######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.QadatFikr.Hindawi92508209 #META# Tags: philosophy #META# ID: 92508209 #META# Title: قادة الفكر #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # هوميروس‏ # سقراط‏ # أفلاطون‏ # أرسطاطاليس‏ # الإسكندر‏ # يوليوس قيصر‏ # بين عصرين‏ # العصر الحديث‏ # هوميروس‏ # سقراط‏ # أفلاطون‏ # أرسطاطاليس‏ # الإسكندر‏ # يوليوس قيصر‏ # بين عصرين‏ # العصر الحديث‏ # | قادة الفكر # | قادة الفكر # تأليف # طه حسين # | هوميروس # أرادت مجلة «الهلال» الغراء أن تكون صلة بيني وبين قرائها في نشر طائفة من الفصول ~~التي اقترحت موضوعها. فمن الحق أن أبدأ هذه الفصول بأن أقدم إلى «الهلال» أجمل ~~الشكر؛ لما تفضلت به من إيجاد الصلة بيني وبين قرائها، ولما وفقت له من اقتراح هذا ~~الموضوع، الذي قد يكون عسيرا أشد العسر، ولكنه نافع أعظم النفع، فمهما يتكلف الكاتب ~~من العناء في البحث عن دقائقه فهو واثق كل الثقة بأن عناءه ليس ضائعا، وبأنه واجد ~~في هذا العناء نفسه من اللذة والفائدة ما ينسيه مشقة البحث وآلامه. ولقد أجاهد نفسي ~~جهادا شديدا لأمنعها عن الإسهاب في بيان ما لهذا الموضوع من نفع وخطر؛ لأني أعلم أن ~~البحث نفسه سيبين هذا النفع والخطر أحسن بيان. وحسبنا أننا سنعرض في هذه الفصول لا ~~لتاريخ أشخاص بعينهم، بل لتاريخ العقل الإنساني، وما اعترضه من ضروب التطور وألوان ~~الاستحالة والرقي حتى انتهى إلى حيث هو الآن. # على أني لا أريد أن أبدأ البحث قبل أن أقدم بين يديه تنبيها للقارئ، أرى أن ليس ~~منه بد؛ فقد تعود الناس في الشرق عامة وفي مصر خاصة، أن يفهموا من مثل هذا ~~العنوان الذي قدمته، أن عناية الكاتب والباحث ستتناول الأشخاص وتقصر عليهم؛ فلفظ ~~«قادة الفكر» إذا سمعه القارئ المصري أو الشرقي، ~~فهم منه لأول وهلة، طائفة من الأشخاص لهم أثر يختلف قوة وضعفا في تكوين الحياة ~~الفكرية عامة، في جيل من الأجيال، أو في بلد من البلاد، ثم اتصل ذهنه بهؤلاء الأشخاص، ~~وانتظر من الكاتب أن يقص عليه أطرافا من حياتهم، وما اعترضها من خطوب، وما اختلف ~~عليها من محن. وبعبارة موجزة: انتظر من الكاتب أن يقص عليه تراجم هؤلاء ~~الأشخاص. # وهذا النوع من البحث مألوف شائع في الشرق والغرب، يحبه الناس، ويكلفون به منذ كتب ms01 ~~الكاتب اليوناني المعروف «فلوترخس» كتابه المشهور، الذي ترجم فيه لعظماء الرجال من ~~اليونان والرومان، والذي كان له في العصر القديم وفي القرون الوسطى، وفي أول هذا ~~العصر الحديث أثر لا يكاد يعدله أثر، والذي ما نزال نقرؤه الآن بلذة لا ~~تعدلها لذة، وعناية لا تشبهها عناية. هذا النحو من البحث مألوف شائع، ولكني مع ~~ذلك سأعدل عنه، وسأكون شديد الاقتصاد في ذكر الحوادث والأخبار والتواريخ التي تتصل ~~بحياة الأشخاص الذين سأعرض لهم في هذه الفصول، لا لأني أهمل هؤلاء الأشخاص إهمالا، ~~أو أنسى تأثيرهم العظيم في البيئة التي نشئوا فيها؛ بل لأن لي رأيا أظن أنه الرأي ~~المقرر الآن عند الذين يعنون بتاريخ الآداب والآراء، وهو أن هذه الآداب والآراء ~~على اختلافها وتباين فنونها ومنازعها ظواهر اجتماعية أكثر منها ظواهر فردية: أي إنها ~~أثر من آثار الجماعة والبيئة أكثر منها أثرا من آثار الفرد الذي رآها ~~وأذاعها. # وإذا كان الأمر كذلك، فليس من الحق في شيء أن ننسى الجماعة التي هي المؤثر الأول في ~~ظهور الآداب والآراء الفلسفية، وتقصر عنايتك على الفرد الذي كان مظهرا لهذه الآداب ~~أو لهذه الآراء. وأحب أن نتفق قبل كل شيء؛ فالناس يذهبون في مثل هذا الموضوع مذهبين ~~متباينين أشد التباين؛ أريد أنا، كما أراد غيري من المؤرخين المحدثين، أن أتوسط ~~بينهما وأن آخذ من كل منهما خلاصته. فمن الناس من يغلو في إكبار الجماعة والبيئة ~~وإضافة كل شيء إليها واستنباط كل شيء منها، حتى ينسى الفرد نسيانا تاما، فإن ~~تذكره فإنما يذكره على أنه أداة من الأدوات ومظهر من المظاهر ليس له قوة، ولا ~~عمل، ولا إرادة. ومنهم من يغلو في إكبار الفرد، فيضيف إليه كل شيء، ويقصر عليه ~~كل العناية، ويفني الجماعة فيه كما يفنيه السابقون في الجماعة. أولئك يمحون الفرد ~~محوا، وهؤلاء يمحون الجماعة محوا، أولئك وهؤلاء مخطئون فيما أعتقد. فلست أجهل أن ~~الفرد قوة تختلف عظما وضآلة، ولكنها قوة على كل حال، قوة لها أثرها في تكوين ~~القوة الاجتماعية، بل لها ms02 أثرها العظيم في تكوين هذه القوة. وإذن، فليس من البحث ~~العلمي القيم في شيء أن تعتبر هذا الفرد كما مهملا، كما يقولون. ولست أجهل أن ~~الفرد لم ينشئ نفسه، وليس من سبيل إلى تصوره مستقلا؛ وإنما هو في وجوده المادي ~~والمعنوي، أثر اجتماعي وظاهرة من ظواهر الاجتماع، لا يوجد إلا إذا التقى الجنسان، ~~فإذا وجد فالجماعة كلها متعاونة متظاهرة على تنشئة وتربية جسمه وعقله وشعوره ~~وعواطفه. وهل التربية المادية والمعنوية إلا قالب يصاغ فيه الفرد على صورة الجماعة ~~التي ينشأ فيها! يتعلم الفرد بهذه التربية اللغة التي يتكلمها وليس هو الذي يحدث ~~هذه اللغة، وليس من الممكن أن تعرف الفرد الذي أحدث لغة من اللغات، بل ليس من الممكن ~~أن توجد اللغة إلا إذا كانت هناك جماعة تحدثها، لأنها محتاجة إليها. ثم يتعلم الفرد ~~الدين الذي ينظم حياته الروحية، وليس هو الذي أحدث هذا الدين، بل ما من سبيل إلى وجود ~~الدين إذا لم تكن هناك جماعة تحتاج إليه. وقل مثل هذا في الأخلاق، وقل مثله في ~~النظم الاجتماعية والسياسية، وقل مثله في جميع الأوضاع والآداب. # الفرد إذن ظاهرة اجتماعية، وإذن فليس من البحث القيم العلمي في شيء أن تجعل الفرد ~~كل شيء وتمحو الجماعة التي أنشأته وكونته محوا، إنما السبيل أن تقدر الجماعة، ~~وأن تقدر الفرد، وأن تجتهد ما استطعت في تحديد الصلة بينهما، وفي تعيين ما ~~لكليهما من أثر في الآداب، والآراء الفلسفية، والنظم الاجتماعية، والسياسية المختلفة. ~~وإذا كان هذه السبيل المعقولة فلا ينبغي أن تنتظر من هذه الفصول تراجم لقادة الفكر ~~كما تقرأ في كتاب «فلوترخس» تراجم عظماء الرجال من اليونان والرومان، ولا ينبغي أن ~~تنتظر من هذه الفصول مباحث اجتماعية أو جغرافية تدرس منها البيئات والبلدان درسا ~~مفصلا، بحجة أنها هي المؤثر الأول في وجود الآراء والأفكار التي خضعت لها الأجيال ~~الإنسانية. إنما هذه الفصول مزاج من البحث الفردي والاجتماعي، سأجتهد ما استطعت في أن ~~أبين فيها شخصية الفلاسفة والمفكرين الذين سأعرض لهم، ولكن على أن ms03 تكون هذه الشخصية ~~متصلة بالبيئة التي نشأت فيها، متأثرة بها، ومؤثرة فيها أيضا. ~~••• # وبأي هؤلاء المفكرين والفلاسفة تريد أن أبدأ هذه الفصول؟ هم كثيرون، أكثر من عشرة، بل ~~هم أكثر من مائة، بل أحسب أن العد لا يكاد يحصيهم، بل أزعم أنا نجهل منهم أفرادا ~~كثيرين، فكم من مفكر، وكم من فيلسوف كان له الأثر الأعظم في ترقية بيئته وتهيئتها ~~للتطور، ولكن الزمان محا شخصيته محوا، وأخفاها عن الأجيال إخفاء، فلم يعرف الناس من ~~أمره قليلا ولا كثيرا، وإنما استمتعوا بآثاره، وانتفعوا بآرائه وهم يجهلونه، ثم قد ~~يخطر لهم أحيانا أن يبحثوا عنه ويتلمسوا شخصيته، فإذا لم يجدوا إليها سبيلا ~~اخترعوها اختراعا وابتكروها ابتكارا، وخلقوها من عند أنفسهم. # ولقد أريد أن أحدثك اليوم عن شخص من هؤلاء الأشخاص، أو عن طائفة من هؤلاء الأشخاص، ~~كان لهم أعظم أثر في تكوين أمة بأسرها، وفي تصوير النظم السياسية والاجتماعية ~~والدينية التي خضعت لها هذه الأمة عصورا طوالا، وفي تهيئة هذه الأمة للرقي والتطور، ~~اللذين جعلاها مصدر الحياة العقلية التي لا تزال الإنسانية متأثرة بها إلى اليوم وإلى ~~غد، وإلى آخر الدهر، أريد بهؤلاء الأشخاص أولئك الشعراء الذين أنشئوا «الإلياذة» ~~و«الأودسا»، وغيرهما من الأناشيد القصصية اليونانية التي لم يبق لنا منها إلا طرف ~~قليل، والتي كانت قوام الحياة اليونانية عصورا طوالا حتى خلفتها الفلسفة. ولعلك ~~تدهش حين تراني أحدثك عن منشئ «الإلياذة» و«الأودسا». لعلك كنت تقدر أني سأحدثك ~~عن فيلسوف من هؤلاء الفلاسفة الذين خلد التاريخ القديم والحديث أسماءهم وآراءهم: عن ~~«سقراط»، أو «أفلاطون»، أو «ديكارت»، أو «جان جاك روسو»، أو «كنت»، أو «أوجست كمت»، ~~أو «سبنسر»، سأحدثك عن هؤلاء، ولكن بعد أن أحدثك عن «هوميروس» وخلفاء ~~«هوميروس». # وفكر معي قليلا في تاريخ اليونان الذي ترجع إليه الحضارة الإنسانية الحديثة ~~والقديمة. وفكر معي قليلا في تاريخ العرب أيضا الذي ترجع إليه الحضارة الإسلامية من ~~بعض الوجوه. وعلام كانت تقوم الحياة اليونانية في بداوة اليونان وأول عهدها ~~بالحضارة؟ علام كانت تقوم الحياة العربية في ms04 بداوة العرب، وأول عهدهم بالإسلام؟ على ~~الشعر. # ونستطيع أن نقول: على الشعر وحده؛ فالعرب واليونان يتشابهون من هذه الجهة تشابها ~~كاملا؛ تستطيع أن تبحث عن فلاسفتهم وحكمائهم، وقادتهم وساستهم، ومدبري أمورهم ~~الاجتماعية أيام البداوة فلا تجد إلا الشعراء. ثم تستطيع أن تبحث عن فلسفتهم ودينهم ~~ونظمهم المختلفة وحياة عقولهم وعواطفهم فلا تجدها إلا في الشعر. # الشعر إذن هو أول مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية القوية لهاتين الأمتين. وتستطيع أن ~~تقول في غير حرج: إن الشعر هو أول مظهر من مظاهر الحياة الاجتماعية القومية لكل الأمم ~~المتحضرة التي عرفها التاريخ. وإذن فالشعراء هم قادة الفكر في هذه الأمم؛ تأثروا ~~بحياتها البدوية، فنشئوا ملائمين لها؛ وتميزت شخصياتهم فأثروا فيمن حولهم، ثم في ~~الأجيال التي خلفتهم. # وهل كانت توجد الحضارة اليونانية التي أنشأت «سقراط» أو «أرسطاطاليس»، والتي أنشأت ~~«إسكولوس» و«سوفكليس»، والتي أنشأت «فدياس» و«بيركليس» لو لم توجد البداوة اليونانية ~~التي سيطر عليها شعر «هوميروس» وخلفائه؟! وهل كانت توجد الحضارة الإسلامية، التي ظهر ~~فيها من ظهر من الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لو لم توجد البداوة العربية، التي ~~سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير وغيرهم من هؤلاء الشعراء الذين نبخسهم ~~أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم؟! غير أن هناك فرقا عظيما بين بداوة العرب وبداوة ~~اليونان: بداوة العرب أثرت في العرب وفي الحضارة الإسلامية، ولم تجاوز الحضارة ~~الإسلامية إلا قليلا. وإذن، فشعراء الجاهلية العربية عرب لا أكثر ولا أقل. أما بداوة ~~اليونان، فقد أثرت في اليونان، وأثرت في الرومان، وأثرت في العرب، وأثرت في الإنسانية ~~القديمة والمتوسطة، وهي تؤثر الآن في الإنسانية الحديثة، وستؤثر فيها إلى ما شاء ~~الله، وإذن فشعراء البداوة اليونانية يونان، ولكنهم ملك للإنسانية كلها. # ومن هؤلاء الشعراء من نسيتهم الإنسانية نسيانا تاما، وعاشت بآثارهم عصورا طوالا، ~~ثم تنبهت لجمال هذه الآثار فأخذت تبحث عن أصحابها، وما تزال تبحث عنهم إلى الآن دون ~~أن تجدهم؛ وأكبر الظن أنها لن تجدهم أبدا، وإذن فقد خلقتهم خلقا، وابتكرتهم ~~ابتكارا. وبين أيدينا منهم صور مختلفة، ms05 تختلف باختلاف الأجيال التي أنشأتها. بين ~~أيدينا الصورة اليونانية التي اخترعها اليونان في القرن السابع قبل المسيح، وفي ~~القرون التي وليته، والتي تمثل لنا «هوميروس» بطلا من الأبطال نشأ من الزواج بين نهر ~~من أنهار آسيا الصغرى وامرأة من عامة النساء، وتقص علينا من أخباره أقاصيص نعجب بها، ~~ولكننا لا نستطيع أن نؤمن بها، ثم بين أيدينا صورة أخرى ظهرت في أوربا في القرن ~~الثامن عشر، وصور أخرى ظهرت في أوربا في القرن التاسع عشر، تمثل «هوميروس» رجلا من ~~الرجال، وتجتهد في أن تنشئ له سيرة تشبه سير الناس، ثم بين أيدينا صورة أخرى ظهرت في ~~أوربا أوائل القرن الماضي، تنكر شخص «هوميروس»، وتجحده جحودا تاما، وتزعم أن ~~«هوميروس» هو الأمة اليونانية البدوية كلها، وأن «الإلياذة» و«الأودسا» أثران من آثار ~~الأمة اليونانية كلها. ثم بين أيدينا هذه الصورة التي وقف عندها البحث الحديث إلى ~~حين، إلى يوم يظهر باحث جديد يظهر لنا صورة أخرى. وهذه الصورة التي انتهى إليها ~~البحث الآن تنكر شخص «هوميروس» كما روته الأساطير، وتزعم أن هناك أسرة كانت تسمى أسرة ~~«الهومريين» توارثت الشعر القصصي فيما بينها، وأذاعته في البلاد اليونانية. ولست تريد ~~- فيما أظن - أن أوغل بك في هذه المباحث المختلفة المعقدة حول شخص «هوميروس» أو أشخاص ~~الشعراء القصصيين الذين أنشئوا «الإلياذة» و«الأودسا» وغيرهما من الشعر القصصي ~~اليوناني؛ فذلك شيء لا غناء فيه الآن؛ وإنما الذي أستطيع أن تأخذني به هو أن أبين لك ~~كيف كان هؤلاء الشعراء الذين نسيهم التاريخ قادة الفكر أثناء البداوة اليونانية، ~~وأثناء عصر طويل من الحضارة اليونانية، وكيف لا يزال هؤلاء الشعراء يؤثرون في الحياة ~~الإنسانية إلى الآن. # تصور جماعة من الناس لا يقرءون، ولا يكتبون، ولا يختلفون إلى مدرسة، ويستمعون إلى ~~فيلسوف، ولا يطمحون في حياتهم إلى أكثر من الأكل والشرب والأمن والدعة. هذه الجماعة ~~التي تعيش هذه العيشة الخشنة، تجدها في البلاد اليونانية قديما، وفي البلاد العربية ~~قبل الإسلام، وفي بلاد أخرى لم تبلغها الحضارة اليوم، تصور هذه الجماعة ms06 وقد أقبل ~~عليها في يوم من الأيام رجل في يده أداة موسيقية تشبه الربابة فأخذ يلحن على أداته ~~الموسيقية، واجتمع الناس حوله يستمعون إليه، وما هي إلا أن أضاف إلى ألحانه غناء أخذ ~~ينشده، فغنى الناس به وشجعوه، واندفع هو في غنائه، وإذا هو يقص عليهم، في لغة عذبة ~~ساذجة رائعة، أخبار طائفة من الأبطال يمثلون الثروة التي يطمحون إليها، والقوة التي ~~يعتزون بها، والشجاعة والبأس، وما إلى ذلك من الأخلاق والخلال التي يكبرها البدو، ~~ويحرصون عليها؛ لأنها قوام حياتهم. واندفع الشاعر في قصصه يغنيه ويلحنه، وأغرق الناس ~~في الاستماع إليه والإعجاب به، وإذا هم معلقون بشفتيه، وإذا هو يخلب ألبابهم ويستهوي ~~عقولهم؛ حتى إذا فرغ من قصصه وغنائه التفوا حوله يهنئونه ويكرمونه، واستبقوا إليه ~~يضيفونه ويمنحونه المنح، حتى إذا قضى بينهم أياما ينشدهم ويجيزونه، تركهم وقد حفظوا ~~عنه كثيرا وقد أحيا عواطفهم وغذا عقولهم. تركهم وانتقل إلى جماعة أخرى وقد شجعه ما ~~لقي من الجماعة الأولى، فكان أمره مع الجماعة الثانية كأمره مع الجماعة الأولى. تصور ~~هذه الجماعات وهؤلاء الشعراء المغنين، توجد لنفسك صورة مقاربة للحياة اليونانية، ~~وتأثير الشعر فيها أيام البداوة. تصور الشعراء العاميين الذين يقصون على الناس في قرى ~~مصر أخبار الهلالية والزناتية يلحنونها على الربابة؛ ولكن لا تتصور الناس الذين ~~يستمعون لهؤلاء الشعراء متحضرين تحضر المصريين، يلتمسون آدابهم وأخلاقهم ونظمهم ~~المختلفة في الدين والعلم والفلسفة والسياسة، وإنما تصورهم قوما ليس لهم دين منظم، ~~ولا أدب مدون، ولا فلسفة ولا سياسة، وإنما الشعراء يحملون إليهم من هذا كل شيء؛ تصور ~~هذا تتمثل تأثير «الإلياذة» و«الأودسا» في الحياة اليونانية الأولى. # ثم أضف إلى هذا كله شيئا آخر، وهو أن هذه الأناشيد التي كان يتغنى بها الشعراء، على ~~هذا النحو الذي قدمته، لم تكن كأخبار الهلالية والزنانية، وإنما كانت تمتاز بشيء من ~~الجمال والروعة ليس إلى وصفهما من سبيل؛ فلم يقف تأثيرها عند هذه الجماعات البادية، ~~وإنما تحضرت هذه الجماعات والتمست آدابها وفلسفتها ونظمها في مصادر أخرى غير هذه ms07 ~~الأناشيد، ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تنسى هذه الأناشيد أو تسلوها، وإنها أخذت ~~تستظهرها وترويها وتحرص عليها الحرص كله، وبالغت في ذلك حتى عنيت حكوماتها المنظمة ~~بتدوينها على نحو ما عنيت حكومة الخلفاء الراشدين بتدوين القرآن الكريم. # ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما ظهر في هذه الأمة اليونانية شعراء عدلوا عن ~~القصص إلى الغناء، أو قل عدلوا عن هذا الشعر الذي يقص سير الأبطال إلى شعر آخر يتغنى ~~العواطف الإنسانية المختلفة من حزن وابتهاج، فلم يستطع هؤلاء الشعراء أن يستغنوا عن ~~الشعر القصصي القديم، وإنما التمسوا فيه موضوعاتهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ~~وإنما ظهر في هذه الأمة شعراء آخرون عدلوا عن القصص والغناء إلى التمثيل في الملاعب، ~~فلم يبتكروا قصصهم ابتكارا، وإنما التمسوا أكثرها في الشعر القصصي القديم. ولم يقف ~~الأمر عند هذا الحد، بل ظهر في هذه الأمة اليونانية فلاسفة ومفكرون عدلوا عن القديم ~~كله، وجددوا كل شيء، ولكنهم لم يستطيعوا أن يستغنوا عن الشعر القصصي القديم؛ لأنه كان ~~مستودع المثل العليا في الأخلاق والحياة الإنسانية الساذجة البريئة من الفساد، فرجعوا ~~إليه في فلسفتهم وأخلاقهم ثم دالت الدول وتغير الزمان، وكان العصر الحديث، وأراد ~~الشعراء المحدثون أن ينشئوا القصص التمثيلية والقصائد الغنائية، فالتمسوا نماذجها عند ~~شعراء اليونان، فإذا هم ينشئون قصصهم وقصائدهم على نحو ما كان يفعل اليونان، متأثرين ~~«بالإلياذة» و«الأودسا»، ثم بدا لهم أن يمثلوا القصص اليونانية نفسها، فترجموها إلى ~~لغاتهم، وأخذوا يمثلونها حينا في اللغات الحديثة وحينا في اللغة اليونانية القديمة ~~نفسها. و«بيت مليير» الآن معني بتمثيل قصة من قصص «سوفلكليس» هي «أوديب في كولونا»، ~~اشتغل المترجم بنقلها إلى الفرنسية عشرين سنة. ومن قبل ذلك اشتغل عميد «بيت بليير» ~~بنقل قصة «الفرس» «لإسكيلوس» وتمثيلها. ومن قبل ذلك اشتهر الممثل الفرنسي النابغة ~~«سولى» بتمثيل «أوديب ملكا». وفوق هذا كله لا توجد مدرسة تحترم نفسها في أوربا لا ~~يدرس فيها الشباب الأوربي «الإلياذة» و«الأودسا » في نصوصها اليونانية، أو مترجمة إلى ~~اللغات الحديثة. # أكنت مصيبا ms08 إذن حين زعمت أن شعراء «الإلياذة» و«الأودسا» يعدون بحق من قادة الفكر ~~الإنساني؟ ولكنك ستسألني: ما «الإلياذة»؟ وما «الأودسا»؟ ولست أجيبك عن هذا السؤال، ~~وإنما أريد أن تجيب نفسك عنه، أريد أن تقرأ «الإلياذة» و«الأودسا»، لتعرف ما هما. وكل ~~ما أطمح إليه في هذه الفصول هو أن أشوقك إلى أن تقرأ شيئا قليلا أو كثيرا من ~~آثار المفكرين الذين أتخذهم موضوعا لهذه الأحاديث. # | سقراط # رأيت في الفصل الماضي كيف كانت قيادة الفكر إلى الشعراء في العصور الأولى من حياة ~~الأمة اليونانية وغيرها من الأمم التي تشبهها قليلا أو كثيرا، ورأيت كيف كان هؤلاء ~~الشعراء يقودون الفكر في شعوبهم المختلفة. ورأيت الطرق التي كانوا يسلكونها لتكوين ~~الآراء والسيطرة على العقول. وأريد في هذا الفصل أن أبين لك، في شيء من الإيجاز ~~الشديد الذي أنا مضطر إليه اضطرارا، كيف انتقلت قيادة الفكر من الشعراء إلى طائفة ~~أخرى هي طائفة الفلاسفة، وكيف استطاع هؤلاء الفلاسفة أن يقودوا الفكر ويدبروه، وماذا ~~اتخذ هؤلاء الفلاسفة من طريق قيادة الفكر وتدبيره. # وفي الحق أن قيادة الفكر لم تنتقل من الشعراء إلى الفلاسفة في يوم وليلة، بل لم تنتقل ~~إليهم في عام ولا أعوام، بل لم تنتقل إليهم في عشرات السنين، وإنما احتاجت إلى القرون ~~الطوال لتصبح ملك الفلاسفة بعد أن كانت ملك الشعراء. احتاجت إلى القرون الطوال، ~~واحتاجت معها إلى أشياء كثيرة نستطيع أن نختصرها في هذه الكلمة الصغيرة التي تدل على ~~معان كثيرة لا تكاد تحصى، وهي كلمة «التطور»؛ ذلك أنك تستطيع أن تشعر بهذا الفرق ~~العظيم بين الشعر من جهة والفلسفة من جهة أخرى لتعلم أن ليس من السهل ولا من اليسير ~~أن يخضع شعب من الشعوب لسلطان الشعر اليوم، حتى إذا أصبح خضع لسلطان الفلسفة. ليس ذلك ~~سهلا ولا يسيرا، بل ليس ذلك ممكنا إذا لم تتحقق شروط كثيرة تحتاج في تحققها إلى ~~عصور طوال. # ما الشعر؟ وعلى أي ملكة من ملكات النفس يعتمد؟ ~~وما الفلسفة؟ وبأي ملكة من ملكات النفس تعتز؟ أليس ms09 الشعر لونا من ألوان التصور ~~وضربا من ضروب الحس والفهم أقل ما يمكن أن يوصفا به أنهما يعتمدان على الخيال قبل كل ~~شيء؟ يعتمدان على الخيال فيدركان الحقائق، لا كما هي، بل كما يتصورانها، ويحكمان على ~~الحقائق، لا كما ينبغي أن يحكما عليها. بل كما يستطيعان أن يحكما عليها. أليس الشعر، ~~ولا سيما الشعر القصصي الذي كان إليه قيادة الرأي في العصور الأولى، مظهرا من مظاهر ~~الطفولة الإنسانية وصورة من صور الحياة الساذجة الغليظة! وإذا كان الأمر كذلك، فالفرق ~~بين الشعر وبين الفلسفة عظيم. ذلك أن الفلسفة لا تعتمد على الخيال ولا تعتز به، ~~وإنما هي مظهر الحياة العقلية القوية، وهي وسيلة الإنسان إلى أن يتصور الحقائق كما هي ~~ويحكم عليها الأحكام التي تلائم طبائعها، أو قل: إنها الوسيلة إلى أن يتصور الإنسان ~~الحقائق ويحكم عليها بعقله لا بخياله ولا بحسه ولا بشعوره. تعتمد الفلسفة على النقد، ~~ويعتمد الشعر على التصديق. ولأجل أن ينتقل الإنسان من هذه الحياة التي يبهره فيها كل ~~شيء، ويستأثر به فيها كل شيء، إلى حياة أخرى لا يخضع فيها لتأثير الأشياء، وإنما ~~يحاول، أو يعتقد أنه يحاول، أن يخضع الأشياء لتأثيره وسلطانه. أقول: لأجل أن ينتقل ~~الإنسان من تلك الحياة إلى هذه الحياة لا بد له من عصور طوال تنمو فيها ملكاته ~~وتستحيل. # تصور هذه الشعوب الأولى التي كانت ترهب كل شيء وتتأثر بكل شيء وترى في كل شيء إلها ~~تخافه وتتملقه وتترضاه: ترى في الهواء إلها، وفي الماء إلها، وفي الأرض إلها، ماذا ~~أقول! بل ترى في الأحجار والحشرات والأشجار والأنهار وألوان النبات آلهة تقدم إليها ~~الصلوات وضروب القربان، وتنظم حياتها على إكبار هذه الأشياء وإجلالها؛ وتتخذ من هذا ~~الإكبار والإجلال قواعدها الخلقية والسياسية والاجتماعية. ثم تصور هذه الشعوب وقد ~~تغيرت واستحالت، فهي لا ترهب الأشياء ولا تخافها، بل تحاول إخضاعها وتذليلها ~~واستخدامها، فهي لا ترى في الهواء إلها، وإنما هي تحاول أن تفهم الهواء، وأن تستخدمه ~~في حاجاتها ومنافعها. وهي لا ترى في ms10 الماء إلها، وإنما ترى فيه عنصرا من العناصر ~~التي يجب أن تستخدم لحاجة الإنسان ولذته. وعلى الجملة هي لا تعبد الأشياء، وإنما ~~تستذلها وتستخدمها. تصور هذه الشعوب في هاتين الحالتين تشعر بالفرق العظيم بين هذين ~~العصرين اللذين يسيطر الشعر في أحدهما على الحياة وتسيطر الفلسفة في الآخر عليها، ثم ~~تشعر بهذا الزمن الطويل الذي يجب أن تقضيه الشعوب لتنتقل من إحدى هاتين الحالتين إلى ~~الأخرى. ونحن إذا سألنا التاريخ عن مقدار القرون التي قضتها الأمة اليونانية مثلا ~~لتستبدل العقل بالخيال ولتديل الفلسفة من الشعر، أنبأنا بأن هذه القرون ليست أقل من ~~خمسة أو ستة. فقد كان سلطان الشعر القصصي مسيطرا على الحياة اليونانية سيطرة كاملة ~~في القرن الحادي عشر والعاشر قبل المسيح، ثم أخذ العقل اليوناني يوجد وينمو ويسطر ~~قليلا قليلا على الحياة. والغريب أن سيطرته الأولى على الحياة لم تأخذ مظهرا ~~فلسفيا وإنما احتفظت بالصورة الشعرية. أريد أن العقل أثر في الشعر فجعل حظه من ~~الفهم والحكم أعظم من حظه في الخيال والحس، وأخذنا نجد في الشعر القصصي ضروبا من ~~الفهم أو محاولة الفهم، وألوانا من الحكم أو محاولة الحكم لم نجدها فيه من قبل. ~~ومعنى ذلك أن العقل أخذ يختلس سبيله إلى الحياة اختلاسا، ويسلك إليها طرقا خفية، ~~يسلكها شيئا فشيئا دون أن يشعر الناس بذلك، أو يلتفتوا إليه. وأخذ الشعر كلما عظم ~~فيه تأثير العقل يفقد جماله الأول وسذاجته الطبيعية شيئا فشيئا، حتى استحال إلى شيء ~~لا نستطيع أن نسميه شعرا، وإنما نحن مضطرون إلى أن نسميه نظما. وربما كان أحسن مظهر ~~لهذا النوع من الشعر الذي ينتصر فيه سلطان العقل على سلطان الخيال، والذي هو أشبه شيء ~~بكتب التعليم وفصول الفلسفة، وأبعد شيء عن هذا الشعر الرائع الخلاب، هذه القصائد ~~التي تنسب إلى الشاعر اليوناني «هسيودس»، ولا سيما هذه القصيدة التي تسمى «الأعمال ~~والأيام» التي تجد فيها ضروبا من الأدب، وألوانا من العلم مختلفة ، تجد فيها الأخلاق ~~منظمة مرتبة، يستدل الشاعر على خيرها وعلى شرها استدلالا ms11 ليس فلسفيا