصيرة. # أدى مهمته كما كان ينبغي أن يؤديها، ولكن أمره لا يقف عنده وحده، كذلك شأن ~~الأبطال جميعا؛ فإن أعمالهم تبقى ثم يتناولها الشعر والفن فتصبح ~~رموزا خالدة ؛ ومن هنا ظل أوريون # 1 # الصائد يتتبع في حقول البرواق في دار الموتى تلك الوحوش التي قتلها في ~~حياته، على حين صارت صورته نجما في السماء. # ومن هنا ظل تنتال # 2 # ظمئا إلى آخر الدهر؛ وظل سينريف # 3 # يرفع نحو القمة التي لا تنال صخرته الثقيلة التي لا تكاد تبلغ القمة حتى ~~تهوي، تصور بذلك ذلك الهم الملح الذي لزم سيزيف حين كان ملكا لكورنت. فقد ينبغي ~~أن تعلم أن ليس في دار الموتى عقوبة إلا استئناف الأعمال التي لم تتم. # الأمر في ذلك كالأمر في أنواع الحيوان كلها، تموت الأشخاص دون أن يؤثر موتها في ~~بقاء النوع ونموه؛ فليس بين الحيوان شخص، على حين أن الفرد وحده هو صاحب الخطر في ~~النوع الإنساني. # ومن هنا تستطيع أن تقول إن مينوس يحيا الآن في ms73 مدينته كنوسوس حياة هي ~~مقدمة لحياته القضائية في الدار الآخرة، كما أن باسيفاييه وأريان تستجيبان لما كتب ~~عليهما القضاء. وأنت نفسك يا ثيسيوس على ما يظهر وما تعتقد من استخفافك بكل شيء، لن ~~تفلت كما لم يفلت هيرقل وجازون # 4 # وبرسيه # 5 # من هذا القضاء الذي فرض على كل واحد منكم نفسه، ورسم له طريقه. # ويجب أن تعلم - فقد أتيح لي أن أستنبط المستقبل من الحاضر - أن أمامك أعمالا ~~جليلة يجب أن تتمها، وهي من نوع آخر يخالف ما قدمت من عمل فيما مضى؛ ~~أعمال ستصغر أمامها مآثرك التي أتممتها إلى الآن. عليك أن تنشئ أثينا وأن تقيم فيها ~~سلطان العقل. # فلا تضيع وقتك في اللابيرنت، ولا تضيعه بين ذراعي أريان حين تخرج من اللابيرنت ~~ظافرا؛ امض لطيتك، وانظر إلى الكسل على أنه خيانة، وخذ نفسك بألا تلتمس ~~الراحة إلا حين تتم ما كتب عليك، وحين تأوي إلى الموت. # وكذلك تستطيع بعد هذا الموت الظاهر أن تستأنف حياة متصلة متجددة فيما ~~يدين الناس لك به من جميل. امض لطيتك، امض أمامك، امض في طريقك أيها الفتى ~~الشجاع مجمع المدن. # واسمع لي الآن يا ثيسيوس واحفظ ما أقول لك: ستنتصر على المينوتور في أكبر الظن دون ~~كثير عناء؛ فليس هو من البأس بحيث يقال. لقد قيل إنه يعيش على لحم الإنسان، ولكن متى ~~رأيت الثيرة تعيش على شيء آخر غير ما تنبت المروج؟ إن دخول اللابيرنت يسير، ولكن ليس ~~أشد عسرا من الخروج منه. # لا سبيل إلى أن يجد الإنسان نفسه فيه إلا بعد أن يضل أول الأمر؛ ولن تستطيع أن ترجع ~~أدراجك؛ فليس للخطو فيه أثر؛ فيجب إذن أن تصل نفسك بأريان بهذا الخيط الذي ~~أعددت لك منه قدرا حسنا، فخذه معك وأرسله كلما تقدمت، وكلما انتهت خصلة منه ~~فصلها بخصلة أخرى بحيث لا ينقطع. فإذا أردت الرجوع فأدر هذا الخيط قليلا قليلا ~~حتى تبلغ أوله الذي أمسكت به أريان. لست أدري لماذا ألح إلى هذا الحد، فكل هذا يسير ms74 ~~جدا، إنما العسير أن تحتفظ إلى آخر خيط بالعزم الصادق على أن تعود. وسيصطلح الأرج وما ~~يبعث في نفسك من نسيان وحب الاستطلاع لها وأشياء أخرى كثيرة على إضعاف هذا العزم. ~~لقد قلت لك هذا آنفا، ولم يبق لدي شيء آخر؛ هاك الخيط، وداعا. # تركت ديدال ولحقظ بأريان. # | الفصل التاسع # وهذا الخيط هو الذي أثار أول خصومة بين أريان وبيني؛ فقد أرادت أن أدفعه إليها، ~~وأن تحتفظ به في حجرها زاعمة أن من عمل النساء جمع الخيط ~~وتفريقه، وأنها في ذلك ماهرة صناع، ولكنها في حقيقة الأمر كانت تريد أن ~~تسيطر على مصيري، وهذا هو الشيء الذي لم أكن أرضاه مهما تكن الظروف. وكنت أقدر أيضا ~~أنها ستحرص على استبقائي فلا ترسل الخيط إلا في بطء، وقد تشده إليها إن أرادت فتحول ~~بيني وبين المضي إلى غايتي كما أريد. # وقد أصررت على الامتناع رغم سلاحها الأخير وهو الدموع؛ لأني كنت أعلم أن من شأن ~~النساء إذا نزلت لهن عن أيسر الأمر ألا يرضين إلا بأكثره. أسلم لهن الأصبع الصغرى ~~فستتبعها اليد، ثم الذراع، ثم سائر الجسم. # ولم يكن هذا الخيط متخذا من الكتان ولا من الصوف، وإنما اتخذه ديدال من مادة صلبة ~~لم يستطع سيفي حين جربته أن يصنع فيها شيئا. وقد تركت سيفي عند أريان مصمما - رغم ~~ما بينه لي دايدال من أن الأداة تمنح الإنسان قوة إلى قوة - على أن أصرع المينوتور ~~بقوة ذراعي وحدها. # فلما بلغت مدخل اللابيرانت - وهو رواق تزينه الفأس المثناة؛ وهي علامة شائعة في ~~الجزيرة - ألححت على أريان في أن تلزمه ولا تفارقه، وقد حرصت على أن تدير الخيط حول ~~معصمي بعقدة زعمت أنها عقدة الزواج، ثم ألصقت شفتيها بشفتي وقتا حسبته لن ينقضي؛ فقد ~~كنت حريصا على أن أتقدم. # وكان رفاقي الثلاثة عشر من الفتيات والفتيان وفيهم بيريتوس قد سبقوني. وقد وجدتهم في ~~الحجرة الأولى وقد أذهلهم الأرج، وقد أنسيت أن أقول إن ديدال قد أعطاني مع ~~الخيط قطعة من النسيح قد غمسها ms75 في مادة مضادة لهذا الطيب، وألح علي في أن أكمم بها ~~فمي دائما؛ وأن أريان كانت قد استأثرت بهذه القطعة أيضا عند الرواق. وبفضل هذه ~~الكمامة استطعت أن أحتفظ بصوابي وإرادتي، ولكني كنت أختنق شيئا، فقد تعودت - كما قلت ~~- ألا أجد الحياة الكاملة إلا في الهواء الطلق، فكان هذا الهواء المغلق يضايقني بعض ~~الشيء. # وتقدمت مرسلا الخيط حتى بلغت الحجرة الثانية، فإذا هي أشد إظلاما، ثم بلغت ~~أخرى أشد إظلاما، ثم انتهيت إلى أخرى لم أكن أتقدم فيها إلا متحسسا. ولكن يدي ~~وهي تتبع الحائط لقيت مفتاح باب أدرته فانفتح لي على ضوء ساطع، وإذا أنا أبلغ حديقة، ~~وأرى أمامي - على أرض مبسوطة قد نسقت فيها شقائق النعمان والخزامى والنسرين والقرنفل ~~- المينوتور مستلقيا مسترخيا. وكان نائما من حسن حظي؛ وكنت خليقا أن أتعجل، وأن ~~أستفيد من نومه، ولكن هذا النوم نفسه كان يقفني، وكان الوحش جميلا، وكان أمره كأمر السنتور # 1 # قد اجتمعت له والتأمت فيه ملامح من الإنسان والحيوان، وكان شابا، وكان ~~شبابه يضيف إلى جماله ظرفا لم أكن أحققه، وكان هذا كله سلاحا أقوى بالقياس إلي من ~~القوة، فلم يكن لي بد من أن أستحضر شجاعتي كلها؛ فلا سبيل إلى الجهاد المنتج إلا مع ~~شيء من البغض. ولم أكن أستطيع أن أبغضه، بل لبثت وقتا أمعن النظر إليه، ولكنه ~~فتح إحدى عينيه فتبينت أنه أبله، ورأيت أن قد آن الوقت للإقدام. # ولست أستطيع أن أذكر ما صنعت، ولا ما كان على وجه التحقيق؛ فقد كانت الكمامة ~~تأخذ علي التنفس، ولكني مع ذلك لم أفلت من تأثير الأرج حتى أصابني من ذلك ~~ضعف في الذاكرة؛ فإذا كنت قد انتصرت على المينوتور فإني لم أحتفظ من ذلك إلا بأثر ~~مختلط لا يخلو من لذة. # ولست أبيح لنفسي أن أخترع ولا أن أتكثر، ولكني أذكر كذلك أن جمال الحديقة كاد ~~يلهيني عن نفسي، ولم آخذ في إدارة الخيط بعد أن انتصرت على المينوتور لأجد أصحابي في ~~الحجرة الأولى إلا أسفا. وقد ms76 رأيتهم حول مائدة قد جمعت عليها ألوان من الطعام لا أدري ~~كيف جاءت، ولا من جاء بها، وهم يزدردون ويعبون ويعبث بعضهم بأجسام بعض، ويضحكون ~~كأنهم المجانين أو البله. # فلما هممت أن أخرجهم أبوا علي وأعلنوا إلي أنهم راضون حيث هم، وأنهم ~~لا يريدون خروجا. وقد ألححت عليهم وأنبأتهم أني أحمل إليهم الخلاص وإذا هم يتصايحون: ~~الخلاص من ماذا؟! ثم أخذوا يسبونني، وقد أحزنني هذا كثيرا لمكان بيريتوس، فقد كان ~~يتميزني في مشقة، ويعيب الشجاعة، ويسخر من شجاعته هو، ويعلن في غير ~~تحفظ أنه لن يفارق لذته الحاضرة في سبيل المجد مهما يكن. # ولم أكن أستطيع أن ألومه؛ فقد كنت أعلم أني لولا احتياط ديدال لتورطت في مثل ~~ما تورطوا فيه. ولم أستطع أن أخرجهم إلا حين اصطنعت معهم العنف، وأعملت فيهم الوكز ~~واللكز. وقد كانوا مثقلين بكثرة ما أكلوا وشربوا وسكروا، فلم يستطيعوا أن ~~يقاوموا. # فلما خرجوا من اللابيرنت احتاجوا إلى وقت أي وقت، وجهد أي جهد، ليستردوا صوابهم ~~ويثوبوا إلى أنفسهم. على أنهم لم يفعلوا ذلك إلا محزونين، وقد حدثوني فيما بعد أنهم ~~كانوا يرون أنهم يهبطون من قمة عالية يشع عليها النعيم إلى قرارة واد ضيق مظلم ~~ضئيل؛ لأن كل واحد منهم قد عاد إلى سجنه الخاص، وهو شخصه المحدود الذي لا إفلات منه. ~~ومع ذلك فقد جعل بيريتوس بعد قليل يحس الندم على هذه الصنعة العابرة التي تورط فيها، ~~ويؤكد أنه سيشتري نفسه أمام نفسه وأمامي بكثير من حسن البلاء. وما أسرع ما أتيحت له ~~الفرصة ليثبت إخلاصه لي. # | الفصل العاشر # لم أكن أخفي عليه شيئا؛ فقد كان يعرف وجدي بأريان ووجدي عليها، بل لم أكن أخفي ~~عليه أني كنت متيما بفيدر، وإن لم تكن قد تجاوزت الصبا بعد. كانت في ذلك الوقت ~~تكثر من اصطناع أرجوحة قد علقت إلى نخلتين، وكنت إذا رأيتها تترجح على هذا النحو، ~~وتعبث الريح بثوبها أخذني شيء يشبه الدوار. # ولكني كنت أدير رأسي مسرعا، وأخفي ميلي متحفظا إذا ظهرت أريان ms77 أخشى أن تثور ~~غيرة الأخت الكبرى. ومن الشر أن يقصر الإنسان في إرضاء ما يساور نفسه من رغبة؛ ولكن ~~لم يكد بد