كاستدلال ~~«سقراط» ولكنه ليس شعريا كاستدلال شعراء «الإلياذة» و«الأودسا»، وإنما هو شيء بين ~~بين، له نصيب من الخيال، وفيه حظ من التفكير والتأمل والتجربة، ثم تجد فيها جانب ~~الأخلاق ضروبا من التعليم العملي يمس الزراعة وفصولها وحاجاتها ونظمها. ثم تجد فيها ~~ضروبا من التعليم الديني يصف الآلهة وأخلاقهم، والصلة بينهم وبين الناس. وما أعظم ~~الفرق بين الآلهة في هذا الشعر وبينهم في الشعر القصصي القديم! وكان سلطان هذا الشعر ~~التعليمي منبسطا على الأمة اليونانية في القرن الثامن قبل المسيح، وكان المنشدون ~~ينتقلون به في المدن والقرى، ويلقونه على الجماعات كما كان المنشدون ينتقلون ~~«بالإلياذة» و«الأودسا» من قبل. # غير أنه من الحق أن نتبين بعض الأسباب التي دعت إلى هذا التطور، وجعلته أمرا ~~محتوما، إذا لم نستطع أن نحصيها كلها، ولست أذكر منها إلا سببين اثنين، أعتقد أن ~~لهما أعظم الأثر في هذا التطور: أحدهما سبب اقتصادي، والآخر سياسي واجتماعي. # فأما السبب الاقتصادي، فهو هذا التغير الذي طرأ على الحياة اليونانية فأقرها في المدن ~~والقرى، ونظم لهما الحكومات وأنواع السلطان، وجعلها حاضرة بعد أن كانت بادية، في هذه ~~الحياة الحضرية تغير شعور اليونان بالأشياء وفهمهم إياها وحكمهم عليها، وأخذوا بحكم ~~الزراعة والتجارة والصناعة يشعرون بسلطانهم على الطبيعة، وأخذوا يرهبون هذه الطبيعة ~~أقل مما كانوا يرهبونها من قبل. كانوا في العصور الأولى يجنون ثمرات الأرض على أنها ~~نعمة من الآلهة؛ أما الآن فهم يكرهون هذه الأرض على أن تعطيهم ثمراتها. أضف إلى ~~هذا أنهم كانوا يجهلون الملكية ونتائجها، أما اليوم فقد عرفوا الملكية، وأخذت كل أسرة ~~تحرص على حظها من الأرض، ونشأت الخصومات بين الأسر، واشتد تنازع المنافع. فليس غريبا ~~أن يكون لهذا كله تأثير عظيم في تكوين العقل وبسط سلطانه على الحياة. # السبب الثاني أن هذه الجماعات اليونانية التي استقرت في الأرض وتحضرت بعد بداوة وأخذت ~~تجني ثمرات الحضارة الحلوة، أخذت في الوقت نفسه تبلو ثمراتها المرة: ضاقت بها الأرض، ~~واشتدت بينها الخصومات، فعرفت الحرب الداخلية والحرب الخارجية؛ واضطرت، ms12 بحكم هذين ~~النوعين من الحرب إلى ضروب من المهاجرة والضرب في الأرض، فاستعمرت بلادا بعيدة في ~~أقطار من الأرض مختلفة، في آسيا وفي إيطاليا وصقلية وفرنسا وإسبانيا بل في إفريقية ~~أيضا. وأنت تعلم هذه النتيجة المحتومة التي يحدثها اختلاط الشعوب المختلفة، وما ينشأ ~~بينها من حرب وجهاد. تنبه العقل اليوناني بحكم هذه الأشياء كلها، وأخذ يفهم الحياة ~~على نحو جديد لم يكن مألوفا له من قبل، وكان رقي العقل مصباحا لرقي آخر هو الرقي ~~السياسي. فلم تكن الأمة اليونانية في حياتها السياسية أثناء القرن الثامن والسابع كما ~~كانت أثناء القرن العاشر والتاسع؛ إذ بينما كانت الحياة السياسية في العصور الأولى ~~ملكية خالصة تعتمد على سلطان الدين وحده، إذا بها أصبحت في هذا الطور الثاني ~~أرستقراطية ينتقل فيها الحكم من الملك، الذي كان مثالا لإله من الآلهة، إلى الأشراف ~~الذين يمثلون الأسر ومنافعها وحاجاتها. أي إن الحكم انتقل من الفرد إلى الجماعة، أي ~~إن الجماعة وأفرادها أخذوا يشعرون بوجودهم وشخصياتهم، ويحاولون أن يجعلوا هذا ~~الوجود وهذه الشخصيات أمورا معترفا بها لا تقبل نزاعا ولا جدالا. وبعبارة مجملة: ~~أخذت شخصية الفرد تظهر قليلا قليلا، وسلطان الفرد يتغلب على سلطان الجماعة، ولا ~~يمكن أن يكون هذا إلا نتيجة لتنبه العقل وعظم حظه من الحياة. ثم تتبع هذه الشعوب ~~اليونانية، في بلادها الأولى أو في مستعمراتها الجديدة، تجد هذين النوعين من التطور ~~مطردين؛ ينمو العقل فتقوى شخصية الفرد وتشتد مطامعه، وتنشأ عن ذلك الثورات السياسية؛ ~~ثم تنمو المنافع الاقتصادية العامة فتظهر الخصومات بين المدن وتنشأ بينها الحروب، ~~وينتج عن هذا كله أنواع من النظم الاجتماعية والسياسية والدولية لم تكن مألوفة من ~~قبل. ومن هنا لا يكاد ينتصف القرن السابع حتى نجد بلاد اليونان كلها - أو أكثرها - في ~~ثورة سياسية اجتماعية متصلة، فليس النزاع الآن بين الملوك والأرستقراطية كما كان في ~~القرن الماضي، وإنما هو بين الأرستقراطية وأفراد الشعب. وليس لهذا معنى إلا أن سلطان ~~الحياة العقلية قد أخذ ينمو ويمتد، حتى أخذ الأفراد جميعا ms13 على اختلاف طبقاتهم يشعرون ~~بشخصياتهم وحقهم، لا في الوجود وحده، بل في الوجود وفي الحكم أيضا. # هذا التطور الذي لم يعرفه العالم القديم إلا في البلاد اليونانية وفي البلاد ~~الرومانية من بعد، والذي لم يحدث وحده، وإنما حدث معه تطور عقلي لم يعرفه العالم ~~القديم من قبل، وكان له كل الأثر في حياة الإنسانية من بعد، يدعونا إلى أن نعرض ~~لمسألة تحتاج إلى شيء من التفكير. # بين الشرق والغرب # هذه المسألة هي العلاقة بين اليونان والشرق المتحضر، فأنت تعلم أنه بينما كانت ~~الأمة اليونانية خاضعة لسلطان الشعر القصصي الذي يمثلها ساذجة جاهلة قليلة الحظ ~~من النظم السياسية والاجتماعية الراقية، كان الشرق قد انتهى إلى درجات من ~~الحضارة مختلفة، ولكنها راقية لا تقاس إليها حياة اليونان: كان الساميون في ~~بابل وآشور وغيرهما، قد بسطوا سلطانا ضخما، وأسسوا حكومات قوية منظمة، ~~وانتهوا إلى ألوان من الفن والعلم لا تزال تبهرنا إلى الآن. ولست في حاجة إلى ~~أن أحدثك عما كانت مصر قد انتهت إليه من الحضارة. وإذن، فليس من شك في أن ~~الاتصال قد وجد واشتد بين هذه الأمم الشرقية الراقية وهذه الأمم اليونانية ~~الساذجة، وجد هذا الاتصال واشتد، وتأثرت الأمة اليونانية من غير شك بالحضارات ~~الشرقية المختلفة، وأخذت عن الساميين في آسيا، وعن المصريين في إفريقية، أشياء ~~كثيرة مختلفة. ولم تكن الأمة اليونانية جاحدة ولا منكرة للجميل، وإنما كانت ~~شديدة الاعتراف بالجميل، وربما بالغت فيه مبالغة شديدة أيضا، فنسبت كثيرا من ~~الأشياء إلى الشرقيين، بل نسبت مدنا مختلفة إلى المصريين حينا، وإلى ~~الفينيقيين حينا آخر. وعدت نفسها دائما تلميذة للأمة المصرية وغيرها من الأمم ~~الشرقية الآسيوية في الحضارة وألوان الفن. # فإلى أي حد كان تأثير هذه الأمم الشرقية في الأمة اليونانية؟ ثم إلى أي حد كان ~~تأثير هذه الأمم الشرقية في تكوين الفلسفة اليونانية، التي لا تزال تدبر حياة ~~العقل الإنساني إلى الآن؟ هذه هي المسألة التي نريد أن نقول فيها كلمة موجزة؛ ~~ونأسف لأن قوما قد لا يرضون، ولكن الحق ms14 أحق أن يتبع. # نعتقد - ونظن أن غيرنا من مؤرخي الفلسفة المحدثين يعتقد أيضا - أنه لم يكن ~~للشرق في تكوين الفلسفة اليونانية والعقل اليوناني والسياسة اليونانية تأثير ~~يذكر، إنما كان تأثير الشرق في اليونان تأثيرا عمليا ماديا ليس غير، فقد ~~أخذ اليونان عن الشرقيين أشياء كثيرة ولكنها عملية مادية كما قلنا. أخذوا عنهم ~~- مثلا - نظام النقد، وأخذوا عنهم نظام المقاييس. وأخذوا عنهم شيئا من ~~الموسيقى، وتعلموا منهم فنونا عملية كالحساب والهندسة، ولكنهم لم يأخذوا عنهم ~~شيئا عقليا يذكر. فلئن كان البابليون قد رصدوا النجوم ووصلوا من ذلك إلى ~~نتائج قيمة، فهم لم يضعوا علم الفلك، وإنما هذا العلم اليوناني لم ينشأ عن ~~النتائج البابلية، وإنما نشأ عن البحث اليوناني والفلسفة اليونانية. ولئن كان ~~المصريون قد وصلوا إلى نتائج قيمة من الهندسة العملية والآلية فليس المصريون هم ~~الذين وضعوا علم الهندسة، وإنما اليونان هم الذين ابتكروه ابتكارا، هذا من ~~ناحية، ومن ناحية أخرى نجد عند اليونان أشياء لا نجد شيئا يشبهها في الشرق ~~القديم: نجد عندهم هذه المذاهب الفلسفية المختلفة التي حاولت منذ القرن السادس ~~قبل المسيح فهم الكون وتفسيره وتعليله، ثم نجد عندهم هذه الفلسفة، فلسفة ما بعد ~~الطبيعة، وما نشأ عنها من أنواع البحث التي نظمت العقل الإنساني، ولا تزال ~~تنظمه إلى الآن. ثم نجد عندهم هذه الفلسفة الخلقية التي أنشأت علم الأخلاق، ~~والتي لم يعرفها العالم القديم من قبل. ونحب أن نلاحظ أن العقل الإنساني ظهر في ~~العصر القديم مظهرين مختلفين: أحدهما يوناني خالص، هو الذي انتصر، وهو الذي ~~يسيطر على الحياة الإنسانية إلى اليوم. والآخر شرقي انهزم مرات أمام المظهر ~~اليوناني، وهو الآن يلقي السلاح ويسلم للمظهر اليوناني تسليما ... # بينما نجد العقل اليوناني يسلك في فهم الطبيعة وتفسيرها هذا المسلك الفلسفي ~~الذي نشأت عنه فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس، ثم فلسفة «ديكارت» و«كنت» ~~و«كمت» و«هيجل» و«سبنسر» نجد العقل الشرقي يذهب مذهبا دينيا قانعا في فهم ~~الطبيعة وتفسيرها: خضع للكهان في عصوره الأولى، وللديانات السماوية في عصوره ~~الراقية، وامتاز بالأنبياء ms15 كما امتاز العالم اليوناني الغربي بالفلاسفة. # هناك شيء آخر نجده عند اليونان، ولا نجده في الشرق، وهو هذا التطور السياسي ~~الخصب الذي أحدث النظم السياسية المختلفة في المدن اليونانية من ملكية وجمهورية ~~وأرستقراطية وديمقراطية معتدلة أو متطرفة، والذي لا يزال أثره قويا في أوربا ~~إلى اليوم، والذي أخذ الشرق يتأثر به في نظمه السياسية أيضا، وبينما كانت ~~المدن اليونانية تخضع لهذا التطور الغريب الذي حقق حرية الأفراد والجماعات، ~~والذي انتصر حتى أصبح المثل الأعلى للحياة الحديثة في الشرق والغرب، كان الشرق ~~خاضعا لنظام سياسي واحد لم يتغير ولم يتبدل، وهو نظام الملكية المطلقة ~~المستبدة الذي تفقد فيه الجماعات والأفراد كل حظ من الحرية، فكيف نستطيع أن ~~نفسر هذا الاختلاف بين الشرق والغرب؟ ولم نفسر؟ وما حاجتنا إلى هذا التفسير؟ ~~يكفي أن نسجل الحقيقة الواقعة، وهي أن الحياة اليونانية التي خضعت للشعر في أول ~~أمرها، ثم خضعت بعد ذلك للعقل، كانت أخصب حياة عرفها الإنسان في العالم ~~القديم. # سقراط # بين يدي الآن كتاب ظهر في هذه الأيام، موضوعه تاريخ الفكر اليوناني، لأستاذ ~~من علماء الفرنسيين هو المسيو «ليون روبان»، وليس هذا الكتاب الضخم القيم أول ~~كتاب ظهر في هذا الموضوع، ولن يكون آخر كتاب، بل ليس هو الكتاب الوحيد الذي ظهر ~~في هذه الأيام من نوعه، وإنما هناك كتب كثيرة ظهرت، وتظهر وستظهر في هذا ~~الموضوع، لأن الأوربيين يتخذون هذه القاعدة قانونا لهم، وهي أن ليس إلى فهم ~~الحياة الحديثة على اختلاف وجوهها من سبيل إلا إذا فهمت مصادرها الأولى. ~~ومصادرها الأولى هي الحياة اليونانية من جهة، والرومانية من جهة أخرى؛ أو قل: ~~هي الحياة اليونانية؛ لأن حياة الرومان كانت من أكثر وجوهها متأثرة بالحياة ~~اليونانية وإذا كنا قد أخذنا في هذا العصر الحديث نسلك سبيل الأوربيين، لا في ~~حياتنا العقلية وحدها، بل في حياتنا العملية على اختلاف فروعها أيضا، فليس لنا ~~بد من أن نسلك سبيل الأوربيين في فهم هذه الحياة التي استعرناها. أقول: إننا ~~أخذنا في هذا العصر الحديث ms16 نسلك السبيل الأوربية في جميع فروع الحياة، ونعدل عن ~~حياتينا القديمة عدولا يوشك أن يكون تاما. وأحسب أنك لن تطالبني بالدليل على ~~ذلك؛ فأنت في المدرسة تتعلم العلم الأوربي، وأنت إذا قرأت تقرأ العلم الأوربي، ~~وإذا فكرت فعلى النحو الأوربي. وأنت في بيتك وفي صلاتك المختلفة تسلك المسلك ~~الأوربي. وأنت في حياتك السياسية وفي نظامك الإداري والاجتماعي تنهج المنهج ~~الأوربي. وما أحسب أننا نكتفي من هذا الحياة بتقليد القردة، وإنما أعلم أننا ~~نريد أن نتخذها حياة لنا عن فهم وبصيرة. وإذن فلنفهمها قبل كل شيء. ولنتبين - ~~إذا كان الأمر كذلك - كيف كانت حالة الفكر في تلك العصور اليونانية الخصبة، ~~وكيف كانت قيادة الفلسفة إياه. ولنبدأ من هؤلاء الفلاسفة الذين أشرفوا على ~~قيادة الفكر اليوناني، ولا يزالون يشرفون على قيادة الفكر الإنساني، بأبيهم ~~وزعيمهم جميعا «سقراط». # ولست أستطيع أن أحدثك عن سقراط دون أن ألفتك إلى أنه لم يتول قيادة الفكر ~~اليوناني إلا بعد أن ارتقى هذا الفكر، وانتهى من الرقي إلى حد عجيب، وأن ~~الفلسفة سلكت من قبله طرقا مختلفة شديدة الالتواء وأفلست فيها واحدة بعد أخرى، ~~وأن هذه الفلسفة التي أفلست في آخر الأمر كانت أيام انتصارها مشرفة على العقل ~~اليوناني، تقوده وتدبره، وتنتهي به إلى الخير، ولكن هذا العقل كان شديد التطور ~~سريع الاستحالة، فلم يكن بد لتلك المذاهب الفلسفية من أن تنتهي إلى ما انتهت ~~إليه من إفلاس، ولم يكن بد من أن يظهر مذهب فلسفي جديد يلائم هذه الحياة ~~الجديدة التي انتهى إليها العقل اليوناني في آخر القرن الخامس قبل ~~المسيح. # تستطيع أن تقرأ في غير هذا الفصل من كتب التاريخ الفلسفي، كيف نشأت الفلسفة ~~اليونانية، وكيف جاهدت لتنتصر على الشعر والدين وكيف التمست تفسير هذا الكون في ~~الأرض مرة، وفي السماء مرة أخرى، وفي الماء حينا، وفي الجو حينا آخر، ثم كيف ~~عدلت عن المادة إلى المعنى ، وكيف تعمقت في بحثها المعنوي دون أن تنتهي إلى شيء ~~قيم، وكيف كانت أثناء هذا البحث والاضطراب مصدرا ms17 لهذا التطور السياسي الذي ~~أقر النظام الديمقراطي في أثينا وغيرها من المدن اليونانية، وأما أنا فلن أحدثك ~~من هذا كله بشيء، وإنما أحدثك في كلمات موجزة عن حال العقل اليوناني أيام ~~سقراط، لتستطيع أن تفهم فلسفة سقراط وما تنشأ عنها من المذاهب المختلفة. أما ~~الحياة العامة الأثينية، فكانت متأثرة بشيئين مختلفين: أحدهما النظام ~~الديمقراطي المتطرف الذي يقوي حرية الفرد إلى أقصى حد ممكن، ويجعل شخصيته بارزة ~~تستطيع أن تعاند الدولة وتنتصر عليها أحيانا. والثاني هذا الاختلاط الشديد بين ~~الشعوب المختلفة المتباينة الذي كان يبعث على الحياة العقلية القوية ويجعلها ~~مضطرمة دائما، والآخر كان يبعث على اصطدام المنافع وتنازعها وتعقدها إلى حد ~~عظيم. أضف إلى هذين السببين ما أشرت إليه من إفلاس المذاهب الفلسفية الأولى ~~تنته إلى هذه النتيجة، وهي أن العقل اليوناني في ذلك العصر كان قد وصل إلى حال ~~من الشك لم يعرفها من قبل: شك في الفلسفة التي عجزت عن تفسير الكون، وشك في ~~الدين الذي أصبح من السخف بحيث لا يستطيع أن يؤمن به عقل يحترم نفسه، وشك في ~~الحياة السياسية التي اشتد فيها الاضطراب وعبثت بها الحروب من جهة، والثورات من ~~جهة أخرى. والأهواء الشخصية من جهة ثالثة، وشك في النظام الاجتماعي الذي لا ~~قيمة له إذا لم يعتمد على فلسفة قوية، أو دين متين، أو سياسة ثابتة - شك في كل ~~شيء وحرص على المنفعة الخاصة التي يمكن أن يؤمن بها الفرد حقا؛ لأنه يمسها ~~ويستمتع بها ويسعى إليها. # في هذه الحال نشأت فلسفة «السوفسطائيين» ~~(Sophistes) # التي كانت في حقيقة الأمر ~~مرآة صادقة للحياة الاجتماعية، والتي كانت تنكر كل شيء في نفسه، ولا تعترف إلا ~~بشيء واحد وهو المنفعة الفردية، والتي كان زعماؤها يطوفون في الأرض كما كان ~~يفعل الشعراء القدماء يحملون الشك والإنكار، ويخدمون المنفعة الفردية، ويعلمون ~~الفرد كيف يلبس الحق بالباطل، وكيف يعبث بعقول القضاة في المحكمة ، وبعقول ~~الجماعات في المجالس السياسية العليا، وكيف يعبث بعقول الأفراد ومنافعهم فيما ~~يكون بينه وبينهم من حوار. ms18 # في هذه الحال السيئة نشأ سقراط، ولم يكن من أسرة ممتازة، بل لم يكن من أسرة ~~متوسطة، وإنما كان إلى الطبقة الدنيا أقرب منه إلى الطبقات الأخرى: كان أبوه ~~حفارا، وكانت أمه قابلة، ولم يكن حسن الخلق، ولا جميل الطلعة، وإنما كان ~~قبيح المنظر، ممقوت الشكل، ولكنه كان ذكي القلب، نافذ البصيرة، شديد الفطنة. ~~ولم يكن بدعا من الأثينيين في عصره، وإنما سلك السبيل التي كان يسلكها غيره من ~~الناس يقال: إنه تعلم مهنة أبيه ولكنه لم يمض فيها. ومهما يكن من شيء فقد كان ~~كغيره من الشبان الأثينيين: يختلف إلى المجالس العامة، وإلى الحمام، وإلى ~~محال الألعاب الرياضية، وكان يستمع للخطباء السياسيين في جماعة الشعب ~~والقضائيين في المحكمة، وكان يجلس إلى «السوفسطائيين» فيسمع منهم ويحاورهم، ~~وكان يدرس المذاهب الفلسفية المختلفة، حتى إذا قضى من هذا كله وطره وبلغ سن ~~الرجولة، أحس أن في نفسه شيئا يخالف ما في أنفس الأثينيين، وأن له ميولا ~~تخالف ميولهم، وأهواء تخالف أهواءهم، وأخذ يحاور السوفسطائيين من جهة والشبان ~~من جهة أخرى، لا يصرفه ذلك عن واجباته الوطنية؛ فقد كان يشترك في الانتخابات، ~~ويجلس في جماعة الشعب، بل انتخب في مجلس الشورى ورأس جماعة الشعب. وكان يؤدي ~~واجبه العسكري؛ فقد اشترك في الحرب غير مرة، وأظهر فيها بلاء حسنا وشجاعة ~~قيمة وتضحية بالنفس في سبيل الأصدقاء. ولكنه كان يحاور كل من لقيه ضروبا من ~~الحوار غريبة لم يألفها الناس. في ألفاظ إن لم تكن راقية مهذبة، فقد كانت قوية ~~خلابة ساحرة. وما هي إلا أن كلف به الشبان وكلف بهم، فسعوا إليه، أو قل: سعى ~~إليهم، فلم تكن مدرسة، وإنما كان هو مدرسة متنقلة، يحاور في الميادين العامة ~~وفي حوانيت الحذائين وغيرهم من الصناع، وفي أروقة الحمام وفي الملاعب ~~الرياضية. وقد فتن به الشبان فتنة لم يفتنوها بأحد من قبله، فالتفوا حوله ~~التفافا شديدا، واستغرق حواره إياهم يومه كله أو أكثره. وكان حسن الدعابة، ~~بل لم يكن حواره إلا دعابة متصلة وهزلا مستمرا. ولكن ms19 هذه الدعابة الحلوة ~~وهذا الهزل اللذيذ، لم يكونا إلا ستارا لطيفا شفافا ينم بما دونه من حق ~~وجد. لم تكن له مدرسة ثابتة، ولم يكن له موضوع بعينه يدرسه أو يحاوره فيه، ~~وإنما كان يدرس كل شيء، ويحاور في كل شيء، ويتخذ كل شيء وسيلة للبحث والجدال ~~وطريقا إلى غاية معينة سنراها بعد حين. كان إذن يخالف غيره من فلاسفة عصره من ~~هذين الوجهين: من حيث إنه لم يكن يلتزم مكانا للدرس، ومن حيث إنه لم يكن يلتزم ~~موضوعا للدرس. وكان يخالفهم من جهة أخرى، فقد كان هؤلاء الفلاسفة من ~~السوفسطائيين، سواء منهم من طوف في الأرض وانتقل من مدينة إلى مدينة يسعى إلى ~~طلابها ويلتمسهم ومن أقام في مدينة بعينها يسعى إليه الطلاب ويلتمسونه، كانوا ~~جميعا يتخذون الفلسفة والدرس وسيلة إلى المجد وكسب المال: وسيلة إلى المجد، ~~فكانوا ينشئون الفصول والرسائل يتلونها في المحافل والمشاهد العامة ليفتن بهم ~~الجمهور، ويعجب بهم الناس، كما كانوا يتعرضون للفلاسفة وزعماء العصر ويحاورونهم ~~ويجادلونهم، ويخلبون الناس بهذه المقدرة التي كانت تتيح لهم أن يلبسوا الحق ~~بالباطل؛ ويسبغوا على الخطأ ثوب الصواب. ووسيلة إلى كسب المال، فكانوا لا يلقون ~~دروسهم مجانا، بل كانوا يتقاضون عليها الأجور الضخمة، وكانوا يحاسبون الطالب ~~حسابا دقيقا على ما ألقوا إليه من علم: أتريد درسا واحدا أم دروسا عدة؟ أم ~~أنت تريد أن تتعلم الفلسفة كلها؟ لكل شيء من ذلك أجره. # أما سقراط فلم يكن يلتمس مجدا ولا كسبا، ولم يكن يحفل بالمجامع العامة يلقي ~~فيها الخطب أو يقرأ فيها الفصول، وإنما كان يفر من ذلك فرارا ولا يأتيه إلا ~~إذا اضطر إليه اضطرارا في جماعة الشعب أو مجلس الشورى، وكان لا يعد الخطب ~~للناس يلقونها في المحاكم أو الجماعات السياسية، وكان لا يتقاضى على علمه ~~أجرا؛ لأنه كان يعتقد أنه لا يعلم الناس شيئا. فليس غريبا أن يفتن به ~~الجمهور من شباب أثينا. وليس غريبا أن يتسامع به الناس في «أتكا» ثم في البلاد ~~اليونانية الأخرى. وليس عجيبا ms20 أن يفد اليونانيون من أقطار الأرض على أثينا ~~ليلقوا سقراط، ويتحدثوا إليه. ولكن حادثة حدثت فغيرت من سيرة سقراط ورأيه في ~~نفسه شيئا كثيرا، ذلك أن أحد المعجبين به - وكانوا كثيرين - ذهب إلى «دلف» ~~(Delphes) ~~، وسأل «أبلون» ~~(Appollon) ~~: أبين فلاسفة اليونان ~~وحكمائهم من يفوق سقراط أو يبلغه فلسفة وحكمة؟ فأجابت الكاهنة أن لا. وبلغ ذلك ~~سقراط، فحمله على أن يتبين السبب الذي بعث الإله «أبلون» على أن يعلن أنه أحكم ~~الناس وأحسنهم فلسفة. ولم يكن سقراط يرى في نفسه هذا الرأي، وإنما كان يرى أنه ~~أشد الناس جهلا وأقلهم حظا من علم أو فلسفة. # وما هي إلا أن أخذ في البحث والتحقيق، فألم بالحكماء والفلاسفة، وبالشعراء ~~والكتاب، وبالصناع وأهل الفن، يحادثهم ويسألهم ويعلم علمهم، حتى انتهى إلى ~~هذه النتيجة، وهي أنه أحكم الناس حقا؛ ذلك لأنه رأى هذه الطبقات كلها شديدة ~~الغرور، قوية الإيمان بحظها من العلم أو الفلسفة أو الشعر أو الفن، شديدة الجهل ~~بنفسها، ورأى أنه هو الرجل الوحيد الذي لا يغره شيء، ولا يعلم إلا شيئا ~~واحدا هو أنه شديد الجهل بكل شيء، وكان القدماء قد كتبوا على معبد «دلف» هذه ~~الحكمة القديمة «اعرف نفسك بنفسك»، فما أسرع ما اتخذها سقراط شعارا له وقاعدة ~~لحياته وحواره وتعليمه - وما أسرع ما اعتقد أنه قد أصبح شيئا يشبه الأنبياء، ~~وأن «أبلون» قد كلفه مهمة عظيمة الخطر، هي أن يبث الحكمة في الناس ويعلمهم أن ~~يعرفوا أنفسهم بأنفسهم. من ذلك الوقت جد سقراط في تأدية رسالته، وتحقيق ~~الواجب الذي كلفه إياه «أبلون»، فتتبع الشباب الأثيني في كل مكان، وأخذ عليه كل ~~سبيل، حتى لقد كان يمشي في طريقه، فإذا رأى شابا يمضي لعمل من أعماله، أخذ ~~عليه الطريق ومنعه أن يمضي، وأخذ يلقي عليه أسئلة عادية لا قيمة لها، فيجيبه ~~الشاب أجوبة تلائم هذه الأسئلة، ولكنه يمضي في السؤال، ويمضي الشاب في الجواب، ~~وإذا هما في حوار فلسفي قد أنسى الشاب عمله، وجمع حولهما الناس. وقد ظهر تأثر ~~الجماعة الأثينية ms21 بسقراط وجزع الطبقات الأرستقراطية من سلطانه على الشبان في ~~نحو سنة 425 قبل المسيح، حين أخذ الشاعر التمثيلي المشهور «أرستفان» ~~(Aristophane) # الذي كان لسان الأحزاب ~~الأرستقراطية المحافظة، يعرض بسقراط في قصصه التمثيلية المضحكة، ولا سيما ~~في قصة الطير والضفادع، ولا سيما في قصة السحاب التي خصصت كلها لسقراط والهزؤ ~~به. # وأصبح سقراط شيئا يخيف الأرستقراطية لأنه كان شديد العبث بالعادات والأخلاق ~~الموروثة. ولكنه، لسوء حظه، لم يرض الديمقراطية، بل كان بها شديد العبث أيضا. ~~ألم يكن يتخذ الدين موضوعا لحواره؟ ألم يكن يتخذ النظم الديمقراطية موضوعا ~~لهذا الحوار؟ ألم يكن يظهر كلما سنحت له الفرصة سخطه على حكم الشعب واستهزاءه ~~بهذا الحكم؟ ثم أليس هو الذي عارض أشد المعارضة حين أرادت جماعة الشعب أن تحاكم ~~القواد الأثينيين المنتصرين الذين اتهموا بالتقصير في جمع الغرقى في ~~موقعة «أرجينوس» ~~(Arginus) ~~؟ أبى سقراط على جماعة الشعب ~~محاكمة هؤلاء القواد، وكان هو من رؤساء الجلسة في ذلك اليوم. ولكن جماعة الشعب ~~حاكمت هؤلاء القواد وقضت عليهم بالموت، وأنفذت فيهم هذا القضاء، وأكرهت سقراط؛ ~~ثم لم تلبث أن ندمت على ما قدمت، وأحست أنها قد حرمت أثينا ظلما عشرة من ~~قوادها الماهرين حين كان احتياجها إلى الرجال شديدا. # كان سقراط قليل الميل إلى الديمقراطية؛ كما كان شديد البغض للاستبداد، عدوا ~~للأرستقراطية، وقد أغضب هذه الطبقة كما أغضب الشعب: أغضبها حين أبى على الطغاة ~~الثلاثين ما أرادوه عليه من المعونة، وحين عرض نفسه بذلك الخطر. ومن هنا لم ~~ينته القرن الخامس حتى كان سقراط قد ألب على نفسه الديمقراطية المنتصرة ~~والأرستقراطية المنهزمة، كما أنه كان قد ألب على نفسه الشعراء والفلاسفة ~~والمعلمين، لأنه صرف عنهم الشباب من جهة، ولأنه كان شديد السخر بهم من جهة ~~أخرى. فما هي إلا أن تم انتصار الديمقراطية على الطغاة الثلاثين، حتى تقدم ~~اثنان من الأثينيين، أحدهما شاعر، بقضية إلى الشعب يتهمان فيها سقراط تهما ~~عدة: منها أنه أفسد الشباب، ومنها أنه لا دين له، ومنها أنه يعبث بالنظم ~~السياسية القائمة. ms22 وحوكم سقراط، فلم يكن موقفه من قضاته موقف الرجل الذي يريد ~~أن يدافع عن نفسه حقا ويثبت براءته حقا، وإنما كان موقفه من القضاة موقف ~~الساخر بهم، المزدري لهم، ومع ذلك فقد صدر الحكم عليه بكثرة قليلة جدا. وكانت ~~العادة عند الأثينيين وغيرهم من القدماء أن يصدر في مثل هذه القضايا الجنائية ~~حكمان: الأول يثبت إدانة المتهم أو ينفيها، والثاني يقرر العقوبة التي يستحقها ~~المتهم إذا ثبتت إدانته. وكانت العادة إذا ثبتت إدانة المتهم أن يسأل عن ~~العقوبة التي يرى أن يستحقها، وأن يسأل المدعي عن العقوبة التي يرى أن المتهم ~~خليق بها، ثم تفصل المحكمة بين هذين الجوابين، فتقر إحدى العقوبتين اللتين ~~اقترحهما المتهم والمدعي. فلما صدر الحكم بإدانة سقراط سئل عن العقوبة التي ~~يرى أن يستحقها، فأجاب ساخرا مستهزئا: أنه يرى أن تطعمه الدولة مجانا بقية ~~حياته؛ لأنه أنفق هذه الحياة في تعليم الأثينيين وتهذيبهم. وسئل المدعون فطلبوا ~~الموت، وكان القضاة قد سخطوا لهذه السخرية القاسية، فأقروا في حكمهم ما طلب ~~المدعون، وقضي بالموت على سقراط. # وليس من شك في أنه لو أحسن الدفاع عن نفسه لبرئ. وليس من شك في أنه لو لم يسخر ~~من القضاة بعد إدانته لما حكم عليه إلا بالغرامة كثيرة أو قليلة؛ ولكن موقفه ~~أحنق عليه القضاة، ثم انتهت به هذه السخرية إلى أن اعتبر مهينا للدولة، فعوقب ~~معاقبة من تثبت عليه الخيانة العظمى أو الخروج على النظام القائم. # أما إذا أردنا أن نتبين نصيب هذا الحكم من العدل أو الجور، فنحن مضطرون إلى أن ~~نرى فيه رأيين مختلفين: أحدهما أن أثينا لم تكن ظالمة حين قضت بالموت على هذا ~~الرجل الذي خرج بفلسفته وتعليمه على النظام القائم، واتخذ القوانين سخرية ~~وهزءا، وانتهى إلى أن أهان الشعب ممثلا في المحكمة. والآخر أن أثينا - وإن ~~كانت قد عدلت في حكمها، بالقياس إلى نظمها وقوانينها - فليس من شك في أنها قد ~~أساءت حين قضت بالموت على رجل لا لشيء إلا أنه خالف الجمهور في الرأي. ms23 وبهذا ~~الحكم كانت الديمقراطية الأثينية عدوة لحرية الرأي. وحسبك بهذا سبة وعارا، ~~وحسبك به مجدا وفخارا لسقراط. # صدر الحكم على سقراط والأثينيون في حفلة من حفلاتهم الدينية، قد أرسلوا وفدهم ~~إلى «أبلون» في جزيرة «دلوس» ~~(Dellos) # وكان ~~«أبلون» صاحب «دلوس» هذه إلها خاصا لليونانيين يخالف من وجوه كثيرة «أبلون» ~~صاحب «دلف» الذي كان إلها للدوريين خاصة واليونانيين جميعا. فكانت أثينا تعنى ~~عناية خاصة بإله «دلوس»، وترسل إليه وفدا من الحجيج في كل سنة يقيمون الحفلات ~~حول معبده في الجزيرة التي يقال إنها كانت سابحة على وجه الماء حينما هبطت أم ~~أبلون من السماء، وكانت حاملا وكانت هاربة من زوج «زوس» ~~(Zeuss) # كبير الآلهة؛ فأوت إلى هذه ~~الجزيرة السابحة، ولم تكد تأوي إليها حتى استقرت في مكانها، وولدت هذه الإلهة ~~«أبلون» و«أزتميس» أخته. وكانت العادة عند الأثينيين ألا ينفذ حكم الموت أثناء ~~هذا العيد؛ فإذا قضي بالموت على متهم أثناء هذا العيد انتظر في السجن حتى يؤوب ~~الحجيج ثم ينفذ فيه الحكم. فاضطر سقراط إلى أن ينتظر أياما في سجنه. وأخذ ~~أصحابه وتلاميذه يختلفون إليه في السجن كل يوم يقضون معه بياض النهار في حوار ~~وجدال كأن لم صدر عليه حكم، وكأنه لم يكن ينتظر الموت، حتى آب الحجيج وآن تنفيذ ~~الحكم. في هذا اليوم أقبل تلاميذ سقراط على أستاذهم كعادتهم، ولكنهم كانوا ~~جزعين مضطربين وكان هو كعادته هادئا مطمئنا مبتسما، فكان بينه وبينهم حوار ~~معروف هو آية من آيات الفلسفة والبلاغة الإنسانية، وهو الحوار الذي صوره ~~أفلاطون في كتابه «فيدون» ~~(Phédon) # والذي يثبت ~~فيه سقراط خلود النفس، والذي كان له التأثير العظيم في الحياة الرومانية أيام ~~الإمبراطورية حين كان القياصرة يقضون بالموت على زعماء الرومان وأشرافهم؛ فإذا ~~أنفذ إليهم أمر قيصر أن يموتوا استعدوا للموت هذا الاستعداد الجميل، فعنوا ~~بأجسامهم العناية العادية، وأخذوا في أمورهم كما يأخذون من قبل. فمنهم من كان ~~يجد، ومنهم من كان يلهو؛ حتى إذا فرغوا من ذلك قرءوا «فيدون»، ثم قتلوا ~~أنفسهم تنفيذا لأمر قيصر. ms24 # ولست أريد أن أنتقل من هذا الموضوع دون أن أشير إلى هذه القصة التي اتفق عليها ~~المؤرخون؛ وهي أن بعض تلاميذ سقراط هيأ له الهرب وأعد له وسائله وألح عليه ~~فيه، ولكن سقراط أبى أن يهرب، ولو شاء لنجا: أبى الهرب إكبارا لقوانين الدولة، ~~واحتراما لأحكامها. الحق أنا لا نستطيع أن نفهم الصلة بين هذا الموقف الذي ~~وقفه سقراط بعد الحكم والذي يمثله خاضعا لنظام الدولة محترما له، وبين ذلك ~~الموقف الذي وقفه أثناء المحاكمة والذي يمثله ساخرا من نظام الدولة عابثا به، ~~وأكبر ظننا أن هذه القصة لا تخلو من مبالغة، أو قل: إن سقراط لم يأب الهرب إلا ~~ازدراء للحياة وشوقا إلى الموت. فنحن نراه في حواره ينتظر الموت انتظار مشتاق ~~إليه مؤمن بأنه سيكون سعيدا به. وقد تناول السم، وجاد بنفسه بين تلاميذه في ~~فبراير أو مارس سنة 399 قبل المسيح، وهو في نحو السبعين من عمره. # أوجزت لك حياة سقراط، ولكني أشد حرصا على الأمانة التاريخية من أن أخفي عليك ~~شيئا يضطرب في بعض أذهان العلماء العصريين من أمر سقراط، ذلك أن من العلماء ~~المعاصرين من يشك في وجود سقراط أو ينكره ويريد أن يرى فيه رأيا يشبه رأي ~~النقاد في واضع «الإلياذة» و«الأودسا» أي يريد أن يعتقد أن سقراط شخص خرافي ~~اخترعه القدماء ليضيفوا إليه هذه الفلسفة التي تسمى السقراطية، والتي نشأت عنها ~~فلسفة أفلاطون وأرسطاطاليس وغيرهما من الفلاسفة. ولست أخفي عليه أن هذا الرأي ~~لا يزال شاذا، وأن الكثرة المطلقة من العلماء والمؤرخين لا تكاد تحفل به. ~~ولكن من يدري! فقد كان رأي الذين أنكروا شخص «هوميروس» شاذا في عصر من ~~العصور، وكان الكثرة المطلقة من العلماء والمؤرخين لا تحتفل به، ثم تمت له ~~السيادة الآن. أليس من الممكن أن تتم السيادة في يوم من الأيام لهذا الرأي الذي ~~ينكر وجود سقراط؟ نعتقد أن هذا لن يكون؛ ذلك لأن سقراط لم يعش في عصور جاهلية، ~~وإنما عاش في عصر تاريخي معروف لا يخفى فيه ms25 على الناس شيء، ولا يمكن أن يجري ~~فيه على الناس خداع غليظ كهذا الخداع. ليس عندنا شك في أن سقراط قد وجد وعلم ~~وأثار العقل الأثيني، وأغضب الأثينيين، وحوكم وقضي عليه بالموت، وأنفذ فيه هذا ~~القضاء، ولكن الذين ينكرون شخص سقراط معذورون: # أولا: # لأن الآثار التاريخية المباشرة التي تثبت وجود سقراط ~~وما اعترض حياته من الخطوب قد فقدت منذ زمان طويل، ~~فنحن لا نكاد نحقق تاريخ ميلاده، وليست لدينا نقوش ~~معاصرة فيها اسمه أو فيها إشارة إلى ما أصابه. ولكن ~~هذا كله لا يدل على شيء - فقد فقدنا من آثار القدماء ~~معظمها، ولم يكد يبقى لنا منها شيء. # وثانيا: # لأن سقراط لم يكتب شيئا، وإنما كان تعليمه حوارا لا ~~يسجل، فلم يبق لنا من سقراط كتاب يمثل شخصيته تمثيلا ~~ما، وإنما نحن مضطرون إلى أن نلتمس شخصية سقراط فيما ~~ترك تلاميذه من الكتب: نلتمسها عند أفلاطون وعند ~~ذينوفون ~~(Xénophon) # وعند أرسطاطاليس وعند غيرهم من الفلاسفة والكتاب ~~الذين حاوروا تلاميذه. وهؤلاء الفلاسفة والكتاب لا ~~يتفقون في تصوير سقراط، بل لا يكادون يتشابهون في هذا ~~التصوير. أضف إلى هذا كله أن آثار هؤلاء الفلاسفة ~~والكتاب قد أصابها شيء كثير من عبث الزمان، فهي لا ~~تؤدي إلينا شخصية سقراط على وجه مرض. # وثالثا: # لأن الفلاسفة الذين حاوروا سقراط، وأخذوا عنه قد علموا ~~الفلسفة بعده في مدن مختلفة، بل في أوقات مختلفة؛ وكان ~~من المعقول أن تتشابه فلسفتهم ويتقارب تعليمهم؛ إذ كان ~~كله منتهيا إلى مصدر واحد هو سقراط، ولكن هذه الفلسفة ~~مختلفة وهذا التعليم متناقض؛ فإذا نطقت بلفظ الفلسفة ~~السقراطية لم تفهم منها شيئا متشابها، وإنما فهمت ~~منها أشياء متباينة تباينا شديدا، كما سنرى. # رابعا: # لأن حياة سقراط وموته وما اعترضه من الخطوب، كل ذلك قد ~~أحدث في نفوس الناس أثرا عظيما، وما هي إلا أن كثرت ~~الأساطير والأكاذيب حول سقراط وحياته، وأخذ الكتاب ~~المتأخرون هذه الأساطير والأكاذيب فخلطوها خلطا، ~~ومزجوها بالصواب مزجا - فأصبح من العسير جدا تمييز ~~الحق في أمر سقراط من ms26 الباطل. ولكن كل هذا لا يثبت أن ~~سقراط لم يوجد، وإنما يثبت شيئا واحدا لا يختلف فيه ~~اثنان، وهو أن شخصية سقراط شيء عسير الإثبات والتمييز، ~~وما أكثر الفلاسفة والأبطال الذين بعد بهم العهد فأصبح ~~من العسير إثبات شخصياتهم وتمييزها - على أن مثل هذا ~~البحث يخرج بنا عن الخطة التي رسمناها لأنفسنا في هذه ~~الفصول، فلنتركه ولنمض فيما نحن فيه من إيجاز فلسفة ~~سقراط، وأثرها في الحياة بعده. # الفلسفة السقراطية # قلنا: إن سقراط اتخذ لنفسه قاعدة جعلها إماما له في سيرته وفي تعليمه، وهي هذه ~~الحكمة التي كانت مكتوبة على معبد «دلف»: «اعرف نفسك بنفسك». وهذه الحكمة نفسها ~~إذا تأملناها أوضحت لنا جملة الفلسفة السقراطية. فهذه الفلسفة تنحصر، أو تكاد ~~تنحصر، في شيئين: # الأول: # أن الإنسان قد جهل نفسه في جميع العصور المتقدمة، وأن ~~جهله نفسه هو الذي حمله على أن يلتمس العلم في الخارج، ~~فيبحث عنه مرة في الأرض وأخرى في السماء، وحينا في ~~الجو وحينا في الماء؛ وكان الحق عليه أن يبدأ بنفسه ~~فيدرسها ويتبين أمرها، حتى إذا فرغ منها استطاع أن ~~ينتقل إلى الخارج. وليس هو في حاجة إلى ذلك؛ لأنه لن ~~يفرغ في درس نفسه أبدا، ولأنه سيجد في نفسه إذا درسها ~~كل شيء. # الثاني: # أن الفلسفة يجب أن تقوم منذ اليوم على معرفة النفس ~~والعلم بها، أي إن الفلسفة يجب أن تكون إنسانية، أي إن ~~الفلسفة يجب أن تقوم قبل كل شيء على الأخلاق. # فأنت ترى أن هذه القاعدة السقراطية قد حملته قبل كل شيء على أن يعلن جهله؛ لأنه ~~لا يستطيع أن يعلم شيئا قبل أن يعلم نفسه؛ وإذا كان يجهل نفسه فهو يجهل كل ~~شيء. ثم حملته بعد ذلك على أن يتبين نفسه، فيبحث عن جوهرها وخصالها، وعما ~~يلائمها وما يخالفها. وبهذا البحث وضع سقراط أساس علم النفس من جهة، وأساس علم ~~الأخلاق من جهة أخرى. أما علم النفس فلم يتعمق فيه سقراط؛ لأن سقراط لم يكن ~~نظريا ولا مفتونا بالبحث الخالص الذي ms27 ليس بينه وبين الحياة العملية صلة، ~~وإنما كان يشبه السوفسطائيين شبها قويا، ويخالفهم مخالفة قوية: كان يشبههم ~~من حيث إنه كان يمقت البحث النظري الخالص، وكان شديد الميل إلى البحث الذي يمس ~~الحياة العملية ويهدي إلى سبل الخير فيها. # من هذه الجهة كان ينكر المذاهب الفلسفية القديمة كما كان ينكرها السوفسطائيون، ~~وكان يعبث بالعادات والنظم الموروثة كما كان يعبث بها السوفسطائيون. ولكنه كان ~~يخالف السوفسطائيين خلافا شديدا، فقد كان هؤلاء يعرضون عن النظر الخالص إلى ~~المنفعة العملية الخالصة، وكانوا يبتغون المنفعة في أغلظ وجوهها وأحطها: يبتغون ~~المجد والصوت، والمال ولذات الحياة؛ ويسلكون إلى هذا كله أيسر السبل وأسهلها، ~~لا يعوقهم عنه عائق ولا يمنعهم منه مانع. # أما سقراط، فكان يعرض عن النظر الخالص، لا إلى هذه المنافع المبتذلة، بل إلى ~~المنفعة المحققة، إلى منفعة النفس من حيث هي؛ فلم يكن يحفل بالمجد ولا بالثروة ~~ولا بالشهرة، وإنما كان يبتغي السعادة، وقد بحث عنها كثيرا واهتدى إليها آخر ~~الأمر؛ فعرف أن السعادة إنما هي الخير، أي أن يكون الإنسان خيرا، عدلا ~~مؤثرا للحق من حيث هو، مطمئنا إلى الحق في نفسه. فبينما كان السوفسطائيون ~~يعلمون الناس أن يكونوا نفعيين ماديين، كان سقراط يعلم الناس أن يكونوا نفعيين، ~~ولكن على الوجه الروحي الذي يؤثر الباقية على الفانية، ويستطيع أن يميز الجوهر ~~من العرض، وأن يزدري زخرف الحياة في سبيل السعادة الحقيقية. # وبينما كان السوفسطائيون ينكرون كل شيء ويجحدون كل حقيقة؛ فيهدمون بذلك كل علم ~~وكل فلسفة، كان سقراط يثبت الحقائق، ويعلن أن هذا العلم ليس لغوا ولا عبثا ~~ولا باطلا، ويسلك في إثبات هذا كله سبيلا تقرب كل القرب من السبيل التي سلكها ~~ديكارت بعده بعشرين قرنا، وهي أن يثبت وجود نفسه أولا. فإذا ثبت له وجود نفسه ~~فقد ثبت أن في العالم حقائق ثابتة، وأن الفلسفة السوفسطائية كلها تقوم على شيء ~~من العبث والمغالطة. ذلك أنك مهما تنكر فلن تستطيع أن تنكر نفسه، ولن تستطيع أن ~~تنكر أنك تفكر وتحس وتشعر، ms28 وإذن فنفسك وما يصدر عنها من تفكير وحسن شعور، كل ~~ذلك حقائق ثابتة لا تحتمل شكا ولا جدالا؛ ومن هنا قامت الفلسفة السقراطية، ~~أولا: على محاربة السوفسطائية، وإثبات أن هناك حقائق موجودة، وثانيا: على أن ~~هذه الحقائق، إنما تعلم إذا علمت النفس الإنسانية التي هي السبيل الحقيقية ~~إلى إدراكها، وثالثا: على أن العلم بهذه النفس ليس معناه إلا العلم بجوهرها ~~وما يلائمها وما يخالفها. ورابعا: على أن العلم بهذا كله ليس الغرض منه - أو ~~لا ينبغي أن يكون الغرض منه - إلا السعادة التي هي تحصيل ما يلائم النفس وتجنب ~~ما يخالفها، وخامسا: أن الحياة كلها تدور حول محور واحد عنه صدرت وإليه تنتهي، ~~وهو الخير. هذه هي خلاصة الفلسفة التي يمكن أن تضاف إلى سقراط، وهي شيء من ~~اليسير أن يوجز في جمل قصار، ولكن من العسير جدا أن يحصى تأثيره في الحياة ~~الإنسانية والعقل الإنساني. # على أن من التقصير أن نزعم أن فلسفة سقراط قد انتهت عند هذا الحد، بل من الحق ~~أن نقول: إن هناك وجها آخر من وجوه الفلسفة السقراطية يحسن ألا ننساه وألا ~~نهمله، وهو منهجه في البحث وطريقته في التفكير، فلم يكن سقراط كغيره من ~~الفلاسفة الذين تقدموه، ولا كغيره من الفلاسفة الذين جاءوا بعده بزمن قصير، ~~يواجه المباحث الفلسفية مباشرة، ويهجم عليها هجوما عنيفا، حتى يخلص منها إلى ~~نتائجها، وإنما كان يدور حول المباحث الفلسفية في رفق ولطف، وما يزال يدور ~~حولها، حتى يجد مسلكا ضيقا يسلكه فينتهي به إلى النتيجة التي كان يبتغيها. ~~هذه الطريقة الفلسفية هي طريقة الحوار. لم يكن سقراط يضع أمامه مسألة بعينها ثم ~~يأخذ في التحليل والنقد والتعليم حتى ينتهي إلى ما يريد، وإنما كان يتحدث، ~~فيسأل ويناقش جواب المسئول، ثم يسأل، ثم يتعرض للسؤال، ثم يجيب، ثم يورط ~~محاوره في الخطأ، أو يتورط هو في الخطأ، وما يزال في حوار وفي أخذ ورد حتى ~~يستخلص النتيجة كأنها إحدى القضايا الأولية التي لا تحتمل الشك ولا الجدال. ~~ومصدر هذه ms29 الطريقة أن سقراط كان يعتقد أن النفس بطبيعتها قادرة على العلم ~~بالأشياء، وعلى استكشاف الحقائق، ولكن ظروف الحياة العملية وأعراضها، وما ورث ~~الناس من عادات وأخلاق، ومن أساطير وسخافات، كل ذلك قد تراكم على هذه النفس ~~الصافية كما يتراكم الصدأ على المرآة. فعمل الفيلسوف ليس هو تعليم الإنسان ما ~~لم يعلم، وإنما هو إعداد الإنسان لكشف الحقائق، أو قل: إن عمل الفيلسوف إنما هو ~~إزالة هذا الصدأ عن المرآة، حتى إذا أتم صقلها وتصفية جوهرها تجلت فيها ~~الحقائق واضحة بينة. ومن هنا كان سقراط يعلن أنه لا يعلم الناس شيئا؛ لأنه ~~لا يعلم شيئا، وإنما يبحث معهم عن الحق فيجده حينا ويخطئه حينا، ومن هنا ~~سميت طريقة سقراط طريقة «التوليد»؛ لأنه كان يعتقد أن النفس مشتملة على الحقائق ~~كما تشتمل الأم على الجنين، وأن عمل الفيلسوف هو استخراج هذه الحقائق من النفس، ~~كما أن عمل القابلة هو استخراج الجنين من الأم. وسواء أكانت هذه التسمية صحيحة ~~أم لم تكن، وسواء أكانت بينها وبين صناعة سقراط صلة أم لم تكن، فليس من شك في ~~أن هذه التسمية تصف طريقة سقراط الفلسفية في البحث وصفا دقيقا. # أعتقد أني قد أجملت لك ما يمكن إجماله من فلسفة سقراط وما هو بمعزل عن النزاع ~~والجدال، فهناك مسائل كثيرة يختلف العلماء في صحة إضافتها إلى سقراط. ولم يبق ~~علي الآن إلا أن أجمل لك مقدار التأثير الذي أحدثه سقراط في العصر الذي جاء ~~بعده مباشرة. # قلت: إن الشباب الأثيني كان شديد الالتفاف حول سقراط، وإن الناس تسامعوا به في ~~جميع البلاد اليونانية، فأقبلوا إليه واشتركوا في حواره، فلما قضي عليه بالموت ~~وأنفذ فيه هذا القضاء، ظهر في أثينا روح رجعي معاد للفلسفة والفلاسفة ميال إلى ~~المحافظة في الرأي، فتفرق تلاميذ سقراط الأصفياء سواء منهم الأثينيون وغير ~~الأثينيين. فمنهم من عاد إلى وطنه وأخذ يعلم الفلسفة فيه، ومنهم من هاجر إلى ~~أرض أخرى وأنشأ فيها مدرسة توارثها خلفاؤه من بعده، ومنهم من ساح في الأرض، ~~ومنهم ms30 من استخفى في أثينا وترك الفلسفة إلى حين، حتى إذا هدأت العاصفة استأنف ~~بحثه الفلسفي وأخذ يعلم الناس. كل هؤلاء التلاميذ نشروا في أطراف الأرض ~~اليونانية فلسفة سقراط وفلسفتهم الخاصة. وما هي إلا أعوام بعد موت سقراط. حتى ~~كان تلاميذه قد أنشئوا المدارس المختلفة في أطراف من بلاد اليونان الحقيقية أو ~~في بعض المدن الإيطالية والآسيوية، بل في إفريقية. وأخذت هذه المدارس بحظوظها ~~المختلفة من الحياة، فمنها ما بقي وحفظت آثاره، ومنها ما ذهب به عبث الأيام. ~~ولست أذكر من هذه المدارس إلا ثلاثا كان لها أثرا عظيما جدا في حياة ~~العالم القديم، وكان لبعضها أثر لا يزال قويا في حياة العالم الحديث: ~~الأولى: مدرسة «الكلبيين» التي أنشأها رجل من تلاميذ سقراط يسمى «أنتستين» ~~(Antistène) # في أثينا، والتي اتخذت اسمها ~~من المكان الذي أنشئت فيه، والتي كانت تقوم فلسفتها على قاعدة سقراط التي ~~قدمناها، وهي معرفة النفس بالنفس، ولكنها كانت تطبق هذه القاعدة تطبيقا ~~انتهى بها إلى الزهد وإلى المبالغة فيه؛ لأنها حاولت أن تعرف النفس فعرفتها ~~واستغنت بها عن كل شيء، وحملتها هذه المعرفة على أن تزدري الحياة والأحياء، وما ~~يستمتعون به من لذة، وما يتهالكون عليه من زينة. ولعلك تعرف كثيرا من أخبار ~~«ديوجين» ~~(Diogène) # الذي كان يبحث عن الإنسان ~~فلا يجده؛ لأن الإنسان عنده هو من عرف نفسه؛ وأي الناس يعرف نفسه! والذي يقال ~~إنه كان يأوي إلى دن يتخذه له بيتا، وكان لا يكره أن يستظل السماء ويتخذ ~~الأرض له وطاء ويشرب الماء بيده يستغني بها عن الأقداح، والذي يقال إن ~~الإسكندر زاره وسأله: ماذا يريد؟ فأجابه: أريد ألا تحجب عني الشمس، فقال ~~الإسكندر: لو لم أكن الإسكندر لوددت أن أكون ديوجين. كان تأثير هذه المدرسة ~~شديدا جدا في العصور الأولى؛ فقد انبعث تلاميذها في البلاد اليونانية في ~~أزياء الفقراء والمعوزين لا يلتمسون من الناس شيئا، ولكنهم يدعونهم إلى الزهد ~~والقناعة والانصراف عن اللذات. ولعلك تذكر ما كان لمثل هذه النظريات من الأثر ي ~~حياة العالم ms31 القديم، ولا سيما أيام الإمبراطورية الرومانية قبل انتشار الديانة ~~المسيحية. # المدرسة الثانية: مدرسة «قورينا» ~~(Cyrène) ~~، أو ~~مدرسة «برقة»، وهي مدرسة مناقضة من كل وجه للمدرسة التي قدمت لك ذكرها، ~~أنشأها تلميذ من تلاميذ سقراط يقال له أرستيب ~~(Aristippe) ~~، وتوارثها خلفاؤه من بعده ~~إلى أيام المقدونيين في مصر، وكانت تقوم أيضا على قاعدة سقراط «اعرف نفسك ~~بنفسك»، ولكنها سلكت سبيلا غير سبيل «الكلبيين»، عرف النفس فوجدت أن الخير ~~إنما هو في أن تزدري النفس الحياة والأحياء ازدراء لا يقوم على الزهد والحرمان، ~~وإنما يقوم على اللذة والاستمتاع بالخير، ما وجدت إلى هذا الاستمتاع سبيلا. ~~فلم الحرمان؟ ولم الزهد ولم النفاق؟ ألست تشعر بأن شيئا يلذك وشيئا يؤذيك! ~~فالخير هو أن تؤثر ما يلذك على ما يؤذيك، ولكن لا على أن تجعل نفسك عبدا للذة، ~~بل على أن تجعل اللذة أمة لنفسك، تأخذ منها ما استطعت، دون أن تأسف عليها إذا ~~حيل بينك وبينها، ودون أن تضحي في سبيلها بإنسانيتك في حاجة إلى أن أذكرك بما ~~كان لهذه المدرسة من التأثير في الحياة القديمة؛ فأنت تعلم أن مذهبين خلقيين ~~كانا يتنازعان حياة القدماء: أحدهما مذهب الزهد الذي أعلنه الكلبيون بعد سقراط، ~~وبالغ فيه الرواقيون بعد أرسطاطاليس. والآخر مذهب اللذة الذي أعلنه «أرستيب» ~~بعد سقراط، وبالغ فيه «أبيقور» ~~(Epicure) # بعد ~~أرسطاطاليس. # أما المدرسة الثالثة، فهي أبقى المدارس التي نشأت عن فلسفة سقراط وأبعدها أثرا ~~في الحياة الإنسانية، وأعظمها حظا في الخلود: أثرت في العالم القديم، وأثرت ~~في القرون الوسطى، وأثرت في العالم الحديث، وما زال لها أنصارها وتلاميذها إلى ~~اليوم وإلى ما بعد اليوم؛ ولكني لا أحدثك عنها في هذا الفصل؛ فهي تحتاج إلى ~~فصل خاص؛ لأنها نشأت لنا رجلين من قادة الفكر الإنساني العام: أحدهما: ~~«أفلاطون»، والآخر: «أرسطاطاليس». # | أفلاطون # كان سقراط قد نيف على الخمسين حين ولد أفلاطون سنة 428 قبل المسيح؛ فكان أثر الحوادث ~~التي امتلأ بها الثلث الأخير للقرن الخامس مختلفا في نفس الشيخ المجرب سقراط، وفي ~~نفس الشاب الحدث ms32 أفلاطون: فبينما كان الشيخ ينظر إلى هذه الحوادث نظرة الفاهم لها، ~~الذي لا يخفى عليه من أسبابها ونتائجها شيء، كان هذا الشباب ينظر إلى هذه الحوادث نظر ~~المرتاع لها، الذي لا يقدرها ولا يكاد يفهمها. # ولعل هذا الاختلاف في النظر إلى الحوادث وفهمها والحكم عليها؛ ظاهرة مطردة في تاريخ ~~الإنسانية كلها، على خلاف أجيالها وبيئاتها. فالإنسانية منقسمة دائما إلى الشيوخ ~~والشبان، ونظر الشيوخ مخالف لنظر الشبان، وأثر الحادثة المعينة في نفس الشيخ غيره في ~~نفس الشاب. # ومن هنا كان الاختلاف بين الأجيال، ومن هنا كان تطور الإنسانية المطرد، غير أن ~~الحوادث تختلف قوة وضعفا؛ فمنها ما هو هول كله، ومنها ما هو لين كله، ونفوس الشيوخ ~~والشبان تختلف اختلافا شديدا، فمنها الممتاز ومنها العادي. # فإذا اجتمعت الأحداث التي ليست في نفسها إلا هولا وإذا قضت المصادفة أن توجد بإزاء ~~هذه الحوادث نفوس ممتازة راقية في حسها أو فهمها أو حكمها، كان من المعقول جدا أن ~~يوجد الفيلسوف، أو أن يوجد الرجل العظيم؛ وكان من المعقول جدا أن يظهر الاختلاف بين ~~الناس في فهمهم للأشياء وحكمهم عليها. وقد أرادت المصادفة أن تجتمع في هذا العصر، ~~الذي كان أفلاطون يستقبل فيه الحياة وسقراط يستقبل فيه الموت، أحداث عظيمة خطيرة، لم ~~تعهدها الإنسانية من قبل، وأقول الإنسانية، وأستعمل هذا اللفظ العام على عمومه ~~متعمدا، فقد اعتادت الإنسانية الحروب، وتعرضت للأهوال، وتجشمت الخطوب منذ عرفت ~~الحياة المنظمة، ولكنها لم تكن قد عرفت حربا، ولا تعرضت لهول، ولا تجشمت خطبا كتلك ~~الحروب، وتلك الأهوال والخطوب التي تعرضت لها في آخر القرن الخامس قبل المسيح. # الأمر في تلك الحروب كالأمر في الحرب العظمى التي لم ننسها بعد، والتي لا نخطئ إن ~~قلنا إن الإنسانية لم تعرف حربا تعدلها هولا وفظاعة. فإذا أردنا أن نعلل هذا ~~فتعليله يسير، وهو أن العالم كان قد انتهى في سنة 1914 إلى حد من الرقي غير مألوف، ~~وأن الحرب استفادت من رقي العالم، فأضافت إلى أهوالها المألوفة أهوالا لم يكن للناس ms33 ~~بها عهد من قبل. كذلك الحال في تلك الحرب التي اضطرب لها العالم القديم في آخر القرن ~~الخامس قبل المسيح، والتي شبت نارها حين كان الإنسان قد انتهى من الحضارة والعلم ~~والقوة إلى حدود بعيدة جعلت هذه الحرب بدعا من الحروب التي سبقتها. # أنت تعلم أن هذه الحرب هي التي يعرفها التاريخ باسم حرب «بيلوبونيز» ~~(Péloponèse) ~~، ولست في حاجة إلى أن أصف لك ~~أهوالها، أو ألم بشيء من آثارها المنكرة في حياة العالم القديم؛ فقد تستطيع أن ~~تظفر بما شئت من ذلك في كتب التاريخ، ولا سيما في كتاب «توسيديد» ~~(Thucydide) # الأثيني الذي اشترك في هذه الحرب، ~~وكتب في تاريخها كتابا هو آية من آيات الفن القديم. # نشبت هذه الحرب بين أثينا وإسبرطا في نحو العصر الذي ولد فيه أفلاطون، ولم تلبث أن ~~اشتملت بلاد اليونان جميعا، ثم لم تلبث أن تجاوزت بلاد اليونان الحقيقية إلى ~~المستعمرات اليونانية في آسيا الصغرى وفي إيطاليا وصقلية، ثم لم تلبث أن تجاوزت ~~العالم اليوناني إلى العالم الشرقي، فتدخلت فيها الفرس، ثم تدخلت فيها أمم أخرى غير ~~الفرس، إما خاضعة لأمر الفرس، وإما مخالفة للفرس وإما مناوئة للفرس، وعلى هذا النحو ~~انتهت هذه الحرب إلى أن أحدثت اضطرابا عالميا أخذت كل الشعوب الحية يومئذ منه بحظ. ~~ولم تدم سنة أو سنتين، وإنما اتصلت ربع قرن، ولم تقتصر آثارها على إزهاق النفوس وسفك ~~الدماء وتدمير المدن، وإزالة السلطان وتبديد ألوان الثروة، وإنما كانت لها آثار أخرى ~~أبعد من هذه الآثار، وأشد عملا في الحياة الإنسانية، أريد بها الآثار العقلية ~~والسياسية والاجتماعية؛ فقد أظهرت هذه الحرب فساد القديم من أكثر وجوهه، وضرورة ~~العدول عنه إلى شيء آخر، وأظهرت ضعف ما كانت تقوم عليه