من اصطناع الحيلة والمكر لتحقيق ما كان يدور في خلدي من خطف هذه الصبية. ~~هنالك ابتكر بيريتوس وسيلة إلى تحقيق مأربي، دلت على ما كان يمتاز به من سعة الحيلة. ~~وكانت إقامتنا في الجزيرة تطول وإن لم أكن أفكر كما لم تكن أريان تفكر إلا في ~~السفر، ولكن الشيء الذي كانت أريان تجهله هو أني كنت مصمما على ألا أترك ~~الجزيرة إلا ومعي فيدر. وكان بيريتوس يعلم ذلك. وهاك الحيلة التي أعانني بها: # كان أكثر حرية مني؛ فقد كانت أريان تأخذ علي كل طريق، وكان من أجل ذلك قد استطاع ~~أن يدرس شئون الجزيرة ويعرف من عاداتها ما كنت أجهل؛ قال لي ذات صباح: أظن أني قد ~~بلغت الغاية؛ تعلم أن هذين الحكيمين مينوس ورادامونت قد نظما أخلاق الجزيرة وسيرة ~~أهلها، ونظما بنوع خاص شئون هذا الحب البغيض الذي يعطف أهل الجزيرة على الغلمان كما ~~ترى ذلك في ثقافتهم، إلى حد أن كل فتى قد بلغ الحلم ولم يكن له خليل من الذين يكبرونه ~~في السن يتعرض لكثير من الازدراء والضعة؛ لأنه إن كان رائع الجمال فيجب أن يكون ~~فيه عيب يتصل بعقله أو جسمه، ويصرف عنه الخلان. # وقد أفضى إلي جلوكوس أصغر أبناء مينوس، والذي يشبه فيدر حتى كأنه ضريبها، بما ~~يثير ذلك في نفسه من هم. وقد حاولت أن أغريه بأن لقب الإمارة الذي ~~يحمله قد أرهب الناس فلم يسم إليه منهم أحد، فكان يجيبني بأن هذا ~~ممكن، ولكنه محزن له؛ ويجب أن يعلم الناس أن هذا يحزن مينوس نفسه؛ لأن ~~مينوس لا يحفل عادة بتفاوت الطبقات ولا باختلاف الدرجات، ومع ذلك فقد يسره أن يرى ~~أميرا ممتازا مثلك يعنى بابنه. # وقد قدرت أن أريان التي تغار من أختها أشد الغيرة لن تغار من أخيها. فلم ير الناس ~~امرأة تغار من غلام. وعلى كل حال فسترى ms78 أن من غير اللائق أن تظهر شيئا من الريبة، ~~فتستطيع أن تقدم في غير خوف. # صحت به: وهل تظن أن الخوف يقضي عن شيء، ولكني وإن كنت يونانيا لا أسيغ مثل هذا ~~الحب لغلام مهما يكن حظه من الجمال والظرف، أختلف في ذلك عن هيرقل الذي أترك له في غير ~~أسف خليله هيلاس، # 1 # ومهما يكن الشبه بين صاحبك جلوكوس وبين فيدر فإني أريدها هي لا هو. # قال: لم تفهم عني، فلست أقترح عليك أن تستصحب جلوكوس مكان فيدر، وإنما أعرض عليك ~~أن تستصحب فيدر مكان جلوكوس، وأن تخدع أريان وتخدع الناس جميعا فتخيل إليهم أنك ~~ستستصحب الفتى. اسمع وافهم عني، إن من العادات التي أقرها مينوس نفسه في الجزيرة أن ~~يستصحب الخليل فتاه ليعيش معه في داره شهرين كاملين، ثم يعلن الغلام بعد ذلك إلى الناس ~~أنه راض عن خليله، وعن سيرته معه. واستصحابك لجلوكوس هذا الموهوم معناه أن تحمله إلى ~~هذه السفينة التي جاءت بنا من بلاد اليونان، فإذا اجتمعنا في السفينة ومعنا فيدر ~~مستخفية ومعنا أريان التي تحرص على مرافقتها؛ فأبحر بالسفينة مسرعا حتى تبعد عن ~~الساحل. # ولأهل أقريطش سفن كثيرة، ولكنها أبطأ جريا من سفننا، فإذا طلبونا فمن اليسير أن ~~نفوتهم. تحدث في هذا إلى مينوس وثق بأنه سيرضى عنه بشرط أن تقنعه بأنك ستستصحب ~~جلوكوس لا فيدر، فلن يحلم بخليل مؤدب لجلوكوس خيرا منك. ولكن قل لي أواثق أنت بأن ~~فيدر راضية بصحبتك؟ ~~- لست أدري الآن؛ فإن أريان معنية بألا أخلو إلى أختها بحيث لم أستطع أن ~~أوذنها بذلك ... ولكني واثق بأنها لن تتردد في صحبتي حين تعلم أني أوثرها ~~على أختها. # وكان يجب قبل كل شيء أن أهيئ أريان نفسها لهذه الخطة؛ فأفضيت إليها بالأمر مخادعا ~~لما دبرنا. # فلم تكد تسمع لي حتى صاحت: يا لها خطة رائعة! كم أنا سعيدة بالسفر مع أخي الصغير؛ إنك ~~لا تدري إلى أي حد أحبه وأوثره لظرفه وخفته. إنا متفقان دائما، وعلى ما بيننا من ~~اختلاف السن، ms79 فهو آثر الرفاق إلي. ليس شيء أجدر أن يوسع أفقه ويفتح عقله من إقامة ~~في بلد أجنبي. سيتقن اليونانية في أثينا، وهو يتكلمها على نحو لا بأس به، ولكنه ~~يصطنع لهجة أجنبية سيصلحها في وقت قصير، وستكون له قدوة صالحة، وددت لو يحرص على ~~أن يشبهك. # وقد كنت أترك هذه البائسة تقول غير عالمة بما كان يخبأ لها. # وكان من الواجب أيضا أن ننبه جلوكوس لنتقي كل خطر. وقد نهض بيريتوس ~~بهذه المهمة، وقد أنبأني بعد ذلك بأن الفتى أحس شيئا كثيرا من خيبة الأمل؛ فقد ~~كان يؤثر بالطبع أن يسافر هو، ولم يكن بد من إثارة حبه لأخته وعطفه عليها ~~ليقبل الاشتراك في هذا التدبير. وكان يجب أن ننبه فيدر أيضا؛ فقد كانت خليقة أن ~~تصيح إذا اختطفت قسرا أو مكرا. ولكن بيريتوس اعتمد على أن الصبيين سيجدان في هذا ~~التدبير ما يلهيهما، فسيعبث جلوكوس بأبويه، وستعبث فيدر بأختها. # وإذن فقد دخلت فيدر في الزي المألوف لجلوكوس، وكانت قامتاهما متعادلتين؛ فلما أخفت ~~شعرها وسترت أسفل وجهها لم يكن من الممكن أن تفطن أريان للخدعة. # ومن المحقق أني كنت آلم لاضطراري إلى خيانة مينوس الذي بالغ في الإحسان ~~إلي. وقد تحدث إلي بما كان ينتظر من الأثر الحسن الذي ستتركه صحبتي ~~في نفس ابنه، وقد كنت ضيفه، فقد خفرت ذمة مضيفي، ولكني لم أحفل - وليس من شأني أن ~~أحفل - بهذا التردد الذي يبقيه وخز الضمير، وكنت أوثر إرضاء رغباتي على ~~الاعتراف بالجميل، وعلى مراعاة اللياقة، فكل شيء مباح، ولا بد مما ليس منه ~~بد. # وقد سبقتنا أريان إلى السفينة لتهيئ لنفسها فيها مكانا ملائما. ولم نكن ننتظر إلا ~~فيدر لنسلم سفينتنا إلى الهرب. لم نختطفها حين أغلق الليل كما دبرنا أول الأمر، بل ~~بعد عشاء الأسرة التي حرصت على أن تشارك فيه، ثم اعتلت بما ألفت من ترك الأسرة في أثر ~~العشاء مقدرة أن أحدا لن يفطن لسفرها قبل أن يشرق النهار. وكذلك مضى كل شيء على ~~ما كنا نهوى، ms80 وكذلك هبطت إلى أتيكا مع فيدر بعد أيام. وبعد أن أنزلت أختها الجميلة ~~المتعبة أريان في جزيرة ناكسوس. # 2 # وقد عرفت حين وصلت أرضنا أن إيجيه أبي لم يكد يرى القلاع السود التي ~~أهملت أن أضع مكانها القلاع البيض كما اتفقنا حتى ألقى نفسه في البحر؛ وقد أشرت إلى ~~ذلك آنفا، ولست أحب أن أعود إليه. وإنما أضيف أني رأيت فيما يرى النائم أثناء ~~الليلة الأخيرة أني أصبحت ملكا لأتيكا ... ومهما يكن من شيء فقد كان هذا اليوم يوم عيد ~~للشعب ولي؛ لأننا عدنا فيه سالمين، ولأني ارتقيت إلى العرش، ويوم حداد لموت أبي. ~~ومن أجل ذلك أنشأت من الفور حفلات تتبادل فيها الجوقات أغاني الحزن وأغاني الابتهاج، ~~وحرصت مع أصحابي الذين نجوا أن نشارك بالرقص في هذا الحفل؛ حزن وابتهاج! كان من ~~الملائم أن نمسك الشعب على هاتين العاطفتين المتناقضتين. # | الفصل الحادي عشر # وقد لامني اللائمون بعد ذلك في سيرتي مع أريان؛ قالوا إني سرت معها سيرة الجبن، ~~ولم يكن يجمل بي أن أدعها، وأن أدعها في جزيرة بنوع خاص. سخف؛ فقد كنت حريصا على ~~أن أجعل البحر بينها وبيني؛ فقد كانت تتبعني كما يتتبع الصائد صيده في إلحاح. # ولما استكشفت ما دبرت من مكر، وعرفت أختها في زي جلوكوس ثار ثائرها، وجعلت تدفع ~~صيحات موقعة، ووصفتني بالخيانة. فلما أثقلت علي واضطرتني إلى أن أنبئها بأني ~~سأنزلها في أول جزيرة تدفعنا إليها الريح التي أخذت تثور، أنذرتني بقصيدة ستنشئها ~~تصور فيها هذا الهجر الوضيع. # أجبتها على الفور أنها لن تستطيع أن تصنع خيرا من هذه القصيدة التي ستكون رائعة ~~من غير شك إن جاز أن أحكم بما كنت أرى من ثورتها ولهجتها الغنائية الصادقة، ~~وستكون هذه القصيدة معزية تسليها عن حزنها. ولكن كان كل ما كنت أقول لها يزيد ثورتها ~~حدة والتهابا. وكذلك شأن النساء حين يراد ردهن إلى العقل. أما أنا فأسلم نفسي ~~دائما لغريزة تدفعني السذاجة إلى أن أثق بها. # فقد دفعتنا الريح إلى جزيرة ناكسوس فتركتها ms81 هناك، وعلمت فيما بعد أن ديونيزوس ~~لحق بها واتخذها لنفسه زوجا. ولعل معنى ذلك أنها تسلت بالخمر. ويقال إن الإله قد ~~أهدى إليها يوم الزفاف تاجا من صنع إيفايستوس، # 1 # وإن هذا التاج يتلألأ الآن بين نجوم السماء، وإن ذوس قد استقبلها في ~~الأولمب ووهب لها الخلود. # ويقال إنها شبهت بأفروديت؛ وقد تركت هذا كله يشاع، بل حرصت على أن أسكت الألسنة ~~المتهمة لي، فبذلت ما استطعت لتأليهها، واستحدثتت لها عبادة خاصة تكلفت أن أشارك ~~فيها بالرقص. ومن الحق أنها ما كانت لتظفر بكل هذا الامتياز لو لم تلق مني ~~هذا الهجران. # وهناك أحداث منحولة غنيت بها الأساطير: كاختطاف هيلانة # 2 # وهبوط بيريتوس إلى دار الموتى، واستحياء بروزربين؛ # 3 # فلم أحاول أن أكذب ما أشيع حول أريان من مثل هذه الأساطير رغبة في ~~أن يبعد صوتي ويعظم خطري، بل لعلي أضفت إلى هذه الأساطير أساطير أخرى لأمسك الشعب ~~على الإيمان، وأمنعه من هذا الاستعداد للسخر من كل شيء، كما يظهر هذا واضحا عند أهل ~~أتيكا؛ فقد يكون من الخير أن يتحرر الشعب، ولكن بشرط ألا يتخذ السخرية ~~وسيلة إلى هذا التحرر. # والحق أني منذ عدت إلى أتينا احتفظت بالوفاء لفيدر. فقد تزوجت من المرأة ومن ~~المدينة جميعا ؛ كنت زوجا، وانتقل إلي الملك من طريق الوراثة. وكنت