الجماعات المختلفة من أسس ونظم ~~وعقائد، واضطرت الإنسان إلى أن يبحث عن أسس أخرى ونظم أخرى يقيم عليها الاجتماع ~~الجديد. # اشترك سقراط في هذه الحرب، فأدى واجبه كما كان يؤديه كل أثيني، ولكنه كان شيخا، ~~وأكبر الظن أنه لم يقدر خطر الحرب، ولم ms34 يحاول التعمق في درس آثارها في الحياة ~~الإنسانية المقبلة، وإنما كان منصرفا عن ذلك إلى فلسفته التي قدمنا تلخيصها في ~~الفصل الماضي. واشترك أفلاطون في هذه الحرب فأدى واجبه كغيره من الأثينيين أيضا، ~~ولكنه لم يكن كسقراط معنيا بفلسفته ومهمته التي كلفه إياها «أبلون» ~~(Apollon) ~~، فلم تكن له فلسفة، ولم يكن «أبلون» ~~قد عهد إليه بشيء، وإنما نشأ في هذه الحرب طفلا، ثم شب فإذا الحرب ما زالت قائمة، ~~وإذا هو مضطر إلى أن يأخذ بنصيبه منها، وقد قلنا إن هذه الحرب عبثت بالنظم المختلفة ~~عبثا شديدا، ويكفي أن نلاحظ أنها أدركت أثينا وهي خاضعة للنظام الديمقراطي المتطرف ~~فما زالت بها حتى عدلت عن نظامها الديمقراطي إلى نظام أرستقراطي، ثم إلى نظام ~~ديمقراطي معتدل، ثم إلى نظام أرستقراطي يشبه الطغيان أو هو الطغيان، ثم انتهت بسقوط ~~أثينا ونزولها عن كل ما كان لها من سلطان في البر والبحر، ثم انتهت بها إلى نظامها ~~الديمقراطي القديم. # وكل هذه الاضطرابات والثورات، لم تقع دون سفك للدماء وعبث بالأرواح والأموال داخل ~~المدينة، مع ما كانت تسفك الحرب من دماء، وتزهق من أرواح، وتبدد من أموال خارج ~~المدينة. أضف إلى هذا كله شيئا آخر خاصا بأفلاطون، وهو أنه كان أرستقراطي المولد: ~~كان ينتهي من جهة أمه إلى «سولون» ~~(solon) ~~، وكانت ~~أسرة أبيه تزعم أنها تنتهي إلى «كدروس» ~~(Codros) # آخر ~~ملوك أثينا. فليس غريبا أن يكون أفلاطون - بحكم مولده الأرستقراطي ونشأته ~~الأرستقراطية، وبحكم هذه الاضطرابات المختلفة - شديد الميل إلى النظام الأرستقراطي، ~~شديد النفور من النظام الديمقراطي. # ولكن النظام الأرستقراطي الذي كان يميل إليه أفلاطون قد اقترف في أثينا ضروبا من ~~الآثام لا سبيل إلى إنكارها، فانصرف عنه أفلاطون كما كان منصرفا عن النظام ~~الديمقراطي، ولبث في شيء من الحيرة غير قليل يلتمس النظام الذي يلائم الحياة ~~الإنسانية حقا، ويبرأ من الآثام حقا. # ولما بلغ أفلاطون العشرين اتصل بسقراط، فلزمه ~~ثمانية أعوام أو تسعة، ولم يكن سقراط أقل منه بغضا للديمقراطية، ولا أقل منه ~~انصرافا عن ms35 الأرستقراطية. وهنا نستطيع أن نلاحظ مسرعين أن الفلسفة اليونانية كانت ~~دائما في حرب متصلة مع الديمقراطية، كما أنها كانت شديدة الكره للنظام الأرستقراطي ~~الذي كان معروفا حينئذ، وكان سخطها على هذين النظامين يحملها على أن تبحث عن نظام ~~سياسي يبرأ من رذائلهما وآثامهما. فاتفقت ميول أفلاطون وميول سقراط السياسية؛ ثم لم ~~تتفق ميولهما السياسية وحدها، بل اتفقا في أشياء كثيرة أخرى: اتفقا في كره هذا ~~الاضطراب العام الذي تناول كل شيء وأفسد كل شيء. واتفقا في كره السوفسطائية الذين لم ~~يكونوا يهيئون لحياة جديدة بريئة من الاضطراب، وإنما كانوا يذيعون الشك، ويؤيدون ~~المنفعة الخاصة، ومن ذكر الشك والمنفعة الخاصة فقد ذكر الاضطراب. واتفقا في الحكم على ~~المذاهب الفلسفية القديمة بالضعف أو الفساد أو العجز عن السيطرة على العقول والإشراف ~~على الحياة الفكرية العامة. واتفقا أيضا في الحكم على الشعر القديم وأثره السيء في ~~نفوس الجمهور، ثم اتفقا في الحكم على أن الديانة الموروثة لا تخلو من سخف وسذاجة ~~يخالفان كل المخالفة ما وصل إليه العقل اليوناني من الرقي. ومن هنا اشتدت الصلة بين ~~الفيلسوف الشيخ وتلميذه الشاب. # حتى إذا انتهى القرن الخامس، وكانت قضية سقراط ثم القضاء عليه، ثم موته، اشتد سخط ~~أفلاطون على أثينا وعلى النظام الديمقراطي فيها، واشتد خوفه من أثينا ونظامها ~~الديمقراطي، فهاجر فيمن هاجر من تلاميذ سقراط، ولجأ في أول الأمر إلى مدينة «مجار» ~~(Mégare) # القريبة من أثينا، وعاش فيها حينا مع ~~صديق له كان تلميذا لسقراط، ثم أسس في هذه المدينة إحدى المدارس السقراطية المشهورة، ~~وهو إقليدس ~~(Euclide) # الذي قد نعرض له في هذا الفصل، ~~ثم ترك أفلاطون مدينة «مجار» وابتدأ سياحة طويلة زار فيها آسيا الصغرى ومصر ~~وبرقة. # ولست في حاجة إلى أن ألفتك إلى تأثير هذه السياحة في نفس أفلاطون؛ ولكني مضطر ~~إلى أن أذكر أن زيارته لمصر تركت في نفسه من غير شك آثارا قوية؛ فقد شاهد في هذه ~~البلاد آثار تلك الحضارة الضخمة التي كان يتحدث بها اليونان في إعجاب لا ms36 حد له. وليس ~~من شك في أن أفلاطون حاول أن يفهم هذه الحضارة بعض الشيء، ولكن ليس من شك أيضا في ~~أنه لم يفهم منها شيئا قليلا، إذ لم يكن يعرف اللغة المصرية، ولم يكن يستطيع أن ~~يتحدث إلى المصريين مباشرة، وإنما عرف ما عرف من أمر مصر بوساطة اليونان الذين لقيهم ~~فيها، شأن المؤرخ اليوناني «هيرودوت»، ومن هنا نستطيع أن نقول: إن الحضارة المصرية لم ~~تؤثر في فلسفة أفلاطون تأثيرا مباشرا، ثم لم تنته سياحة أفلاطون عند زيارة آسيا ~~الصغرى ومصر وبرقة، بل زار أيضا إيطاليا اليونانية، زار صقلية، وكان له فيهما شأن ~~سنلم به بعد قليل. # أشرنا في أول هذا الفصل إلى تلك الحرب التي ~~اضطربت لها الحياة العالمية في طفولة أفلاطون وشبابه. ولا بد من أن نشير هنا إلى ~~الحال السياسية في القرن الرابع قبل المسيح؛ فقد كان لهذه الحال في حياة أفلاطون ~~وفلسفته تأثيرا ليس أقل من تأثير الحال السياسية في القرن الخامس. كان هذا القرن ~~الرابع عصر انحطاط وانحلال في الحياة العامة كلها، سواء في ذلك البلاد اليونانية ~~والبلاد الفارسية فبينما كانت الخصومة السياسية بين الأحزاب قد انتهت إلى أقصاها في ~~داخل المدن اليونانية كانت الخصومة السياسية العسكرية قد انتهت إلى أقصاها بين المدن ~~اليونانية. وكذلك كانت المدن منشقة مضطربة في حياتها الداخلية: يمزق بعضها بعضا، ~~وينفي الحزب المنتصر أفراد الحزب المنهزم أو يقتلهم، ثم لا يدوم له الانتصار إلا ~~حينا قصيرا؛ فإذا انتصر الحزب المغلوب ثأر لنفسه. وكانت الحياة السياسية الدولية - ~~إن صح هذا التعبير - أشد فسادا من الحياة السياسية الداخلية؛ فكانت السيطرة متنقلة ~~في المدن، وكانت هذه المدن تتنازع السلطان؛ فكانت السيادة (لإسبرطة) ~~(Sparte) # حينا و(لطيبة) ~~(Thèbes) # حينا آخر. وكانت أثينا مترددة بين هاتين المدينتين، ~~تنتهز الفرص وتتربص الدوائر. وكان الشعور بالكرامة اليونانية والواجب الوطني قد فسد ~~أو انمحى؛ فلم يكن اليونان أفرادا وجماعات يترددون في اقتراف الخيانة العظمى، ولم ~~يكن الفرد يأبى أن يضحي بمدينته في سبيل منفعته الخاصة، ولم تكن المدينة ms37 تكره أن تضحي ~~بالأمة اليونانية كلها في سبيل منفعتها الخاصة. # ومن هنا كان تدخل الأمة الفارسية في أمور اليونان، وانتهى هذا التدخل إلى أن أصبح ملك ~~الفرس مسيطرا على الحياة اليونانية الداخلية والخارجية: يشهر الحرب بين المدن، حتى ~~إذا أضعفها اضطرها إلى الصلح، وفرض عليها شروطه وقواعده. غير أن الأمة الفارسية نفسها ~~لم تكن أحسن حالا من الأمة اليونانية - فقد كان الفساد قد عبث بها وتغلغل في ~~طبقاتها، حتى عجزت عن الاحتفاظ بملكها وسلطانها، ولجأت إلى اليونان تستأجرهم لحماية ~~هذا الملك والسلطان، ولإخضاع الأقاليم التي أخذت تضطرب وتثور وتنفصل عن ~~الإمبراطورية. # وعلى هذا النحو زال التوازن الذي كانت تقوم عليه الحياة السياسية في العالم القديم، ~~والذي كان يعتمد على قوة اليونان في الغرب، وقوة الفرس في الشرق. زال هذا التوازن ~~فضعف اليونان وضعف الفرس، وأخذ كل من الفريقين يلجأ إلى صاحبه ويسخر منه: أخذ الفرس ~~يلجئون إلى اليونان، وأخذ اليونان يلجئون إلى الفرس: أولئك يبذلون المال، وهؤلاء ~~يبذلون الرجال. # ويظهر في ذلك الوقت أن النظم السياسية القديمة كلها قد أخفقت إخفاقا تاما: فأخفق ~~النظام الديمقراطي والأرستقراطي في بلاد اليونان، وأخفق نظام الملكية الفردية في بلاد ~~الفرس وفي الشرق كله، وترددت الإنسانية بين اثنتين: إما الدمار والفناء، وإما نظام ~~سياسي جديد يخرجها من هذه الفوضى، كذلك كانت الحال في بلاد اليونان وفي الشرق. ولم ~~تكن الحال في إيطاليا وصقلية خيرا منها في بلاد اليونان الحقيقية وفي فارس، فقد كانت ~~المدن اليونانية في إيطاليا وصقلية مضطربة في داخلها مختصمة فيما بينها، وكان عبث ~~الأحزاب بها شديدا. # ومع ذلك فقد خيل إلى أفلاطون أن هذه المدن اليونانية في إيطاليا وصقلية قد تكون خيرا ~~من المدن اليونانية الحقيقية؛ فهاجر إليها، واستفاد من هذه المهاجرة فائدتين عظيمتين، ~~كان لهما أثر عظيم جدا في حياته الفلسفية النظرية والعملية. ذلك أنه درس في هذه ~~المدن مذاهب الفلاسفة القدماء الذين نشئوا في إيطاليا ولا سيما مذهب «الفيثاغوريين» ~~(Pythagorricien) # الذي كان يجمع بين الفلسفة ~~النظرية والعملية، وكان يزعم لنفسه ms38 القدرة على تدبير المدن تدبيرا يلائم المنفعة ~~الحقيقية، وكان منتصرا في بعض المدن، متسلطا على الحياة السياسية فيها، ثم زار ~~صقلية مدينة «سراقوس» ~~(Syraceuse) # وكانت حينئذ عظيمة ~~البأس، واسعة السلطان، وكانت خاضعة لنظام الطغيان، يشرف عليها طاغية قوي يقال له ~~«دنيس» ~~(Denys) ~~. وكان بالقرب من هذا الطاغية رجل حكيم ~~فيلسوف يقال له «ديون» ~~(Doin) # كان صديقا لأفلاطون ~~يشاركه في أهوائه السياسية، فخيل إليه أنهما يستطيعان أن يؤثرا في الطاغية، ~~ويحملاه على نوع من الحكم يلائم المثل الأعلى الذي كانا يطمحان إليه. ولكنهما لم ~~يكادا يقدمان إلى الطاغية نصائحهما، ويظهرانه على آرائهما، حتى نفر منهما وسخط ~~عليهما؛ ويقال إنه باع أفلاطون كما يباع الرقيق. # عاد أفلاطون إلى أثينا، وكانت قد نسيت سقراط وأعرضت عن تلاميذه، فاستطاع أن يستقر ~~فيها، وأن ينشئ فيها مدرسة، هي الأكاديمية ~~(Accadémie) ~~. على أنه لم يطل المقام في أثينا ~~بل عاد إلى صقلية؛ ذلك لأن الطاغية الذي كان مشرفا على «سراقوس» قد مات، وآل الأمر ~~إلى ابنه من بعده، فخيل إلى الصديقين الحكيمين أن هذا الطاغية الشاب سيكون أسمع ~~لهما وأطوع من أبيه، ولكن الشاب لم يكن أقل من أبيه حرصا على الطغيان ونفورا من ~~حكمة الحكماء، فغضب ثم ارتحل مرة ثالثة إلى صقلية. وحاول في هذه المرة أن لا يؤثر في ~~الطاغية، بل أن يصلح بينه وبين صديقه «ديون»؛ على أنه أخفق في هذا أيضا، ولم ينج من ~~سخط الطاغية إلا بمشقة. عاد إلى أثينا وقد ذهبت تلك الآمال التي كانت تبسم له وتضيء ~~حياته وتخيل إليه أنه يستطيع أن يقر المدنية الفاضلة على الأرض، فاستقر فيها وانقطع ~~إلى مدرسته، وأخذ يعلم حتى مات سنة 347. # عسير جدا درس فلسفة سقراط؛ لأن سقراط لم يكتب شيئا، وعسير جدا درس فلسفة ~~أفلاطون؛ لأن أفلاطون كتب كثيرا، ولأن فهم هذه الكتب التي تركها أفلاطون وبقيت كلها ~~وهي تنيف على الثلاثين ليس بالأمر اليسير. ليس بالأمر اليسير؛ لأن هناك ضروبا من ~~التناقض بين هذه الكتب من جهة، ولأن آراء الفيلسوف ms39 في بعض المسائل قد بلغت من الغموض ~~والدقة حدا عظيما جدا ، ثم لأن هذا التناقض يمكن تفسيره وإزالته. لو استطعنا أن ~~نتبين التاريخ الذي كتبت فيه هذه الكتب. بحيث نستطيع أن نقول إن هذا الرأي قد جاء بعد ~~هذا الرأي؛ فهو يدل على أن الفيلسوف قد تطور وغير من آرائه قليلا أو كثيرا. ولكن من ~~العسير جدا، أو قل من المستحيل، تحديد التواريخ التي كتبت فيها آثار أفلاطون. ونحن ~~نعلم أن أفلاطون قد بدأ الكتابة منذ مات سقراط، أي في أول القرن الرابع، وظل يكتب ~~ويعلم إلى أن مات، أي في أول النصف الثاني من هذا القرن. وليس غريبا أن تتطور آراء ~~الفيلسوف وتتغير في خمسين سنة، ولا سيما إذا لم يكن الفيلسوف قد لزم حياة هادئة ~~مطمئنة. فليس إذا سبيل إلى الشك في أن فلسفة أفلاطون قد تغيرت وخضعت لألوان من ~~التطور يمكن تحديدها لو ظفرنا بالتواريخ التي كتبت فيها الكتب الأفلاطونية. ومن هنا ~~اجتهد العلماء المحدثون في البحث عن هذه التواريخ، وسلكوا إلى ذلك سبلا مختلفة؛ ~~فمنهم من حاول ترتيب الكتب الأفلاطونية ترتيبا منطقيا، ومنهم من حاول أن يؤرخ كل ~~كتاب بما يجد فيه، أو بما يمكن أن يجد فيه، من الأسماء والتعريض بالحوادث التاريخية. ~~ولكن كتبا كثيرة لأفلاطون تخلو من هذه الحوادث، ومن هذه الأسماء. وآخر ما اهتدى إليه ~~الباحثون في هذا النحو، هو الطريقة اللغوية، وهي التي تمكن من تحديد التاريخ الذي ظهر ~~فيه الكتاب بوساطة لغة الكتاب نفسه، ذلك أن لغة الكاتب تتطور كما تتطور آراؤه؛ فإذا ~~استطعنا أن نعين لغة أفلاطون في شبابه، ثم كهولته، ثم شيخوخته، فقد استطعنا أن نؤرخ ~~كتبه. # ويظهر أن هذه الطريقة هي أقوم الطرق. ويقول النقاد والمؤرخون المحدثون إنها قد انتهت ~~بهم إلى نتائج قيمة، وينتظر أن تنتهي بهم إلى تحديد هذه التواريخ على وجه التقريب. ~~ومهما يكن من شيء، فلم يعرف العالم القديم قبل أفلاطون فلسفة بلغت من السمعة والعمق ~~والتفصيل ما بلغته فلسفة أفلاطون. فقد كان الفلاسفة ms40 القدماء يحاولون فهم الكون ~~وتفسيره، ويجدون في ذلك حتى يحدثوا مذهبا من المذاهب، ويزعمون أنه يفسر الوجود ~~والموجود، ثم يقنعون بهذا المذهب، فيعلمونه ويؤيدونه ويذهبون عنه. ثم جاء عصر الشك ~~الذي أنكر هذه المذاهب جملة، ثم جاء سقراط فحاول شيئا آخر غير ما حاوله الفلاسفة ~~القدماء، وهو جعل الإنسان نفسه موضوعا للفلسفة مكان الكون والكائنات، أو مكان الوجود ~~والموجود. ولكن سقراط لم يتجاوز أو لم يكد يتجاوز هذه النظرية التي تجعل الإنسان ~~موضوعا للفلسفة، وتجعل معرفة الإنسان نفسه شرطا ومصدرا لمعرفة الكون والكائنات، ثم ~~جاء تلاميذ سقراط وكلهم احتفظ بالنظام الفلسفي القديم، فأسس مذهبا بعينه، وأخذ يعلمه ~~ويؤيده ويذود عنه. وكل ما تمتاز به فلسفة هؤلاء التلاميذ من الفلسفة التي تقدمت سقراط ~~هو أنهم انصرفوا عن الكون والكائنات، وعن الوجود والموجودات إلى الإنسان، فاتخذوه ~~موضوعا لفلسفتهم، وأخذوا يلتمسون الوسيلة إلى رقيه وسعادته: فمنهم من وجد ذلك في ~~اللذة، ومنهم من وجد ذلك في الزهد. أما أفلاطون فإنه خالف الفلاسفة الذين تقدموا ~~سقراط وخالف سقراط نفسه، وخالف تلاميذ سقراط أيضا، واستحدث في الفلسفة بدعا لم يكن ~~مألوفا من قبل: فلم يتخذ الكون موضوعا للفلسفة، ولم يتخذ الإنسان موضوعا لها، ~~وإنما اتخذ الكون والإنسان جميعا موضوعا لمباحثه الفلسفية. ثم لم يتخذهما موضوعا ~~لبحث فلسفي خاص، ينشئه هو، ويقصر عليه عنايته وحياته، ويطبعه بطابعه الخاص، وإنما ~~حاول شيئا أعظم من هذا كله، ووفق فيه توفيقا غريبا: حاول شيئا لم يكن قد حاوله ~~أحد من قبل، وهو درس هذه المذاهب الفلسفية الكثيرة المختلفة، وموازنتها، واستخلاص ما ~~فيها جميعا من خير، وإقامة فلسفة جديدة من جهة وقديمة من جهة أخرى: جديدة لأن الناس ~~لم يألفوها. وقديمة لأنها لم تنشأ من لا شيء، وإنما تعتمد على المذاهب الفلسفية كلها. ~~وفي الحق أنك تجد في فلسفة أفلاطون شيئا من كل المذاهب الفلسفية التي سبقته: تجد ~~فيها شيئا من مذهب الاستحالة، وتجد فيها شيئا من مذهب الوحدة، وتجد فيها فلسفة ~~سقراط، وتجد فيها خلاصة الآراء السقراطية، ثم تجد ms41 فيها الفلسفة «الفيثاغورية» ثم تجد ~~فيها أشياء أخرى، منها ما يرجع إلى الدين، ومنها ما يرجع إلى الأدب، ومنها ما يرجع ~~إلى شخصية أفلاطون نفسه. وكل ذلك متسق منسجم، لا يظهر فيها الاختلاف ولا التباين، ~~وإنما هو مطبوع بهذا الطابع القومي الذي يمثل شخصية أفلاطون. # ومن أية ناحية نستطيع أن ندرس أفلاطون؟ بل من أي ناحية نحب أن ندرس أفلاطون؟ فنحن نجد ~~في أفلاطون شخصيات مختلفة، كلها خليق بالدرس، محبب إلى الباحث. نستطيع أن ندرس ~~أفلاطون من حيث إنه كاتب؛ فنحن نعلم أن تاريخ الأدب اليوناني لم يعرف كاتبا ثائرا ~~كأفلاطون، وأن آثار أفلاطون كلها آيات، لا بالقياس إلى الأدب اليوناني وحده، بل ~~بالقياس إلى الأدب الإنساني كله، سواء منه القديم والحديث. ونحن نعلم أن كل إنسان - ~~مهما يكن حظه من الرقي العقلي، ومهما تكن جنسيته وحضارته - يستطيع إذا قرأ أفلاطون أن ~~يجد فيه لذة لا تعدلها لذة، ولا يشعر بها الإنسان إلا حين يقرأ آيات اليونان، ثم ~~نستطيع أن ندرس أفلاطون من ناحية أخرى غير ناحية الكتابة والنثر، وهي ناحية الشعر ~~والخيال، فلم ينظم أفلاطون الشعر على قواعد العروض والقافية، ولكنه كان شاعرا في ~~نثره؛ ولا يعرف تاريخ الأدب القديم شاعرا كان له من قوة الخيال ولطفه وسحره وسلطانه ~~على النفوس مثل أفلاطون. ثم نستطيع أن ندرس أفلاطون من ناحية ثالثة، هي ناحية ~~الفيلسوف الذي يبحث عما بعد الطبيعة. فيتعمق في بحثه تعمقا لم يسبق إليه، وأخشى أن ~~أقول لم يلحق فيه، بل أستطيع أن أقول ذلك، بشرط أن أستثني تلميذه «أرسطاطاليس». ثم ~~هناك ناحية رابعة، نستطيع أن ندرس منها أفلاطون، وهي ناحية الفيلسوف الخلقي، الذي ~~يؤسس علم الأخلاق، لا على مبادئ سقراط وحدها، بل عليها وعلى مبادئ أخرى، استطاع هو أن ~~يكشفها أثناء بحثه عن الطبيعة وعما بعد الطبيعة. ثم هناك ناحية خامسة نستطيع أن ندرس ~~منها أفلاطون وهي ناحية الفيلسوف السياسي، الذي وضع علم السياسة، وحاول لا أن يتفهم ~~الحياة السياسية فحسب، بل أن يضع نظاما سياسيا ms42 يعتقد هو أنه المثل الأعلى ~~للإنسانية المنظمة. ثم هناك ناحية سادسة ، نستطيع أن ندرس منها أفلاطون، وهي ناحية ~~الفيلسوف النفسي، الذي هون الأمر على أرسطاطاليس وغير أرسطاطاليس من الذين عنوا ~~بالمنطق، ووضع علما جديدا يبحث عن المعرفة وشروطها ونظمها وغايتها، فوضع أساس ~~المنطق، وأساس علم النفس، أو قل: وضع أساس الفلسفة كلها. تستطيع أن تدرس أفلاطون من ~~كل هذه النواحي. ولكنك تستطيع أن تطمئن؛ فلن أدرس أفلاطون في هذا البحث من كل هذه ~~النواحي؛ فمثل هذا الدرس يحتاج إلى كتاب ضخم لست أنا الذي يستطيع أن يضعه. إنما أريد ~~أن أوجز لك أشد الإيجاز، خلاصة من الفلسفة الأفلاطونية التي كان لها الأثر العظيم ~~جدا في قيادة الفكر الإنساني قديما وحديثا. # ولا بد قبل كل شيء من أن نشير إلى المذهب الأفلاطوني في كتابه الفلسفة ودرسها. وهذا ~~المذهب في نفسه هو مذهب سقراط، أي أنه يعتمد قبل كل شيء على الحوار، وإذن فهو في نفسه ~~غير جديد. ولكن لا تنس أن سقراط كان يحاور محاورة لسانية، أي إنه كان يناقش أصحابه ~~وتلاميذه بالفعل. أما أفلاطون فلم يكن يحاور حوارا لسانيا، وإنما كان يكتب. والفرق ~~عظيم بين رجل يلقاك فيحاورك، وبين رجل لا يلقاك ولا يحاورك بالفعل، وإنما يستوحي قلمه ~~حوارا بديعا: تخيل أشخاصه، واخترع موضوعه اختراعا. كان سقراط متحدثا، أما أفلاطون ~~فمؤلف منشئ. ومن هنا كان من الحق الاعتراف لأفلاطون بفضيلة هذا الفن الفلسفي الأدبي، ~~الذي لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، وهو فن الحوار. نعم! إن أفلاطون لم يخترع الحوار ~~اختراعا، وإنما تأثر بمؤثرين مختلفين، نذكرهما لنلفتك إلى الصلة بين الفلسفة ~~والأدب. # الأول: فن التمثيل الذي بلغ أقصى ما كان ينتظر له من الرقي في القرن الخامس، وأثر في ~~حياة الأثينيين خاصة واليونان عامة، تأثيرا لا حد له. هذا الفن يعتمد على الحوار، ~~سواء في ذلك قصصه المحزنة والمضحكة. وهو بهذا الأسلوب، أسلوب الحوار، قد استطاع أن ~~يؤثر في الجمهور ويبلغ من نفسه ما كان يريد. فليس عجيبا أن يفتن ms43 الناس بالحوار ~~ويتخذوه أسلوبا من أساليبهم الأدبية. ونستطيع أن نقول: إن كتب أفلاطون كلها أو ~~أكثرها قصص تمثيلية فلسفية. فكتب أفلاطون كلها أو أكثرها عبارة عن مجلس من المجالس، ~~يجتمع فيه الناس حول سقراط فيتحدثون، وينتهي بهم الحديث إلى موضوع من الموضوعات ذات ~~الخطر، فيتحاورون فيه، ويشرف سقراط على هذا الحوار وما يزال بأصحابه وتلاميذه ينقلهم ~~من موضوع إلى موضوع ومن مسألة إلى مسألة، ومن صعوبة إلى صعوبة، حتى ينتهي بهم إلى ~~النتيجة الفلسفية التي كان يريد إثباتها. وكل هذه الكتب أو أكثرها لا تتخذ أسماءها من ~~الموضوعات التي تدرس فيها، وإنما تسمى بأسماء الأشخاص الذين لهم في الحوار منزلة ~~خاصة، فهناك «فيدون» ~~(Phédon) ~~، و«برتاجوراس» ~~(Protagoras) ~~، و«جرجياس» ~~(Gorgias) ~~، و«ألسبياد» ~~(Alcibiade) ~~، وغيرها من الكتب التي تسمى بأسماء ~~الأشخاص؛ وقليلة جدا تلك الكتب التي تسمى بأسماء الموضوعات، كالجمهورية والقوانين ~~وغيرهما. # المؤثر الثاني: الشعر، وأريد الشعر الغنائي الذي تعمق في البحث عن العواطف الإنسانية، ~~حتى اهتدى إلى دقائقها، وارتقى في تشخيص هذه العواطف وتمثيلها، حتى بلغ من العظمة ~~حدا ربما لم يبلغه الشعر الحديث. وقد يكون من الحق ألا ننسى الشعر القصصي، الذي ~~اعتمد عليه أفلاطون في هذه الأساطير المنبثة في كتبه، والتي يستعين بها على تفسير ~~النظريات الفلسفية وتقريبها. فأنت ترى أن أفلاطون لم يخترع فنه الأدبي اختراعا، ~~وإنما تأثر فيه بألوان الشعر الثلاثة، كما أنه لم يخترع فلسفته اختراعا وإنما تأثر ~~فيها بالمذاهب الفلسفية المختلفة التي سبقته وعاصرته. ولكن تأثره بالشعر والفلسفة لم ~~يضطره إلى التقاليد ولم يضعف من شخصيته، وإنما قوى هذه الشخصية تقوية عظيمة. وأين ~~هو هذا النابغة الذي يخترع شيئا من لا شيء ويحدث أحداثا لا تتصل بما قبلها، ولا ~~تتأثر بما حولها؟ وسنرى أن أفلاطون نفسه لم يستطع أن يتصور إلها يوجد شيئا من لا ~~شيء. # كانت فلسفة سقراط حربا على السوفسطائية، وكذلك كانت فلسفة أفلاطون. فإن انتصار سقراط ~~على السوفسطائيين، لم يزل سلطانهم، ولم يمح آثارهم. بل نستطيع أن نقول: إن كثيرا من ~~السوفسطائيين اتخذوا الفلسفة ms44 السقراطية وسيلة إلى تقوية مذهبهم، والإمعان فيما كانوا ~~فيه من شك وتشكيك ، ولعل هذا هو الذي يفسر لنا وجود هذه المدارس السقراطية المتناقضة ~~فيما بينها، والتي انبثت في أقطار الأرض. فلم يكن إذا بد لأفلاطون من أن يذهب مذهب ~~أستاذه في محاربة السوفسطائية، وإقامة فلسفة جديدة تعتمد على أن الحقائق ثابتة، وعلى ~~أن الشك ضرب من الضعف لا خير فيه ولا غناء. وقد سلك أفلاطون إلى تأسيس هذه الفلسفة ~~سبيلا واضحة قيمة، ولكن سلوكها ليس باليسير على غير الفيلسوف. # كان سقراط يقول: «اعرف نفسك بنفسك»، وكان يرى أن أول العلم هو أن يعلم الإنسان جهله ~~بكل شيء، ثم كان سقراط يرى الإنسان متى علم جهله بكل شيء وحاول أن يعرف نفسه بنفسه، ~~كشف في هذه النفس كنزا لا سبيل إلى أن يقدر. وذلك أن النفس عند سقراط ملئت ~~بالحقائق، وأن بحث الفيلسوف عن هذه الحقائق، ليس في حقيقة الأمر اختراعا لهذه ~~الحقائق، وإنما هو كشف لها في أعماق النفس. وقد أخذ أفلاطون كل هذه النظريات ~~السقراطية، فنظمها وفصلها، واستخرج منها كل ما كانت تشتمل عليه، وجعلها أساسا ~~لفلسفته. وفي الحق أن فلسفة أفلاطون كلها تقوم على نظرية العلم والمعلوم. فالنفس عند ~~أفلاطون ملئت بالحقائق، كما كانت عند سقراط؛ ولكن تفسير أفلاطون يخالف تفسير سقراط ~~مخالفة شديدة. # كان سقراط يفهم أن الحقائق موجودة في النفس بالقوة، وأن البحث يجعل هذا الوجود ~~فعليا. أما أفلاطون فيرى أن الحقائق موجودة في النفس بالفعل، وأن البحث عن الحقائق ~~لا يؤدي إلى انتزاعها فهي خالدة، ولا يؤدي إلى كشفها فهي معلومة؛ وإنما يؤدي إلى ~~تذكرها، فالنفس قد نسيت الحقائق عندما هبطت من الملأ الأعلى إلى هذا العالم السفلي، ~~وكلما أمعنت النفس في هذه الحياة العملية وما تستتبعه من الخضوع لحاجات الجسم، اشتد ~~نسيانها للحقائق، وتراكم عليها الصدأ. وعمل البحث الفلسفي، هو أن يزيل هذا الصدأ، وأن ~~يذكرها بما كانت تعلم من قبل. وإذا، فالحقائق كلها خالدة ثابتة لا تحدث ولا تتغير، ~~كما أن العلم بها ms45 خالد ثابت لا يحدث ولا يتغير. ومعنى هذا أن النفس الإنسانية خالدة ~~أيضا، لا تحدث ولا تتغير، وأنها قد مر عليها طور من الوجود كانت فيه بعيدة عن هذا ~~العالم السفلي وأعراضه وأدرانه، كانت تحيا فيه ناعمة راضية، مجاورة للآلهة وللحقائق ~~الخالدة، مستمتعة بالعلم الذي يظهر على كل شيء، ويمثل فيها كل شيء، ثم هبطت من ذلك ~~العالم العلوي إلى هذا العالم السفلي، فنسيت شيئا فشيئا ما كانت تعلم. # هذا المذهب وحده غامض، وإذا لم يوضحه رأي أفلاطون في الكون والكائنات، أو في الوجود ~~والموجود. وإذا أردنا أن نفهم هذا الرأي، وجب أن نلاحظ أنه خلاصة مذهبين فلسفيين ~~مختلفين: أحدهما مذهب الاستحالة الذي كان يذهب إليه «هيرقليت» ~~(Héraclite) # والذي كان يرى أن الأشياء كلها في ~~استحالة متصلة وتغير لا ثبات له ولا استقرار. والآخر مذهب الوحدة الذي كان يذهب إليه ~~«برمنيد» ~~(Parménide) ~~، والذي كان يرى أن الكون كله ~~منته إلى شخصية واحدة ثابتة، عنها يصدر كل شيء، وإليها ينتهي كل شيء؛ أو هي كل شيء، ~~وليست هذه الكائنات والأحداث إلا مظاهر لها. من هذين المذهبين استطاع أفلاطون أن ~~يكون مذهبا جديدا، بعد أن غير فيهما وبدل، وأضاف إليهما مذاهب فلسفية أخرى، ~~وانتهى إلى أن هناك درجات ثلاثا في الوجود تقابلها درجات ثلاث في العالم: الدرجة ~~الأولى، درجة هذه الموجودات المحسوسة، التي نلامسها ونتأثر بها ونؤثر فيها؛ وهذه ~~الموجودات متغيرة أبدا، مستحيلة أبدا. بل هي تغير واستحالة، لا ثبات لها ولا ~~استقرار، الدرجة الثانية، درجة موجودات أخرى، هي الواسطة بين المحسوسات وبين الدرجة ~~الثالثة التي سنراها بعد حين. وهذه الدرجة الثانية، تمثل الصور الذهنية، والحقائق ~~العقلية، التي تتمثل بها الكائنات والتي نتخذها وسيلة للحكم على المحسوسات وتسخيرها ~~من جهة، وللرقي إلى الدرجة الثالثة من جهة أخرى. وهذه الدرجة الثالثة هي درجة الحقائق ~~الثابتة الخالدة، التي لا ينالها التغيير، ولا تعرض لها الاستحالة، والتي تؤثر ولا ~~تتأثر، والتي يسميها أفلاطون بالأفكار أو بالمثل. هذه الحقائق خالدة، وجدت قبل كل ~~شيء، وستوجد بعد ms46 كل شيء، وليس لشيء من المحسوسات وجود إلا بها؛ صدرت عن الإله صدورا ~~ذاتيا ، صدور المعلول عن العلة، ثم اتخذها الإله نموذجا صاغ عليه عالم ~~المحسوسات. # وأنا أعتذر إليك من هذا الغموض؛ فقد أبذل ما أستطيع من جهد للتوضيح دون أن أبلغ أكثر ~~مما وصلت إليه، إلا أن أتجاوز ما شرطت من الإيجاز والاختصار. وخلاصة القول: أن ~~أفلاطون يرى في هذا العالم المحسوس طائفة من الظواهر التي لا وجود لها بنفسها، وإنما ~~هي صادرة عن عالم آخر هو عالم الحقائق الخالدة. ومن هنا كانت درجات العلم ثلاثا، ~~فكان هناك العلم بهذه المحسوسات أو بهذه الظواهر، وهذا العلم هو أحقر أنواع العلم؛ ~~لأنه ظن يتغير ويتبدل بتغير موضوعاته وتبدلها. وكان هناك علم آخر أرقى من هذا العلم ~~الأول، وهو العلم بالأشياء العامة، التي تنتزعها النفس من هذه الشخصيات المتغيرة ~~المتبدلة، هو العلم بالأجناس والأنواع، هو العلم بالكليات والقضايا العامة التي ليست ~~هي شخصيات متغيرة أو متبدلة. وهذا العلم تكتسبه النفس اكتسابا بملاحظة المحسوسات ~~ومقارنتها والتفريق بينها: فهي تنتزع النوع الإنساني من أفراد الإنسان، كما تنتزع جنس ~~الحيوان من أنواع الحيوان وهلم جرا ... ثم كان هناك علم آخر، هو العلم حقا، وهو ~~الفلسفة حقا، وهو اليقين حقا. وهذا العلم هو العلم بتلك الحقائق الثابتة التي ~~قلنا إنها خالدة لا تتغير ولا تتبدل. # ولست أريد أن أتعمق في تفصيل الصلة التي توجد بين هذه الدرجات الثلاث من الكائنات. ~~وبين هذه الدرجات الثلاث من العلم؛ فذلك كله يخرج بنا عما نريد من الإيجاز. إنما ~~ألاحظ أن العلم بهذه الحقائق الثابتة هو الغاية التي يسعى إليها الفيلسوف حقا، وأنه ~~لا يصل إلا بعد مشقة وجهد عنيف، ولكنه إذا وصل إليها فقد وصل إلى الخير كله، واستطاع ~~أن يمتزج بمصدر الكون أو بالإله. وما الإله عند أفلاطون؟ وكيف أوجد هذا العالم وأثر ~~فيه؟ الإله عند أفلاطون فكرة هي مصدر كل شيء، ومرجع كل شيء، وهي فكرة الخير، وجدت ~~بنفسها قبل أن يوجد الزمان، وهي موجودة مع ms47 الزمان، وستوجد بعده، لا علاقة لها به، ولا ~~تأثير له فيها، وعنها صدرت كل الحقائق الخالدة، ولكن هذه الحقائق الخالدة ليست ~~محسوسة، ولا سبيل إلى أن تحس، ومهما يبلغ أفلاطون من إثباتها فلن يصل إلى تفسير هذا ~~العالم المحسوس. فكيف وجد هذا العالم؟ يرى أفلاطون أن الإله وحده لا يستطيع إيجاد هذا ~~العالم. بل إن هذه الحقائق لا تستطيع إيجاد هذا العالم. وإذا فلا بد من عنصر ثالث ~~ليوجد هذا الكون، وهذا العنصر الثالث هو المادة التي وجدت وحدها والتي اتخذها الإله ~~سبيلا إلى إيجاد هذا العالم المحسوس. # نظر إلى الحقائق الخالدة التي صدرت عنه، فاتخذها مثلا ونماذج، صاغ عليها هذا العالم ~~المحسوس، ثم لأجل أن تنبعث الحياة في هذا العالم المحسوس أوجد الإله صلة بينه وبين ~~هذه المثل، فليس الإنسان الموجود في الخارج إلا مظهرا للحقيقة الثابتة الخالدة التي ~~هي الإنسانية. وكذلك قل في جميع الموجودات الأخرى. # وليس يعنينا أن نفصل هذه الصلاة بين الحقائق ~~الثابتة والعالم المحسوس، ولا أن نصف هذه الطرق الملتوية التي اتخذها أفلاطون ليبين ~~كيف استطاع الإله إيجاد العالم وتدبيره. كل ذلك لا يعنينا الآن؛ وإنما الذي يعنينا هو ~~أن نلاحظ أن هذه الفلسفة كان لها الأثر العظيم جدا في حياة العقل الإنساني قديما ~~وحديثا، فأثر المدرسة الأفلاطونية القديمة، وأثر المدرسة الأفلاطونية الحديثة في ~~العالم اليوناني والروماني، أشهر من أن نحتاج إلى ذكره. ثم أثر المدرسة الأفلاطونية ~~التي أنشئت في الإسكندرية ظاهر بين. وحسبك أن الديانة المسيحية لم تخلص منه، وحسبك ~~أنه عمل في تكوين العقل الشرقي عملا بعيد الأثر، لم يتناول الطبقات الراقية وحدها، ~~بل تجاوزها إلى غيرها من الطبقات الدنيا في العصور المختلفة. أما أثر هذه الفلسفة في ~~الحياة الأوربية أثناء القرون الوسطى، وفي هذا العصر الحديث فأعظم وأبعد من أن نلم به ~~في هذا الفصل. ولعلك تعلم أن الفلسفة الأفلاطونية ما زالت حية إلى الآن، وما زال لها ~~ممثلوها والمدافعون عنها بين فلاسفة الغرب. # على أن جزءا آخر من فلسفة أفلاطون يستحق ms48 عناية خاصة، لأنه يمتاز بشيء من الخصب ~~والغناء، لم تظفر به الأجزاء الأخرى لفلسفته نريد به هذا الجزء الخلقي السياسي؛ ~~فشخصية أفلاطون فيه بارزة قوية خالدة مهما تختلف العصور وتتبدل الظروف. وهذا الجزء من ~~فلسفة أفلاطون متصل بالأجزاء الأخرى، ليس منفصلا عنها ولا ممتازا منها. فقد رأيت أن ~~الكون كله يدور حول نقطة واحدة، عنها صدر، وإليها يرجع، وهي فكرة الخير أو الإله. ~~وإذا كانت هذه الفكرة هي مصدر الكون ومرجعه، وهي التي ينتهي إليها بحث الفيلسوف، ~~فينبغي أن تكون هذه الفكرة نفسها غاية الحياة العملية الإنسانية أيضا: ينبغي أن تكون ~~هي مصدر السعادة، وينبغي أن تكون هي المثل الأعلى الذي يطمح إليه الإنسان في حياته ~~العملية، كما أنها المثل الأعلى الذي ينتهي إليه في حياته النظرية؛ ذلك لأن الأخلاق ~~ليست عملا عند أفلاطون، وإنما هي علم؛ أو قل إن أفلاطون لا يفرق في الأخلاق بين ~~العلم والعمل؛ فهو يؤكد، كما كان يؤكد سقراط، أن مصدر ما نتورط فيه من الرذائل ~~والآثام إنما هو جهلنا بالخير وقصورنا عن إدراكه؛ فإذا أزيل هذا الجهل وأتيحت لنا ~~القوة التي تمكننا من إدراك الخير ومشاهدته، فنحن بمأمن من الرذائل والآثام. وليس ~~يستطيع أفلاطون، كما لم يكن يستطيع سقراط، أن يتصور أن الإنسان يقدم على الشر وهو ~~يعلم أنه شر، وينصرف عن الخير وهو يعلم أنه خير. وإذا فالفلسفة التي تؤدي إلى إدراك ~~فكرة الخير ليست مصدر السعادة النظرية العملية وحدها، بل هي مصدر السعادة العملية ~~أيضا؛ فالفيلسوف أسعد الناس لأنه يدرك الخير ويراه، ثم لأنه يسعى إليه ويطمع فيه ~~وينظم حياته تنظيما يجعلها ملائمة له. # على أن أفلاطون لا يكتفي بهذا التفسير النظري الخالص، وإنما يحاول أن يفسر لنا مصدر ~~الجهل الذي يورطنا في الشر والإثم. وتفسيره لهذا الجهل بديع قوي، فيه شعر، وفيه فلسفة ~~معا. فالنفس عند أفلاطون مزاج يتألف من قوى ثلاث: إحداها هذه القوة العاقلة التي ~~تتفهم الأشياء وتتبينها وتنتقل من المحسوس إلى المفهوم ومن المركب إلى المجرد، حتى ~~تنتهي ms49 إلى الحقائق الثابتة، ثم إلى حقيقة الحقائق أو فكرة الخير أو الإله. والثانية: ~~هذه القوة الغضبية التي وكل إليها الدفاع عن الحياة والاحتفاظ بها، وهي التي نسميها ~~الشجاعة، وهي التي تحملنا على أن نغضب ونثور كلما احتجنا إلى الغضب والثورة. والثالثة ~~هذه القوة الشهوية، التي تعنى بوجود الجسم المادي؛ لأنها تحمله على إرضاء شهواته ~~المختلفة: من الأكل والشرب وما يتصل بهما من أنواع اللذات. ولكل قوة من هذه القوى ~~الثلاث مركزها في الجسم. فأما الأولى فمستقرها الرأس، وأما الثانية فمستقرها الصدر، ~~وأما الثالثة فمستقرها البطن. والنفس عند أفلاطون تشبه عربة يقودها جوادان أصيلان: ~~أحدهما الغضب، والآخر الشهوة، أما سائق الجوادين فهو العقل. وإذا فلا بد من أن يوجد ~~بين هذين الجوادين توازن في القوى وتوافق في الحركة من جهة، ولا بد من أن يوجد بينهما ~~وبين السائق توازن آخر يضطرهما إلى الخضوع له والإذعان لأمره من جهة أخرى. فإذا اختل ~~التوازن بين الجوادين أو بينهما وبين السائق، فذلك مصدر الشر الذي يتورط فيه. قد تسرف ~~القوة الغضبية حتى تسيطر على القوتين الأخريين؛ وإذا فنحن متهورون مندفعون. وقد تسرف ~~القوة الشهوية؛ وإذا فنحن عبيد اللذة وأرقاؤها. وعلى هذا النحو يرى أفلاطون أن ~~الفضيلة حقا إنما هي مزاج ينتج من التوازن بين هذه القوى بحيث يستطيع الجسم أن يحيا ~~ويحتفظ بحياته دون أن يحول بين النفس وبين الطموح إلى الخير والسعي إلى الوصول ~~إليه. # شيء آخر يتم نظرية أفلاطون في الأخلاق، ويعين على فهم هذه الشخصية القوية، وعلى فهم ~~ما كان لفلسفة أفلاطون من أثر بعيد في الحياة الإنسانية، وهو رأيه في العقوبة ~~الخلقية، فليس يكفي أن يمثل لك الخير ويدعوك إليه. بل ليس يكفي أن يمثل لك الشر ~~ويحذرك منه. وإنما هو يرى أن العقوبة أمر محتوم لا منصرف عنه ولا مفر منه، فلكل عمل ~~جزاؤه، له الثواب إن كان خيرا، وله العقاب إن كان شرا - تلك نتيجة محتومة للعدل، ~~وهي نتيجة طبيعية ليست متكلفة ولا مصطنعة، ليست كهذه العقوبات التي ms50 تفرضها القوانين ~~المكتوبة، وإنما هي أقوى وأنفع وألزم من هذه العقوبات. # يرى أفلاطون أن هذه العقوبة ليست شرا، وإنما هي الخير كل الخير، ذلك أنها لا ترمي ~~إلى الانتقام ولا إلى التعذيب، وإنما ترمي إلى التصفية والتطهير؛ فالأنفس الآثمة ~~عندما تعاقب تطهر من أدران الإثم، وتعد لأن تستأنف حياتها الصالحة الراقية التي ~~تلحقها بنفوس الأخيار وترقى بها إلى مستقرها الأول في الملأ الأعلى. أما تفصيل هذه ~~العقوبات فجميل لا يخلو من لذة شعرية، ولا من قوة خيالية مدهشة. وحسبك أن مذهب ~~التناسخ يختصر هذه العقوبات: فالنفس الآثمة بعد الموت تعود إلى هذه الحياة لتمحو ~~إثمها، وهي تستقر في جسم من الأجسام يلائم نوع الإثم الذي اقترفته: كانت نفس رجل، فهي ~~الآن نفس امرأة. كانت نفس إنسان، فهي الآن نفس فرس، أو نفس كلب، أو نفس حمار، وهلم ~~جرا، فأنت ترى أن النظرية الخلقية لأفلاطون متصلة بنظريته في الطبيعية وفيما بعد ~~الطبيعة. وليست بنظريته السياسية بأقل اتصالا بفلسفته العامة من نظريته الخلقية. ذلك ~~لأن رأيه السياسي يقوم على رأيه الخلقي: فالجماعة عنده كالفرد تتأثر بما يتأثر به ~~وتخضع له، ويجب أن تطمح إلى ما يطمح إليه. # وإذا كان الفرد مكلفا أن يطمح إلى العدل الذي ~~يرقى به المثل الأعلى وهو الخير، فالجماعة مكلفة أن تطمح أيضا إلى هذا العدل. وقد ~~رأينا أن العدل بالقياس إلى الفرد هو التوازن بين قوى النفس الثلاث، أو بين الأنفس ~~الثلاث، كما يقول أفلاطون، فكذلك العدل السياسي توازن بين الأنفس الثلاث الاجتماعية ~~أو السياسية. فللجماعة أنفس ثلاث كالفرد: لها نفس العاقلة، وهي الحكومة التي تقوم ~~منها مقام العقل من الفرد ولها نفسها الغضبية التي تحميها وتحفظ عليها قوامها في ~~الداخل والخارج وهي الجيش. ولها نفس الشهوية التي تقدم إليها ما تحتاج إليه من أدوات ~~الحياة، وهي طبقة العمال والزراع ومن إليهم. وإذا فالحياة الاجتماعية السعيدة هي ~~التي يتحقق فيها التوازن بين هذه الأنفس الثلاث، وليس تحقيق هذا التوازن بالأمر ~~اليسير أيضا، كما أن تحقيق التوازن عند ms51 الفرد ليس بالأمر اليسير أيضا. ألست ترى أن ~~الكثرة المطلقة من الأفراد أشقياء؟ ألست ترى أن كل المدن والدول القائمة إنما تخضع ~~لألوان من الشقاء السياسي لا تكاد توصف ولا تحصى؟ وإذا لم يكن بد من أن يؤخذ الفرد ~~بنوع خاص من التربية يمكنه من أن يحقق التوازن بين أنفسه الثلاث، فليس هناك بد من أن ~~يؤخذ الأفراد بتربية سياسية تمكنهم من أن يكونوا المدينة الفاضلة التي يتحقق فيها ~~التوازن بين الأنفس الاجتماعية الثلاث. # ولست أفصل لك قواعد التربية عند أفلاطون، فذلك شيء يطول، ومن اليسير عليك أن تقرأه في ~~الجمهورية - فستجد في قراءته لذة لا تعدلها لذة. ولكني أجمل لك النتائج السياسية التي ~~انتهى بها أفلاطون، والتي كونت مدينته الفاضلة التي هي في الحقيقة مثل أعلى ليس إلى ~~تحقيقه من سبيل، والتي ندهش نحن الآن؛ لأن فيلسوفا كأفلاطون تصورها، وحاول أن يجعلها ~~حقيقة واقعة. # يريد أفلاطون أن تتألف مدينته الفاضلة من هذه الطبقات الثلاث التي قدمناها الإشارة ~~إليها، ويريد أن تكون الطبقة الأولى التي تشرف على الحكم بمنزلة العقل من الفرد. وكيف ~~تكون هذه الطبقة بمنزلة العقل إذا لم تتألف من الفلاسفة! ... الفلاسفة وحدهم قادرون على ~~تدبير الحياة الفردية والاجتماعية؛ لأنهم وحدهم قادرون على تصوير الخير والوصول إليه. ~~وإذا فأفلاطون عدو للديمقراطية التي تكل الحكم إلى الناس جميعا دون أن تفرق بين ~~كفاياتهم وحظوظهم من القوى العقلية. وهو عدو للأرستقراطية التي تعتمد على المولد أو ~~على الثروة والجاه. أفلاطون أرستقراطي، ولكن أرستقراطيته تعتمد على الفلسفة. ولا ~~تبتسم ساخرا أو مزدريا! فما زال الفلاسفة إلى اليوم وإلى غد ينحون هذا النحو، ~~ويطمعون أو يتمنون، أن يكون الحكم إلى الفلسفة، ولعلك تعلم شيئا من رأي رينان في ~~هذا. # ثم يريد أفلاطون أن يأخذ الطبقة الثانية - طبقة الجيش - بنوع من النظام شديد صارم، ~~يمكنها من أن تؤدي واجب الدفاع كما ينبغي، ويمكنها من أن تحفظ التوازن بين هذه القوى ~~التي تتألف منها المدينة، ويعدها في الوقت نفسه لأن ترقى إذا أدركتها السن ms52 إلى طبقة ~~الفلاسفة الذين يحكمون. يريد أفلاطون أن يزيل من بين أفراد هذه الطبقة كل سبب للفرقة ~~أو الخصومة، وأي سبب للفرقة أو الخصومة أقوى من الشخصية؟! يجب إذا أن تزول الشخصية، ~~يجب ألا يوجد الفرد لنفسه بل للدولة. ومعنى ذلك أن كل ما يكون الفرد وشخصيته. يجب ~~أن يزول. يجب أن تمحى الملكية، فلا فقر ولا غنى ولا حقد بين الفقير والغني ولا خصومة ~~بين الأغنياء. يجب أن تزول الأسرة، فلا زوجية ولا أبوة، أي يجب أن تكون المرأة حظا ~~شائعا بين أفراد الطبقة جميعا تشرف الحكومة على توزيعه بين هؤلاء الأفراد. ويجب أن ~~تمحى الأبوة، فلا يثبت النسب من الأفراد، وإنما الأطفال جميعا أبناء الدولة، تغذوهم ~~وتقوم على تربيتهم وتنشئتهم حتى يبلغوا سن الرشد ويندمجوا في الجيش، وهي لا تربيهم ~~جميعا، أو قل لا تحتفظ بهم جميعا، وإنما تحتفظ منهم بمن تستيقن أنه نافع للدولة ~~يستطيع أن يدفع عنها حقا. وإذا فالمرضى من الأطفال والذين ساء تكوينهم أو أصابتهم ~~العاهات، يجب أن تنبذهم الدولة نبذا. ولا يفرق أفلاطون في الحقوق والواجبات بين ~~الرجل والمرأة في هذه الطبقة، وإنما هما سواء على أن توزع الحكومة بينهما حظوظهما من ~~الحقوق والواجبات، فتكلف كلا ما هو أهل له من الواجبات لصيانة الدولة ~~وحياطتها. # أما الطبقة الثالثة، فيكاد يهملها أفلاطون، وهو لا يريد منها إلا أن تقدم إلى الجيش ~~والحكومة ما يحتاجان إليه. ومن هنا لم يبلغ الملكية في هذه الطبقة؛ ولم يلغ الأسرة. ~~وما يعنيه من هذه الطبقة ما دامت خاضعة لسلطان الجيش وسلطان الحكومة؟! # هذه هي المدينة الفاضلة الأفلاطونية، أعطيتك منها صورة موجزة بل ناقصة، لأني أهملت ~~كثيرا من النظريات الأفلاطونية في السياسة والتربية حرصا على الإيجاز. والناس يرون ~~أن هذه المدينة الأفلاطونية حلم من أحلام الخيال، ولكن من الحق علينا أن نلاحظ شيئين: ~~أحدهما أن أفلاطون نفسه قد سبق الناس جميعا إلى الشعور بأن مدينته هذه خيال ليس إلى ~~تحقيقه من سبيل؛ فعدل في كتاب القوانين - وهو آخر كتاب ms53 كتبه، ويقال إنه تركه غير ~~كامل ولا منقح - عن بعض هذه الآراء الخيالية، لا لأنه جحدها أو عرف أنه مخطئ فيها، بل ~~لأن تجاربه في صقلية وملاحظاته في بلاد اليونان، قد بينت له مكان الغلو في هذه ~~النظريات، وعلمته أن المثل الأعلى شيء والحقيقة الواقعة شيء آخر. # الملاحظة الثانية: أن هذه النظريات الأفلاطونية التي تمثل ما يجب أن يكون، لا ما يمكن ~~أن يكون، قد تركت آثارا قوية جدا في الحياة الإنسانية المعاصرة له والتي جاءت ~~بعده. فقد يقال إن بعض المدن اليونانية الآسيوية تأثرت بسياسة أفلاطون، وطلبت إلى بعض ~~الأفلاطونيين أن يضعوا لها النظم السياسية الملائمة للمدينة الفاضلة قليلا أو ~~كثيرا، كما أن بعض المدن اليونانية في إيطاليا تأثرت بالفلسفة الفيثاغورية، ووكلت ~~أمورها إلى الفيثاغوريين. # ومهما يكن نصيب السياسة الأفلاطونية من الفوز أو الإخفاق في حياة المدن اليونانية، ~~فإن هذه السياسة قد أحرزت فوزا عظيما لا يزال قائما إلى الآن وإلى غد، وهو فوزها ~~في الكنيسة المسيحية الكاثوليكية بنوع خاص. فإن شيئا من المقارنة بين نظام أفلاطون ~~وتصوره للطبقة الحاكمة في مدينته الفاضلة وبين نظام الكنيسة الكاثوليكية، يقنعك بأن ~~هذه الكنيسة تأثرت تأثرا غير قابل بالفلسفة الأفلاطونية في نظامها الدستوري الذي لا ~~يزال قائما. ~~••• # وجملة القول أن شخصية أفلاطون كانت وما زالت وستظل أبدا شخصية قوية عظيمة التأثير في ~~الحياة العامة، بحيث إنك لن تستطيع أن تدرس مذهبا روحيا، قديما كان أو حديثا، ~~دينيا كان أو فلسفيا، إلا وجدت للفلسفة الأفلاطونية فيه أثرا، يختلف قوة وضعفا ~~باختلاف الظروف التي أحاطت بتكوين هذا المذهب. ولقد يكون من اللذيذ أن ندرس في يوم من ~~الأيام تغلغل التأثير الأفلاطوني في الطبقات المختلفة من الشعوب المتباينة. فإلى ~~الفلسفة الأفلاطونية ممتزجة بعناصر أخرى متنوعة، يرجع كثير من فنون السحر والكهانة ~~والتصوف، وما إلى ذلك من هذه الفنون التي لا تزال عظيمة السلطان على الطبقات الدنيا ~~في أكثر الشعوب. # لم يكد أفلاطون يأخذ في تعليمه الفلسفي في أثينا حتى أسرع إليه الناس يستمعون له، ~~ويناقشونه ms54 ويحاورونه، وما هي إلا أن أصبحت مدرسته مجمعا علميا، أو قل مجمعا ~~فلسفيا، لا يتألف من التلاميذ والأستاذ، بل يتألف من طائفة من الفلاسفة، يتقسمون ~~العمل فيما بينهم، ويعنى كل واحد منهم بمسألة أو طائفة من المسائل، يدرسها ويفرغ ~~لتحقيقها، حتى إذا مات أفلاطون، خلفه تلاميذه على إدارة المدرسة، وتفرق أصحابه في ~~المدن اليونانية كما تفرق أصحاب سقراط، فأنشأوا فيها المدارس الأفلاطونية التي اختلف ~~ميولها، ولكنها كانت أقرب إلى الاتفاق من المدارس التي أنشئت بعد سقراط. على أن ~~تلميذا من تلاميذ أفلاطون كان قد نزل من قلب أستاذه منزلة خاصة، حتى أعجب به هذا ~~الأستاذ، فكان يسميه «العقل» هذا التلميذ لم يلبث أن أنشأ مدرسة في أثينا نفسها، ~~تعرضت لدرس المسائل الفلسفية التي تعرض لها أفلاطون، فغيرت وجهة النظر الفلسفي ~~تغييرا ظاهرا، وأعطت الفلسفة اليونانية شكلها الأخير؛ نريد بهذا التلميذ ~~«أرسطاطاليس»، وبهذه المدرسة مدرسة «اللوكايون» ~~(Lycée) ~~. ولا بد من أن نخصص لأرسطاطاليس ~~ومدرسته بحثا كهذا البحث الذي خصصناه لأفلاطون. # | أرسطاطاليس # شهد سقراط في شبابه مجد الأمة اليونانية عامة ومدينة أثينا خاصة، وشهد في شيخوخته هذه ~~الجهود العنيفة التي كانت تبذلها هذه الأمة اليونانية نفسها لتقضي على ما كان لها من ~~قوة وسلطان، شهد تلك الحرب التي لم يعرف العالم القديم مثلها، والتي أثرت في الحياة ~~اليونانية تأثيرين مختلفين: فرقت الحياة العقلية، وحطت الحياة السياسية؛ وكانت فلسفة ~~سقراط ممثلة لهذين التأثيرين: كان فيها انصراف عن السياسة، وكانت فيها من ناحية أخرى ~~عناية بالحياة العقلية، وحرص على تقويتها وترقيتها وتهذيبها. وشهد أفلاطون في شبابه ~~ضعف الأمة اليونانية عامة ومدينة أثينا خاصة؛ وتدخل الأجنبي في أمر هذه الأمة التي ~~كانت شديدة البأس واسعة السلطان؛ فأصبحت أداة تصطنعها الأمة الفارسية لإرضاء مطامعها ~~المختلفة في آسيا وفي أوربا. وشهد في شيخوخته انحلال هذه الأمة اليونانية وموت الروح ~~الوطني فيها. # وكانت فلسفته ممثلة لهذا العصر الذي عاش فيه تمثيلا صحيحا؛ فكانت من جهة كفلسفة ~~سقراط ترمي إلى تقوية الحياة العقلية ومحاولة أن تكون وحدها غاية الرجل ms55 الحكيم. وكانت ~~من جهة أخرى كفلسفة سقراط أيضا تمثل السخط على الحياة السياسية الحاضرة، وتتخذها ~~موضوعا للعبث والسخرية. ولكنها لم تكن يائسة من الإصلاح، وإنما كانت تخالف فلسفة ~~سقراط وترمي إلى وضع نظام جديد للحياة السياسية ليس يعنينا الآن أكان في نفسه حسنا ~~أم سيئا، معقولا أم غير معقول، ولكن الذي يعنينا أنه كان محاولة للإصلاح ورغبة في ~~إقامة بناء سياسي جديد، ودليلا واضحا على أن البناء السياسي القديم الذي كان قد أخذ ~~يتصدع أيام سقراط قد أشرف الآن على أن ينهار، ولم يبق من الاستعداد بد لإقامة بناء ~~جديد على أنقاضه. # وقد عرفت في الفصول السابقة فلسفة سقراط وأفلاطون، وتأثيرها في الرأي العام أثناء ~~حياة هذين الفيلسوفين وبعد موتهما. أما الفيلسوف الذي أريد أن أحدثك عنه في هذا الفصل ~~فمتصل بهذين الرجلين العظيمين من جهة، ومنفصل عنهما من جهة أخرى. # هو سقراطي، وهو أفلاطوني؛ لأنه كان كسقراط وكأفلاطون: يقيم فلسفته على أن الحقائق ~~ثابتة، وعلى أن الشك سخيف، وعلى أن هذه الحقائق الثابتة تنتهي كلها آخر الأمر إلى ~~حقيقة عليا. عنها صدرت وإليها تعود. وهي حقيقة الإله، الذي صدر العالم عنه والذي يعود ~~العالم إليه، ولكنه يخالف سقراط، ويخالف أفلاطون في طريقة البحث والتفكير، والنتائج ~~الفلسفية التفصيلة التي انتهى إليها. وربما كان من الحق أن نقول: إنه يخالف سقراط ~~وأفلاطون مخالفة شديدة في تكوين عقله، وتوجيه هذا العقل إلى حقائق العلم وظواهر ~~الحياة. # كما أن فلسفة سقراط وفلسفة أفلاطون تمثلان الحياة اليونانية في عصريهما، فإن فلسفة ~~أرسطاطاليس تمثل هذه الحياة أيضا تمثيلا قويا صادقا، فهي الدليل الناطق بأن ~~الفلسفة السقراطية قد نجحت فيما كانت تحاول من إضعاف النظم السياسية القائمة، وهي ~~الدليل الناطق بأن الفلاسفة كانوا مصيبين في فهم الحياة السياسية والاقتناع بأنها ~~سيئة، وبأنها منتهية للكوارث من غير شك. # كان عصر أرسطاطاليس عصر تطور غريب لم يشهد العالم القديم مثله، وقد بدأ هذا التطور ~~ضئيلا ضيقا لم يجاوز شبه جزيرة البلقان حيث أخذ سلطان المقدونيين يعظم ويقوى ويجاوز ms56 ~~حدود مقدونيا في عصر فيليب، وبينما كان سلطان المقدونيين يشتد داخل مقدونيا وينبسط ~~خارجها كان الفساد يعظم، ويشيع في المدن اليونانية على اختلاف قوتها ونظمها السياسية؛ ~~فلم يكن بد من أن تطمح هذه الدولة الناشئة إلى السيطرة على هذه المدن المشرفة على ~~الفناء. ثم لم تكد تخطر هذه الفكرة لزعيم المقدونيين وملكهم فيليب حتى أخذ في ~~تنفيذها، وكان كل شيء يسهل عليه هذا التنفيذ، وكان للفلسفة حظ عظيم في تسهيله، فهي قد ~~عملت في هدم النظم السياسية القديمة، وأسرفت في ازدرائها حتى شككت الناس فيها وصرفتهم ~~عنها. ثم لم تكتف بذلك بل أخذت تدعو إلى تغيير هذه النظم وإلى القضاء على هذه الحياة ~~التي تضطر اليونانيين إلى الخصومة والعنف، وتورطهم في الحرب المتصلة المهلكة للنفوس ~~والأموال. وظهر في البلاد اليونانية قوم يدعون سرا وجهرا إلى وجوب أن يقوم سلطان ~~قوي قاهر يبسط قوته على