أقول لنفسي: لقد ~~انتهى عصر المغامرات؛ فليس المهم الآن أن أفتح، وإنما المهم أن أملك. # ولم يكن الملك شيئا يسيرا؛ فلم تكد أثينا توجد في ذلك الوقت، وإنما كانت أتيكا ~~مجموعة من قرى صغيرة ينافس بعضها بعضا في التفوق، وينشأ عن هذا التنافس ألوان من ~~الخصومات والغارات والصراع الذي لا ينتهي. فكان يجب أن أوحد هذا كله، وأن أركز ~~السلطان، وهو شيء لم أظفر به إلا بعد مشقة وجهد بذلت في سبيله القوة والحيلة. # وكان أبي إيجيه يرى أن يثبت سلطانه باستبقاء الخلاف بين القرى. # وقد لاحظت أن هناءة المواطنين يضيعها الاختلاف، وتبينت أن أكثر الشر إنما ~~يأتي من تفاوت الثروة، وحرص كل فرد ms82 على أن ينمي ثروته. ولم أكن أنا حريصا ~~على الثراء، وإنما كنت معنيا بالمصلحة العامة بمقدار عنايتي ~~بمصلحتي، بل أكثر من عنايتي بمصلحتي، فقد أعطيت القدوة حين أخذت نفسي بحياة بسيطة، ثم ~~قسمت الأرض قسمة عدلا بين المواطنين، فألغيت التنافس والتفوق وما ينشأ عنهما من ~~الآثام. وكانت خطة قاسية أرضت الفقراء من غير شك وهم كثرة الناس، ولكنها أسخطت ~~الأغنياء؛ لأني نزعت منهم بعض ما كانوا يملكون. وكان الأغنياء قليلين، ولكنهم ~~كانوا مهرة؛ وقد جمعت أجلهم خطرا وقلت لهم: إني لا أحفل بشيء كما أحفل بالقيمة ~~الفردية، ولا ألتفت إلى غيرها من المزايا. لقد عرفتم كيف تثرون بما لكم من مهارة ~~ودراية بجمع الثروة وتنميتها، ولكنكم اتخذتم الجور والبغي سبيلا إلى الثراء في أكثر ~~الأحيان. والخصومة التي تثور بينكم تعرض الدولة للخطر، وأنا أريد أن تكون الدولة ~~قوية بمأمن مما تكيدون. بهذا وحده تستطيع أن تنعم وأن تقاوم غارة العدو. # إن هذا الطمع البغيض في المال الذي يغريكم لا يكفل لكم السعادة لأنه لا يرضى؛ ~~فكلما اكتسب الإنسان تمنى أن يزداد كسبه. سأنقص إذن ثروتكم بالقوة (التي أملكها) إذا ~~لم تذعنوا لهذا راضين، ولن أحتفظ لنفسي إلا بحماية القوانين وقيادة الجيش، فأما ما ~~دون ذلك فلا يعنيني . # وأنا أريد أن أعيش بعد أن وليت الملك كما كنت أعيش قبل ذلك على حظ من ~~المساواة مع أهون الناس شأنا. وسأعرف كيف أفرض احترام القانون وكيف أفرض احترامي إذا ~~لم أفرض خوفي. وأريد أن يقال من حولنا إن أتيكا تدبر أمرها حكومة شعبية لا حكومة ~~طاغية؛ فكل مواطن سيستمتع بما يستمتع غيره به من الحقوق السياسية، لا عبرة بما يكون ~~بينهم من اختلاف المولد. فإذا لم تقبلوا ذلك عن رضا فقد أنبأتكم بأني أستطيع أن ~~أحملكم عليه كرها. # سأهدم - بل سأمحو - من الأرض محاكمكم الصغيرة المحلية، وسأهدم وأمحو من الأرض مجالسكم ~~الإقليمية، وسأجمع تحت الأكروبول ما أخذ الناس يسمونه أثينا، وقد وعدت الآلهة ~~الذين سيعينونني بأن الأجيال المقبلة لن تعظم إلا اسما ms83 واحدا هو اسم أثينا. ~~وسأحرر مدينتي لبلاس. # 4 # فأما الآن وقد سمعتم فانصرفوا وأطيعوا. # ثم أضفت العمل إلى القول، فنزلت عن مظاهر الملك ودخلت في الصف، ولم أتهيب أن ~~أظهر للناس جميعا بغير حرس شأني في ذلك شأن المواطنين جميعا. ولكني كنت أعنى ~~دائما بالشئون العامة محافظا على الوفاق مقرا للنظام. # وقد استمع بيريتوس لهذه الخطبة التي ألقيتها على السادة، فقال لي: إنها خطبة رائعة، ~~ولكنها سخيفة. وكان يعلل ذلك بأن المساواة بين الناس ليست طبيعية، بل ليست شيئا ~~يبتغى؛ فمن العدل أن يتفوق الأخيار على طغام الناس بما تخولهم الفضيلة من ~~امتياز. # وهؤلاء الطغام إذا لم تثر بينهم التنافس والتزاحم والغيرة ظلوا هامدين خامدين أشبه ~~شيء بالماء الراكد الآسن؛ فليس لهم بد من حافز إلى العمل. # فاحذر ألا يدفعهم هذا الحافز إلى الثورة بك والانتقاض عليك، وسواء أردت أم لم ترد فإن ~~هذه التسوية الأولى التي تطمح إليها والتي تكفل للناس جميعا تكافؤ الفرص ليسعوا إلى ~~الحياة من مستوى واحد، ستنتهي قطعا إلى الاختلاف والتفاوت، فتنشأ طبقات تتأثر بما ~~يتمايز الأفراد به من الكفاية وحسن البلاء، ستنشأ طبقة العامة الشقية والأرستقراطية ~~السعيدة. # قلت: إني أقدر ذلك وأرجو أن يكون في وقت قريب، ولكني لا أدري لم تشقى العامة ~~إذا كانت هذه الأرستقراطية الجديدة التي سأرعاها أرستقراطية العقل لا أرستقراطية ~~المال. # ثم أردت أن يزداد حظ أثينا من الخطر والبأس؛ فأعلنت أنها تتلقى في غير تمييز ولا ~~تفريق كل من يقبل عليها ليقيم فيها مهما يكن وطنه الأول، وانطلق الدعاة من حول ~~المدينة يصيحون: «أيها الشعوب، هلم إلى أثينا.» وقد ذاع ذلك حتى بلغ أبعد الآماد. ~~أليس هذا هو الذي حمل أوديب ذلك الملك المخلوع البائس على أن يسعى إلى أتيكا يلتمس ~~فيها الجوار والحماية ويموت فيها آخر الأمر، ويتيح لي أن أكسب لهذه الأرض هذه البركة ~~التي كتبها الآلهة لمثواه الأخير؟ سأتحدث عن هذا الموضوع بعض الشيء. # وقد ضمنت للقادمين على أثينا نفس الحقوق التي يستمتع بها المواطنون الأولون، ms84 ~~مؤجلا كل تفرقة إلى ما يسفر عنه الاختبار. فالاختبار وحده هو الذي يميز الخبيث ~~من الطيب. ولم أرد أن أحكم على أحد قبل أن أتبين بلاءه، بحيث لا أحقق ~~تفرقة بين الآثينيين في الطبقة والمنزلة إلا لمصلحة النظام العام إذا اقتضت ~~الضرورة شيئا من ذلك بعد الاختبار. # وكذلك استحق الآتينيون وحدهم بفضلي أنا اسم «الشعب» الذي أطلق عليهم ولم يطلق إلا ~~عليهم. هذا هو المجد الذي كسبته لنفسي والذي يربى على كل ما شيدت قديما من مأثرة، وهو ~~مجد لم يبلغه هيرقل ولا جازون ولا بلليروفون ولا برسيه. # ولم يتبعني مع الأسف بيريتوس زميل الصبا. أما الأبطال الذين سميتهم وأبطال آخرون ~~من أمثال ميلياجر # 5 # وبيليه؛ # 6 # فإنهم وقفوا عند مآثرهم الأولى أو مأثرتهم الأولى ولم يستطيعوا أن ~~يتجاوزوها. ولم أرد أنا أن أقف عند هذه المآثر، وكنت أقول لبيريتوس: هناك وقت ~~لتحرير الأرض من الخوف الذي تثيره الوحوش، ووقت آخر لاستثمار هذه الأرض المحررة؛ وقت ~~لتحرير الناس من الخوف، ووقت آخر لتمكينهم من الانتفاع بهذا التحرير وما يتيح لهم من ~~أمن وسعة. # ولا سبيل إلى هذا إلا النظام الدقيق. ولست أقبل أن يقف الرجل جهوده على نفسه كما ~~يفعل البيوثيون، # 7 # ولا أن يجعل السعادة الخاملة غايته التي يسعى إليها . وكنت ~~أعتقد أن الإنسان ليس حرا وأنه لن يكون حرا، وليس من الخير أن يكونه. ~~ولكني لا أستطيع أن أدفعه إلى أمام دون رضا، ولا أن أبلغ منه الرضا إلا إذا خيلت إلى ~~الشعب أنه حر. أردت أن أرتفع به ولم أقبل أن يظل راضيا بما قسم له حانيا رأسه ~~من الذل. وكنت أرى أن الإنسانية تقدر على أكثر من هذا، وهي أكرم من أن ترضى ~~بهذا. وكنت أذكر ما ألقى إلي ديدال من العلم حين كان يزعم أن يورث الناس أسلاب ~~الآلهة. وكانت قوتي تأتي من ثقتي بقدرة الإنسان على التقدم. # هنالك تخلف عني بيريتوس ولم يتبعني، وكان قد رافقني وأعانني كثيرا أثناء الشباب، ~~ولكني تبينت أن استبقاء ms85 الصداقة يقفنا عن السعي أو يردنا إلى وراء. هناك مواقف لا ~~يستطيع الإنسان أن يتجاوزها إلا وحيدا. وإذ كان بيريتوس راجح العقل فقد ظللت أسمع ~~لأحاديثه دون أن أزيد على ذلك شيئا. وقد تقدمت به السن، فجعل يترك حكمته تستنيم إلى ~~القصد والاعتدال، وهو الذي لم يكن يقنع بشيء. فلم تكن مشورته تهدف إلا إلى التحديد ~~والتقييد في كل شيء. # وكان يقول: ليس الإنسان خليقا أن نشغل به أنفسنا إلى هذا الحد. # وكنت أجيبه: وبماذا نشغل أنفسنا إذا لم نشغلها بالإنسان الذي لم يقل كلمته ~~الأخيرة بعد؟ # وكان يقول لي أيضا: هون عليك. ألم تقدم بين يديك ما يكفي من العمل؟ الآن وقد ~~ضمنت الرخاء والدعة لأثينا تستطيع أن تستريح إلى المجد وإلى سعادة الزوجية. # وكان يلح علي في أن أعنى بفيدر، ولم يكن مخطئا في هذه النصيحة على الأقل؛ فقد ~~يجب أن أقص الآن ما أصاب حياتي المنزلية من اضطراب، وهذا الحداد البغيض الذي أديت ~~به إلى الآلهة ثمن ما أتيح لي من نجاح، وما اتصفت به من عجب وتيه. # | الفصل الثاني عشر # لقد كانت ثقتي بفيدر لا حد لها، وكنت أراها تزداد جمالا وظرفا على مر الشهور؛ ~~وكانت حياتي كلها نقاء وطهرا. وكنت قد استنقذتها صبية من بيئتها السيئة ؛ ~~فلم أقدر أنها استبقت من هذه البيئة بعض دواعي الشر. # وليس من شك في أنها ورثت بعض خصال أمها، وكان اعتذارها فيما بعد بأنها غير ~~مسئولة، وبأن القضاء قد سخرها لما أراد، يقوم على بعض الحق. ولكن لم يكن هذا كل شيء، ~~وأظن أنها كانت تسرف في ازدراء أفروديت. والآلهة ذوو انتقام، فلم يغن عنها آخر الأمر ~~إلحاحها في ترضي الآلهة بالقربان والدعاء؛ فقد كانت فيدر تقية، كما كانت أسرتها، ~~ولكن كان مما يسوء أن جميع أعضاء الأسرة لم يكونوا يخلصون لإله بعينه؛ فقد كانت ~~باسيفاييه مخلصة لذوس، وكانت أريان مخلصة لديونيسوس. # أما أنا فكنت أعبد بلاس أتينيه وأعبد بوسيدون الذي تجمعني به صلة خفية، والذي كان قد ~~أخذ ms86 نفسه لشقائي بأن يستجيب لي حتى لم أدعه عبثا في يوم من الأيام. # أما ابني الذي ولدته لي الأمازون، والذي كنت أوثره أشد الإيثار، فقد كان يعبد ~~أرتيميس إلهة الصيد، وكان عفا مثلها بمقدار ما كنت أنا فاجرا في سنه. وكان يتتبع ~~الأدغال والغابات عاريا تحت ضوء القمر، ويتجنب القصر ومجالس الحكم ولقاء النساء ~~خاصة. ولم يكن يرضى عن نفسه إلا بين كلاب صيده، يتتبع بهن إلى أعلى قمم الجبال، وفي ~~أسفل الأودية والوهاد هرب الوحوش. # وكثيرا ما كان يروض الخيل الجامحة يجريهن على رمال الساحل ليقحمهن أمواج البحر. ~~ما كان أشد حبي له في أطواره تلك! فقد كان رائعا أبيا متمردا إلا علي بالطبع؛ ~~فقد كان يؤثرني بالإكبار والإجلال، ولكن على الأوضاع التي تحد من سلطان الإنسان وتفل ~~من عزمه. لقد كنت أريد أن أختصه بولاية عهدي، وكنت خليقا أن أنام هادئا ~~مطمئنا بعد أن أسلم أعنة الدولة إلى يديه النقيتين؛ فقد كنت أعرف فيه الامتناع على ~~الرغبة والرهبة جميعا. # ولم أقدر إلا بعد فوات الوقت أن من الممكن أن تصبو إليه نفس فيدر. وكان يجب علي أن ~~أقدر ذلك؛ فقد كان يشبهني حين كنت في سنه. وقد كانت الشيخوخة تسرع ~~إلي على حين كانت فيدر تحتفظ بشباب غريب. # ولعلها كانت لا تزال تحبني، ولكن كما يحب الآباء. وقد تعلمت على حساب نفسي ~~أن ليس من الخير أن تبعد آماد السن بين الزوجين. ومن أجل ذلك لا ألوم فيدر في هذا ~~الحب الذي لا يخالف قوانين الطبيعة، وإن لم يخل من بعض الإثم، وإنما ألومها ولا ~~أغفر لها أنها حين تبينت أن لا سبيل إلى إرضاء هذا الحب اتهمت هيبوليت هذا ~~الابن النقي الوفي بشهوتها الآثمة المنكرة. # وقد كنت أبا غافلا، وزوجا واثقا، فصدقتها؛ وللمرة الوحيدة التي وثقت فيها ~~بقول امرأة، ضللت السبيل، فاستنزلت سخط الإله على ابني البريء، وقد استجاب الإله ~~لدعائي والناس يدعون الآلهة، ولكنهم يجهلون أن الآلهة يستجيبون لهم في أكثر ~~الأحيان فيشقونهم، وكذلك رأيتني قد ms87 خضعت لإرادة مفاجئة جامحة ضالة فقتلت ~~ابني، وما زلت لذلك جزعا لا أجد سبيلا إلى العزاء. وقد أحسنت فيدر حين ~~تبينت جريمتها فقضت على نفسها الموت. ولكني الآن وقد فقدت حتى مودة بيريتوس أصبحت ~~وحيدا، وقد أدركتني الشيخوخة. # وقد تلقيت أوديب منفيا من وطنه ثيبا قد فقد عينيه وبدا عليه الضر، ~~ولكنه على الأقل لم يكن وحيدا، وإنما كان بين ابنتيه يحمل إليه حنانهما ما يخفف من ~~لوعة أساه. لقد كتب عليه الإخفاق في كل ما حاول، وكتب لي النجاح في كل ما حاولت، ~~حتى إن البركة التي قضاها الآلهة للأرض التي تضم جثته بعد موته لم تتح لوطنه ~~ثيبا، وإنما أتيحت لأثينا. # وإنه ليدهشني ألا يتحدث الناس إلا قليلا عن التقائنا في كولونا، # 1 # وعن هذه المواجهة بين مصيرينا في آخر الشوط الذي كتب لكل واحد ~~منا أن يقطعه، مع أني أنا أرى في هذا اللقاء قمة ما أثلت لنفسي من مجد، ~~وتتويجا لما قدمت بين يدي من عمل. # لقد أملت كل شيء، ورأيت كل شيء يميل إلي (إذا استثنيت ديدال، ولكنه كان ~~يكبرني جدا. ومع ذلك فقد خضع لي ديدال، نفسه)، وكنت أرى عند أوديب وحده عزة ~~تلائم عزتي، ولم تكن المحن التي ألمت به إلا لترفع في نفسي مكانة هذا ~~المنهزم. لقد انتصرت من غير شك في كل مكان، وفي كل وقت، ولكن في مستوى إنساني ~~متواضع إذا قيس إلى أوديب. # أما هو فقد قهر أبا الهول، وأقام الإنسان أمام اللغز، واستطاع أن يقفه بإزاء ~~الآلهة؛ وإذن فكيف ولماذا قبل الهزيمة؟ بل ألم يشارك في تحقيق هذه الهزيمة حين فقأ ~~عينيه! لقد كان في هذه الجناية التي جناها على نفسه شيء لم أكن أستطيع فهمه، وقد ~~أظهرته على ما أجد من دهش، ولكن تعليله لم يكد يقنعني. ذلك شيء يجب أن أعترف به، ~~ولعلي لم أحسن الفهم عنه. # قال لي: من الحق أني أستجيب لثورة جامحة من الغضب، لم أكن أستطيع أن أوجهها إلا إلى ~~نفسي، فعلى ms88 من كنت أستطيع أن أثور؟ لقد رأيت هول هذه التهم المنكرة التي ظهرت لي، فلم ~~أجد بدا من أن أنكر وأحتج. ومع ذلك فلم أكن أريد أن أفقأ عيني بمقدار ما ~~كنت أريد أن أشق هذا المنظر الذي يملؤه الكذب، والذي فقدت الإيمان به، والذي كنت ~~أضطرب بين مظاهره، بل لم أكن أفكر في شيء، وإنما دفعتني إلى ما عملت. فقأت عيني ~~عقابا لهما على أنهما لم تريا شيئا كان من الوضوح والبداهة بحيث كان خليقا أن ~~يفقأ عيني، كما يقال ... لست أدري كيف أبين لك عن ذلك ... فلم يفهم أحد تلك الصيحة التي ~~بعثتها يومئذ: «إلي أيتها الظلمة. أنت ضوئي.» وأشعر أنك أنت أيضا لا تفهم هذه ~~الصيحة. # لقد سمع الناس من هذه الصيحة شكاة، مع