هذه الأمة اليونانية، فيضبط أمورها ويكرهها على احترام السلم ~~فيما بينها من جهة، ويوجه قوتها الحربية إلى الشرق وإلى الفرس من جهة أخرى. وليس من ~~شك في أن هؤلاء الدعاة من الكتاب والأدباء والفلاسفة كانوا متصلين أشد الاتصال بقصر ~~فيليب، وفي أن فيليب كان يمد أكثرهم بالمال والمعونة ويتخذهم قوة معنوية يمهد بها ~~لقوته المادية الضخمة. وقد وفق فيليب في هذا، فظهرت في المدن اليونانية كلها أو ~~أكثرها أحزاب سياسية تميل إلى مقدونيا، وترغب في محالفتها ومناصرتها، وكانت هذه ~~الأحزاب بطبيعتها مخاصمة للديمقراطية أو للديمقراطية المتطرفة على أقل تقدير، وقد تم ~~النصر لفيليب فقهر الأمة اليونانية واضطرها إلى أن تذعن لسلطانه، وتنتخبه قائدا ~~عاما لجيوشها، وتكلفه حرب ملك الفرس، فلما مات فيليب نهض ابنه الإسكندر لتنفيذ ~~خطته، فنفذها كما تعلم، وكما سنعرض لذلك في فصل غير هذا الفصل. # وكان أرسطاطاليس يوناني الأصل، ولكنه مقدوني النشأة، ولد في مستعمرة يونانية قريبة من ~~مقدونيا يقال لها «ستاجيرا»، ولكنه نشأ في مقدونيا؛ لأن أباه نيكوماخوس كان طبيبا ~~لملك من ملوكها، وقد تأثر من غير شك بحياة القصر المقدوني وعادات ms57 الأشراف المقدونيين، ~~وظهرت نتائج ذلك واضحة جلية في حياته وفلسفته معا. فلم يكن أرسطاطاليس سقراطي السير ~~ولا أفلاطونيا في حياته، وإنما كان رجلا عمليا يعيش كما يعيش غيره من الناس، ~~مستمتعا بلذات الحياة كما يستمتع بها غيره من الناس، لا يضيق على نفسه ولا يتكلف ~~زهدا ولا تورعا ولا حرمانا. وكان، كما سترى: عمليا في فهمه وتصوره وحكمه على ~~الأشياء. وليس من شك في أنه كان مقدوني النزعة السياسية، يقدر فساد الحياة اليونانية ~~العامة، كما يقدر قوة مقدونيا وقدرتها على ضبط الأمور. وقد رحل إلى أثينا حين بلغ ~~العشرين، فاختلف إلى أساتذة البيان والفلسفة فيها، ولكنه لازم أفلاطون ملازمة ~~خاصة. # فتن بأفلاطون وفتن به أفلاطون أيضا، حتى لقد يقال إن أفلاطون كان يؤثره وكان يسميه ~~القراء، وكان يسميه العقل أيضا. وقد ظل ملازما لأفلاطون أعواما طوالا، فقد كان ~~يختلف إلى الأكاديمية ويشترك في محاورتها الفلسفية المختلفة. فلما مات أفلاطون سنة ~~347 قبل المسيح وتفرق نفر من تلاميذه عن أثينا، ساح أرسطاطاليس في الأرض حينا، فزار ~~آسيا اليونانية التي كانت خاضعة حينئذ لسلطان الفرس. وكما أن حياته في مقدونيا وفي ~~البلاد اليونانية أقنعته بضعف السلطان اليوناني وفساد أمر اليونان، فإن حياته في آسيا ~~أقنعته بضعف الفرس وفساد أمرهم. ولا شك في أن رجلا ذكي القلب رشيدا كأرسطاطاليس كان ~~يقدر هذا الفساد العام في الشرق والغرب، ويرى كما كان يرى غيره من المفكرين أن الخير ~~كل الخير هو أن تقوم دولة قوية، فتجمع كل هذه القوى المتفرقة الضائعة، وتوجهها إلى ~~ضبط الأمر في العالم المتحضر. ولكن حياة أرسطاطاليس لم تكن في ظاهر الأمر سياسية، ~~وإنما كان الرجل منصرفا إلى التفكير وإلى البحث الفلسفي. وقد عاد إلى أوربا، ودعاه ~~فيليب إلى تربية ابنه الإسكندر وتأديبه، فعاش في القصر المقدوني أعواما. ومهما يكن ~~من شيء، ومهما تسكت النصوص التاريخية فقد كانت لحياة أرسطاطاليس في قصر فيليب آثار ~~سياسية مزدوجة: كان يشير على فيليب، وكان يكون الإسكندر تكوينا ملائما لأطوار ~~العصر الذي يعيش فيه، ولآمال ms58 فيليب وآمال مقدونيا أيضا. # ثم مات فيليب، وأخذ الإسكندر في تنفيذ خطة أبيه - فعاد أرسطاطاليس إلى أثينا وأنشأ ~~فيها مدرسته المعروفة باسم «لوكايون # Lycée ~~»، واتصلت ~~الرسائل بينه وبين تلميذه الملك؛ وكان الملك يرسل إليه الأموال والطرائف من آسيا ~~معونة له على بحثه العلمي. على أن الصلة فسدت آخر الأمر بين الأستاذ وتلميذه؛ لأن ~~ابن أخت الفيلسوف الذي كان مرافقا للملك اتهم بالائتمار بالملك، فقتله الإسكندر، ~~ونتج عن ذلك فساد الأمر بينه وبين أستاذه. # مات الإسكندر، وانتفض اليونان على السلطان المقدوني، ورفعت الديمقراطية اليونانية ~~برأسها، وأخذت في تتبع المقدونيين وأنصارهم؛ فخرج أرسطاطاليس من أثينا هاربا، ولكنه ~~لم يلبث أن مات بعد سنة أو نحو السنة في جزيرة «أبوا» سنة 323 قبل المسيح. # المؤرخون القدماء والمحدثون مجمعون على أن أرسطاطاليس ترك من الآثار الفلسفية شيئا ~~ضخما لم يسبق إلى مثله، ولا إلى ما يشبهه، ولكنهم يختلفون في مقدار هذه الآثار ~~اختلافا عظيما جدا. وقد لا يكون من الخير أن نعرض لهذا الاختلاف ولا لتفصيل البحث ~~عن كتب أرسطاطاليس وما بقي منها؛ فإنك تجد ذلك مفصلا في مقدمة كتاب «الأخلاق» الذي ~~ترجمه إلى العربية أحمد لطفي السيد (باشا)، وفي مقدمة «نظام الأثينيين» الذي ترجمته ~~أنا إلى العربية. وإنما نكتفي هنا بالإشارة إلى أن أرسطاطاليس كان ينهج في مدرسته ~~منهجين مختلفين: منهج التعليم الخاص الذي لا يحضره ولا يشترك فيه إلا تلاميذ المدرسة ~~وأعضاؤها، ومنهج التعليم العام الذي كان مباحا للكافة. # وكما أن تعليمه قد انقسم إلى هذين القسمين، فإنه كتبه وكتب تلاميذه انقسمت إليهما ~~أيضا؛ فكانت منها الكتب المدرسية الخالصة التي أنشئت للمدرسة ولبحوثها، والتي لم يكن ~~يحسن فهمها ولا التصرف فيها إلا الذين تعودوا لغة المدرسة وأساليبها ومناهجها ~~الفلسفية، وكانت منها كتب أخرى سهلة يسيرة توضع لعامة الناس وتذاع فيهم، وهذه الكتب ~~هي التي ذهبت كلها أو أكثرها أحداث الزمان. أما الأخرى، فقد بقيت المدرسة ثم انتقلت ~~منها، وعبثت بها الحوادث حينا، حتى استولى «سولا» الروماني على مدينة أثينا فنقلها ~~إلى روما ms59 وقد أصابها فساد شديد. ومن ذلك الوقت أخذ الفلاسفة في درسها وتصحيحها ~~وإذاعتها؛ وقد بقي لنا أكثر هذه الكتب، وهو يزيد على الأربعين. وإذا نظرنا في جملة ما ~~بقي لنا من آثار أرسطاطاليس استطعنا أن نتصور بوجه ما عمل مدرسته وعمله أيضا. فقد ~~يظهر أن أرسطاطاليس لم يكن يقصر عمله، كما كان يفعل أفلاطون، على البحث الفلسفي ووضع ~~الكتب الفلسفية المختلفة، وإنما كان يقصد إلى شيء آخر أجل خطرا وأبعد أثرا في ~~الحياة العقلية العامة من هذا كله. كان يريد أن تكون فلسفته وكتبه خلاصة صادقة لكل ما ~~وصل إليه العقل الإنساني من نتائج البحث عن كل شيء: كان يريد أن تكون كتبه أشبه شيء ~~بما نسميه نحن دائرة المعارف الآن. ويظهر أنه كان يقسم العمل بين أصحابه، فيختص كل ~~واحد منهم بنوع من أنواع البحث وفن من فنون الفلسفة يدرسه ويستقصيه، ويقدم نتيجة ~~دروسه إلى المدرسة؛ ومن هذه النتائج المختلفة كان يتكون البحث الفلسفي العام الذي ~~يختصرها ويلخصها، ويظهر هذا ظهورا قويا في كتاب «السياسة» - فنحن نعلم أن ~~أرسطاطاليس جد في الاستعداد لهذا الكتاب، فاستقصى النظم الدستورية لطائفة ضخمة من ~~المدن اليونانية وغير اليونانية، واستطاع بعد هذا الاستقصاء أن يضع كتاب «السياسة» ~~الذي هو الخلاصة العامة لكل هذا البحث الطويل الدقيق. ولدينا نموذج لهذا البحث ~~المفصل، وهو كتاب «نظام الأثينيين» الذي استكشف في مصر آخر القرن الماضي، والذي يمثل ~~لنا دقة في البحث ومهارة في الاستقراء لم يكن للعلم بهما عهد من قبله. # على أن أرسطاطاليس يخالف أفلاطون وسقراط من جهة أخرى، في نهجه التعليمي الخالص؛ فلم ~~يكن يعتمد في هذا المنهج كما كان يعتمد سقراط وأفلاطون على الحوار، ولم يكن يعنى كما ~~كان يعنى أفلاطون بالإجادة الفنية البيانية، وإنما كان عالما قبل كل شيء، يهجم على ~~موضوعه هجوما دون أن يدور حوله بالحوار والمناقشة، ويعنى بالفكرة قبل أن يعنى باللفظ ~~الذي يصوغها فيه. ومن هنا لم تكن كتب أرسطاطاليس ككتب أفلاطون نموذجا فنيا للإجادة ~~البيانية، وإنما هي نموذج ms60 خالد لإجادة البحث العقلي وإنفاذه. على أن هناك وجها آخر ~~ظهر فيه الخلاف بين أرسطاطاليس وبين أفلاطون وسقراط : فقد كان سقراط ينتقل بفلسفته في ~~شوارع أثينا من حانوت إلى حانوت، ومن ميدان إلى ميدان؛ ثم جاء أفلاطون فأقر تعليمه ~~الفلسفي في مدرسة اختارها لهذا التعليم هي «الأكاديمية»، كان يعيش فيها ويختلف إليه ~~تلاميذه فيدرسون ويتحاورون. أما أرسطاطاليس فقد تخير المدرسة واستقر فيها مع تلاميذه ~~كما فعل أفلاطون، ولكنه لم يكن يعلم ولا يحاور جالسا مستقرا، وإنما كان يمشي في ~~حديقة مدرسته ومن حوله أصحابه وتلاميذه، فيدرسون ويحللون ويستنبطون؛ فكان وسطا في ~~ذلك بين سقراط المتنقل وأفلاطون المستقر، ومن هذا المشي مع أصحابه سميت مدرسته مدرسة ~~المشائين، وأطلق اسم المشائين على الذين ينتمون إلى مذهب أرسطاطاليس في الفلسفة. ~~وربما كان من الحق أن نقرر أن أرسطاطاليس قد نهض بالفلسفة نهوضا عظيما، ورقاها ~~ترقية بعيدة الأثر، حين عدل عن أسلوب الحوار إلى أسلوب البحث المباشر المتصل؛ فقد ~~يصلح الحوار في ألوان من الفلسفة وضروب من التفكير، ولكنه من غير شك بعيد كل البعد عن ~~أن يلائم البحث الفلسفي العميق عن الطبيعة وما بعد الطبيعة وعن المنطق، وما يتصل به ~~من فنون الأدب، فهو إذا صح أسلوبا للبحث السياسي والخلقي لا يصلح لغيرهما، ومن هنا ~~كانت فلسفة أرسطاطاليس في الطبيعة وما بعد الطبيعة أشد استقرارا وأقدر على البقاء من ~~فلسفة أفلاطون. # ولقد أشق ولقد أسرف في الإطالة لو أني حاولت أن أختصر لك صورة ما من فلسفة ~~أرسطاطاليس. وكيف السبيل إلى ذلك في صحف معدودة ولم يترك أرسطاطاليس فنا من فنون ~~الفلسفة ولا لونا من ألوان البحث الإنساني إلا عرض له وقال كلمته فيه - إنما الذي ~~يعنيك من فلسفة أرسطاطاليس هو أن تعلم أن الفيلسوف الوحيد الذي حاول في العصر القديم ~~أن ينظم العلم الإنساني من جهة، ويستقصي قوانين التفكير والتعبير والسيرة العامة ~~والخاصة من جهة أخرى؛ ففلسفته تدور على هذين الأمرين. # تريد أن تعلم إلى أي حد وصل العقل الإنساني في القرن ms61 الرابع قبل المسيح في دروس مسألة ~~بعينها من مسائل الطبيعة أو ما بعد الطبيعة؟ فمرجعك في ذلك إنما هو أرسطاطاليس، تجد ~~فيه نتائج البحث الذي سبقه. وتجد فيه نقد هذه النتائج، وتجد فيه رأيه الخاص في هذه ~~النتائج، ومن هنا انقسمت فلسفة أرسطاطاليس إلى قسمين أساسيين: أحدهما القسم الذي أحدث ~~آثاره الطبيعية المعقولة، ثم أصبح شيئا تاريخيا يرجع إليه الذين يدرسون تاريخ ~~الفلسفة وتاريخ الحياة العقلية عامة؛ ليستعينوا على فهم هذا التاريخ، وهذا القسم هو ~~المباحث التي تتصل بالطبيعة وما بعد الطبيعة؛ فهو يدرس الآن ويدرس درسا دقيقا لا ~~ينتفع به انتفاعا مباشرا في الحياة العملية، بل ليستعان به على فهم العقل الإنساني ~~وما ناله من التطور على اختلاف العصور؛ وليس هذا بالشيء القليل. والآخر هو القسم الذي ~~أحدث آثاره الطبيعية المعقولة، وما زال يحدثها، وسيحدثها أبدا دون أن يناله في ذلك ~~ضعف أو قصور، أي هو القسم الذي بقي وسيظل صالحا للبقاء، والذي لم يستطع العقل ~~الإنساني على رقيه ونضوجه أن يمحوه أو يغير منه قليلا، وهو كل ما تركه أرسطاطاليس في ~~المنطق والأدب والأخلاق والسياسة. فقد استقصى أرسطاطاليس في المنطق قوانين العقل ~~الإنساني في البحث والتفكير على اختلاف درجاتهما وأطوارهما؛ وهذه القوانين ثابتة لا ~~تتغير، ملائمة للإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث إنه شرقي أو غربي، ولا من حيث إنه ~~قديم أو حديث. # وقد يتطور العقل الإنساني فيشتد تأثره بناحية من أنحاء البحث دون ناحية أخرى. ولكن ~~هذا لا يستتبع إلغاء قانون من القوانين التي استكشفها أرسطاطاليس وإنما يستتبع تقديم ~~بعض هذه القوانين على بعض، فقد كان القدماء وأهل القرون من العرب والأوربيين يعنون ~~عناية خاصة بالقياس، ويعتمدون عليه في بحثهم الفلسفي؛ ثم تطور العقل وأصبحت الفلسفة ~~الحديثة تعتمد على الاستقراء أكثر مما تعتمد على القياس. # ونحن نعلم أن أرسطاطاليس قد استكشف قوانين القياس وقوانين الاستقراء جميعا، وأن ~~الفلسفة الحديثة إن عنيت عناية خاصة بالاستقراء فهي لا تلغي القياس، ولا تستطيع أن ~~تلغيه؛ لأنه صورة طبيعية ms62 من صور التفكير الإنساني. # وكما أن منطق أرسطاطاليس خالد فأدبه خالد ~~أيضا. ونريد بهذا الأدب قوانين البيان التي استكشفها أرسطاطاليس في العبارة والشعر ~~والخطابة، فهذه القوانين باقية خالدة؛ لأنها الصور الطبيعية لتعبير الإنسان عن آرائه، ~~كما أن قوانين المنطق هي الصور الطبيعية لتكوين هذه الآراء. ومن غريب الأمر أن أهل ~~الأدب الأوربي في أواخر القرون الوسطى وأوائل العصر الحديث، كانوا يزعمون أن ~~أرسطاطاليس يقيد القصص التمثيلية المحزنة بقيود يقال هي الوحدات الثلاث: وحدة الزمان، ~~والمكان، والعمل، فلما وضع «كرنيل» قصة «السيد» اشتدت حملة النقاد عليه؛ لأنه شذ عن ~~هذه الوحدات؛ ونشأ من هذا خلاف بين الأدب القديم والأحرار من الأدب الحديث كثر فيه ~~القول كثرة فاحشة، ثم استكشف أدب أرسطاطاليس وما كتبه عن الشعر وعن القصص التمثلية ~~المحزنة، فإذا هو لم يذكر هذه الوحدات ولم يشر إليها، وإذا آراء الأوربيين الذين ~~كانوا يضيفون إليه هذه الوحدات لم تكن قائمة إلا على الجهل والوهم، وإذا القوانين ~~الأدبية التي استكشفها أرسطاطاليس لا تزال باقية صالحة للبقاء كقوانين المنطق. وقل ~~شيئا يشبه هذا بالقياس إلى القوانين السياسية والخلقية التي استكشفها أرسطاطاليس؛ ~~فقد تطورت النظم السياسية وقواعد الأخلاق، ولا شك في أنها ستتطور، ولكن القواعد ~~الأساسية لأرسطاطاليس ستظل قائمة باقية؛ لأنها تتبع هذا التطور وتسيطر عليه؛ فمهما ~~تتغير الجماعات ونظمها فستظل القاعدة السياسية الأساسية هي هذا القانون الذي وضعه ~~أرسطاطاليس، وهو أن حسن الحكومة وقبحها شيئان إضافيان؛ فالحكومة الحسنة ليست هي ~~الملكية ولا الجمهورية أرستقراطية كانت أو ديمقراطية، وإنما هي الحكومة الملائمة ~~للشعب، وإذا فكل حكومة مهما تكن صورتها خير إذا لاءمت روح الشعب ومنافعه، فأي تطور ~~اجتماعي أو سياسي يستطيع أن يغير هذه القاعدة الخالدة؛ كذلك قد يتغير شعور الإنسان ~~وحكمه على الأشياء ومذهبه في قياس الخير والشر، ولكن القانون الخلقي الذي وضعه ~~أرسطاطاليس سيظل خالدا؛ لأنه فوق التطور يدبره ويسيطر عليه. فأي تطور يستطيع أن يغير ~~هذا القانون قانون الأوساط، الذي يقضي بأن الإسراف شر، وبأن التقصير شر، وبأن الخير ~~حقا إنما ms63 هو التوسط في الأمر! وأي تطور يستطيع أن يغير هذا القانون الآخر الذي ~~استكشفه أرسطاطاليس، وانتهى إليه العلم الحديث، وهو أن الأمر في الأخلاق كالأمر في ~~السياسة، يجب أن يقوم على الإضافية! فليس هناك خير مطلق أو شر مطلق لا ينالهما تغير ~~أو تبدل، وإنما الخير والشر إضافيان يتأثران بكل ما تتأثر به الحياة العامة والخاصة ~~من الظروف. # وإذا فليس من الحق أن أرسطاطاليس فيلسوف قديم، وإنما الحق أنه فيلسوف خالد ملائم لكل ~~زمان ولكل مكان، وهو - كما سماه الغرب حقا - «المعلم الأول». # وهو بحكم هذا الاسم قائد من قادة الفكر، أو قل: أكبر قائد من قادة الفكر، وكيف تريد ~~أن أثبت لك أنه أكبر قائد من قادة الفكر وأنت تعلم معي أن فلسفة أرسطاطاليس سيطرت منذ ~~ظهورها على العقل الإنساني القديم، وأنها هي التي كانت لها الأثر الأكبر في تكوين ~~العقل العربي الإسلامي، وفي وجود فلسفة العرب وعلم الكلام عندهم، وهي التي تغلغلت في ~~الحياة العربية حتى أثرت في البيان العربي تأثيرا قويا، وهي التي كونت العقل ~~الأوربي في القرون الوسطى، وهي التي اتخذها العقل الأوربي مصدرا وأساسا لعلمه ~~وفلسفته في العصر الحديث. بل هناك ميزة يختص بها أرسطاطاليس دون غيره من الفلاسفة ~~القدماء والمحدثين، وهي أن خصومه والمنتمين إلى المذاهب الفلسفية والدينية المناقضة ~~لفلسفته يتخذون فلسفته نفسها وسيلة إلى محاربته، فالأفلاطونيون ينقضون فلسفة ~~أرسطاطاليس بنفس القواعد التي كشفها أرسطاطاليس للبحث والنقض والاستدلال؛ وكذلك قل عن ~~المسيحيين والمسلمين والمحدثين من الفلاسفة، كل أولئك استخدم وما زال يستخدم منطق ~~أرسطاطاليس لمخاصمة أرسطاطاليس. إذا فهذا الاسم من الأسماء الخالدة التي قد تكون أشد ~~من الدهر قدرة على البقاء، إن صح مثل هذا التعبير. ومن أراد أن يبحث عن قادة الفكر ~~فلن يستطيع أن يوفق لإجادة البحث وإحسانه إلا إذا عني بأسطاطاليس وفلسفته، ~~وأنزلهما منزلتهما الحقيقية، وهي المنزلة الأولى. # | الإسكندر # كانت قيادة الفكر إلى الشعراء أول عهد العالم القديم بالوجود الاجتماعي والسياسي، ثم ~~ارتقى هذا العالم القديم من الوجهة الاجتماعية والسياسية والعقلية، ms64 فانتقلت قيادة ~~الفكر من الشعر إلى الفلسفة، وأصبح قادة الفكر فلاسفة ومفكرين، بعد أن كانوا أصحاب ~~شعر وخيال ، ولكن هذه الفلسفة نفسها جدت في سبيلها التي سلكتها إلى الرقي، وانتهت ~~إلى ما لم يكن بد من أن تنتهي إليه، فأحدثت في النفوس شكا، وتناولت النظم القائمة ~~بالنقد حتى هدمتها، أو كادت تهدمها؛ وظهر أنها عاجزة عن قيادة الفكر بعد أن وصلت ~~الجماعات إلى هذا التطور الذي وصلت إليه في القرن الرابع قبل المسيح، كما ظهر منذ ~~قرون عجز الشعر عن قيادة الفكر بعد أن تبدلت الحياة الاجتماعية والسياسية. # ولم يكن بد من أن تنزل الفلسفة عن سلطانها لشيء آخر يخلفها على قيادة الفكر وتوجيه ~~الحياة الإنسانية وجهة جديدة؛ تلائم هذه الأطوار الجديدة التي انتهت إلى ~~الجماعات. # وفي الحق أن هذا القرن الرابع قبل المسيح كان عصر انتقال عام تظهر آثاره في جميع ~~أجزاء العالم القديم: في الشرق الآسيوي، وفي الغرب الأوربي، وفي بلاد اليونان خاصة، ~~وشبه جزيرة البلقان بوجه عام، فأنت حين تستعرض تاريخ العالم القديم في هذا العصر، لا ~~تجد إلا تغيرا وتبدلا في النظم وأصول الحكم، في الأخلاق والعادات، بل في الشعور ~~الديني نفسه. # أما في الشرق، فقد كانت الدولة الفارسية العظمى، التي بسطت سلطانها على أعظم ~~إمبراطورية عرفها تاريخ الشرق القديم، وأخضعت لهذا السلطان بلاد الفراعنة وبلاد ~~البابليين والآشوريين والفينيقيين، كانت قد انتهت إلى شيء من الضعف آذن بأن سقوطها قد ~~أصبح أمرا ليس منه بد: كان الفساد قد اشتمل على ملوكها وزعمائها، وكان الترف قد عبث ~~بعامة شعبها الذي كان مصدر قوتها وبأسها، وكان العصيان قد انبث في أقطار الأرض التي ~~خضعت لها، فأصبحت هذه الأقطار ثائرة مضطربة يطمع بعضها في استرداد استقلاله القديم، ~~ويخضع بعضها الآخر لأطماع الحكام والمستبدين. وكانت السلطة المركزية قد يئست من أن ~~تقبض بنفسها على أزمة الأمر، فلجأت إلى أعدائها اليونان، تجندهم لحماية أقطارها، ~~وتستأجرهم للدفاع عن سلطانها. وكانت الأمة اليونانية على ما علمت في الفصل الماضي، من ~~الضعف والانحلال، والفساد ms65 الخلقي والسياسي، والزهد في هذه النظم السياسية التي ألفتها ~~والتي ظهر فسادها وعجزها عن ضبط الأمور. ولم تكن إيطاليا ولا غرب أوربا أقل اضطرابا ~~من بلاد اليونان والشرق، فقد كانت مدينة روما الناهضة تبسط سلطانها الجديد قليلا ~~قليلا على إيطاليا - وكان الجهاد عنيفا بينها وبين عناصر مختلفة كانت تنازعها ~~السلطان: كان الجهاد عنيفا بينها وبين المستعمرات اليونانية الإيطالية؛ وكان عنيفا ~~بينها وبين الفينيقيين من أهل قرطاجنة؛ وكان عنيفا بينها وبين المدن الإيطالية التي ~~كانت تستمتع بالحياة المستقلة في أمن وسلم، فأصبحت الآن ترى هذه الحياة المستقلة ~~معرضة للخطر؛ ذلك إلى هذه القبائل البربرية التي أخذت تندفع إلى بلاد إيطاليا وإلى ~~غرب أوربا، والتي لم تجد روما بدا من أن تقف منها موقف المدافع المانع. كل شيء في ~~العالم القديم كان يدل في هذا القرن الرابع على أن الحياة الإنسانية في حاجة إلى أن ~~تتغير، وعلى أن القوة لا بد من أن تظهر لتضبط الأمر وتقضي على هذه الفوضى ~~العامة. # وكان لهذه القوة المنتظرة مركزان: أحدهما قريب من الشرق في مقدونيا، والآخر قريب من ~~الغرب في روما. ولكن هذه القوة المقدونية كانت، فيما يظهر أقدر على الظفر وأخلق ~~بالانتصار من القوة الرومانية؛ لأنها كانت قريبة من مركز الحياة الأدبية والسياسية ~~القوية: كانت قريبة من اليونان شديدة الاتصال بهم، وكانت قريبة من آسيا أيضا، ولست ~~في حاجة إلى أن أذكر لك مقدونيا وتاريخها، ولا إلى أن أفصل لك نهضتها السياسية ~~واستئثارها بالقوة، فكل ذلك شيء لا يعنينا الآن، وإنما الذي يعنينا هو أن ملكا من ~~ملوكها وهو فيليب، قد استطاع أن يكسب لها قوة حربية ضخمة، واستطاع بهذه القوة أن ~~يستأثر بالأمر كله في البلاد اليونانية، وأن يخضع هذه المدن اليونانية لسلطان قوي ~~حازم، ويقضي على ما كان بينها من نزاع وخصومة، ويوجه قوتها المادية والمعنوية إلى جهة ~~جديدة نافعة، هي الاستيلاء على الشرق، والقضاء على سلطان الفرس فيه. # ولكن فيليب قتل غيلة، ولما يبدأ تحقيق غايته الكبرى التي كان يسعى إليها؛ ms66 فنهض ~~بالأمر بعده ابنه الشاب الإسكندر؛ واستطاع لا أن يحقق غاية أبيه، بل أن يتجاوزها إلى ~~شيء لم يكن يخطر لفيليب ولا لغيره من المقدونيين واليونان، بل لم يخطر لأحد من قبله، ~~وهو إخضاع العالم القديم المتحضر كله لسلطان واحد قوي منظم. # لعلك تعجب حين تراني أحدثك عن الإسكندر الفاتح، في كتاب يبحث عن قادة الفكر. ولعلك ~~تسأل: ما بال قائد من قواد الجيوش يخلط بهؤلاء الذين لم يتسلطوا إلا على العقول؟ ~~ولكني قلت لك في أول هذا الفصل: إن قيادة الفكر قد انتقلت من الشعر إلى الفلسفة، ثم ~~من الفلسفة إلى السياسة، وكان الإسكندر هو الذي نقلها، أو قل هو الذي انتزعها عن ~~الفلسفة وأقرها للسياسة. # ولقد يكون من الحق، ومن الواجب أيضا، أن يتغير رأي الناس في الإسكندر، وفي عظمته، ~~وفي مصدر هذه العظمة؛ فالناس جميعا يؤمنون بأن الإسكندر عظيم، ولكنهم يردون هذه ~~العظمة إلى ما أحدث الإسكندر من فتح لم يعرفه التاريخ القديم. وكيف لا يكون عظيما ~~ذلك الشاب الذي نهض بالأمر بعد أبيه، فلم يكد يستقبل الملك حتى فسد عليه كل شيء، ~~واضطرب من حوله كل شيء، فإذا جيرانه يغيرون على مملكته من كل صوب، وإذا حلفاؤه ينقضون ~~الحلف ويثورون به يريدون أن يقضوا على سلطانه؛ وإذا هو على حداثة سنه وقلة حظه من ~~التجربة، قد ثبت لهذا كله، فصد المغير، ورد الحليف إلى الوفاء بالعهد، وقضى ~~على أطماع جيرانه، ومحا آمال اليونان في الاستقلال، واتخذ من خصومه وأعدائه على ~~اختلاف أجناسهم، وتباين أهوائهم، وتفاوت حظوظهم من الرقي العقلي، جيشا ضخما منظما، ~~عبر به البحر إلى آسيا. فلم يكد يظهر فيها حتى طرد الفرس من آسيا الصغرى، ومضى في ~~طريقه يتبع ساحل البحر حتى أخضع البحر كله لسلطانه، وإذا هو في الشام، وإذا هو في ~~مصر، وإذا هو وارث ملك الفراعنة، وإذا هو يؤسس عاصمة العالم الجديد، وإذا هو يترك مصر ~~ويتعمق في آسيا، فيقضي على دولة الفرس ويرث عرشها، وإذا هو يجد في غزوه ويمعن ms67 في ~~فتحه، فيبلغ الشرق الأقصى، ويوغل في الهند إيغالا، ويرفع لواء الحضارة اليونانية ~~والأدب اليوناني في أرض لم تسمع باليونان من قبل، وإذا هو يعود إلى بلاد الفرس ويستقر ~~للراحة في بابل وقد ورث ملك الفراعنة والبابليين والآشوريين والفرس وسلطان اليونان ~~والفينيقيين، وضم هذا كله إلى ملك مقدونيا الذي ورثه عن أبيه. # كل ذلك لم يرضه ولم يقنعه، وما كان استقراره في بابل إلا استعدادا لحركة أخرى أشد ~~عنفا من الحركة الأولى وأبعد منها أثرا؛ فقد كان يريد أن يستأنف السير فيعبر البحر ~~إلى إفريقية، ويمضي في طريقه حتى يبلغ عمود هرقل أو مضيق جبل طارق، فيقضي على سلطان ~~الفينيقيين في إفريقية الشمالية، ويبسط سلطانه على أوربا الغربية، ويقتحم هذا القسم ~~من أوربا حتى يتم دورته، وينتهي إلى مقدونيا حيث ابتدأ حركته. كان يستعد لهذا كله، ~~كان زعيما أن يتمه ويوفق له، لولا أن الموت عاجله فوقفه في منتصف الطريق! # كيف لا يكون عظيما هذا الشاب الذي فعل هذا كله في عشر سنين أو أقل من عشر سنين؛ نعم ~~هو عظيم، ولم تخطئ الأجيال الماضية حين أضافت عظمته إلى هذه الحركة العنيفة ~~الخصبة. # ولكننا مع ذلك نرى أن عظمة الإسكندر ينبغي أن تضاف إلى شيء غير هذا خليق بالخلود ~~حقا؛ لأنه يتصل بالعقل لا بالأرض، فلم يكن الإسكندر قائد جيش ليس غير، وإنما كان ~~قائد فكر قبل كل شيء وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. لم يفهمه معاصروه، ولم يفهمه خلفاؤه، ~~وفهمناه نحن، ولكننا لم نفهمه بعد كما ينبغي. # عد إلى الفلسفة اليونانية التي أزهرت في القرنين الخامس والرابع قبل المسيح، والتي ~~انتهت بإفساد النظم السياسية واليونانية، ولم توفق لإيجاد نظم جديدة تخلفها؛ عد إلى ~~هذه الفلسفة تجدها كانت تطمح، قبل كل شيء، وبدون أن تشعر إلى توحيد العقل الإنساني، ~~والأخذ بنظام واحد في التصور والتفكير والحكم، ولم يكن بد إذا انتصرت هذه الفلسفة من ~~أن تتقارب الشعوب وتتعاون على توحيد الحضارة وترقيتها، وعلى إيجاد نوع إنساني متحد ~~الغاية متشابه ms68 الوسائل في مساعيه. # ولكن، ما السبيل إلى انتصار هذه الفلسفة؟ وما الوسيلة إلى تحقيق غايتها هذه؟ أما ~~الدعوة والنشر فما كان من شأنهما أن يضمنا هذا النصر، ولا أن يحققا هذه الغاية. فكيف ~~تتصور انتشار فلاسفة اليونان في البلاد الشرقية وإذاعة فلسفتهم في هذه البلاد، وإذا ~~لم يمهد لذلك بإزالة الفروق السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين اليونان ~~وغيرهم من الشعوب! فهم الإسكندر هذا وجد فيه فوفق له: وأخضع العالم القديم ~~المتحضر كله لسلطان واحد، وأزال بين شعوبه تلك الفروق التي أشرنا إليها آنفا، وأتاح ~~للآداب اليونانية والفلسفة اليونانية أن تتغلغلا في أعماق الشرق وتؤثرا في نفوس ~~الشرقيين، وتصبغاها هذه الصبغة اليونانية التي كانت قد أعدت من قبل لتكون صبغة عامة ~~خالدة للعقل الإنساني كله. بل لم يكتف الإسكندر بإزالة هذه الفروق السياسية وإخضاع ~~العالم القديم كله لسلطان واحد، وإنما طمع في شيء آخر أبعد مدى وأعسر تناولا: طمع ~~في إزالة الفروق الجنسية بين الناس. لم يكتف بخلط الشعوب بعضها ببعض، بل أراد أن ~~يمزجها ويستخلص منها شعبا واحدا. انظر إليه حين استقر ببابل، وقد أخذ في هذا المزج ~~بالفعل، فبدأ يزاوج بين اليونانيين والمقدونيين من جهة، والفرس من جهة أخرى، حتى لقد ~~أحدث في يوم واحدة عشرة آلاف من هذه المزاوجة، وأنفق في تشجيع هذه الحركة أموالا ~~ضخمة، وجعل نفسه وزعماء جيشه قدوة لعامة الجيش، بل لم يكتف بهذا، وإنما أزمع إحداث ~~حركة عامة، وأراد أن ينقل طبقات ضخمة من الفرس إلى البلقان، وطبقات ضخمة من البلقان ~~إلى الفرس، لا يريد بهذا كله إلا مزج الشعوب، وإزالة ما بينها من الفروق الجنسية. ~~ولكن الموت عاجله قبل أن يبدأ في هذه التجربة التي لو تمت لغيرت وجه الأرض، ولحولت ~~سير التاريخ. # وسواء علينا أكان الإسكندر مصيبا أم مخطئا في هذه الفكرة وفي انتهاج هذا المنهج، ~~وسواء علينا أوفق أم لم يوفق، وإنما الشيء الوحيد الذي لا شك فيه هو أن الإسكندر لم ~~يكن يريد أن يفتح الأرض وحدها، وإنما كان يريد أن ms69 يفتح معها العقل، بل قل: إنه إنما ~~كان يفتح الأرض تمهيدا لهذا الفتح العقلي. بل لا تستعمل كلمة الفتح؛ فلم يكن ~~الإسكندر فاتحا بالمعنى الذي فهمته الأجيال المختلفة: لم يكن صاحب حرب وقهر وغلب، ~~وإنما كان صاحب مودة ومحبة وإخاء وتسوية بين الناس. ولقد أسرف في الإطالة لو أني ~~تحدثت إليك بما لقي الإسكندر في ذلك من مشقة وعناء؛ فقد أنكره المقدونيون حتى ثاروا ~~به وهو زعيمهم، وقد سخر منه اليونان، ودبر أولئك وهؤلاء المؤامرات، واضطر الإسكندر ~~إلى أن يتخذ العنف وسيلة إلى قهر خصومه من أنصار القديم. كان الإسكندر قائد فكر كما ~~كان قائد جيش، وقد وفق في قيادة الفكر لما لم يوفق له في قيادة الجيش. وهنا عبرة ~~تاريخية يجب أن يتفكر فيها من يريد أن يتعظ ويقدر الأشياء كما هي. # ظفر الإسكندر في قيادته العسكرية بكل ما كان يريد، فخضعت له أقطار الأرض، وورث تلك ~~العروش التي ورثها، وعبدته الشعوب على اختلافها. ولكن هذا الظفر لم يدم؛ فلم يكد ~~الإسكندر يفارق هذه الحياة، حتى تفرق أصحابه واختلفوا، وشبت الحرب بينهم، وتقطع هذا ~~الملك، ولم يتم تكوين هذه الدولة التي كان يرمي إليها الفاتح العسكري، وأخفق الإسكندر ~~في قيادته الفكرية أثناء حياته، فلم يتم له ما كان يريد من توحيد الشعوب، والتقريب ~~بين العقول، وإيجاد حضارة واحدة مشتركة، ولكنه ظفر بهذا كله بعد موته؛ لأن فتحه ~~العسكري قد غرس هذه الفكرة في جميع أقطار الأرض التي وطئتها جيوشه. ولم يكن بد من ~~الوقت لتستطيع هذه الفكرة أن تنبت وتنمو وتؤتي ثمراتها. ولم يكد ينتهي القرن الثامن ~~حتى كانت الحضارة اليونانية حضارة الشرق القديم، واللغة اليونانية لغة الشرق القديم، ~~وحتى أخذ الشرق يشارك اليونان في آدابهم وفنونهم وفلسفتهم؛ حتى نشأ من اختلاط ~~اليونانيين والشرقيين مزاج خاص، تستطيع أن تجده واضحا جليا إذا درست الفلسفة ~~الإسكندرية، أو آداب الإسكندريين، أو زرت المتاحف ورأيت هذه الآثار الباقية التي ~~اشترك فيها الشرق واليونان. وما لنا نضرب الأمثال بهذه الأشياء التي لا يتاح ms70 للناس ~~جميعا أن يشهدوها وبين أيدينا مثلان لا يستطيع أن ينكرهما منكر: الأول الديانة ~~المسيحية؛ فليست هذه الديانة إلا نتيجة لازمة لتعاون العقلين الشرقي والغربي، ومثالا ~~صادقا لهذا المزاج الجديد الذي نشأ من هذا التعاون؛ ولهذا ظفرت الديانة المسيحية من ~~الفوز في أوربا بما لم تظفر به الديانة اليهودية لأنها سامية خالصة، وبما لم يظفر به ~~الإسلام لأنه أعرق في السامية من الديانة المسيحية، والثاني هذا التفاهم القائم بين ~~الشرق والغرب؛ فمهما تكن الفروق بين الشرقيين والغربيين، فهي فروق سياسية أو اجتماعية ~~أو جنسية. # أما الفروق العقلية فقد محيت محوا تاما، وأصبح الشرقي والغربي يفهمان ويحكمان على ~~نحو واحد؛ فليس هناك علم شرقي وعلم غربي، وليست هناك فلسفة شرقية يعجز الغربي عن ~~فهمها، ولا فلسفة غربية يقصر الشرقي عن إساغتها. كل ذلك أثر من آثار الإسكندر؛ فهو ~~الذي قارب بين الشرق والغرب، ومزج العقل الشرقي بالعقل الغربي، ولولا حركة الإسكندر ~~هذه لكانت للشرق شؤون غير شؤونهما التي عرفها التاريخ. # والإسكندر إذن قائد من قادة الفكر، بل هو زعيم من زعماء قادة الفكر، بل هو أشد قادة ~~الفكر القدماء إنتاجا وأكثرهم نفعا؛ فما قيمة الفلسفة اليونانية كلها لو لم يتح لها ~~الإسكندر؛ ليذيعها في أقطار الأرض، ويبثها في مختلف الشعوب! # | يوليوس قيصر # ليس من اليسير أن يذكر الإسكندر دون أن يذكر قيصر، فقد كان التشابه بينهما عظيما، ~~على ما بينهما من اختلاف الجنس، وعلى ما بين عصريهما من تباين، وعلى ما بين الظروف ~~التي أحاطت بحياتيهما وبالعالم القديم في عصريهما من افتراق. كان التشابه بينهما ~~عظيما إلى حد أن ثانيهما مكمل لأولهما تكميلا شعر به القدماء أنفسهم، فشبهوا قيصر ~~بالإسكندر، واخترعوا في ذلك أساطير مختلفة كثيرة. وسواء أكان قيصر يفكر في الإسكندر ~~ويتخذه مثلا في سيرته ومطامعه السياسية أم لم يكن، فليس من شك في أن حياة قيصر ~~وسيرته قد تممتا حياة الإسكندر وسيرته. # أراد الإسكندر أن يخضع العالم القديم كله لسلطان واحد سياسي، وأراد أن يكون خضوع ~~العالم لهذا السلطان ms71 السياسي وسيلة إلى إيجاد الوحدة العقلية في النوع الإنساني كله، ~~وإلى إزالة الفروق المختلفة التي كانت تفرق بين الشعوب، وقد أخضع جزءا عظيما جدا ~~من العالم القديم لسلطانه، ولم تتح له الحياة الوقت الكافي لإخضاع بقية العالم القديم ~~لهذا السلطان: فتح الشرق ولم يستطع أن يفتح الغرب، بل إن الظروف أرادت ألا يكون فوز ~~الإسكندر هذا متصلا؛ فقد عاجله الموت ولما يتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، ولما ~~يضع لدولته الضخمة من النظم والقوانين ما يكفل لها الوحدة السياسية التي كان يريد ~~تحقيقها، فما هي إلا أن اختلف قواده وتقطع ملكه، وقامت على أنقاض دولته الضخمة دول ~~كثيرة مختلفة. ومع هذا، فإن فوز الإسكندر عظيم، مثلناه لك في الفصل الماضي؛ لأن هذه ~~الدول التي قامت على أنقاض دولته في أقطار الشرق، كانت كلها يونانية، فقاربت بين ~~الشعوب، ووحدت الحضارة الإنسانية، وجعلت تعاون الشرق والغرب أمرا ميسورا. # وبينما كانت هذه الدول اليونانية الشرقية تؤدي في الشرق هذه الخدمة الإنسانية القيمة، ~~كان الغرب الأوربي الذي لم يستطع الإسكندر أن يصل إليه، خاضعا لمؤثرين مختلفين، ~~هزاه هزا عنيفا. وأحدثا فيه نفس الظاهرة التي أحدثتها حركة الإسكندر في الشرق: ~~أول هذين المؤثرين، ظهور الجمهورية الرومانية في إيطاليا، وانبساط سلطانها قليلا ~~قليلا على شبه الجزيرة الإيطالي؛ فقد كانت هذه الجمهورية قوة سياسية وعسكرية لم يعهد ~~الغرب الأوربي مثلها، وكانت نهضتها في الغرب كنهضة مقدونيا في الشرق، تمهيدا لحركة ~~عامة. غايتها القضاء على الفوضى والوصول إلى جمع أمور الشعوب الغربية في يد قوية ~~حازمة تضبط الأمور: والثاني الجهاد بين الحضارة اليونانية التي كانت تمثلها ~~المستعمرات اليونانية في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وصقلية، والحضارة السامية التي كانت ~~تمثلها هذه الجمهورية الفينيقية الضخمة في إفريقية الشمالية، وهي جمهورية قرطاجنة. ~~كان اليونان قد انبثوا على الساحل الإيطالي والفرنسي والإسباني وفي جزيرة صقلية، ~~ونشروا حضارتهم وسياستهم وآدابهم وفلسفتهم في جميع البلاد التي استقروا فيها. وكان ~~الفينيقيون قد انبثوا في ساحل إفريقية الشمالية وفي إسبانيا وفي جزيرة صقلية. وكان ~~الجهاد عنيفا بين الجنسين، ms72 كلاهما يريد أن يظفر بسيادة البحر ليحتكر التجارة ~~احتكارا، ولكن الطبع اليوناني الذي كان يستتبع الخصومة الحزبية داخل المدى والحروب ~~السياسية بين المدن، أنتج في هذا القسم من الغرب نفس الذي أنتجه في الشرق، فضعف أمر ~~اليونان، وتفرقت جهودهم، واستفاد الفينيقيون من هذا في الغرب، كما استفاد الفرس منه ~~في الشرق. # ونهضت الأمة الرومانية في إيطاليا لتحقق نفس الغاية التي حققتها النهضة اليونانية في ~~البلقان؛ فأخضعت المدن الإيطالية المستقلة، وقضت على سكان المستعمرات اليونانية في ~~إيطاليا وصقلية، وكونت وحدة غربية قوية جاهدت الفينيقيين كما جاهد الإسكندر دولة ~~الفرس؛ وقضت على الفينيقيين كما قضى الإسكندر على الفرس؛ وخضع الغرب كله للرومان، كما ~~خضع الشرق كله لليونان. ثم لم يبق بد بعد أن تم هذا كله من أن تصطدم القوتان ~~الشرقية والغربية، وتفوز بالسلطان أقدرهما على الحياة وأصلحهما للبقاء. # ولست في حاجة إلى أن أبين لك فساد الأمر في الدولة اليونانية الشرقية وصلاحه في الدول ~~الرومانية الغربية؛ فأنت تستطيع أن تجد هذا مفصلا في كتب التاريخ، وإنما الذي يعنينا ~~في هذا الفصل، هو أن نقول: إن القرن الثاني قبل المسيح لم يكد ينقضي حتى كان السلطان ~~الروماني منبسطا بدرجات تختلف قوة وضعفا على البلاد اليونانية في أوربا، وعلى ~~الدول اليونانية في الشرق؛ وحتى كانت فكرة الإسكندر - وهي تحقيق الوحدة السياسية ~~للعالم القديم - قد أخذت تسرع إلى التحقيق وتظفر بالوجود الفعلي. # ولكن شيئا واحدا كان يحول دون تحقيق هذه الفكرة بالفعل، وهو أن العالم القديم، على ~~ما أصابه من التطور العقلي والسياسي، لم يستطع أن ينسى نظمه القديمة ويضع لنفسه نظما ~~ملائمة لحياته الجديدة؛ فكانت بلاد اليونان محتفظة بحياة المدن على النحو القديم، ~~وكانت دول الشرق قائمة على نظم الدول الشرقية القديمة؛ بل كانت مدينة روما نفسها تعيش ~~على نظامها الجمهوري القديم، وكان العالم حينئذ مظهرا لطائفة من المتناقضات الغريبة، ~~لا تكاد تحصى دوله ومدنه المستقلة. ولكن هذا الاستقلال الذي كانت تستمتع به إنما كان ~~استقلالا لفظيا لا حقيقيا؛ لأن السلطة الفعلية كانت ms73 لمدينة روما. على أن مدينة ~~روما نفسها لم تكن تستمتع باستقلالها وحريتها إلا استمتاعا لفظيا فقد كانت النظم ~~الجمهورية قائمة؛ ولكن السلطة الفعلية كانت قد انحصرت في أيدي الأغنياء يديرونها كما ~~يشتهون، ويصرفونها كما تريد أطماعهم وأهواؤهم، وكان السخط عاما على هذه الحال ~~المنكرة التي تعلن أنواعا من الاستقلال لا قيمة لها، وتجعل حياة الشعوب المختلفة إلى ~~أفراد من الناس لا يكادون يبلغون الألف عدا؛ فكان الاضطراب متصلا في الشرق، وكان ~~الجهاد بين الطبقات عنيفا في الغرب، وكان كل شيء يدل على أن صلاح الأمر واستقراره في ~~هذا العالم القديم لن يتم إلا إذا تحققت بالفعل فكرة الإسكندر، وأشرف على هذه الدول ~~والمدن المستقلة سلطان قوي قاهر حازم يضبط الأمور فيها. وأنت تستطيع أن تجد في تاريخ ~~الرومان تفصيل هذه الاضطرابات وهذه الألوان من الجهاد الذي ختم حياة الجمهورية ~~الرومانية، وكان في مقدمة لتكوين الإمبراطورية الرومانية. # في هذا الوقت ظهر شاب روماني من طبقة الأشراف هو يوليوس قيصر. ليس في حياته الأولى ما ~~يميزه من غيره إلا أنه كان مسرفا فاسد الأخلاق، دنس السيرة مبغضا إلى الذين كانوا ~~يحرصون على الآداب الرومانية القديمة؛ ومع ذلك فقد كان داهية ماكرا لا حد لأطماعه، ~~وكان مع هذا كله لا يعرف حدا خلقيا يحول بينه وبين المنكر في سبيل تحقيق هذه ~~الأطماع. كان من الأشراف، وكان يزعم أن نسبه يتصل بالإله «فينوس»، ولكنه كان ذكيا، ~~فما أسرع ما فهم العصر الذي كان يعيش فيه! وما أسرع ما قدر ظروف الحياة من حوله! وما ~~أسرع ما عرف أن الفوز السياسي إنما ينال بالتملق إلى طبقات الشعب والمبالغة في إرضاء ~~هذه الطبقات! وما هي إلا أن أخذ يترضى هذه الطبقات، فإذا هو كريم مسرف ينفق بغير ~~حساب، يستدين حتى يثقله الدين، ولا يدع شيئا يتوهم أن فيه رضا لطبقات الشعب إلا ~~أقدم عليه وأسرف فيه، وإذا هو زعيم يلجأ إليه الفقراء والبائسون ويلتف حوله أصحاب ~~الأطماع على اختلافهم، وإذا هو قوة يجب أن تحسب لها ms74 الدولة حسابا، وإذا هو يتقدم إلى ~~مناصب الدولة فيظفر في الانتخاب، وإذا هو خصم لمجلس الشيوخ الروماني يدافعه ويجاهده، ~~يظهر نفسه مظهر الصديق للديمقراطية. وانظر إليه قد فاز في جهاده فتولى حكم إقليم من ~~الأقاليم الرومانية، ولم يكد يصل إلى هذا الإقليم في فرنسا حتى ظهرت مقدرته السياسية ~~والعسكرية، ففتح فرنسا كلها وتعمق في ألمانيا، وعبر البحر إلى بريطانيا العظمى؛ ~~واستفاد لنفسه من هذه الفتوح ثروة ضخمة استعان بها على كسب الفقراء والمتصوتين في ~~روما وإيطاليا، كما أنه ضم إلى روما جزءا من الأرض واسعا خصبا، وأتاح للحضارة ~~اليونانية الرومانية أن تثبت في أقطار الغرب كما ثبتت في أقطار الشرق، فلما أتريح له ~~كل هذا الفوز، كثر خصومه ومنافسوه، وعظمت أطماعه؛ وإذا مجلس الشيوخ الروماني يريد أن ~~يعزله من منصبه، وإذا هو يمانع هذا العزل، وإذا الحرب قد شبت بينه وبين الجمهورية، ~~وإذا هو يقتحم إيطاليا فيظفر بروما، وقد فر خصومه ينصبون له الحرب في الشرق. وهنا ظهر ~~أن قيصر خليفة الإسكندر حقا. انظر إليه قد أخضع إيطاليا، ثم طار إلى إسبانيا فقضى ~~فيها على الحزب المناصر لخصومه، وأخضع في طريقه مدينة مرسيليا التي كانت مستعمرة ~~يونانية مستقلة، ثم انظر إليه قد طار إلى الشرق، فقضى على خصومه في موقعة فرسال، ثم ~~هو في مصر يقضي على المناصرين لخصومه، ويجد من الوقت ما يمكنه من التدخل في أمور مصر ~~ومن السعادة بالحياة مع ملكتها «كليوبطرة»، وهو الآن في آسيا يصلح من أمرها ويقضي على ~~الاضطراب فيها. ثم هو في إفريقية الشمالية يبطش بخصومه بطشا أخيرا، ثم هو في ~~إسبانيا يقضي على آخر مقاومة لخصومه، ثم هو في مدينة روما يعلن ظفره وفوزه ويستمتع ~~بنتائجهما، وقد تم له ما لم يتم للإسكندر من ملك العالم القديم المتحضر كله. # وكان حظه خيرا من حظ الإسكندر؛ فقد استطاع أن ينظم هذه الوحدة السياسية التي أخفق ~~الإسكندر في تنظيمها أو أن يضع الأساس لهذا التنظيم. ولم يكد يستقر في روما حتى محا ~~السيادة الفعلية ms75 للنظام الجمهوري واستأثر بالسلطة كلها، فجعل نفسه دكتاتورا طول ~~حياته، وجعل نفسه مقدسا، وجعل لنفسه السلطة الدينية العليا ، ونصب نفسه زعيما ~~للضعفاء يحميهم ويحوطهم، ولم يبق إلا أن يتخذ لقب الملك؛ وكأنه كان يريد أن يتخذه ~~لولا أن تعجله المؤتمرون فقتلوه في مجلس الشيوخ (مارس سنة 44 قبل المسيح). # قتلوه وقد خيل إليهم أنهم سيقضون على الطغيان، ويردون إلى الشعب الروماني حريته ~~ونظمه الجمهورية؛ ولكن الحوادث دلت على أنهم كانوا مخطئين، وعلى أن الشعب الروماني قد ~~زهد في هذه الحرية، وسئم النظم الجمهورية، وعلى أن العالم القديم كله كان قد نضج ~~لتحقيق فكرة الإسكندر، وإيجاد هذه الوحدة السياسية العامة التي يشرف عليها سلطان قوي ~~متين. كان الإسكندر إذا صاحب الفكرة، وكان قيصر منفذها، ومهما يقل الفلاسفة وأنصار ~~الحرية، ومهما يكن حكم التاريخ على قيصر أو له فلسي من شك في أنه - بعد الإسكندر - ~~أكبر قائد للفكر السياسي في العصر القديم: هو الذي أسس الإمبراطورية الرومانية، ورسم ~~نظامها، وجمع العالم القديم كله تحت لواء واحد، وأخضعه لنظام سياسي واحد، ولنظام ~~قضائي واحد، وأعده ليخضع لنظام ديني واحد أيضا. والعالم القديم مدين لقيصر بهذا ~~كله، وأوربا في القرون الوسطى مدينة لقيصر بحياتها السياسية. وحسبك أن الإمبراطورية ~~الألمانية كانت ترى نفسها وارثة للإمبراطورية الرومانية التي أسسها قيصر، وكان ~~رؤساؤها يسمون أنفسهم قياصرة؛ بل إن أوربا مدينة بنظامها السياسي في العصر الحديث ~~لقيصر. فما كان لويس الرابع عشر في فرنسا، ولا قياصرة الألمان الذين كانوا يخاصمونه، ~~إلا متأثرين بالنظام القيصري؛ بل لقد عصفت بأوربا وبالعالم الحديث عاصفة الثورة ~~الفرنسية؛ فما هي إلا أعوام حتى أنتج النظام الجمهوري الفرنسي نفس ما أنتجه النظام ~~الجمهوري الروماني، وقام نابليون بونابرت في باريس مقام يوليوس قيصر في روما. # | بين عصرين # ظن الذين ائتمروا بقيصر وقتلوه أنهم ائتمروا بما كان يمثله قيصر وقضوا عليه، وظنوا ~~أنهم قد وفقوا لما كانوا يطمعون فيه من رد أمور الحكم إلى الشعب، ومحو السلطان الذي ~~كان يحاول القضاء على الروح الديمقراطي، وما الذي ms76 يمنعهم أن يظنوا ذلك أو يؤمنوا به ~~وقد ائتمر المؤتمرون من قبلهم بالطغيان فأزالوه، وانتدبوا لنصر الديمقراطية وحرية ~~الشعوب فوفقوا له! ولكن كل شيء وقع بعد قيصر دل على أن هؤلاء المؤتمرين كانوا أصحاب ~~خيال لا أصحاب تحقيق، وعلى أنهم لم يأتمروا بالطغيان، وإنما ائتمروا بما كان باقيا ~~من الديمقراطية، ولم يقضوا على الجديد وإنما قضوا على القديم، نعم! ودل كل شيء بعد ~~قيصر على أن الذين كانوا قد ائتمروا من قبل بالطغاة والطغيان إنما وفقوا للفوز، لأن ~~نظام الطغيان كان قد أضعف نفسه وانتهى إلى غايته، ولأن النظام الديمقراطي كان حديث ~~العهد يكاد الناس يجهلونه، ولكنهم مع ذلك يحبونه؛ بل قل: إنهم كانوا يحبونه لأنهم ~~يجهلونه. # وكان هذا النظام الديمقراطي يريد أن يعم ويسود، فلا يحاول بينه وبين ما يريد إلا هذا ~~النظام العتيق: نظام الطغيان، واستئثار الأفراد والأقليات بالأمر، فلما أزيل هذا ~~النظام العتيق خلت الطريق للجديد، فظهر وانتصر وسيطر على العقول والعواطف وفروع ~~الحياة العملية. # أما في عصر قيصر، فقد كان الأمر على عكس هذا: كان الناس قد سئموا الحرية، أو قل كان ~~الناس قد ضاقوا بهذه الحرية ذرعا؛ لأنهم عجزوا عن النهوض بأعبائها فلم ينتفعوا بها ~~ولم تنتفع بهم. وكان النظام الديمقراطي القديم قد أصبح عتيقا مملولا، ولا سلطان له ~~على النفوس، ولا تأثير له في القلوب، وكان اختلاط الشعوب، واشتداد الصلة فيما بينها ~~قد أثبتا عجز النظام الديمقراطي القديم عن سيادة العالم وضبط أموره، وكان العالم في ~~حاجة شديدة إلى من يسوده ويضبط أموره في حزم وعزم. وكان قيصر هذا السيد الحازم العازم ~~الذي أتيح له أن يزيل أنقاض القديم، وليتيح للجديد أن يظهر ويظفر ويسود. لذلك لم يحسن ~~المؤتمرون بقيصر إلى الديمقراطية، وإنما أساءوا إليها، وتعجلوا قضاء الله فيها. وأنت ~~تعلم أن جسم قيصر لم يكد يدس في التراب حتى كان أنصاره والمشيعون له أكثر من خصومه ~~والساخطين عليه، وحتى اضطر الذين ائتمروا به وقتلوه أن يفروا بديمقراطيتهم وحريتهم ~~إلى مكان بعيد، وأنت تعلم ms77 أن الذين نهضوا بالأمر بعد قيصر ما زالوا بهؤلاء المؤتمرين ~~حتى ثأروا منهم لقيصر، وأنهم بعد أن فرغوا من هؤلاء المؤتمرين انقسموا على أنفسهم، ~~واضطروا إلى أنواع من الجهاد كلفت العالم رجالا وأموالا، وجشمته خطوبا وأهوالا، ~~وانتهت آخر الأمر إلى حيث كان قيصر قد انتهى من تثبيت سلطان الفرد من ناحية، وجمع ~~الشرق والغرب تحت هذا السلطان من ناحية أخرى، واستقرار أغسطس حيث كان استقر خاله ~~قيصر. # كل هذه الأحداث التي ألمح إليها تلميحا، تدل دلالة واضحة قوية، على أنه قد آن لقيادة ~~الفكر أن تنتقل من طور إلى طور، ومن يد إلى يد. وفي الحق أنك لا تكاد تنظر في التاريخ ~~منذ ابتداء عصر القياصرة حتى تستيقن أن شيئين قد أخفقا إخفاقا، وآن أن يقوم مقامهما ~~شيئان آخران. فأما الشيئان اللذان أخفقا فهما الديمقراطية والفلسفة. وأما الشيئان ~~اللذان قدرت لهما السيادة وكتب لهما الفوز، فهما الأوتقراطية والدين. وقد يكون من ~~الحق والصواب أيضا أن نقول إن كل شيء كان يدل في ذلك الوقت على أن الغرب قد أخفق، ~~وعلى أن الشرق قد قدر له الفوز والانتصار، ومع ذلك فقد كان الغرب منتصرا والشرق ~~منهزما: ألم تكن جيوش الرومان قد وطئت أقطار الشرق وأخذت تستعمره وتستذله؟ ألم يكن ~~أغسطس قد محا استقلال آخر البلاد الشرقية المستقلة وهي مصر؟ كان الغرب منتصرا من ~~الوجهة العسكرية، ولكن الشرق كان ينتصر من الوجهة العقلية والشعورية. أتظن أن من ~~المصادفة المطلقة أن تنشأ الإمبراطورية في روما ويثبت سلطانها في نفس الوقت الذي يظهر ~~فيه الدين المسيحي في الشرق وتبدأ الدعوة إليه؟! وهل كان النظام الإمبراطوري في الغرب ~~إلا نحوا من نظام الملك الشرقي؟! لقد عرضنا أمامك في الفصول الماضية ألوان الحياة ~~اليونانية الرومانية، وصور الحكم في هذه الحياة، فما رأيت فيما عرضنا عليك نظاما ~~أوتقراطيا صحيحا، وإنما رأيت حكما مقيدا يتنقل بين الملكية والأرستقراطية ~~الديمقراطية، ولكنه مقيد دستوريا على كل حال، ورأيت فيما عرضنا عليك أن اليونان ~~والرومان لم يعرفوا نظام الدول الضخمة والإمبراطوريات ms78 الواسعة في أوربا، وإنما عرفوا ~~في جميع أطوارهم نظام المدن الصغيرة المنفصلة المستقلة التي تتألف من حين إلى حين ، ~~ولكن كما يأتلف الأحرار المتحالفون. ورأيت كيف أخفق الإسكندر حين أراد أن يحقق النظام ~~الأوتقراطي، ويكون من الشرق والغرب دولة تخضع لهذا النظام. أما الآن فقد كان نظام ~~الحكم المقيد قد أخفق، وكان نظام المدن المنفصلة قد أخفق أيضا، وكان الاتصال بين ~~الشرق والغرب قد قوي واشتدت أواصره وأخذت تظهر نتائجه، فما الذي يمنع قياصرة الرومان ~~أن يحكموا العالم كما كان يحكم الفراعنة في مصر والملوك في بلاد الفرس؟ على أن انتصار ~~الشرق - على وضوحه وظهوره - لم يكن كاملا موفورا. ولم يكن بد من أن يتم الجهاد ~~وتنتهي التجربة إلى أقصاها وينهار النظام الغربي القديم أمام النظام الشرقي الجديد. ~~ولم يكن ذلك ميسورا إلا بعد أن يمضي وقت طويل يزداد فيه الاتصال بين الغرب والشرق ~~شدة وقوة. # ومهما يكن من شيء، فقد فاز قيصر ومذهبه وانخذل النظام الجمهوري وأنصاره. ولم يكن ~~إخفاق الفلسفة بأقل من إخفاق هذا النظام السياسي. وكيف لا تخفق وقد كثر الفلاسفة حتى ~~جاوزوا الإحصاء، وكثرت مذاهبهم واشتد بينها الخلاف والتقاطع، وعجزت الفلسفة ومذاهبها ~~عن أن تحقق للناس ما كانوا يريدون أو بعض ما كانوا يريدون؟ وأين هي آثار سقراط ~~وأفلاطون وأرسطاطاليس في الحياة السياسية والاجتماعية؟ ألم تحتفظ المدن اليونانية ~~التي كانت تدرس فيها هذه الفلسفة بنظمها القديمة التي اندفعت بها إلى الفوضى ~~والاضطراب، وقادتها إلى الذلة والخضوع؟ وهل تريد دليلا على إخفاق الفلسفة من الوجهة ~~النظرية الخالصة أكثر من هذا الخلاف بين الفلاسفة، ومن اضطرار فريق منهم إلى أن ~~يستأنفوا الشك في كل شيء كما كان يشك السوفسطائية في القرن الخامس قبل المسيح، ~~واضطرار فريق آخر إلى أن ينصرف عن الفلسفة النظرية إلى الفلسفة الخلقية، واضطرار نفر ~~من هؤلاء إلى أن يزهدوا في اللذة، ونفر آخرون إلى أن يتهالكوا عليها؟ # عجزت الفلسفة إذا عن إرضاء الحاجات السياسية للناس، كما عجزت عن إرضاء العقل ~~والشعور؛ فلم يكن بد ms79 من أن تنزل عن قيادة الفكر، ولم يكن بد من أن يتولى الدين هذه ~~القيادة. وأي دين هذا الذي يجب أن يخلف الفلسفة على قيادة الفكر؟ ليس هو الدين الوثني ~~القديم؛ فقد جدت الفلسفة في هدم هذا الدين، ووفقت لتشكيك الناس فيه؛ وقد عجز الغرب ~~عن أن يستبدل بهذا الدين الوثني دينا جديدا يستمسك به. واضطرب الغرب بين هذه ~~الوثنية المضحكة وبين إباحية هادمة لكل شيء مقوضة لكل سلطان. وإذا فلم لا ينتشر ~~في الغرب دين شرقي كما انتشرت في الغرب سياسة شرقية؟! # كان هذا كله ظاهرا بينا في العصر الذي ولي أيام قيصر، ولكنه مع ذلك لم يتحقق إلا ~~بعد جهاد طويل عنيف. فقد ناضل القديم فأحسن النضال: لجأت المدن الجمهورية إلى مجلس ~~الشيوخ في روما، فناضلت القياصرة ما أتيح لها النضال، ولجأت النظم الوثنية إلى مجلس ~~الشيوخ وقصور القياصرة، فجاهدت المسيحية ما استطاعت الجهاد. ولكن القرن الثالث للمسيح ~~لم يبلغ آخره، حتى كان انتصار الشرق على الغرب تاما شاملا. فأما آثار النظام ~~الجمهوري فمحيت محوا. وأما القياصرة، فقد أصبحوا فراعنة يعبدون في العالم كله، ~~على نحو ما كان يعبد الفراعنة في مصر. وأما الوثنية فقد كانت تنفق أقصى ما تملك من ~~عنف لتحتفظ بالبقاء، ولكن البقاء لم يكن قد قدر لها. وإذا القرن الرابع قد انتصف، ~~وإذا المسيحية هي الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية كلها، وإذا المسيحية تضطهد ~~الوثنية بعد أن كانت الوثنية تضطهدها، وإذا الشرق قد سيطر على الغرب بنظمه السياسية ~~وميوله الدينية. # وأنت تعفيني طبعا من أن أتحدث إليك عن المسيح كما تحدثت إليك عن سقراط وأفلاطون ~~والإسكندر وقيصر، فليس المسيح في حاجة إلى أن تدرس شخصيته وآثاره وقيادته للفكر في ~~فصل موجز كهذا الفصل، أو كتاب مجمل كهذا الكتاب. # هناك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، وهو أن المسيح قد قاد الفكر الإنساني دهرا، ولقد ~~لقيت قيادته للفكر صعابا أزالتها، وعقابا ذللتها، وأتيح لها أن تستأثر وحدها ~~بالسلطان في الشرق والغرب حينا، ولكن هذا الحين لم ms80 يتصل، وقد أخرج عما رسمته لنفسي ~~إن حاولت أن أفصل الأسباب التي حالت بين الدين المسيحي وبين الاحتفاظ بما كان قد وصل ~~إليه من سيطرة على العالم القديم كله أو أكثره، وإنما ألاحظ أن هذا الدين المسيحي ~~هوجم في وقتين متقاربين، من ناحيتين متباعدتين، وقد أتيح له الانتصار في إحدى هاتين ~~الناحيتين، وقدر له الانقباض في الناحية الأخرى. # لم يكد ينتصر في الغرب حتى أخذت القبائل الوثنية المتبربرة تهاجم العالم الروماني ~~القديم. وقد استطاع الدين المسيحي أن ينتصر على هذه القبائل المهاجمة ويظلها بلوائه ~~شيئا فشيئا، حتى سلمت له أوربا، ولكنه بينما كان يسود في أوربا ويبسط لواءه على ~~هؤلاء الوثنيين قليلا قليلا، كانت حركة أخرى تحدث في آسيا، في هذه الصحراء العربية ~~التي لم يكد يظلها القرن السابع للمسيح حتى كانت كلها مائجة بظهور الإسلام. ولم يكد ~~ينتصف عليها هذا القرن حتى كانت قد دفعت بأهلها في أقطار الأرض المجاورة، فإذا هم ~~يفتحون ويمعنون في الفتح وينشرون دينهم الجديد؛ وإذا المسيحية تنقبض أمامهم في الشرق ~~كما ينقبض أمامهم النظام السياسي القيصري أيضا. ولست في حاجة إلى أن أفصل لك الصراع ~~بين الإسلام والمسيحية، ولست في حاجة إلى أن أذكر لك أن ظهور الإسلام، مع أنه قد ~~احتفظ للدين بقيادة الفكر الإنساني، قد قسمت به هذه القيادة بين دينين؛ فأما أحدهما ~~فاستأثر بها في الشرق وهو الإسلام، وأما الأخر فاستأثر بها في المغرب وهو ~~المسيحية. # وقد استقر الدينان كل في موضعه مع انبساط وانقباض من حين إلى حين، وتمت لهما قيادة ~~الفكر عصورا لا يكاد ينازعهما فيها منازع. # وإذا تبينت أمر الفلاسفة الذين ظهروا في الشرق والغرب في ظل الإسلام والمسيحية، ~~وتبينت حظوظهم المختلفة من نعمة وبؤس ومن سعادة وشقاء. وتبينت أسباب هذا كله، فأنت ~~مضطر إلى أن تلاحظ أن هذه الأسباب متشابهة وإن اختلفت أطوارها وبيئاتها، وأنها راجعة ~~كلها أو أكثرها إلى فهم الناس للدين والفلسفة أكثر من رجوعها إلى الدين والفلسفة في ~~نفسهما: راجعة إلى مقدار ما كان ms81 للناس من علم يعظم معه نصيبهم من حرية الرأي، أو جهل ~~يضعف معه نصيبهم من هذه الحرية. # ومن غريب الأمر أن ما يسميه الناس اضطهادا للفلسفة في ظل الإسلام أو المسيحية لم ~~يحدث إلا من قوم كان جهلهم بالإسلام والمسيحية أكثر من علمهم بهما، وكان تعصبهم ~~للمنافع والأطماع أشد من تعصبهم للدين. ماذا نقول! بل من غريب الأمر أن اضطهاد ~~الفلسفة هذا لم يحدث في ظل الإسلام والمسيحية وحدهما، بل حدث في ظل الوثنية أيضا ~~ولنفس الأسباب التي أحدثته عند المسلمين والمسيحيين، وهي الجهل من ناحية، والمطامع ~~والمنافع من ناحية أخرى. ولقد يكون من الحق على الذين يذكرون اضطهاد ابن رشد عند ~~المسلمين، وتحريق من حرقوا عند المسيحيين، ألا ينسوا مقتل سقراط، وهرب أرسطاطاليس عند ~~الوثنيين، وألا ينسوا أن هؤلاء الفلاسفة جميعا إنما نكبوا في أيام فتنة ومحنة وجهل ~~وانحطاط في السياسة والأخلاق. # استقرت قيادة الفكر للإسلام والمسيحية طوال القرون الوسطى، ولكن الله كان قد أراد أن ~~تسترد الفلسفة والسياسة قيادة الفكر مرة أخرى؛ وقدر للإسلام والمسيحية أن يدعا ~~قيادة الفكر بعدما استأثرا بها هذه القرون الطوال. # لست في حاجة إلى أن أفصل لك تاريخ النهضة الأوربية الحديثة، ولا ما كان من استكشاف ~~الكتب الفلسفية والآثار الأدبية والفنية التي تركها اليونان والرومان، فأنت تعرف هذا ~~مثل ما أعرفه؛ ولكني أحب أن تفكر معي قليلا في هذه الآثار اليونانية والرومانية، ~~التي كان كل شيء في القرن الأول للمسيح يدل على أنها قد أخفقت وأصبحت لا تصلح قواما ~~للحياة العامة: ما بالها في القرن الخامس عشر والسادس عشر قد أخذت تفتن الناس عن ~~أنفسهم وديانتهم وأخلاقهم وميولهم؟ وما بالها قد أخذت تستأثر بقلوب الناس، حتى إنهم ~~ليعرضوا أنفسهم في سبيلها لمثل ما كان يتعرض له المسيحيون في محاربتها من سجن وموت، ~~ومن ألوان التنكيل والتمثيل؟ بل ما بالها قد أخذت تثمر في هذا العصر الحديث ما لم ~~تستطع أن تثمره في العصر القديم؟ لقد كانت الفلسفة اليونانية قد انتهت إلى الشك في ms82 ~~العصر القديم، وعجزت عن إصلاح النظام السياسي والاجتماعي حتى سئمها الناس، وزهدوا ~~فيها. ولكن الناس لم يكادوا يدرسونها في العصر الحديث حتى فتحت أمامهم أبواب الأمل ~~والعمل، ومكنتهم من استحداث العلم وتغيير نظم الحياة، وانتهت بهم إلى ما هم فيه ~~الآن من رقي. ما بالها أخفقت قديما وفازت حديثا؟ قل في تعليل ذلك ما شئت فقد تصيب ~~وقد تخطئ، ولكن مصيب من غير شك إن لاحظت معي أن هؤلاء الفلاسفة من اليونان، كانوا ~~أرقى من الأجيال التي عاشوا فيها، وكانوا قد سبقوا هذه الأجيال إلى حيث لم تستطع أن ~~تدركهم. ولم يكن بد من أن تنتظر فلسفتهم قرونا طوالا، حتى يتم نضوج العقل الإنساني ~~فيحسن إساغتها واستثمارها. وهذا هو الذي كان: لم تكد تظهر هذه الفلسفة وتشيع بين ~~المحدثين حتى آتت ثمرها طيبا منتجا؛ وإذا هي توجد نفرا من الفلاسفة والساسة تولوا ~~قيادة الفكر حتى انتهوا به إلى الثورة الفرنسية، ثم إلى ما نحن فيه الآن. # | العصر الحديث # أما العصر الحديث، فيجب أن يتغير مذهبنا في البحث؛ لأن موضوع هذا البحث نفسه قد تغير، ~~ولأن الظروف التي تحيط بالعقل الإنساني قد تغيرت تغيرا عظيما، وظهرت فروق كثيرة ~~بينها وبين تلك الظروف التي كانت تحيط بهذا العقل أثناء العصور القديمة والقرون ~~الوسطى. # كانت قيادة الفكر للشعر، أو للفلسفة، أو للسياسة، أو للدين، وكان من الغريب أو من ~~النادر أن تشترك هذه الأشياء اشتراكا ظاهرا في توجيه شعب من الشعوب أو عصر من ~~العصور، وإنما كانت حياة الأمم المتحضرة في هذه العصور تصطبغ صبغة ظاهرة جلية: هي ~~الصبغة الأدبية، أو الفلسفية، أو السياسية، أو الدينية؛ أما في هذا العصر الحديث، ~~فأنت تضيع وقتك وقوتك إن حاولت أن تجد لشعب من الشعوب أو قرن من القرون صبغة واحدة ~~تستأثر وتشتمل على جميع أطرافه؛ وإنما أنت مضطر حين تبحث عن قيادة الفكر أثناء العصر ~~الحديث إلى أن توزعها بين أمور مختلفة؛ لأن ظروف الحياة نفسها قد وزعتها بين هذه ~~الأمور؛ فلم تستأثر الفلسفة. ولم ms83 يستأثر الشعر، ولم تستأثر السياسة، ولم يستأثر ~~الدين، بقيادة الفكر في فصل من فصول هذه القصص التي يكونها العصر الحديث، وإنما ~~اشتركت هذه الأمور كلها في قيادة الفكر، وإن شئت التحقيق والدنو من الإصابة، فقل إن ~~هذه الأمور كلها قد تنافست، واشتد بينها النزاع في قيادة الفكر، فقهر بعضها بعضا، ~~وأخذ كل منها بنصيب من توجيه العقل الإنساني والتأثير في الحياة والشعوب. وآية ذلك ~~أنك تنظر في أي وقت من أوقات هذا العصر الحديث، فإذا أنت أمام فلسفة تجاهد لتسيطر على ~~الحياة، وسياسة تجاهد لتصوغ الحياة كما تحب، ودين يناضل ليحتفظ بمكانته سلطانه، وأدب ~~يجد ليكون له التفوق والفوز، ولكل واحد من هذه الأشياء زعماؤه وممثلوه والداعون ~~إليه والذائدون عنه، حتى في الأوقات التي يخيل إليك فيها أن أمرا من هذه الأمور قد ~~ظهر تفوقه واستأثر بالفوز والغلبة، فقد يخيل إليك أن عصر الثورة الفرنسية - مثلا - ~~كان عصر سياسة ليس غير؛ ولكن فكر قليلا وأتقن درس هذا العصر، تجده عصر ~~سياسة وعصر حرب، وعصر علم، وعصر فلسفة، وعصر تشريع، بل عصر دين أيضا؛ وتجد كل هذه ~~الأمور تزدحم وتتنافس وتستبق إلى قيادة الفكر تريد أن تستأثر بها وتسيطر ~~عليها. # قد يكون من الحق أن نلتمس العلة لهذه الظاهرة الجديدة التي وزعت قيادة الفكر بين ~~طائفتين من المؤثرات ولم تقصرها على مؤثر واحد، كما كان الأمر في العصور الأولى. ~~ولعلنا لا نتكلف كثيرا من العناء في التماس العلة لهذه الظاهرة، فقد نلاحظ أن ~~المطبعة اخترعت في هذا العصر، وأنها أثرت فيها آثارا لا سبيل إلى تقديرها؛ فأذاعت ~~كتب القدماء والمحدثين، ومضت في هذه الإذاعة لا تقف عند حد ولا تنتهي إلى غاية، ولا ~~تستطيع القوانين والنظم المختلفة أن تقيدها. فبينما كانت تذيع في هذا البلد الكتب ~~الدينية، كانت تذيع في ذلك البلد الكتب الفلسفية، وكانت تذيع في بلد آخر كتبا أدبية ~~وعلمية وفنية، وبينما كان القانون يضيق عليها في هذا البلد فلا يبيح لها إذاعة كل شيء ~~كان القانون يرخص لها ms84 في ذلك البلد فيتركها تذيع ما تشاء. وكان الكاتب أو العالم أو ~~الفيلسوف لا يظفر بانتشار كتبه في العصور الأولى إلا إذا ظفر بشيء من الشهرة، وبعد ~~الصيت يرغب الناس في آثاره؛ ولم يكن الظفر بهذه الشهرة سهلا ولا يسيرا. أما الآن ~~فقد يسرت المطبعة على كل ذي رأي أن يذيع رأيه ويناضل عنه، وعلى كل باحث أن ينشر ثمرات ~~بحثه بين الناس. ولم تكد تظهر المطبعة، وتأخذ فيما أخذت فيه من النشر والإذاعة، حتى ~~ظهرت آثار ذلك قوية في حياة العصر الجديد، فكثرت الآراء واختلفت، أو قل ظهرت كثرة ~~الآراء واختلافها، واستطاعت أن تجاهد وتختصم وتتنافس في قوة وسرعة لم يكن للناس بهما ~~عهد من قبل. # ومن هنا استطاعت كل هذه الأمور التي ذكرناها آنفا، وهي الفلسفة والأدب والسياسة ~~والدين والعلم، أن تظهر وتلتمس حقها في الوجود وتظفر بهذا الحق. ومن هنا لم يكن العصر ~~الحديث مصطبغا بصبغة واحدة ظاهرة كالعصور التي سبقته، ومن هنا لم يكن من الحق ولا من ~~الصواب أن تبحث في هذا العصر عن قيادة واحدة للفكر، أو عن نوع واحد من قيادة الفكر؛ ~~إنما أنت مضطر إلى أن تبحث عن قيادات للفكر، وعن أنواع من قادة الفكر. # وخذ القرن السابع عشر مثلا، والتمس فيه المؤثر في قيادة الفكر، فلن تستطيع أن تقول ~~إنه كان عصر فلسفة خالصة، أو عصر سياسة خالصة، أو عصر أدب خالص، أو عصر دين خالص، ~~وإنما كان عصر هذه الأشياء جميعا، بل هناك ظاهرة أخرى ليست أقل من هذه الظاهرة ~~خطرا، وهي تمثل الاختلاف العنيف بين العصر الحديث والعصور التي سبقته، ولا سيما ~~العصر القديم. # فقد كانت قيادة الفكر في العصور الأولى لأمر من هذه الأمور التي أشرنا إليها، وكانت ~~في الوقت نفسه لأمة من الأمم، أو شعب من الشعوب. # كانت لليونان، ثم كانت للرومان، ثم كانت للعرب، ثم عادت إلى أوربا فكانت للكنيسة، أي ~~لمدينة روما، أو قل: كانت قيادة الفكر لمدينة من المدن - لأثينا، وللإسكندرية، ~~ولروما، ولمكة، وللمدينة، ms85 ولبغداد، وللقاهرة، ولقرطبة، ثم لروما. أما في العصر الحديث ~~فقد تغير هذا كله، وكما أن قيادة الفكر لم تكن إلى الدين أو الفلسفة أو الأدب أو ~~السياسة، وإنما كانت لها كلها، فهي لم تكن لأمة بعينها ولا لمدينة بعينها، وإنما كانت ~~للأمم المتحضرة جميعا، وللمدن الظاهرة في هذه الأمم - وذلك كله أثر من آثار ~~المطبعة. # وخذ هذا القرن السابع عشر، وابحث عن الفلسفة فيه؛ فقد كانت في العصور الأولى يونانية، ~~أو إسكندرية، أو عربية، أما الآن فلن تكون فرنسية، ولا إنجليزية، ولا ألمانية، وإنما ~~لكل أمة من هذه الأمم فلسفتها. والأمر كذلك في الأدب، وهو كذلك في السياسة، وهو كذلك ~~في الفن والعلم، ونوشك أن نقول إنه كذلك في الدين أيضا. # للفرنسيين ديكارت، وللإنجليز باكون، وللفرنسيين شعراؤهم الممثلون، وللإنجليز شكسبير، ~~وللفرنسيين لويس الرابع عشر وريشليو، وللإنجليز كرمويل، ونستطيع أن نذكر في الفلسفة ~~والأدب والسياسة والدين والعلم والفن أسماء إيطالية وألمانية وهولندية. # وعلى هذا النحو اشتد توزع قيادة الفكر بين المؤثرات المختلفة من جهة، وبين الأمم ~~والمدن من جهة أخرى، وأخذ يزداد شدة كلما كثرت المطابع وكثرت آثارها المنشورة حتى ~~انتهى الأمر في القرن الثامن عشر، إلى شيء يشبه الفوضى، بل إلى الفوضى. وما أظن أني ~~أقول جديدا إن زعمت أن المطبعة من أهم المؤثرات في الثورة الفرنسية التي لم يفق منها ~~العالم بعد. # ولم يقف الأمر بالمطبعة عند نشر الكتب والرسائل وما إليها، وعند استحداث ما استحدثت ~~من الآثار في القرن السادس عشر والسابع عشر، ولكن المطبعة استتبعت شيئا آخر غير ~~الكتب والرسائل، استتبعت الصحف اليومية والدورية كما يقولون. # وما أظن أنك في حاجة إلى أن أدلك على أن ظهور الصحف السياسية والعلمية والأدبية، قد ~~قوى توزع قيادة الفكر، وانتهى به إلى حد غريب، فقد كان العلماء والكتاب والفلاسفة ~~والساسة ينشئون كتبهم وينشرونها، فيستغرق ذلك منهم الأشهر والأعوام، ويستتبع ذلك ~~بطئا فيما يكون بينهم من النزاع والنضال والاستباق إلى قيادة الفكر. أما بعد أن ظهرت ~~الصحف فالنزاع يومي، أو أسبوعي، ms86 أو شهري، هو عنيف، وهو سريع، وهو متصل، وهو مؤثر في ~~توزيع قيادة الفكر، بمقدار ما يشتد ويسرع ويستمر . # والنتيجة الظاهرة لهذا كله، هو أننا كنا نجد في العصور الأولى رجلا يقود شعبا، ~~وشعبا يقود العالم. أما الآن فقلما يظفر الرجل بقيادة مدينة، أو فرقة من مدينة، وهو ~~إن ظفر بذلك، فإنما يظفر به إلى حد، وعلى مشقة وجهد، إلا أن يكون فذا من أفذاذ ~~التاريخ حقا، أو يكون في أمة جاهلة لم تظهر المطبعة فيها بهذا السلطان العظيم، ولم ~~يكثر فيها القراء والكاتبون. # أحب أن تلتمس قيادة الفكر - لا أقول في العالم، ولا أقول في أوربا وأمريكا، وإنما ~~أقول في فرنسا وحدها الآن - لأي نوع من أنواع المؤثرات هي؟ أللفلسفة؟ ولأي فلسفة؟ ~~ألفلسفة الوضعيين أم لأصحاب ما بعد الطبيعة؟ ولأي فريق من هؤلاء؟ أم هي للدين؟ ولأي ~~دين؟ أللكاثوليكية أم للإنجيلية؟ أم هي للأدب؟ ولأي مذهب من مذاهب الأدب؟ فقد يكون ~~إحصاء هذه المدارس عسيرا. أم هي للسياسة؟ ولأي لون من ألوان السياسة؟ للجمهورية ~~المعتدلة؟ أم للديمقراطية المتطرفة؟ أم للملكية؟ أم للإمبراطورية؟ أم للشيوعية؟ أم ~~للاشتراكية؟ ... # وتستطيع أن تسأل هذا السؤال بالقياس إلى كل بلد من بلاد أوربا الراقية. # وكأن المطبعة وما استتبعت من النشر والإذاعة، والصحف وما استتبعت من الإلحاح في النشر ~~والإذاعة، لم تكن تكفي لتوزيع قيادة الفكر بين المؤثرات المختلفة، والأمم المختلفة، ~~والفرق المختلفة، فاستحدث هذا العصر الجديد شيئا آخر أو أشياء أخرى، يخيل إلينا في ~~ظاهر الأمر أنها تعين على توحيد الكلمة، وجمع الرأي، وقصر قيادة الفكر على مؤثر بعينه ~~أو أمة بعينها، ولكنها في حقيقة الأمر تجمع الناس، وتقرب ما بينهم من المسافات ~~المادية والمعنوية، وهي في الوقت نفسه تمعن في توزيع قيادة الفكر إمعانا غريبا؛ ~~وهذه الأشياء هي ما اتفقنا على تسميته أسباب المواصلات. # ألغيت المسافات أو كادت تلغى، لا نقول: بين الأمم والشعوب، بل نقول: بين القارات، إلى ~~أن يأتي اليوم الذي تقول فيه الأجيال المقبلة: بين الأفلاك والكواكب، وأصبحنا بفضل ~~البخار ms87 والكهرباء، وبفضل التلغراف والتليفون نستطيع أن نعرف في مصر آخر النهار، ما ~~يقع في أقصى الغرب، أو أقصى الشرق ، أو أقصى الشمال والجنوب في أوله؛ وأصبح الفيلسوف، ~~أو الأديب، أو العالم، لا يكاد يخرج كتابه للناس في بلده الذي يعيش فيه، حتى ينتشر ~~هذا الكتاب في أطراف الأرض، فإذا هو يدرس، ويلخص ويترجم؛ ويفسر، ويناقش في البلاد ~~الأجنبية؛ وإذا هو يحدث آثارا مختلفة في البلاد والبيئات المختلفة؛ وإذا آثاره تمعن ~~في التغلغل، وتتعمق في حياة الشعوب - كل ذلك ولم يمض على ظهور كتابه عام أو بعض عام - ~~وإذا أصداء هذا الكتاب المختلفة تتجاوب في أقطار الأرض، وترتد إلى حيث ظهر الكتاب؛ ~~وأصبح الرجل من رجال السياسة لا يكاد يكتب فصلا، أو يلقي خطبة، أو يفضي إلى أحد ~~بحديث، حتى يتناول البرق ما قال أو ما كتب، فينشره في جميع أطراف الأرض، ولم يمض على ~~قوله أو كتابته ساعات. ولعلك تلاحظ أن الصلة بيننا وبين المدن الكبرى في أوربا ~~وأمريكا، قد ألغت المسافة بالفعل فيما يتصل بالسياسة؛ فنحن نقرأ ما تكتبه الصحف ~~الإنجليزية - مثلا - في اليوم الذي تكتبه فيه، والإنجليز يقرءون ما نكتب وما نقول ~~كذلك؛ بل تجاوز الأمر هذا الحد وأصبح الخطباء السياسيون في الأحداث الكبرى يلقون ~~خطبهم، لا نقول في المئات والآلاف من الناس، بل نقول في مئات الآلاف. # وظاهر هذا كله أن قد اشتدت الصلة بين الجماعات، فقرب بعضها من بعض، واستطاع بعضها أن ~~يفهم بعضها، وكان من المعقول أن يكون هذا كله سببا في توحيد قيادة الفكر وقصرها على ~~شعب من الشعوب، أو مدينة من المدن، أو لون من ألوان المفكرين، ولكن هذا ليس من الحق ~~في شيء، وإنما الحق أنا لا نعرف عصرا من العصور توزعت فيه قيادة الفكر، كما توزعت ~~في هذا العصر. # ومصدر ذلك أن اصطناع المطبعة والصحف والبرق والتليفون وأدوات البخار والكهربا ليس ~~مقصورا على شعب من الشعوب، ولا على مدينة من المدن، ولا على فرقة من الفرق المفكرة، ~~وإنما هو شائع بين ms88 أمم الأرض، وهذه الأمم كلها تجاهد وتناضل لتحيا وتسود، والأفراد في ~~هذه الأمم يناضلون ويجاهدون ليحيوا ويسودوا، وهم يصطنعون هذه الأدوات، ويستعينون بها ~~على ما يريدون من سيادة وقيادة للفكر. # والأفراد يتنافسون، والشعوب تتنافس، والنتيجة الظاهرة لهذا التنافس أن قيادة الفكر ~~موزعة في الشعوب بين الأفراد النابهين، وهي موزعة في العالم بين الشعوب ~~النابهة. # وإذا فكل شيء يدل على أنه لم يبق أمل في أن نحصر قيادة الفكر في مؤثر بعينه، ولا في ~~شعب بعينه، ولا في فرقة بعينها من فرق المفكرين: وإنما السبيل هو أن نبحث عن قيادة ~~الفكر في كل مظهر من مظاهر الحياة العقلية على حدة، بل أن نوزع هذا البحث على الأمم ~~النابهة والشعوب الممتازة. # ومع هذا كله، فقد أراد الله أن يخضع النوع الإنساني لظاهرة لم يجد إلى الآن سبيلا ~~إلى أن يخلص منها، وليس هو في حاجة إلى أن يخلص منها؛ والخير كل الخير هو أن يستمر ~~خضوعه لها وتأثره بها. # هذه الظاهرة، هي ظاهرة النبوغ التي تكره الأمم والشعوب والإنسانية كلها أحيانا، على ~~أن تعترف بفرد من الأفراد، وتذعن لقوته العقلية أو الفنية أو السياسية، رغم ما فيها ~~من قوى وكفايات، ومن جهاد بين هذه القوى والكفايات. # وليس هنا موضوع البحث عن النبوغ والتماس أصوله، والمؤثرات فيه، وإنما يكفي أن نلاحظ ~~أن النبوغ ظاهرة اجتماعية عرفها أكثر العصور، ولم يستطع تغير الظروف واستحالة أطوار ~~الحياة أن يمحوها، أو يزيلها، أو يضع من قدرها. # فقد تستطيع المطبعة أن تنشر وتذيع، وتسرف في النشر والإذاعة، وقد يستطيع الناس أن ~~يجاهدوا ويناضلوا؛ ويستحدثوا الآثار المختلفة في ألوان الحياة وفروعها، ولكن شيئا من ~~هذا لن يستطيع أن يمحو نبوغ ديكارت، وأنه قد صبغ الفلسفة الحديثة بصبغة خاصة ممتازة، ~~ووجهها وجهة خاصة مكنتها من الإنتاج والإثمار. # ولن يستطيع شيء من هذا أن يمحو ما كان لروسو من أثر في حياة الشعوب وفي سياسة العصر ~~الحديث. ولن يستطيع شيء من هذا أن يمحو ما كان لفتكور هوجو من أثر ms89 في الشعر الفرنسي ~~والأدب الفرنسي الحديث بوجه عام. # النبوغ إذا ظاهرة اجتماعية واقعة، نشهدها من حين إلى حين، والأفراد النابغون مهما ~~تعترضهم العقاب، ومهما يكتنفهم من الظروف، فلهم من قيادة الفكر، والسيطرة عليه حظ ~~يلائم نصيبهم من النبوغ. # فإذا قلنا: إن قيادة الفكر في القرن السابع عشر لم تكن إلى الفلسفة وحدها، فنحن ~~مضطرون إلى أن نقول: إن قيادة الفكر الفلسفي في هذا العصر، كانت إلى ديكارت. وإذا ~~قلنا: إن قيادة الفكر في هذا العصر لم تكن للسياسة وحدها، فنحن مضطرون إلى أن نقول: ~~إن قيادة الفكر السياسي في هذا العصر، كانت لريشيليو، وكرمويل، ولويس الرابع ~~عشر. # وقل مثل ذلك في الأدب والفن والعلم والدين. وكل ما بين هذا العصر والعصور السابقة من ~~الفروق، هو أن قيادة الفكر قد تنوعت في العصر الحديث، فأصبحت مضطرا إلى أن تقسم ~~البحث عنها إلى فصول، وتلتمسها عند كثير من الناس في كثير من الأمم، بعد أن كنت ~~تستطيع أن تجمع البحث عنها في فصل واحد، وتلتمسها عند رجل واحد، في شعب واحد، أو ~~مدينة واحدة. # وبين يدينا كتاب «لإميل فاجيه» حاول فيه أن يدرك قادة الفكر في الأخلاق والسياسة ~~وحدهما، وفي فرنسا وحدها، وفي القرن التاسع عشر وحده، فلم يستطع أن يكتب أقل من ثلاثة ~~أسفار ضخام. # وما أشد ما كنت أحب أن أمضي في هذا الحديث؛ ~~فأدرس النابهين من قادة الفكر المحدثين، كما درست النابهين من قادة الفكر القدماء؛ ~~ولكنك ترى معي أن السفر قد طال، وانتهى إلى غاية يحسن الانتهاء إليها، والوقوف ~~عندها، وأن درس المحدثين من قادة الفكر - على اختلاف ما تفرقوا فيه من فروع حياة ~~العقول والشعور - يحتاج - لا أقول - إلى سفر آخر، بل إلى أسفار. # وأنا أتمنى - وما أكثر ما يتمنى الإنسان - أن يتيح الله لي من سعة الوقت وفراغ البال ~~والنشاط لمثل هذا البحث، ما يمكنني من المضي فيه حتى أتمه، على النحو الذي قدمته في ~~سفر أو أسفار؛ ولكن علم هذا كله عند الله. # فأنا أقدم ms90 إليك هذا السفر الذي قدرت عليه، ولست أطمع في أن يبلغ منك مكان الرضا، ~~وإنما أرجو أن يقع منك موقع النفع في غير مشقة ولا إملال. # وأظنك تأذن لي في أن أعتذر إليك مما قد تجد في هذا الكتاب من تفاوت واختلاف؛ فقد كنت ~~أريد أن أفرغ لكتابته حينا، ولكن ظروف الحياة أرادت غير هذا فكتبت بعض فصوله في ~~بريطانيا، وكتبت بعض فصوله الأخرى في باريس، وأتممته في القاهرة، وكنت في بعض هذه ~~الأوقات راضيا مطمئنا، مستريحا إلى الحياة والأحياء، فارغ البال إلا مما يلذ ~~ويسر، وكنت في بعضها الآخر ساخطا أو كالساخط، مكدودا، موزع القوة بين أعمال ~~مختلفة من الدرس والكتابة، وغير الدرس والكتابة. ولعلي لا أجاوز الحق إن قلت: إني قد ~~اختلست هذا الكتاب اختلاسا: اختلست بعضه من أوقات راحتي في فرنسا، واختلست بعضه ~~الآخر من أوقات عنائي في مصر، وأنا أتمنى لهذا الكتاب ألا يختلس قراؤه قراءته، كما ~~اختلس كاتبه كتابته، وأن يتيح الله لقرائه ما لم يتح لي من الراحة والنشاط وفراغ ~~البال. ms91