أنها لم تكن إلا ملاحظة للحقيقة الواقعة. كانت ~~هذه الصيحة تعني أن الظلمة قد بددها بالقياس إلى ضوء خارق للطبيعة يغمر عالم ~~النفوس. وكانت هذه الصيحة تعني: أيتها الظلمة ستكونين منذ الآن ضوئي، وفي الوقت ~~الذي كانت الظلمة فيه تحجب عن عيني جمال السماء كانت سماء أخرى داخلية قد أخذت ~~تتألق فيها النجوم. # ثم سكت ولبث لحظة مغرقا في تفكير عميق، ثم قال: لقد كانت تظن بي الفطنة ~~أثناء الشباب، وكنت أرى نفسي فطنا. ألم أكن أول من أجاب! بل ألم أكن ~~الوحيد الذي أجاب على سؤال أبي الهول! ولكن يخيل إلي أني لم آخذ في ~~النظر الصادق الصحيح إلا منذ فقأت عيني بيدي، وحلت بينهما وبين الضوء. أجل! في الوقت ~~الذي يحجب فيه العالم الخارجي عن عيني إلى آخر الدهر تتاح لضميري نظرة جديدة ~~إلى عالم داخلي كان العالم الخارجي يشغلني عنه ويحملني على ازدرائه. # وهذا العالم الذي لا يحس، والذي لا تستطيع حواسنا أن تطمع في بلوغه هو فيما أعلم ~~الآن وحده الحق. فأما ما عداه فوهم يخدعنا ويصدنا عن مشاهدة العالم ~~الإلهي «يجب أن ننصرف عن رؤية العالم لنرى الإله.» كذلك كان يقول لي ذات ~~يوم ذلك الحكيم الضرير تيرسياس، ms89 ولم أكن أفهم عنه حينئذ كما أرى الآن يا ثيسيوس ~~أنك لا تفهم عني. # قلت: لا أحاول أن أنكر خطر هذا العالم الذي تستكشفه منذ فقدت عينيك، ~~ولكن الذي لا أفهمه هو أنك تجعل هذا العالم ضدا معاندا للعالم الذي نراه ~~ونعيش ونعمل فيه. # أجاب: ذلك أن نظرة الضمير هذه أظهرتني لأول مرة على ما لم أكن أرى، ~~فاقتنعت بهذا الذي ستسمعه. لقد أقمت ملكي الإنساني على جريمة فنشأ عن ذلك ~~أن أصبح كل ما أتيته بعد الملك ملوثا، لا بالقياس إلى ما صدر عني أنا من قول أو عمل ~~فحسب، بل كذلك بالقياس إلى ابني اللذين تركت لهما التاج؛ فقد تركت من الفور ذلك ~~الملك المخزي الذي ساقته إلي الجريمة. # وأنت تستطيع أن تعرف إلى أي جريمة جديدة دفع ابناي وأي قضاء مهين مخز قد ألح ~~على كل ما تلد الإنسانية الخاطئة. وليس ابناي إلا مثلا صارخا لهذه المحنة؛ فهما ~~ثمرة الإثم، وهما من أجل ذلك أشد ملاءمة لهذه المحنة، ولكن يخيل إلي أن هناك ~~إثما مستأصلا قد شقيت به الإنسانية، ولن ينجو من آثاره أحد حتى الأخيار، إلا أن ~~تنال الإنسانية رحمة تغسل عنها هذا الوضر. # ثم عاد إلى الصمت لحظات كأنه كان يريد أن يمعن في التفكير إلى أبعد مما ~~بلغ، ثم قال: إنك تدهش لأني فقأت عيني، وأنا أيضا دهش. ولكن لعل في هذا العمل ~~الأحمق القاسي شيئا آخر هو هذه الحاجة الخفية إلى أن أدفع حظي إلى غايته، وأبلغ بألمي ~~أبعد آماده، وأتم بذلك مصيرا من مصاير الأبطال. # ولعلي أحسست في غير وضوح ما في الألم من جلال وتطهير للنفوس يكره ~~البطل أن يمتنع عليه، وأعتقد أن هذا هو الذي يثبت عظمته، وأنه لا ~~يرقى إلى العظمة حقا إلا حين يسقط ضحية، فيكره بذلك الآلهة على أن يعرفوه، ~~وينزع من أيديهم سلاح الانتقام. # ومهما يكن من شيء فإن خطاياي وآثامي مهما تبلغ من الشناعة والبشاعة، لا تمنعني ~~الآن من أن أجد سعادة داخلية رائعة تكافئ ms90 كل ما لقيت من ألم وما شقيت به من بؤس. # قلت حين رأيت أنه أتم حديثه: أيها العزيز أوديب، لا يسعني إلا أن أثني على هذه ~~الحكمة التي تصطنعها، والتي تتجاوز طاقة الإنسان. ولكن تفكيري لا يستطيع أن يرافق ~~تفكيرك في هذه الطريق؛ فأنا ابن هذه الأرض، وسأبقى ابنها، وأرى أن الإنسان كائنا من ~~يكون، ومهما يكن حظه من هذا الإثم المستأصل الذي تشير إليه، يجب أن يلعب بالورق الذي ~~أتيح له في هذه الدنيا. وأكبر الظن أنك قد أحسنت الانتفاع بما كتب ~~عليك من البؤس. ولعلك قد أمعنت في ذلك حتى أتيح لك الاتصال بهذا الذي تسميه الإله، بل ~~أنا أعتقد أن نوعا من البركة يتصل بك، ويحل كما يقال في الأرض التي تضم جثتك بعد ~~الموت. # ولم أضف أن الذي كان يعنيني هو أن تكون هذه الأرض أرض أتيكا، وكنت أهنئ ~~نفسي بأن الآلهة قد أهدوا إلي ثمرة ثيبا. # وإذا وازنت بين مصيري ومصير أوديب فأنا سعيد؛ لأني أديت ما كان يجب ~~أن أؤدي؛ فأنا أترك للإنسانية مدينة أثينا. لقد آثرتها على ابني وزوجي، وجعلتها ~~مدينتي، وستسكنها بعد أن أموت ذكراي إلى آخر الدهر. وأنا أسعى وحيدا راضيا إلى الموت؛ ~~فقد ذقت ثمرات الأرض، ويلذ لي أن أفكر في أن الناس بعدي وبفضلي سيرون ~~أنفسهم خيرا منا، وأسعد منا، وأدنى منا إلى الحرية. لقد أبليت في خدمة الإنسانية ~~المستقبلة ما استطعت. لقد حييت! ms91