######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.SawtBaris.Hindawi42702649 #META# Tags: literature #META# ID: 42702649 #META# Title: صوت باريس #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # السيل‏ # الرقص في نصف الليل‏ # المذهبان‏ # السلام الحي‏ # القيثارة والجازباند‏ # في ملاهي باريس‏ # في ملاهي باريس‏ # لحن إلى كروترز‏ # الحب‏ # الوصل‏ # الصحو‏ # المحصنات‏ # ميشيل بوبير‏ # الإغواء‏ # الغربان‏ # صوت‏ # أنتوانيت سابرييه‏ # الشاب الجميل‏ # الفؤاد المقسم‏ # سعادة اليوم‏ # زوجا ليونتين‏ # الملهى‏ # زوجها‏ # السيل‏ # الرقص في نصف الليل‏ # المذهبان‏ # السلام الحي‏ # القيثارة والجازباند‏ # في ملاهي باريس‏ # في ملاهي باريس‏ # لحن إلى كروترز‏ # الحب‏ # الوصل‏ # الصحو‏ # المحصنات‏ # ميشيل بوبير‏ # الإغواء‏ # الغربان‏ # صوت‏ # أنتوانيت سابرييه‏ # الشاب الجميل‏ # الفؤاد المقسم‏ # سعادة اليوم‏ # زوجا ليونتين‏ # الملهى‏ # زوجها‏ # | صوت باريس # | صوت باريس # تأليف # طه حسين # | السيل # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «موريس دونيه» # وأي السيلين أراد؟ ذلك الذي نحسه ونراه ونحبه ونخشاه؛ نحبه لأنه رائع مهيب يمثل ناحية من ~~جمال الطبيعة الرائعة المهيبة، ونخشاه لأنه يعرضنا للخطر أحيانا حين يغشانا ولا ننتظره، ~~وحين يدفعنا ولا نستطيع له مقاومة؟ أما هذا السيل الذي لا نحسه ولا نراه، بل لا نشعر به، ~~وهو يغمرنا في كل وقت ويدفعنا في كل لحظة دفعا عنيفا لا رحمة فيه ولا إشفاق حتى تتم كلمة ~~القضاء؟ أي السيلين أراد! أهذا السيل المادي الذي ينحط من شعاف الجبال فلا يذر شيئا أتى ~~عليه إلا اكتسحه، ولكن العقل الإنساني يستطيع مع ذلك أن يدبره ويسخره لمنافعه؟ أم هذا السيل ~~المعنوي الذي لا سبيل للعقل عليه، وربما لم يشعر به العقل ولم يفرض له وجودا إلا حين لا ~~ينفع الشعور به ولا التفكير فيه؟ أأراد هذا السيل من الماء؟ أم أراد هذا السيل من قوانين ~~الحياة التي لا مرد لها ولا منصرف عنها؟ # أي السيلين أراد؟ فالقصة تمثل السيلين؛ فيها السيل المادي، عنيفا خطرا، ينحط من أعلى ~~الجبل في قوة وعنف، فيراه الناس على اختلاف منازلهم من العلم والجهل، ومن الذكاء والغباء، ~~ومن رقة الشعور وصفاقته، فيتأثرون له وينتفعون به على مقدار ما أوتوا من ذكاء وغباء، ومن ~~علم وجهل، ومن رقة وكثافة. يراه العالم فيعلله ويسخره، ويراه الجاهل فيخافه ويخشاه، ~~ويراه الشاعر فيعجب به ويتغنى بروعته، وفيها ms001 هذا السيل المعنوي الذي لا تراه العين ولا ~~يدركه الحس، ولا يستطيع أن يسخره عالم ولا أن يخشاه جاهل، ولا أن يفر منه إنسان. فيها سيل ~~الحياة وقوانينها الصارمة التي يخضع لها كل شيء دون أن تخضع لشيء. فيها هذان السيلان، وهو ~~يريد هذين السيلين، يمثلهما وينتفع بهما، فلست أعرف قصة عنيفة كهذه القصة، ولست أعرف قصة ~~محزنة كهذه القصة، ولست أعرف قصة موئسة كهذه القصة؛ فهي عنيفة، محزنة، موئسة؛ قد بلغت من ~~العنف، والحزن، واليأس أقصاها. وهي لا تخلو من ابتسام، ولكنه ابتسام المغرور. وهي لا تخلو ~~من ضحك الجاهل المخدوع. هي قصة موئسة، والشر كل الشر أنها قصة صادقة برئت البراءة كلها من ~~الغلو والإسراف. # زعموا أن «لامرتين» دعا إليه الكاتب الفرنسي المشهور «فلوبير» عندما نشر قصته «مدام ~~بوفاري»، فلامه لأنه أبكاه بهذه القصة، وكل إنسان يشعر ويفكر ويحسن الشعور والتفكير يستطيع ~~أن يصنع مع كاتب هذه القصة التي نتحدث عنها اليوم ما صنعه «لامرتين» مع «فلوبير»، فيلومه ~~لأنه أبكاه. وكذلك نحن، فطرنا ضعافا، نؤثر الغفلة والغرور والجهل والانخداع على أن نعلم ~~بالحقائق كما هي، وننظر إليها مجردة في صورها الصحيحة الصادقة. نحن ضعاف نكره العلم ونخشاه؛ ~~لأننا أضعف من أن نحتمله. ونؤثر الظلمة ونهواها؛ لأن أبصارنا أضعف من أن تثبت للضوء. ونحب ~~أن نظل مخدوعين لأن ظهورنا على الحق يوئسنا ويثنينا عن العمل ويزهدنا في الحياة، وربما ~~بغضها إلينا. ومن يدري! لعل الخير كل الخير في أن نكون جاهلين مخدوعين، فلولا الجهل ~~والانخداع ما عمل الناس ولا أملوا ولا أحبوا. وأي شيء هي الحياة وما فيها من عظيم لولا ~~العمل والأمل والحب! لعل الخير كل الخير في أن نجهل أنفسنا، وفي أن نجهل هذه القوانين التي ~~تسيطر عليها، ولعل هؤلاء الفلاسفة والكتاب الذين يكرهون الناس على أن يفتحوا أعينهم ~~وينظروا فيما حولهم، لعل هؤلاء الفلاسفة والكتاب مخطئون يسيئون إلى الإنسان أكثر مما ~~يحسنون إليه. أيهما خير: العلم أم الجهل؟ مسألة ليس إلى حلها من سبيل. في العلم ms002 رقي الإنسان ~~وشعوره بنفسه، ولكن فيه يأسا وضعفا وزهدا في الحياة، وفي الجهل انحطاط الإنسان واتصاله ~~بغيره من هذه الكائنات التي لا تقدر نفسها ولا تعرف للوجود خطرا، ولكن فيه أملا وعملا ~~وإقداما. أيهما خير؟ ... # في هذه القصة - كالقصة التي حدثتك عنها في الأسبوع الماضي - جهاد عنيف بين الأمومة والحب، ~~وفيها جهاد آخر ليس أقل عنفا، ينشأ بين العقل والدين، وأنت تشهد هذا الجهاد فيعجبك ثم ~~يسحرك، وإذا أنت مقسم بين هذين الطرفين اللذين يتجاهدان، وإذا أنت لا تدري إلى أيهما تميل، ~~وإذا أنت مضطرب أشد الاضطراب، شاك أشد الشك؛ لأن الجهاد ليس متكلفا ولا مصطنعا، وليس من ~~اليسير عليك أن تحكم فيه هادئا مطمئنا غير متأثر، وإنما الجهاد طبيعي يكون جزءا من ~~فطرتك وحياتك، أو هو كل فطرتك وحياتك. فالإنسان بطبعه متأثر بعاطفة الأمومة والأبوة، هذه ~~العاطفة التي تصله بمن قبله ومن بعده والتي تكون النوع، والإنسان بطبعه متأثر بعاطفة ~~الحب، وكثيرا ما تصطدم هاتان العاطفتان، ثم الإنسان بطبعه متدين، والإنسان بطبعه عاقل، ~~وكثيرا ما يصطدم العقل والدين، ولسنا نعني الآن بهذا الجهاد الذي يقع بين العقل والدين في ~~المسائل النظرية، هذا الجهاد الذي يعني الفلاسفة وعلماء الدين؛ فليس لهذا الجهاد خطر يذكر ~~إلى جانب جهاد آخر بين العقل والدين، يقوم في النفس الواحدة ويضطرها إلى طائفة من الآلام قد ~~تنتهي بها إلى اليأس. هذا هو الجهاد الذي يعنى به الكاتب في هذه القصة، وأنا أحس أنك لم ~~تفهمه كما ينبغي؛ لأني لم أوضحه كما ينبغي، فلتوضحه لك القصة نفسها؛ فلست أريد أن أطيل في ~~شرحها ولا في تفسيرها، وإنما أريد أن تفسر لك القصة نفسها بنفسها، كما يقولون. ~~••• # نحن في إقليم من أقاليم فرنسا الوسطى، في قصر من قصور الأقاليم فخم، كل شيء فيه يدل على ~~الثروة والترف، ومن حوله أرض واسعة ليست بالمهملة ولا قليلة الإنتاج، وإنما يدل كل شيء على ~~أنها خصبة، يستغلها صاحبها استغلالا قويا منتجا، ونحن نشهد في هذا القصر رجالا ~~وامرتين قد انصرفوا ms003 عن مائدة العشاء وأقبلوا على سمرهم، فلنعرفهم؛ فقد خصص الكاتب الفصل ~~الأول من قصته ليقدم إلينا هؤلاء الناس، وأولهم صاحب القصر «جوليان فرسان»، وهو شاب مستوي ~~السن مكتمل القوى، شديد الذكاء، عظيم الحظ من النشاط. نشأ في باريس، وعاش عيشة شبانها ~~الأغنياء، وتزوج فتاة هي «شارلوت»، جميلة خلابة حادة الذهن، ولكن حظها من التعليم قليل، بل ~~نستطيع أن نقول إن حظها من التعليم سيئ؛ فلم تؤثر المدرسة في عقلها ولا في شعورها، ~~وإنما علمتها طائفة من الأشياء يحتاج إليها أمثالها من الفتيان والفتيات اللاتي سيعشن عيشة ~~الترف، وسيقضين الحياة في لهو ونعيم، يزرن ويستقبلن الزائرين، ويختلفن إلى المراقص وملاعب ~~التمثيل، ويعنين بالزينة والحياة الظاهرة، أكثر مما يعنين بغيرهما من الأشياء. # تزوج «فرسان» هذه الفتاة، ولم يمض على زواجهما أشهر حتى مرض له عم كان يقيم في هذا القصر، ~~فدعاه إليه فأقبل، وإذا عمه مشرف على الموت، فأوصاه ألا يبيع القصر والأرض ولا يؤجرهما، ~~واستحلفه على ذلك، فحلف مشفقا على الشيخ المحتضر. فلما مات الشيخ انصرف الشاب إلى هذه ~~الأرض يستغلها ويثمرها، وأقام في هذا القصر. وما هي إلا أن أحب حياته الجديدة ونشط لها ~~وكلف بها، ثم كانت نتيجة عمله ونشاطه مشجعة له على هذه الحياة؛ فقد أثمرت أرضه ثمرا ~~حسنا، وأخذت ثروته تنمو وتضخم. انصرف هو إلى هذه الحياة، ولكن امرأته لم تفهمها ولم تمل ~~إليها، وعاشت في الأقاليم على نحو ما كانت تعيش في باريس، وهي متأثرة بكل ما يتأثر به ~~أمثالها من المترفات في باريس: تحب اللذة واللهو ولا تؤثر عليهما شيئا آخر، تحب زوجها ~~ولكن على أن يكون وسيلتها إلى هذه اللذة وهذا اللهو، لا تحب الواجب ولا تريد أن يذكر لها؛ ~~لأنها لا تفهمه بل لا تعرفه، هي تكره مثلا أن تكون أما، وتكره أن يتحدث الناس إليها في ~~ذلك؛ لأن الأمومة تصرفها عن اللذة وتعرضها لآلام شاقة خطرة، ولا ينبغي أن تذكر لها حاجة ~~وطنها إلى النسل فهي لا تفهم ذلك، وماذا يعنيها أن ms004 يحتاج وطنها إلى النسل؟ وماذا يعنيها أن ~~تنتصر الأمم الأخرى على أمتها في الجهاد الاقتصادي؟ فهي لا تفهم الجهاد الاقتصادي ولا ~~نتائجه، على أن نتائج هذا الجهاد إن كانت شرا فلن تمسها؛ فهي غنية مطمئنة إلى ثروتها، ولن ~~تخلو فرنسا من السكان اليوم ولا غدا، وإنما سيكون ذلك بعد زمن طويل؛ أي بعد أن تموت، وإذن ~~فما يضرها أن تخلو فرنسا من السكان أو أن تكتظ بهم بعد أن تموت هي؟ # ثم في القصر جاران لهذين الزوجين؛ هما «كميل لمبير» وامرأته «فلنتين»، ليسا أقل تناقضا ~~واختلافا فيما بينهما من جاريهما اللذين وصفتهما لك؛ فأما الزوج فشاب ذكي ماهر في تثمير ~~الثروة، ولكنه عملي، وعملي ليس غير، ليس له حظ من الشعور، ولا يفهم أن في الحياة مثلا ~~عليا تطمح إليها النفوس الراقية، أو هو يفهم ذلك، ولكن مثله الأعلى ضيق محدود منحط، هو صورة ~~لمطامعه المادية لا أكثر ولا أقل. لا تذكر له الحب؛ فهو لا يفهمه. ولا تذكر له الجمال؛ فهو ~~لا يشعر به. أما المرأة فوسيلة إلى إحدى اثنتين: وسيلة إلى إرضاء الحاجة المادية ما دام ~~الإنسان شابا غير مسئول، ثم وسيلة إلى تأسيس الأسرة يوم يصبح الإنسان رجلا مسئولا. وهو ~~قد اتخذ المرأة وسيلة لهذين الغرضين. # كان طالبا يدرس في باريس، فاتخذ الخليلات والإخوان ليلهو ويلذ، واشتدت الصلة بينه وبين ~~واحدة منهن، فكان لهما ولد من هذه الصلة، ثم فرغ من درسه ورجع إلى إقليمه؛ ليخلف أباه في ~~العمل وليؤسس لنفسه أسرة، فترك صاحبته وابنها وكأنهما لم يوجدا، وماتت هذه المرأة موتا ~~شنيعا في أحد المستشفيات، وتعرض ابنها للفقر والفاقة، وعلم أبوه ذلك فلم يحفل به ولم يلتفت ~~إليه. ثم تزوج لا لأنه كان يحب خطيبته أو يعجب بجمالها؛ بل لأنها كانت غنية من جهة، ~~ولأنه كان يريد الولد من جهة أخرى. وقد حملت إليه امرأته الثروة وأتته بصبيين ذكر وأنثى، ~~فأدرك كل ما كان يريد، وانصرف عن زوجه الانصراف كله، وقدر أن واجبه إنما هو تثمير ms005 ثروته، ~~وأن واجب امرأته إنما هو تربية هذين الصبيين، ولكن امرأته ركبت تركيبا آخر وفطرت ~~فطرة أخرى؛ ففيها ذكاء وفهم، ولكن فيها قبل كل شيء شعورا قويا دقيقا وعواطف حادة ~~متقدة، وهي تفهم الحياة على نحو آخر؛ فليست الحياة عندها تثمير الثروة، ولا تأسيس الأسرة ~~كما يحددها القانون، وإنما الحياة عندها شيء أرقى من هذا؛ الحياة عندها حب وعطف وحنان ~~ولذة، قوامها هذا الحب والعطف والحنان. لها في الحياة مثل أعلى يخالف كل المخالفة ما هي ~~فيه من طعام وشراب ونوم وعناية بالأعمال اليومية. ليست الحياة مقصورة على الجسم وما يتصل به ~~من الغرائز، وإنما هي تتناول القلب وما له من شعور وعاطفة. تريد أن تحب، وأن تجد من يحبها. ~~وهي لا تكتفي بحب ابنيها؛ فإن الأمومة عاطفة شديدة التأثير في المرأة، ولكنها ليست حياة ~~المرأة كلها إلا في أوقات خاصة يتعرض فيها الأبناء للخطر. # وليست هناك امرأة هادئة تستطيع أن تتعزى بأمومتها وحب أبنائها عن هذه العاطفة الطبيعية ~~التي نسميها الحب، هي إذن تريد أن تحب، وتريد أن تجد من يحبها، وهي لا تحب زوجها ولم تحبه ~~قط، ولم تتخذه زوجا لها إلا لأن أبويها اضطراها إلى ذلك. وزوجها لا يحبها ولم يحببها قط، ~~ولم يتخذها زوجا إلا لأنه كان في حاجة إلى مالها، ولأنها كانت تكفي لترزقه هذين الصبيين، ~~ولكن هناك فرقا آخر عظيما بين هذين الزوجين؛ فأما الرجل فسعيد راض بحياته، يرى أنه قد بلغ ~~أقصى ما كان يريده من الأماني، ويرى أن ليس لأحد أن يطمع في خير مما وصل إليه، أما امرأته ~~فشقية تعسة، تفكر دائما في مثلها الأعلى، وتشعر دائما بحاجتها إليه وبأنه لم يتح ~~لها. وزوجها لا يحس منها هذا الشقاء، ولو أحسه لما فهمه، والأمر على هذا النحو بين الزوجين ~~الآخرين اللذين وصفتهما لك منذ حين. «ففرسان» سعيد بحياته المادية، مغتبط بنشاطه ونتائجه، ~~ولكنه يشعر بأن شيئا ينقصه، وأن هذا الشيء هو الحب، أو قل هو المرأة التي تفهمه ويفهمها، ~~وتقدره ويقدرها ms006 ، وتشعر أن في الحياة شيئا غير الطعام والشراب والنوم والزينة، ~~وامرأته «شارلوت» لا تشعر بشيء من هذا، بل هي لا تقاسم زوجها نشاطه وعنايته بالعمل المادي، ~~فالحياة عندها مقصورة على هذا الجزء الحيواني الذي رفهته الحضارة بألوان الترف. # الأسرتان إذن متشابهتان تشابها عكسيا: المرأة شقية في إحداهما والرجل سعيد، والمرأة ~~سعيدة في الأخرى والرجل شقي. # وفي القصر رجل آخر هذه الليلة خليق أن نعنى به عناية ما؛ هو «موران»، صديق قديم لصاحب ~~القصر، معني بالفلسفة والبحث عن حياة النفس وظواهرها من الوجهة الاجتماعية، اتصلت الفرقة ~~بينه وبين صديقه أعواما، ثم أقبل يزوره ويقضي عنده أياما، ولنلاحظ أنه عالم قبل كل شيء لا ~~يؤمن بالدين ولا يطمئن إلى أصوله. # ورجل آخر يجب أن نعنى به أيضا؛ وهو القسيس «بلوكان»، قسيس الناحية، وهو من رجال الدين ~~المستنيرين الذين يستطيعون أن يوفقوا بين أصول الدين وأحكامه والحياة الحديثة وما تدعو ~~إليه. كان قسيسا في باريس، ولكنه أظهر شيئا من الميل إلى الحياة الحديثة، فأنكر ذلك ~~الأسقف ونفاه عن باريس إلى هذه الناحية، فهو مقيم فيها منذ عشر سنين، يحب الناس ويحبونه، ~~ويرضى عنهم ويرضون عنه، وهو مستنير حقا. انظر إليه يستخدم نوعا من «الموتوسيكل» كلما ~~انتقل من مكان إلى مكان، والناس يعجبون لذلك، والأسقفية تتبرم به؛ لأن استعمال هذا النوع من ~~«الموتوسيكل» لون من ألوان البدع في ذلك الوقت، كما كان اتخاذ الأحذية الإفرنجية لونا من ~~ألوان البدع عند الأزهريين منذ خمسة عشر أو عشرين عاما. # ثم في القصر رجل آخر أقبل زائرا أيضا، وهو «سان فوان»، رجل خفيف الروح، يفهم الحياة ~~كما هي، ولكنه يبسم لها ويتقاضاها حظه من اللذة فيها، ضاحكا أبدا حتى حين لا يدعو شيء إلى ~~الضحك. # ولعل من الخير أن أذكر لك هذا الرجل الآخر «كورزاك»، وهو جار أعزب يحب صاحبة القصر منذ ~~سنين، وهو يتتبعها ويلح عليها فتطمعه وتمنيه دون أن تتجاوز ذلك إلى شيء آخر، وهو شقي ~~بهذا الحب الذي لا ينتهي إلى غايته، وهي سعيدة ms007 بهذا الحب الذي يمكنها من أن تعبث، ويشعرها ~~بأن لجمالها سلطانا على القلوب. # أتريد بعد هذا أن ألخص لك حوادث الفصل الأول؟ ولكن ما نفع هذا التلخيص وكل هذا الفصل إنما ~~خصص ليعرض علينا أشخاص هذه القصة ومميزاتهم. لا ألخص لك إذن حوادث هذا الفصل، فلسنا في حاجة ~~إلى هذا التلخيص، ولكنني لا أنسى أن أذكر أن هذا الفصل يشعرنا شعورا قويا - ولكنه دقيق - ~~بأن هناك شيئا غير عادي، فنحن نرى «فلنتين» محزونة متأثرة، يأخذها نوع من الإغماء مرة أو ~~مرتين، ونرى «فرسان» يهتم لذلك ويغتم له، ثم نراهما يتحدثان لحظة، فنفهم أن بينهما حبا، ~~وأن هذا الحب هو مصدر ما نشهد عند «فلنتين» من حزن وضعف، ولا ينتهي السمر حتى يتفق «لمبير» ~~مع أصحابه على أن يجتمعوا عنده للغداء إذا أصبحوا، فهو يريد أن يظهرهم على داره وأرضه وعلى ~~مصنع الورق الذي يديره، والذي يستحق أن يرى لموقعه الطبيعي مشرفا على سيل ينحط في قوة ~~وعنف، مستمدا من هذا السيل قوة كهربائية هي التي تدير أدواته الضخمة. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني، فنحن عند «لمبير»، وقد فرغ القوم من غدائهم، وأقبلوا على الحديث، ~~وهم يعبثون إلا «فلنتين»؛ فهي كما كانت أمس محزونة كأنها ذاهلة، وقد دعاهم صاحب البيت ~~ليشهدوا مصنعه، فهم يستعدون لذلك و«شارلوت» أشدهم استعدادا؛ فهي تهيئ نفسها وتتزين وتريد ~~أن تأخذ معها أدوات زينتها، فينكر عليها زوجها ذلك ويشتد بينهما خصام، نفهم منه أن الصلة ~~بين الزوجين ليست من المودة واللين على ما ينبغي؛ فالرجل يكره من امرأته خفتها وإسرافها في ~~الميل إلى الزينة، ولا سيما حين تذهب إلى مصنع فيه العمال الكثيرون الذين يشقون اليوم كله ~~ليكسبوا ما يتبلغون به، والذين لا يضمرون الخير للأغنياء ولا للمترفين، وامرأته تزدري هذا ~~كله وتسخر منه، ولا تجيب زوجها إلا لائمة أو مزدرية. وقد انصرفوا جميعا إلا العاشقان ~~«فلنتين» و«فرسان» فيبقيان، ولا يكادان يتحدثان حتى ننتهي إلى عقدة القصة في أقصى أطوارها ~~من العنف والشدة، ولكنه انتهاء لم نفاجأ به؛ ms008 فقد أعددنا له الفصل الأول إعدادا كافيا. لا ~~يكادان يتحدثان حتى يظهر حبهما قويا قد بلغ أقصى أطواره، وهما ضيقا الذرع بما يضطران إليه ~~من التكتم والحذر والاحتياط، ولكن الأمر قد تجاوز ألم العاشقين، وضيق ذرعهما بالرقباء وبما ~~يضطران إليه من حيلة، تجاوزا هذا كله إلى شيء آخر أشد منه ألما وأعظم منه خطرا؛ فلفلنتين ~~سر تريد أن تلقيه إلى صاحبها، وهي وجلة مشفقة على أن هذا السر قد نغص عليها الحياة وحرمها ~~النوم، ويوشك أن ينغص عليها الحب أيضا، وما يزال بها صاحبها حتى يفهم هذا السر، وهو أنها ~~حامل، حامل ولا تشك في أن صاحبها مصدر هذا الحمل، فالصلة منقطعة بينها وبين زوجها منذ ~~سنتين، وهي جزعة لهذا لأنها تقدر نتائجه، ونتائجه كثيرة خطرة كلها. # ماذا عسى أن يكون وقع هذا النبأ في نفس صاحبها؟ أليس من المعقول أن يكون هذا الوقع ~~سيئا؛ لأنه ينغص الحياة والحب على هذا العاشق الذي لعله لم يكن يبتغي من الحب إلا لذة ~~النفس والجسم خالية من كل شائبة معصومة من هذه الصعاب التي تنغص الحياة، وتجعل احتمالها ~~عسيرا؟ فلهذا الرجل زوجه وله حياته الخاصة، وإنما كان هذا الحب لذيذا محببا إليه حين لم ~~تكن تشعر به زوجه، ولم يكن يعرض حياته المنزلية للخطر، أما الآن فلن يستطيع هذا الحب أن يظل ~~مكتوما، ولا بد من أن يعرف غدا أو بعد غد. أفيسره هذا النبأ أم يسوءه؟ يسره من غير شك؛ ~~فهو يحب ابتغاء للذة أو التسلية لا إرضاء للشهوة أو الهوى، وإنما يحب حقا، وأي نبأ يسعد ~~له العاشق حقا إذا لم يسعد لمثل هذا النبأ؟ أليس هذا الحمل نتيجة لهذا الحب الذي يكبره ~~ويحرص عليه؟ أليس صلة مادية ومعنوية قوية بينه وبين من يحب؟ هو سعيد مغتبط، وهو لا يخفي ~~سعادته واغتباطه، ولكنه لا يقدر النتائج الأخرى كما تقدرها هي، فماذا عسى أن يكون شأنه مع ~~امرأته؟ وماذا عسى أن يكون شأنها مع زوجها؟ بل هو يقدر هذه النتائج، فهو ms009 لا يحفل بامرأته، ~~ولا ينبغي أن تحفل هي بزوجها، وإنما ينبغي أن يستجيبا للطبيعة، وأن يخلص كل واحد منهما ~~لصاحبه، يجب أن يطرح كل منهما رفيق حياته ومصدر شقائه وألمه، يجب أن يفرا إلى حيث يعيشان ~~سعيدين، وإلى حيث يقفان حياتهما على هذا الحب السعيد، وعلى تربية هذا الطفل الذي سيقبل ~~عليهما بعد أشهر. # يجب أن يفرا، وما أيسر الفرار، وما أحبه إليهما! ولكن هناك ما يمنع من الفرار، وهو لم ~~يكن فكر في ذلك؛ هناك هذان الطفلان اللذان رزقتهما «فلنتين» من زوجها، هما ابناها، وهما ~~ابناها بمقدار ما سيكون هذا الجنين ابنها أيضا، وإذن فكيف تستطيع أن تفر مع عاشقها، وتترك ~~ابنيها هذين؟! بدأ الجهاد إذن بين الحب والأمومة، فهي مضطرة إلى أن تختار؛ فإما أن تؤثر ~~حبيبها على ابنيها، وإما أن تؤثر ابنيها على هذا الحبيب، وهذا الجهاد هو الذي أظهرها لنا ~~حزينة ذاهلة، وهو الذي عرضها للضعف وما يعاودها من الإغماء. لم تكن تبتغي بهذا الحب لذة ~~ولا سلوى، وإنما كانت تحب صاحبها حقا كما كان يحبها حقا، وإذن فاضطرابها شديد، وترددها ~~لا حد له، وصاحبها ليس أقل منها ترددا واضطرابا؛ فهو لا يحبها حب الأثر الذي يبحث عن ~~سعادته وحده، وإنما يحبها لنفسه، ويحبها من أجلها أيضا، وهو يشفق عليها من فراق ابنيها، ~~ويتردد في حملها على هذا الفراق، ولكن ما حل هذه المشكلة؟ وأين السبيل للخروج من هذا ~~المأزق؟ # وهناك عقدة أخرى، فهبها أقامت ولم تفر، فما موقفها بإزاء زوجها، والصلة الزوجية منقطعة ~~بينها وبينه؟ أتظهره على هذا الحمل؟ وإذن فهي الفضيحة والطلاق وحرمانها أولادها وعشرتهم ~~والإشراف على تربيتهم! أم تخفيه وتخادعه وتتقرب منه حتى تتجدد الصلة بينهما وحتى يخيل إليه ~~أن الجنين ابنه؟ وإذن فهو النفاق والتضليل، وهو قبل كل شيء إنكار هذا الحب والتضحية به، وهل ~~تملك التضحية بهذا الحب؟ أترى إلى العقدة وإلى أي حد انتهت من الإحكام؟ ومع ذلك فلا بد أن ~~تحل، ولن يحلها إلا التفكير والتروية، فسيفكران وسيرويان وسيلتقيان ms010 غدا ليفضى كل منهما إلى ~~صاحبه بنتيجة الروية والتفكير. # وقد أقبل القسيس يلقي درسه على الطفلين، وأقبل «موران» تاركا أصحابه في شيء من اللهو، ~~ومضت «فلنتين» مع القسيس تشهد درس ابنيها، فخلا الصديقان وأخذا يتحدثان، وما أسرع ما انتهى ~~بهما الحديث إلى هذا الموضوع! فليس «موران» بالرجل الغافل الذي يخفى عليه مثل هذا الحب، بل ~~قد أحسه ثم استيقنه، وهو الآن يلوم صديقه على خيانته امرأته وصديقه، ثم لا يلبث أن يعذر هذا ~~الصديق، فهو يعترف بأن امرأته لا تستطيع أن تسعده، وهو يعترف بأن «لمبير» لا يستطيع أن يسعد ~~«فلنتين»، وهو يعترف بأن هذين العاشقين قد خلقا ليتحابا، وليكون كل منهما مصدر سعادة الآخر، ~~وقد كان ما لم يكن بد من أن يكون؛ فما المخرج من هذا المأزق؟ # يسأله صديقه هذا السؤال ويذكر له أنه قادر على أن يجد لهما مخرجا؛ فهو باحث ماهر، وهو ~~فيلسوف ينشر الكتب ويدرس فيها أخلاق الناس وصلاتهم؛ فليفرض أنه يكتب كتابا، وأنه بإزاء ~~معضلة فلسفية يجب أن تحل، ولكن صديقه يبتسم، فهو ليس بإزاء معضلة من هذه المعضلات التي تحل ~~في الكتب، التي يستطيع العقل الإنساني أن يتخذها رياضة ونوعا من أنواع التمرين، وإنما هو ~~بإزاء معضلة من معضلات الحياة التي لا تحلها إلا الحياة، وكيف يستطيع أن يحل هذه المعضلة ~~دون أن يؤذي ناسا من حقهم ألا ينالهم الأذى؟! ثم يمضي في حديثه وتحليله وحوار صاحبه، فإذا ~~استوثق أن هذا الحب الذي جمع بين هذين العاشقين ليس عبثا ولا لهوا، وإنما هو من هذا الحب ~~النادر الذي لا نلقاه كثيرا في الحياة، تشجع ونصح لصاحبه بالفرار مع حبيبته، فليضح إذن ~~بامرأته؛ فهي تستحق أن يضحى بها، وهي لا تفهم الحياة ولا تقدرها، وهي لا تفهم الواجب ولا ~~تقدره. إنها تكره النسل، ولو رزقت زوجها ولدا لصرفته عن الحب إلى العناية بابنه، ثم هي لن ~~يشقيها هذا الفرار فستسلو عن زوجها وستستأنف الحياة السعيدة في باريس. ولتضح «فلنتين» ~~بزوجها؛ فهو يستحق أن يضحى ms011 به؛ فهو لا يفهم الحياة ولا الحب ولا الزواج، وإنما يرد هذا ~~كله إلى مسألة مالية، ومن الحق لكل إنسان أن يسعد، وإذن فمن الحق لهذين العاشقين أن يسعدا ~~بحبهما، فليلتمسا هذه السعادة حيث يجدانها. والطفلان، ماذا يصنع بهما؟ ثم يقبل القوم جميعا ~~فيستأنفون حديثهم وعبثهم وكأن شيئا لم يكن. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن أمام بيت حقير، يسكنه رجل من العمال، ومعه امرأته المتقدمة ~~في السن أيضا، وقد أوت إلى هذا البيت خادم كانت عند «فلنتين»، أغواها أحد العمال فحملت ~~وأشرفت على الوضع وظهر أمرها فطردها «لمبير»، وأشفقت عليها «فلنتين» فآوتها إلى هذه العجوز، ~~وأخذت تنفق عليها وتتعدها حتى يتم الوضع وتبرأ من آلامه. وقد أقبل القسيس يتعهد هذه الفتاة، ~~ونفهم أن قد رزقت صبيا، وأنها بخير، وتقبل «فلنتين» تعود الفتاة، ثم تخلو إلى القسيس أمام ~~البيت ويتحدثان، فنفهم أن «فلنتين» ذهبت إلى القسيس فاعترفت له بأمرها وطلبت إليه المشورة، ~~هي إذن تستشير القسيس كما أن صاحبها يستشير الفيلسوف، والقسيس يشير عليها بعكس ما أشار به ~~الفيلسوف على صاحبها؛ يشير عليها بأن تقطع الصلة بينها وبين حبيبها، وأن تستأنف الحياة ~~الزوجية وأن تخادع زوجها حتى يخيل إليه أن الجنين ابنه، فإذا نفرت من هذه المذلة وكرهت هذا ~~النفاق وأنكرته، أجابها القسيس في عنف ورفق معا أنه لا ينكر أن في هذا مذلة ونفاقا، ولكنه ~~يعلم أنها قد اقترفت إثما عظيما حين خانت زوجها، وأن من الحق أن تحتمل الألم في سبيل هذه ~~الخيانة، وأن تكفر بالذل والهوان عن هذه الخطيئة. ويشتد بينهما الحوار على هذا النحو؛ فإذا ~~هي تنكر ما يدعوها إليه القسيس مخلصة، وإذا القسيس يلح عليها في ذلك مخلصا، فإذا ذكرت ~~الفرار أو الطلاق أنكرهما القسيس إنكارا شديدا، فالكنيسة لا تبيح الطلاق، وهي تقبل دونه ~~كل شيء؛ لأن الكنيسة تعلن أن الزواج عقدة أحكمها الله، وما أحكم الله فليس له ~~انفصام. ~~- وإذن فالكنيسة تضحي بسعادتي وحياتي وكرامتي وعرضي، وهي تبيح لي الفجور والإثم ~~اجتنابا للطلاق ؟ ~~- نعم! وذلك ms012 هو الخير للإنسانية، فنحن نشهد آثار العلم والحضارة الحديثة وعملها في تفكيك ~~العرى وقطع الصلات حتى كادت الأسرة ألا توجد، فلو أبحنا الطلاق، فماذا عسى أن تكون ~~النتيجة؟ # لا يقنعها ولا تقنعه، وقد أقبل القوم جميعا وكانوا في الصيد، ثم كانت أحاديث لا تعنينا، ~~وانصرفوا وتركوا «فلنتين» وحدها، فتتقدم قليلا فإذا هي مشرفة على السيل من مكان مرتفع ~~شاهق، وهي مضطربة ذاهلة قد أخذها ما هي فيه من تفكير، وإذا عاشقها قد أقبل فيدعوها، فكأنها ~~تفيق من نوم، وهي تلقي نفسها بين ذراعيه، ثم يتحدثان، فتقص عليه ما كان من مشورة القسيس، ~~فيظهر أنه لا ينتظر من القسيس إلا هذه المشورة، فالكنيسة ورجالها لا يقدرون الفرد ولا ~~شخصيته ولا سعادته ولا عواطفه، وإنما هم منصرفون إلى عقائدهم يضحون في سبيلها بكل شيء، وهم ~~يعتقدون أن في ذلك الخير، وهو مشفق يخشى أن تكون متأثرة بمشورة القسيس، وفي الحق أنها ليست ~~متأثرة بمشورة القسيس، فلن تستطيع أن تذعن لهذا النفاق، ولا أن ترضى هذه الذلة، وفي الحق ~~أيضا أنها ليست مطمئنة للفرار، فلن تستطيع أن تترك ابنيها، فيذكر لها صاحبها هذا الجنين، ~~وأنها قد تجد فيه سلوة، فتجيبه: كلا، فما كان أحد الأبناء ليسلي عن الآخرين. ويظهر الدهش، ~~فهذا الجنين نتيجة الحب، وهذان الطفلان نتيجة القسوة والعنف، فمن المعقول أن تؤثره عليهما، ~~ولكن الأمومة لا تفرق بين الأبناء إلى هذا الحد، وليس يعنيها أن يكون مصدرهم الحب أو غير ~~الحب، وإنما يعنيها أن يكون هناك ابن خليق بالعطف والحنو؛ ولكن الحوار قد اشتد بينهما، ~~وأخذ الحنان يغلب عليه قليلا قليلا حتى صار حنانا كله، وهو يضمها إليه ويستعطفها ويتلطف ~~لها. # وقد أخذت حجج الأمومة تضعف أمام حجج الحب، وإذا هي مستسلمة قد قبلت ما يدعوها إليه من ~~الفرار. سيفران إذن إذا كان الغد، وسيلتقيان في المحطة إذا كانت الساعة التاسعة. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فنحن في بيت «لمبير» حيث كنا في الفصل الثاني، وقد أقبلت الخادم ~~فأنبأت أن الطبيب يستأذن، فيأذن ms013 لمبير للطبيب، ويأمر الخادم أن تنبئ سيدتها بمكانه، وأنه ~~صاعد ليراها. وقد دخل الطبيب وأخذ يتحدث إليه «لمبير»، ففهمنا أن «فلنتين» لم تنم ليلتها، ~~وأنه يصف للطبيب مرضها واضطرابها وحزنها وهذا الإغماء الذي يعاودها، فيقول الطبيب: لعل من ~~الحق أن تغتبط بهذا؛ فهو من إشارات الحمل. ولكن «لمبير» يجيبه بأنه واثق كل الثقة أن ليست ~~هذه إشارات حمل؛ فلديه ما يحمله على هذه الثقة. وإذا «فلنتين» مقبلة، لم ترد أن يصعد ~~إليها الطبيب؛ لأنها ليست في حاجة إلى الطبيب، ولأن زوجها دعا الطبيب دون أن يستشيرها. وقد ~~انصرف الطبيب، ولم يفحصها، ولم يتبين من أمرها شيئا؛ لأنها أبت أن تنبئه بشيء، وتخلو إلى ~~زوجها فيكون بينهما حديث آية في الأحاديث، تظهر فيه العواطف المختلفة، والميول المتباينة ~~المتضاربة، يكون عتاب من «فلنتين» لزوجها فلا يفهم منه شيئا. تذكر له أنها لم تكن سعيدة، ~~وأنها لم تلق منه ما كانت تأمل، وأنها لم تحببه، وأنه لم يحبها، فلا يفهم من هذا شيئا؛ ~~لأنه لم يتزوج إلا وهو يعلم أنه لا يحب امرأته، وأن امرأته لا تحبه، وأن الزواج شركة الغرض ~~منها تنمية الثروة وإيجاد الولد، وقد نمى الثروة وقد وجد الولد، ففيم تطمع امرأته؟ وماذا ~~تريد؟ ومهما تذكر له من الحب واللين والحنان، فهو لا يجيبها إلا ساخرا مزدريا، ولكنها قد ~~أنبأته أنها التمست عند رجل آخر ما لم تجد عند زوجها، وأنها أحبت رجلا وأحبها هذا الرجل، ~~وكانت بينهما صلة! وإذا هو مغضب، ولكنه يملك نفسه. هو لا يحب إمرأته؛ فلا يعنيه أن تكون قد ~~خانته، ولكنه يحتفظ بالقوانين والعادات الموروثة، فلا يستطيع أن يمسك هذه المرأة في بيته ~~ولا سيما حين أنبأته أنها حامل، وقد عرف من تحب، وهم أن يذهب إليه ليخاصمه، فتنبئه بأنه ~~لن يجده، وبأنهما كانا قد أزمعا الفرار. ~~- وما يمنعكما منه؟ ~~- لا أستطيع أن أترك ابني، وقد أتيت ذليلة ضارعة مستعطفة، أسألك ألا تتركني، وألا ~~تفرق بيني وبين هذين الطفلين، وقد كنت أستطيع أن أخادعك وأكذب ms014 عليك وأخفي عليك كل شيء، ~~ولكني أبيت هذا الخداع وصارحتك، فلا تفرق بيني وبين ابني، ولن يغير هذا من عيشتنا ~~شيئا؛ فالصلة بيننا منقطعة منذ حين طويل، وستظل منقطعة أيضا، لا تفرق بين الأم وابنيها ~~... # ولكنه يأبى أشد الإباء؛ يأبى لأن هذه المرأة قد انحطت بهذه الخيانة، فهي ليست أهلا لأن ~~تجاور ابنيه أو تعاشرهما. ثم هو لن يسمح بأن يكون هذا الجنين ابنا له أمام القانون وأمام ~~الناس، ولا يسمح بأن يكد ويعمل ليرزق هذا الطفل الذي ليس له، ولا يسمح بأن يعتقد ابناه أن ~~هذا الطفل أخوهما لأب وأم. يجب إذن أن ترحل، وهي إذا لم تفعل مختارة فستطرد من البيت طردا، ~~وليس إلى تغيير رأيه من سبيل. # هي مذعنة لهذا الأمر تريد أن تذهب، وتريد أن تودع ابنيها، ولكنه يأبى أن تخلو إليهما ~~فيأمر بالطفلين فتحضرهما الخادم، وتودعهما أمهما باكية وهما يبكيان، وتنصرف. # وقد خلا الطفلان إلى أبيهما، فأمرهما أن ينتحيا ناحية ويلهوا في هدوء، فهما ينظران في ~~كتاب، وهو إلى مكتبه يكتب. وتمضي على ذلك دقائق، وإذا رجل من العمال يقبل مسرعا مضطربا ~~كأن قد حدث حدث، وقد حدث حدث بالفعل، فأسرع «لمبير» وأمر بالطفلين فأقصيا عن البيت، ~~وخلا المسرح لحظة، ثم يقبل القوم الذين رأيناهم في الفصول الماضية وكانوا على موعد مع أهل ~~البيت، فإذا لم يجدوا أحدا أنكروا ذلك، وأخذوا يبحثون في أعلى البيت وأسفله، ثم يندبون من ~~بينهم من يذهب ليستقصي الأمر، فيمضي «سان فوان» ويعود مضطربا مذعورا ينبئ بأن «فلنتين» قد ~~سقطت في السيل حيث الأداة الكهربائية، فهي معلقة في العجلة من ثيابها بعد أن مزقتها ~~تمزيقا، وسيحمل جسمها بعد حين. # أما «شارلوت» فلا تكاد تسمع هذا النبأ حتى تذعر، وتريد أن تنصرف؛ لأنها تكره أن ترى هذه ~~الجثة. وقد انصرفت مع «سان فوان»، وخلا الفيلسوف إلى القسيس، فهما يتحاوران وينتظران ~~الجثة. # وهل أترجم لك الحوار؟ أم هل ألخصه؟ ولم أترجمه أو ألخصه؟ وما نفع هذه الترجمة أو هذا ~~التلخيص ؟ الفيلسوف يدافع ms015 عن مشورته الفلسفية، والقسيس يدافع عن مشورته الدينية، وكلاهما ~~مخلص في دفاعه، وكلاهما غير مقنع لصاحبه، وكيف يستطيع أحدهما أن يقنع الآخر؟! فإذا عجز ~~الدين عن أن يوفق بين سعادة الناس ومنافعهم، فليست الفلسفة أقل عجزا منه عن التوفيق بين ~~هذه السعادة وهذه المنافع؛ ذلك لأن في الحياة عقدا ليس إلى حلها من سبيل. وهما يتحاوران ~~والحوار يشتد بينهما، ولكن حركة تدنو، وإذا القسيس يطلب إلى صاحبه الصمت، ويشير بيده إلى ~~قوم يدنون وقد حملوا الجثة. # مايو سنة 1924 # | الرقص في نصف الليل # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «شارل ميري» # حدثتك عن هذا الكاتب منذ حين، يوم حللت لك قصة من قصصه هي «الأمير جان». # 1 # ولست أدري أتذكر هذه القصة أم قد نسيتها، ولكني أذكرك بأني أشرت حين ~~كتبت عن هذه القصة إلى أن هذا الكاتب ليس من الكتاب الذين يقصدون إلى فكرة فلسفية أو إلى ~~نظرية من النظريات، فيدرسونها ويبعثون فيها الحياة، وإنما هو يريد أن يلهى لا أكثر ولا أقل، ~~أو قل هو يريد أن يلهى دون أن يخلو لهوه من نفع خلقي ما، ولكن هذا النفع الخلقي ليس هو ~~الذي يعنى به أو يقصد إليه، وليس هو الغرض الأساسي من القصة، إنما قصصه حركة متصلة قلما ~~يكون فيها وقت للتفكير والروية أو للبحث وتحليل العاطفة، فإن عرض لشيء من ذلك فهو لا ~~يعرض له ليتخذه موضوع قصته، وإنما يعرض له لأنه احتاج إليه احتياجا. هو كاتب عملي لا يريد ~~أن يتخذ ملعب التمثيل مدرسة فلسفية أو اجتماعية، وإنما يريد أن يتخذه ملعبا ينفق فيه ~~الجمهور شيئا من وقته لاهيا عابثا دون أن يضيع هذا الوقت أيضا. # ولقد قرأت هذه القصة التي أحدثك عنها اليوم، والتي وصلت إلينا في الأسبوع الماضي، فترددت ~~في أن أتخذها موضوعا للحديث؛ فقد يكون من الناس من يميل إلى هذا النحو من القصص الذي تكثر ~~فيه الحركة ويتصل فيه العمل، ولكنه يخلو أو يكاد يخلو من فكرة قيمة تكون موضوعا لهذه ~~الحركة أو ms016 هذا العمل. قد يكون من الناس من يميل إلى هذا النحو من القصص، أما أنا فلست أحبه ~~ولا أميل إليه، ولست أرضى عن قصة تمثيلية إلا إذا جمعت إلى الحركة والعمل معنى فلسفيا ~~قيما، أو جمالا فنيا خليقا بالإعجاب. ولا أستطيع أن أقول إن في هذه القصة جمالا ~~فنيا خلابا، ولا أستطيع أن أقول إن فيها فكرة فلسفية قيمة مبتكرة، وإنما هي قصة عادية إن ~~يكن لها امتياز فهو سرعة الحركة واتصالها. ومع ذلك فسأحدثك عنها، لأنها ظهرت حديثا، وعني ~~الناس بها وأكثروا الكلام فيها، ومن حقك علي أن أظهرك من حين إلى حين على ما يعنى به أهل ~~التمثيل ومحبوه في باريس. # ثم إن هذه القصة قد لا تخلو من نفع؛ فهي إذا لم يمكن أن تقرن إلى القصص التي يكتبها ~~زعماء الفن، ك «فرنسوا دي كوريل» و«موريس دونيه» و«ألفريد كابو» و«بول هرفيو»، فليس معنى ~~هذا أنها خليقة أن تطرح وتزدرى. وأنا بعيد كل البعد عن إطراحها وازدرائها؛ فقد وجدت فيها ~~شيئا من اللذة غير قليل، وكل ما أريد أن أقول هو أنها لا تحقق المثل الأعلى الذي أسمو إليه ~~عندما أفكر في القصص التمثيلي، على أنها لا تخلو من تحليل دقيق ومن مواضع خلابة مؤثرة. ~~ولعلها لا تخلو من شيء آخر أريد أن أشير إليه مع احتياط شديد؛ فالاحتياط الشديد واجب على ~~الكتاب المصريين في هذه الأيام، لا تخلو من إشارات إلى الحياة السياسية الفرنسية، بل لا ~~تخلو من عبث بالبرلمان الفرنسي وبالحكومة الفرنسية وبنظام الحكم في فرنسا بوجه عام، ~~فلنشر إلى هذا أثناء التحليل حذرين محتاطين؛ حتى لا ينالنا ما نال قوما آخرين، وإن ~~كان البرلمان الفرنسي لا البرلمان المصري، هو موضوع هذا العبث الذي سنمر به مضطرين في هذا ~~التحليل، وربما لم نكره أن يظهر القراء على هذا النحو من العبث الذي يسمح به الكتاب ~~الفرنسيون لأنفسهم بالقياس إلى مجالسهم النيابية وإلى وزاراتهم المختلفة، ففي هذا مثال ~~لشيء من الحرية السياسية في البلاد التي تفقه الحرية ms017 السياسية وتقدرها وتريد أن تستمتع بها ~~حقا، وفي هذا مثال لهذا التصور الديمقراطي الصحيح، الذي نتمنى أن نصل إليه في بلادنا ~~غدا أو بعد غد، وهو هذا التصور الذي لا يجعل أعضاء المجالس النيابية آلهة، ولا أنصاف آلهة، ~~ولا أرباع آلهة؛ بل لا يجعلهم مقدسين أو كالمقدسين، بل لا يعصمهم من النقد، ولا يجعلهم ~~بمأمن من عبث العابثين ولهو اللاهين. # آه! لقد أحب أن يقرأ المصريون «أناتول فرانس» وغيره من الكتاب. لقد أحب أن يقرءوا ~~«ألفونس دوديه»، ولا سيما قصته «نومار ومستان». لقد أحب أن يقرءوا «الكونت دي فوجيه»، ولا ~~سيما قصته المشهورة التي هي آية من آيات البيان، وهي «حديث الموتى». لقد أحب أن يقرءوا ~~«موباسان». لقد أحب أن يقرءوا الكتاب الفرنسيين جميعا، ليعرفوا كيف يعبث الكتاب ~~الفرنسيون في قصصهم الروائية والتمثيلية بأعضاء المجالس النيابية وبالوزراء ورؤساء الوزراء، ~~بل برؤساء الجمهورية، بل بأعضاء المجامع العلمية. لقد أحب أن يقرأ المصريون هذه الكتب، ~~ليعلموا أن البرلمانات والحكومات والمجامع العلمية والهيئات السياسية في أوروبا ليست ~~سكرا يخاف عليه أن يذوب أمام النقد، فيبالغ في حمايته والاحتياط له. ولكني قد بعدت عن ~~القصة التي أنا بإزائها، وأنا معذور في هذا الاستطراد؛ فقد اضطررت إليه اضطرارا؛ لأن في ~~هذه القصة عبثا بأعضاء البرلمان الفرنسي، ولنقد أعضاء البرلمان قضية في مصر. # فلننتقل إلى باريس ولنترك القاهرة لأهل القاهرة. ~~••• # نحن في قصر فخم من قصور باريس، يسكنه رجل غني، ضخم الثروة، منقطع إلى الأعمال المالية، له ~~مصرف، وهو في الوقت نفسه يرأس جماعة مالية كبرى؛ هو «البارون رينو»، وهو رجل متقدم في السن، ~~ضعيف، مدمن على الكوكايين، فقد أسرف في ذلك حتى أصابته علة من علل القلب، عرضت حياته للخطر، ~~ولا سيما إذا دهمته داهمة أو نابته نائبة. وهو في هذا الوقت تعس الحظ؛ لأن نازلة قد نزلت به ~~فعرضته للموت وعرضت شرفه للضياع؛ وذلك أنه ضارب فأضاع رأس مال المصرف، ثم ضارب فأضاع رأس ~~مال الجماعة المالية التي يرأسها، وهو في بيته مضطرب ذاهل ms018 يفكر في هذه الكوارث التي ألمت ~~به، ونراه يتحدث إلى خادمه حديثا متقطعا يقطعه الضعف كما يقطعه الهم، ونراه لا يكاد يستقر ~~ولا يثبت، ونراه لا يكاد يمسك نفسه إلا بعلبة الكوكايين يأخذ منها القبضة من حين إلى حين ~~فترد إليه رمقا من حياة، وخادمه يتحدث في التليفون فينبئه أن امرأة تريد أن تتحدث إليه، ~~فإذا تحدث إليها ضرب لها موعدا للقائه بعد قليل، وهو ينتظر سكرتيره، وينتظره متحرقا، وكأن ~~هذا السكرتير قد أبطأ عليه، وهو يسخط لذلك ويتململ. # وقد أقبل السكرتير، فهو يسأله عن الأنباء، والسكرتير يقص عليه أنباء «البورصة»، ثم أنباء ~~المصرف، ثم يقدم إليه صحيفة من الصحف قد بدأت تحمل عليه وعلى مصرفه وجماعته المالية حملة ~~منكرة، وتذيع أسراره، وتشير إلى أن النيابة قد تحقق، فيضطرب الرجل لذلك، ولكنه قد تعود مثل ~~هذه الصدمات، فهو يعرف كيف يحتملها، يعرف بنوع خاص كيف يخدع الجمهور ويكذب عليه، كيف يداوره ~~ويماطله، فلم يكد يفرغ من قراءة هذا الفصل حتى أخذ يملي على سكرتيره بلاغا يكذب فيه ما ~~أذيع عن المصرف والجماعة في لهجة قوية حازمة مقنعة حتى ليتأثر السكرتير ويقتنع، ولكن الرجل ~~ينبئه مبتسما أن بلاغه كاذب وأن لهجته كاذبة، وأن الصحيفة صادقة وأنه قد أضاع رأس ماله ~~وعبث برأس مال الجماعة، وأنه لم يرد إلا الخير، ولكنه لم يوفق، وأنه يعلم أنه سواء أراد ~~الخير أم لم يرده فقد أخطأه التوفيق، ومن يخطئه التوفيق فالناس حرب عليه. # وقد دهش سكرتيره لهذا، وأصابه شيء من الجزع؛ فهو يهدئه ويبعث في قلبه الطمأنينة ويعلن ~~إليه أنه لم يفقد كل أمل، وأنه في حاجة إلى مهلة، في حاجة إلى أسبوعين، وأنه يستطيع أن يظفر ~~بهذه المهلة، وأن يصلح من أمره كل ما فسد دون أن يشعر بحقيقة الأمر أحد. فيسأله السكرتير: ~~ومن لك بهذه المهلة؟ فيجيب «موران»: سكرتير رئيس الوزراء الذي نعلم أنه هو رئيس الوزراء؛ ~~لأن رئيس الوزراء شيخ لا إرادة له ولا عمل، وقد أسلم أمره إلى هذا السكرتير، ms019 فهو الذي يدبر ~~أمور الدولة الآن، حتى إذا سقطت هذه الوزارة فهو رئيس الوزارة المقبلة من غير شك؛ لأنه عضو ~~في مجلس النواب، هذا الرجل يستطيع أن يمنحني هذه المهلة إذا أصدر أمره إلى النيابة سرا ~~ألا تتعجل التحقيق، وأن تماطل وتتباطأ أياما، وهو قادر على ذلك إن أراد. فإذا ذكر له ~~سكرتيره الواجب والأمانة والشرف ابتسم ساخرا؛ لأنه يعلم قيمة هذه الألفاظ ولا سيما عند ~~رجال السياسة ورجال المال. # والآن وقد ذكرت لك شخصين غير صاحبنا المحامي فيحسن أن أقدمهما إليك؛ أحدهما هذا السكرتير ~~الذي يتحدث إلى «البارون رينو»، وهو شاب في الثلاثين من عمره، اسمه «دنيال» شريف أمين ~~وفي متعلم، بل له من العلم والأدب حظ عظيم، ولكنه فقير، أقبل إلى باريس وكان يريد أن ~~يكون قصصيا، ولم يكن له بد من أن يكسب رزقه، فأقبل إلى مدام «رينو» بوصية من أحد ~~أصدقائها، وتقبلته هذه السيدة قبولا حسنا، وأوصت به زوجها فاتخذه سكرتيرا له؛ فهو وفي ~~للزوجين وفاء شديدا، وربما كان يضمر للمرأة شيئا آخر غير الوفاء ستراه بعد حين. # وأما الآخر «موران» فشاب اندفع في الحياة السياسية فأصابه الفوز فيها، وصل إلى مجلس ~~النواب، ولم يلبث أن امتاز ببلاغته وفصاحته ومهارته السياسية، فاشترك في الوزارة القائمة ~~حتى إذا سقطت فسيؤلف هو الوزارة المقبلة، فإذا أردت أن تعرف الصلة بين هذا الرجل المالي ~~وهذا الرجل السياسي فسينبئنا بها «رينو» نفسه حين يتحدث بها إلى سكرتيره. يخرج غلافا ~~مختوما ويدفعه إلى السكرتير ويأمره أن يحتفظ به عنده إلى وقت الحاجة، فإذا سأله عما فيه ~~أجاب إنها أوراق تمس الحياة السياسية لموران، وتستطيع أن تسقطه وتحول بينه وبين أطماعه! ~~كلا! بل تجلله خزيا وعارا، فإذا أظهر السكرتير شيئا من الدهش - لأن هذا الرجل السياسي ~~مشهور بحسن الخلق والاستقامة والحرص على أداء الواجب - ابتسم المالي ساخرا. وإذا سأله ~~السكرتير كيف يدبر الكيد لصديقه، أجاب: ليس صديقي، ولكنه خليل امرأتي. فلا تسل عن دهش ~~السكرتير؛ فهو يقدس هذه المرأة ويكبرها ويراها فوق ms020 هذه الدنيات، ولكن الزوج ينبئه بأنها ~~غير ما يظن، وأنها امرأة تستمتع بجمالها وشبابها وتأخذ بحظها من اللذة، وأن الصلة الزوجية ~~بينهما منقطعة منذ سنين، وأنها قد خانته مع كثيرين، وهي تخونه مع هذا الرجل منذ سنتين، ~~والناس جميعا يعرفون ذلك ويتحدثون به، فلا أقل من أن يؤدي له «موران» هذه الخدمة فيخرجه من ~~هذا المأزق الذي اضطره إليه سوء الحظ. # وقد أقبلت سيدتان، إحداهما تعنينا قليلا وهي «مدام دي فونتانج»، أقبلتا فخلت إحداهما إلى ~~البارون وأخذت تضرع إليه في أن يرد إليها الأوراق التي يحتفظ بها والتي تمس الحياة السياسية ~~لموران، وأخذ هو يرفض ويلح في الرفض، ثم تقبل امرأته «ماري تريز»، وهي امرأة جميلة رشيقة ~~خلابة، تعيش مع زوجها عيشة الجوار لا عيشة الزواج، منصرفة عنه إلى لذاتها وأهوائها، وهي ~~الآن مقبلة من السباق، فهي تقص أمره على صاحبتيها. # ثم ينصرفن ويقبل رجل من أعضاء الجماعة المالية قد بلغه النبأ السيئ، فجاء مضطربا ساخطا ~~يلوم ويسرف في اللوم، والبارون هادئ مطمئن يسخر منه ويعبث به. وقد دق التليفون، فإذا ~~أسرع إليه السكرتير عاد فأنبأ البارون بأن المصرف يطلبه فورا؛ لأن الشرطة قد ذهبت إليه وهي ~~تريد أن تبحث وأن تحقق. يهم بالانصراف، وقد أقبلت سيارة، فيسأله صاحبه من في هذه السيارة، ~~ثم ينظر من النافذة فيرى «موران»، وإذا هو قد اطمأن وابتهج؛ لأنه يقدر أن «موران» يستطيع ~~أن يصلح من أمر المصرف والجماعة، ولكن القوم جميعا ينصرفون ويدخل «موران» فلا يجد أحدا. ~~ثم تأتي «ماري تريز» فإذا هي تلقاه لقاء المحبة المشتاقة المتلهفة، وإذا هي مسرفة في ~~ملاطفته والعناية به؛ يريد أن يشرب شيئا من النبيذ فتسقيه كأنه الطفل، يريد أن يجلس فتقدم ~~الوسائد وتحيطه بضروب الرفق والعناية، كل ذلك في دعابة وخفة وفي شوق ولهفة، وهي تتحدث عن ~~الموعد المقبل وعن اللذة المنتظرة، وهو يجيبها متلطفا مداعبا، ولكنه في هدوء كأنه مشغول ~~البال، وهو مشغول البال حقا؛ فقد عرف ما كان من أمر البارون وإشرافه على الخطر، ms021 وأقبل ~~ينذر صديقته يريد أن يحميها، فهو ينصح لها أن تسافر من باريس، ويلح عليها في أن تغيب ~~أشهرا، وهي تأبى لأنها لا تريد أن تفارقه، وهي تؤثر كل شيء على هذا الفراق، وهو يلح ~~ويبالغ في الإلحاح حتى تعده بالتفكير والروية. # ولا يكاد ينصرف حتى يعود الزوج، فتهم هي أن تنصرف، فيمسكها زوجها ويقص عليها كل شيء، ~~ويعلن إليها أنه إن يكن قد أنفق ما أنفق وتورط فيما تورط فيه، فقد بذل ما استطاع ليضمن لها ~~حياة رضية سهلة. ألم ينفق مائتي ألف فرنك لزينتها في هذه السنة! ألم ينفق نصف مليون من ~~الفرنكات لحفلاتها في هذه السنة! أما هي فتزعم له أنها لم تطلب شيئا من هذا، وأنه لم ~~يفعل هذا إلا لمنفعته الخاصة؛ لأنه أراد أن يظهر مظهر الرجل الغني الذي يبعث على الثقة، ثم ~~تغلظ له في القول وتتهمه بالضعة والاختلاس وما إلى ذلك، ويحتمل منها هذا كله مطمئنا ~~ساخرا، ثم يطلب إليها ما كان يريد وهو أن تسعى عند «موران» ليؤجل التحقيق، فإذا أرادت أن ~~تعتذر صارحها بما يعلم من أمرها مع هذا الرجل، وبأنه قد أنفق عليهما وهيأ لهما ما استمتعا ~~به من لذة، فالحق عليهما الآن أن يعيناه، أما هي فتأبى الإباء كله؛ تأبى لأنها لا تريد أن ~~يسعى صاحبها في شيء دنيء كذا، وتأبى لأنها لا تريد أن يشعر صاحبها أنها لا تحبه لنفسه بل ~~لمركزه وسلطانه. تأبى وتعرض حليها، وتعرض أن تقترض المال، ولكن زوجها لا يريد إلا هذا ~~السعي، فإذا رأى إصرارها على الإباء ذكر ما عنده من الأوراق، وأنذر بنشره في صحيفة من ~~الصحف، وإذا زوجه قد سخطت عليه سخطا لا حد له؛ فهي تهينه وتزدريه وتنذره، وهو يجيبها بأنه ~~إن قدر له أن ينسف فلن ينسف وحده بل سينسف معه خليلها، فتجيبه: بل سننسف جميعا. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني، فنحن في القصر نفسه وقد مضت أيام على ما قدمت لك، وفي القصر حفلة ~~راقصة أراد صاحب القصر أن ms022 تكون آية بين حفلات الرقص، ودعا إليها جمهور أصحاب الثروة ~~والمكانة «ليذر الرماد في العيون» كما يقولون، وليخيل إلى الناس أن هذه الأنباء التي تذاع ~~لا خطر لها، ولكن الناس لا يصدقون من هذا شيئا، وإنما أقبلوا يلهون ويرون ويشمتون، وهم ~~يتحدثون بهذا ويتوسمون في الرجل وامرأته أمارات الاضطراب، وقد خلت في لحظة من اللحظات «ماري ~~تريز» إلى السكرتير «دنيال» فهي مضطربة جزعة، وقد سمعت باعة الصحف يصيحون، فطلبت إلى ~~السكرتير أن يسرع فيبتاع الصحف. وهي كذلك إذ يقبل «موران»، أقبل خلسة دون أن يشعر به أحد ~~وأقبل جزعا مضطربا؛ لأنه سمع أن أحد النواب سيلقي سؤالا في مجلس النواب هذه الليلة، ~~وسيكون موضوع السؤال هذه الفضيحة المالية، وسيشير هذا النائب في سؤاله إلى الصلة بين ~~«موران» وبين البارون، والنواب يتحدثون فيما بينهم بأن لموران حظا في هذه الفضيحة ويذكرون ~~صلته «بماري تريز»، ويذكرون أنه أوحى إلى النيابة بتأجيل التحقيق، وهم يريدون أن يفضحوا هذا ~~كله الليلة؛ ولذلك أقبل صاحبنا مسرعا غير حذر لينبئ صديقته وليعلن إليها أن زوجها قد يقبض ~~عليه من حين إلى حين. # ولكنه أقبل لشيء آخر أيضا؛ أقبل لأنه علم أن لدى هذا الرجل أوراقا بخطه، وأنه يريد أن ~~يرى البارون، ولا يزال يلح حتى أتى البارون، فإذا التقى الرجلان كان بينهما حوار ثم خصام ~~عنيف؛ لأن البارون أنبأه بما في هذه الأوراق التي كتبها بخطه والتي ازدرى فيها حزبه وسخر ~~منه، وهزأ فيها بالنظام الجمهوري كله، وكتب أنه يميل إلى قلب هذا النظام، وأن أقدر الناس ~~على قلب الجمهورية هم أنصارها الحقيقيون، فإذا نشرت هذه الأوراق فقدر وقعها في الحزب ~~السياسي وفي مجلس النواب، وفي الكثرة الجمهورية التي يعتمد عليها صاحبنا ليكون رئيس ~~الوزارة؛ لهذا يشتد الخصام بين الرجلين، ويلح الرجل السياسي ليأخذ أوراقه، فيلح الرجل ~~المحامي ليؤجل التحقيق، ثم يشتد بينهما العنف حتى يهجم الرجل السياسي على خصمه فيأخذ بعنقه ~~حتى ليكاد يخنقه، ثم يتركه وقد أخذ الجهد من رجل المال الذي هو ضعيف ms023 مشرف على الخطر كما ~~قدمنا، وإذا هو يضطرب وإذا هو يمشي إلى صاحبه متثاقلا ثم ينكب على وجهه، فيسرع إليه ~~«موران» وتسرع إليه زوجه، ولكنه قد فقد الحركة. فإذا أجلساه أخذا يتجسسان نبضه ويتسمعان ~~قلبه، ولكنه قد مات! ولست أصف لك اضطرابهما وجزعهما، فأنت تقدره، وقد استطاعت المرأة أن ~~تقنع صاحبها بالانصراف إلى مجلس النواب، واتفقا على أن تنصرف هي إلى الحفلة فتنفق الليلة في ~~لهو ورقص. # وقد أغلقت على الميت باب مكتبه، حتى إذا كان الصبح أظهرت أنه مات وهو يعمل، وقد أراد ~~النائب أن يأخذ الأوراق التي جاهد من أجلها، فلما ظفر بها لم يجدها إلا صورة مطابقة ~~للأصل. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فنحن في بيت «دنيال» سكرتير البارون، وقد مضت أيام على ما قدمت لك، ~~وعني الجمهور الباريسي بهذه الحادثة، وأخذ القضاء في التحقيق، والصحفيون يختلفون إلى هذا ~~السكرتير يسألونه ويتحدثون إليه، وهو محتفظ لا يجيب إلا بأن البارون قد مات موتا طبيعيا، ~~ولكن «ماري تريز» قد أقبلت وهي تذكر ما هي فيه من حزن وحرج، وتذكر هذه الجماعات التي تحيط ~~بقصرها، وهذا الجند المرابط حول القصر، وهذه الجماهير التي تنظر إليها وتزدريها إذا خرجت، ~~فهي متهمة بقتل زوجها، وهي تذكر هذا كله فلا تسمع من السكرتير إلا ألفاظ عطف ومودة وحنان، ~~فيطمعها ذلك فتطلب إلى السكرتير أن يدفع إليها الأوراق التي ائتمنه عليها زوجها. يأبى الشاب ~~لأنه يريد أن يدفع هذه الأوراق إلى قاضي التحقيق، ولا يكاد ينبئها بذلك حتى تجزع وتلح عليه ~~وتضرع إليه في أن يدفع إليها هذه الأوراق، ثم تعترف بحبها «لموران» وتبالغ في التضرع، فيأبى ~~الشاب، ولكنها تعلم موضع ضعفه، فتذكر حبه إياها وتسأله إن كان يحبها حقا أن يدفع إليها ~~الأوراق. وقد فقد الشاب كل مقاومة فدفع إليها الأوراق، وأنبأها بأن امرأة أخرى طلبت إليه ~~هذه الأوراق وعرضت نفسها ثمنا لذلك فأبى، فإذا سألته عن هذه المرأة ذكر «مدام دي فونتانج» ~~التي ذكرناها في الفصل الأول. # يقع هذا النبأ من «ماري ms024 تريز» موقعا سيئا، وتحاول أن تبحث عن السر في علم هذه المرأة ~~بهذه الأوراق وسعيها في أن تظفر بها، ولكنها لا تتكلف البحث، فقد أقبلت المرأة نفسها مرة ~~أخرى تستأنف طلب الأوراق إلى الشاب، فتخلو إلى «ماري تريز» ونفهم من حديثهما أن هذه الأوراق ~~كانت ملكا لهذه المرأة؛ لأن «موران» كان يحبها وهي التي مكنته بمالها من الفوز في ~~الانتخاب، وأنه كتب إليها هذه الكتب أثناء حبهما ثم كانت بينهما قطيعة، فأرادت أن تنتقم ~~فدفعت هذه الرسائل إلى البارون، ثم استؤنف الحب بينهما الآن فهي تريد أن تسترد هذه الرسائل. ~~ولا تكاد «ماري تريز» تسمع هذا الحديث حتى تكذبه، فهي تعلم أن الرجل يحبها هي، ولكن أنى ~~لها أن تمضي في تكذيبها والبرهان قائم على أن المرأة لم تكذب! أليس «موران» ينتظرها في ~~العربة أمام البيت! تبعثان إذن فتطلبانه، وإذا هو قد أقبل فلم يبق شك عند ماري تريز في أنه ~~يخونها، وقد تركتها المرأة فكانت بينهما خلوة، وجرى بينهما حديث طويل فيه تمثيل صادق لضعف ~~هذه المرأة التي ترى نفسها محتقرة مزدراة، وتشعر بأن صاحبها يخونها، وتريد أن تكون كريمة ~~أبية، وأن تقطع الصلة بينها وبين هذا الخائن، ولكنها لا تستطيع؛ لأن سلطان الحب عليها أقوى ~~من سلطان الكرامة، وفيها تمثيل صادق أيضا لهذا الرجل الذي لا يحب ولا يعشق، وإنما يريد أن ~~يلهو ويستمتع باللذة على ألا يحول ذلك بينه وبين مطامعه السياسية؛ فهو لا يحب تلك المرأة ~~وإنما يداريها ويتقيها، وهو لا يحب هذه المرأة وإنما يخادعها لأنه يشتهيها، وهو منتصر ~~عليهما معا لأنهما ضعيفتان وهو قوي. وقد استطاع أن يخرج بعد أن تم له رضا صاحبته وضربت ~~له موعدا للقاء، وقد سمع الشاب كل هذا الحديث حيث كان مستخفيا، فأقبل إلى «ماري تريز» ~~وأعلن إليها - تدفعه الغيرة - أنه منصرف إلى القاضي فمنبئه بكل ما سمع. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فقد مضت ستة أشهر على هذا كله، وقد قدمت «ماري تريز» إلى المحاكمة، ~~ولكنها برئت، ثم كانت ms025 كل هذه الحوادث قد أثرت فيها تأثيرا قويا، فاضطربت أعصابها وأصابها ~~شيء يشبه الجنون، فهي الآن في مستشفى، وقد أقبل الطبيب فعادها لآخر مرة وأعلن أنها قد برئت ~~وأنها تستطيع أن تترك المستشفى. وهو يعلن ذلك إلى الممرضة وقد أقبل «دنيال»، فلم يكد يسمع ~~ذلك حتى ابتهج له، وهو يريد أن يرى «ماري تريز» وأن يخرجها من المستشفى، ولكن غلاما يقبل ~~ومعه بطاقة، فإذا نظر فيها «دنيال» رأى اسم «موران»، فيأذن له ويتحدثان قليلا، فإذا هما ~~رجلان مختلفان أشد اختلاف؛ أحدهما، وهو النائب، شديد الطمع يضحي في سبيل أطماعه بكل شيء، ~~والآخر، وهو دنيال، متواضع قانع لا يطمع في شيء إلا أن يعيش شريفا. وقد صدم النائب صدمة ~~عنيفة بهذه الحوادث كلها، فاستقال من الوزارة وعاش عيشة المستخفي، وهو الذي كان ينفق على ~~هذه المريضة في هذا المستشفى، وقد علم أنها برئت فأقبل يراها، أما «دانيال» فلم ينفق عليها، ~~ولكنه أخلص لها، فعني بتنظيم التركة وما نشأ عن موت زوجها وإفلاسه، وكان يأتي كل يوم ليراها ~~ويتعرف أخبارها، وقد اتفق الرجلان على أن يراها «دنيال» أولا ثم يراها بعد ذلك ~~«موران». # وانظر إليها وقد أقبلت ضعيفة ناحلة شاحبة، ولكنها فرحة مبتهجة؛ لأن الطبيب قد رد إليها ~~حريتها، فهي تستطيع أن تخرج وأن تعيش عيشة هادئة خاملة بعيدة عن الناس. أما «دنيال» فيذكر ~~أنه قد أقبل اليوم لوداعها؛ لأن عمله قد انتهى، فتغضب لذلك وتعاتبه فيه، فإذا ذكر لها ~~«موران» أنكرت هذا الاسم، وكيف تعرفه وقد نسيها منذ ستة أشهر، فإذا أنبأها بأنه لم ينسها ~~وأنه أقبل يراها، نسيت هي كل شيء، ونسيت «دنيال» ومودته وألمه، وتعجلت لقاء «موران»، فينصرف ~~الشاب محزونا كئيبا، ويرسل إليها موران، ولا أصف لك ابتهاجها بلقائه، وسعادتها بالتحدث ~~إليه، ولا أصف لك هذه الآمال الواسعة اللامعة التي تملأ نفسها؛ فستعيش مع «موران» عيشة ~~سعيدة، وستكون زوجة، وهي مغتبطة بابتعاده عن الحياة السياسية، فسيكون لها وحدها، وستكون له ~~وحده، وكان يلاطفها ويلاعبها ويظهر الحب ، ولكنه لم يكد ms026 يسمع هذه الآمال حتى أنكرها، وأخذ ~~يرد إلى صاحبته شيئا من العقل، فهو لم يترك السياسة وإنما تجنبها تجنبا، وهو يريد أن ينسى ~~الناس ما كان من أمره، ثم يستأنف عمله حتى يصل إلى رياسة الوزراء، وإذن فلن يستطيع أن ~~يتزوجها، بل لن يستطيع أن يظهر معها في باريس، وإنما استأجر لها بيتا في الضواحي يريد أن ~~يئويها إليه على أن يزورها من حين إلى حين، وهو كلما نطق بشيء من هذا هدم أملا من آمالها ~~ورد إليها الكآبة قليلا قليلا، حتى تعود محزونة كئيبة كما كانت. # وقد ذكرت تلك المرأة فينبئها بأنها هجرته؛ لأنها لم تكن تحبه هو، وإنما كانت تحب مركزه ~~السياسي، فلما ترك هذا المركز انصرفت عنه، وقد ذكر الكتب حين ذكرت هذه المرأة، فهو يسأل ~~عنها وينبئ أنه أقبل وهو يفكر في استرجاعها، فتشعر «ماري تريز» بأنه لم يئوها إلى المستشفى ~~ولم ينفق عليها، ولم يقبل الآن ليراها، ولم يظهر لها الحب والمودة إلا لأنه يريد أن يظفر ~~بهذه الكتب التي تعرض مستقبله السياسي للخطر. تقوم متثاقلة إلى مكتب فتخرج منه الغلاف ~~وتفضه وتستخرج ما فيه من الكتب فتمزقها، وتلقي بها في النار، ثم تطلب إلى صاحبها في رفق ~~ودعة أن ينصرف، فهي لا تريد أن تتبعه ولا تستطيع أن تتبعه؛ وإن خارج هذه الحجرة لشابا ~~هادئا مخلصا متواضعا قانعا، يحبها ولا يطلب على حبه أجرا، وما أشد حاجتها إلى أن تعيش ~~مع رجل يحبها ولا يرجو منها شيئا. يلح عليها صاحبها إلحاح المتكلف في أن تتبعه، فإذا أبت ~~عليه انصرف مستخزيا، وأقبل «دنيال» فتلقته في لطف ورفق، وطلبت إليه في لهجة الواثقة أن ~~يعينها على أن تعيش. # يونيو سنة 1924 # | المذهبان # فكاهة تمثيلية للكاتب الفرنسي «ألفريد كابو» # نعم فكاهة، وأظن أن الوقت والجو والظروف التي نعيش فيها منذ حين تجعل حاجتنا إلى الفكاهة ~~شديدة، وتزهدنا في الجد قليلا أو كثيرا. فلنتفكه، ولنأخذ بحظنا من اللهو البريء، مجتهدين ~~في ألا يخلو هذا اللهو من عظة وعبرة، ms027 ولكني محتاج قبل كل شيء إلى أن أعترف بحقيقة كنت أحب ~~ألا أعترف بها، وكنت أستطيع ألا أعترف بها، لولا أني أخذت نفسي بألا أخدعك فيما أكتب، وبأن ~~أظهرك في وقت واحد على نفس الكاتب الذي أحلله، وعلى نفسي أنا أيضا وقت التحليل؛ فأنا لا ~~أنتقب أو أستتر حين أتحدث إليك، وإنما أظهر كما أنا، وأتحدث إليك صادقا مخلصا، وإذن فأنا ~~مضطر إلى أن أعترف بهذه الحقيقة، وهي أني قد لا أبلغ من تفكهتك وتسليتك ما أريد ولا ما ~~تريد؛ لا لأني لا أجد بين الآثار التمثيلية الفكاهية ما تبلغ من التفكهة والتسلية أقصاها؛ ~~فأنا أجد من ذلك أكثر مما أطلب، بل لأن عهدي بهذا الفن حديث، فلم أحلل قبل اليوم فكاهة ~~تمثيلية. وأحسب أن اللغة العربية التي أحب أن أصطنعها في هذه الفصول لا تسع في سهولة ويسر ~~هذه الألوان من العبث الأجنبي، فلا بد من جد، ولا بد من جهاد لأستطيع أن أوفق بين اللغة ~~العربية وبين عبث الفرنسيين وغير الفرنسيين. وكم من فكاهة تمثيلية قرأتها فاستغرقت لها في ~~الضحك، وسعدت بها يوما أو بعض يوم، ووددت لو استطعت أن أوثر القراء بشيء من هذا اللهو، ~~ولكني أعرضت عن ذلك عجزا وقصورا! # وليس يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن هناك عقبات أخرى تحول بيني وبين ما أريد من إظهارك ~~على هذه الناحية المبتسمة من التمثيل الأجنبي والحياة الأجنبية، وأهم هذه العقبات اختلاف ~~الأخلاق في الشرق والغرب، وتباين ألوان الحياة فيهما، فنحن قوم نؤثر الجد على الهزل، أو قل ~~نؤثر العبوس على الابتسام، فإذا لهونا - ونحن نلهو كثيرا - فنحن نختلس اللهو اختلاسا، ~~ونسترق العبث استراقا، ونشعر حين نلهو ونعبث بأنا نأتي أمرا غير مألوف ولا مباح؛ فنحن ~~نعبس حتى حين نلهو. أما الغربيون، وبخاصة الفرنسيون، فليست حياتهم جدا كلها، وليست حياتهم ~~لهوا كلها، وإنما هم يجدون ويلهون، ويستفيدون من الجد كما يستفيدون من اللهو، ويعلمون أن ~~الجد عليهم واجب، كما يعلمون أن اللهو لهم حق، فهم لا يتسترون ms028 ولا يستخفون ولا يتحرجون، إلا ~~أن يأتوا منكرا من الأمر لا يبيحه خلق ولا نظام. هم أحرار، يفهمون الحرية ويستمتعون بها ~~خيرا مما نفهمها نحن ونستمتع بها، ومن هنا كانت حياتهم أيسر احتمالا وأكثر إنتاجا من ~~حياتنا. # ومع هذا كله فسأجتهد في أن أحلل لك طائفة من الفكاهات التمثيلية، لربما عدا بعضها طور ~~المألوف مما تقرأ وتسمع، وهل علي في ذلك بأس وأنا قبل أن ألهيك أريد أن أظهرك على نحو من ~~أنحاء الأدب الغربي له خطره ومكانته؟! وهل منعني مجون أبي نواس وأصحابه أن أحدثك عن أبي ~~نواس وأصحابه؟! # فلنجرب إذن هذا النوع من التمثيل، ولست أطلب إليك إلا شيئا واحدا، وهو أن تعذرني إذا ~~لم أبلغ رضاك، فلعلي أوفق لأن أبلغه بعد قصة أو قصتين. # أما قصة اليوم ففكاهة لا تخلو من جد، ولست أقدم بين يديها المقدمات، فهي لا تحتاج ~~إلى شيء من ذلك، وإنما أريد ألا تبحث فيها عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة، كما يقول ~~الفرنسيون، وألا تلتمس فيها فلسفة عميقة أو شيئا من العجب، فليس فيها من ذلك شيء. ~~••• # نحن في باريس، في بيت أسرة مثرية شابة، تأتلف من زوجين: أحدهما موبران وهو محام، ولكنه قد ~~أهمل مهنته وانصرف عنها إلى لهوه وعبثه، فهو غني لا يحتاج إلى أن يكسب حياته، وهو رجل ~~غزل مشغوف بالنساء، ضعيف لا يستطيع أن يقاوم امرأة ولا أن يثبت لنظرة. # والآخر «هنرييت»، وهي امرأة شابة بارعة الجمال راجحة الحلم خفيفة الروح، تحب زوجها ~~حبا شديدا، ولكنها قد ضاقت بخياناته التي اتصلت أعواما والتي لم ينقضها عفو ولا ~~ألم. # فإذا رفع الستار رأيت زائرة تتحدث إلى الخادم تسألها عن سيدتها، فتجيب أنها خرجت، فتسألها ~~عن سيدها فتجيب أنه خرج، فتسألها: أيهما خرج أولا؟ فتجيب: هي السيدة. ويقبل زائر يجب أن ~~نذكر اسمه؛ لأنه من أبطال القصة، «لوهوتوا» وهو مستشار في مجلس الدولة، جاد لا يحب اللهو ~~ولا يميل إليه، صادق، دقيق، منظم الحياة، يتحدث إلى الزائرة فنفهم من حديثه ms029 أنه أحب ~~«هنرييت» وأراد أن يقترن بها فرفضت، ولكنه قد حفظ لها الحب والوفاء. # وهما يتحدثان إذ تقبل هنرييت مضطربة حادة المزاج لا تكاد تملك نفسها، فما هي إلا أن ~~تحاور زائريها حوارا قصيرا حادا حتى تصرفهما عنها؛ لأنها لا تريد أن تتحدث إلى أحد ~~الآن؛ فهي مشغولة البال بأمر سيعلمانه بعد حين. ينصرفان ويأتي أبواها، وكانت قد دعتهما ~~لزيارتها، ولا بد من أن نقدمهما إليك في إيجاز. # أما الأب وهو «جولان» فرجل متوسط السن يظهر عليه الجد وشيء من الاستقامة، ولكنه ليس من ~~الجد في شيء، وإنما هو رجل يحسن التكلف، وأما الأم فامرأة من الجيل القديم محافظة، لا ~~تخلو من ذكاء وفطنة، ولا يكادان يتحدثان إلى ابنتهما حتى تنبئهما في حدة وغضب مضحكين ~~أنها قد اعتزمت الطلاق، فإذا سألاها عن ذلك، قصت عليهما خيانة زوجها إياها وإسرافه في ~~الخيانة. أما الأم فتكره الطلاق لأنها محافظة، وأما الأب فيكره الطلاق لأنه يحب صهره، وقد ~~أقنعتهما هنرييت بأن زوجها يخونها، وأنها احتالت حتى رأته منذ حين يدخل مع خليلته بيتا ~~اتخذه للهو، وهذه الخليلة صديقة لها، ومع ذلك يلح عليها أبوها في أن تعدل عن الطلاق. أما ~~الأم فترى أن كرامة المرأة وسعادتها ليستا في أن يكون زوجها وفيا لها؛ بل في أن تعتقد أن ~~زوجها وفي لها، ويجب عليها أن تجهل خيانة زوجها، فإذا علمت بهذه الخيانة وجب عليها أن ~~تتجاهلها، فإذا لم تستطع وجب عليها أن تزدري زوجها وألا تسأله عن شيء، وهي تقيم الأدلة على ~~صدق هذا الرأي وتبحث عن هذه الأدلة في حياتها الخاصة؛ فانظر إليها تحدث ابنتها بما كان من ~~عبث زوجها الشيخ منذ عشرين سنة مع خادم أحد الفنادق، وكان الشيخ يحسب أن امرأته تجهل هذا ~~العبث، وانظر إليها تحدث ابنتها عن عبث زوجها الشيخ مع امرأة قروية منذ سنين، ثم مع امرأة ~~من أهل باريس منذ يوم أو يومين، والشيخ يسمع هذا كله فيتلقاه في اضطراب وخجل ~~مضحكين. # ثم يحاول الشيخ أن يقنع ms030 ابنته بالعدول عن الطلاق؛ فزوجها ظريف خفيف الروح حلو الحديث، قد ~~يخطئ كما يخطئ غيره من الناس، ولكنه قد يعدل عن هذا الخطأ. وهو يكره هذا الطلاق؛ لأنه يحب ~~صهره حبا شديدا؛ فهما يأكلان معا ويتنادمان ويتعلمان معا فنون النضال، وقد أقبل الزوج ~~فتنبئ هنرييت أمها بأنه سيكذب عليها عشر كذبات في خمس دقائق، ولا تكاد الأم تتلقى الفتى حتى ~~يبدأ في كذباته وهو يكذب وزوجه تحصي عليه في أذن أمها؛ يزعم أنه سعيد بلقاء حمويه، وأنه ~~كان يريد أن يزورهما الساعة لولا ... فتهمس هنرييت في أذن أمها: الكذبة الأولى. وما يزال ~~يكذب وتحصي حتى يبلغ العشر، فلا تتمالك هنرييت أن تقول بصوت بصوت عال: العاشرة. فيسألها ~~زوجها: ماذا تقولين؟ تجيب: لاشيء! # ثم يخلو الرجلان، فيأخذ الشيخ في لوم صهره وتأنيبه، وهو يرى أن خيانة الزوج إثم، ولكن ~~الرجل قد يضطر إليه، وإذن فيجب عليه أن يتحفظ ويحتاط حتى لا تجد امرأته عليه سبيلا، فليس ~~الإثم حقا في الخيانة، وإنما هو في الألم الذي تجده الزوج حين تشعر أن زوجها قد خانها، ~~وهو نفسه قد تحفظ واحتاط، فخان زوجه أثناء ثلاثين سنة دون أن تعلم ودون أن تشقى ودون أن ~~يحتاج هو إلى الاستعطاف أو الاعتذار، ثم يذكر لصهره أمر امرأة تعنيه وهي زوج مجلد الكتب ~~الذي يجلد له كتبه، خاصمت زوجها وتريد الطلاق، ولكنها تجهل القانون، وقد وعدها أن يجد لها ~~محاميا يعينها، ونفهم من هذا الحديث أن الشيخ يحب هذه المرأة البائسة، وقد قبل صهره أن ~~يعنى بأمرها، فسر الشيخ، ووعده بأن يزيل ما بينه وبين زوجه من الخلاف. وتقبل امرأة ~~المجلد واسمها «أستيل»، فإذا جمال وسذاجة وخفة وروح، وإذا هي مدينة للشيخ بكل شيء، تحسب أن ~~الرجل يحسن إليها ابتغاء مرضاة الله وتشكر له ذلك، ويألم الشيخ لهذا، ولكنه يخفي ألمه، ~~فإذا خلت إلى الصهر أخذت تقص عليه أمرها في سذاجة ودعابة لم تلبثا أن تفتناه، فإذا هو ~~ميال إليها مشغوف بها، ولكنه يجاهد نفسه ويمانعها، يريد ms031 ألا يضيف خيانة إلى خيانة، ~~ولكن هذه المرأة جميلة فتانة، والرجل ضعيف لا إرادة له، وانظر إليها تقص عليه في وداعة ~~وسذاجة أنها ذهبت إلى العرافة فنظرت في يدها، وأنبأتها بأن في يدها خطا يدل على أن ~~زوجها سيخونها، وكانت لا تصدق ذلك، ولكنها اضطرت إلى تصديقه، وهي تعرض يدها على المحامي ~~وتدله على هذا الخط، وقد أخذ المحامي يدها وأخذ ينظر إلى الخط، لكن هذه اليد لطيفة، فهو لا ~~يستطيع أن يتركها، وإذا هو يداعب المرأة، وإذا المرأة تقبل دعابته، وإذا هو يعرض عليها أن ~~تكون له خدنا فتقبل مبتهجة. # ويدخل الشيخ فلا تلبث المرأة أن تنبئه في سذاجة أيضا بما كان بينها وبين المحامي من ~~اتفاق وتنصرف. والشيخ مغضب محنق يوجه إلى صهره مر القول! ألم يكن منذ حين يتوسل إلى ابنته ~~في أن ترضى وتعدل عن الطلاق! كان هو يفعل هذا وكان صهره يدبر خيانة أخرى، ونحن نفهم أن ~~الشيخ لا يغضب لخيانة ابنته، وإنما يغضب لهذا العدوان الذي حرمه صاحبته، وتقبل هنرييت وقد ~~رفضت الصلح وأصرت على الطلاق، فيكون بينها وبين زوجها حوار بديع، ويستعطفها ويعتذر إليها ~~فلا تعطف ولا تقبل عذرا، وهو صادق في اعتذاره؛ فهو لا يخون امرأته عن عزيمة وإصرار، ~~وإنما يضعف أحيانا، ويتورط أحيانا، ويخشى أن يتهم بالجفوة والغلظة أحيانا أخرى، فيأتي ما ~~يأتي من الإثم، وهو يريد أن يمنع زوجه من ترك البيت، ولكن امرأته صادقة العزم على الرحيل، ~~وقد أمرت خادمها بالاستعداد له، وأقبل أبواها فهي تنبئهما بذلك، وإذا الزائرة التي رأيناها ~~في أول الفصل قد عادت مبتهجة تنبئ بأنها زارت فلانة فعرفت عزمها على الطلاق أيضا، فتقول ~~هنرييت: وخبر ثالث تستطيعين أن تذيعيه هذا المساء؛ وهو أني أيضا قد اعتزمت الطلاق. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فنحن في أحد المطاعم العامة التي يختلف إليها أهل الثراء والترف، ~~والمطعم مزدحم بالذين يريدون أن يشهدوا التمثيل، فهم يطعمون بالقرب من الملاعب، ومن بين ~~هؤلاء الناس «موبران» ومعه زوج المجلد التي اتخذها خليلة ms032 له في الفصل الأول، وقد تم ~~الطلاق بينه وبين هنرييت منذ عشرة أشهر، وهو يتحدث إلى صاحبته، ولكنها كئيبة ضيقة الصدر ~~تجيبه في عنف وغلظة، فإذا أقبل الخادم يسألهما عما يريدان أجابت هي أنها لا تريد شيئا ولا ~~تشتهي الطعام، ولكن صاحبها لا يكاد يطلب إلى الخادم لونا من الألوان حتى تستزيد من هذا ~~اللون، ولا يكاد يفرغ من طلبه حتى تضيف إليه ألوانا أخرى، وهي مع ذلك لا تريد شيئا ولا ~~تشتهي الطعام، فإذا أقبلت الألوان أكلت وأسرفت في الأكل، ولكنها ليست جائعة ولا مشتهية ~~للطعام! وهي في أثناء هذا كله تتحدث إلى صاحبها فتثقل عليه وتسوءه، وكان هذا الرجل لا ~~يستطيع أن يرضيها في شيء، ولكنا نفهم من هذا الحديث أن سلطانها عليه عظيم، وأنها استطاعت ~~أن تحول بينه وبين مرضه، فلم يخنها مرة واحدة في عشرة أشهر، وهما كذلك إذ تقبل هنرييت ومعها ~~أبواها يريدون أن يطعموا ويذهبوا إلى دار التمثيل، وما هي إلا أن تراهم «أستيل» فتنبئ ~~صاحبها، فإذا هو مضطرب، ولست أستطيع أن أصف لك الحركات المضحكة التي يأتيانها ليتبينا هؤلاء ~~المقبلين دون أن يظهر منهما ذلك. # وقد جلس القوم، وما هي إلا أن عرفوا مكان موبران وصاحبته، فأما الأبوان فاضطربا، وأما ~~هنرييت فابتسمت لأنها لا تكره زوجها القديم، وإنما ترى أن الحياة معه لا تلائمها وقد ~~افترقا، فليس ما يمنع من أن يلتقيا كما يلتقي الأصدقاء، وما هي إلا أن تبودلت التحية بين ~~الفريقين. # ولكن رجلا آخر يقبل وهو «لوهوتوا» الذي رأيناه في الفصل الأول وعرفنا أنه يحب هنرييت، ~~وما زال يحبها، فلما كان الطلاق استأنف الأمل وخطب هنرييت فقبلت الخطبة، فإذا أقبل ورأى ~~الزوج القديم غاظه ذلك، فهو محنق، له ألفاظ وحركات تضحك، ولكن هنرييت لا تحفل بألفاظه ولا ~~حركاته وإنما تضحك، فإذا رأت إلحاحه غضبت وكلفته أمرا فينصرف له، وقد انصرفت كذلك «أستيل» ~~فانضمت إلى نفر من أصحابها في المطعم، واتصل الحديث بين هنرييت وأبويها وزوجها القديم؛ لأن ~~الخادم أخطأ فدفع إلى ms033 الأب حساب الزوج وإلى الزوج حساب الأب. اتصل الحديث فانتقل الزوج إلى ~~مائدة الأسرة وجلس يشاربهم ويحادثهم، ثم يعود «لوهوتوا» فلا يزيده ذلك إلا غيظا، فتشفق ~~عليه المرأتان وتنصرفان معه إلى الملعب ويبقى الشيخ لحظة على أن يلحق بهم بعد أن يتم ~~الحديث، ولكنه لا يلحق بهم، فقد أخذ يذكر الأيام الأولى، وانضمت إليهما «أستيل» فنسي زوجه ~~وابنته وخطيبها وقضى الليل في لهو وعبث. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فنحن في بيت الأب في الساعة الرابعة بعد الظهر، وهو متعب يتحدث ~~إلى أستاذه في السلاح بما أنفق فيه ليله من لهو، فإذا أقبلت زوجه - ولم تكن رأته منذ المطعم ~~- أنبأها بأنه أمضى الليل في أمر هام سيغل عليه أرباحا كثيرة، فتجيبه بأنها لا تريد أن ~~تعلم من أمره شيئا وإنما أقبلت تسأله أيريد الشاي. ونفهم من حديثه مع امرأته أنه يريد أن ~~يصلح بين ابنته وزوجها القديم، وهو يفكر في ذلك ويلتمس له الحيلة، فتحاول زوجه أن تصرفه عن ~~هذا، أليس الطلاق قد تم؟! أليست ابنتهما تريد أن تستأنف حياتها مع رجل آخر؟! # ولكن الشيخ يحب صهره القديم، ويكره صهره الجديد، ويرى أن ابنته لن تكون سعيدة معه، وهو ~~في حقيقة الأمر لا يحب إلا نفسه، ولا يريد إلا أن يصل إلى «أستيل»، وتقبل هنرييت فتتحدث ~~إلى أمها، فإذا هي مضطربة مترددة، تحب زوجها القديم؛ لأنه شاب جميل مبتهج فيه نشاط وخفة، ~~وتحب خطيبها؛ لأنه رجل جد وثقة ووفاء تستطيع المرأة أن تطمئن إليه، ولو أنها خيرت لاختارت ~~أن تقضي النهار مع خطيبها والليل مع زوجها القديم. تسخر منها أمها لأنها تطلب محالا، وليس ~~للمرأة مطمع في السعادة الكاملة، وإنما الخير في أن تعتزم أمرا وتمضي فيه. # ثم تنصرف المرأتان، ويستعد الشيخ لدرسه، وإذا صهره القديم قد أقبل، فيتلقاه فرحا ~~مسرورا، واستأنفا ما كانا قد تعودا من نضال وحديث، حتى إذا فرغا من التمرين أشار الشيخ ~~على صهره أن يذهب إلى الحمام كما كان قد تعود، فيقبل بعد تردد ، ولا يكاد ms034 يستخفي حتى تأتي ~~هنرييت تحمل الشاي إلى أبيها، وهي تحدثه إذ يظهر زوجها القديم، ويحتال الشيخ في الانصراف، ~~فيخلوان ويتذكران أيامهما الأولى، فإذا هي تحب زوجها، وإذا زوجها قد بدأ يحبها الآن، وما ~~يزالان يمضيان في الحديث حتى ينتهيا إلى الاضطراب والتأثر، وإذا هو يجذبها إليه، وإذا هي ~~تنجذب، ولكنها تملك نفسها في اللحظة الأخيرة فتوسعه لوما وتأنيبا، وتعلن إليه أن ليس إلى ~~استئناف الحياة معه من سبيل، فيخرج محزونا وقد أعلن إليها أنه يألم لهذا الفراق حقا، ولا ~~يكاد يخرج حتى تقول هي: ومن سوء الحظ أني سأقترن بالآخر! ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع، فنحن في بيت الخطيب وهو يقرأ رسالة وصلت إليه من «أستيل» تنبئه ~~فيها بأنها رأته يوم كذا في المطعم، وتريد أن تستشيره في أمر هام ستراه بعد ساعة، وهي تأمل ~~أن يلقاها، يدهش لهذا الكتاب، ولكن الزوج القديم قد أقبل يزوره، فيسأله: أحقا أنك ستتزوج ~~هنرييت؟ ~~- نعم. ~~- فأنا ألح عليك في ألا تفعل! ~~- ليس هذا من حقك! ~~- بلى! لأني أحبها! ~~- وأنا أيضا أحبها! ~~- كلا! أنت لا تحبها، ولا تستطيع أن تحبها، بل لا تستطيع أن تحب! ~~- ولماذا؟ ~~- لأنك رجل منظم منصرف إلى الدرس، أنفقت حياتك كلها في الجد، لم تقترف إثما ولم تبدد ~~ثروتك ولم تحزن أهلك، ومن لم يفعل شيئا من هذا فليس خليقا أن يحب. ~~- ولكني سأتزوجها! ~~- وإذن فأنا أعلن إليك أني سأنفق حياتي في طلبها والإلحاح عليها بحبي! # ثم يغضبان، وينصرف الزوج القديم، وتأتي هنرييت فرحة مبتهجة تعرض على خطيبها ألوان الأثاث ~~الذي يتخذانه لبيتهما الجديد، ولكنه يلقاها ثائرا يغلي، ويعلن إليها أنه يحبها. ~~- أنا أعلم ذلك. ~~- كلا إني أحبك حبا لا تعلمينه، حب من لم ينفق حياته في الدرس بل في اللهو، سأقترف ~~الآثام وسأبدد ثروتي، وسأحزن أهلي، سأحبك كما ينبغي أن أحبك. ~~- ولكنك تعرض علي ما لا أريد، فلم أقبل خطبتك إلا لأنك هادئ مطمئن جاد ~~منظم. ~~- ليس هذا هو الحب، أتحبينني أنت؟ ~~- إن لم أكن أحبك فأنا أميل إليك. ~~- ليس ms035 هذا هو الحب! ~~- وأنا أجلك. ~~- ليس هذا هو الحب! ~~- ويسعدني أن أكون لك زوجا. ~~- ليس هذا هو الحب! # فتنبئه بأنها تعرض عليه ما تملك، فإن قبله فذاك وإلا فلا زواج، فيقبل، ويتفقان على لون ~~الأثاث، وتنصرف هنرييت، وتقبل: «أستيل» فيلقاها في جلال ووقار، ويسألها عن أمرها، فتقص ~~عليه ما كان من خيانة زوجها إياها، ومن حياتها مع زوج هنرييت، وتنبئه في سذاجة وطفولة أنها ~~قد قطعت الصلة مع خليلها، وأنه يعرض عليها مالا، فهي تريد أن تستشيره أتقبل هذا المال أم ~~ترفضه، فإذا ظهر عليه الارتباك أنبأته بأنها ذهبت إلى العرافة وعرضت عليها يدها فأنبأتها ~~العرافة بأنها ستتزوج رجلا من أهل القضاء، وسيكون لها منه ثلاثة أولاد، ثم قدمت إليه يدها ~~اللطيفة لتدله على الخط، فإذا نظر في الخط لم يسهل عليه أن يرد هذه اليد، ولا ينبغي أن ننسى ~~أنه يريد أن يأثم، وأن يبدد ثروته، وأن يحزن أهله. وتحس المرأة منه ذلك، فتعلن إليه أنها ~~تحبه، وأنها تريد أن تقبله، والرجل مضطرب أمام هذا الهجوم الغريب، وإذا المرأة قد وثبت ~~إليه فقبلته وجلست على فخذيه، وفتح الباب فإذا هنرييت! أما «أستيل» فنهضت وانصرفت مسرعة، ~~ولا أحدثك عن غضب هنرييت، وما يصيبها من اليأس وخيبة الأمل. ويحاول صاحبها أن يعتذر، فإذا ~~هو يعتذر بنفس ما كان يعتذر به زوجها القديم من أنه تورط وكره أن يوصف بالجفوة ~~والغلظة. ~~- إذن فكلكم سواء، وإذا كان هذا شأنك أنت فليس لي أن ألوم الآن زوجي القديم، علي أن ~~أعتذر إليه، وهنا يقبل الزوج القديم فيلقاه الخطيب مغضبا. هو يقول: تعال فإنها تريد أن ~~تعتذر إليك. ويهم بالانصراف فيهمس الزوج القديم في أذنه: إن أستيل تنتظرك في العربة. ينصرف ~~ويجثو الزوج القديم أمام هنرييت ضارعا مستعطفا وقد عفت عنه. # وهما يعتنقان إذ يدخل الأبوان؛ أما الشيخ فمبتهج لأنه قد ظفر بما كان يريد، وأما الأم ~~فمضطربة أمام هذا الأمر الواقع: أملائم هو للأخلاق أم غير ملائم؟ ولكن ما أسرع ما تنتهي ~~إلى الجواب! ms036 هي محافظة مؤمنة لا تعترف بالطلاق، وإذن فما زالا أمام الله زوجين. # يونيو سنة 1924 # | السلام الحي # قصة روائية بقلم «بول رينيه» # تلك قصة كتبت بعد الحرب الكبرى، ونشرت على الناس في هذا العام، ولكل ما كتب بعد الحرب ~~الكبرى طابع يمتاز به؛ ذلك هو اضطراب الذهن وعدم استقراره، ومهما يكن الكاتب أو المفن ~~مؤمنا بالنظرية التي يريد إبرازها للناس فهو عرضة دائما لأن تغشى على فكرته الحين بعد ~~الحين سحابة ولو شفافة، تبدو من خلالها هذه الحرب التي لم تضع بعد أوزارها، والتي لا تزال ~~مستعرة الأوار بين الفكرة والعاطفة والشهوة، وإن شئت فقل بين الإيمان والتجريد والعلم، وذلك ~~طبيعي بعد إذ قلبت الحرب النظم الاجتماعية، فأفسدت بمقدار عظيم فوارق الطبقات القديمة، ~~بما أغنت من فقراء وأفقرت من أغنياء، ورفعت من وضيعين ووضعت من ذوي الرفعة، وبما غلبت به ~~قوة الساعد على حكمة العقل، وترهات الساسة على منطق الحكماء. # ولهذا الانقلاب الاجتماعي أثره في الفن والأدب، وله كذلك أثره في العلم والفلسفة، فأنت ~~قل أن تجد اليوم الحكمة المطمئنة إلى ما أثبت العلم وحده، وقل أن تجد الفن أو الأدب ~~الصادر عن فكرة عميقة ممتلئة بها نفس الكاتب أو المفن، بل يغلب أن تختلط بحكمة العالم ~~مظاهر التجريد أو الإيمان، وأن تضطرب في نفس المفن فكرته فتختلط بأكثر من نقيض من ~~نقائضها؛ ولذلك قل أن تجد اليوم في منشآت العلم والأدب والفن ذلك الصفاء الذي كنت تجده ~~قبل الحرب، وإن كنت قد تجد فيها أكداسا من الثروة الذهنية التي لم تعرف من قبل ثم لم ~~تستقر بعد إلى نظام. # وقصة «السلام الحي» خاضعة لهذه الظاهرة كل الخضوع، وإن يك كاتبها قد جاهد نفسه، فنزع ~~بمقدار إلى ذلك النوع من القصص البسيكولوجية التي تصف حياة نفس وتحلل مشاعرها وآثار الحياة ~~فيها وآثارها هي في الحياة. # هذا النوع من القصص البسيكولوجية يجب لكماله الفني أن يكون غير ذاتي، بأن يضع الكاتب نفسه ~~من النفس التي يحللها موضع العالم من أي مظهر ms037 حيوي أو غير حيوي، فيلاحظ ويسجل مشاهداته عنه، ~~وقد حاول «رينيه» أن يقف هذا الموقف، لكنه - وهو متأثر بفكرة خاصة هي: أن لا سلام إلا في ~~حمى الله والدين - قد جعل من غاياته إثبات هذه الفكرة في قصته، بل هو قد جعل هذه الفكرة ~~غاية قصته. وقد اضطر لذلك أن يكون ذاتيا، فاضطرب وأخفى اضطرابه تحت وابل من الألفاظ، ~~ويخيل إلينا أن هذه الفكرة ليست ثابتة في غور نفسه، بل هي فكرة طارئة عليه أو غير متمكنة ~~منه؛ لأنه - برغم كثير من الملاحظات الدقيقة والمشاهد الأخاذة بالنفس والأوصاف الحية التي ~~تتجلى في كثير من مواضع قصته - لم ينجح في بلوغ غايته، ويكفيك مقنعا بهذا أنه لم يصل ببطلة ~~روايته إلى حمى الله إلا بعد أن كدس فوق رأسها كل صور الأهوال والأرزاء، وبعد أن كرهت كل ~~صور الحياة، ثم لم يفتح عليها بشيء من السعادة، و«من السلام الحي» إلا في اللحظة التي كانت ~~تلفظ فيها آخر أنفاسها، حين اشتملتها الغابة جوف الليل وغطتها الثلوج التي عاقتها عن الحركة ~~ومنعت عليها أن تبلغ حمى الحياة. ~~••• # وبطلة هذه الرواية هي لورنس داسلييه، وهي فتاة لم تؤت حظا من الجمال، وإن كانت ذات ذكاء ~~وعلم، وكانت تقيم في فونتنبلو مع أبيها بول داسلييه ومع ابنة عم لها تدعى أرسيل، وكان ~~أبوها ضابطا من ضباط الجيش العظام، ولد في سيدان، فظلت ذكرى حرب السبعين وما أصاب فرنسا ~~بسببها من ذلة حاضرة في ذهنه آخذة بنفسه مالكة عليه كل عواطفه؛ لذلك كان أكبر أمله أن ~~يرى يوما تنتقم فيه فرنسا لنفسها، وتمحو عن جبينها أثر الذلة وتسترد الألزاس واللورين، وأن ~~يكون في ذلك اليوم في مقدمة العاملين لمجد وطنه ولسعادته. # وكان للورنس أخ هو أندريه داسلييه، وكان أكبر هم بول أن يجعل من هذا الابن ضابطا ~~عظيما مثله؛ كي يقف إلى جانبه يوم الصدام، أو يقف موقفه إذا لم ير بعينه هو ذلك اليوم. لكن ~~أندريه لم يكد يتم دراسته حتى عكف على الأدب والشعر، ms038 ولم يبد أي ميل لإنفاق حياته بين ~~صفوف الجيش، فغضب الأب لهذا، وانبت ما بين الرجلين، وأقام أندريه في باريس ينفق مما ~~تركته له أمه ومما كان يفيده من عمله وصناعته، وتركت هذه القطيعة من سوء الأثر في نفس الأب ~~ما همه وأحزنه، وزاد هذا الحزن في حدة طبعه، فكان شديدا مع ابنته، وكانت لورنس تلقى ~~استبداده بشيء غير قليل من الثورة عليه، ولم تكن تجد من هذا الاستبداد ملجأ إلا في القراءة ~~وفي مشاهد الطبيعة في غابة فونتنبلو، وفي وساطة ابنة عمها وساطة كان مقضيا عليها بالإخفاق ~~أغلب الأحيان. # وإنهم يوما في المنزل إذ جاء خطاب من أندريه يبلغ أباه عزمه على التزوج من باريسية ذات ~~أهل ومال، ويدعوه ويدعو أخته لحضور الزفاف. فبدا على الرجل شيء من الغضاضة، لكنه طلب إلى ~~ابنته أن تذهب فأبت، فأمر فاختلفا، وخرجت الفتاة كئيبة مغضبة، وأرادت «أرسيل» أن تجد ~~الوسيلة لتزيل ما بينهما من غضب فذهبت مساعيها هباء، وزاد بلورنس الهم، ولم يكن لها أن ~~تتعزى عن همها بمخالطة الناس ومعاشرتهم؛ فقد ورثت من أبيها الميل عنهم والزهد فيهم، وزادها ~~حبها القراءة حبا للوحدة وبعدا عن الناس واعتدادا بنفسها. لكن النفس الإنسانية ضعيفة ~~مهما تبلغ من القوة، وهي بحاجة دائما إلى عزاء تجده في الناس وفي مخالطتهم؛ لتتعزى عن ~~ألمها بآلامهم وعن همها بمصائبهم. فإن لم تجد في ذلك ما يكفيها كان لها من الاشتغال بتافه ~~شئونهم ما تنسى معه ذاتها حينا، ونسيان الذات خير طب لدواء النفس الكليم. # لم يكن للورنس في فونتنبلو أصدقاء غير مدام هلر وابنتها أوديت، وكانت تحب أمها حب عبادة، ~~ولقد كانت ليتسيا هلر ذات جمال بارع، وحديث فتان، وسحر يخضع له كل طيب القلب وكل ذي غفلة ~~وكل رغوب في الجمال. وبلغ من سحرها أن انتحر أحد ضباط الجزائر هياما بها، فكان ذلك سببا ~~في نقل زوجها إلى فونتنبلو. وكانت ابنتها أوديت ذات جمال، لكنها كانت فانية الشخصية في ~~أمها، فلم تكن تلبس إلا كما تلبس، ms039 أو تتزين إلا كما تتزين؛ فأضاع ذلك كل ما لجمالها من ثمن. ~~لكنها كانت لا تزال طفلة غضة لما يجئ دورها لتكون فتنة الناظرين. # وعرفت لورنس «أوديت» في المدرسة، ومنها عرفت أمها، وعلقتها وهامت بها هيام كل فتاة ~~بعيدة عن الناس ولم تؤت حظا من الجمال ولم يتملقها أحد ببارعة ذات دل وسحر، ولم يخفف من ~~هيامها ما ألفت «ليتسيا» عليه من خفة وطيش لا اتصال بينهما وبين رزانتها وعلمها، وهل الحب ~~إلا تكامل؟! فكفى لورنس ما عندها من رزانة وعلم وما في بيتها من قطوب وقسوة، لتجد في جمال ~~ليتسيا وخفتها وطيشها وحبها الحياة ومسراتها موضعا لهيام لا يعدله هيام. # وبعد سنوات أربع من تعارف الفتاة والسيدة كانت دعوة أندريه أباه وأخته لحضور حفل زواجه، ~~وكان الحوار الحاد بين الأب وابنته، وكان التجاء لورنس للغابة تحتمي فيها ثم عودها إلى منزل ~~مدام هلر، وهناك بقيت زمنا تنتظر مقابلة صديقتها؛ لأنها علمت أن صديقا جديدا - هو الكونت ~~دسران - قد ألف الحضور إلى هذا المنزل واطمأن إلى صاحبته. # ولم يطل أمد النزاع بين الأب وابنته فقد حضر أندريه ومعه عروسه وابنة عم لها إلى منزل ~~أبيه، واستقبلهم الكولونيل في فتور بادئ الرأي، لكنه لم يلبث طويلا حتى شعر في نفسه بعطف ~~على عروس ابنه، أما لورنس فقد ألفت جوليان وابنة عمها على غير ما يسيغه ذوقها؛ ألفتها من ~~هذا الطراز الرقيق الحواشي المهذب الألفاظ الدائم الابتسام المعد بتربيته ليعيش مع سواه ~~لسواه، لا مع نفسه ولا لنفسه، ووجدت الفتاة المنجاة من هم المقام بين جوليان وابنة عمها ~~في الغابات وفي بيت مدام هلر. لكن البارعة ليتسيا، لكن هذه الجميلة الجذابة الهيئة المملوءة ~~حبا وقسوة، كانت قد بدأت تشغل بحب جديد اتصل بينها وبين الكونت دسران، وحرصت على هذا ~~الحب، فجذبت محبوبها إليها بما كانت تقيمه من حفلات أبعدت عنها لورنس، ثم استبدلت بهذه ~~الحفلات خلوات كانت تخرج فيها مع حبيبها، فإذا عادت ذهبت إلى منزل داسلييه فقضت مع صديقتها ~~الشابة زمنا ms040 ثم تركتها قائلة: «إذا رأيت أوديت في الدرس غدا يا عزيزتي فأدخلي في روعها ~~أني أمضيت يومي كله من أوله إلى آخره في بيتكم.» # ولم تقف لورنس على حقيقة أمر هذه المرأة. لكن شكوكا بدأت تدب إلى نفسها: «ما بال هذه ~~الفاتنة لنفسها وللناس لا تستقر على حال!» وكان من أثر هذه الشكوك أن جاهدت لكي لا ترى ~~أوديت؛ حتى لا تكذب عليها في شأن أمها. لكن هذه الأم أعفتها من هذا العناء إذ انقطعت عن ~~زيارتها، ثم ما لبثت الفتاة أن علمت بعد أيام أن ليتسيا الجميلة قد فرت مع الكونت دسران، ~~بعدما انتشر خبر حبهما في فونتنبلو وتناقلته الألسن وامتلأت به الآذان. # وقع هذا الخبر على لورنس فأثار ألمها، وبلغ منها الهم، وهدها الحزن، وبكت على حب حسبته ~~عزاء عن الحياة فولى بين أذرع حب ألذ وأشهى. وجعلت الفتاة تتلمس للفاتنة ليتسيا ~~المعاذير عن فعلتها، والحب أعمى يزيده البعد وتزيده الغيرة عمى واضطرابا. لكن للحب دواء، ~~هو الدواء لكل ألم، ولكل حزن ولكل لوعة، هو البلسم المبرئ والطب الشافي لكل جروح العاطفة؛ ~~هو النسيان. # وعوض القدر لورنس أوديت عن أمها، وكانت الفتاة قد كملت شبابا وجمالا وزادها ما ~~أصابها في أمها رزانة وكمالا. # لكن لورنس لم تكن قد خلقت في رأي مؤلف الرواية لتعرف صفاء في العيش أو نعمة في الحياة، ~~فلم تك محنة تمر إلا لتعقبها محنة، ولم يك هم ينقضي إلا ليظهر في أثره هم جديد. لم ~~يكد أبوها يطمئن إلى نفسه بعد سفر ابنه حتى كان ذات يوم مع ضباط من أمثاله يتذاكرون ما أصاب ~~فرنسا سنة 1870، فرجا بول داسلييه أن تقوم حرب تمحو بها فرنسا ذلة الهزيمة وتسترد بها ~~الألزاس واللورين، فسخر الضابط دوران من رجائه وقال هازئا: «ليس من حقنا نحن رجال الحرب أن ~~نرجو الحرب إلا أن يكون من حق رجال المطافئ أن يرجوا شبوب النيران لإطفائها.» # وبهت داسلييه لما لقيته كلمة دوران من إعجاب الزملاء جميعا، لكنه لم يسلم لهذا الضابط ms041 ~~الشاب، الذي كان يوما في الصفوف تحت إمرته ثم وصل من طريق الدسائس إلى أن صار مساويا له. ~~فلما كانت أيام بعد هذا الحوار كان حوار آخر انتهى داسلييه فيه بأن أهان دوران قائلا: ~~«خير لك أن تحطم سيفك، فهو لن يحدث ساعة الخطر إلا شرا ما دام قلبك لا يحتوي غير الجبن ~~والهزيمة.» # وأسف داسلييه لهذه الحدة من جانبه، لكن لا بد مما ليس منه بد؛ لا بد من المبارزة بين ~~الضابطين، لا بد أن يتقدم داسلييه، الذي كان يرجو في ابنه رجلا يخدم فرنسا، ليقتل أو ليجرح ~~فرنسيا يستطيع أن يخدم فرنسا، وتبارز الضابطان وتمت الغلبة لداسلييه وجرح دوران، لكن ~~داسلييه خر بعد ذلك مغشيا عليه وأصابه ذهول فحمى ظل يهذي على أثرها ستة أيام ~~تباعا، وظلت لورنس إلى جانبه تعاني الهم والألم وترقب الحين بعد الحين ما يخبئه القدر ~~من مصاب لها جديد. # وعاودت الصحة داسلييه وعاد إلى عمله. لكن دوران لم يغفر لخصمه انتصاره عليه، وللنفوس ~~الدنيئة غرام بالانتقام الدنيء، فروج بين الناس أن ما أصاب داسلييه إنما هو مظاهر الجنون ~~التي توشك أن تصيبه الحين بعد الحين، وأنه لم يجرح في مبارزة ولكن في نوبة، ولم يقف بهذه ~~الأوهام عند فونتنبلو، بل أراد أن يستخدمها للقضاء على داسلييه كضابط، فاستخدم دسائسه في ~~وزارة الحربية، وكادت تثمر وتصل به إلى ما يريد، وداسلييه! داسلييه الشهم الشجاع الطيب ~~النفس والقلب، لم يكن له هم إلا الندم على ما فرط منه، وإلا التفكير في التوبة ~~والتكفير. # وكان لداسلييه في باريس صديق قديم هو الضابط آريل، وكان كداسلييه شجاعا طيب النفس ~~والقلب، وكان على الضد من داسلييه ممتلئ النفس من الإيمان بالله، فلما وقف على ما يروج ~~حول صديقه في الوزارة من دسائس عمل لمحاربتها، ثم ذهب إلى فونتنبلو وقابل لورنس وتلطف في ~~إخبارها بما يهدد مركز أبيها من خطر، وأنهى إليها أن خير ما يفعلونه إقناع بول بترك العمل ~~ستة أشهر، ولكي لا يحس الرجل شيئا وكلوا الأمر ms042 إلى طبيبه المعالج الذي نصح له بعد رجائهم ~~بهذه الراحة، فتردد داسلييه كثيرا، ثم انتهى بالموافقة وترك عمله حزنان أسفا. # وعمل الأسى في نفس هذا الضابط الشهم لتركه العمل، فانحدرت صحته وساورته الهموم، وانعكست ~~آية همه على نفس ابنته، فبدأت تضمحل وبدأ يدب إلى شبابها وصحتها الانحلال، وكان آريل يتردد ~~عليهم منذ بدء هذه المحنة مرة كل خمسة عشر يوما، وكان يجاهد خلال ذلك يريد أن يفسد دسائس ~~دوران وصحبه، وكاد يوفق لولا أن سقطت الوزارة وجاء في الحربية وزير اصطفى دوران كاتم سر ~~له، فعادت الدسائس. ولم يكن إلا أن يجدد داسلييه راحته سنة من جديد وأن يترك هو وأهله ~~فونتنبلو إلى باريس، آملين أن يكون لجوها ولمجتمعاتها من الأثر في لورنس ما يعيد إليها ~~شيئا من صحتها المنحدرة. # واتصل ما بينهم وبين أندريه وزوجه، وعالج الجميع تسلية لورنس. لكن الفتاة كانت قوية ~~النفس، والنفس القوية إذا لم تتمكن من إخضاع الجماعة لحكمها ازدادت شعورا بين الجماعة ~~بالوحدة، وكان ذلك حال الفتاة وحال أبيها، سرتهم باريس ومناظرها وجماعاتها حينا، ثم لم ~~يكد يتم بينهم وبين باريس التعارف حتى بدأ عهد التقاطع والتنابذ وكان بول داسلييه أسرع من ~~ابنته إلى هجرة الناس وإلى الاحتماء بالانقطاع وبالوحدة. وشعر بذلك أصحابه، فلم يروا إلا أن ~~تتزوج لورنس حتى إذا عدا القدر على أبيها كان لها من زوجها أنيس يعينها في وعثاء ~~الحياة. # وأخذت جوليان نفسها بتزويج أخت زوجها، فخرجت بلورنس من عزلتها إلى الصالونات والمجتمعات. ~~ولم تجد لورنس بين الطامعين في يدها من الشبان إلا كل فج تافه لا وزن له ولا قيمة، وكل من ~~ليس همه إلا ما لها من بعض الثروة، فأما ذوو الرأي فوجدوا في لورنس شخصا قوي النفس ~~مستعدا للنضال، والرجل الطموح في الحياة لا يعنيه بعد أن يناضل الناس إذا اطمأن إلى أهله ~~أن يجد نضالا جديدا في زوج ذات شخصية قوية؛ لذلك طال بجوليان الأمل، وطول الأمل مدعاة ~~لليأس، فاستشارت جوليان رجلا من رجال المال كان ms043 يقوم بتدبير ثروتها وثروة زوجها، فيرد لهم ~~من أرباحها ما يغنيهم عن التفكير للغد. # وكان مسيو هيكن هذا رجلا جاوز الخمسين، على جانب من قبح الوجه ورجاحة العقل ومرونة ~~الضمير، طويل القامة، بارز العظام، ليس فيه شيء يحب، ولشد ما عجبت جوليان أن أبدى هذا ~~العجوز لها ميلا للورنس وأن طلب يدها. حقا أن لكل ساقطة لاقطة لورنس يحبها هيكن! لكن ~~عجب جوليان لم يطل، وأقنعت الفتاة بقبول التزوج من هذا الصديق، وقبلت لورنس على أن يكون ~~صديقا، وانتهى بول داسلييه بالاقتناع وتم الزواج. # وذهب هيكن ولورنس يقضيان شهر العسل في الضواحي، وخيل إلى هذا الزوج المنحدر إلى غاية ~~الحياة أن به بقية شباب، فأراد زوجه! فردته في قسوة، وظلت طول ليلها لم يغمض لها جفن، ~~وصارحته أول ما طلع النهار أنهما تعاقدا على غير تفاهم، فخير أن ينحل عقدهما في غير ضجة. ~~لكن رجل المال أظهر في مودة أنه نازل عند ما تريد زوجه، وكذلك كان. وعادا إلى باريس فكانا ~~على مقامهما معا منفصلين تمام الانفصال. # أما بول داسلييه فقد تعزى بزواج ابنته عن هم الحياة زمنا. لكن عزاءه لم يطل، فقد ~~أسلمته الوحدة إلى كل هموم الفراغ، وامتلأ خياله بذلك الماضي حين كان رجلا نشيطا قويا ~~قديرا على خدمة فرنسا، وبما صار إليه اليوم من عجز واستسلام للأمراض التي لم يكن لها من ~~سبب إلا امتلاء نفسه شعورا بأنه رجل فقد كل قيمة له في الحياة؛ لأن قيمة الرجال عنده إنما ~~توزن بما يؤدونه في الحياة من عمل. وشغل بخياله هذا فكان له منه ألم في النهار وهم ~~بالليل، ومضض في اليقظة وفزع في النوم، ثم لم يجد نفسه منه بمنجاة إلا مذ فكر في ~~الانتحار. # وكانت لورنس تزوره كل يوم، وكانت تشهد تغير حاله وتحدثه لتقف على ما يكنه صدره، فلما أحست ~~ما يدور في خلده جزعت واستحلفته إلا ما عاش من أجلها وحدها، فأقسم الرجل. لكن الفكرة ~~كانت قد ملأت كل وجوده وأخذت عليه مسالك نفسه، ms044 فلم يكن يهتز فيه عصب أو تتحرك فيه عاطفة أو ~~يفتر عن بسمة إلا كانت فكرة الانتحار صاحبة السلطان عليها جميعا. لذلك لم تمض على قسمه ~~ساعات حتى نحر نفسه بموساه أمام المرآة وهو يتزين لاستقبال يوم باسم من أيام الحياة. # واستيقظت لورنس صباح ذلك اليوم باسمة مغتبطة بوعد أبيها. لكن غبطتها كانت قصيرة الأمد، ~~فقد سمعت وهي في حجرة نومها شهيق البكاء وزفيره ينفذان إليها من غرفة مجاورة، فقامت في حذر ~~تسترق السمع، فراعها منظر خادم أبيها منهدة يعلو صدرها ويهبط وقد ابتلت وجنتاها واختنق ~~صوتها، ولم يطل بلورنس الشك، وما لبثت أن استيقنت الأمر فخرت مغشيا عليها، ولما أفاقت ~~وذهبت إلى بيت أبيها رأت جثته الهامدة مضرجة اختلطت بالدم. وجاء من بعدها أخوها وزوجه ~~وقابلاها وألفياها سيئة الحال مضطربة، لم تستطع الذهاب معهم إلى مقبرة العائلة لتشهد ساعة ~~من تلك الساعات التي تختلط فيها الحياة بما بعد الحياة، حين تنزل إلى غيابات الرمس ~~رفات عزيز راحل رحلة رحلة الأبد. # وعادت بعد أداء فرائض الحزن إلى حياتها مع زوجها، فاجتمع عليها في هذه الحياة هم لا ~~هم بعده، وما شأنك بحزين ينقطع عن الناس لينغمس في بطون الكتب، تختلط سطورها أمام نظره، ~~ويظل محدقا بالصحف، مأخوذا بحزنه عن كل ما تحتويه من صورة أو معنى، فإذا كان فيها ما ~~يجذبه فذلك حزن يتجاوب مع حزنه، وأسى يحبب إليه أساه، ودموع عزيزة تجعل دموعه أعز عليه ~~وأثمن عنده، فإذا طوى النسيان حرقة الهم أبقت الذكرى لوعة الشجن، وإذا انقضى عهد الألم ~~واللوعة تجدد على أثره عهد الأمل المفقود والسعادة الذاهبة! # كان لهيكن ذو قرابة اسمه سيريل، وكان شابا ممن يحبون السفر ولهم به علم، وكثيرا ما عرض ~~هذا الزوج المنبوذ أن يحدث بين زوجه وبين هذا الشاب التعارف، فكانت لورنس تعاف ما يعرض، ~~وأغلب الظن أنها كانت تعافه لأنه هو الذي كان يعرضه، فلما باغتها المصاب بفقد أبيها كان ~~«سيريل» وكانت أمه «مدام دكليه» ممن سارعوا إلى لورنس يعزونها. وأحسن ms045 الشاب الشاعر التحدث ~~إلى نفس الشقية بكل ظروف حياتها، حتى لقد شعرت أنه أكثر من أخيها حزنا على أبيها، وأكثر من ~~زوجها توجعا لمصابها. وتردد «سيريل» بعد ذلك عليها، ووجدت في تردده مخففا للوعتها، ~~وأخذت نفسها بالقراءة في كتبها وكتبه، فألفته شابا ذكي النفس عظيم الهمة، وألفته إلى ~~جانب ذلك حلو النادرة رقيقا، فهو لم يكن من صنف زوجها، ولا من صنف أخيها، ولم يكن من صنف ~~هؤلاء الشبان الذين لا يقدرون للمرأة ثروة غير جمالها؛ فاتصل بينهما عطف، وربطت بينهما ~~الصداقة بأوثق رباط. # وظل «سيريل» يزور لورنس، فتجد في زيارته من العزاء ما ينسيها ما بها من هم وألم، وظل ~~يعالج الوصول إلى نفسها كي تتعزى عن مصابها، ولم تكن وسيلته لذلك يسيرة؛ فقد حاول أن يؤثر ~~في هذه المرأة الشابة التي أمضت حياتها ثائرة على كل نظام؛ ليدخلها في حمى الله والدين. ~~وكانت لورنس تستمع إليه؛ لأنها كانت تجد فيه صديقا صادقا، لكنها لم تكن لتسرع السير في ~~الطريق الذي يريد بها أن تسير فيه؛ لأنه لم يكن طريق عقلها ونفسها. # وتوثقت عرى هذه الصداقة، ولم يصرف الشابة عنها صارف، فقد تركها زوجها حرة من كل قيد، ~~ومد لها من حريتها؛ فلم يكن يضن عليها بمال، وليزيدها حرية، جاء إليها يوما فعرض عليها ~~أن تمضي له توكيلا بإدارة أموالها، حتى لا تشغلها هذه الإدارة عن مطالعاتها وكتاباتها، فلم ~~تتردد طويلا، وأمضت التوكيل فرحة بالخلاص من هم كان زوجها يجد الوسيلة لمضايقتها من ~~سبيله. # ولم تمض على ذلك أسابيع، فإذا هيكن قد اختفى، وإذا دائنوه يبحثون عنه، وإذا الصحف تنشر ~~أنه أفلس، وإذا لورنس وسيريل وأمه شأنهم شأن كثيرين ممن وثقوا بهذا الآفاقي، قد ضاعت ~~أموالهم في مضارباته، وإذا هذا التوكيل حيلة أراد بها أن ينجو من مضايقات دائنيه، فذهب بمال ~~زوجه وتركها صفر اليدين. # عالج سيريل حياة الكد، وعالجت لورنس سبل القصد، وباعد ذلك ما بين زيارات الفتى، فلم ~~يهد الشابة فقرها بمقدار ما هدها انقطاع سيريل، ومباعدته ms046 بين زياراته. لكن ضرورات ~~الحياة قاسية، فاضطرت لورنس آخر الأمر أن تقنع بالقليل الذي أبقته صروف الأيام لها من ~~صديقها، مكتفية حين غيابه بتذكره في مراجعة ما كان يقرأ معها أيام النعمة، من النثر ~~ومقاطيع الشعر. # وأعلنت الحرب، فالتحق سيريل بها بعد إذ كان بينه وبين لورنس وداع بدا عليها فيه ما ~~يكنه قلبها من عطف بلغ الحب، وصداقة هي الهوى. وجمع غياب الفتى بين أمه وصديقته، فكانتا ~~تتزاوران، وكانت كل منهما تجد في صاحبتها صورة هذا الواقف في صف القتال، تحت وابل القنابل ~~ترعاه عنايتهما بعد عناية الله، وتجدان في كل كلمة يكتبها لهما ريح الحياة يمد في أملهما ~~إلى أن تجئ منه كلمة جديدة تبعث الحياة إلى الأمل بعد إذ يضطرب، ويرتجف لما يتتابع على ~~مسامع المرأتين من أخبار الموت. # وإن لورنس لفي بيتها يوما، إذ جاءتها من مدام دكليه كلمة، فيها «مات سيريل فاحضري.» ~~ارتجفت يد الشابة، ولم تصدق نظرها، ولم تستطع أن تصور لنفسها موت أملها في الحياة. # وأسرعت إلى الأم، فإذا بيتها تعلوه أمارات الموت، فبقيت إلى جانبها زمنا كانت خلاله تلمح ~~من كلماتها معاني الأمومة التي لم تعرفها صغيرة، وكانت دائمة التفكير في العالم الآخر - ~~الذي طالما وصفه سيريل لها - دائمة الهيام به، والأمل في أن يكون حقا حتى تلقى هناك هذا ~~الصديق الذي سمح لها في حياته القصيرة الأليمة أن تعرف شيئا من معنى السعادة. # لكن مدام دكليه شعرت بصحتها تتداعى تحت أحمال الهم، فرأت أن تهجر باريس وضواحيها إلى وسط ~~فرنسا، حيث الجو صحو والهواء عليل. وهناك في أحد الأديرة وجدت غرفة استأجرتها بقية حياتها، ~~فإذا كان اليوم الذي ودعتها فيه لورنس، ودعت لورنس معها الأمل في الحياة. # أكذلك يكون الناس؟ حتى مدام دكليه التي كانت ترى لورنس فيها أما تحنو عليها لم تحفظ ~~لها عهدا، ولم تذكر كيف أوصاها ابنها بها! ومن قبل مدام دكليه كان الناس جميعا مواضع ألم ~~لورنس. حتى مدام هلر، حتى هذه الجذابة التي فتنتها في صباها ms047 نسيتها، فلم تذكرها عند مصابها ~~إلا بزيارة تافهة، خالية من كل معاني العطف والإشفاق! ألا ما أشد لؤم الناس! # لكن للورنس صديقا لن تنساه؛ هو الطبيعة؛ لذلك ذهبت يوم سفر مدام دكليه إلى فونتنبلو، ~~وانحدرت من محطتها إلى الغابة، وكان يوما ماطرا ممتلئا بالثلوج، فوقفت إلى جانب هاته ~~الأشجار التي عرفتها صديقة البأساء في شبابها، تستعيدها ذكرى الماضي، وتأمل فيها عزاء عما ~~أثقل نفسها من هموم. # وغطت الثلوج الغابة، وانحدرت الشمس إلى المغيب، فعالجت لورنس الطريق فإذا السير عسير، ~~وإذا الظلام يحول دون تعرف المسالك، وإذا الثلج قد كسا كل أثر، وإذا هذه الغابة الصديقة قد ~~تجهمت فأصبحت عدوا لدودا، وإذا الوجود لم يبق فيه من صديق لهذه النفس المعذبة إلا ذكرى ~~«سيريل» هناك في مجاهل الأبدية. # وتحت غطاء من الثلج نامت الشابة، تذكر في احتضارها البطئ هذا اللقاء السعيد في أحضان ~~القدر، فلما أتى عليها الموت، كان قد أتى نفسا مطمئنة، كانت قد عرفت في الساعة الأخيرة أن ~~لا سعادة ولا سلام إلا في حمى الله! ~~••• # هذه قصة السلام الحي، وهذه وقائعها التي سردها المؤلف في أربعمائة صفحة، وهي كما ترى ~~وقائع كثيرة، كلها الهم والحزن تكدس فوق رأس المسكينة لورنس، فلم تعرف خلالها سلاما إلا ~~ساعة فارقت هذا العالم، ولعلك ترى الكاتب إذ نزع فيها إلى نوع القصص البسيكولوجي، قد ~~تخطى كثيرا مما كان يجب لكمال هذا النوع، وربما عدنا لبيان ذلك في فصل آخر. # يوليو سنة 1924 # | القيثارة والجازباند # قصة تمثيلية للكاتبين الفرنسيين «هنري دوفرنوا» و«روبير ديودوني» # وربما كان لنا أن نضع لهذه القصة عنوانا آخر لا يترجم عنوانها الفرنسي ولكنه يوضحه ويجلي ~~معناه؛ وهو «القديم والحديث»، بل ربما كان لنا أن نضع لهذه القصة عنوانا ثالثا يزيد ~~عنوانها الفرنسي وضوحا وجلاء؛ وهو «ابنة باريس وابنة الأقاليم»، فكلا هذين العنوانين صادق، ~~وكلاهما يعطيك فكرة موجزة ولكنها صحيحة من هذه القصة الجيدة قبل أن تقرأها وقبل أن تعبث ~~بنفسك وتأخذ عليك هواك مواقفها المختلفة، ولكني لا يمكنني أن ms048 أدخل في تحليل هذه القصة قبل ~~أن أقدم بين يديك مقدمة موجزة لا أرى منها بدا. # لم يضع الكاتبان الفرنسيان هذه القصة التمثيلية مباشرة، وإنما اتخذاها من قصة صغيرة كتبها ~~أولهما على أنها أحدوثة فظفرت بفوز عظيم، كما ظفرت بهذا الفوز أحاديث أخرى لهذا الكاتب ~~نفسه. فقد اختص هذا الكاتب أو كاد يختص بكتابة هذه الأحاديث القصار، يصف فيها الحياة ~~الباريسية وصفا صادقا، ولكنه على صدقه خلاب، مؤثر، يستهويك ويملك عليك نفسك، حتى تنسى أنك ~~تقرأ أحدوثة وتستيقن أنك تشهد الحياة. وقد اشتد الإعجاب بهذه الأحاديث القصار حتى وصفها ~~النقاد بأنها آيات أدبية، وحتى أحس الكتاب والممثلون أن هذه الأحاديث القصصية التي ترسم ~~الحياة رسما قويا صادقا شديد التأثير؛ خليقة أن تستحيل إلى حياة واقعة؛ أي خليقة أن ~~تدخل ملاعب التمثيل، وأن تشهدها جماهير النظارة حية تتحرك وتنطق في الملعب، فأقبلوا على ~~الكاتب يعرضون عليه معونتهم، ولم يكد الكاتب يقبل هذه المعونة ويرضى أن تحول أحاديثه إلى ~~قصص تمثيلية حتى كان فوز هذه القصص التمثيلية عظيما، باهرا، ليس أقل خطرا من فوز تلك ~~الأحاديث القصصية. ولن تكون هذه القصة التي أحدثك عنها اليوم آخر ما سأذكره لهذا الكاتب ~~وأعوانه، بل سأحدثك بعد حين عن قصة أخرى أعانه على تحويلها إلى التمثيل الكاتب الفرنسي ~~الكبير «موريس دونيه»، وهي القصة التي أستطيع أن أسميها «المثل» والتي تعنى بها باريس الآن ~~عناية كبيرة. # إذن ففي الإمكان تحويل الأحاديث القصصية إلى قصص تمثيلية، وقد قام الدليل على ذلك فلم ~~يصبح موضعا للشك، قام الدليل على ذلك، فحولت قصص مختلفة لكبار الكتاب الفرنسيين إلى ~~التمثيل، وظفرت بالفوز الذي لا يقل عما لغيرها من القصص التمثيلية التي وضعت للتمثيل ~~مباشرة. ونحن نشهد الآن انتشار هذه الظاهرة وقوتها، واشتداد الاتصال بين القصص والتمثيل، بل ~~نشهد شيئا آخر أيسر من هذا وأهون، ولكن يعين عليه ويدني منه، وهو هذا التوسط الذي تقوم به ~~السينما بين القصص والتمثيل، فكثير جدا من القصص النابهة وغير النابهة استطاع أن يدخل ~~ملاعب ms049 السينما؛ أي إنه استطاع أن يقطع نصف المسافة التي تقع بين القصص والتمثيل، وهي تتألف ~~من شيئين: أولهما الحركة، والآخر الحوار. وظاهر أن تحقيق الحركة الصامتة أيسر من تحقيق ~~الحركة الناطقة، فإذا كان من اليسير أن تصبح القصة تمثيلا متكلما، وإذا كان التمثيل ~~الصامت من ملاعب السينما لا يحتاج إلا إلى مهارة الممثلين، فإن التمثيل المتكلم يحتاج إلى ~~شيء آخر؛ هو قدرة الكتاب الممثلين على أن يضعوا الحوار ويلائموا بينه وبين موضوع القصة من ~~جهة، وبينه وبين التمثيل ومزاج النظارة من جهة أخرى. # مهما يكن من شيء فقد أصبح تحول القصص إلى التمثيل شيئا عاديا مألوفا. بل ماذا أقول؟ ~~ليس في هذا شيء من الجدة؛ فالتمثيل ابن القصص منذ نشأته الأولى، وقد استطاع أن يستقل ~~استقلالا قويا، ولكنه لن يستطيع في يوم من الأيام أن يبلغ الاستقلال المطلق. # التمثيل ابن القصص منذ نشأ في القرن السادس قبل المسيح، حين كان الشعراء الممثلون يلعبون ~~فصولا يستمدونها من الشعر القصصي. ثم أخذ التمثيل يستقل، فجعل الشعراء الممثلون يأخذون ~~معانيهم من الشعر القصصي وينظمونها في شعر يحدثونه، وتظهر فيه شخصيتهم القوية النابهة ~~ويلائمون بينه وبين عصورهم ومعاصريهم. والتمثيل ابن القصص من القرن السابع عشر بعد المسيح، ~~حين كان الشعراء الممثلون من الفرنسيين يستمدون موضوعاتهم من القصص أو التاريخ. والتمثيل ~~ابن القصص من هذا العصر الحديث؛ لأن الكاتب الممثل قصاص قبل كل شيء، ولكنه يتخذ الحركة ~~والحوار وسيلة إلى القصص. كل هذا واضح بين، ولكن شيئا آخر لا يزال غامضا عسيرا؛ لأنه ~~يخالف طبيعة الأشياء؛ وهو تحويل التمثيل إلى القصص. على أني لا أريد أن أمضي في هذا البحث ~~الفني، وإنما عرضت له مضطرا لألفتك إلى أصل هذه القصة التي اتخذتها موضوعا لحديث ~~اليوم. # قلت إننا نستطيع أن نسمي هذه القصة «الحديث والقديم»، أو «ابنة باريس وابنة الأقاليم»، ~~وإن هذين العنوانين إذا لم يترجما العنوان الفرنسي فهما يوضحانه توضيحا قويا، ومن ~~الحق أن القصة كلها جهاد بين القديم والحديث، وجهاد بين ابنة باريس وابنة ms050 الأقاليم، ولكن ~~موضوع هذا الجهاد ليس هو ما تعودناه من مظاهر الحياة الاجتماعية وفروعها المختلفة، يتنازعها ~~القديم والحديث أو تتنازعها العاصمة التي هي مأوى الحديث، والأقاليم التي هي ملجأ القديم، ~~وإنما موضوع هذا الجهاد هو الشعور الإنساني، أو قل - بعبارة جلية واضحة - موضوع هذا ~~الجهاد هو قلب رجل تتنازعه امرأتان: إحداهما باريسية تمثل هذه الحياة الباريسية الحديثة وما ~~تمتاز به من الضجيج والحركة العنيفة، ومن الاضطراب الشديد، والميل إلى كل جديد غير مألوف، ~~والنفور من كل قديم غير مألوف؛ والأخرى فتاة من أهل الأقاليم ألفت هذه الحياة الهادئة ~~المطمئنة، العاملة المنتجة في غير جلبة ولا ضجيج ولا عنف ولا اضطراب، ساذجة كالطبيعة التي ~~نشأت فيها، صادقة كهذه الطبيعة أيضا، ولكنها كالطبيعة التي نشأت فيها قوية، صلبة، قادرة ~~على المقاومة. # القصة جهاد بين هاتين المرأتين، وأظنك تشعر منذ الآن بأنها قيمة ممتعة، وذلك حق، ولكن ~~شيئا آخر لا تستطيع أن تشعر به إلا إذا قرأت القصة في أصلها الفرنسي، وهو جمالها الفني ~~الذي ليس إلى ترجمته من سبيل، فالقصة حلوة خلابة، خفيفة الروح، مبتسمة اللفظ والمعنى حتى في ~~أشد الأوقات عبوسا وأعظم المواقف حرجا. تقرؤها فإذا أنت هادئ مطمئن، لا يزعجك من هذا ~~الهدوء والاطمئنان إلا جمل تسمعها من حين إلى حين، فتستخفك حينا إلى الضحك، وتستخفك حينا ~~آخر إلى الغضب والإشفاق، ولكنك لا تتجاوز الحد المعقول في الرضا والسخط، وإنما أنت مبتسم ~~طول القراءة، وربما سقطت من عينيك دمعة في بعض المواقف، ولكنها لا تعقبك هذا الحزن العميق ~~الذي تحدثه القصص العنيفة، فإذا فرغت من قراءة القصة لم تكن شديد الحزن ولا شديد السرور، ~~وإنما أنت مطمئن ترى أن القصة جيدة وأنها لذيذة تمتاز خاصة بشيء من الدقة كثير. # أستطيع أن أجد لفظا يصف هذا النوع من القصص وصفا صادقا صحيحا؛ وهو أنه قصص صريح لا ~~يشق عليك بالحزن ولا بالسرور، ولا يثقل عليك بالرضا ولا بالسخط. ويرى النقاد الفرنسيون أن ~~لهذه القصة خطرا عظيما؛ لأنها تظهر الأجانب الذين يختلفون ms051 إلى باريس على أن فرنسا شيء ~~آخر غير باريس التي يراها الأجانب ويكلفون بها كلفا شديدا، على أن الثروة الحقيقية لفرنسا ~~من هذه الوجهة الخلقية والاجتماعية، بل المميزات الحقيقية لفرنسا من هذه الوجهة، ليس فيما ~~يختلف إليه الأجانب من المراقص والحانات والملاعب وأندية اللهو، وإنما هي في باريس الهادئة، ~~وفي أعماق هذه الأقاليم المطمئنة المنصرفة إلى هذه الحياة العاملة المنتجة، تلطفها من حين ~~إلى حين بشيء من اللهو البريء. # ولكنك لم تفهم بعد معنى هذا العنوان الذي وضع لهذه القصة، وليس فهمه عسيرا؛ فأنت تعرف ~~القيثارة ومكانها من الأدوات الموسيقية، وأنها أداة متواضعة هادئة تلذ وتطرب ولكن في غير ~~عنف ولا شدة، أما «الجازباند» فاسم لهذا النوع من الضجيج والعجيج الذي نقله الأمريكيون ~~إلى أوروبا ثم الشرق، وهو ضرب من العنف أكره أن أسميه بالموسيقى؛ لأنه بريء من الموسيقى ~~يرافق ألوان الرقص الحديث، ولا تكاد تخلو منه حانات باريس، ولقد ضحكت منه غير مرة. ولست ~~أنسى ليلة في السفينة أراد المسافرون فيها أن يلهوا هذا اللهو الأمريكي، فجلست سيدة إلى ~~البيانو وأخذت تستخرج أغلظ أصواته في غير نظام ظاهر، ووقف من حولها رجال يحمل بعضهم ~~زجاجات فارغة يضربون عليها بملاعق صغار، ويحمل بعضهم الآخر أطباقا يضربون بعضها ببعض، ~~ويحمل آخرون مراجل صغارا استعاروها من المطبخ وهم يضربون عليها بالملاعق ومقابض السكاكين، ~~وهم يرافقون هذا الضجيج كله بضجيج آخر يحدثونه حين يضربون الأرض بأقدامهم ضربا عنيفا، ~~والناس يرقصون على هذا الضجيج رقصا مضطربا، فيه فحش وفتور لا يبعث في النفس إلا حزنا ~~وانقباضا. وأما القيثارة في قصتنا فهي هذه الفتاة المريضة الوادعة الصادقة في كل شيء، ~~وأما «الجازباند» فهو هذه المرأة الباريسية المضطربة المتكلفة في كل شيء. ~~••• # نحن في باريس في دار رجل من رجال الأعمال اسمه «ماكسيم برترو»، وقد أقام حفلة راقصة فأقبل ~~عليه الناس من أهل اللهو والعبث. ونحن لا نرى صاحب الدار ولا امرأته إذا رفع الستار، وإنما ~~نرى منظرا يضحكنا حينا؛ نرى شابا قد خلا في المقصف ms052 إلى فتاة يحبها وهو يريد أن يعلن ~~إليها حبه فلا يستطيع؛ لأن الحياء قد عقد لسانه فهو يتلجلج، وهي تسخر منه وقد تركته لتعود ~~إليه بعد حين، فدخل عليه صديق له يجب أن تحتفظ باسمه؛ لأنه من أبطال القصة وهو «ديني ~~كرانسلان»، محام في محكمة الاستئناف، غني، جميل الطلعة، رشيق الحركة، معروف بفتنة ~~النساء، فإذا رأى صاحبه في هذا الاضطراب سأله عن أمره، فإذا أنبأه أخذ يلقي عليه درسا في ~~إغواء النساء والطرق التي تسلك إليه. وهما كذلك إذ تقبل الفتاة، فما أسرع ما يتملقها ~~المحامي فيفتنها، فتدعوه إلى الرقص، فينصرفان ويتركان الفتى محزونا مغضبا. وإذا صاحبة ~~الدار قد أقبلت، ويجب أن تحفظ اسمها؛ فهي من أبطال القصة، وهي «مارتين»، جميلة، فاتنة، ~~لعوب، مسرفة في حب العبث، لا تكاد تتحدث إلى هذا الفتى حتى يأتي زوجها، فينصرف الفتى، ويخلو ~~الزوجان. ثم لا يكادان يتحدثان حتى تحس أنهما غير مؤتلفين، وأن كلا منهما قد استرد حريته، ~~فهو يلهو ويعبث كما يريد بسمع صاحبه وبصره، ولكن الزوج قد أقبل الآن ليعلن إلى امرأته نبأ ~~ذا خطر؛ ذلك أن أعماله تضطره إلى أن يترك باريس وإلى أن يقضي في مراكش ثلاثة أشهر، وهو لا ~~يريد أن تظل امرأته في باريس وحدها، ولا أن تذهب إلى ساحل البحر وحدها؛ لأنه يكره أن تظهر ~~امرأته لاهية عابثة في غيبته فتعرض كرامته للخطر. # هو يبيح لها أن تعبث ولكن بمحضر منه لا في أثناء غيبته، وإذن فهو يعرض على امرأته أن ~~تقضي هذه الأشهر الثلاثة في الريف عند أبيه الشيخ وأخته الفتاة، وهي تأبى ذلك، وتظهر مقاومة ~~شديدة، ثم لا تلبث أن تطيع. وقد انصرف زوجها، وأقبل المحامي الذي رأيناه في أول القصة، فلا ~~يكاد يحييها حتى نعلم أنه خليلها، وقد أخذا يتحدثان، فتقص عليه في سرعة ومزاح سفر زوجها ~~واضطرارها إلى الحياة في الريف، وهي لا تريد أن تفارق خليلها، وخليلها لا يريد أن يفارقها، ~~وإذن فلا بد من رسم خطة لهذا اللقاء . وما أسرع ms053 ما ترسم الباريسية هذه الخطة، فهي ذكية قاسية ~~لا خلق لها ولا كرامة. تنبئ صاحبها بأنه سيرى بعد حين أبا زوجها وأخته: فأما الأب فشيخ من ~~أهل الريف كلف بالزراعة ينفق حياته في درس الأسمدة وتحسينها، وإذن فيجب أن تظهر علما ~~بالزراعة وميلا إلى تحسين الأسمدة، وأما الأخت ففتاة تخرجت في الجامعة، وهي تنفق بياض ~~يومها في درس الفلسفة، وإذن فيجب أن تظهر علما بالفلسفة وميلا إليها. والشيخ يريد أن ~~يزوج ابنته، والفتاة حديثة لا تعرف الحب، ولا تكره أن تتزوج، وإذن فيجب أن تظهر إعجابا ~~بالفتاة ورغبة فيها، ويجب أن تظهر ذلك الآن وأن ترقص مع الفتاة وأن تسحرها، وأنت ماهر في ~~سحر النساء، ولا ينبغي أن تتردد في ذلك إن كنت تحبني حقا وتحرص على ألا نضيع ~~الصيف. # وهو مطيع، وقد أقبل الشيخ فتعارف الرجلان، وأظهر المحامي ميلا إلى الزراعة فأحبه الشيخ، ~~ثم أقبلت الفتاة فقدم إليها المحامي على أنه فيلسوف، وما أسرع ما تظهر الفتاة ميلا إليه، ~~وما أسرع ما يدعوها إلى الرقص فتجيب، وقد خرج فغاب حينا ثم عاد، فإذا الفتاة ذاهلة يأخذها ~~الدوار، وإذا أبوها مضطر إلى أن يسعفها بما يرد إليها الحياة، وإذا نحن نفهم أن المحامي ~~قد نفذ الخطة فأظهر في أثناء الرقص من بوادر الحب ما هز أعصاب الفتاة الريفية الجاهلة. وإذا ~~نحن نشعر أن هذه الفتاة قد أخذت تحب المحامي وتزدري نفسها؛ لأنها ريفية، ولأن زيها الريفي ~~بعيد كل البعد عن أزياء البدع الجديد، وقد أظهر المحامي عطفا عليها فأعجبها ذلك ورد إليها ~~القوة. وقد علمنا أن هذا المحامي سيقضي الصيف في قرية قريبة جدا من القرية التي تقيم فيها ~~الفتاة، فسيتزاور القوم، وإذا الفتاة سعيدة تنصرف مع أبيها وهي تبتسم للحياة، أما العاشقان ~~فلا يكادان يخلوان حتى يسخرا من الفتاة والشيخ، وحتى نشعر بأنهما ينتهزان انصراف الراقصين ~~ليقضيا ليلة حب ولذة. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فنحن في الريف في قصر الشيخ وابنته الفتاة، وقد تقدمت الأشياء ~~تقدما سريعا ، فتزاور القوم، ms054 ثم دعي المحامي للإقامة حينا في قصر الشيخ، فهو في القصر ~~مضيف، ونحن نفهم أن صلات الحب الآثم ما زالت قوية بينه وبين صاحبته «مارتين»، ولكننا نفهم ~~من جهة أخرى أن الفتاة الريفية واسمها «أستيل»، مازالت تحب هذا المحامي، وما زال حبها ~~ينمو ويعظم. نفهم هذا كله، ونرى «مارتين» ضيقة الذرع بحياة الريف، تكرهها كرها شديدا، ~~وتريد أن تعود إلى باريس، فإذا ذكر لها جمال الطبيعة وروعة الريف إذا جن الليل، اضطربت لذلك ~~اضطرابا شديدا؛ لأنه يخيفها ويفزعها، وهي تفضل أضواء الكهرباء على ضوء القمر، وتؤثر ضجيج ~~الحانات على هدوء القرى، وقد خرجت بعد العشاء مع صاحبها يمشيان في الحديقة حينا، وخلا ~~الشيخ إلى ابنته، فإذا هي تتمنى عليه أن يمسك المحامي حتى لا يسافر غدا، وإذا الشيخ يقبل ~~ذلك ليرضي ابنته، أما هو فلا يحفل بهذا المحامي؛ لأنه يعلم الآن أنه جاهل بالزراعة. وقد ~~أقبل المحامي فطلب إليه الشيخ أن يبقى أياما وقبل. ثم ينصرف الشيخ وتأتي الفتاة، فيكون ~~بينها وبين المحامي حديث نفهم منه أن الفتاة تحبه حبا قويا عنيفا، وأن المحامي نفسه قد ~~أخذ يحب الفتاة ويكبرها، وهو الآن يدافع نفسه لا يريد أن يقع في الشرك الذي نصبه، ~~والفتاة تتحدث إليه فتظهره على نفسها وأخلاقها وآمالها، فإذا هدوء ودعة، وإذا قوة وصبر، ~~وإذا قدرة على احتمال الصدمات، وإذا كل هذا قد ملك على الفتى نفسه فيوشك أن يعلن حبه، ولكن ~~الفتاة قد تركته وانصرفت مسرعة، ولا يكاد الشلب يخلو إلى نفسه حتى تقبل خليلته «مارتين» ~~باسمة متهالكة تعرض اللذة وتطلبها والشاب عنها منصرف، وقد أحست ذلك فهي تلوم الفتى هذا ~~اللوم المطمع المغري، وتسخر من الفتاة والشيخ، ولكن صاحبها قد فتح النافذة وهو ينظر إلى ~~جمال الطبيعة ويفنى فيها، وصاحبته تصرفه عن ذلك، فما تزال به حتى يقفل النافذة ويضيء ~~الكهرباء، وهي تعرض نفسها وهو يأبى، فتنصرف وهي مغضبة، وقد أعلنت إليه أنها تنتظره في ~~غرفتها، فإن لم يذهب فلن تراه بعد، ولا يكاد الفتى يخلو ms055 إلى نفسه حتى يسمع نغما هادئا ~~لذيذا هو نغم القيثارة، فيفتح النافذة فلا يرى شيئا، ولكنه يسمع النغم؛ ذلك لأن «أستيل» ~~تلعب بقيثارتها بين الأشجار، والفتى يسأل: ما هذا؟! فتجيبه الفتاة، فيتحدثان، ثم تأتي ~~الفتاة إلى غرفة الفتى وهنا لا تستطيع أن تخفي حبها فتعلنه، وهو لا يستطيع أن يمضي في عشقه ~~فينبئها بأنه لا يليق بها، وبأن ماضيه لا يخلو من إثم، وقد نهضت الفتاة لتنصرف محزونة ~~يائسة، ولكنه يدعوها ويلح في الدعاء كأنه يستغيث بها لتطهره من إثمه وقد لحقها وضمها إليه، ~~وإذا كلاهما يعلن حبه إلى الآخر. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فسيفتضح كل شيء؛ سيفتضح أمر العاشقين الآثمين، وسيفتضح أمر هذا ~~الحب الطاهر الجديد. تقبل خادم فتنبئ الشيخ بأنها رأت الضيف يقبل مولاتها، ويقبل رجل ~~أجنبي فينبئ الشيخ بأنه لا يشك في أن صلة آثمة تجمع بين ضيفه وامرأة ابنه، وإذا الشيخ قد ~~وقف هذا الموقف العنيف، يرى ابنته ضحية لهذه المؤامرة الآثمة التي دبرها العاشقان، وهو ~~مشفق على ابنته أن يقتلها الحب، وهو مغضب لهذه الإهانة التي لحقته، وهو يريد أن يعاقب ~~امرأة ابنه، ولكنه لا يكاد يتحدث إليها حتى تظهر له كتابا من زوجها يرد إليها حريتها ~~ويعرض عليها الطلاق، وإذن فهي حرة تريد أن تعيش مع عاشقها، أما الشيخ فيطردها وسيطرد ضيفه، ~~ولكن ابنته قد أقبلت وعلمت كل شيء، وهي والهة ذاهلة، ولكنها ابنة الطبيعة الهادئة المبتسمة، ~~فهي ليست يائسة، وإنما هي معتزمة أن تجاهد لتحتفظ بحبها وخطيبها، وهي ترى أن هذا الحب قد ~~غير الفتى وطهر نفسه من الآثام، وإذن فالجهاد عنيف بين المرأتين. وقد انصرفت الفتاة مع ~~أبيها، وأقبل المحامي، فأعلنت إليه صاحبته كل شيء، وانصرفت وقد ضربت له موعدا يلتقيان فيه ~~ليسافرا معا إلى باريس، أما المحامي فيريد أن يعتذر إلى الشيخ وأن يظهره على جلية الأمر، ~~ويريد أن يرى الفتاة، ولكن الشيخ يطرده طردا عنيفا، ويحول بينه وبين ابنته. ونحن نعلم أن ~~الفتاة كانت تريد أن تراه، وأنها ما زالت ms056 شديدة الحرص على أن تراه. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فنحن في المحطة في غرفة الانتظار في أول النهار، وقد انهمر المطر ~~طول الليل وما زال ينهمر، ولم تكد تفتح الغرفة حتى أسرعت إليها فتاة هي «أستيل»، كانت قد ~~هربت من قريتها وقضت الليل كله أمام المحطة تنتظر القطار لترى المحامي حين يسافر، وهي الآن ~~تأوي إلى هذه الغرفة تنتظره فيها، ولست ألخص لك ما يجري بينها وبين العامل وبائعة الصحف من ~~حديث مؤلم مضحك، ولكن الجرس قد دق وخرجت الفتاة تلتمس صاحبها، ولم تكد تخرج حتى أقبل ~~العاشقان، فأما «مارتين» فراضية مبتهجة، وأما صاحبها فمذعن للقضاء وقد خرج ليأخذ القطار، ~~وأقبل الشيخ مضطربا يبحث عن ابنته، وعادت الفتاة إلى غرفة الانتظار تبحث عن صاحبها فيلقاها ~~أبوها، يلومها في رفق، ويهدئ من اضطرابها، ولكن اضطرابها شديد، فقد يوشك القطار أن يتحرك ~~وهي لم تر حبيبها. انظر إليها؛ لقد أخذها شيء من الهلع، رأت صاحبها ورأته يصرف وجهه عنها! ~~انظر إليها؛ قد استحال هلعها إلى جنون، فأفلتت من يد الشيخ إلى القطار وقد هم بالحركة! ثم ~~انظر ماذا ترى؟ ترى المحامي مقبلا مضطربا يحمل الفتاة مغمى عليها ويمدها على أحد ~~المقاعد؛ كانت تريد أن تقتل نفسها! والفتى الآن جالس أمامها يتلطف لها ويتحدث إليها في ~~حنان عذب، والحياة تعود إليها شيئا فشيئا، والأمل يعود إليها كذلك، والشيخ يرقب من كثب ~~هذا الحب الناشئ القوي الذي استطاع أن ينتصر على الأحداث، وأن يطهر النفس الآثمة من إثمها، ~~وأن يكفل الفوز لهذه الطهارة الهادئة المطمئنة، على ذلك الفساد المضطرب العنيف الذي يمضي ~~القطار به الآن إلى باريس. # نوفمبر سنة 1924 # | في ملاهي باريس # نعم فقد لهوت، وكانت رغبتي في اللهو من البواعث القوية التي حببت إلى الذهاب إلى باريس، ~~ولم أخفي ذلك وأكتمه وأنا أعلم والناس جميعا يعلمون أن المسافر إلى باريس أو غيرها من ~~مدن أوروبا، إنما يتخذ اللهو غرضا من الأغراض السياسية في برنامج رحلته؟! وهل كان السفر ~~نفسه إلا ضربا من ms057 اللهو وفنا من فنون العبث يعمد إليه المتعبون ليستريحوا ويرغب فيه ~~المستريحون؟! وكنت أرى الراحة في أن ألهو عن هذه الأشياء التي قضيت فيها العام كله فأجهدتني ~~وبغضت إلي الحياة. وكنت وما زلت أعتقد أن من الحق للناس علي وأن من الحق لي على نفسي ~~أن أعود إلى هذه الأشياء التي سئمتها وسئمتني، وأن أستأنف هذا العمل الذي أجهدني طوال العام ~~الماضي حتى بغض إلي الحياة. وكنت أعلم أني لن أستطيع العودة إلى هذه الأشياء واستئناف ~~هذا العمل إلا إذا استرحت ولهوت، وأخذت من الراحة واللهو بحظ عظيم، وقد فعلت، وقد عدت إلى ~~مصر، وقد استأنفت هذا العمل الشاق، فإذا هو هين لين لا عسر فيه ولا مشقة، ولكني أعلم ~~أنه سيعسر، وأنه سيشق، وأني سأسأمه، وأنه سيسأمني، وأني سأنصرف عنه، وأنه سيزهد في، وأني ~~سأحتاج إلى الراحة واللهو، وأني سأستريح وألهو ثم أستأنف الجد والعمل، وكذلك حياتنا: ~~نتعب لنستريح، ونستريح لنتعب، حتى يأتي هذا اليوم الذي لا تعب بعده ولا راحة. # إذن فقد لهوت في باريس لا أكتم ذلك ولا أخفيه، ولم أكتمه أو أخفيه وليس فيه - والحمد ~~لله - مأثم ولا مدعاة إلى لوم؟! وإنما هو ضحك بريء، وعبث تطمئن إليه النفس الهادئة التي ~~لا تعبث بها الأهواء ولا تعصف بها الشهوات. # لهوت في باريس، واختلفت فيها إلى أندية اللهو التي هي زينة تلك المدينة وبهجتها، ولها في ~~رفع شأن باريس وتقديمها على غيرها من مدن الأرض أثر قد لا يكون أقل من أثر «السوربون» ~~و«الكوليج دي فرانس» والمجامع العلمية المختلفة، ولم لا! أليست جامعة باريس ومعاهدها ~~العلمية ملجأ للعقل الإنساني والشعور الإنساني؛ فيها تظهر ثمراتهما الحلوة والمرة، وفيها ~~يتعلم الإنسان من الإنسان ويظهر الإنسان على الإنسان، وفيها يتعلم الإنسان كيف يكون حيوانا ~~اجتماعيا، كما يقول أرسطوطاليس، أو مدنيا بالطبع، كما يقول فلاسفة العرب! # لست أدري أيشعر المصريون المتعبون الذين يذهبون إلى باريس بمثل ما كنت أشعر به هذا ~~الصيف؟ فقد كنت شديد الميل إلى أندية الهزل والضحك، شديد ms058 الانصراف عن أندية الجد والعبوس. ~~لم أكن أميل في هذا الصيف إلى بيت موليير ولا إلى ما يمثل فيه من جد، بل لم أكن أميل ~~بوجه ما إلى التراجديا، إنما كان ميلي كله إلى الكوميديا من جهة، وإلى الموسيقى من جهة ~~أخرى. # ولقد حاولت أن أتبين في نفسي أسباب هذا الميل إلى ما يضحك ويلهي، والانصراف عما يحزن ~~ويعظ، فلم أوفق إلا لسبب واحد لا أدري أخطأ هو أم صواب؛ ذلك أننا «مفطومون» في مصر، كما ~~يقول الفرنسيون، من اللهو الصريح البريء ومن الضحك الذي يريح النفس حقا ويجلو عن القلب ~~أصداء الحياة العاملة! وهذه الحياة العاملة نفسها كئيبة في مصر منذ سنين، قد أثقلتها الهموم ~~وأفعمتها الأحزان، فنحن مشفقون على منافعنا العامة، نخشى أن يعبث بها الخصوم في الخارج أو ~~أن يضيعها المواطنون في الداخل. ونحن مشفقون على منافعنا الخاصة، نخشى أن تعبث بها ~~الخصومات الحزبية وتأتي عليها العواصف السياسية. نحن قلقون لا نطمئن إلى شيء، ولا نثق بشيء، ~~ولا نبسم لشيء، فليس عجيبا إذا خلصنا من هذا الجو القلق المضطرب أن نتهالك على هذه ~~الأشياء الني حرمناها في مصر، وحال بيننا وبينها طبعنا من جهة، واضطرابنا السياسي ~~والاجتماعي من جهة أخرى. # نعم، فطبعنا لا يخلو من ظلمة، ومزاجنا أقرب إلى المرارة والحزن منه إلى الدعابة ~~والابتسام. نحن لا نلهو لأننا لا نعرف اللهو، ولأن في طباعنا نفورا من اللهو، ولست أدري ~~أمخطئ أنا أم مصيب في هذه الملاحظة، وهي أننا كنا بعد الثورة الوطنية الأخيرة قد أخذنا ~~نتعلم اللهو بل نسرف فيه، فكانت الأغاني الفكاهية ذائعة عامة، وكان التمثيل الفكاهي رائجا ~~منتشرا، وكنت لا تكاد تمضي في الشوارع العامة إلا سمعت الأطفال والشبان من العمال ومن ~~إليهم يتغنون أغاني «كشكش»، وكنت لا تكاد تمر بين الدور في الأحياء الراقية إذا أقبل المساء ~~أو جن الليل إلا سمعت البيانو يوقع ألحان «كشكش»، وربما وقفت لاستماع صوت رخيم عذب يتغنى ~~مع هذا الإيقاع، وكان أصحاب الأخلاق وأهل الحرص على الآداب ms059 العامة ينكرون هذا الفساد ~~ويشفقون منه، وكنا نقول إن هذا الانحلال الخلقي عرض من أعراض الثورة، وكنا نستبشر به؛ ~~لأن الثورة الفرنسية قد استتبعت مثله، فكان الفرنسيون يجاهدون أعداءهم الداخليين ~~والخارجيين، وكانوا يحتملون آلام الجوع والفاقة ولكنهم كانوا يلهون ويسرفون في اللهو، وربما ~~كانوا يستعينون باللهو على ما كانوا يأتون من جلائل الأعمال، ويحتملون من أثقال ~~الحياة. # كنا كذلك، وأظن أن السلطة العامة احتاجت في بعض الأحيان إلى أن تتدخل في الأمر وتكفكف من ~~غلواء المسرفين، فأقفلت أو حاولت أن تقفل بعض المراقص، أما الآن فأحسب أن هذا قد تغير، ~~وأننا قد انصرفنا عن اللهو انصرافا واضحا. # انصرفنا عن اللهو دون أن يعظم حظنا من الجد، فليست حياتنا العامة والخاصة أكثر إنتاجا ~~وأشد خصبا الآن منها حين كنا نلهو ونعبث، ولعلي لا أغلو في الخطأ إذا لاحظت أن حياتنا ~~الدستورية هي التي صرفتنا عما كنا فيه من لهو، وأزالت عن شفاهنا هذا الابتسام للحياة؛ ذلك ~~لأننا اعتقدنا يوم نفذ الدستور وأشرف البرلمان على الحكم أن الأمر قد رد إلى أهله، ~~وأننا مقبلون على ساعات الجد والعمل؛ فانتظرنا وما زلنا ننتظر. # ولم لا نقول كلمة الحق! كانت الوزارات التي أشرفت على الحكم قبل الدستور قليلة الحظ من ~~ثقة الجماهير، فلم يكن الناس يحفلون بها ولا ينتظرون منها خيرا؛ بل كانوا يسيئون بها الظن ~~ويتخذونها موضعا للعبث والنقد، وكانت أعمالها وقراراتها تلهم الممثلين الهازلين والمغنين ~~العابثين، وكان الناس يرتاحون إلى الضحك منها واتخاذها سخرية وهزؤا؛ أما الآن فقد أشرف على ~~الحكم رجال كانت تحبهم الجماهير وتفتن بهم، فلم يكن من الميسور أن تتخذهم الجماهير موضوعا ~~للهو والعبث، وإذا لم تعبث الجماهير بحكامها ولم تسخر من وزرائها ونوابها فهي مضطرة إلى ~~الحزن والكآبة. # سلني عما يميز الديمقراطية حقا، أجبك بأن النظام الديمقراطي الصحيح هو الذي يتيح ~~للجماهير أن تلهو على حساب حكومتها؛ بل على حساب أبطالها، فإذا أردت دليلا ناطقا بصدق هذا ~~التعريف، فاذهب إلى باريس، واختلف إلى أندية اللهو فيها ، واسمع إلى ms060 ما يقال عن «هريو»، ~~و«دومرج»، وعن «بوانكاريه»، و«ملران». # وانظر إلى هذه الجماهير الفرنسية المختلفة تتهالك ضحكا من وزرائها ورؤساء جمهوريتها - ~~أستغفر الله - بل من علمائها وكتابها، ومهما أنس فلن أنسى أغنيتين سمعتهما في باريس، ~~ورأيت ابتهاج الجماهير لهما، في إحداهما موازنة بين أمعاء المسيو هريو رئيس الوزارة ~~الفرنسية القائمة وأمعاء المسيو بوانكاريه رئيس الوزارة الفرنسية المستقيلة، وفي الأخرى عبث ~~بالمسيو هريو حين يعمد إلى التليفون. # ولكني قد بعدت أشد البعد عما كنت أريد أن أتحدث إليك فيه، وهو ملاهي باريس، وقد يحسن أن ~~أعود إلى هذا الحديث. # لم أكن حسن الحظ هذا الصيف، وما أظن أن غيري كان أحسن حظا مني، فقد وصلنا إلى باريس ~~أيام الراحة حين يتفرق عنها الممثلون النابهون ليجوبوا أقطار الأرض الفرنسية والأجنبية، ~~وليعرضوا فنهم على المصطافين في سواحل البحر ومدن المياه، وحين يستريح الكتاب استعدادا ~~لفصل الشتاء؛ إذ يعرضون آثارهم الجديدة على الجمهور الباريسي، وقد عاد من مصايفه إلى باريس، ~~وحين تجتهد الملاعب التمثيلية في أن تستغل ما لديها من قصص الفصل الماضي لتلهي بها السائحين ~~الذين يمرون بباريس، ومع ذلك فقد طربت حقا، وضحكت كثيرا. # ولقد يكون من العسير أن أذكر دون أن أضحك قصة شهدتها في ملعب «الباليه رويال» عنوانها: ~~«قبلني»، كان الممثلون يمثلونها للمرات الأخيرة، ويستعدون لتمثيل قصة أخرى ظهرت أول هذا ~~الشهر، ومع ذلك فقد كان الملعب مكتظا بالنظارة، والغريب من أمر باريس أنك تستطيع أن ~~تزورها في أي فصل من فصول السنة، وأن تختلف إلى ملاعبها وأنديتها وبيوتها التجارية، فستجدها ~~دائما مكتظة بالناس، وستضطر دائما إلى أن تتخذ الحيطة لتبلغ منها ما تريد. # تريد أن تشهد قصة تمثيلية، فيجب أن تؤجر كرسيك في الملعب قبل يوم التمثيل. تريد أن ~~تشتري شيئا في أحد البيوت التجارية الكبرى، فيجب أن تذهب في الصباح، أو أن تكون صبورا ~~محتملا إن ذهبت في المساء. # ذهبت إلى الملعب بعد ظهر يوم من أيام الآحاد الباريسية، ولم أكن قد أحتطت، وكان المطر ~~عنيفا ثقيلا، فلم أجد ms061 إلا كراسي فاحشة الغلاء، فاتخذت منها كرسيين، وأعترف بأني غير آسف ~~على ما أنفقت؛ لأني ضحكت بأكثر من ستين فرنكا. ~~••• # أسرة شريفة، كانت غنية ثم أصابها الفقر، تقيم في قصرها المرهون، محتملة ألوانا من ~~الضيق، ثم تصبح ذات يوم، وإذا القصر قد بيع من أجنبي، وإذا هي مضطرة إلى أن تترك هذا القصر ~~الذي تتوارثه منذ خمسة قرون، ولكن لهذه الأسرة شابا مسرفا في اللعب والعبث، قد أدى واجبه ~~الوطني أثناء الحرب، وعرف في الخندق صديقا من الطبقات المنحطة أمه تبيع الفاكهة. وقد ~~انقضت الحرب، واغتنى ابن بائعة الفاكهة حتى أصبح ضخم الثروة، فكتب إلى صديقه الشريف يقترض ~~منه مالا؛ لأنه خسر في اللعب، وأقبل هذا الصديق يحمل إلى صديقه ما أراد، فانظر إلى هذه ~~الأسرة النبيلة تأبى أن تقبله في القصر، وأن تضيفه أياما، حتى إذا قبلت ذلك بعد مشقة أخذت ~~تتبرم بالفتى وتزدريه؛ لأنه لا يعرف طرائق الحياة الأرستقراطية. وكانت عمة الشاب النبيل أشد ~~الأسرة بغضا له وتبرما به، لا تكاد تلحظه ولا تكاد تحسب لوجوده حسابا، ولكن الفتى علم ~~ببؤس هذه الأسرة واضطرارها إلى أن تترك القصر، فأسرع فاشتراه سرا، ثم أخذت الأسرة تظهر ~~شيئا فشيئا على هذا السر حتى علمت به، وإذا هي ألعوبة في يد هذا الشاب الذي تزدريه ولا ~~تضيفه إلا كارهة، ولكن هذا الشاب كريم خير، فهو يعرض القصر على الأسرة لا يبغي له إلا ~~ثمنا ضئيلا؛ هو أن «يقبل» هذه المرأة التي تزدريه وتغلو في بغضه؛ فإذا عرض عليهم هذه ~~الصفقة اضطربوا لها اضطرابا شديدا، فأما الأسرة كلها فتقبل، وأما هذه المرأة فتأبى وتنفر، ~~ثم تذكر أنها قد تطرد من القصر، وأن الأسرة قد تصبح مشردة، فتضطر إلى القبول مقتنعة ~~بأنها تقدم نفسها ضحية في سبيل الاحتفاظ بالكرامة والتراث القديم، وقد استعدت لهذه التضحية ~~كما استعدت «إيفيجيني» لتضحي على مذبح أرثميس، ثم خلت إلى الفتى، فوقفت موقف الجلال، وقالت ~~له في ازدراء وسخرية وإذعان للقضاء المحتوم: «قبلني!» ولكن الفتى كريم، فهو لا ms062 يريد أن ~~يقبل هذه المرأة، وإنما يكفيه أنها قد أذعنت لما يريد، وهو مستعد لأن ينزل للأسرة عن هذا ~~القصر، ولكن المرأة قد دهشت لهذا الانصراف عن تقبيلها، وكأنها تعجب بكرم هذا الفتى، وكأنها ~~في الوقت نفسه تسخط على هذا الكرم، وكأنها كانت تحرص على هذه القبلة دون أن تعلم بهذا ~~الحرص، وكأنها ترى عدول الفتى عن تقبيلها إهانة لها وإصغارا لجمالها، تشعر بهذا كله ~~شعورا واضحا غامضا في وقت واحد! # وكنت ترى الفتى يكره هذه المرأة ويريد أن يذلها، ولكنك تراه الآن لا يكرهها؛ بل ~~يكبرها، ولا يريد أن يذلها، بل يريد أن يجلها، وإذا هو يعلن إليها حبه في هذه اللغة ~~الشعبية الغليظة الصريحة، وإذا هي تضطرب لهذا الحب اضطرابا عنيفا، وإذا الحب قد أزال ما ~~كان بينهما من مسافة مادية ومعنوية، وإذا هو يتجاوز القبلة، فإذا كان الصبح فهي آسفة نادمة ~~تتقطع لوعة وندما؛ لأنها اقترفت هذا الإثم مع رجل ليس من طبقتها، وهي تعلم أن نساء من ~~أسرتها قد اقترفن هذه الخطيئة، ولكن إحداهن اقترفتها مع رجل من رجال القصر الملكي، والأخرى ~~مع كردينال، أما هي فقد اقترفتها مع رجل أمه كانت تبيع الفاكهة! وهي تريد أن تأخذ نفسها ~~بأشد أنواع العقوبة، تريد أن تزهد في الحياة، وأن تذهب إلى الدير، والفتى بين يديها يعتذر ~~ويستغفر ويعلن إليها في ضراعة ومذلة أنه سيبرح القصر حتى لا ترى وجهه البغيض. فإذا سمعت هذه ~~الجملة غضبت غضبا لا حد له، وعنفت الفتى تعنيفا ثقيلا قائلة: «أهكذا تريد أن تسليني ~~عن هذه النكبة المنكرة؟!» ثم فهمنا أنها تريد نوعا آخر من أنواع التسلية وفنا آخر من ~~فنون النسيان والعزاء. # ولست أتم لك تلخيص القصة، وإنما يكفي أن تعلم أنها تنتهي بالزواج بين هذين المحبين؛ لأن ~~شريفا إنجليزيا تبنى الفتى ومنحه ألقاب شرفه فأصبح كفؤا لعشيقته. # ولم تبنى الشريف الإنكليزي هذا الفتى؛ لا تسل عن ذلك؛ فقد يكون في الجواب عن هذا ~~السؤال ما يفضح أم هذا الفتى، وقد ماتت ms063 ولا ينبغي أن يذكر الموتى إلا بخير. # على أني قد زرت ملاعب أخرى، وشهدت فيها قصصا أخرى، وسأحدثك عنها في فصل آخر. # أكتوبر سنة 1924 # | في ملاهي باريس # زوج ألين # كنت أريد أن أضحك حين ذهبت إلى ملعب «ميشيل» لأشهد تمثيل هذه القصة «زوج ألين»، وكنت ~~واثقا بأنني سأضحك وأضحك كثيرا؛ لأن العنوان في نفسه مضحك، ولأن القصة كانت تمثل لأول ~~مرة، فلم يكن النقاد قد كتبوا عنها بعد، ولأن أسماء الممثلين الذين اشتركوا في تمثيلها ~~كانت تدل على طائفة من الذين مهروا في الفن المضحك، فأسرعت إلى الملعب مبتهجا، وكأني كنت ~~أضحك مقدما، وكذلك شأن الناس في باريس يذوقون مقدما ما يبتغون من لذة؛ لأنهم يعلمون أن ~~هذه اللذة ستكون قوية حادة، وأنهم سيظفرون منها بأكثر مما يبتغون. # ذهبنا إلى الملعب ضاحكين ولم يكد يرفع الستار حتى أغرقنا في الضحك، ولكن ما هي إلا دقائق ~~حتى استحال هذا الضحك إلى حزن وعبوس، وحتى أحسسنا في أنفسنا شعورا غريبا ليس من اليسير ~~تفسيره؛ لأنه شيء ليس بالسرور الخالص ولا بالحزن الخالص، أو قل إنه شيء أبلغ أثرا في ~~النفس من الحزن الخالص، ولكنه يكرهك مع ذلك على الابتسام، وربما أكرهك على الضحك ~~والإغراق فيه؛ تبسم وأنت عابس، وتضحك وأنت محزون؛ ذلك لأن الممثل يعرض عليك من خصال ~~الإنسان ما يضحكك مظهره أردت أو لم ترد، وما يحزنك مخبره رضيت أو لم ترض. # لا يكاد يرفع الستار حتى ترى امرأة متقدمة في السن أقرب إلى الشيخوخة منها إلى التوسط في ~~العمر، لباسها ملائم لسنها وملائم لمصدرها ولطبقتها الاجتماعية، فلا تكاد تسمع حديثها حتى ~~تحس أنها ليست من باريس، وإنما وفدت من الأقاليم، وحتى تفهم أنها من هذه الطبقة الغامضة ~~التي لا تبلغ أوساط الناس ولا تريد أن تنحط إلى سفلتهم، قد مات عنها زوجها وترك لها ابنة هي ~~«ألين»، وهي بارعة الجمال، رشيقة القد، عذبة الصوت. وقد ضاقت الحياة بها وبابنتها، فلجأتا ~~إلى باريس، وآواهما رجل موسيقي بارع في فنه، ولكنه ms064 سيئ الحظ بهذا الفن، لا يكسب حياته إلا ~~بمشقة. أحب الفتاة فآواها وآوى أمها، وأصبح أستاذها وعشيقها والقيم على حياتها، وقد مهرت ~~الفتاة في الغناء كما مهرت في الرقص، وتقدمت إلى أحد الملاعب الباريسية، فقبلت فيه مغنية ~~راقصة، وهي تبدأ عملها هذه الليلة وأمها تنتظرها متأثرة، مضطربة فرحة، مشفقة تقدر الفوز ~~وتريد أن تحتفل به، فهي تعد مائدة عليها من الطعام والشراب هذه الألوان التي لا يرضاها ~~الموسرون، ولا يظفر بها المعسرون إلا بعد الجهد والعناء، وهي تتحدث بكل ما في نفسها إلى ~~خادم لها حديثة السن، خفيفة الحركة مسرفة في القول، فلا تكاد تسمع حوارهما حتى يأخذك الضحك ~~فتغرق فيه حين ترى هذه المرأة التي تكاد تكون شيخة تتحدث في لهجة الجد إلى هذه الفتاة التي ~~تكاد تكون طفلة، وهما في هذا الحديث الذي تريانه جدا ونضحك نحن منه، إذ يدخل الموسيقي ~~فرحا، قد ملأه الفرح اضطرابا؛ فهو يبكي ولكن بكاءه نفسه مضحك، وهو يعلن إلى الأم فوز ~~ابنتها، ويحاول أن يمثل لها هذا الفوز، فيجتهد في تقليد الفتاة حين غنت بعض المقطوعات التي ~~أعجب بها الجمهور، والأم سعيدة مغتبطة ولكنها مع ذلك ليست راضية؛ لأنها تكره الملاهي، وكانت ~~تود لو استطاعت أن تجد عنها منصرفا لابنتها، أما الموسيقي فسعيد بهذا الفوز ولكنه مشفق ~~منه؛ مشفق لأنه يخشى أن تنصرف الفتاة عنه إلى هؤلاء النظارة الأغنياء الذين سيرونها في ~~الملهى وسيتملقونها. # تحس منه الأم ذلك، وتحس أيضا أنه يحاول كتمان هذا الخوف، وقد أقبلت الفتاة فرحة، ~~مبتهجة، متأثرة، فهي تقبل أمها وتضم عاشقها وتشكره، ولكن لن يتاح لهؤلاء الناس أن ~~يحتفلوا بهذا الفوز فيما بينهم، فقد أقبل مدير الملهى وأعوانه ورجل غني من زعماء الصناعة ~~يهنئون الفتاة بهذا الفوز، ويدعونها إلى أن تنفق معهم شطرا من الليل في حانة من هذه ~~الحانات التي يذهب إليها الباريسيون إذا خرجوا من الملاعب فيأكلون ويشربون ويعبثون، ونحن ~~نحس أنهم عرضوا ذلك على الفتاة فقبلته قبل أن تعود إلى أهلها ، ولكنها تظهر التردد ms065 الآن؛ ~~لأنها لا تريد أن تترك صاحبها، فما أسرع ما يدعو القوم صاحبها إلى الذهاب معهم فيعتذر ~~ويلحون وتظهر هي الرغبة فيقبل كارها، وينصرفون على أن يرسلوا إليهما السيارة بعد حين. فإذا ~~خلا العاشقان رأينا هذه الأشياء التي تطير القلوب سرورا وتقطعها حزنا؛ رأينا هذا ~~الموسيقي يريد أن يلبس زي السمر، فإذا ثيابه وأدواته من الرداءة والبلى بحيث يخجله ذلك ~~ويؤذيه، ولكنه مبتسم يجتهد في أن يكون حسن الزينة، وإذا هو يفتقد أزراره، فإذا وجد منها ~~واحدا أخطأه الآخر، وصاحبته تتزين، وقد أعارها الملعب ثوب الرقص فهي فيه خلابة بارعة، ولكن ~~كثيرا من أدوات الزينة ينقصها، وهي تشكو ذلك مغتاظة، فإذا أحست من صاحبها الألم ابتسمت ~~وتكلفت تهوين الأمر عليه، وصاحبها يعدها بمضاعفة العمل ليكسب لها ما تحتاج إليه. وقد ~~أقبلت السيارة، فانظر إلى الأم مبتهجة، مفتونة بجمال ابنتها. وانظر إليها تتبع ابنتها وقد ~~أخذت بفضل ثوبها حتى لا يصيبه غبار السلم. وانظر إلى الخادم الطفلة تسبقهم جميعا وفي يدها ~~الشمعة تضئ السلم. وانظر إلى العاشق محزونا يتكلف الابتهاج، وبائسا يتكلف النعيم. # فإذا كان الفصل الثاني فقد تغير هذا كله، وسترى قوما تنكرهم؛ لأن النعمة ألمت بهم ~~فأزالت كل ما رأيت في الفصل الماضي من مظاهر البؤس؛ ذلك لأن «ألين» قد اشتهر أمرها وظهر ~~نبوغها، فابتسمت لها الثروة، وأصبحت لا تشكو عسرا ولا ضيقا، وظهرت آثار ذلك حولها. # فأما أمها فليست شيخة ولا كالشيخة، وإنما هي امرأة نصف فيها قوة وشباب، تلبس على آخر ~~بدع، وتزدان على آخر طراز، وقد تغيرت لهجتها فهي باريسية، وتغير صوتها فهو رخيم، وتغيرت ~~حركاتها فهي رشيقة ممتازة. # وأما الموسيقي فقد أصبح شابا قويا بادي الظرف حسن الزينة رائع المنظر، وقد اقترن ~~بصاحبته. وكذلك الخادم تغيرت وامتازت، والغريب أنها ليست وحدها في البيت بل يشاركها غلام ~~عليه العناية بغرف الاستقبال وما إليها. ولسنا في باريس ولا في ذلك البيت الذي يضاء بالشمع ~~ويخشى غباره على فضل الثياب، وإنما نحن في بيت أنيق فخم في مصطاف ms066 على ساحل البحر يجمع أرقى ~~الطبقات وأغناها إذا أقبل الصيف من كل عام، ونحن نرى مدير الملعب وصاحبته وأعوانه وذلك ~~الرجل الغني يترددون على «ألين» فيلعبون ويقصفون، ونحن نرى زوج «ألين» سعيدا مغتبطا ينبئ ~~صديقه بأن الله قد أذن له أن يكون غنيا، وأنه يضع قصة موسيقية ستنال الجائزة من غير شك، ~~وأنه سيكون ناقدا موسيقيا لصحيفة كبيرة، وأن كل شيء في الحياة يبسم له. ولكن انظر إلى ~~القوم قد أقبلوا، وانظر إلى الموسيقي قد خرج مع صديقه في بعض شأنه، وانظر إلى «ألين» قد خلت ~~إلى الرجل الغني في حين يجلس الآخرون أمام غرفة الاستقبال يرقبون عودة الزوج وكأنهم ~~يلعبون، واسمع إلى هذا الحديث يقع بين «ألين» وبين صاحبها الغني، فإذا هما عاشقان، وإذا هي ~~تخون زوجها، وإذا هذه الخيانة مصدر ما ترى من نعيم! ولكن هذا الرجل ضيق الصدر بهذا الزوج ~~الغبي؛ ضيق الصدر لأنه يريد أن يستأثر بصاحبته، وهذا الزوج الغبي يحول بينه وبين ذلك، وفي ~~الحق أغبي هذا الزوج حقا أم هو متغاب؟! أليس يتكلف الغفلة ليستمتع بنعيم الحياة؟! ذلك ~~شيء يفترضه الغني وتأباه «ألين»، وهما في الحديث والعبث إذ يسمعان صياح أصحابهما الذين ~~يلعبون: «لقد أقبل فلان! لقد أقبل فلان!» # تنبها، فانفصلا، ودخل الموسيقي، وانصرف القوم، وأخذ الزوجان يتحدثان، فإذا الرجل محزون ~~بائس، وإذا امرأته اللعوب تسأله عن مصدر هذا الحزن، فيتردد ثم يجيبها بأنه سمع الناس ~~يذكرونه فيقولون «زوج ألين» ولا يسمونه باسمه، وبأنه رآهم يشيرون إليه ويبتسمون، فهو إذن ~~يشك، وهي تدافعه عن هذا الشك بما أوتيت من حيلة ودل ودعابة، وانظر إليه قد أخذ حقيبة ~~امرأته ونظر فيها فإذا مقدار ضخم من المال، فلا يزداد إلا شكا. وانظر إليه يذكر أن امرأته ~~لعبت الميسر أمس وخسرت كثيرا، ولم تنبئه بشيء، وإنما سمع بذلك عفوا، فهو لا يزداد إلا ~~شكا. وانظر إليه قد استكشف عند امرأته عقدا من الجوهر لا علم له به، فلا يزداد إلا ~~شكا! ولكنها ماهرة وهو عاشق، فتستطيع أن ms067 تخدعه عن أمرها، وأن تستميله إليها، وأن تخلبه ~~بما تبذل من لذة، وهو أغبى من غلامه الذي يفهم كل شيء، ويتحدث إلى زميلته الخادم بكل ~~شيء. # فإذا كان الفصل الثالث، تحدث الموسيقي إلى صديقه، وقد استيقن كل شيء، وأصبح لا يشك في ~~خيانة امرأته؛ ذلك أن القوم اعتزموا الخروج للنزهة وتخلف هو عنهم متكلفا العمل، ثم تبعهم ~~وهم لا يعلمون، فلم ير فيهم زوجه، ولم ير فيهم ذلك الرجل الغني؛ وإذن فقد كذبت عليه امرأته ~~حين زعمت أنها خارجة للنزهة وأنفقت يومها مع صاحبها، ونحن نعلم ذلك لأننا سمعناه في الفصل ~~الثاني. وانظر إلى هذا الموسيقي متألما محزونا، ولكنه متجلد صبور، يعلن إلى صديقه أنه ~~سيترك هذه الحياة كلها وسيعود إلى حياته الأولى: حياة البؤس والشرف والكرامة، ولكنه يريد أن ~~يلهو قبل هذه العودة، وإنه للهو أليم. # أقبل القوم جميعا من نزهتهم وفيهم «ألين» وفيهم الرجل الغني، وكلهم يقص ما رآه ويصف جمال ~~النزهة، والموسيقي مبتهج يتحدث إليهم جميعا حديث من لا يشك في شيء، وأنت ترى من القوم ~~جميعا أنهم يسخرون منه ويرون فيه الغفلة، وقد هموا بالانصراف ليلتقوا بعد حين إلى مائدة ~~العشاء في الحانة، وإذا الموسيقي يمسك الرجل الغني ليبقى معه حينا، فإذا انصرف القوم وخلا ~~الزوجان إلى هذا الرجل الغني، بدأت طائفة من المواقف المؤثرة التي تملؤك عطفا على الزوج ~~وسخطا على امرأته وإعجابا بالكاتب والممثلين؛ انظر إلى هذا الزوج الموتور يريد أن ينتقم ~~لنفسه ولكرامته، ولكنه لا يريد أن يكون سخيفا، ولا ضحكة، ولا مجرما، فهو لا يريد العنف ~~ولا سفك الدم، وإنما يريد أن يكون مترفقا في انتقامه. انظر إليه يعذب الخائنين عذابا ~~أليما لأن موضعه الضمير؛ يستثير غيرة الرجل الغني بما يبدي من التلطف لامرأته وبما يتكلف ~~من مداعبتها، وقد ضمها إليه ثم أجلسها على حجره وأخذ يداعبها هذه المداعبة المشروعة بين ~~الزوجين، والتي لا تكون إلا في الخلوة، والرجل ينظر ويتألم دون أن يستطيع اعتراضا ~~واحتجاجا، والمرأة خجلة ذليلة بين هذين الرجلين ms068 اللذين يتقسمانها، وهي تتكلف الحياء لتخلص ~~من هذا الموقف الأليم، ولكن الزوج لا يحفل بحيائها ولا بألمها، وهو الآن ينتقل من المداعبة ~~إلى الحديث، فيقص على صاحبه أسرار الزوجية وما تمنحه امرأته من لذة إذا خلت إليه، حتى إذا ~~قضى وطره من تعذيب الخائنين وإذلالهما أطلق امرأته فذهبت لتصلح من شأنها قبل العشاء، وخلا ~~هو إلى الخائن وهنا موقف ليس أقل من الموقف الذي سبقه جمالا أو تأثيرا. # هذا الزوج يتحدث إلى عاشق امرأته، فما هي إلا أن يعلن إليه أنه يعلم كل شيء، فإذا وجم ~~الرجل وسأله عما يريد وانتظر الكارثة، أعلن الزوج إليه أنه لا يريد شيئا وأنه راض بهذه ~~الحال، وإذا الرجل الخائن شديد الازدراء لهذا الزوج الذي لا يجري الدم في عروقه، والذي يرضى ~~أن تكون امرأته شركة بينه وبين غيره. يريد أن ينصرف فيمسكه الزوج؛ إذ ليس بد من الاتفاق على ~~أشياء وتدبير مصالح لا بد من تدبيرها. هما شريكان في المرأة، وقد يمكن أن يكونا غدا شريكين ~~في طفل تلده هذه المرأة، وما يزال هذا الزوج يرقى في تمثيل الضعة والمهانة والخيانة والإثم ~~حتى يكشف عن أخس ما في النفس الإنسانية من عاطفة! إنه يلهو، وهو يلهو بازدراء الإنسان، فإذا ~~بلغ من ذلك ما يريد أطلق الرجل وقد اتفق معه على أن يأتي بعد حين ليحمل هذه المرأة في ~~سيارته إلى حيث يريد. # ثم تقبل المرأة فيلقاها زوجها مبتسما، وتأخذ في عتابه على ما أباح من أسرار الزوجية، فما ~~يزال بها حتى يعلن إليها أنه عالم بكل شيء، وراض عن كل شيء، وقابل لهذه الشركة التي تضمن ~~لها الثروة والنعيم، وإذا المرأة تزدري زوجها حقا وتحتقره احتقارا لا حد له، وإذا هي ~~تتألم حقا لأنها كانت تريد أن يحبها زوجها وأن يكون شديد الغيرة عليها، فإذا هي ترى نفسها ~~متاعا يتقسمه رجلان، ولكن الزوج قد أطال الصبر والتكلف وغلا في كظم عواطفه، فهو لا يستطيع ~~الآن صبرا، وانظر إليه وقد انفجر كما ينفجر البركان ms069 فهو ثائر فائر، لا يكاد يملك نفسه، ~~ولا يكاد يمسكها عن اغتيال هذه المرأة، وقد ظهر حبه قويا عنيفا، وظهرت غيرته، وكلها روع ~~وهول، وهو يصيح بامرأته: «أترين في ما يدل على أنني قواد؟!» والمرأة وجلة مضطربة، ولكنها ~~سعيدة مغتبطة؛ لأنها تشهد الحب والغيرة، ولأن زوجها لا ينظر إليها نظره إلى المتاع، وهي ~~تريد أن تستغفر، وتريد أن تتوب، ولكن الزوج يحاول طردها، ثم يبدو له فيضطرد نفسه، وقد ~~أنبأها أن صاحبها سيأتي بعد حين ليحملها في سيارته، وقد انصرف وتركها تعسة بائسة تنتحب ~~وتصيح، ولكن السيارة قد أقبلت، وهي تدعو بالباب. فانظر إلى هذه المرأة قد نهضت متثاقلة إلى ~~المرآة، فأصلحت من شعرها ووجهها وخرجت في هدوء تجيب داعي اللهو والثروة والنعيم. # أكتوبر سنة 1924 # | لحن إلى كروترز # قصة تمثيلية للكاتبين الفرنسيين «فرنان نوزير» و«ألفريد سافوار» # وكذلك أحدثك اليوم عن قصة اشترك فيها كاتبان كقصة الأسبوع الماضي، واتخذت من حديث قصصي ~~كقصة الأسبوع الماضي أيضا. # اشترك فيها كاتبان، وإن شئت فقل ثلاثة؛ فليس أحد هذين الكاتبين اللذين ترى اسميهما هو ~~الذي وضع القصة الأولى أو اخترع حوادثها، وإنما تعاون الكاتبان على استخراج قصتهما ~~التمثيلية من كتاب معروف للفيلسوف الروسي العظيم «تولستوي»، ولست تطمع مني في أن أحدثك ~~اليوم عن «تولستوي» ولا عن كتابه الذي أخذت منه هذه القصة؛ فقد يكون لذلك وقت غير هذا ~~الوقت وموضع غير هذا الموضع، وإنما يكفي أن أتحدث إليك عن هذه القصة التمثيلية التي دخلت ~~الملعب منذ أربعة عشر عاما فأعجب بها النقاد وخاصة الناس، ثم عادت إليه في هذه الأيام ~~فأعجب بها هؤلاء وأعجبت بها العامة أيضا، وكانت دليلا واضحا على تغير نفسية الجماهير، ~~وتغلغل الرقي العلمي والفني في الطبقات المختلفة في الشعب الفرنسي في أثناء هذه المدة ~~القصيرة. # أما أنا فلست أدري بعد أن قرأت هذه القصة أوقعت من نفسي موقع الإعجاب! ولكني أعلم أني ~~تأثرت لها وضقت بها ذرعا، وأنكرت شيئا غير قليل من لهجات أبطالها وأصواتهم، وخيل إلي ~~أني أسمع ms070 شيئا لم أتعود أن أسمع مثله، ولم أهيأ لاستماعه، وأني أرى قوما لا عهد لي بهم ~~ولا بهذه الحياة العقلية والشعورية التي تبعثهم على الحركة والقول. وليس في هذا شيء من ~~الغرابة؛ فإن هذه القصة لا تقع في فرنسا ولا في بلد من بلاد الغرب التي تأثرت بالحضارة ~~اللاتينية اليونانية وطبعت هذا الطابع الذي ألفناه، وهي لا تقع في بلاد الشرق العربي الذي ~~يلائمنا ونلائمه، وإنما تقع في روسيا ويقوم بالحركة والقول فيها طائفة من الروسيين غريبة ~~أطوارهم، يشعرون ويعملون على نحو يخالف شعورنا وعملنا؛ فليس عجيبا أن ننكرهم، وأن نحس أن ~~الصلة بيننا وبينهم منقطعة. # على أن الكاتبين الفرنسيين قد اجتهدا أشد الاجتهاد في إزالة الفروق أو تلطيفها، وخيلوا ~~إلى الناس أن أشخاص هذه القصة من الأشخاص الذين ألفتهم جماهير النظارة في ملاعب التمثيل، ~~ومع ذلك فقد ظلت هذه الفروق ظاهرة قوية. ولعل هذا، بل لست أشك في أن هذا هو السبب في أن ~~الجماهير لم تفتتن بهذه القصة سنة 1910؛ لأنها لم تعرف أشخاصها ولم تأنس إليهم ولم تستطع أن ~~تتمثل فيهم نفسها. وأنت تعلم أن الشرط الأساسي للإعجاب بقصة تمثيلية محزنة هو أن تستطيع فهم ~~أشخاص هذه القصة وتتمثل نفسك فيهم، وحياتك في حياتهم. وأنت تعلم أن هذه المدة القصيرة التي ~~لا تكاد تتجاوز أربعة عشر عاما قد كانت في حقيقة الأمر طويلة، تكاد تعدل القرون؛ لأنها ~~امتلأت بالأحداث، وخلطت الناس بعضهم ببعض خلطا عنيفا أثناء الحرب الكبرى؛ ففهم بعضهم ~~بعضا، وأنس بعضهم إلى بعض، وقربت المسافات بين نفسياتهم المتنائية، واستطاع الفرنسي أن ~~يفهم الروسي ويتمثل نفسه فيه، ومن هنا فازت هذه القصة حين عادت إلى الملعب فوزا عظيما، ~~واستطاع كثير من نقاد اليوم أن يتساءلوا: ما بال بيت «موليير» لا يضم هذه القصة إلى قصصه ~~التي يمثلها من حين إلى حين؛ أي ما بال بيت «موليير» لا يضمن الخلود لهذه القصة؟ # وفي الحق إنها جديرة بالخلود، ولست أدري أهي مدينة بهذا للكاتبين الفرنسيين اللذين حملاها ~~إلى الملعب، ms071 أم للفيلسوف الروسي العظيم الذي نفخ فيها من روحه القوي وأودعها ما أودعها من ~~حياة! وأحسب أنها مدينة به لهم جميعا؛ فأما الفيلسوف فقد اخترعها وأحياها، وأما الكاتبان ~~الفرنسيان فقد منحاها من ضروب الزينة الفنية ما قربها إلى الناس وجعلها سهلة سائغة، تستطيع ~~الجماهير المختلفة أن تفهمها وتتذوقها وتتأثر بما فيها. ~~••• # موضوع هذه القصة الغيرة الزوجية، أو قل موضوعها الزواج السيئ، أو قل إن موضوعها الألم ~~الذي تشعر به امرأة رقيقة دقيقة الحس لم يفهمها زوجها، أو قل إن هذا كله هو موضوع هذه ~~القصة؛ فأنت تجد فيها تمثيلا متقنا للزوج الغيران، قد عذبته الغيرة أشد العذاب، وكلفته ~~ألوانا من الألم، وحملته على ضروب من العنف والقسوة، ونغصت عليه الحياة وأساءت ظنه ~~بالناس وظن الناس به، وقطعت الصلة بينه وبينهم، ثم انتهت به إلى الإجرام، وأنت تجد فيها ~~تمثيلا قويا متقنا شديد التأثير في النفس للمرأة التعسة، منحتها الطبيعة حسا دقيقا، ~~وشعورا رقيقا، وطموحا قويا إلى الحب، ثم حالت الأقدار بينها وبين الظفر بما تريد وبما ~~تستحق من هذا، واضطرتها إلى أن تخضع لآلام الحب وأثقاله دون أن تستمتع بلذاته ونعيمه. ثم ~~بالغت الأقدار في القسوة عليها والعبث بها، ففتحت لها باب الأمل ولكن على أن لا تلجه دون ~~أن تتورط في الخيانة وتتعرض للمكروه! وأنت تجد في هذه القصة تمثيل هذا الرجل الآثم السخيف ~~الذي اتخذته الطبيعة فتنة لنفسه وللناس، وأقامته دليلا على أن الإنسان قد يرقى حتى يكون ~~عظيما، ولكنه قد ينحط حتى يكون دنيئا. هذا الرجل الجميل الخلاب الذي يظن بنفسه الخير وهو ~~شرير، ويؤمن لنفسه بالشجاعة وهو جبان، ويعلن عن نفسه الوفاء والصدق وهو خائن كاذب، لا يبتغي ~~إلا اللذة، ولا يطمع إلا في اللهو، ثم تجد في هذه القصة بعد هذا كله تمثيلا صادقا، ولكنه ~~خفي أشبه بالتلميح منه بالتمثيل لهذه الأسرة، التي تضطرها الحاجة إلى أن تضحي بابنتها ~~في سبيل الثروة ولين العيش، ثم لا تلبث أن تنخدع فيخيل إليها أنها لا تضحي بابنتها، ms072 ~~وإنما تقدم إليها السعادة ونعيم الحياة! # تجد هذا كله في هذه القصة، وتجده قويا عنيفا ثقيلا، حتى إنك إذا فرغت من قراءة القصة ~~تشعر بضيق شديد، وتلتمس ما يشغلك عن التفكير فيها؛ لتنصرف عن هذا الألم الذي يسدل على ~~الحياة كلها أمامك سترا أسود حالكا، لا موضع فيه للأمل ولا الابتسام. ~~••• # نحن في مدينة بطرسبرج عاصمة روسيا القيصرية، في بيت رجل غني، ضخم الثورة، متوسط العمر، لم ~~يكد يبلغ الأربعين، هو «بوزنيشف»، تراه جالسا في غرفة استقباله وقد اعتجر بفوطة، وظهرت ~~عليه أمارات الضجر والسأم، والخادمة ترتب الغرفة، فيسألها عن سيدتها، فتجيب أنها لا تزال ~~تصلح من شأنها، فيأمرها أن تنبئ سيدتها بأنه ينتظرها وبأنه شديد الحاجة إليها، ضيق الصدر ~~لبعدها عنه. فإذا انصرفت الخادمة، دخل عليه عمه، وهو طبيب، فلا يكادان يتحدثان حتى نفهم ~~القصة، وهي: أن هذا الشاب الغني قد أسرف على نفسه، فلها كثيرا حتى تعرض للمرض، ثم عرف ~~أسرة كانت غنية ولكنها سيئة الحال، وأحب إحدى فتيات هذه الأسرة، فخطبها فقبلت الأسرة ~~خطبته، وتزوج الفتاة وإن بينهما لفرقا عظيما؛ يكاد هو يبلغ الأربعين، ولا تكاد هي تتجاوز ~~الثامنة عشرة؛ قد أسرف هو في اللهو، وجهلت هي كل شيء؛ قد أبلاه هو لهوه، وظلت هي جديدة ~~الجسم والنفس والعاطفة. وهو يشعر بكل هذه الفروق ويألم لها ويريد أن يزيلها، هو يحب الفتاة ~~ويريد أن تكون سعيدة، فهو يتكلف الشباب والقوة ويظهر للفتاة حرصا شديدا على تحقيق آمالها ~~كلها، وقد خيل إليه أنه وفق من هذا كله لما يريد، وأن الفتاة سعيدة حقا وأنها تحبه ~~حبا لا حد له، وأنها لا تستطيع أن تفارقه لحظة دون أن تجد لذلك ألما شديدا. # هو يقول هذا كله لعمه الطبيب، وعمه يسمع هذا الحديث مظهرا الشك فيه، وقد أقبلت الفتاة، ~~فلا نكاد نراها ونسمعها حتى نستيقن أن الشيخ مصيب في شكه، وأن الشاب مخطئ في يقينه، وأن ~~الحقيقة الواقعة هي أن هذا الشاب يحب الفتاة ويريد أن تحبه الفتاة، فهو يخدع ms073 نفسه، أما ~~الفتاة فلا تحبه ولكنها تذعن له إذعان المكره الذي لا يجد مفرا من القضاء. # أخذها سعال، فانظر إلى زوجها قلقا مذعورا يريدها أن تلزم الغرفة. ماذا نقول! بل على أن ~~تلزم السرير، ويعلن إليها في تلطف أنه سيلازمها وسيعنى بها، أما هي فتأبى وتظهر الضجر، ~~ولكنه لا يفهم أو لا يريد أن يفهم. انظر إلى الشيخ الطبيب يريد أن ينصرف، فإذا الفتاة تدعو ~~زوجها إلى أن يخرج مع عمه حينا، فإذا أبى الزوج هذا الخروج ألحت عليه فيأبى، فتسرف في ~~الإلحاح قائلة إنه يستطيع أن يخرج ليحمل إليها هدية ما، ونفهم نحن أنه يقبل؛ لأنه سيعود ~~بهذه الهدية، وسيتخذها وسيلة إلى أن يظفر من زوجه بما قد كانت تأباه عليه لو لم يخرج. ذهب ~~ليأخذ قلنسوته، فإذا الفتاة تلقي على الشيخ سؤلا نفهم منه أنها كانت تحب شابا آخر غير ~~زوجها، وقد عاد الزوج وخرج مع عمه بعد أن طلب إلى امرأته أن تقف إلى النافذة وأن تلوح له ~~بمنديلها حتى يغيب عنها، فتفعل، ثم تعود وإذا هي تتنفس الصعداء وكأن الله قد رفع عنها ~~ثقلا شديدا، ولكن أمها قد جاءت، فاسمع إلى الحديث بينهما، تفهم أن الفتاة ضيقة الذرع ~~بزوجها؛ لأنه يثقل عليها بنفسه وحبه ولذته؛ فهو لا يتركها وحدها لحظة، وهو يتبعها بأمله ~~ورغبته في كل مكان وفي كل حين، حتى كرهت الحياة، وأمها تلومها وتسخر منها، وفيم تطمع امرأة ~~حديثة عهد بالزواج إذا لم تطمع في أن يثقل عليها زوجها هذا الإثقال! # ولكن الزوج قد أقبل وفي يده شيء، فلم يكد يتحدث إلى امرأته وأمها حتى نهضت الأم تريد أن ~~تنصرف إلى غرفتها، وتريد ابنتها أن ترافقها، فيمسكها الزوج ويدعو الخادم لتدل الأم على ~~غرفتها؛ ذلك أنه شديد الشوق إلى أن يخلو إلى امرأته، فإذا خلا إليها فاسمع لحديثهما؛ إنها ~~تشكو إلحاحه وتضرع إليه في أن يخلي بينها وبين نفسها حينا وفي أن يشغل نفسه عنها بعمل ما، ~~وانظر إليه محزونا مغضبا ، حتى إن هديته ms074 لتسقط من يده، ولا تكاد تفرغ من الاستماع ~~لهذا الحديث حتى تشعر بأن كلا الزوجين ضيق الذرع بالحياة، هو يكذب على امرأته ليسعدها، وهي ~~تكذب على زوجها لتعصمه من الألم وخيبة الأمل، ولكن صديقا لهما قد دخل وهو «تروكاسنسكي»، ~~رجل موسيقي، حسن الطلعة، مشهور بفتنة النساء، فيلقاه الزوج لقاء سيئا؛ ولكنه لا يدعه ~~ينصرف بل يطلب إليه أن يجلس إلى البيانو ويوقع عليه، وقد جلس الموسيقي إلى البيانو وأخذ ~~يوقع هذا اللحن المشهور الذي سميت به القصة، وانظر إلى الزوج قد أدنى زوجته منه وأخذ ~~يسألها: «أتحبينني؟» فتجيبه كارهة: «دعني أسمع، إن هذا لجميل.» ولكنه يطلب إليها قبلة ~~فتفعل كارهة، ويلتفت الموسيقي فيراهما، فيظهر الإنكار والغضب، ويأمره الزوج أن يمضي في ~~اللعب، وقد فهمنا أن هذا اللحن قد عبث بنفس الفتاة. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني، فنحن حيث كنا في الفصل الأول؛ ولكن العهد بعيد بهذا الفصل، فقد ~~مضى حين طويل ورزق الزوجان طفلين، ولكن موقف كليهما من صاحبه قد أصبح جليا واضحا؛ أما ~~المرأة فقد أظهرت ميولها وعواطفها، وأحس منها زوجها أنها لا تحبه وأنها لا تكره أن تتحدث ~~إلى غيره، بل أن تغلو في هذا الحديث، وهو لهذا مغتاظ حنق شديد الغيرة سيئ الظن بامرأته وسيئ ~~الظن بالناس أيضا، لا يكاد يحس من امرأته ميلا إلى الحديث مع أحد أصدقائه حتى يقصي هذا ~~الصديق ويقطع ما بينهما من صلة، ومع ذلك لم تخنه امرأته بعد، ولكنه غيران، فهو يحتاط يريد ~~أن يتقي الخيانة، ونحن في أول هذا الفصل الثاني نعلم أن أحد الطفلين مريض، وأن الأم قد دعت ~~طبيبا آخر غير عم زوجها لأنها لا تطمئن إلى عم زوجها، وهذا الطبيب الآخر رجل متكلف مكثار، ~~ولكنه ظريف لا يخلو من دعابة، والطبيبان مختلفان، يرى الشيخ أن الطفل بخير، ويرى الآخر أن ~~حالته سيئة، والأم تصدق الثاني دون الأول، ومهما يكن من شيء فالذي يعنينا هو موقف الزوجين، ~~وهو سيئ، فلا يكادان يخلوان حتى يتبادلا جملا ملؤها التعريض الأليم: كلاهما ms075 يتهم صاحبه، ~~وكلاهما يحذر صاحبه ويخافه، وقد أقبل الموسيقي، فما أسرع ما نفهم أن بينه وبين المرأة ~~صلات قد أخذت تقوى وتلائم بينهما، وما أسرع ما يفهم الزوج ذلك؛ فانظر إلى غيرته قد تجاوزت ~~كل حد، فهو يخرج امرأته ليخلو إلى الموسيقي، وانظر إلى هذه المرأة تخرج كارهة وإنها لتتكلف ~~إمساك دموعها، وإنها لتحس إحساسا عنيفا هذه الذلة التي هي مضطرة إليها مع هذا الزوج. أليس ~~مذلا لها أن يتهمها زوجها هذا الاتهام وألا يخفي اتهامه ولا يتلطف فيه؟! # خلا الزوج إلى صاحبه وأخذا يتحدثان، فما ألذ هذا الحديث وما أقساه وما أكثر نفعه! حديث ~~يكشف لنا عن نفسي هذين الرجلين المختلفين أشد الاختلاف؛ أما الزوج فشديد الغيرة كما قلنا، ~~يسيء الظن بامرأته وبأصدقائه، ثم يحمله ذلك على أن يسيء الظن بكل امرأة وبكل رجل، وهو يعتقد ~~أن المرأة كاذبة بطبعها، وأنها أشد ما تكون كذبا حين تكون متأثرة أو خاضعة لعاطفة عنيفة، ~~فلا تسمع لها إذا حدثتك أوقات تأثرها، وإذا كنت تريد أن تتبين أصادقة هي أم كاذبة؟ أوفية ~~هي أم خائنة؟ فلا تلتمس ذلك في حديثها ولا في تأثرها ولا في حركاتها، فهي منافقة في هذا ~~كله، ولكن التمس ذلك في صوتها العادي حين تتكلم غير متأثرة ولا منفعلة؛ فهذا الصوت هو ~~مرآتها الصادقة. # وأما الآخر فرجل تعود فتنة النساء وهو صاحب لهو ولذة، وهو جبان، وهو يحس أن صديقه ~~يتهمه، ويحس أن صديقه ليس مسرفا في الاتهام، ويريد أن يقف موقفا لا يلزمه شيئا ولا ~~يورطه في شيء، فهو يراوغ ويفر، ولكن صاحبه لا يزال ينتقل من تلميح إلى تلميح حتى ينتهي إلى ~~الصراحة فيطرده طردا عنيفا، وقد أنذره إنذارا قاسيا. خرج الموسيقي، وأقبلت الزوجة، فإذا ~~علمت أن زوجها قد طرد الموسيقي غضبت لذلك غضبا شديدا، وكان بينها وبين زوجها خصام عنيف ~~ينتهي بأن تنصرف المرأة وهي ترمي زوجها بأنه قاتل، وقد أحكمت إغلاق الباب عند خروجها، ولكنك ~~تسمع بعد دقائق صوتا يدعو، وإذا المرأة تدعو زوجها ms076 تعلن إليه أنها تجرعت السم، وأنها ~~تتألم، وأنها تموت، فهو لا يصدقها بل يظل هادئا، ولكنه يسمع في الغرفة اضطرابا فيسأل ~~نفسه: أليس من الممكن أن تكون صادقة؟ ويدعو الخدم ويحاول كسر الباب. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث، فقد مضت أيام على ما كان في الفصل الثاني، ونحن في غرفة الاستقبال ~~نفسها، نرى الزوج جالسا وكأنه مغرق في النوم، ونرى أم الزوجة وأختها تتحدثان، وهما ~~تعدان الدواء، ونفهم أن المريضة ليست في خطر، وأن الأطباء قد استطاعوا أن ينقذوها من ~~الموت، ونسمع الأم تلح في إهانة الزوج، وفي أن ابنتها متى برئت من علتها ستترك هذا البيت ~~وستقطع ما بينها وبين زوجها من صلة، وهي تلح في ذلك إلحاحا ظاهرا، وقد أقبل الطبيب، فينبئ ~~بأن المريضة في حال حسنة، وأنها تستطيع أن تترك غرفتها اليوم، وأنها تريد أن تلبس ثيابها، ~~فتنصرف أمها وأختها لمعونتها، ويخلو الطبيب إلى الزوج، فيتحدثان، فإذا الزوج لم يكن مغرقا ~~في النوم، وإنما كان مغرقا في التفكير، وإذا هو مضطرب أشد الاضطراب، قد ساء ظنه بامرأته ~~حتى أصبح يسأل نفسه: أحق أنها شربت السم، وأنها كانت تريد أن تموت؟ وهو يلقي هذا السؤال ~~على الطبيب فلا يظفر منه بجواب مقنع، ولا يكاد ينصرف الطبيب حتى تأتي الأم فتأمر الزوج بترك ~~الغرفة لأن امرأته تريد أن تأتي وهي تكره أن تراه، فيطيع، وتأتي الزوجة متثاقلة شاحبة، ~~فتلتمس زوجها، فإذا أنبأتها أمها بأنها أبعدته عن الغرفة عاتبتها في ذلك، فتسألها أمها: «لم ~~تريدين أن تريه؟» فتجيب: «لأني كنت أريد أن أعلن إليه أني منصرفة من داره وأني لا أحبه ~~ولا أبغضه.» وانظر إلى الأم التي كانت تعلن منذ حين أن ابنتها لن تبقى في هذا البيت قد أخذت ~~الآن تستعطف ابنتها وتلح عليها في البقاء، تلتمس لذلك العلل والمعاذير، وتفهم أنها تكره هذا ~~الطلاق إشفاقا على الأسرة من نتائجه، وتريد أن تضحي بابنتها في سبيل الأسرة، ويخيل إليها ~~أن ابنتها تستطيع أن تكون سعيدة وأنها تستطيع أن تفعل ما ms077 تريد، فإذا أظهر زوجها شيئا من ~~الغيظ أو الغيرة أنذرته بشرب السم، وقد أحست الفتاة أن الطلاق سيكون خطرا على أسرتها، فهي ~~تضحي بنفسها في سبيل الأسرة وترضى البقاء. # وقد خرجت الأم وعادت ومعها الزوج، فلا يكاد الزوجان يتحدثان حتى نقتنع بأن الحرب لم تضع ~~أوزارها بينهما، ثم يخلوان فإذا هي تعلن إليه أنها تبقى لا لأنها تحبه، بل لابنيها ~~ولأسرتها، وأنها تريد أن تكون حرة منذ اليوم، وإذا هو يعلن إليها أنه لن يغفر لها خطيئة، ~~ولن يعفيها من عقاب إذا خانته أو أظهرت ميلا إلى خيانته، وكانت الأم قد ألحت عليه في أن ~~يكتب إلى الموسيقي يستزيره ليرضي امرأته، ففعل مظهرا الإذعان، ولكنه في حقيقة الأمر كان ~~يريد أن يمتحن امرأته، وهذا الخادم يستأذن للموسيقي؛ فينصرف الزوج ويدخل الموسيقي، فإذا ~~الكذاب في أبشع صورة، ينبئ الفتاة بأنه علم بما أصابها فأقبل يزورها ويتعرف أنباءها، فإذا ~~سألته: «ألم يبلغك كتاب زوجي؟» أجاب: «أي كتاب؟ وهل كتب إلي؟ وهل أنا في حاجة إلى هذا ~~الكتاب؟» ثم لا يزال بالمرأة حتى يقنعها بحبه ووفائه وبأنه يستعد للتضحية بنفسه في سبيلها، ~~وبأنها تستطيع أن تعتمد عليه. وانظر إليها قد انخدعت واقتنعت، وإذا هي تداعبه وتتلطف له، ~~ولكنها قد أحست التعب فتنصرف، وقد استوثقت أنه سينتظرها حينا، فلا تكاد تنصرف حتى يدعو ~~الخادم الذي حمل إليه الكتاب فيدفع إليه مالا ويأمره ألا ينبئ سيدته بأنه دفع إليه الكتاب، ~~وأن يزعم لها أنه ترك الكتاب عند البواب، يقول الخادم: «إذن فسأكذب!» فيجيبه: «نعم، ~~ستكذب.» ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فنحن حيث كنا في الفصل الثالث، وقد هدأ كل شيء؛ لأننا في الساعة ~~الثانية صباحا، فلسنا نرى إلا ثلاثة أشخاص: الزوجة وهي جميلة حسناء قد برئت من علتها ~~واستأنفت حياة ملؤها الشباب والحب، والموسيقي، والطبيب الشاب. وهم يذكرون الزوج، ونفهم من ~~حديثهم أنه قد عني بزراعته وانصرف إليها، وأنه الآن في أرضه على مسافة بعيدة جدا من ~~مدينة بعيدة جدا من مدينة بطرسبرج . لا يشكون في ms078 ذلك لأنه بعث اليوم برسالة برقية من هذا ~~المكان البعيد، وقد انصرف الطبيب، وخلا العاشقان، فهما سعيدان بهذه الخلوة وهما يستعدان ~~لليلة سعيدة، ولكنهما يسمعان حركة ثم يريان الزوج! # لم يكن إذن في أرضه، وإنما كلف أحد عماله أن يرسل هذه الرسالة البرقية، واحتال هو في أن ~~يفجأ الخائنين، وهذا الفصل من القصة ثقيل مؤلم ملؤه سخرية مرة وعبث مع الموت. # انظر إلى هذا الزوج مبتسما، وانظر إلى امرأته ملتاعة تتكلف الهدوء، وانظر إلى الموسيقي ~~مضطربا يتكلف الثبات، واسمع لهذه الأحاديث تدور بينهم، فلن تجد فيها إلا شكا وسوء ظن، ~~وإلا ميلا إلى الانتقام وخوفا من الموت وتخلصا من التبعة، والمرأة أضعف الثلاثة، فقد ~~أخذها الدوار، وأسرع زوجها إلى غرفتها يهيئ لها شرابا يرد إليها بعض قوتها، فخلت إلى ~~صاحبها لحظة وهي مخلوعة القلب، تنبئ صاحبها أن زوجها سيقتلها وتضرع إليه ألا يتركها، وهو ~~يتنصل ثم يعلن إليها أنه سيظهر الانصراف وسيختبئ خارج الغرفة، فإذا أحس شيئا أسرع إلى ~~نصرها، وقد أقبل الزوج ومعه الشراب فشربت، وانصرف الموسيقي وخلا الزوجان، وإذا هما يسمعان ~~بابا يغلق إغلاقا عنيفا وحركة رجل مسرع في المشي، فتجزع المرأة ويقول لها زوجها في ~~هدوء: «لقد هرب. ألم أقل لك إنه سيكون إلى الهرب أسرع منه إلى العودة؟ لن يستطيع أن ~~يعينك.» وانظر إلى المرأة جزعة ذاهلة، ترى الموت وتريد أن تتقيه، فهي تنكر حينا وتسب حينا ~~آخر، وتستغيث وتستعطف، وزوجها هادئ مطمئن يعبث بمسدسه ويداعبها في ألفاظ مؤلمة. وانظر ~~إلى هذا الموقف البديع؛ إلى هذه المرأة الجزعة الهلعة قد أخذت تكذب على نفسها وعلى زوجها، ~~فتخيل إليه أنها تحبه أو أنها مستعدة لهذا الحب، تريد أن تتقي الموت باللذة، وأن تفتن ~~زوجها عن إرضاء الانتقام بإرضاء الشهوة، والزوج هادئ، ولكنه طامع أو مظهر الطمع، وهو يدعو ~~امرأته في دعابة وطمع ورغبة إلى أن تدنو منه وهو يبسط ذراعيه وهي تدنو خائفة طامعة، وهي ~~الآن بين ذراعيه ولكنها لن تجد بينهما لذة ولا حياة وإنما تجد ms079 الموت؛ فقد خنقها زوجها وهي ~~الآن بينهما جثة هامدة وهو قائم يتنفس الصعداء. # نوفمبر 1924 # | الحب # قصة تمثيلية بقلم الكاتب الفرنسي «هنري كستماكر» # أقصة تمثيلية هي، أم قصيدة من جيد الشعر، أم كتاب في فلسفة الحب؟ أم هي هذا كله في وقت ~~واحد؟ أما أنا فأميل إلى أنها قد جمعت خصال التمثيل إلى خصال الشعر الجيد، إلى خصال البحث ~~النفسي الدقيق. جمعت كل هذا؛ فهي تؤثر في نفسك من كل هذه النواحي؛ تؤثر في نفسك من ~~الناحية التمثيلية؛ لأن فيها حركة مهما تكن هادئة مقتصدة ساذجة، فهي حركة مؤثرة كافية كل ~~الكفاية لإظهار مهارة الممثل وبراعته، وللتأثير في حس النظارة وشعورهم، وتؤثر فيك من ~~الناحية الشعرية؛ لأن كاتبها قد ارتقى بها حقا إلى حيث يشرف على النفس في أحسن مواقفها ~~وأدقها، فيرى دخائلها، ويلم بما تطمح إليه الإنسانية من مثل أعلى، وما تطمع فيه من سعادة لم ~~يتح الظفر بها للأحياء، وتؤثر فيك من الناحية العلمية الخالصة، لأنها تحليل دقيق للنفس ~~وعواطفها، ودرس عميق للأهواء الإنسانية وأنحائها المختلفة، وهي تؤثر فيك بعد هذا كله من ~~الناحية الفنية الخالصة؛ فقلما تقرأ في آثار هذا العام قصة تمثيلية كتبت بمثل ما كتبت به ~~هذه القصة من دقة وسذاجة وإتقان في تخير للفظ وقصد في أداء المعنى. لن تجد فيها معنى ~~تبسط الكاتب في أدائه، ولن تشعر فيها بشيء يمكن الاستغناء عنه، بل قد تشعر بإيجاز شديد ~~يحملك لا على أن تطلب الإسهاب أو الإطناب، بل على أن تفكر وتتدبر وتشعر بهذه اللذة التي ~~يشعر بها من يقرأ ليفهم حين يحس كأنه استكشف المعنى استكشافا في غير مشقة ولا عناء. # وعندي أن خير ما تمتاز به هذه القصة من الجهة الفنية الخالصة هو أن كثيرا من الناس قد ~~يقرءونها فلا يقدرونها؛ لأنها في حاجة إلى أن تقرأ مع دقة وعناية وروية خاصة. لست أدري أأصف ~~ما في نفسي كما أحب؟ ولكني أريد أن أقول إن في هذه القصة شيئا غير قليل من الترف ms080 الفني، لا ~~يحسه ولا يقدره الناس جميعا، ومع ذلك فقد استطاع الجمهور الفرنسي أن يفهم القصة ويقدرها، ~~ويحمل النقاد على أن يسجلوا لها فوزا عظيما. # وما موضوع هذه القصة؟ قلت إنها قصة ساذجة، وفي الحق إن موضوعها ساذج يسير، ولكنه مع ذلك ~~دقيق فيه تعمق شديد، وهو مع ذلك مؤثر، أو هو لذلك مؤثر. موضوع هذه القصة العلاقة بين الحب ~~والسن، أو قل بين الشباب والشيخوخة، أو قل هو هذا التناقض الشديد الذي يوجد بين عواطف ~~الشباب وعواطف الشيخوخة فيما يتصل بالحب، أو قل إن موضوعها هو البحث عن هذه القلوب التي ~~تحتفظ بشبابها الكامل وفتوتها القوية ولكنها مستقرة في صدور الشيوخ، فهي بين مؤثرين مختلفين ~~مؤلمين: أحدهما هذا الشباب الطبيعي الذي لا حد لقوته، والذي يملؤها بهذه الأطماع؛ أطماع ~~الشبان، فإذا هي تحب كما يحبون، وترجو كما يرجون، وتريد أن تحيا وأن تلذ كما يحبون ~~ويلذون. والثاني هذه الشيخوخة الفانية التي ألمت بأجسامهم، فعبثت بها وصرفت عنها قلوب ~~الحسان، وكلفتها شيئا من الاحتشام والقصد، تشعر شعورا واضحا أنها تستطيع أن تنصرف عنهما. ~~نعم، تدرس هذه القصة رجلا شاب القلب شيخ الجسم، يؤلمه شباب قلبه وشيخوخة جسمه، واضطرابه ~~بين ما يبعث فيه هذا الشباب وما تضطر إليه هذه الشيخوخة، ولكنها تدرس مع هذا الرجل أشخاصا ~~آخرين لهم منها مكانة قوية خليقة بالعناية. تدرس هذه الفتاة الريفية الساذجة الوادعة التي ~~تفهم الطبيعة على وجهها، وتتأثر بالطبيعة في غير تكلف ولا تصنع: تحب غير متكلفة، وتنصرف ~~عن الحب غير متكلفة كذلك، تمنح السعادة وهي تجهل أنها تمنحها، وتجر الشقاء وهي تجهل أنها ~~تجره، يسعدك أن تراها سعيدة، ويؤلمك أن تراها شقية، ولكنك مع ذلك لا تستطيع أن تضيف إليها ~~أو إلى إرادتها نتيجة ما تمنح من سعادة أو ما تجر من شقاء. # وتدرس هذه المرأة التي تشعر بأنها جميلة رائعة، وبأنها غنية مثرية، وتريد أن تستمتع بهذا ~~السلطان الذي تستمده من جمالها وثروتها، فتريد أن تكون سيدة زوجها، تصرفه كما تريد لا ms081 كما ~~يريد، وتمنحه ما تريد لا ما يريد؛ وهي بعد لا ترضى أن يسألها زوجها عن شيء أو يأخذها بشيء؛ ~~لأنها مقتنعة أنها ليست مدينة له بشيء، وإنما هو المدين لها بكل شيء. فيها أثرة، وفيها ~~كبرياء، ولكن عواصف الأيام وأحداث الدهر أعظم سلطانا على الناس وأبعد آثارا في نفوسهم من ~~الأثرة والكبرياء، فإذا عصفت بأشد الناس أثرة وأعظمهم أنفة أضعفت هاتين العاطفتين في نفسه ~~وردته إلى طوره، فإذا هو يريد أن ينزل عن سلطته ويقتنع من الحياة بما أتيح له. # ثم تدرس إلى هؤلاء الأشخاص شخصا آخر غريب الأطوار، ولكنه شائع بين الناس، لا يكاد يخلو ~~منه مكان، ولا يكاد يخلو منه جيل، وهو هذا الرجل الذكي ذو الفطنة القوية والقريحة والوقادة، ~~قد أخطأه الحظ، وتجاوزته النعمة، وقضي عليه أن يكون شقيا منكودا، لا يعمد إلى عمل من ~~الأعمال إلا أدركه الإخفاق، ولا ينهض إلى أمل من الآمال إلا ثقل اليأس فهوى به إلى حيث لا ~~يستطيع أن ينهض، وهو شاعر بهذا كله محس له، يجتهد في أن يتعرف أسبابه ويتبين مصادره، ولكنه ~~لا يوفق لذلك، فيلقي تبعة شقائه وحرمانه على الجماعة، وإذا هو عدو للجماعة، يبدأ فيزدريها، ~~ثم يغلو في هذا الازدراء حتى يصبح على الجماعة حربا، وإذا هو يستبيح الآثام، ويستحل المنكر ~~فيما بينه وبين الناس من صلة. هو عدو للنظام وهو عدو للأخلاق، وهو عدو لكل ما تواضع الناس ~~عليه، وهذه العداوة نفسها لا تزيده إلا انغماسا في سوء الحظ؛ فالناس يكرهونه ويخافونه ~~وينصرفون عنه ويؤذونه كلما وجدوا إليه سبيلا. وكلما ازدادت مسافة الخلف بينه وبينهم بعدا ~~ازداد سوء ظنه بهم وقبح رأيه فيهم، ولم يفده ذلك إلا شقاء إلى شقاء. # وفيه إلى هذا الشر كله ناحية خيرة طاهرة؛ فهو محب، يحسن الحب، ويحسن الوفاء لمن يحب، وهو ~~صديق يبر بصديقه ويعرف كيف يشاطره الألم، وربما عرف كيف يضحي بنفسه في سبيله؛ وكل هذا لا ~~يمنعه أن يحسد صديقه ويسيء إليه في ماله إذا دعته الحاجة ms082 إلى ذلك! # لا يخلو مكان من هؤلاء الناس الذين أراد تكوينهم ومزاجهم وأرادت الأحوال الاجتماعية ~~المحيطة بهم أن يشذوا عن أطوارهم وينحطوا عن طبقاتهم، فأنت لا تدري بأي طبقة من طبقات الناس ~~تلحقهم، ولا في أي منزلة من المنازل الاجتماعية تنزلهم، وأنت تخافهم وترحمهم، وأنت تنفر ~~منهم وتعطف عليهم، وأنت تريد أن تحسن إليهم ولكن من بعيد. # هؤلاء هم أشخاص القصة، اختصرت لك صورهم النفسية اختصارا، فلننظر الآن إلى القصة نفسها، ~~ولكني أنبهك قبل كل شيء إلى أني لن أستطيع أن أعطيك منها صورة صادقة، ولا مقاربة؛ لأنها أدق ~~وأعمق وأكثر تفصيلا من أن يؤديها تحليل موجز، إنما تحتاج إلى ترجمة دقيقة، وما أحسب هذه ~~الترجمة إلا عسيرة جدا. ~~••• # إذا رفع الستار فنحن في بريتانيا الفرنسية، في مكان جميل المنظر شديد التأثير في النفس، ~~ولا سيما نفس الرجل الفني، مصورا كان أو شاعرا أو موسيقيا. نحن على قرب من البحر حيث ~~يصب النهر في مكان قد عبثت به الأيام، نرى سورا يتهدم، وقرية قديمة تنعكس عليها أضواء ~~الشمس في وقت الغروب، فهي نحاسية اللون، وفي المكان بقايا زورق متحطم، والنهر يجري هادئا ~~على يمينك، وقد قامت حول السور أشجار بسطت غصونها في غير نظام، وفي هذا المكان البديع رجل ~~مصور هو «بيير نافار»، قد بعد صوته وعظمت منزلته حتى انتخب عضوا في المجمع العلمي الفرنسي، ~~وهو ضخم الثروة واسعها، قد أقبل إلى هذه الناحية ليقضي الصيف، وأعجبه هذا المكان فأقبل ~~يصوره. وهو إلى عمله، وإذا صوت يدعوه، فإذا دنا منه الصوت التفت، فإذا رجل رث دميم منكر ~~الخلق والصوت، هو «إتيان فريجوز». يتحدثان، فإذا هما صديقان، كانا رفيقين أيام الصبا، وإذا ~~هما يصطنعان فنا واحدا هو التصوير، لكن أحدهما قد ابتسم له الحظ فارتقى من نعمة إلى نعمة ~~وأتيحت له لذات الحياة، فإذا هو الآن سعيد قد ظفر من بعد الصيت وضخامة الثروة ومن الترف ~~والنعيم بأكثر مما كان يريد، في حين قد قدر للآخر الشقاء، فلم تفده مهارته الفنية ms083 ولم ~~يعد عليه إتقانه لفن التصوير إلا بالأذى والمحنة، فاضطر إلى أن يترك التصوير إلى نقد ~~التصوير. ولكن النقد لم يفده إلا عداوة وخصومة جعلت حياته عسيرة ضيقة، فأخذ يتقلب في ~~المهن والصناعات فيما يعرف وما لا يعرف، وأخذ لا يجد من هذا كله إلا شرا، حتى أصبح من ~~أنصار الفوضى وأعداء النظام، وقد اضطره ذلك إلى السجن، فمكث فيه أشهرا، ثم خرج فأقبل إلى ~~هذا المكان يستريح مع صديقة له قديمة كانت خليلته أيام الصبا، وهي دميمة مثله، ولكنه يرى ~~دمامتها جمالا، ويرى سعادته - إن كان الدهر قد قدر له السعادة - في حب هذه المرأة والوفاء ~~لها. # يتحدث إلى صاحبه فيحسده ولا يخفي عليه هذا الحسد، ويلومه لأن الدهر قد ابتسم له، وصاحبه ~~يسمع منه ذلك مبتسما متحرجا؛ لأنه على بعد صوته وضخامة ثروته واستمتاعه باللذة والشرف ~~زاهد في الحياة ساخط عليها ضيق بها ذرعا، وهو يعطف على صاحبه، ولكنه يخافه وينفر منه، وهو ~~يريد أن يحسن إليه ويرفق به، ولكن على ألا تشتد بينهما الصلة، فإذا سأله عن أنبائه وعرف أن ~~الحب ما زال قائما متصلا بينه وبين صاحبته «شيكيت» التي كانت صديقة لهما منذ ثلاثين سنة ~~أيام الصبا وأيام البؤس والضيق، أخذه اضطراب شديد وحزن ظاهر، وعرف الرجل منه ذلك. ثم ينصرف ~~هذا الرجل، ويخلو المصور إلى فنه، ولكنه لا يكاد يأخذ فيه حتى يحس حركة من وراء السور، ~~فيلتفت فإذا فتاة حلوة رشيقة قد أشرفت عليه من ثلمة السور، وظهر وجهها الجميل تحيط به أغصان ~~الشجر، فيعرفها ويتلقاها راضيا مبتهجا، وإذا هو يبسط إليها ذراعيه فينزلها قريبا منه، ~~وإذا هما يتحدثان. هذه الفتاة هي «ماري كارلو» من أهل هذه القرية القريبة، كانت أمها أرملة ~~ثم تزوجت رجلا من أهل المدينة كان مثريا موسرا، ثم ضاق به العيش فاضطر إلى أن يعمل ~~حارسا في هذه القرية عند رجل من أغنيائها. # هذه الفتاة الساذجة والوادعة ذات الحديث الحلو والقلب الطاهر والنفس الجذابة والخلق ~~الحسن، تذكر زوج أمها متحرجة ms084 باكية خائفة من هذا الرجل؛ لأنه سيئ الخلق شديد الغيرة، يسيء ~~إلى أمها لسبب وبغير سبب، ويشدد المراقبة على الفتاة حتى إنها لتخشى أن يكون كامنا لها ~~قريبا من هذا المكان، والمصور يهدئها ويسليها ويداعبها مداعبة الأب لابنته، بل قل مداعبة ~~العاشق لعشيقته، إلا أن هذا المصور قد ناهز الخمسين والفتاة لم تكد تبلغ العشرين، وهو يشعر ~~بهذا الفرق العظيم بينهما، فيكظم عاطفته كظما شديدا، ويجتهد في ألا تحس الفتاة منها ~~شيئا، ولكن سواء أحست الفتاة هذه العاطفة أم لم تحسها فهي شديدة الميل إلى هذا الشيخ قوية ~~الثقة به، تجد في الحديث إليه لذة ودعة، كما يجد هو في الحديث إليها سعادة ونعيما. يشبهها ~~هذا التشبيه الغريب الذي يمثل لك القصة والكاتب معا، يشبهها بالنافذة في حجرة من حجر ~~الاستقبال في بيت من بيوت الأغنياء، في هذه الحجرة يجتمع ناس كثيرون من رجال ونساء، قد ~~أفسدتهم الثروة، وكدر طبيعتهم هذا النفاق الاجتماعي؛ فهم يكذبون، ويتملق بعضهم بعضا، ~~ويتقرب بعضهم إلى بعض بالخديعة والمكر، وقد تجملوا وبالغوا في التجمل، واتخذ النساء خاصة ~~من ألوان الزينة ومن الأعطار وما يشبهها ما قبحهن في عين الرجل الحر الصريح؛ فهو شديد الضيق ~~بكل ما في هذه الحجرة من كذب وخداع، وهو كاره لهذا الجو المنكر الذي يتنفس فيه أعطار ~~النساء قد امتزجت بما تنضح به أجسامهن من عرق، فنظر فإذا نافذة قريبة منه، فنهض إليها ~~متثاقلا متكلفا يريد ألا يحسه أحد، حتى إذا بلغ النافذة فتحها، فإذا هو يشرف على ما شاء ~~الله من منظر الطبيعة الصادقة الساذجة، وإذا هو يتنفس هواء طلقا لا يحمل الأعطار الصناعية ~~ولا عرق النساء. هو يشبه الفتاة بهذه النافذة؛ لأنه يجد من صدقها وصفائها وجمالها ~~الطبيعي ما يريحه ويرفه عليه وينسيه حينا بيئته الاجتماعية التي يعيش فيها. # ولكن الفتاة تسمع هذا فتستعذبه ولا تكاد تفهمه، وهي تحب من الشيخ كل شيء دون أن تكاد تفهم ~~منه شيئا؛ فهي تنظر إلى الرسم الذي يعمل فيه فتحبه وتعلن أنها ms085 لا تفهمه، وقد طال بها ~~البقاء، وهي تريد أن تنصرف، فانصرفت وأخذت وهي منصرفة تتغنى أغنية يهتز لها قلب الشيخ، وقد ~~اقتنع بأنه يحب الفتاة، وبأن الفتاة تحبه، واقتنع أيضا بأن الخير كل الخير في ألا ~~يلتقيا. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فنحن في بيت هذا المصور قريبا من هذا المكان الذي كنا فيه الفصل ~~الأول، وأمامنا في حجرة الاستقبال امرأة المصور: «فرانسواز»، قد جلست، ولكن النوم أخذها فهي ~~مستغرقة فيه أو كالمستغرقة. وقد أقبل زوجها، فلما رآها كذلك مشى مشيا هينا حتى لا يوقظها، ~~ثم جلس وأغمض عينيه يفكر وكأنه ينام. وانتبهت زوجه فنظرت إليه وعرفت أنه ينام، فإذا أول عمل ~~تعمله هي الحركة العنيفة تريد أن تزعجه، وإذا هو لا ينزعج، وإذا هي تسرع إلى النافذة ~~فتفتحها في عنف تريد أن توقظه بالضجيج والضوء، ولكنه لا يستيقظ، وإذا هي تصيح بالبستاني ~~مغضبة تريد أن توقظ زوجها، ولكنه لا يستيقظ، وإذا هي تعود إلى داخل الحجرة مغضبة تصيح، فإذا ~~فتح زوجها عينيه! أظهرت أنها لم تكن تعلم بوجوده، واعتذرت من إيقاظه، ثم أسرعت فأمرته أن ~~يذهب إلى البستاني فيأمره بكيت وكيت، ولكنه يتثاقل معتذرا؛ وإذا هي مغضبة ساخطة، تلومه ~~وتصفه بالجبن والخوف من الخدم، ثم تسرع فتسأله متى يستأنف تصوير صديقتها فلانة؟ فيجيبها: ~~«لن أستأنف هذا التصوير، وأنا أوثر أن أذهب إلى البستاني فألقي إليه أمرك على أن أستأنف هذا ~~التصوير.» # وإنما لخصت لك هذا المنظر مفصلا؛ لأنه يبين ما قدمت لك من أخلاق هذه المرأة التي تريد ~~أن تكون كل شيء، وتتخذ زوجها أداة لما تريد من صغير الأمر وكبيره، ولكن الحديث يتصل بين ~~الزوجين. وإذا نحن قد انتقلنا من هذه الخصومة التافهة إلى خصومة أخرى عظيمة الخطر، فنحن نحس ~~أن الزوجين غير مؤتلفين، وأنهما عاشا إلى الآن عيشة كذب ونفاق ومنفعة مادية، ثم نحس أن ~~الرجل قد ضاق بهذه الحياة ذرعا، وهو يريد أن يخلص منها إلى حياة أخرى فيها حب وصدق وسعادة، ~~وهو يلمح بذلك تلميحا إلى ms086 امرأته، فلا تكاد تسمع منه ذلك حتى تلحظه لحظات صاعقة، وتأخذه ~~بكلام عنيف وتعيره فقره وبؤسه، وتمن عليه بثروتها، وبأنه مدين لها بمكانته الاجتماعية، ~~وهو يلقى ذلك كله هادئا ساخرا ولكن في أدب وغيظ، وكأنه يكتم امرأته شيئا، وكأنه يستطيع ~~أن يصعقها ولكنه لا يفعل، وهذا الهدوء لا يزيد المرأة إلا حنقا وغيظا، فهي تنذر وتوعد ~~وتعلن أنها لن تقبل هذا بعد، وقد دق جرس التليفون، فمال إليه الرجل ثم دفعه إلى امرأته، ~~فنفهم أن صديقتها التي ذكرتها في أول الفصل تدعوها، فتنصرف مسرعة، ويظل الرجل في مكانه ~~محزونا يفكر. ولكن الخادم قد دخلت، وهي تعلن إلى سيدها أنها ستترك خدمته لأن سيدتها لا ~~تطاق، فيترضاها الرجل ويظفر منها بالبقاء. # وقد دق الجرس الخارجي وأسرعت الخادمة ثم عادت وأدخلت على سيدها الفتاة التي رأيناها في ~~الفصل الأول «ماري كرلو» وهي مضطربة ذاهلة، ترتعد ارتعادا شديدا، وتريد أن تتكلم فلا ~~يطاوعها لسانها، وقد فهمنا أن المصور انقطع عن الذهاب إلى حيث كان في الفصل الأول منذ أيام، ~~وأن الفتاة كانت تبحث عنه وتجتهد في أن تلقاه، ولكنها اضطرت اليوم إلى هذا اللقاء اضطرارا، ~~فإذا ألح عليها في مصدر هذا الاضطراب فهم وفهمنا أن الفتاة قد هربت من بيتها ولا تستطيع ~~أن تعود إليه؛ لأن زوج أمها قد أرادها صباح هذا اليوم على الإثم، فدافعته ما استطاعت ونجت ~~منه ولما يبلغ منها شيئا، ولست أستطيع أن أترجم لك هذا المنظر؛ فهو دقيق، وقد تضطرني ~~ترجمته إلى الإسراف في الإطالة، ولكنه منظر بديع يتجلى فيه ذعر الفتاة ولوعتها وحبها، ~~وتتجلى منه غيرة الشيخ وغضبه ثم هدوءه ورحمته بعد أن يطمئن، ثم حبه وأمله آخر الأمر، وهو ~~يأمر الفتاة أن تذهب عند صديقه البائس «إتيان تريجوز» فتقضي الليل آمنة، فإذا كان الغد فهو ~~كفيل بتدبير الأمر. والفتاة منصرفة، وإذا «فرانسواز» قد عادت من زيارتها، فرأت الفتاة، فهي ~~تدخل إلى زوجها وقد انتهت من الغيظ إلى أقصاه، وهي تزدريه وتؤذيه باللفظ وتعيره حب هذه ~~الفتاة، ms087 فيلقى ذلك كله هادئا، ويعرض على امرأته مبتسما صادقا، وكأنه يحاول إصلاح الأمر ~~لآخر مرة، يعرض عليها أن تشاركه في حماية هذه الفتاة البائسة، فلا تلقى ذلك إلا بالقسوة ~~والعنف والقول الأليم. # هنا يأمر الرجل الخادم بأن تعد متاعه، ويأمر سائق السيارة لأن يستعد لسفر بعيد. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في باريس في بيت أقرب إلى الضواحي منه إلى المدينة، يقيم ~~فيه المصور والفتاة منذ عشرة أشهر، وأمامنا الفتاة متجردة والمصور ينظر في جسمها كأنه يريد ~~أن يتفهم حقيقة فنية، وهو يريد هذا، فهو يدرس هذا الجسم الجميل جمالا طبيعيا غير متكلف ~~من الوجهة الفنية الخالصة. وهو سعيد لأنه قد فهم سرا من أسرار الفن، ونحن نجده سعيدا ~~حقا مغتبطا بالحياة مطمئنا إليها، ولكننا نحس من الفتاة سأما وضيقا وشيئا من اللوعة ~~خفيا، ونسمعها تشكو هواء باريس وتراب باريس، وتنظر من النافذة إلى بعيد نظر المشوق إلى ~~مكان ناء، وصاحبها لا يكاد يحس شيئا من هذا، وهو يعلن إليها مبتهجا أنه سيذهب بها ~~الليلة إلى ملعب من ملاعب التمثيل أو الموسيقى، ويأمرها أن تذهب لتلبس وتعد له لباسه. وقد ~~أقبل صديقه البائس فشكا وسخط على الحياة، حتى ظهر أثر سخطه في الفتاة، وحتى ضاق صاحبه ~~ذرعا، وهو يحسد صاحبيه على هذه الحياة الهادئة التي يستمتعان بها، لا يخفي ذلك ولا يكتمه. ~~حتى إذا انصرفت الفتاة وخلا الرجلان عرفنا أن لهذه الزيارة غاية مؤلمة، فقد رفع أمر الطلاق ~~بين المصور وامرأته إلى المحكمة، والمصور فقير لا يملك إلا آثاره الفنية، وهو يريد أن يبيع ~~هذه الآثار وقد عرضها للبيع، وكان يقدر أنها ستفيده مالا ضخما، ولكن أبا امرأته ائتمر ~~به مع تجار الصور فلم يفده هذا البيع إلا شيئا قليلا جدا، وقد بيعت إحدى صوره بخمسة ~~آلاف فرنك، وقد كانت منذ سنين تطلب بمائة ألف فرنك، وقد أقبل صاحبه ينبئه بهذه الكارثة، وهو ~~في هذه المرة صديق حقا، محزون حقا لهذا الظلم الذي أصاب صديقه، ساخط على هذه الجماعة ~~الظالمة ms088 التي لا تقدر عدلا ولا فنا، وإنما هي أداة في يد أصحاب المال. أما المصور ~~فيحزن، ولكنه يملك نفسه ويتعزى عن هذه الكارثة بسعادته مع الفتاة، بل هو يبتهج لهذا الفقر؛ ~~لأنه رد إليه حريته، ولكن صاحبه لم يتم حديثه بعد، فلديه أمران: أحدهما أنه محتاج إلى 500 ~~فرنك، فيدفعها إليه صاحبه، والثاني أنه قد ترك بالباب «فرانسواز» التي أقبلت تريد أن تتحدث ~~إلى زوجها، فيتردد في استقبالها ثم يرضى، فإذا أدخلت عليه فموقف من أبدع المواقف وألذها ~~وأشدها استثارة للنفس. # انظر إلى هذا الرجل يلقى امرأته هادئا مطمئنا، ولكنه خائف مشفق فيسألها: «أي شر ~~تريدين أن تلحقي بي؟» وانظر إلى هذه المرأة تلقى زوجها ظاهرة الهدوء والثبات، ولكنها في ~~حقيقة الأمر مضطربة ملتاعة، وهي تحدثه حديثا عمليا، تطلب إليه أن يفكر ليعدل عن الطلاق ~~لأن منفعته في ذلك، وهو يأبى مزدريا هذه المنفعة. وإذا المرأة قد انفجرت، فهي تعلن في أنفة ~~وكبرياء أنها تريد أن تعدل عن الطلاق؛ لأنها فكرت فرأت أن الخير في استئناف حياتها الزوجية؛ ~~لأنها قد بلغت سنا لا تستطيع معها أن تعيش وحيدة، ولأنها قد امتحنت الأهل والأصدقاء، فإذا ~~هم هباء بالقياس إلى الزوج مهما تكن سيرته ومهما يكن تقصيره، ولأنها في هذه السن لا تستطيع ~~أن تقترن برجل آخر ولا أن تتخذ لها خليلا. هي تكره الوحدة وهي تريد زوجها، ولكن زوجها لا ~~يريدها وهو لا يخاف الوحدة. أليس يعيش مع هذه الفتاة التي ردت إليه ربيع الحياة؟! فانظر ~~الآن إلى امرأته وهي تصعقه بهذه الحقائق المؤلمة؛ وهي تعلن إليه أنه واهم حين يقدر أن هذه ~~الفتاة تحبه وأنها ستبقى له؛ فهو في الخمسين والفتاة لم تتجاوز العشرين. ولقد بحثت واستقصت ~~فاستيقنت أن الفتاة كارهة لحياتها مشوقة إلى قريتها تريد أن تعود إلى حريتها الأولى، وأن ~~تجد لها زوجا يلائمها في السن والطبقة، وهي لا تقول هذا منتحلة ولا متكلفة، وإنما هكذا ~~كتبت الفتاة إلى أمها. # كل هذا يقع على الشيخ وقع الصواعق ، ولكنه ms089 جلد فلا يسمع لامرأته، فهي تنصرف متجلدة أيضا، ~~حتى إذا بلغت باب الحجرة وأرادت أن تتجاوزه لم تملك نفسها فاندفعت تبكي، وعاد الشيخ إلى ~~مكانه ذاهلا مضطربا، ينظر في المرآة فيرى شيخوخته، وكأنه ينظر في أعماق نفسه فيرى شباب ~~قلبه وقوة عواطفه، وهو بين هذين المؤثرين، وإذا الفتاة قد أقبلت مسرعة مبتهجة، تكاد تطير ~~فرحا وفي يدها رسالة برقية، فإذا سألها صاحبها عن ذلك أعلنت أن زوج أمها قد مات، وإذا هي ~~تريد أن تسافر لتواسي أمها، وإذا هي مبتهجة بهذا السفر، وقد نسيت التمثيل والموسيقى والعشاء ~~في الحانة، وإذا هي تريد أن تسافر بعد ساعة، وقد لبست ثياب السفر واحتجزت مكانها في القطار ~~بالتليفون، وأعدت حقيبتها وطلبت سيارة. كان كل ذلك حين كان الشيخ يحاور امرأته ويثبت لها ~~أنه سعيد، وأنه لا يخاف الوحدة. أليس واثقا بحب الفتاة! انظر إليه الآن صعقا أو كالصعق، ~~ولكنه مع ذلك متجلد مذعن يقر الفتاة على كل ما تريد. الفتاة تريد أن تبرق إلى أمها تنبئها ~~بالعودة، فهي تكتب: «سأصل صباحا وسأبقى معك ...» ثم تتردد فيملي عليها صاحبها: «شهرا ~~كاملا»، فتقول: «ألست ترى أن الشهر قصير؟!» فاسمع له وهو يجيب: «بلى، فاكتبي زمنا ~~طويلا»، فتكتب، ويعد هو بأن يحمل الرسالة إلى التلغراف. وانظر إلى الخادم تنزل حقيبة ~~الفتاة، وإذا الفتاة فرحة مبتهجة تلبس معطفها وقلنسوتها والشيخ يعينها، وكأنه يقتل نفسه وقد ~~انصرفت واعتذر الشيخ من مرافقتها، وعادت الخادم فترى سيدها قد أخذه الدوار وكأنه في ~~خطر. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع، فنحن حيث كنا في الفصل الأول بين النهر والسور وبقايا ~~الزورق. # وقد مضت ستة أشهر على الفصل الثالث، ونحن نرى الشيخ المصور في هذا المكان مضطربا، ولكن ~~اضطرابه لا يطول؛ فقد أشرفت الفتاة من الثلمة بين الأغصان كما أشرفت في الفصل الأول، ~~ويتلقاها الشيخ كما يتلقى الرجل الحياة، وقد كان استيأس منها، وهو يضمها إليه ويقبلها، ~~وهي تتعلق به وتقبله، وهو صادق في حبه، وهي صادقة في مودتها، وهي حريصة على الخلوة ، تخشى ms090 ~~الرقيب كما كانت تخشاه في المرة الأولى، وهي طاهرة الحديث ساذجة، صريحة. فانظر إليهما واسمع ~~لحديثهما؛ هو مغتبط يريد أن يعود بها إلى باريس، ولكنها تكره باريس، فهو يريد أن يعيش معها ~~في قرية من القرى، ولكنها لا تستطيع، ولماذا؟ لأنه أثناء هذه الأشهر الستة قد كتب إليها ~~وكتبت إليه، وكان يستوحى عقله لا قلبه حين كان يكتب إليها، فكان يتمنى لها السعادة وينصح ~~لها بشاب من سنها ومن طبقتها، وقد صدقت كتبه وأنفذت نصيحته، فتزوجت وهي مع ذلك تحبه وتخلص ~~له! وهو يسمع هذا كله فكأنما يسمع القضاء عليه، وقد تجلد لآخر مرة فهو يسألها: «أسعيدة أنت ~~مع هذا الزوج؟» تجيب إنها ليست شقية، فيسأل: «أيحبك؟» فتجيب: «نعم.» فيسأل: «أتحبينه؟» ~~فتجيبه: «لم أفكر قط في هذا.» وانظر إليه قد أذعن للقضاء وآمن بأن شباب قلبه لن يجدي عليه ~~شيئا، وهو يصرف الفتاة في رفق، ولا يطلب إليها إلا شيئا واحدا؛ هو أن تنصرف هذه المرة ~~كما انصرفت في المرة الأولى متغنية تلك الأغنية الإيطالية، فتجيب في سذاجة إنها تستطيع أن ~~تغني شيئا آخر أدق وأصعب من تلك الأغنية؛ فقد تقدمت في الموسيقى منذ تركته تقدما باهرا، ~~ولكنه لا يريد إلا تلك الأغنية، فهي تنصرف وتركب دراجتها وتبعد، وإذا الهواء يحمل إليه ~~من بعيد أنغام هذه الأغنية الإيطالية، وإذا شيء كالدوار قد أخذه، فيجلس ورأسه بين يديه، ~~وهو يبكي، والهواء يحمل إليه الغناء. # نوفمبر سنة 1924 # | الوصل # قصة تمثيلية بقلم الكاتبين الفرنسيين «هنري دوفرنوا» و«موريس دونيه» # حدثتك منذ حين عن أول هذين الكاتبين حين لخصت لك قصة «القيثارة والجازباند»، وقلت في ~~ذلك الحديث إني سأحدثك عن قصة أخرى لهذا الكاتب سميتها يومئذ «المثل»، وأنا أسميها اليوم ~~اسما آخر هو «الوصل»، وربما كان اسم اليوم أقرب إلى موضوع القصة، ولكن كلا الاسمين لا يؤدي ~~المعنى الفرنسي كما أراده الكاتبان حين سميا قصتهما، ولست أريد أن أضيع وقتي ولا وقتك في ~~البحث عن ترجمة صحيحة دقيقة لهذه الكلمة، فيكفي أن تبحث في ms091 المعاجم اللغوية لتعلم أنهم ~~يترجمونها بالحركة عامة، وبحركة الخطيب خاصة، وبالإشارة أحيانا، ويكفي أن تقرأ هذا الحديث ~~لتعلم ماذا أراد الكاتبان في هذا اللفظ القصير الذي يدل على معنى كثير جدا. # سمها إذن «الوصل» أو سمها «المثل»، أو سمها ما شئت من الأسماء، ولكن تعرف موضوعها ~~ومعناها قبل أن تطلق عليها اسما ما. # النقاد مختلفون في هذه القصة: يحمدها أكثرهم في غير تحفظ، ولا يثني عليها بعضهم إلا مع ~~تحفظ قليل، ولكنهم كلهم مجمعون على أنها خير ما أخرج للناس في أول الفصل التمثيلي من هذه ~~السنة، ولولا أن الكاتب الفرنسي المشهور «برنشتين» قد أظهر منذ أسابيع قصة سأحدثك عنها حين ~~تصل إلي لقلت إنها خير ما أخرج للناس في الفصل التمثيلي كله إلى الآن، فلست أعرف قصة ~~كهذه القصة بين ما قرأت أو رأيت هذا العام تمتاز بما تمتاز به قصتنا هذه من سرعة الحركة ~~وخفة الروح أو سذاجة اللفظ والمعنى، في تعقيد شديد مع ذلك، ودقة لا تكاد تجد لها حدا. ~~بل لست أعرف بين قصص هذا العام ولا قصص العام الماضي قصة فيها ما في قصتنا هذه من الجرأة ~~والشجاعة اللتين لم يعتدهما التمثيل، واللتين لم تعرضا صاحبيهما لإخفاق أو اضطراب، ~~وإنما ضمنتا لهما فوزا أجمع عليه جمهور النظارة والنقاد. # قلت حين حدثتك عن «القيثارة والجازباند» إنها قصة تمثيلية، أخذت من أحدوثة قصصية، وكذلك ~~الشأن في هذه القصة التي أحدثك عنها اليوم؛ فقد وضع «هنري دوفرنوا» طائفة من الأحاديث ~~القصار، يظهر أنها خلبت كتاب التمثيل فأقبلوا إليها يستغلونها كما يستغل منجم من مناجم ~~الذهب، وقد عادت عليهم هذه الأحاديث بثمرات عظيمة القيمة، ولقد صدق بعض النقاد حين قال يكفي ~~أن نعلم أن «موريس دونيه» عرض اشتراكه على «هنري دوفرنوا» في تحويل أحدوثته هذه إلى قصة ~~تمثيلية، لنقدر براعة الكاتب القصصي وقيمة هذه الأحدوثة، فموريس دونيه شيخ من شيوخ التمثيل ~~الحديث، يكفي أن يوضع اسمه على قصة تمثيلية ليضمن لها البقاء. قلت إن في هذه القصة جرأة ~~وشجاعة ms092 ليس للتمثيل بهما عهد، وهذه الجرأة ترجع إلى أمرين؛ الأول: أن القصة التمثيلية قد ~~خالفت الأحدوثة؛ فإنه بينما تنتهي الأحدوثة في لين ودعة وشيء من اليأس المؤلم، إذا القصة ~~التمثيلية تنتهي في عنف وقوة تضطرب لهما النفس وينخلع لهما القلب. تنتهي الأحدوثة في دموع، ~~وتنتهي القصة التمثيلية في دم مسفوك. الثاني: أن في الأحدوثة صلة يمكن أن تقرأ أخبارها ~~وتقص أنباؤها، بل نحن لا نكاد نقرأ حديثا قصصيا طويلا أو قصيرا إلا وجدنا فيه هذه ~~الصلة الجنسية قد فصلت أخبارها تفصيلا ونمقت أنباؤها تنميقا، فنقرأ هذا كله دون ~~أن نعجب له أو نضيق به؛ ذلك لأننا لا نرى هذه الصلة، وإنما نتوهمها توهما، ونترك للخيال ~~استقصاءها، فإذا عرضت هذه الصلة على الحس وأكرهنا على أن نراها بأعيننا، فلذلك في نفوسنا ~~أثر يخالف أثر القراءة، ولذلك في شعورنا وحياتنا وأوضاعنا الاجتماعية تأثير عنيف بغيض ~~ثقيل على النفس، يحملنا على أن ننفر نفورا شديدا، وعلى أن يأخذنا شيء من الغضب ~~والاشمئزاز لا حد له. # قل إننا مخطئون في هذا الغضب أو قل إننا مصيبون، فذلك شيء لا يعنينا، وإنما الذي يعنينا ~~هو هذه الحقيقة الواقعة، وهي أن غرائزنا تثور ونفوسنا تشمئز إذا رأينا هذه الصلة الجنسية ~~رأي العين، وإن كنا نعلم حق العلم أنها صلة طبيعية كغيرها من الصلات، وقد اجترأ الكاتبان ~~على أن يعرضا هذه الصلة على النظارة في ملعب التمثيل، بل هما اجترآ على أن يعرضاها على ~~شخصين غير النظارة، وهذه الجرأة نفسها غريبة مخالفة لمألوف الناس، فأنت تعلم أن هذه الصلة ~~الجنسية التي نكره نحن أن نراها، ولا نريد أن نفكر فيها إلا توهما هي أشد الأشياء نكرا ~~بالقياس إلى الأطفال والصبيان المحدثين، فنحن نكره أن نرى هذه الصلة ولكننا نستبيح لأنفسنا ~~أن نتحدث عنها، في حين نحرص كل الحرص على ألا يرى الأطفال والشبان المحدثون شيئا يشير ~~إليها، وعلى ألا يسمعوا لفظا يحمل على التفكير فيها، ومع ذلك فسترى أن القصة تدور كلها على ~~أن شابين محدثين قد ms093 رأيا ما لم يكن ينبغي أن يرياه. # كان المنتظر أن يغضب الجمهور لهذه المشاهد، وأن ينكر هذه الجرأة في قصة جدية لا يراد بها ~~العبث ولا اللهو، وإنما يراد بها العظة والتأديب، ومع ذلك فلم يغضب الجمهور ولم ينكر، وإنما ~~تأثر ورضي، بل أعجب إعجابا شديدا؛ ذلك لأن الكاتبين قدرا هذا كله فاصطنعا في هذا الأمر ~~الدقيق مهارة قوية جدا؛ عرضا هذه الصلة ولم يعرضاها، لم يشيرا إليها بالألفاظ وإنما ~~قدما لها مقدماتها كلها، حتى إذا أوشكت هذه المقدمات أن تنتج نتائجها أو أخذت تنتجها أسدل ~~الستار، فأرضيا العقل وأرضيا الحياء الاجتماعي معا. # ولنأخذ في عرض هذه القصة عليك، فقد يكون تحليلها خيرا من الفلسفة في نقدها، ولنبدأ ~~بأشخاص هذه القصة فنقدمهم إليك؛ «فلوسيان أوملي» رجل متوسط السن، حسن الطلعة، جميل المنظر، ~~خلاب للنساء، ماهر في استهوائهن، وهو إلى هذا محب للذة متهالك عليها، يقدمها على كل شيء، ~~ويستبيح في سبيلها كل شيء؛ يكذب وينتحل كما يشرب وكما يأكل، أهون شيء عليه أن يستصبي امرأة، ~~وأهون شيء عليه أن ينصرف عنها، وهو في هذا كله ممثل ماهر طلق اللسان، خصب الخيال، قادر على ~~أن يظهر مظهر المحب الذي أضناه الحب، قادر على أن يظهر أيضا مظهر الرجل الجلد الذي يعرف ~~كيف يحتمل الأذى ويصبر على المكروه، ومن حقه أن يكون كذلك، فهو قد بلا حلو الحياة ومرها، ~~وتقلب في خيرها وشرها، كان غنيا ضخم الثروة مترفا مسرفا في الترف، ثم أصبح فقيرا ~~مفرطا في الفقر، ثم عادت إليه الثروة فاستطاع أن يستأنف حياته الأولى، وهو يتقلب بين هذا ~~الفقر والغنى ويتردد بين هذا النعيم والبؤس في سهولة ويسر غريبين، لم يشعر أحد بأنه فقير، ~~ولم يقدر أحد أنه قد يبيت أحيانا على الطوى، وإنما رأى الناس جميعا فيه أنه غني ~~مترف. # وله ابن شاب في السابعة عشرة من عمره، قوي الذهن ذكي الفؤاد، شديد الميل إلى العلم، قوي ~~الاتصال بالدرس، يخالف أباه كل المخالفة في أخلاقه وعاداته وفي ميوله وأهوائه؛ ms094 هو صادق ~~حريص على الصدق، في حين أبوه كاذب مسرف في الكذب، وهو شديد الحياء في حين أبوه غليظ القلب ~~لا يكره الغدر، تراه فلا تشك في أنه أشبه بأمه التي ماتت منه بأبيه الحي. # وهناك شخص ثالث يوضع أمام الشخص الأول، وهي امرأة متوسطة في السن، بارعة الجمال كنساء ~~القصص جميعا، حلوة الحديث، خلابة، ميالة إلى اللذة، ولكن الله قد حرمها إياها؛ لأنها زوج ~~رجل شيخ عالم قد بعد صوته وأعجب به الناس جميعا، وهو منصرف إلى علمه وإلى شيخوخته عن شباب ~~امرأته وحبها للذات الحياة. هذه المرأة هي «مرسلين فاليتي»، هي ظمئة إلى اللذة ولكنها ~~تتردد وتخشى الإقدام عليها، تشفق من غدر الرجال وقسوتهم، وتخاف أن تترك الحرمان إلى الحب ~~فلا تجد فيه إلا ألما وحسرة، ولها ابنة شابة في الخامسة عشرة من عمرها يجب أن تضعها بإزاء ~~الغلام الذي قدمت لك وصفه وهو فيليب. هذه الفتاة هي «جيزيل فاليتي»، جميلة خفيفة الروح، ~~حلوة الحديث، ذكية القلب، أشبه بأبيها العالم منها بأمها الميالة إلى اللهو، حساسة مع هذا، ~~قوية الشعور، شديدة الإيمان بالمثل الأعلى، طاهرة كسنها، متأثرة بأبيها الفيلسوف شديدة ~~الإعجاب به؛ لأنها تشتغل معه، يملي عليها كتبه وهي شديدة الاغتباط بهذا. أليست أسبق الناس ~~إلى العلم بآراء الفيلسوف؟ هؤلاء هم أشخاص القصة، ولست أذكر الخادم الذي لا يخلو من خصال ~~مضحكة معجبة. # أظنك استطعت أن تتصور القصة وتتوهم حوادثها توهما، فلنبدأ في تحليلها. ~~••• # نحن في بيت «لوسيان»، في حي من الأحياء القديمة في باريس، والبيت نفسه قديم، كل شيء فيه ~~يدل على ضيق ذات اليد؛ ليس فيه ضوء الكهرباء، وليس فيه أدوات الدفء الحديثة، وإنما يضاء ~~بغاز الاستصباح، ويصطلي أهله في الشتاء نار الخشب أو الفحم في المواقد، ونحن في أعلى البيت، ~~وليس في هذا البيت هذه الآلة الرافعة التي تعفيك من الصعود الطويل الشاق، ونحن نرى الغلام ~~«فيليب» قد جلس يكتب إلى مائدة قد كثرت عليها أصناف الحلوى، لا يشك من رآها في أنها قد أعدت ms095 ~~لتناول الشاي، ولكن طارقا يطرق ثم يليه طارق آخر، وكلاهما صاحب دين يجتهد الفتى في أن ~~يتخلص منه، ثم يطرق طارق آخر، فإذا هو خادم قد استأجره أبو الغلام ساعات ليعمل بتقديم ~~الشاي، وقد أقبل صاحب البيت، فإذا هو، كما قدمت لك، شديد النشاط منطلق اللسان، جريء فرح، ~~مبتسم للحياة مزدر لما فيها من ألم، وهو يلقي على ابنه دروسا قيمة جدا، يعلمه الكذب ~~والنفاق، ويعلمه كيف ينبغي أن يظهر الغنى وهو فقير: ليس لدينا ضوء الكهرباء لأننا من ~~المحافظين، نحب القديم ونكره هذا الاختراع الحديث الذي يؤذي العين، ونحن نؤثر نار الخشب على ~~الدفء الحديث؛ لأن في نار الخشب جمالا شعريا، ونحن نؤثر أن نصعد في السلم مهما يكن هذا ~~الصعود طويلا؛ لأننا لا نحب هذا الخمول والكسل اللذين يخلد إليهما المترفون من أبناء هذا ~~العصر، وأثاثنا قديم بال؛ لأننا ورثناه عن أجدادنا القدماء، ونكره أن نغيره، وأجدادنا ~~هؤلاء كانوا من أشراف فرنسا، ولكنهم أهملوا علامة الشرف أثناء الثورة. يقول هذا كله لابنه ~~وهو يعلم أنه كاذب، وهو يعلن إلى ابنه أن هذا كذب ولكنه شيء لا بد منه، ولا سيما بعد دقائق ~~حين يأتي الزائرون، وأبدع من هذا كله أنه أقبل ومعه صورتان يظهر عليهما الجمال الفني: ~~إحداهما صورة رجل لا يعرفه طبعا، ولكنه يزعم ويأمر ابنه بأن يزعم أنه أحد أجداده، والأخرى ~~صورة امرأة لا يعرفها، ولكنه يزعم ويأمر ابنه أن يزعم أنها إحدى جداته. # ولست ألخص لك حديثه مع الخادم، ولا أمره إياه بأن يظهر بأنه متصل بالبيت منذ عشرين سنة، ~~ولست ألخص لك درسا ألقاه على ابنه في كيفية الاستقبال، والتحدث إلى النساء وتقبيل أيديهن، ~~فقد يطول الأمر إن حدثتك بهذا كله، ولكن الباب يطرق، وقد دخلت «مرسلين» وابنتها «جيزيل» ~~واعتذرتا عن العالم فهو لم يستطع أن يحضر؛ لأن لديه أمرا ذا بال شغله، وقد أخذوا يتحدثون ~~بما تفهم منه أن هذا الرجل يحب هذه المرأة ويريد أن يغويها، وهو يظهر نفسه غنيا ~~مثريا ، ولكنه ms096 يتكلف العيشة الضيقة حبا للقديم، وهي تصدقه أو تظهر أنها تصدقه، وقد ~~انتهز فرصة فنهض مع المرأة يظهر لها بيته ثم عاد، وفي أثناء غيابهما تحدث الصبيان، ففهمت ~~نفسيتهما كما قدمت لك، ولم يكد الرجل يعود مع صاحبته حتى يأمر ابنه بأن يظهر لصاحبته ~~الفتاة، فينصرف الصبيان، ويخلو الرجل إلى هذه المرأة فيتحدث إليها في حبه، ونفهم أنها تقبل ~~هذا الحب وتميل إليه، ولكنها مترددة مشفقة، على أن هذا التردد والإشفاق لا يثبتان، فهي ترضى ~~حينما ينبئها أنه سيقضي الصيف قريبا من مصطافها في الأقاليم، وقد أقبل مقبل يحمل رسالة ~~برقية، يقرؤها الرجل فيظهر عليه شيء من الاضطراب، ولكنه يستأنف قوته، ثم تنصرف المرأة ~~وابنتها، وإذا صاحبنا يتنفس الصعداء، وإذا هو فرح مبتهج يكاد يجن فرحا وابتهاجا؛ ذلك أن ~~هذه الرسالة البرقية تحمل إليه الثروة؛ فقد مات أحد أقاربه وأورثه مقدارا ضخما من ~~الملايين، هو مبتهج، انظر إليه يعطي الخادم مائة فرنك، ثم يعرض عليه أن يظل متصلا به، ~~وانظر إليه يلح على ابنه في أن يخرج معه للعشاء في الحانة واللهو بعد ذلك، هو فرح ولكن ابنه ~~حزين، وهو يخرج ليلهو، ولكن ابنه يبقى ليفكر ... ~~••• # وإذا كان الفصل الثاني، فنحن بعيدون عن باريس، نحن في أحد الأقاليم الفرنسية في قصر من ~~قصور الريف، قد اشتراه لوسيان ليجاور صاحبته التي أقبلت مع زوجها وابنتها لتقضي الصيف، وهذا ~~القصر قديم وأثاثه قديم أيضا ولكنه ثمين، ونحن في مكان من القصر كان كنيسة ثم حول منذ ~~حين دارا للكتب، وقد اختاره «لوسيان» لنفسه، وهو يحظر على الخادم أن يدخل فيه أحدا مهما ~~يكن إلا «مرسلين» طبعا. وانظر إلى «مرسلين» قد أقبلت، وانظر إليه يتلقاها فرحا مبتهجا، ~~واسمع لهما يتحدثان، فستفهم أن حبهما قد تقدم حتى أشرف على غايته، وأن الصبيين قد تحابا ~~أيضا فهما متلازمان وهما الآن عند النهر يصيدان، ولكن «مرسلين» مترددة محزونة كانت تودع ~~زوجها الذي سافر إلى باريس ليقضي فيها أياما، فرأته حزينا مكسور النفس، وذلك يؤلمها، وهي ~~في ms097 الوقت نفسه تخاف أن يخونها صاحبها، ولكن الحب واللذة أقوى من الإشفاق والتردد، فقد سمحت ~~لصاحبها، وتوشك أن تسلم له لولا أن زائرا قد أقبل، فلا بد من أن يلقاه «لوسيان» ويصرفه، ~~وقد خرجا معا من دار الكتب للقاء هذا الزائر. # ولكن انظر إلى الصبيين قد أقبلا فرحين مبتهجين، وإذا الفتى يريد أن يدخل هذه المكتبة فيثب ~~من النافذة ويكره الفتاة فتثب أيضا، وهي تلومه على اقتحام هذه النافذة والدخول في هذا ~~المكان الذي يريد أبوه أن يختص به، وهو لا يحفل بهذا اللوم. وانظر إليهما يقلبان الكتب ~~وينظران فيها، ولكن انظر إلى الفتاة مضطربة؛ لأنها رأت أمها مقبلة ومعها «لوسيان» فهي تنبئ ~~صاحبها الفتى، وهو مضطرب وقد اضطرا إلى أن يختبئا من حيث لا يراهما أحد، ولكنهما يريان كل ~~شيء، وقد فتح الباب ودخل العاشقان ثم أغلق وأحكم إغلاقه ثم أخذا يتناجيان، وما هي إلا أن ~~يستأنف الرجل هجومه، وأخذت المرأة تدافعه دفاعا ضعيفا ثم أسلمت، وإذا هو يجذبها إلى مكان ~~ممهد وإذا الستار يسدل. # ثم يرفع بعد حين، وقد انصرف العاشقان، وخرج الصبيان من مكمنهما مضطربين اضطرابا لا حد ~~له؛ لأنهما رأيا كل شيء! واضطراب الفتاة منكر قد عبث بنفسها وجسمها، فهي ذاهلة مرتعدة، قد ~~فقدت أو تكاد تفقد صوابها، وهي لا تكاد تثبت في موقفها أو مجلسها، والفتى أثبت منها وأقدر ~~منها على التفكير، فإذا هو يهدئها ويجتهد في تسليتها، ولكن ليس ذلك بالشيء اليسير؛ فقد رأت ~~الفتاة منكرا من الأمر ولم تكن تقدر أن الحب دنيء منحط إلى هذا الحد، ولم تكن تقدر ~~أن أمها آثمة إلى حد أنها تزدري زوجها الشيخ وتخونه، وإنما كانت تقدر أن الحب ابتسام ~~وطهارة وسعادة هادئة، فإذا هي لا ترى إلا حيوانية وضيعة، وكانت تكبر أمها وتجل أباها، ~~فإذا هي مضطرة إلى أن تزدري أمها وترثى لأبيها الشيخ، والفتى مع ذلك يهدئها ويعظها ويعدها ~~حبا طاهرا نقيا، وهي قد كرهت كل حب فلا تطمئن ولا تقبل من الفتى وعظا ولا ms098 تسلية؛ حتى ~~يعلن إليها أنه سيحبها كما يحب الأخ أخته؛ فهي مطمئنة إلى ذلك راضية به. # ولكن انظر إلى الباب قد فتح وقد أقبل «لوسيان»، فما أشد دهشه حين يرى الصبيين! وما أشد ~~اضطراب الصبيين حين يريانه! وهذا موقف شديد التأثير جدا؛ لأنه يظهر الإنسان حين ينتهي إلى ~~أقبح منازل النفاق والكذب، فانظر إلى هذا الرجل يلوم الصبيين لوما شديدا؛ لأنه يكره أن ~~يخلو بعضهما إلى بعض، وانظر إليه، وقد صرف الفتاة إلى أمها ليزجر ابنه زجرا عنيفا؛ لأنه ~~يعبث بهذه الفتاة ولا يرعى حرمة الصداقة، ولا حرمة أبيها الشيخ الجليل، والفتى يدفع عن نفسه ~~دفعا قويا، ولكنه يجتهد في ألا يفهم أبوه أنهما قد رأيا شيئا، حتى إذا فرغ من زجر ابنه ~~وتأديبه، صرفه فانصرف. ووقف هو يسأل نفسه فيم أقبل؟! ثم يذكر أنه أقبل يلتمس شيئا قد ~~تركته صاحبته. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد مضت ستة أشهر على هذا كله، ونحن في باريس في بيت فخم أنيق حسن ~~الأثاث فيه كل ألوان الترف الحديث، ونحن نرى «فيليب» قد جلس إلى مكتبه وهو يكتب، وقد أقبل ~~أبوه فأخذ يحدثه، فماذا نفهم من هذا الحديث؟ نرى الرجل على حاله لم يغيره الغنى كما لم ~~يغيره الفقر؛ فهو كاذب منافق، يستحب الكذب والنفاق، ويتقلب فيهما في سهولة ويسر، وهو ضيق ~~الذرع بصاحبته قد سئمها وزهد فيها، ويريد أن يخلص منها بالكذب كما اتصل بها بالكذب أيضا، ~~ونحن نسمعه يحدث ابنه فيذكر له أن هذه المرأة غائبة عن باريس لأن أختها كانت مريضة، وقد ~~ماتت، وأنها ستعود بعد أيام، وأنه يريد السفر إلى «بروكسل» ليتبع صاحبة جديدة له فيقضي معها ~~أياما، ولكنه يطلب إلى ابنه أن يزعم لكل من يسأل عنه ولهذه المرأة بنوع خاص أنه مسافر إلى ~~مدينة «جرينوبل» لعمل هام، وهو لا يخفي الآن على ابنه حب هذه المرأة له ولا ما كان بينهما ~~من صلة، ولم يخف على ابنه هذا وهو يتخذ ابنه رفيق لهوه؟ ألم يصطحبه منذ أيام ms099 إلى الحانة ~~حيث تناول العشاء مع امرأتين، ولها كل واحد منهما مع إحدى هاتين المرأتين؟! وهو يسخر من ~~ابنه سخرية شديدة؛ لأن الغلام ندم على لهوه وخيانته لصاحبته الفتاة، ولأنه اجتهد في أن يقطع ~~الصلة مع هذه المرأة التي عرفها منذ أيام ويستأنف الوفاء لصاحبته، والأب يعظ ابنه وينصح له ~~بأن يكون حرا جريئا لا يخضع لهذه القوانين الخلقية التي يكبرها المغفلون. # وهو في ذلك وإذا الخادم يدخل فينبئه بأن «مرسلين» تستأذن، فيلقى الخادم لقاء منكرا ~~ويعنفه تعنيفا شديدا، ألم يأمره بأن ينكر وجوده على كل إنسان! ولكن الخادم قد أنكر فلم ~~تصدقه الزائرة، وهي تلح في أن ترى «فيليب»، فانظر إلى الأب وقد استخفى في إحدى الغرف وأمر ~~ابنه أن يلقى صاحبته وأن ينبئها بسفره، وقد دخلت المرأة مضطربة محزونة، فلا تكاد تسأل عن ~~صاحبها وتسمع أنه مسافر حتى تكذب الفتى وتلح عليه وتنبئه بكل شيء وتسرف في الإلحاح، وإذا ~~الفتى يعترف بأنه كان كاذبا وبأن أباه مختبئ، وقد نهضت المرأة ففتحت باب الغرفة ودعت ~~صاحبها، فيقبل مبتسما ويحييها تحية المشوق، ويعلن سخطه على ابنه وعلى الخادم؛ فقد أمرهما ~~أن ينكرا وجوده ولكن لا عليها بل على غيرها من الناس، وهو يصرف ابنه ويخلو إلى صاحبته، ~~فيكون بينهما عتاب ثم لا يلبث أن يقنعها ويرضيها بمهارته وخداعه، وإذا هي تنبئه بشكها ~~وغيرتها وتخرج من حقيبتها مسدسا كانت تريد أن تقتل نفسها به لو ثبت لها أن صاحبها جفاها، ~~وهو يأخذ هذا المسدس فيضعه على المائدة ثم يميل إلى صاحبته مغازلا مداعبا حتى تطمئن، ثم ~~يتفقان على أن يتناولا العشاء عندها بعد ساعات وتخرج. # وإذا هو يعمد إلى التليفون فيعتذر إلى صاحبته الثانية، ويأخذ منها موعدا آخر قبل العشاء ~~وموعدا بعد العشاء، ثم يخرج ويترك ابنه على أن يوافيه عند «مرسلين» للعشاء أيضا، ولكن ~~«جيزيل» قد أقبلت وهي ذاهلة مضطربة لما رأت من اضطراب أمها، وقد جاءت تلتمس أمها هذه فلم ~~تجدها، فأخذت تتحدث إلى فيليب وهي محزونة دهشة ؛ لأنها ms100 ترى أن شيئا في هذه الغرفة قد تغير ~~منذ سفرها، ثم لا تكاد تمضي في الحديث مع صاحبها حتى يشعر أنه هو أيضا قد تغير، أليس ~~يرثى لهذه المرأة الآثمة؟! أليس يعذر حب أبيه وقد تعودا أن ينكرا الحب ويرياه إثما؟! ولكنه ~~يمضي في الاعتذار لأبيه، وكلما رأى سخط صاحبته اجتهد في إقناعها بضعف الإنسان وقوة الحب، ~~وإذا هي تحسب أنه خانها، وإذا هو يكاد يعترف لها بذلك، وقد جثا بين يديها مستعطفا يريد أن ~~يتكلم، فتضع يدها على فمه لتمنعه من الكلام، ولكنه يقبل هذه اليد قبلة حب ولذة، وإذا ~~الفتاة مضطربة ساخطة تنكر هذه القبلة، وتنكر هذا الحب! ألم يعاهدها على أن تكون الصلة ~~بينهما صلة الأخوين؟! لقد أفسده أبوه إذن، ولقد أصبح رجلا كغيره من الرجال لا يستطيع أن ~~يتصور الصلة بين الرجل والمرأة إلا مع هذه الضعة الجنسية، والفتى يجتهد في أن يقنعها بأن ~~الحب ليس كله إثما، بل قد يكون طاهرا نقيا، ولكنها لا تقتنع وقد يئست من كل شيء؛ يئست ~~من أمها، ويئست من صاحبها ... فما الحياة؟ وفيم الحرص عليها؟ # انظر إليها وقد هدأت فجأة وهي تحدث صاحبها في دعة واطمئنان، وتظهر له أنها كانت مخطئة ~~وأنها ترى أنه مصيب وأن الحياة الإنسانية لا تستطيع أن تبرأ من ضعفها الطبيعي، وهي إذن ~~تقره على رأيه في الحب وتريد أن تكون صاحبته الصادقة، وهي تأذن له في تقبيلها فيفعل، ثم ~~تأمره أن يذهب ليحضر معطفه، فقد آن أن ينصرفا، وقد ذهب ليلبس معطفه وإذا يدها قد امتدت إلى ~~المسدس، وإذا هي تطلق النار على نفسها، وإذا هي صريعة، وإذا الفتى قد أقبل مذعورا يصيح: ~~قتلناها! # ديسمبر سنة 1924 # | الصحو # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «بول هرفيو» # نعم «بول هرفيو»، فأنا أعود بك إليه اليوم بعد أن تركته أكثر من سنة. أعود بك إليه راضيا ~~مطمئنا، بل سعيدا مبتهجا، ولست أشك في أنك تشاركني في هذا الرضا والاطمئنان، بل في هذه ~~السعادة والابتهاج، فلست أعرف كاتبا فرنسيا ms101 ممثلا يزداد قارئه حرصا على عشرته كلما ~~قرأه مثل هذا الكاتب، ولعلك تذكر القصص الخمس التي لخصتها له في السنة الماضية. ولقد قال ~~أحد أصدقائي حين رآني ألخص قصصه تلخيصا متصلا: «كأنك تريد أن تضع كتابا موضوعه «بول ~~هرڨيو».» ولم لا؟ وأي كتاب أنفع وأكثر فائدة ولذة من كتاب يدرس هذا الكاتب من جهاته ~~المختلفة: يدرس فنه، ويدرس فلسفته، ويدرس قصصه، ويدرس شخصيته بوجه عام، ولكن من لي بالوقت ~~والقوة أنفقهما في وضع كتاب عن «بول هرفيو»؟! # حدثتك غير مرة عن فلسفة هذا الكتاب في تمثيله، وقلت إنه ليس كاتبا مبتسما، وإنه لا يرى ~~الحياة الإنسانية مبتهجا بها راضيا عنها، ولكنه في الوقت نفسه ليس شديد التشاؤم ولا ~~مسرفا فيه، وإنما هو يرى الحياة كما هي، قد امتزج حلوها بمرها، واختلط خيرها بشرها، وليس ~~لإنسان أن يحتكم فيها ولا أن يجعلها صفوا خالصا، وإنما الإنسان مضطر أن يحتملها كما ~~تأتى، فيستمتع بما فيها من خير، ويصبر على ما فيها من شر، وقد يكون هذا الشر كثيرا، وقد ~~يكون خالصا لا أثر للخير فيه، ولكنه مع ذلك ليس قانون الحياة، وإنما أثره في الحياة قوي لا ~~ينبغي ازدراؤه ولا الإعراض عنه. # وحدثتك غير مرة أيضا عن مذهبه في التمثيل، فهو شديد التأثر بقدماء الممثلين من اليونان، ~~وأكاد أقول إنه شديد التأثر بهؤلاء القدماء والاقتداء بهم؛ يذهب مذهب نوابغهم، وينتهي ~~كثيرا إلى مثل ما انتهوا إليه، ينتهي إلى هذه العقد التي تعرض للإنسان في حياته دون أن ~~يكون له عليها سلطان، ودون أن يكون قد عمل في تكوينها، ودون أن تكون له القدرة على حلها أو ~~التخلص منها، كأن هناك يدا خفية تدبر حياتنا وصلاتنا، وتقفنا أمام المعضلات من حيث لا ندري ~~ودون أن يتبين لنا سبيل التخلص منها. وكأن غاية هذه اليد الخفية، التي تدبر حياتنا وتخلق ~~لنا العقد والمعضلات، إنما هي إكراهنا على أن ننزل عن كبريائنا وغرورنا، ونعترف بأننا ~~مهما نبلغ من قوة معنوية أو مادية فإن هنالك قوى ms102 أشد منا بأسا وأعظم منا سلطانا، وهي ~~قادرة على أن تسحقنا سحقا، وعلى أن تردنا إلى أطوارنا حين يغرينا الغرور بالخروج منها، ~~وليست هذه القوة القاهرة المسيطرة في فلسفة «بول هرفيو» هي تلك القوة التي كان يؤمن بها ~~القدماء ويؤلهونها، بل يبسطون سلطانها على الآلهة أنفسهم، وهي قوة القضاء والقدر التي كانت ~~تحكم الناس والأشياء والآلهة معا في تمثيل اليونان القدماء خاصة وأدبهم عامة، وإنما هي قوة ~~قاهرة مقهورة في وقت واحد: قاهرة لأننا لا نستطيع أن نخلص منها ولا أن نتقي آثارها، ~~ومقهورة لأن عقلنا قد يستطيع أن يفهمها وأن يدرسها وأن يصورها تصويرا واضحا وجليا؛ فهي ~~إذن ليست قوة إلاهية، وليست قضاء وقدرا، ليست شيئا فوق عقولنا، وإنما هي قوى طبيعية ~~نجدها في أنفسنا، ونجدها في حياتنا وصلاتنا، بل هي القوى التي تكون نفوسنا والتي تؤلف ~~حياتنا، والتي تخلق ما بيننا من الصلات. # ولتكن قصة اليوم مثلا يوضح هذه الفلسفة وهذا المذهب في التمثيل، فأنت إذا قرأت هذه القصة ~~لم تستطع أن تدفع عن نفسك ألما شديدا وحزنا عنيفا ولوعة تعبث بالقلب، ولكنك في الوقت ~~نفسه تحس راحة واطمئنانا وشيئا من الرضا غير قليل. تجد الحياة كما هي: مزيجا من الخير ~~والشر، لا يستطيع الإنسان أن يصورها كما يحب، ولا أن يغيرها كما يشتهي، وإنما هو مضطر إلى ~~أن يحياها ويخضع لقوانينها. تجد فيها الابتسام والاكتئاب. وما مصدر هذا الابتسام؟ وما مصدر ~~هذا الاكتئاب؟ وفيم يسعد هذا الشخص ويشقى هذا الشخص من أشخاص القصة؟ مصدر هذا كله قوى ~~قاهرة ليس لنا سبيل إلى أن نفر من سلطانها ولا إلى أن نتحلل من قيودها، وليست هذه القوى ~~في السماء، بل ليست هذه القوى بعيدة عنا، وإنما هي قوى أنفسنا التي بها نحيا ولها ~~نعيش. # ليست القصة التي نحن بإزائها اليوم إلا جهادا عنيفا بين الأثرة والإيثار، أو بين ~~الحب وعاطفة الأمومة من جهة، وبين الحب والسلطان وعاطفة البنوة من جهة أخرى، فأنت ترى أن كل ~~هذه العواطف والقوى التي ms103 يجاهد بعضها بعضا وينتصر بعضها على بعض، ويكون جهادها ~~وانتصارها حياتنا وصلاتنا وما فيها من ابتئاس وابتهاج؛ ليست قوى أجنبية، وإنما هي ~~عواطفنا وأهواؤنا التي تكون نفوسنا وشعورنا، والتي نستطيع أن نفهمها ولا نستطيع أن ~~نخضعها. # انظر إلى هذه المرأة قد كادت تفارق شبابها، ولكنها مع ذلك محتفظة منه ببقية لا بأس بها، ~~ولها حظ موفور من الجمال والروعة، ولها حظ موفور من القوة، ولها حظ موفور من الخيال ~~الذي يحيي في نفسها آمالا غريبة. أحبت زوجها ووفت له، وأحبت ابنتها وعطفت عليها، ~~ولكنها لقيت في طريقها شابا جميلا قويا خلابا، مال إليها فمالت إليه، وكلف بها فكلفت ~~به، وإذا هي مضطربة بين الوفاء لزوجها وابنتها، والاندفاع مع هذا الحب الآثم الذي أيقظ في ~~قلبها أدنأ العواطف الحيوانية وأشدها قبحا وانحطاطا. هي مضطربة بين الطهر والدنس، بين ~~البر والغدر، وهي لا تستطيع أن تخلص لإحدى هاتين العاطفتين؛ لأن في طبيعتها خيرا كثيرا، ~~ولكن في طبيعتها شرا أيضا، فهي شقية بهذا الاضطراب، والناس حولها أشقياء بهذا الاضطراب ~~أيضا. هي معرضة عن زوجها مشفقة منه، تستحييه وتخافه وتخاف عليه أيضا، وزوجها شقي بهذا ~~الإعراض، يعني نفسه ويكلفها المشقة في البحث عن أسبابه ومصادره. يحس أن امرأته لا تحبه ~~ثم يفرض أنها مريضة، وكل ذلك يشقيه ويحزنه، وهي منصرفة عن ابنتها؛ لاضطرابها بين هذين ~~الرجلين: زوجها وحبيبها؛ ولاضطرابها بين هاتين العاطفتين: عاطفة الوفاء وعاطفة الخيانة، وهي ~~تزدري نفسها أحيانا، وتحس شيئا من الخجل أمام ابنتها فتزداد إعراضا عنها وتنكرا لها، ~~حتى لا تكشف الفتاة شيئا تكرهه من أمها، والفتاة شقية بانصراف أمها عنها وتنكرها لها. ~~تعودت من أمها عطفا ومودة وحنانا، وهي الآن شديدة الحاجة إلى عطف أمها؛ فهي تحب، وهي ~~تريد أن تبسط هذا الحب لأمها، وهي تريد أن تستعين بأمها على هذا الحب أيضا، ولكنها لا تجد ~~من أمها إلا إعراضا وازورارا. # وانظر إلى هذا الفتى قد لقي هذه المرأة خالي القلب حرا من كل صلة، فما هي إلا أن مال ms104 ~~إليها وكلف بها واندفع في حبها، ونسي في سبيل هذا الحب واجباته كلها؛ نسي أنه صديق ~~لزوج هذه المرأة، ونسي أن عليه لأبيه ولبلاده حقوقا عظيمة الخطر. نسي هذا كله، وأخذ يلح ~~على هذه المرأة، والمرأة تدافعه عن نفسها حتى اعترفت له بالحب، وظلت مع ذلك ممتنعة؛ فهو ~~سعيد لأنه يشعر بحبها، وهو شقي لأنه لا يظفر بثمرة هذا الحب. ثم انظر إلى الحوادث قد ~~أقبلت فمست كل هذه القوى المختلفة المضطربة فإذا هي نار متأججة، وإذا هي قد انتهت إلى ~~نتائجها الطبيعية؛ فانتصر منها ما انتصر، وانهزم منها ما انهزم، واحتمل أشخاص القصة كارهين ~~أو راضين أثقال هذا الجهاد وما انتهى إليه من انتصار وانهزام، كل ذلك والحياة العامة ~~للناس والأشياء مطردة في سبيلها لم تحس من هذا كله شيئا. ~~••• # نحن في باريس، في قصر فخم تسكنه أسرة نبيلة ضخمة الثروة رفيعة المنزلة، تتألف من أشخاص ~~أربعة: أولهم صاحب القصر «راوول دي مجيه»، وهو رجل طيب القلب، طاهر النفس، مطمئن إلى ~~الحياة، لا يحس فيها شقاء ولا شرا، يحب الناس ويحبه الناس، شديد العطف على أسرته عظيم ~~الحب لها؛ ثم أم هذا الرجل وهي امرأة شيخة، خبيرة بالدهر، بصيرة بأهله، شديدة الحب لابنها، ~~ولكنها مفتونة بالشخص الثالث من أشخاص هذه الأسرة؛ وهي «روز» حفيدتها، فتاة ناشئة حلوة، لا ~~تعرف من الحياة إلا ما عودها أهلها من رضا ودعة وآمال كلها محققة، هي فتاة منعمة ~~حقا؛ وأما الشخص الرابع فهي «تريز»، أم الفتاة وصاحبة القصر، وقد قدمت لك تشخيصها ~~آنفا. # فإذا رفع الستار رأينا رجلا وامرأته يتحدثان وهما يستعدان للانصراف، وفهمنا أن أصحاب ~~القصر يستقبلون زوارهم اليوم، وفهمنا أيضا أن لهذين المتحدثين ابنا شابا قد أحبته ~~فتاة هذا القصر وأحبها، وهما يريدان الخطبة والزواج، وكل شيء يجعل هذا الزواج حسنا ~~ملائما للشابين وأسرتيهما، لولا أن شكوكا تحوم حول أم الفتاة، وهذه الشكوك تكفي لتصرف ~~الفتى عن هذه الخطبة وعن هذا الزواج. وقد اعتزم الرجل وامرأته خنق هذا الحب الناشئ قبل ms105 أن ~~ينمو، وهما يتهيئان للانصراف، وإذا الفتاة قد أقبلت ومعها جدتها، وإذا هي تتثبت من موعد ~~كان بين الأسرتين غدا للنزهة ثم تستشير أم الفتى في زيها وشكلها، فإذا أحست أم الفتى أن ~~مصدر هذا كله إنما هو أن الفتاة تريد أن تعجب خطيبها، أعلنت إليها أن الفتى لن يشترك في هذه ~~النزهة! ثم أعلنت إليها أنه لن يحضر المائدة! ثم أعلنت إليها أن الفتى قد يسافر سفرا ~~طويلا! ثم انصرف الزوجان، وإذا الفتاة محزونة مكتئبة، وإذا جدتها تسليها وتلح عليها في أن ~~تنبئ أمها بهذا الحب، والفتاة مترددة؛ لأنها تحس من أمها انصرافا عنها وإعراضا. وقد ~~خيل إلى الفتاة أن أمها قد استكشفت هذا الحب، فهي منكرة له ساخطة عليه، تكره من ابنتها ~~أن تحب أحدا غير أبويها، والفتاة خجلة محزونة، وجدتها تشجعها على أن تنبئ أمها وتلتمس ~~عندها المعونة. وقد انصرفت الفتاة وأقبل أبوها، فأمه تنبئه بهذا الحب، وهو مرتاح له ~~مستعد لتأييده، ولكن هذا فتى قد أقبل ينبئ الشيخة أنها منتظرة على الشاي في غرفة الاستقبال ~~فتنصرف، ويتحدث الرجلان، فنفهم أن هذا الفتى هو الأمير «جان» من أسرة ملكية قد أقصيت عن ~~ملكها واضطرتها الثورات المتصلة إلى المهاجرة، فالفتى في باريس، وأبوه مرابط على حدود ~~مملكته يراقب الحوادث ويأتمر بالنظام الجديد ويستعد لاسترداد الملك، وقد فهمنا أيضا أن هذا ~~الأمير الشيخ قد وصل اليوم إلى باريس في بعض أعماله، وهو مقبل إلى هذا القصر بعد حين ليزور ~~هذه الشيخة التي رأيناها آنفا، فالصداقة بينهما قديمة، وصاحب القصر يعتذر إلى الفتى؛ لأنه ~~مضطر إلى الانصراف، وهو يكلفه أن يعتذر إلى أبيه. وقد فهمنا بنوع خاص أن الصداقة متينة بين ~~هذين الرجلين، فهما صديقا طفولة. # لا يكاد صاحب القصر ينصرف ويخلو الفتى إلى نفسه حتى تأتي «تريز»، فإذا تحدثا عرفنا كل ما ~~قدمت لك من هذا الحب الآثم بين هذه المرأة وهذا الفتى، وعرفنا أن هذه المرأة ما زالت ~~متمنعة تجاهد صاحبها وتأبى عليه؛ لأنها لا تريد أن تخون ms106 زوجها ، ولا تريد أن تخون ابنتها، ~~والفتى يلح ويسرف في الإلحاح، ثم يترك التضرع إلى المحاجة. أليست قد تركته يقبلها؟ أليست ~~قد قبلته أيضا؟ وإذن فقد أذنت بهذا الحب وأخذت بحظها منه، وإذن فليس لها الحق بعد أن ~~أضرمت هذه النار أن تنكل أو تفر أو تكون مصدر شقائه أو شقائها، وهي تعترف بأنها قد رضيت ~~قبلته وأنها قد قبلته، وأن غرائزها الحيوانية المنحطة هي التي ورطتها في ذلك، ولكن ~~فيها عواطف أخرى راقية ستعصمها من الإثم؛ تلك عواطف الزوجية والأمومة. ولكن الفتى بعيد من ~~اليأس، فهو يضمها مرة أخرى، ويصف لها بيتا يملكه في أقصى باريس قريبا من الغابة، يدعوها ~~إلى أن تزوره فيه غدا، فتأبى إباء شديدا. # وهما في ذلك وإذا الأمير الشيخ قد أقبل، فلا يكاد يستقر حتى يرسل ابنه في حاجة له، وحتى ~~تأتي صديقته الشيخة، ويخلوان فيتحدثان، وإذا نحن نفهم من حديثهما أن مودتهما هذه إنما هي ~~بقية حب قديم كان قويا ولكنه كان عنيفا بريئا، وما هي إلا أن نسمع هذه تشكو إلى صديقها ~~من ابنه الفتى، وتنبئه أنه يتبع بحبه صاحبة القصر، وهي امرأة متزوجة وأم معا، وتطلب إليه ~~أن يصرف هذا الفتي عن صاحبته، وأن يجتهد في إبعاده عن باريس حتى لا تتورط صاحبته في ~~الإثم، وحتى لا يتعرض ابنها وحفيدتها للشقاء، ولا يكاد الشيخ يسمع هذا حتى يأخذه غضب شديد ~~على ابنه الذي بلغ به الفساد الخلقي أن يخون صديق صباه في امرأته، وقد أقبلت الفتاة، ~~فيلقاها الشيخ لقاء حسنا مؤثرا ويقبلها قبلة عطف وأبوة، وقد تمنى لها السعادة، ~~ويقبل الفتى، فلا يكاد يخلو إلى أبيه حتى ينبئه أبوه بأنه يريد أن يصطحبه في سفره؛ لأنه ~~قد دبر ثورة يوشك أن يفلح فيها وأن يسترد العرش، وهو لا يسترد العرش لنفسه؛ فالناس لا ~~يحبونه ولا يميلون إليه؛ لأنه كان قاسيا سفاكا، وإنما يسترد العرش لابنه؛ وإذن فسيعلن ~~نزوله لابنه عن العرش، ولا بد أن يترك الفتى باريس ويذهب إلى مملكة آبائه ms107 ليقود جنود الثورة ~~الذين ينتظرونه. يسمع الفتى ذلك فيرفض العرش في ازدراء، فإذا اشتد عليه أبوه ألح في ~~الرفض، حتى يعلن إليه أبوه أنه إنما يرفض العرش لأنه يحب امرأة متزوجة في باريس! وتشتد ~~الخصومة بين الأب وابنه حتى ينتهيا إلى تبادل القول الغليظ، ثم ينهض الشيخ مغضبا وقد ~~أعلن إلى ابنه أنه يمهله يومين ليجيب جوابه الأخير. # وما يكاد ينصرف الشيخ حتى تقبل «تريز»، وقد كانت تكتب من وراء أحد الأبواب فسمعت حديث ~~الرجلين، فلما أحست انصراف الشيخ أقبلت مرتاعة ملتاعة، وهي تلح على الفتى ألا يقبل السفر ~~وأن يستمر في رفض العرش؛ لأن هذه الأسرة قد قضي على ملوكها جميعا أن يقتلوا غدرا، وهي ~~تخشى على صاحبها أهوال الثورة وأهوال الملك، وإذا الفتى ينتهز هذه الفرصة لتأييد حبه فيعلن ~~إلى صاحبته أن الحياة هينة عليه، وأنه إذا لم يثق منها بالحب والمودة والرضا فسيقبل العرش ~~ويمضي مع أبيه لقيادة الثورة واستقبال الموت، والمرأة مضطربة مرتاعة قد تغير في نفسها كل ~~شيء، فنسيت زوجها والوفاء له، ونسيت ابنتها والبر بها، ولم تفكر إلا في حبيبها وإنقاذ ~~حياته، فهي تقبل ما يعرض عليها، وهي تعطيه موعدا أن تلقاه غدا في ذلك البيت الذي يقوم في ~~طرف من أطراف باريس قريبا من الغابة. # فإذا كان الفصل الثاني فنحن في هذا البيت المعتزل القديم، نرى خادما عجوزا ترتب غرفة ~~الاستقبال وتهيئ فيها ألوانا من الورد والزهر، وإذا الأمير الشيخ قد أقبل، فترتاع الخادم، ~~والشيخ مغضب لما يرى من الزهر، وهو يلوم الخادم وينذرها؛ فقد كان اشترى هذا البيت حين كان ~~يريد أن يقيم في باريس، وأقر فيه هذه الخادم لتلاحظه لا ليتخذه موردا للتجارة، ولكن ~~الخادم تنبئه بأن ابنه هو الذي أمرها أن تهيئه على هذه الحال، وأن تستخفي إذا كانت الساعة ~~الرابعة، وقد فهم الشيخ أن ابنه على موعد مع صاحبته، فأمر الخادم أن تنصرف وأن تنبئه بمقدم ~~ابنه متى أقبل. # ولا يكاد يخلو إلى نفسه حتى يدخل عليه أحد أعوانه، ms108 وكان قد ضرب له موعدا في هذا البيت، ~~فينبئه هذا الرجل بأن الثورة قد تم تدبيرها، وأن الثائرين قد ضربوا بينهم يوم العيد موعدا ~~للظهور وعلى رأسهم الأمير الشاب، فإذا أعلن الشيخ إلى صاحبه أن ابنه يرفض العرش لأنه يحب ~~امرأة، غضب هذا الرجل وألح على الأمير أن يجتهد في حمل ابنه على القبول ضنا بدماء ~~الأبرياء أن تراق، وبنفوسهم أن تزهق في غير منفعة، وهما يتحدثان وإذا الخادم تنبئ أن ~~الأمير الشاب مقبل تتبعه امرأة، فيأمرها الشيخ أن تستخفي وألا تتحرك مهما تسمع حتى يدعوها. ~~ثم يستخفي مع صاحبه في حجرة مجاورة، وقد أقبل الأمير الفتى تتبعه «تريز»، وهو سعيد مغتبط ~~وهي والهة مضطربة، فإذا ذكر لها حبه ذكرت له ذعرها وإشفاقها، وأنها الآن غنيمة بين يديه قد ~~أسلمت نفسها لتحول بينه وبين الموت، وهي قد خرجت من بيتها على ألا تعود إليه، فلن ترى ~~زوجها، ولن ترى ابنتها بعد هذه الخيانة؛ وإذن فيجب أن يحتفظ بها وأن يتركا باريس، وما الذي ~~يمنعهما من ذلك ولم يكن يطمع إلا في هذا، ولم يكن يسمو إلا إليه؟! # ولكنهما يسمعان حركة في الحجرة المجاورة، فيريد الفتى أن يتبين الأمر فلا يكاد يدخل ~~الحجرة حتى يغلق بابها ويرتج إرتاجا، وإذا المرأة تسمع جهادا وصراعا، وهي تهجم على ~~الباب فلا يطيعها، وإذا هي تسمع صيحة وجسما قد خر على الأرض، وإذا هي تصيح مستعينة، وإذا ~~الباب قد فتح وخرج صاحب الأمير فأمر المرأة أن تنصرف، وأعلن إليها أن صاحبها قد قتل وأنه ~~جاسوس كان يتتبع الأمير؛ لأن الدولة علمت بأنه يدبر الثورة، وقد ظفر هو وأصحابه بالفتى ~~فقتلوه وأراحوا الدولة منه ومن ثورته، والمرأة ذاهلة تستغيث وتطلب أن ترى صاحبها ولو ~~قتيلا، وتطلب أن تقتل، ولكن الرجل يأبى عليها إلا أن تنصرف، ولم يقتلونها وليس لهم ~~عندها ثأر؟ ومنفعتهم تقضي ألا يفعلوا، فهي إذا خرجت لم تستطع أن تدل عليهم ضنا بشرفها ~~وسمعة أسرتها، والمرأة مترددة في الخروج، فيدنو الرجل منها يريد أن ms109 يحملها ليخرجها، وإذا ~~هي جزعة تأخذ معطفها وقلنسوتها وتنصرف متثاقلة يكاد يصرعها الدوار، وقد أقبل الأمير الشيخ ~~فدعا الخادمة وأمرها أن تتبع هذه المرأة حتى تبلغ مأمنها، وأن تحول بينها وبين ما قد يخطر ~~لها من التعرض للموت، ثم يأمر بفك ابنه فيدخل عليه ابنه وقد بلغ منه الجهد وأصابه الإعياء، ~~فلا يكادان يتحدثان حتى يعلم الفتى أن صاحبته قد اقتنعت بموته وحتى يأخذه جزع شديد؛ لأنه ~~يشفق عليها أن تقتل نفسها، فهو يريد أن يخرج ليلحق بها، ولكنه لا يستطيع لأن الباب قد أخذ ~~عليه، والخصومة شديدة عنيفة بينه وبين أبيه، وقد يئس الشيخ من إقناع ابنه واستعطافه، وإذا ~~هو يلعنه ويستنزل السخط عليه، ثم يأمر صاحبه فيخلي بينه وبين الباب، ليمضي إلى هذا الحب ~~الدنيء الذي آثره على مجد الأسرة وشرف الملك. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فنحن في القصر حيث كنا في الفصل الأول، نرى صاحب القصر قلقا ~~مذعورا، وأمه تهدئه وترفه عليه؛ ذلك أنه عاد مع ابنته من النزهة فعلم أن زوجته قد خرجت، ~~وهي قد تأخرت وقد أمسى المساء وأقبل الليل وليس أحد يعرف أين هي، وهو يخشى عليها كل شيء. ~~أليست مريضة مضطربة الأعصاب؟! وأمه تجتهد في تهوين الأمر عليه، ولكنها ليست أقل منه ~~اضطرابا، وهو يحس ذلك وينبئها به فلا تمانع فيه، بل تنصرف إلى حفيدتها حتى لا يصل إليها ~~الخبر فيزعجها، والفتاة في غرفتها تهيئ نفسها للعشاء عند خطيبها، فإذا انصرفت هذه المرأة ~~بقي ابنها مضطربا بين النوافذ ينصرف من إحداها إلى الأخرى، ولكن الخادم قد دخلت وهي تنبئه ~~بأن السيدة قد أقبلت وليس عليها بأس، ولكنها متعبة جدا؛ فقد أغمي عليها في الطريق حين ~~كانت تمشي في الغابة. وانظر إلى «تريز» وقد دخلت متثاقلة ذاهلة، فيلقاها زوجها شديد الإشفاق ~~عليها، فلا تكاد تعرفه، وهي مع ذلك تتكلف القوة وصدق الرأي، وهي تنبئ زوجها بأن دوارا قد ~~أخذها، وأنها رأت كأن الأرض تنشق أمامها، وزوجها يريد أن يدعو الطبيب فتأبى، فقد انتهى هذا ms110 ~~الدوار ولم يترك لها إلا تعبا شديدا، فهي تريد أن تأوي إلى سريرها وأن تستريح. # ولكنها رأت زوجها ولم تستطع إلا أن تتبين جزعه واضطرابه، ولم تكد تسمع صوته وتحس ألمه حتى ~~أخذت تفيق من ذلك الحلم المنكر الآثم، وإذا هي تتبين إثمها وتشعر بالألم يلذع ضميرها. ~~واسمع لها تحدث زوجها بصوت رفيق فيه ألم وندم، وزوجها سعيد لا يكاد يقدر سعادته؛ لأنه ~~يجد امرأته عاطفة عليه مطمئنة إليه، وكان قد فقد عطفها واطمئنانها، وهو ينبئها بذلك ويشكره ~~لها، فلا يزيدها ذلك إلا تنبها وإفاقة، وقد وضح الأمر وانجلت الغشاوة، ورأت المرأة نفسها ~~على حافة الهوة، وقد أراد القضاء ألا تتردى فيها. ولقد أنبأها زوجها أنه سيعتذر عن حضور ~~العشاء الذي كانوا مدعوين إليه، فتلح عليه في أن يذهب مع الفتاة وفي أن يعتذر عنها وحدها، ~~فيقبل ويذهب ليتهيأ، وإذا الشيخة قد أقبلت، وإذا بينها وبين هذه المرأة التعسة حديث يزيل ~~عنها الغشاوة إزالة تامة، ويرد إليها ضميرها واضحا وعقلها موفورا وشعورها بالكرامة ~~قويا؛ تنبئها الشيخة بأنها تعرف كل شيء، وأنها تلح عليها مع ذلك في ألا تتأخر عن هذا ~~العشاء؛ فإن تأخرها سيطلق ألسنة الناس بما لا ينبغي، وسيعرض شرف الأسرة للخطر، والمرأة ~~تجاهد لأنها متعبة لا تستطيع أن تحضر هذا العشاء، ولكن انظر إلى ابنتها قد أقبلت باكية تجثو ~~بين يدي أمها وترفع إليها كتابا تنظر فيه، فإذا هو إلى الفتاة من خطيبها ينبئها بسفره ~~غدا، وبأن أبويه يمانعان في الزواج، وأن مصدر هذه الممانعة إنما هي أمها. # لا تكاد المرأة تقرأ هذا حتى يتغير في نفسها كل شيء، فليست هي امرأة، وليست عاشقة، وليست ~~زوجا، وإنما هي أم، وأم ليس غير. ترى ابنتها محزونة باكية، فيجب أن تزيل حزنها وتجفف ~~دموعها. ليست مريضة فستحضر هذا العشاء، وستجتهد في إصلاح الأمر، وفي أن تحول بين الفتى وبين ~~السفر. يجب إذن أن تمضي الفتاة مع أبيها إلى بيت خطيبها فستلحقها بعد حين، وقد انصرفوا ~~جميعا. وخلت الشيخة إلى نفسها، ms111 فهي سعيدة متأثرة تبكي سعادة وحزنا، ولكن انظر هذا الأمير ~~الفتى قد أقبل يتلمس أخبار صاحبته، وهو يريد أن يراها ويلح في ذلك، والشيخة تمانعه وتأبى ~~عليه حتى يكاد يقتنع. وهما في هذا الجدال إذ يدخل الخادم فينبئ بمقدم الأمير الشيخ، فتنصرف ~~المرأة للقائه ويبقى الفتى، وهو يريد أن يخرج ولكنه مبهوت ... ماذا يرى؟ إنه يرى صاحبته مقبلة ~~وقد اتخذت زينتها، فهي جميلة رائعة، كأنها لم تشهد ما شهدت ولم تسمع ما سمعت، ولم تعلم بأنه ~~قد قتل، وهو يائس محزون، ولكنه لا يكاد يتحدث إليها في ذلك حتى يعلم أنها كانت صادقة في ~~حبها، وأنها الآن صادقة في إقلاعها عن هذا الحب. # كانت في حلم عميق قوي منكر ثم تنبهت من هذا الحلم وأفاقت من هذا النوم، وهي ترى زوجها ~~الوفي المظلوم، وترى ابنتها البريئة الطاهرة، وترى حبا نقيا بريئا ناشئا كاد يضحى ~~به في سبيل ذلك الحب الآثم، وقد أفاقت وأراد العدل أن يكون هذا الحب الآثم ضحية لهذا الحب ~~البريء. # يجب إذن أن يفترقا، وهما يفترقان في أناة ودعة ولين، فإذا خلا الفتى إلى نفسه جلس وإذا ~~رأسه بين يديه، وإذا هو يبكي بكاء حارا، وقد دخل أبوه فرق له وأخذ يناجيه مناجاة الأب ~~البر الشفيق، والفتى يلقى أباه في عنف ولوم، ولكنه لا يلبث أن يعترف لأبيه بأن حبه قد مات. ~~وانظر إلى هذا الشيخ سعيدا مبتهجا يرى أن العقبة قد زالت، وأن الفضيلة قد رضيت، وأن ابنه ~~قد أصبح ملكا، فهو يسرع إليه فيخضع له خضوع الرعية، ويأخذ يده فيقبلها قائلا: يا بني ~~الملك. # ديسمبر سنة 1924 # | المحصنات # قصة تمثيلية بقلم الكاتب الفرنسي «هنري بيك» # لست اليوم ملخصا ولا ناقدا، وإنما أنا مترجم، وذلك أني كنت أنتظر أن تحمل إلينا ~~«الألوستراسيون» هذه القصة الجيدة التي وضعها «برنستين»، والتي أطراها النقاد إطراء ~~شديدا، ولكن «الألوستراسيون» حملت إلينا هذا الأسبوع مذكرات «بييرلوتي»، وقد كتب إلي ناس ~~وتحدث إلي ناس آخرون، وكلهم يلاحظ أن في القصص التي حدثتك ms112 عنها منذ حين شيئا من الخفة ~~قد لا يحبونه، فلهؤلاء أترجم هذه القصة الصغيرة، وأنا أعلم أن ناسا سيكتبون إلي، وأن ~~آخرين سيتحدثون إلي بأن في هذه القصة شيئا من الجد يسأمونه، ولكني أريد أن أجتهد في ~~إرضاء أولئك وهؤلاء. # الأشخاص: لمبير - مدام شيفاليه - جنفياف - لويز. # يمثل المسرح حجرة استقبال تشرف على الحديقة. # فإذا رفع الستار فمدام شيفاليه جالسة بالقرب من منظدة وقد وضعت رجليها على كرسي وهي ~~تعمل. # المنظر الأول # لويز ~~(تدخل وتدنو قائلة) ~~: # مسيو لمبير يا سيدتي. # مدام شيفاليه ~~: # فليدخل ~~(ثم تدعوها): # هل الأولاد ~~بخير؟ # لويز ~~: # نعم يا سيدتي! # مدام شيفاليه ~~: # ماذا يعملون؟ # لويز ~~: # يلعبون. # مدام شيفاليه ~~: # أنت ترينهم دائما؟ # لويز ~~: # نعم يا سيدتي. # مدام شيفاليه ~~: # أدخلي الزائر. # المنظر الثاني ~~(مدام شيفاليه ولمبير) # لمبير ~~(مصافحا) ~~: # كيف أنت يا سيدتي؟ # مدام شيفاليه ~~(هادئة) ~~: # كما ترى. # لمبير ~~: # ألم أزعجك؟ # مدام شيفاليه ~~: # يسرني أن أراك ~~(ثم تسأل مشيرة إلى كرسي) # ماذا على هذا الكرسي؟ # لمبير ~~: # عليه فوط. # مدام شيفاليه ~~: # معلمة؟ # لمبير ~~: # نعم. # مدام شيفاليه ~~: # ضعها هنا ... هنا ... هنا واجلس. أراك تنظر إلي، وما أظن إلا أنك تضحك مني وسط ~~هذه الأخلاق البالية. # لمبير ~~: # أنت إذن تشتغلين أحيانا؟ # مدام شيفاليه ~~: # أحيانا! بل دائما. أثني وأعلم وأرقع، أعمل كل شيء إلا فوط المطبخ، ولم ~~لا أصلح فوط المطبخ كغيرها من الأشياء؟ وهم قديم، ولو لم أصطنع هذا الحزم لساءت ~~حال بيتي، ولا سيما إذا لاحظت أن لي صبيين يشغلان الخادم من الصباح إلى المساء. ~~ما أكثر ما يبلي هذان الصبيان! فإذا أخذني الجهد فسقطت ذراعي وانكمش رأسي ~~وأحسست أني أوشك أن أنام، صببت من هذا النبيذ الأبيض وغمست فيه كسرة، وهذا ~~النبيذ هو الشراب الوحيد الذي يعجبني. على أنك ستذوقه معي. # لمبير ~~: # أشكرك. # مدام شيفاليه ~~: # أطعني! # لمبير ~~: # بعد حين. # مدام شيفاليه ~~: # متى أردت فقل لي. # لمبير ~~: # أنا سعيد يا سيدتي. # مدام شيفاليه ~~: # بماذا؟ # لمبير ~~: # بأني حيث أنا الآن. ما أحسن المقام عندك! إني لأتنفس! # مدام شيفاليه ~~: # تعال متى شئت، فلست أغلق بابي. # لمبير ms113 ~~: # ما كان أحسن حظي حين أتيت أصطاف هنا، وحين لقيت امرأة مثلك؛ فإن الحياة هنا ~~مريحة! ألست ترين هذا؟ ~~(مدام شيفاليه لا ~~تجيب) # ليس من شك في أنك وحدك حملتني على البقاء. # مدام شيفاليه ~~: # أهنئ نفسي بذلك، فلم يكن من حقك أن تتركنا. # لمبير ~~: # لست تتكلفين شيئا لتعجبيني، ومع ذلك فالإعجاب بك شديد. # مدام شيفاليه ~~: # أنا طبيعية، ومن الناس من لا يزالون وهم قليلون يحبون هذه النغمة. # لمبير ~~: # ومع ذلك فالمفتونون بك كثيرون. # مدام شيفاليه ~~: # أعرف منهم واحدا هو الجنرال. نحن صديقان لا نختلف في شيء، إنه ليقص علي ~~أحيانا أحاديث من الحق عليه أن يحتفظ بها لنفسه، ولكنه شيخ، وهو يرى أني أستمع ~~له، فإذا أراد سوء الحظ أن أضحك فهو يمضي في حديثه، يمضي حتى لا سبيل إلى وقفه. ~~أرأيت أسرة «لانجلوا» منذ عيدها؟ # لمبير ~~: # أكره زيارتها. # مدام شيفاليه ~~: # آه؟ وهل رأيت أسرة «روسلان»؟ # لمبير ~~: # أستثقل هذه الأسرة. # مدام شيفاليه ~~: # آه! مدام «بابيليون»؟ # لمبير ~~: # لا أحبها الآن. # مدام شيفاليه ~~: # حسن! وما تقول عمتك في هذا كله؟ # لمبير ~~: # لسنا نتحدث الآن! # مدام شيفاليه ~~: # هذا تمام الشر. الحذر. الحذر، فكأني بك قد بقيت أعزب. # لمبير ~~: # ليكن! فليست حياة الأعزب شرا من غيرها. # مدام شيفاليه ~~: # وليست خيرا من غيرها. إني أخطئك. ماذا تنقم من جماعتنا هذه الصغيرة في ~~«فونتنبلو»؟ هي ساذجة فرحة سعيدة، وقد لقيتك أحسن لقاء، ولكن إذا تعود الإنسان ~~عشرة طائفة من الناس ضاقت به الحياة في غيرها. # لمبير ~~: # كلا! # مدام شيفاليه ~~: # بلى! نرفض في ازدراء تكاليف لذيذة مع أننا نقبل في مواطن أخرى أشنع ~~الاستعباد! # لمبير ~~: # كلا! # مدام شيفاليه ~~: # بلى! لننتظر يا مسيو لمبير شيئا من الصراحة، فلن أخونك، أترى أن مومساتك ~~ممتازات حقا؟ # لمبير ~~: # ممتازات؟ نعم يا سيدتي! # مدام شيفاليه ~~: # كان زوجي يصطحبني في الشتاء الماضي إلى ملعب «باليه رويال» وكانت إحداهن في ~~اللوج المجاور لنا. لست أغلو، لقد زارها عشرون شابا، والشبان يظهرون في هذه ~~الأيام مع هذا النوع من النساء، وكان بعضهم يحمل إليها الحلوى، ms114 وآخر يحمل إليها ~~مروحة، وكانت تتلقاها وتقبل هداياهم، وكأنها «الإمبراطورة»! وكانوا يسمونها ~~«أستير»، أتعرفها؟ # لمبير ~~: # أستير، طويلة شديدة الجفاء مسرفة في الزينة، لها شعر فاتن، لا قيمة ~~لها! # مدام شيفاليه ~~: # لا قيمة لها! يظهر أن بعضهن من بعض. وما بال الآنسة «أستير» لا قيمة لها؟ قل ~~لا بأس عليك ~~(يدنو منها ويهمس في أذنها) # حقا؟ كل الناس؟ أنا أرثى لها إذن هذه المسكينة! # لمبير ~~: # أنت إذن تحدثت إلى عمتي؟ # مدام شيفاليه ~~: # نعم! # لمبير ~~: # ماذا قالت لك؟ # مدام شيفاليه ~~: # هذا يعنيك؟ # لمبير ~~: # هي تسخر مني وتسئ إلي في كل مكان. # مدام شيفاليه ~~: # كلا! هذا غير معقول من امرأة لا تفكر إلا في أن تجد لك زوجا. # لمبير ~~: # أترين رأيها؟ # مدام شيفاليه ~~: # طبعا! لم لا ترضي عمتك؟ وأنت إن فعلت أديت إلى نفسك أحسن خدمة. # لمبير ~~: # أنا أتردد وأسأل نفسي ~~(ثم ينظر إليها) # ولعل لهذا التردد سرا. # مدام شيفاليه ~~: # ما هو؟ # لمبير ~~: # ألا تتوهمينه بعض الشيء؟ # مدام شيفاليه ~~: # مهلا! # لمبير ~~: # قد أصادف امرأة حقا تطمح إلى حياة خير من حياتها وبيئة خير من بيئتها ~~وتتمنى لو وجدت حبا. # مدام شيفاليه ~~: # المومسات دائما! ألا تريد أن تدعهن! # لمبير ~~: # إن رأيك في لسيئ ... لست ناسكا، ولكني لست مسرفا. لقد أسرفت حين كنت حديث ~~السن، ولقد كلفني هذا كثيرا، وأصبحت قليل الميل إلى استئنافه. وأنا أعرف باريس ~~معرفة ما، من طريق أصحابي، ومن طريق الصحف، ومن طريق النادي المتواضع الذي ~~أختلف إليه وأفضل العشاء فيه دون أن ألعب. وأنا أختلف إلى الملاعب، ~~وأنظر في الصور وأشتري بعض الكتب، وما أظن سيرة أرشد من هذه. وهذه الحياة قد ~~تشتمل على أيام مشرقة وأخرى لا تخلو من العواصف ... # مدام شيفاليه ~~(مقاطعة) ~~: # اسكت قليلا! # لمبير ~~: # ماذا؟ # مدام شيفاليه ~~: # ألم تسمع شيئا؟ # لمبير ~~: # لا! # مدام شيفاليه ~~: # إذن فقد أخطأت، ظننت أن ابني يدعوانني. استمر! # لمبير ~~: # قلت إن هذه حياة لا تخلو من أيام مشرقة ~~(يسمع صوت ~~طفلين يبكيان ويدعوان أمهما) ~~. # مدام شيفاليه ~~: # أترى؟ لقد كنت أعلم أن هذين الطفلين ms115 في حاجة إلى أمهما ~~(ثم تنهض) # أتأذن لي؟ أريد أن أرى ثم ~~أعود. # المنظر الثالث ~~(لمبير وحده) # أمحصنة هي؟ هذا راجح. أغير محصنة هي؟ هذا ممكن. إنا لنرى اليوم نساء طائشات ~~ونساء راجحات، وكلهن تخدع الناس عن نفسها. إني لمتردد لا أتقدم. أتحدث إليها بما ~~يحملها على الظن دون أن يتيح لها الكلام، وهل من سبيل إلى الجرأة مع امرأة كهذه تستقبلك ~~لا بين أدوات الزينة، بل بين الفوط؟ على يمينها الفوط المعلمة وعلى شمالها ما لم ~~يعلم بعد. ظريفة، ظريفة جدا، ولكنها لا تتكلف الظرف. لديها ما شئت من مودة، ~~ولكنها لا تزيد على ذلك. لا تريد أو لا تعرف أن تستصبي. وبينا نحن في الحديث إذ هذان ~~الوحشان يصيحان حين تسنح الفرصة للإلحاح في المهاجمة. ها هي ذي! # المنظر الرابع ~~(لمبير ومدام شيفاليه) # لمبير ~~: # ما شأن هذين الطفلين؟ # مدام شيفاليه ~~: # لا تحدثني عنهما! أراهما يتعمدان هذا لإزعاجي. هما صغيران فلا سبيل إلى ~~عقابهما، فأما زجرهما فلا آخر له. لقد حملتهما الخادم إلى سريرهما. فنستطيع ~~جميعا أن نطمئن حينا ~~(وهي أثناء الحديث قد عمدت إلى ~~زجاجة النبيذ فملأت منها كأسين) # أما هذه المرة فلن ترفض! # لمبير ~~: # أما وقد أردت! ... # مدام شيفاليه ~~: # جيد هذا النبيذ. أليس كذلك؟! # لمبير ~~: # ولا سيما حين تقدمينه ... # مدام شيفاليه ~~: # أشكرك ~~(ثم تقدم إليه الحلوى) # بعض ~~هذا؟ # لمبير ~~: # لا! # مدام شيفاليه ~~: # هلم لنقرع كأسينا على العادة القديمة. يقولون كثيرا إني ورثت جدتي. وفي ~~الحق أني آسفة على غير عادة من عاداتها. # لمبير ~~: # إنما أنت الظرف! # مدام شيفاليه ~~: # أي مزاح؟ # لمبير ~~: # نعم! نعم! أنا بهذا خبير. # مدام شيفاليه ~~(لنفسها) ~~: # إذن فأنا راضية! # لمبير ~~: # كل شيء هنا ظريف في جملته وتفصيله. # مدام شيفاليه ~~: # دع هذا. ألا تستطيع أن تقضي حينا مع امرأة دون أن تصل إلى الإطراء! # لمبير ~~: # لا أصل إليه وإنما أقف عنده. # مدام شيفاليه ~~: # هذا يكفي الآن. على أننا لسنا في وقت الإطراء. انتظر حتى نرقص عند عمتك. ~~وحينئذ أسمع منك ما تشاء بين الرقص ~~(ثم ms116 تعود إلى ~~المنضدة وترتب بعض الأشياء) ~~. # لمبير ~~(وقد جاء فوقف خلفها) ~~: # لو رآنا أحد نقرع الكأسين ...! # مدام شيفاليه ~~(وقد دهشت) ~~: # كان ذلك ممكنا؟! # لمبير ~~: # ماذا كان يظن؟! # مدام شيفاليه ~~: # لعله كان يضحك ويقول: هذان شخصان لا هم لهما، فهما يلهوان وسط ~~النهار. # لمبير ~~: # أتظنين هذا مع امرأة شابة جميلة؟ # مدام شيفاليه ~~: # أنا ربة بيت! # لمبير ~~: # تحسن استقبال رجل حسن الهيئة. # مدام شيفاليه ~~: # أنت صديق! # لمبير ~~: # ألم يكن يتخيل بينهما قصة؟ # مدام شيفاليه ~~(قاسية) ~~: # إذن يخطئ. ~~(يدعها مظهرا الضجر ثم يظهر العزم ويدنو منها.) # لمبير ~~: # إني لأسائل: أيجب أن أجثو بين يديك لتفهمي شيئا؟ # مدام شيفاليه ~~: # لا تفعل! فقد فهمت فيم تفكر إذن، أنا متزوجة، متزوجة منذ ست سنين، ولم يحتج ~~أحد أن ألفته إلى ذلك. أنت تطمع في امرأة رجل غيرك، وتريد أن تفسد الأمر على ~~أم. أنا مخطئة فقد كان من الحق أن أقدر هذا كله. كان يجب علي ألا أستقبلك ~~إلا متحفظة، وكان يجب علي أن أفهم زيارتك وألا أخطئ في فهم ثنائك الذي كنت ~~أراه أثرا من آثار الغرور والفتنة. إلى هنا تنتهي الصلة بيننا. فأنا حريصة على ~~أن أعيش مع الناس جميعا عيشة براءة وطهر، وأريد ألا يكون في سيرتهم ولا في ~~سيرتي شيء يدعو إلى الظن أو التردد. ~~(لمبير مضطربا لا يدري كيف يقول يدنو منها فتشير إليه أن ~~ينصرف.) ~~(لمبير ذاهبا نحو المنضدة التي وضع عليها قلنسوته.) ~~(وهنا تدخل الخادم، فتعلن قدوم فتاة زائرة هي «جنفياف». نفهم ~~نحن أن أمها صديقة لصاحبة البيت، فلا تكاد تدخل هذه الفتاة حتى تقدم كتابا من أمها ~~إلى مدام شيفاليه فتقرؤه، فإذا صديقتها تطلب إليها أن تضيف الفتاة أياما، وتظهر ~~الرغبة في أن تجد لها خطيبا. ولم تكد تفرغ من قراءة الكتاب حتى يخطر لها خاطر هو ~~أن تسعى في الزواج بين هذه الفتاة وهذا الفتى، وإذا هي تنزع قلنسوة الفتاة وتصلح من ~~شعرها، والفتاة تسألها همسا: من هذا الرجل؟ فتجيبها: إنه أحد الجيران. وتسألها عن ~~رأيها فيه، ms117 فتسأل الفتاة : أمتزوج هو؟ فتجيبها: نعم، فتقول: هو عادي. فإذا علمت أنه ~~لم يتزوج بعد قالت: لا بأس به. وقد تركتها صاحبة البيت حينا وانصرفت لتهيئ لها ~~غرفتها، فمرت في طريقها بلمبير فتأمره مبتسمة أن يبقى، ويظن هو أنها قد جنحت إلى ~~السلم وأنها قد تسمح له. ويخلو الفتيان فيتحدثان حديثا قصيرا عن صاحبة البيت، ~~ثم عن أهوائهما وأذواقهما وآرائهما في الحياة الزوجية، فإذا هما متقاربان. ثم تعود ~~مدام شيفاليه فتصرف الفتاة إلى غرفتها، وتأمرها أن تهيئ نفسها وأن تأتي بعد حين مع ~~الطفلين للنزهة.) # المنظر الخامس ~~(لمبير ومدام شيفاليه) # مدام شيفاليه ~~: # لقد كنت حمقاء آنفا، غضبت في غير موضع للغضب ... فليس ما يدعو إلى السخط ~~حين تشعر المرأة بأنها أعجبت شابا خفيف الروح خليقا بالإكبار. # لمبير ~~(لنفسه) ~~: # حسن! # مدام شيفاليه ~~: # إن زوجي يحبك كثيرا. # لمبير ~~(لنفسه) ~~: # خير! خير! # مدام شيفاليه ~~: # كل الناس يحبونك! وهذا يحملني على أن أرتاح إليك، وإن كنت لا أعرفك حق ~~المعرفة. # لمبير ~~(لنفسه) ~~: # لقد هوت. # مدام شيفاليه ~~: # اجلس ~~(فيجلس على دكة وتدنو منه) # افسح ~~لي قليلا ~~(فلا يكاد يفعل) # أوسع من ~~هذا! # لمبير ~~(لنفسه) ~~: # أنا أتعجل القضاء. # مدام شيفاليه ~~: # ما سنك؟ # لمبير ~~(دهشا مبتسما) ~~: # ثلاثون سنة. # مدام شيفاليه ~~: # ليس غير؟ # لمبير ~~: # لا أكثر! # مدام شيفاليه ~~: # ثلاثون سنة؟ سن ملائمة، وصحتك جيدة؟ # لمبير ~~: # جيدة جدا! # مدام شيفاليه ~~: # ألا تخدعني؟ # لمبير ~~: # أنا قوي جدا! # مدام شيفاليه ~~: # وما ثروتك؟ ~~(فيظهر لمبير الدهش) # أسألك عن ~~ثروتك وأريد رقما صحيحا. # لمبير ~~: # مائة ألف فرنك وأشياء صغيرة. # مدام شيفاليه ~~: # لنقل مائة ألف فرنك سندات مضمونة ممكنة البيع. # لمبير ~~: # مضمونة ممكنة البيع. # مدام شيفاليه ~~: # هذا حسن، ولا أذكر ميراث عمتك فسيجئ حين يجئ ~~(تدنو ~~منه متلطفة، فيبعد عنها منزعجا) # يا مسيو لمبير لقد وجدت لك ~~زوجا. # لمبير ~~(ذاهلا مبهوتا) ~~: # كيف يا سيدتي؟ إذن فقد استبقيتني. # مدام شيفاليه ~~: # نعم لأزوجك. ويظهر أن أسئلتي كانت واضحة. # لمبير ~~: # واضحة جدا من غير شك! # مدام شيفاليه ~~: # طبيعية بعد أن تحدثت إلى هذه الفتاة. # لمبير ~~: # ولكن يا ms118 سيدتي ... # مدام شيفاليه ~~: # استمع إلي، ألست متعبا خجلا من هذه الحياة التي أنت فيها مع هذه السن، ~~تجري كما تجري الأطفال؟ ألست تألم حين توازن بين حياتك هذه وحياة أصدقائك في ~~أهلهم وأبنائهم وبيوتهم المنظمة؟ أليس الزواج هو النهاية الطبيعية لمن لا يريد ~~أن يتورط في صلات آثمة شرها لا يحصى وليس فيها خير؟! ... # لمبير ~~: # إن صوتك يشبه الآن صوت عمتي. # مدام شيفاليه ~~: # وأي أمن يشعر به المرء حين يتخذ له امرأة من طبقته تلائمه في السن والثروة ~~والأسرة؟ # لمبير ~~: # صوت عمتي! # مدام شيفاليه ~~: # لست أحدثك الآن عن فتاة ما تعيش في «بوردو» أو «أمستردام» وتعرض عليك مع بعد ~~الشقة، فأنت تعرف خطيبتك وقد رأيتها وتحدثت إليها، ومن المستحيل أن يسوء رأيك ~~فيها، أجب! # لمبير ~~: # لا يا سيدتي! لم أرض عن هذه الفتاة ولم أسخط عليها! # مدام شيفاليه ~~: # هذا كثير! كثير! # لمبير ~~: # أما الأثر الذي تركته في نفسها؟ ... # مدام شيفاليه ~~: # لقد بهرتها! # لمبير ~~: # آه؟ # مدام شيفاليه ~~: # نعم بهرتها! # لمبير ~~: # أقالت لك هذا؟ # مدام شيفاليه ~~: # كلا! إن الفتيات لا يتحدثن بهذا، ولكن إما أن أكون مخدوعة جدا. وإما أن قد ~~بهرتها حقا. لا تقل هذا؟ # لمبير ~~: # لا يا سيدتي! # مدام شيفاليه ~~: # ولاحظ أني حين أعرض عليك جنفياف، جنفياف. ما أجمل هذا الاسم! إنما أجد في ~~مصلحتك لا في مصلحتها. فليست بلبلا أريد أن أجد له مستقرا. كلا! لقد طلبها ~~كثيرون فرفضت، وكان بين الذين رفضتهم من أستأذنك في أن أقول إنهم خير ~~منك! # لمبير ~~: # فيم؟! # مدام شيفاليه ~~: # في كل شيء لا أخفي عليك. # لمبير ~~: # ما مهرها؟ # مدام شيفاليه ~~: # ستدخل بهذا الزواج في أسرة شريفة. # لمبير ~~: # نعم هذا قيم. ما مهرها؟ # مدام شيفاليه ~~: # وأي تربية؟ أحسن تربية، تربية الأقاليم! # لمبير ~~: # هذا أدعى إلى الراحة. ما مهرها؟ # مدام شيفاليه ~~: # مهرها مائتا ألف فرنك. ألم أقل لك هذا؟! # لمبير ~~: # مائتا ألف فرنك؟ # مدام شيفاليه ~~: # مائتا ألف فرنك! # لمبير ~~: # سندات مضمونة ممكنة البيع. # مدام شيفاليه ~~: # سندات مضمونة ممكنة البيع ~~(ينهض ~~كالمتردد) ~~. # مدام شيفاليه ~~(وقد نهضت) ms119 ~~: # إذن هل تم هذا الزواج؟ # لمبير ~~: # لم يتم بعد يا سيدتي! # مدام شيفاليه ~~: # أنت بطئ. لماذا؟ # لمبير ~~: # أنا أروي! # مدام شيفاليه ~~: # لن تستطيع أن تروي طول حياتك. # لمبير ~~: # الفتاة ظريفة، وقد أراها الآن أحسن مما رأيتها آنفا تمتاز بشيء كثير، ولكني ~~إن تزوجتها أصبحت زوجا، أليس كذلك! # مدام شيفاليه ~~: # طبعا؛ ولم تجر العادة برفض زواج يحمل مائتي ألف فرنك، ولم أحدثك عن الميراث ~~المنتظر. # لمبير ~~: # أنا أفكر فيه وقد قدرته تقديرا مقاربا. # مدام شيفاليه ~~: # إذن لنتفق. # وما تزال به حتى تكاد تقنعه، ولكنه متردد، وهو خجل، آسف للهزيمة بنوع خاص؛ فقد كان ~~أقبل يبتغي الحب، فلم يجد إلا الزواج، وهو غير منشرح الصدر له، ولكنه غير منصرف النفس ~~عنه، وإذا الفتاة قد أقبلت، تبدو من بعيد رشيقة حسنة الزينة، عليها مظاهر الجد، قد ~~احتملت أحد الصبيين وأخذت بيد الآخر. فتنتهز صاحبة البيت هذه الفرصة وتبالغ في ترغيب ~~الفتى حتى تستوثق منه أو تكاد. وقد دخلت الفتاة فتقدمها إلى الفتى وتأمرها أن تتحدث ~~إليه حين تكتب هي إلى أمها وهي تجلس إلى المنضدة، وتكتب إلى صديقتها هذا الكتاب: ~~«صديقتي العزيزة. سطرين ليس غير. لأنبئك بقدوم جنفياف وبقرب زواجها إذا استطعت أن تتمي ~~ما بدأته مهارتي الغريبة. كان عندي شاب متردد في مستقبله، يضطرب بين سيرة العاشق وحياة ~~الزوج، وهو خفيف الروح، (ثم تنقطع عن الكتابة لتنظر إلى الفتى وتقول لنفسها: ليس ~~خلابا. وتكتب) لا بأس به، (ثم تنقطع عن الكتابة مرة أخرى وتقول لنفسها: ليست له بهجة. ~~ثم تكتب)، فيه خصال كريمة ينميها الزواج، (ثم تنقطع عن الكتابة ثالثة قائلة لنفسها: ~~هذا الذي كان يريد أن يصرفني عن الواجب. ثم تعود إلى الكتابة)، وسيكفل لامرأته سعادة ~~تامة.» # ديسمبر سنة 1924 # | ميشيل بوبير # قصة تمثيلة للكاتب الفرنسي «هنري بيك» # وكان الكاتب يستطيع أن يسميها غير هذا الاسم، وأن يتخذ أي اسم من أسماء أشخاصها عنوانا ~~لها. فجميع أشخاص هذه القصة خليقون أن يعطوها أسماءهم؛ لأنهم جميعا خليقون بالعناية، ~~مثيرون في نفسك رغبة ms120 الاستطلاع، وباعثون فيها عاطفة قوية، عاطفة الإعجاب حينا وعاطفة ~~الإشفاق حينا آخر، وعاطفة الغضب مرة وعاطفة الرضا مرة أخرى. كلهم خليق بالعناية، وكلهم ~~يصلح موضوعا لبحث نفسي منتج قوي يلذ العقل ويلذ الشعور معا. وقد يكون هذا الاسم الذي ~~اختاره المؤلف أظهر أسماء القصة، وقد يكون هذا الشخص الذي آثره الكاتب أشد أشخاص القصة ~~استثارة لإعجاب الجماهير وعامة القراء والنظارة. ولكني أوثر على هذا الشخص مع إعجابي به ~~وعطفي عليه شخصين آخرين: أحدهما يستحق الإعجاب المطلق والإجلال الذي لا حد له، والآخر يستحق ~~شيئا من الإشفاق غير قليل ويدعو مع استحقاقه للإشفاق إلى شيء كثير من الروية ~~والتفكير. # وليس هؤلاء الأشخاص الثلاثة وحدهم هم الذين يستحقون العناية ويضطرون القارئ إلى التأمل ~~فيهم والتفكير في أمرهم، بل هناك أشخاص ثلاثة آخرون كلهم خليق بالتفكير، وكلهم يستثير في ~~نفسك عاطفة قوية كما قلت. وفي الحق إني لست أدري: أنحن بإزاء قصة واحدة، أم قصتين، أم قصص ~~ثلاث، أم أكثر من هذه القصص الثلاث أيضا؟ بل في الحق إني لست أدري: أنحن بإزاء قصة، أو قصص ~~تدرس الأشخاص وحياتهم النفسية القيمة، أم نحن بإزاء قصة أو قصص تدرس طائفة من الأخلاق ~~وضروبا من أطوار النفس الإنسانية عامة وألوانا من الحياة الإنسانية من حيث هي؟ وقد نكون ~~بإزاء هذه القصص جميعا، وقد نستطيع أن ننظر إلى هذه القصة من جميع هذه الأنحاء. فمن أراد ~~درس الأشخاص وما يمتازون به من قوة وضعف، وما يتصفون به من خلال تدعو إلى الإعجاب ونقائص ~~تثير الغضب؛ وجد فيها حاجته، ومن أراد درس الآراء والنظريات الخلقية والعلمية وما بينها ~~وبين حياة الناس من صلة وما لها في حياة الأفراد والجماعات من أثر؛ يجد فيها حاجته. ماذا ~~أقول؟! إنك تستطيع أن تلتمس فيها شيئا آخر غير الأشخاص وحياتهم وعواطفهم، وغير النظريات ~~العلمية وصلاتها وآثارها، تستطيع أن تلتمس فيها السياسة ومكانها من أهواء الأفراد ~~والجماعات، وأثرها في نفوس الأفراد والجماعات أيضا. تستطيع أن تجد في هذه القصة الممتعة ~~هذا كله ms121 وأكثر من هذا كله، وأنت تجده في دعة وهدوء واطمئنان لا يحول بينك وبين الحزن ~~الشديد ولا يحرمك الابتسامة الخالصة الصافية، ولكنه يعطيك منهما حظا معتدلا يتيح لك أن ~~تتعظ ولكن في غير يأس، وأن ترضى ولكن في غير إسراف، ويجلي لك الحياة كما هي مملوءة بالخير ~~والشر، قد امتزج فيها الحلو والمر، والتأم فيها النعيم والشقاء. وأنت إلى هذه اللذة العقلية ~~والقلبية لا تحرم اللذة الفنية أيضا؛ فاللفظ سهل حلو منوع رشيق، والأسلوب عذب سائغ مريح. ~~تقرأ فلا يخيل إليك أنك تقرأ، وإنما تحس أنك تحيا وتشهد هذه الحركات والأطوار المختلفة التي ~~تكون الناس وحياة الناس. # ولكني لا أريد أن أطيل في تقريظ القصة أو نقدها، فهي في نفسها طويلة، وإنما أريد أن أظهرك ~~عليها في تلخيص شديد ودون إلحاح في المقدمات. وكيف أظهرك على هذه القصة التي هي في حقيقة ~~الأمر طائفة من القصص، دون أن أقدم إليك أشخاصها قبل كل شيء؟ فحياتهم معقدة، ونفوسهم على ~~سذاجتها شديدة التركيب، وكلهم يمثل لونا من ألوان الناس وناحية من نواحي الحياة ~~الاجتماعية. فهم ليسوا أفرادا، وإنما هم جماعات، وحظوظهم من الحياة ليست حظوظ الأفراد، ~~وإنما هي النتائج الطبيعية التي تنتهي إليها حياة الجماعات وما يختلف عليها من ~~الأطوار. # تجد في هذه القصة شخص هذا الرجل الذي كان غنيا واسع الغنى ومثريا ضخم الثروة، وشريفا ~~مؤثل المجد، نشأ في أسرة منصرفة إلى ما يدعو إليه الشرف من ضروب المجد والزخرف والزينة ~~واللهو. ولكنه انصرف إلى العلم، فأحبه وتهالك عليه، ووقف على تحصيله والنبوغ فيه جهوده ~~وأوقاته وثروته، وأبلى في ذلك أحسن البلاء، ولكنه لم يظفر من هذا كله بشيء، وإنما استقبل ~~الهرم والشيخوخة في فقر وبؤس وشقاء. على أن هذا كله لم يغير من هذه النفوس الراضية التي ~~كونها البحث العلمي وعلمها أن تكون جلدة قوية شديدة الاحتمال، فهي مبتسمة أبدا، وهي راضية ~~أبدا، وهي طيبة شديدة الميل إلى العفو والمغفرة ومعونة الضعفاء والإغضاء عن هفوات الناس، ~~هذا الشخص هو البارون ms122 «فون ديرهلويك». # وتجد في القصة شخصا آخر نشأ في أسرة بائسة معدمة، فذاق ألوان الألم وتقلب في ضروب ~~الشقاء، ولكنه أحب العلم كما أحبه ذلك الرجل الغني، ولم يقف عليه مالا ولا ثروة، وإنما وقف ~~عليه ذكاء وقوة فوفق لكثير، وإذا هو يظفر بالاختراع بعد الاختراع، وإذا هو يستعين ~~بالأغنياء وأصحاب الثروة على تحقيق آماله العلمية، فيخدعونه ويعبثون به، ويستغلون ذكاءه ~~وعلمه، وهو يعلم هذا ولا يحسن الدفاع عن نفسه، فيتعزى عن آلام الحياة بالعلم مرة وبالخمرة ~~مرة أخرى، حتى يعرض له الحب، فإذا هو قد أضاء نفسه وملأ قلبه ونظم حياته وبرأه من داء ~~الخمر، فانصرف إلى العلم وجد فيه، وفرغ للحب واستعان به، وإذا هو عالم، وإذا هو غني قد ~~ظفر بكل ما كان يريد من علم وحب وسعادة. ولكنه لا يكاد يستمتع بنتيجة هذه الحياة الطويلة ~~الشاقة، حتى تظهر له الخيانة فتقضي على كل ما كان قد حصل وأفاد، وتصرفه عن هذا البحث المنظم ~~المنتج إلى ذلك البحث المشوش المضطرب، تصرفه عن العلم والحب إلى العلم والخمر، فما يزال ~~يبحث ويشرب حتى يقتله البحث والشرب. وهذا الشخص هو «ميشيل بوبير»، والذي اتخذ الكاتب اسمه ~~عنوانا لهذه القصة. # وتجد فيها شخصا آخر ذكيا قوي الذكاء، غنيا موفور الغنى، قد اجتهد في أن يجعل ذكاءه ~~وثروته وسيلة إلى استغلال العلم والعلماء، ولكن ذكاءه أعظم من ثروته، وأمله أوسع من جهده، ~~فهو يمضي أمامه غير مقدر للظروف ولا متبصر في العواقب، مستغل هذا العالم وآثاره، فيفقره ~~ويفقر نفسه، ولكنه يجد في نفسه من القوة ما ينهضه من كبوته، فما يزال يمضي في طريقه متخلصا ~~من كل ضائقة، ناهضا من كل عثرة، حتى يعرض له الحب الآثم من جهة والحرص على الثراء من جهة ~~أخرى، وإذا هو قد انتهى إلى الضائقة التي لا مخلص منها، وإذا هو بين اثنين: الموت والسجن، ~~فيؤثر الموت، وهذا الشخص هو: «ديلا روزويه» زعيم الأسرة التي تدرسها هذه القصة. # ثم تجد في هذه القصة شخصا رابعا ms123 هو امرأة، هذه المرأة خليقة بإعجابك كله، وخليقة ~~بإشفاقك كله، وخليقة أن تكون المثل الأعلى للنساء. أحبت زوجها، وكلفت به وأخلصت له، وقدمت ~~له ثروة ضخمة يوم تزوجته، ووقفت حياتها كلها على معونته وتشجيعه ومواساته وتربية ابنتها. ~~أخلصت في هذا كله راضية مبتسمة، ثم أحست من زوجها الخيانة والإثم، فتألمت ولكن في صمت، وبكت ~~ولكن في استخفاء، ثم رأت زوجها وقد تورط في الإثم وألحت عليه أثقال الحياة، فعفت له عن ~~خيانته وردت إليه قلبها وحبها كاملين، وبدأت تغتبط بهذه الحياة المقبلة يملؤها البؤس ~~والشقاء، ولكن يضيئها الحب والوفاء. غير أن زوجها يسألها أيهما خليق بالعناية والحرص: ~~الحياة أم الشرف؟ فتجيبه: الشرف. فتقتل زوجها بهذا الجواب، وتعرض أسرتها لحياة ملؤها الشر ~~والمكروه، على أنها تحتمل هذا الشر راضية مطمئنة، وتجاهده قوية جلدة، وتكاد تنتصر عليه. قد ~~أخلصت لزوجها ما عاش، وهي الآن مخلصة لابنتها، وهي تكاد تجني ثمرة هذا الإخلاص، ولكن ~~الخيانة كانت تنتظرها، فهي لا تظفر من هذه الحياة الطويلة الشاقة إلا بهذا الإذعان المر ~~الهادئ للقضاء، وهذه المرأة هي زعيمة الأسرة التي يدرسها الكاتب في هذه القصة. # وامرأة أخرى تجدها في هذه القصة، خليقة بالتفكير والروية، خليقة بالعناية والدرس؛ لأنها ~~تمثل التربية السيئة وأثرها في الحياة، ولأنها تمثل هذه الظروف المنكرة التي تعرض للشباب ~~ولما يتهيأ لمقاومتها، فتفسد عليه أمره وتصرفه عن طريق الرشد إلى طريق الغي والفساد. نشأت ~~في ثروة وعز بين أب يحبها ويسرف في حبها، وأم تؤثرها وتحنو عليها، فلم تذق للشقاء طعما ولم ~~تبل مرارة الحاجة، ولم تعرف كيف تحتمل الحرمان، وإنما كانت موضوع عناية هذين الأبوين حتى ~~شبت ناعمة راضية طامعة، لا ترضى من الحياة بما فيها، وإنما تستزيدها الخير وتطلب إليها ما ~~لا تملك. وقد قرأت كتبا وقصصا أفسدت عليها عقلها أو كادت تفسده، فهي منصرفة إلى الخيال ~~مغرقة في الأمل، لا ترى الحياة كما هي ولا ترضاها كما هي. ثم عرض لها فتى جميل فاتن غني، ~~أظهر لها الحب فأحبته وما ms124 كان إلا مخادعا ، ثم حاولت أن تقاومه وتتقي شره فلم تجد إلى ذلك ~~سبيلا، فتورطت في الإثم، ولكنها استطاعت بعد ذلك أن تندم وتمحو خطيئتها. وما كان أسعدها ~~بأن تجد الحياة الهادئة المستقيمة، وأن تخلص لزوج يحبها ويكلف بها، وقد وجدت هذا كله وكادت ~~تظفر بالسعادة لولا أنها أرادت أن تكون هذه السعادة خالصة صافية، فاعترفت لزوجها بالإثم ~~فقتلت زوجها بهذا الاعتراف، واضطرت هي إلى أن تتردى في الهوة التي كانت قد خلصت منها فعاشت ~~فيها حينا، ثم جاهدت حتى خلصت منها مرة أخرى، ولكنها لم تجد بعد هذا الخلاص إلا الحزن ~~والشقاء والندم الذي اتخذته قرينا لحياتها، وهذه الفتاة هي «هيلين» بطلة هذه القصة. # وهل أذكر لك هذا الفتى المخادع الذي أشرت إليه والذي لا يرى الحياة إلا لعبا ولهوا، ولا ~~يرى الأخلاق إلا سخفا وهزؤا، والذي لا يرى النساء إلا لذة ومتعة؟ ... # وهل أذكر لك هذه الخادم التي أحبت سادتها ووفت لهم وشاركتهم في الخير وأعانتهم على الشر، ~~ولكنها رأت آثام الحياة ونقائصها، فآثرت أن تترك هذه الآثام والنقائص وأن تفارق ~~باريس. # هؤلاء هم أشخاص القصة، كلهم كما قلت خليق بالعناية والتفكير. أفأنت محتاج بعد هذا كله أن ~~ألخص لك القصة تلخيصا مفصلا، أم ترى مثلي أني أستطيع بعد هذا التفصيل أن أوجز لك هذا ~~التلخيص إيجازا؟ ~~••• # نحن في باريس في بيت «ديلا روزويه» نرى ذلك العالم الشيخ الذي أشرت إليه في أول هذا الفصل ~~يتحدث إلى زعيمة الأسرة، وهما يعرضان الحياة وما فيها من لذة ومن ألم، يذكران الفقر ~~والغنى، والصحة والمرض، والموت والحياة. وصاحبة البيت تسأل جليسها عن قريب له من الأشراف: ~~هو الكونت «دي ريفاي»، قدم إليها منذ حين، وكأنها تفكر في أن تتخذه زوجا لابنتها، فلا ~~يذكره الشيخ إلا بسوء، فهو شريف مؤثل المجد، ولكنه رجل لا خلق له ولا دين ولا كرامة ولا ~~مبدأ، ينفق مائة ألف فرنك في الميسر، ولكنه لا ينفق فلسا واحدا في الصدقة. ويتصل بين ~~الجليسين هذا الحديث، حتى ms125 تحس المرأة أن زائرين قد أقبلوا، فتنصرف، وإذا الخادم يدخل ومعه ~~رجل آخر ينازعه ويدافعه، وهو ميشيل بوبير، فينصرف الخادم ويتحدث الرجلان، فتعرف من حديثهما ~~ما قدمت لك في وصفهما، وتعرف أن ميشيل بوبير هذا رجل ذكي عالم بمخترعاته، ولكنه فقير يستغله ~~التجار الذين يتجرون بمخترعاته، ومنهم صاحب هذا البيت. وقد أقبل هذا العالم المخترع بعد أن ~~أسرف في شرب الخمر متعمدا؛ ليحاسب هذا الرجل، وليستخلص منه حقوقه. وما هي إلا أن يقبل صاحب ~~البيت، فيدافع العالم عن نفسه حينا، حتى إذا أحس منه الإصرار على المقاومة أراد أن يفرغ ~~له، فيسأل الشيخ عن حاجته، فإذا الشيخ قد أقبل يسأله المعونة على الحياة، ولكن الرجل يعتذر ~~وينصرف الشيخ العالم راضيا عاذرا. ويخلو صاحب البيت إلى مطالبه، فلا يكادان يتحدثان حتى ~~نفهم أن ميشيل بوبير صاحب حق، وأنه قد استكشف في معمله طائفة من الألوان يستغلها صاحب البيت ~~ولا يعطيه من ربحه شيئا. وقد أقبل يطلب حسابه، وصاحب البيت يدفعه عن نفسه بشيء من المال ~~يعرضه عليه فيأبى إلا الحساب. وهما في هذا الجدال إذ تقبل «هيلين» فتتحدث إلى أبيها في دعة ~~ودل ودعابة، وتسخر من هذا الرجل السكران الذي يهذي ويصيح، ويتحدث إليها أبوها في رفق وحب ~~وإكبار، حتى إذا انصرفت الفتاة كان قد تغير في نفس هذا العالم السكران كل شيء، لأنه أحب ~~الفتاة وكلف بها، فهو لا يطلب حسابا وهو لا يقبل مالا، وهو يحس أن صاحبه في حاجة إلى ~~المعونة فيعرض عليه معونته، ولكنه يخطب إليه ابنته، فيأبى الرجل؛ لأن ابنته لا ينبغي أن ~~تكون سلعة يتجر بها، ومع ذلك فإن الرجلين يفترقان على خير ما يفترق الناس. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فنحن حيث كنا في الفصل الأول، وقد مضى حين على ما قدمت لك، ونحن ~~نرى صاحبة البيت وحدها محزونة كئيبة تنتحب وتتحدث إلى نفسها بكلام يفطر القلوب، فيه رثاء ~~لحال المرأة المخلصة الوفية التي قدمت نفسها وحبها ومالها للرجل، فانتفع بهذا كله في أثرة ~~وعقوق، ms126 ثم انصرف عن امرأته إلى إثمه وخيانته. وقد دخلت عليها ابنتها، فهما يتحدثان، ونفهم ~~من حديثهما أن زعيم الأسرة شقي مثقل بالهموم، يكتم أمره عنهما جميعا، وأن امرأته تريد أن ~~تتبين مصدر هذا فلا توفق، وهي تلوم زوجها على إسرافه، وتعاتب ابنتها في ترفها. وما هي إلا ~~أن تعرضها للزواج، فإذا الأم تذكر ميشيل بوبير والفتاة تزدريه لأنها رأته سكران. ولكنه قد ~~انصرف عن الخمر وأصلح من أمره ونظم حياته، فهو رجل مستقيم طيب النفس طاهر القلب ذكي الفؤاد، ~~خليق أن يكفل السعادة لزوجته. ولكن الفتاة لا تسمع لشيء من هذا وهي لا تريد أن تتزوج، وقد ~~تركتها أمها وانصرفت تريد أن تزور قبر أبويها. # أحق أن الفتاة لا تريد أن تتزوج؟ كلا! إنها تحب، وتريد أن تتزوج. انظر إليها، لم تكد ~~تخلو إلى نفسها حتى دعت الخادم وأمرتها أن تذهب إلى الكونت دي ريفاي، فتنبئه بأنها وحدها ~~الآن، وأنها تريد أن تراه. وانظر إليها وقد خلت إلى نفسها، وهي تذكر حبها لهذا الشاب وألمها ~~بهذا الحب وإعجابها بهذا الفتى الذي يحبها ويأبى الزواج. وقد أقبل هذا الفتى، فلا يكاد ~~يتحدث حتى نحس منه غرورا وفجورا وحرصا على اللذة وحدها، وازدراء لقواعد الأخلاق والحياة ~~الاجتماعية، وهو يدعو الفتاة إلى الهرب معه والفتاة تأبى إلا الزواج. وقد اختصما وهما ~~يكادان يفترقان، ولكن زعيم الأسرة قد أقبل ذاهلا مضطربا، وقد دفعت إليه الخادم كتابا، ~~قرأه فلم يزدد إلا ذهولا واضطرابا. وانظر إليه يمسك صاحب ابنته ويريد أن يخلو إليه، فإذا ~~انصرفت ابنته وتحدث الرجلان، رأينا زعيم الأسرة يطلب إلى صاحبه المعونة المالية فيأباها ~~عليه، وقد انتهى به الجزع إلى أقصاه، فهو يقص أمره ويا شر ما يقص! فقد اضطرته أعماله ~~المالية إلى التزوير؛ فإما أن يجد المال وإما أن يلقى في السجن، وقد سمع صاحبه لهذا ثم نهض ~~وهو يرى أنه ليس من هذا المأزق مخرج إلا الموت. وتقبل زعيمة الأسرة، فتخلو إلى زوجها وتسأله ~~عن أمره، وما تزال تلح عليه حتى ms127 تظفر منه بالجواب ، وتعلم أن الأسرة قد فقدت ثروتها كلها. ~~ولكن هذا شيء ميسور يمكن احتماله إذا ظفرت الأسرة بما كان يجمعها من حب، وأنى لها هذا الحب ~~والرجل يخون امرأته وينفق حياته في اللهو والإثم! ولكن الرجل تائب معتذر، وهو يستعطف امرأته ~~ويتضرع إليها وقد طابت له نفسها فهي تعفو عنه، وهما خليقان أن يستأنفا حياة سعيدة على ما ~~فيها من فقر وبؤس. ولكن الرجل يسأل امرأته وقد عرف أن الفقر لا يخيفها: هبي رجلا بين ~~اثنتين؛ إما أن ينقذ حياته، وإما أن ينقذ شرفه، فما أخلق الأمرين بهذا الرجل؟ تجيبه: إنقاذ ~~الشرف، فيقول الرجل لنفسه: لقد قتلتني. ثم يطلب إلى امرأته بعض الأمر، فإذا انصرفت إلى ~~الغرفة المجاورة قتل نفسه. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد مضت أشهر على هذا، ونحن في ضاحية من ضواحي باريس، في بيت لا ~~تظهر عليه النعمة، ولكنه ليس سيئ الحال. ونحن نرى الأم تتحدث إلى ذلك الشيخ العالم الذي ~~رأيناه في الفصل الأول، ونفهم من حديثهما أن المرأة تلتمس لابنتها عمل مربية في أسرة غنية ~~شريفة، وأن هذا الشيخ قد وجد لها ما تريد، ولكنه ينصح لها ألا تقر ابنتها على هذا، وأن تحبب ~~إليها الحياة وتأسيس أسرة. فتجيبه: إن ابنتها ترفض الزواج رفضا قاطعا، وإنهما قد سئمتا ~~هذه الحياة في هذا البيت الذي أسكنهما فيه ميشيل بوبير قريبا من معمله. وقد فهمنا أن ميشيل ~~بوبير قد صلح أمره، حتى أصبح رئيس مصنع ضخم، وحتى أصبح غنيا يحبه العمال ويخلصون له. وهما ~~في هذا الحديث إذ يقبل أحد العمال، فيدعو السيدة إلى المصنع ويلح في هذه الدعوة، فتنصرف ~~المرأة وتترك الشيخ مع ابنتها، فينصح الشيخ للفتاة ألا تتم ما أرادت وينصح لها بالزواج ~~ولكنها تأبى، وما يزال بها حتى تنبئه جلية أمرها؛ ذلك أنها لقيت بعد موت أبيها عاشقها ~~الكونت، فأظهر حبا لها وعطفا عليها، ثم أرادها على الإثم فدافعته وامتنعت عليه، ولكنها ~~رأت منه الشر وعلمت أنه لن يتركها حتى يفتك بها ms128 ولو جثة هامدة فأسمحت، وهي الآن تريد أن ~~تكفر عن سيئتها بحياة هادئة لا لذة فيها ولا حب. ولكن الخادم أقبلت تستأذن لهذا العاشق، ~~فينصح الشيخ برده، وتأبى الفتاة إلا استقباله؛ لأنها تطمع منه في أن يتزوجها، فينصح الشيخ ~~أن تتركه معه حينا فتفعل. ويتحدث الرجلان، فإذا الشيخ يلوم الشاب ويؤنبه، وإذا الفتى لا ~~يظهر أمام هذا اللوم إلا ازدراء لكل خلق وعبثا بكل فضيلة واحتقارا للزواج، بل احتقارا ~~لصاحبته، فهو إنما أقبل ليلتمس عندها اللذة، أليس قد أسمحت له مرة؟ فلم لا تمضي في هذا ~~الإسماح حتى إذا انصرفت عنها نفسه التمس اللذة عند غيرها؟! والفتاة تسمع هذا كله في مخبئها، ~~وإذا هي قد أقبلت مغضبة ثائرة، فبلغت من تحقير هذا الشاب وازدرائه بكلام غليظ ما شاءت أن ~~تبلغ. ولكننا نسمع ضجيجا، ونرى الأم مقبلة ومعها ميشيل بوبير ومن ورائهما طائفة من العمال ~~وأهل القرية وكلهم يصيحون بحياة ميشيل بوبير. ولست أطيل عليك بتلخيص هذا القسم اللذيذ من ~~القصة، فحسبك أن تعلم أن ميشيل بوبير قد عرض حياته للخطر لينقذ عماله من كارثة، وأقبل ~~العمال يشكرونه ويهنئونه. وكانت في ذلك خطب تمس السياسة الفرنسية عقب الحرب. وانصرف هؤلاء ~~الناس جميعا إلا ميشيل بوبير. وإذا نحن نرى الشيخ يتقدم إلى الأم يخطب إليها ابنتها لنفسه، ~~فنرى اضطراب الأم والفتاة وغضب ميشيل. ولكننا فهمنا أن هذا الشيخ لم يتقدم بهذه الخطبة إلا ~~ليعلن أمام ميشيل وأمام الفتى أنه على شرفه ومكانته يكبر الفتاة ويراها أهلا للاقتران ~~بأرفع الناس مكانة وأعظمهم شرفا. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع، فنحن في باريس في بيت لم نعرفه من قبل، وقد تم الزواج بين هيلين ~~وميشيل بوبير. ولست ألخص لك ما بين الأم وابنتها من حديث، ولا هذه الصلوات الحارة التي ~~يتقدم بها الزوج إلى امرأته، ولكن يكفي أن تعلم أن هذا الزوج ما زال يذكر حبه وتأثير هذا ~~الحب في حياته حتى أثر في امرأته تأثيرا شديدا فأحبته. ولكن أرادت ألا تخدعه ولا تشغله، ~~فاعترفت له ms129 بإثمها وسألته أن يعفو عنها. ولم يكد الرجل يسمع هذا حتى ثار ثائره وهم ~~بامرأته يريد أن يقتلها، ثم انصرف عنها صائحا وترك البيت. وهي الآن تبكي وتنتحب، ولكنها قد ~~سئمت الحياة وندمت على ما كان منها من صدق وإخلاص، وإذا هي تدعو الخادم وترسلها إلى ~~عاشقها. وما هي إلا لحظات حتى يأتي هذا العاشق وقد أزمعت الفتاة باكية أن تعيش عيشة الإثم ~~بعد أن لم توفق لعيشة الطهر. وقد أسدل الستار ورفع، وإذا أنت ترى ميشيل سكران يترنح سكرا ~~وهو يتغنى سوء حظه، وما زال يتغنى حتى يسقط صريعا أمام باب الدار، وإذا هذا الباب يفتح ~~وتخرج منه امرأته ومعها عاشقها، فيكادان يطآن جسمه في طريقهما. ~~••• # فإذا كان الفصل الخامس، فنحن في معمل ميشيل بوبير، نرى هذا الشيخ العالم يتحدث إلى ~~الطبيب، فنفهم من حديثهما أن ميشيل بوبير قد جن، وأنه أشرف على الموت، وأن الخمر هي التي ~~انتهت به إلى هذه الحال. ثم يخرج الطبيب وتأتي أم الفتاة، فنفهم أنها قد وقفت نفسها على ~~صهرها منذ ظهر إثم ابنتها، فانقطعت للعناية به والسهر عليه، وهي تحبه كما تحب ابنها وتشفق ~~عليه إشفاقا شديدا، والشيخ يذكر لها ابنتها ويستعطفها عليها وينبئها بأن قد فسد ما بينها ~~وبين عاشقها، فلا يجد منها إلا سخطا وإعراضا؛ فهي لا تعرف ابنتها ولا تريد أن تعرفها، ~~ولكنها تنظر فإذا ابنتها مقبلة، وإذا هي قد نسيت كل شيء، وأطبقت ذراعيها على هذه الفتاة ~~الآثمة تقبلها وتصفح عنها وتلح عليها في العودة إلى حيث كانت حتى لا يراها زوجها. غير أن ~~هذه الفتاة إنما أقبلت لترى زوجها وهي تلح في هذا، وأمها تدافعها. ولكن انظر هذا ميشيل ~~بوبير قد أقبل ذاهلا مفقود الرشد يخيل إليه أن أم امرأته أمه، وهو يهذي بكلام لا خير فيه. ~~فإذا رأى امرأته أنكرها ولم يعرف من أمرها شيئا، ولكن امرأته تلح حتى يخلو إليها، فتحاول ~~أن تحدثه عن نفسها وأن تذكره ما كان من أمرها، فلا يذكر شيئا، أو ms130 قل: إنه يألم ويشتد ~~ألما لهذه الذكرى، وإذا هو مختنق، وإذا هو يدعو إلى المعونة، فتحاول امرأته أن تدعو أمها ~~فيتبعها صائحا: إنك تسرقين الماس. وانظر إليه قد عمد إلى شيء فاستخرجه، فإذا قطع ضخمة من ~~الماس ملأت المعمل نورا، تلك هي نتيجة بحثه العلمي قد انتهى إليها بين السكر والبحث، ~~فاستطاع أن يحول الفحم إلى ماس، وإلى هذه النتيجة كان يسعى طول حياته، وقد ظفر بها، ولكن ~~أدركه الجنون. وانظر إليه الآن يظهر هذه النتيجة ويحرص عليها، ولكنه مضطرب ذاهب القوى، فهو ~~يسقط صريعا، وتسقط قطعة الماس من يده فتتحطم، ويدخل الشيخ ومعه أم الفتاة، فإذا نظر إلى ~~هذا الصريع ومن حوله قطع الماس قال: لقد فقد الناس عالما كبيرا، وفقد العلم سرا ~~عظيما. # يناير سنة 1925 # | الإغواء # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «شارل ميري» # ولولا أني خشيت الإغراب أو الغموض لوضعت لهذه القصة عنوانا غير هذا هو التسويل، فهذه ~~الكلمة تترجم العنوان الفرنسي ترجمة دقيقة حرفية. ولكني أقرأ في قاموس الفيروزأبادي: سولت ~~له نفسه: زينت، وسول له الشيطان: أغواه. فليكن عنوان القصة: الإغواء، وليكن هذا الإغواء قد ~~صدر عن النفس أو عن الشيطان؛ فالأمر سواء. وما أحسب إلا أن لكل نفس من أخلاقها وأهوائها ~~وعواطفها شياطين يغوونها ويدفعونها إلى الشر، وملائكة يرشدونها ويحببون إليها الخير. ولقد ~~كنت حين بدأت أقرأ هذه القصة، أعتقد أني سأحمدها لك في غير تحفظ، وسأثني عليها في غير حيطة. ~~ولكني لم أكد أمضي في قراءتها حتى حسبت أن الكاتب لم يصل بعد من فنه إلى هذه المنزلة التي ~~يحمد فيها دون تحفظ، وإنما هو في سبيله إلى هذه المنزلة. # أنت تعرف هذا الكاتب، فقد حدثتك عنه يوم لخصت لك قصته المعروفة «الأمير جان»، ولعلك تذكر ~~أني أشرت في مقدمة هذا التلخيص إلى أن عناية كاتبنا هذا منصرفة إلى الحركة والعمل أكثر من ~~انصرافها إلى الرأي والتفكير، فهو يريد أن يؤثر في النظارة بمؤثرات خارجية تصل إلى نفوسهم ~~من طريق الحس، لا بهذه المؤثرات الداخلية ms131 التي تنشأ في طيات النفس وأعماق الضمير. أريد أنه ~~يكلف الممثلين ضروبا من الحركة وألوانا من الاضطراب، وينقل الملعب من مكان إلى مكان، ~~ويكثر من الأشخاص ومن أحاديثهم وينوع أخلاقهم وصفاتهم، ويفاجئ النظارة بما لم يكونوا ~~ينتظرون، فيملك حسهم ويبهرهم، ويصل من هذا كله إلى ما يريد من تلهيتهم وتسليتهم دون أن يصل ~~إلى شعورهم العميق. هو متصل بحسهم وبهذه الكلمات التي تمكن الإنسان من أن يلهو لهوا هادئا ~~لا يثير في نفسه حزنا ولا يبعث في قلبه أسى. هو يضمن للنظارة أن ينفقوا في الملعب ساعات ~~حلوة، لا يشكون فيها مللا ولا سأما، ولا يفكرون أثناءها في أنفسهم ولا فيما قضوا يومهم ~~فيه من خير أو شر. ولكنه يضمن لهم إذا خرجوا من الملعب، أن يخرجوا منه كما دخلوه لا ~~محزونين ولا مكتئبين ولا محتاجين إلى أن يفكروا فيما رأوا أو سمعوا. # قلت لك هذا أو شيئا يشبهه في العام الماضي، فلما عرفت أني سأتحدث إليك عن الكاتب نفسه في ~~هذا الأسبوع، خيل إلي أن سيكون الأمر هينا؛ لأنك تعرف الكاتب، فلم يبق لي إلا أن ألخص ~~قصته. ثم أخذت في قراءة القصة فتغير رأيي فجأة تغيرا يوشك أن يكون تاما؛ لأني رأيت ~~الكاتب نفسه قد تغير: لا يهمل الحركة واضطراب الممثلين. ولكني رأيته يؤثر عليها الفكرة ~~ويريد أن يتصل في هذه المرة بعواطف النفس ودخائلها. ثم مضيت في قراءة القصة، فتم اقتناعي ~~بأن الكاتب قد تغير مذهبه، ولكنه لم يتغير تغيرا تاما، فهو محتفظ بحبه للحركة وإسرافه ~~فيها، ولكنه قد أضاف إلى حبه للحركة هذا شيئا آخر جديدا، وإذن ففنه يتطور ولكن في بطء. ~~وأكاد أثق بأن القصص التي سيقدمها لنا في الفصل المقبل ستكون أقل حظا في الحركة ~~والاضطراب، وأنه سينتهي إلى العدول عن هذا الفن الشاب المسرف في النشاط إلى فن آخر هادئ ~~رزين فيه تذكير وفيه نفع وفيه عناية بالعقل والشعور. # والحق أني لم أبرأ من الأسف حين فرغت من قراءة هذه القصة، فأنت تعرف ms132 رأيي، وتعلم أني أوثر ~~من قصص التمثيل ما يجد العقل والشعور فيها معا لذة ورضا. وأكره من هذه القصص ما يتصل ~~بالحس وحده ويكاد لا يقصد إلا إلى العبث وإنفاق الوقت. وكنت أقدر بعد أن قرأت الفصل الأول ~~والثاني أني بإزاء قصة رأي وتفكير، وكنت معجبا بموضوع القصة وبهذه الفكرة التي أراد الكاتب ~~أن يستغلها، وكنت أريد ألا يشغلني الكاتب بحركته واضطرابه عن هذه الفكرة وعن أطوارها وعن ~~آثارها ونتائجها، فلم أظفر من ذلك إلا ببعض ما كنت أريد. ولقد أجد النقاد يذكرون صلة بين ~~هذا الكاتب وبين كاتب آخر حدثتك عنه في العام الماضي غير مرة، وهو «هنري باتاي»، وربما كان ~~بين الكاتبين شيء من الشبه غير قليل، ولكن من الخير أن نحدد هذا الشبه إن كان إلى تحديده ~~سبيل، فنلاحظ قبل كل شيء أن الكاتب الذي نحن بإزائه اليوم يشبه «هنري باتاي»، من حيث إنه ~~يعبث بالنظارة ويستأثر بحسهم ويلهيهم كما يريد، دون أن يتيح لهم من الوقت ما يمكنهم من ~~الأناة والتفكير وكشف القناع عن حيله وألاعيبه الفنية. هو مسرع يعدو فيعدو وراءه النظارة ~~حتى تكاد تنقطع أنفاسهم. وهو بارع في هذا العدو، يلهي نظارته فلا يحسون ألما ولا تعبا، ~~ويصرفهم عن أنفسهم إلى فنه. ولكن الفرق عظيم جدا بينه وبين «هنري باتاي»، فلم يكن هنري ~~باتاي عابثا لاعبا ليس غير، وإنما كان شيئا آخر. وسواء أرضيت الأخلاق والفلسفة عن تمثيل ~~هنري باتاي أم سخطت عليه، كانت قصصه كلها أو أكثرها تجارب علمية نفسية؛ ذلك أنه لم يكن يعبث ~~بالحس وحده، وإنما كان يعبث بالعواطف والشعور أيضا، ولم يكن يريد أن يلهو ولا أن يلهي ليس ~~غير، وإنما كان يريد شيئا آخر: كان يريد أن يثير الحس والعاطفة ما استطاع ليعرف أقصى ما ~~يمكن أن ينتهيا إليه. ومن هنا لا تستطيع أن تخرج من الملعب هادئا مطمئنا كما دخلته، ~~وإنما أنت متأثر شديد التأثر بما رأيت وسمعت. ينقضي الليل وربما انقضى اليوم أو الأيام دون ~~أن ينقضي ms133 هذا التأثر، ذلك شيء تجده في «هنري باتاي»، ولكنك لن تجده في كاتبنا هذا. وإذن ~~فليس الشبه بينه وبين صاحبه قويا ولا عميقا، وإنما هو شبه عرضي إن صح هذا ~~التعبير. # وقد يكون من الخير أن أبدأ في تلخيص هذه القصة، ولكني ألفتك قبل كل شيء إلى أن هذا ~~التلخيص سيكون موجزا؛ لأني لن أتابع الكاتب في حركته واضطرابه، فقد تكون متابعة الكاتب ~~فيها لذيذة في الملعب دون التلخيص. ~~••• # نحن في ضواحي مدينة جنيف، في فندق هناك من فنادق الترف، وقد أقبل المساء أو كاد، وأخذ ~~الناس يجلسون في طنف الفندق يتناولون الشاي وما إليه مما يتناول في المساء. ونحن نرى في ~~ناحية من هذا الطنف رجلين قد جلسا إلى مائدة يتحدثان، ونرى قريبا منهما رجلا وامرأة ~~يهمسان وكأن الأمر يعنيهما. فلنعرف هؤلاء الأشخاص جميعا؛ أما أحد الرجلين فهو «موريس ~~برونو» شاب، ضخم الثروة عظيم النشاط، يعمل عامه كله في غير راحة ولا هدوء، حتى يجهده العمل ~~فيفر من باريس إلى حيث يستريح أسابيع. وهو شديد الحياء يضطرب لأقل شيء، قليل التجربة، ولعل ~~هذا هو مصدر حيائه واضطرابه. وأما صاحبه فهو «لوثار» صديق له من هؤلاء الناس الذين تظهر ~~عليهم آثار النعمة ويسيرون في الحياة سيرة المترفين، ولكنهم في حقيقة الأمر فقراء لا ~~يستمدون نعمتهم أو ترفهم من ثروة يرثونها أو يكسبونها، وإنما هم عيال على أصدقائهم ~~الأغنياء، يعتمدون عليهم ويعيشون منهم. وهم لا يريدون أن يؤمنوا بهذا ولا أن يظهروه، وإنما ~~هم يخفونه حتى على أنفسهم، بل يخفونه حتى على أصدقائهم هؤلاء، فهم يأخذون من أصدقائهم ما ~~يحتاجون إليه لا على أنه هبة أو عطاء، بل على أنه قرض، وهم يقترضون في تمنع وإباء وفي عزة ~~تكاد تكون طبيعية، حتى إن الذين لا يعرفونهم يجهلون من أمرهم كل شيء. # وأما المرأة فهي «إيرين دي برج»، لم تبلغ الثلاثين بعد. رائعة الجمال كأكثر نساء القصص. ~~كل شيء فيها حلو خلاب: صورتها، حركاتها، ألفاظها، زيها، مذهبها في الحوار أو الكلام. هي ms134 ~~فتنة تتحرك، نشأت من أسرة متوسطة، من أبوين يؤثران المنفعة على كل شيء، وقد أتيح لابنتهما ~~خطب شريف ضخم الثروة، فقبلاه ودفعا إليه الفتاة دفعا دون أن يحفلا بعواطفها وهوى نفسها. ~~وكان هوى نفسها هذا مع شاب آخر كان صديق صباها، فأحبها وأحبته، وخطبها وقبلته. ولكن أبويها ~~رفضا؛ لأن هذا الشاب لم يكن نبيلا ولا غنيا بحيث يلائم جمال ابنتهما من جهة ومطامعهما من ~~جهة أخرى. وهذا الشاب هو «روبير جوردان»، وهو محام قد عظم أمره وبعد صوته في محاكم ~~الجنايات، وهو الذي يتحدث إلى هذه المرأة الآن. قد افترقا أعواما ثم التقيا، فإذا حبهما ~~على عهده القديم لم يتغير، وإن كانت المرأة تظهر لزوجها عطفا ومودة وتضمر له وفاء وبرا. ~~هي لا تحب زوجها وهي تعلم أن زوجها لا يحبها، بل تعلم أنه يخونها ويسرف في خيانتها، ويبدل ~~من الأخدان والخليلات كما يبدل ثيابه، ولكنها مع ذلك وفية أمينة؛ لأنها تكبر نفسها عن ~~الخيانة، وتضن بجسمها أن يكون متعة لرجلين، وتأبى عليها كرامتها أن تختلس لذتها وسعادتها ~~اختلاسا. هذا شأنها. # أما صاحبها فما زال يحبها، ولكن هذا الحب لم يكلفه رهبانية ولا نسكا، فهو يستمتع بالحياة ~~ويتخذ الأخدان والخليلات لينصرف إليهن عن همه وعن حزنه. ولكنه الآن قد لقيها فامتلأت بها ~~نفسه، وانصرف أو كاد ينصرف عن خليلة له كان قد أطال عشرتها. فلندع هذين العاشقين في ~~حديثهما، ولنعد إلى الرجلين اللذين تركناهما آنفا لنرى فيم يتحدثان، يتحدثان في شيء طبيعي ~~جدا، وهو أن الشاب رأى هذه المرأة فوقعت من نفسه، فهو يذكرها، ويلح في ذكرها وتفصيل ~~جمالها، ويسأل عن مكانتها الاجتماعية، وصاحبه يؤيد له أنها فتاة من هؤلاء الفتيات اللاتي ~~يختلفن إلى الفنادق والأندية يلتمسن الأخلاء، وقد رأى كلف صاحبه بها، فهو يهون عليه الأمر ~~ويعلن إليه أنه سيقدمه إليها. وهما في هذا الحديث وإذا المرأة وحدها؛ لأن صاحبها قد تركها ~~كأنه مغضب، فينهض الرجل إليها فيحييها كما تحيى الفتيات اللائي لا كرامة لهن، ويعرض ~~عليها صاحبه الشاب، ms135 ويذكر لها ثروته وأخلاقه ومكانته، كل ذلك في غير حيطة ولا تحفظ، والمرأة ~~تسمع هذا كله ضاحكة مغرقة في الضحك، ثم تقبل أن يقدم إليها الشاب، فإذا قدم إليها ازدادت ~~ضحكا وإغراقا في الضحك، واضطرب الشاب اضطرابا شديدا، فلم يزدها اضطرابه إلا ضحكا. وهم ~~في هذا الضحك، وإذا جماعة قد أقبلوا عليهم فيهم زوج المرأة، فتقدم المرأة زوجها إلى هذين ~~الرجلين اللذين أدركهما خجل شديد، ثم تعلن إليهم أنها رأت هذين الرجلين في باريس وتحدثت ~~إليهما، ولكنهما نسياها، أما هي فلم تنسهما. ولست أحدثك عن خجل هذين الرجلين وما تبعه من ~~حركات مضحكة لا يتسع هذا الفصل لمثل هذه الأشياء التي تلذ في الملعب دون التلخيص كما قلت. ~~بل لست أحدثك عن حركات هؤلاء الناس جميعا، فهم في اضطراب متصل يتنقلون من مكان إلى مكان، ~~ويدخلون إلى الفندق ويخرجون منه. وأنا أنتهز فرصة خلت فيها المرأة إلى صديقها روبير، فهما ~~يتحدثان بما قدمت لك من حب، وهو يلح عليها في أن تسمح له، وهي تأبى عليه إباء شديدا، ثم ~~تقسم له أنها لن تكون لغيره، فإذا استوضحها أنبأته بأنها إذا برئت ذمتها من زوجها فلن تتزوج ~~إلا إياه، والفتى ساخط على هذا الوعد الذي لا يقدم ولا يؤخر، فقد ذكر لها الطلاق فرفضته ~~رفضا شديدا؛ لأن أبويها يكرهان الطلاق، وذكر لها الخيانة فرفضتها رفضا شديدا لأنها ~~تزدري الخيانة، وإذن فلم يبق إلا أن ينتظرا قضاء الله، وما أسرع ما يتم هذا القضاء! # أقبل القوم جميعا وأخذوا في أحاديثهم المتصلة المختلفة، وإذا زوج «إيرين» يطلب إلى ~~صديقها روبير أن يعيره سيارته ليهبط المدينة؛ لأن له فيها حاجة معجلة. ونفهم نحن من الحوار ~~بين الرجلين أن الزوج إنما يهبط المدينة ليلقى خليلة له، وهو إنما يستعير سيارة صاحبه ليترك ~~سيارته لامرأته إن أرادت أن تخرج، وهو شديد الحرص على أن يكون وحده، ولكن روبير يأبى إلا أن ~~يرافقه لأنه وحده يحسن قيادة سيارته، وقد اتفقا آخر الأمر على أن يهبطا المدينة معا، ms136 ولم ~~يبق عندنا ولا عند «إيرين» وصديقها شك في أن الزوج ذاهب إلى موعد منكر. وقد خرج الرجلان ~~وبقيت الجماعة في أحاديثها المتصلة، وأخذت في ألوان من اللعب لإنفاق الوقت، ومضت على ذلك ~~لحظات، وإذا خادم من الفندق قد أقبل فدعا أحد الرجال وخلا إليه، وأقبل هذا الرجل فدعا ~~الآخرين بعضهم إلى بعض وأخذوا يتحدثون، والنساء لاهيات عنهم باللعب، و«إيرين» خاصة منصرفة ~~عنهم انصرافا تاما؛ لأنها معصوبة العينين تتلمس رفيقاتها بيديها وتريد أن تدل عليهن دون ~~أن تراهن. ولكن حديث الرجال قد طال ووصلت أطراف منه إلى النساء، فالتفتن ثم أقبلن، ثم ظهر ~~الأمر منكرا وأزيل الغطاء عن «إيرين»، فما كادت ترى وتسمع حتى أغمي عليها، ذلك أن زوجها قد ~~خرج في السيارة مع صاحبه، حتى إذا كانا في بعض الطريق نزل صاحبه من السيارة ليتحدث إلى رجل، ~~فانتهز الزوج هذه الفرصة وطار بالسيارة، لأنه يريد أن يكون وحيدا في موعده، وأخذ صاحبه ~~يعدو وراءه يستوقفه ولكنه أسرف في السرعة، وإذا هو أمام هوة لم يحسن اتقاءها، فتردى فيها، ~~وهو الآن يحمل إلى الفندق. # كان هذا كله في جنيف وقد مضت عليه سنة أو أكثر من سنة، ونحن الآن في مدينة «كان» في جنوب ~~فرنسا، في قصر فخم لأحد الذين حضروا ما قدمت في الفصل الأول واسمه «دي بوشان»، وقد دعا هذا ~~الرجل أصدقاءه ليقيموا عنده أياما وفيهم «إيرين» وصاحبها روبير، وفيهم «موريس برونو» ~~وصاحبه «لوثار». ونحن نرى صاحب القصر يتحدث إلى امرأته وابنته وهم ينتظرون أصحابهم ليذهبوا ~~إلى اللعب. وقد فهمنا من حديثهم أن الرجل وامرأته يريدان أن يزوجا ابنتهما من موريس، وهما ~~يلحان عليها في أن تترضاه وأن تتحبب إليه، وهي تفعل ما تستطيع، ولكن الفتى منصرف عنها إلى ~~هذه الأرملة «إيرين»، والفتى يعلم أن هذه الأرملة لا تحبه، وإنما تحب «روبير»، وهو يعلم ~~أنها قبلت خطبته وأنها ستقترن به بعد أشهر، ولكنه مع ذلك يحبها ويصرفه حبه عن هذه الفتاة. ~~وقد أقبل القوم جيمعا وهموا بالذهاب إلى ms137 الملعب، ولكن روبير قد تعلل بأنه مصدوع، وأنه يؤثر ~~منظر البحر وجمال الطبيعة على الملعب، فسيبقى إذن، وإذن فستبقى «إيرين» حتى لا تتركه وحده! ~~ولم لا؟! أليسا خطيبين؟! أليس من حقهما أن يخلوا إلى جمال البحر والطبيعة في ضوء القمر، ~~وأن يذكرا حبهما. وهما الآن وحدهما، وهما يذكران حبهما وآمالهما. ولكن شيئا جديدا قد طرأ؛ ~~ذلك أن «روبير» قد تغير تغيرا غريبا، فهو يحب صاحبته، ولكنه يتقيها ويكاد يفر منها، وهو ~~شديد الاضطراب ولا سيما إذا تحدث إليها، وهي تحس هذا كله، ولكنها لا تفهمه. وانظر إليهما ~~الآن يتحدثان في الحب حتى يغريهما الحديث بالقبل فيضمها إليه، وإذا هي قد لانت له وضعفت، ~~ولكنه ينصرف عنها في نفور وتحرج. فإذا غاظها ذلك ذكر لها أنه لا يريد أن يتزوج خليعة، ~~وإنما يريد أن تظل صلاتهما عفيفة طاهرة إلى يوم الزواج. ولكن هذا لا يرضيها، ولها الحق، فقد ~~كان هذا الرجل يغريها بالخيانة قبل أن يموت زوجها، ولم يكن يحفل يومئذ بالعفة ولا بالطهارة، ~~فما الذي غير منه الآن؟ أبلغت به الأثرة أنه كان يريدها لنفسه حين لم يكن له عليها حق، فأما ~~الآن فهو يأخذها باحترام العادات والأخلاق والأوضاع الاجتماعية؟! هي مغضبة، مغضبة لهذه ~~الخواطر التي ذكرتها، ومغضبة أيضا لأنها تحس في نفسها بل في جسمها شيئا من الخيبة، طمعت ~~في اللذة والسعادة وأشرفت عليهما، وهي الآن ترد عنهما ردا. ولكن صاحبها أشد بؤسا مما ~~تظن، فليس يصرفه عنها احترام الأخلاق والأوضاع، وليست الأثرة هي التي تصده عن اللذة، ولكن ~~بين العاشقين حائلا منكرا يعلمه هو وتجهله هي، وهو يجتهد في إخفائه عليها، ولكن الظروف ~~أرادت أن يظهر في هذه الليلة وهما متغاضبان، وقد ذكرت أن لديها رسائل قد وصلت إليها، فهي ~~تريد أن تقرأ هذه الرسائل، وهي تنظر فيها وإذا واحدة منها قد ملأتها اضطرابا وذعرا، فهي ~~تريد أن تتحدث إلى صاحبها في أمر هذه الرسالة، ولكنها تتردد وقد ظهر اضطرابها، وصاحبها ~~يسألها: ما شأنها؟ فتخفي عليه. ولكنها تنتهي ms138 إلى أن تسأله : «كيف قتل زوجها؟» وهي تلح عليه ~~في أن يقص عليها الأمر مفصلا، فيمتنع ويظهر عليه الاضطراب، ثم يقص عليها الأمر وإذا هو ~~متناقض يكذب نفسه غير مرة، وهي تحصي عليه هذا التناقض وتلفته إليه، فلا يزداد إلا اضطرابا ~~وتناقضا. ونحن نحس أنها تريد أن تبرئه، ونحس أنه بريء، ولكنا نحس أنه لا يحسن الدفاع عن ~~نفسه، وأنه ينكر من نفسه شيئا لا يريد أن يبوح به. ولكن طارئا يقطع عليهما الحديث حينا، ~~وهو «موريس»؛ فقد انصرف من الملعب لأنه أحس صداعا، وما أحس صداعا وإنما أحس حبا وغيرة. ~~وهو يود لو جلس إلى العاشقين، ولكنهما يظهران صدودا عنه، فيصعد إلى غرفته كارها. ويستأنف ~~العاشقان حديثهما، فإذا هي تتهمه، وهو يقسم أنه بريء، ولكنه لا يحسن الدفاع عن نفسه، وإذا ~~هي تقرأ علينا هذه الرسالة التي ملأتها اضطرابا وذعرا، وهي رسالة غفل ليس من شك في أن ~~خليلة صاحبها هي التي كتبتها لتفسد هذا الزواج. وفي هذه الرسالة اتهام لصاحبها بالقتل، وقد ~~اشتد الأمر بين العاشقين، وكاد العاشق يعترف بكل شيء، ولكنه أمسك ثم فر، وإذا صاحبته تصيح ~~مستغيثة تدعو «موريس» فيقبل، وإذا هي قد أغمي عليها. # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في مدينة «بيارتز» في أحد فنادقها الكبرى، وقد مضت أشهر على ~~ما قدمت لك، ونحن نرى «لوثار» قد أقبل، ونفهم أن صديقه «موريس» قد وصل إلى الفندق أمس ومعه ~~زوجه «إيرين»؛ ذلك أن «إيرين» حينما استغاثت بموريس أقبل إليها، وما زال بها حتى رد إليها ~~رشدها، فدعته إلى أن يحميها وطلبت إليه أن يتزوجها وأن يسرع في الزواج، فتزوجا. وهما الآن ~~يطوفان في الأرض، وقد أقبلا إلى «بيارتز» بعد أن زارا بلادا مختلفة وجاء «لوثار» للقائهما، ~~وهو لا يلبث أن يلقى صاحبه وأن يتحدثا، فنفهم من حديثهما أنه ليس سعيدا لأن امرأته ليست ~~سعيدة، وهو لا يشك في أنها وفية أمينة تجتهد في أن تحبه وتخلص له، ولكن شيئا يصرفها عن ~~هذا، وهي تخفيه عليه، وقد ms139 أقسمت له أنها لم تسمح لخطيبها الأول ولم تخن زوجها الأول، ولكنها ~~مع ذلك تخفي عليه شيئا، ويجب أن يكون هذا الشيء أليما، فقد أنحلها وأضناها حتى أصبحت ~~حياتها معرضة للخطر. # وهو يحبها، ويريد أن ينقذها من هذا الخطر، ويبذل في ذلك ما يستطيع. وهذه «إيرين» قد أقبلت ~~وهي شاحبة نحيفة محزونة، يريد «لوثار» أن يضحكها فلا يصل إلى شيء. وقد أقبلت صديقتها تعرض ~~عليها أن تذهب معها إلى حيث الشاي والرقص، فتظهر الرضا. ولكن هذه الصديقة غابت عنها حينا ~~ثم تعود، وإذا هي منصرفة عن الشاي منصرفة عن الرقص، تعرض على صاحبتها البقاء حيث هما، ثم ~~تسر إلى «لوثار» أنها رأت في قاعة الشاي «روبير»، وتريد أن يعلم ذلك «موريس»، ولكن موريس قد ~~ذهب لبعض شأنه، وإذا «روبير» قد دخل، فرأته «إيرين» فاضطربت اضطرابا شديدا وأخذها دوار ~~يشبه الإغماء. # ودعي زوجها فأقبل، وما يزال بها حتى يرد إليها قوتها وقد عرف كل شيء، فهو يلح على امرأته ~~في أن تنبئه بجلية الأمر، فإذا أبت عليه اتهمها وأنذرها بأن يلقى روبير ويسأله وهو مستعد ~~للمبارزة. هنا تكذب «إيرين» وتتهم نفسها بأنها قد كانت خليلة «لروبير»، وتلح على زوجها في ~~أن يتجنب هذا اللقاء وفي أن يترك مدينة «بيارتز». ولكن زوجها يأبى، وقد تركته ليستريح، فلا ~~يكاد يخلو إلى نفسه حتى يرى غلاما يسرع إلى غرفة امرأته، وكان يخفي كتابا، فيعرض له ويأخذ ~~منه الكتاب قهرا، فإذا الكتاب موجه إلى امرأته وهو لا يريد أن يقرأ هذا الكتاب، ولكنه يريد ~~أن يعلم ما فيه. # وقد أقبل «روبير» فتحدث الرجلان، وأذن له روبير في قراءة الكتاب، فإذا هو كتاب بريء لا ~~إثم فيه، وإنما هو تحية واعتذار. وقد أخذ الرجلان يختصمان، وأخذ العنف يشتد بينهما؛ لأن ~~أحدهما يحب ويغار والآخر يحب ويحقد. ولكن «إيرين» قد أقبلت، فما تزال بالرجلين حتى يهدآ. ~~وقد أعلن زوجها إلى صاحبه أنه يعرف ما كان بينهما من صلة، فيقسم الرجل ببطلان هذه التهمة، ~~وتعترف «إيرين» بأنها كذبت ms140 على نفسها لأنها لم ترد أن تفشي سر صاحبها، فهي مقتنعة بأن ~~صاحبها قد قتل زوجها. # وهنا يظهر سر القصة، فالرجل لم يقتل زوج «إيرين»، ولكنه تركه يموت؛ رآه وقد تردى في الهوة ~~وسمعه يصيح ويستغيث، وكان يستطيع أن ينقذه لو أراد، ولكنه تمثل «إيرين» حرة بعد موت هذا ~~الرجل، وتمثل قسمها له وتمثل اقترانه بها؛ كل ذلك في لحظة قصيرة جدا، فأبطأ عن الرجل حتى ~~سقط ومات. وإذن فهو لم يقتله، ولكنه تركه يقتل، وهو يحس في نفسه منذ ذلك اليوم عذابا ~~شديدا، وهو يرى نفسه آثما مجرما، وهو لهذا كان لا يستطيع أن يدنو من «إيرين» ولا أن يجد ~~السعادة في اقترانه بها؛ لأنه كان يتمثل دائما هذا القتيل بينهما. # وهو قد انصرف عن محاكم الجنايات لأنه لا يستطيع أن يدافع عن المجرمين وهو مجرم، وهو قد ~~انصرف عن العمل كله لأنه مفرق النفس بين الحب واللوم، وهو قد أقبل يرى صاحبته للمرة ~~الأخيرة، وهو يتمنى السعادة للزوجين ويسألهما الرثاء له. أما هي فممعنة في الانتحاب، وأما ~~زوجها فيصافح هذا الشقي البائس قبل أن ينصرف، وهو يسال امرأته ويريد منها الجواب في صراحة ~~وإخلاص: ماذا كنت تصنعين لو أنه اعترف لك بهذا كله قبل زواجنا، أكنت تتزوجينه؟ فتجيب: نعم! ~~لأنه لم يقتل ولأني أحبه. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع - وكنت أود ألا يكون - فنحن في ضاحية من ضواحي باريس، في قصر فخم ~~يسكنه «موريس» وامرأته، وقد انصرفا عن مائدة الغداء ومعهما «لوثار» وصديقة لهما، وهم ~~يتحدثون، وقد فهمنا من حديثهم أن «إيرين» ما زالت محزونة كئيبة، وأن «موريس» ما زال محتملا ~~جادا في العناية بها، وأنها تتمنى أن ترزق ولدا يصرفها عن حزنها وأساها. ولكن لنتعجل، ~~فقد انصرف القوم جميعا وبقيت «إيرين» وحدها، فتجلس إلى البيانو وتعبث بأصابعها، وإذا ~~الخادم قد أقبلت تنبئها بأن زائرا يريد أن يراها، فتمتنع لأنها عرفت من هو، ثم تأذن فيدخل ~~«روبير»، وإذا رجل سيئ الحال جدا لا نكاد نراه حتى نصدق ما سمعنا ms141 من أنه قد انصرف إلى ~~اللهو، فهو يقضي الليل في الحانات، وهو يدمن على الخمر و«الكوكايين»، وقد أقبل اليوم يعلن ~~إلى صاحبته أنه سيترك فرنسا إلى مكان بعيد يجد فيه عملا مثمرا ومسليا. وهو يعلم أنها ~~تحبه، وأنها لا تحب زوجها الثاني، كما أنها لم تحب زوجها الأول. وهو يعرض عليها السعادة، ~~ولكنه يريد أن تكون حرة، يعرض عليها أن تسافر معه، ويذكرها حبهما وقسمها، وأنه وإن يكن أساء ~~فقد احتمل من الألم والندم ما يكفر عن سيئته. وقد أثر فيها تاثيرا قويا، وقد كاد يغلبها ~~على أمرها، ولكنه يريد أن تكون حرة فيما تعتزم، فسينصرف وسينتظر في الشارع دون النافذة. ~~فإذا فكرت وقررت أن تلحق به فلتتخذ معطفها وقلنسوتها ولتهبط إليه. وإذا اعتزمت أن تبقى ولا ~~تراه، فلتضم الأستار إلى النافذة، فسيرى هو هذا وسينصرف إلى حيث لا تراه. قال هذا ومضى ~~وتركها مضطربة أشد الاضطراب، ولكن زوجها قد أقبل؛ ذلك لأنه بينما كان خارجا من القصر رأى ~~«روبير» يدخله، فانتظر حتى انصرف «روبير» وأقبل إلى امرأته، وهو يحدثها في صراحة وكرم وطيب ~~نفس، يعرض عليها حريتها. وهو يعلم أنها تحب «روبير»، وأنها لم تنصرف عن حبه قط، وأنها لن ~~تسعد إلا معه، وهو يحبها ولكن لنفسها لا لنفسه، وأي آية على الحب وصدقه أقوى من أن تضحي ~~بنفسك وسعادتك في سبيل من تحب؟! تستطيع إذن أن تذهب مع «روبير»، فقد سمع الناس يتحدثون بأنه ~~مسافر إلى مكان بعيد، ولا ينبغي أن تتردد ولا أن تشفق، فسعادته الصحيحة في أن يجعلها ~~سعيدة، وسيرفع أمر الطلاق إلى المحكمة ويحتمل هو آثام الطلاق، وسيصدر الحكم لها لا عليها. ~~هو يقول هذا كله مخلصا، وهي تسمع هذا كله باكية منتحبة، ولكنها لن تفعل من هذا شيئا. ~~أليست هي التي أبت أن تخون زوجها الأول، فكيف تخون زوجها الثاني؟! هو يريد أن يضحي بنفسه في ~~سبيلها، فلم تكون هي من الأثرة بحيث تقبل هذه التضحية؟! هي لا تحب زوجها حب شهوة ولذة، ولكن ms142 ~~لم لا تحب زوجها حب صداقة وشكر للصنيع؟! وبعد فلو أنها أرادت أن تلحق بصاحبها لما ~~استطاعت؛ ذلك لأنها تحس في أعماقها شيئا كانت تتمناه لتسلو به عن الحزن والألم، وكان يخيل ~~إليها أنها لن تظفر به، ولكنها الآن تحسه فكأنه قد أقبل ليصرفها عن الإثم والجور، وليقر ~~العدل في نصابه. هي تحس أنها حامل، وهي تعلن ذلك إلى زوجها، وهو يضمها إليه ويقبلها سعيدا ~~مغتبطا وقد أفلتت من بين ذراعيه وأسرعت إلى النافذة في ذهول فضمت أستارها، ولكنها سمعت ~~شيئا صعقت له، فيقبل زوجها عليها ويعنى بها حتى تفيق بعض الشيء، وتنهض فتجلس إلى البيانو ~~وتعبث بأصابعها لتخدع زوجها عن مرضها وحزنها، أصابعها مضطربة على البيانو وبصرها حائر ~~وفكرها مشرد، والباب قد فتح والخادم تدعو سيدها وجلة، فيسرع إليها فتنبئه بأن رجلا قتل ~~نفسه بالباب ... # يناير سنة 1925 # | الغربان # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «هنري بيك» # ليس هذا العنوان مشوقا ولا خلابا، وربما كان منفرا ثقيلا على السمع. ومع ذلك فلست ~~أعرف عنوان قصة تمثيلية أشد من هذه القصة صدقا وأكثر منها تأثيرا في النفس، وأبرع منها في ~~تصوير لون من ألوان الحياة القاتمة المحزنة التي نراها. فلا يحسن ظننا بالإنسان ولا فيما ~~انتهى إليه من حضارة ورقي. # نعم! نحن بإزاء قصة جيدة ... وأنا أصفها بهذا الوصف من غير تحفظ ولا احتياط؛ لأنها خليقة به ~~حقا. هي جيدة من كل وجه، جيدة في موضوعها؛ لأنه من هذه الموضوعات التي نشهدها في كل يوم ~~وفي كل مكان على اختلاف ظروف الحياة وأجيال الناس، نشهده فننكره أشد الإنكار، ونحزن له أعمق ~~الحزن، ونسخط عليه أشد السخط، حتى لقد أصبح ذلك شيئا شائعا مستقرا عنيت به الديانات ~~ومذاهب الأخلاق. وأي الناس يجهل سخط الديانات والأخلاق وعرف أخيار الناس على هؤلاء الذين ~~يأكلون أموال اليتامى وينعمون بشقاء البائسين، ويستغلون ضعف الضعيف ليتخذوا منه لأنفسهم قوة ~~وبأسا. القصة جيدة في معناها وأسلوبها أيضا، فأنا زعيم لك إن قرأتها ألا تجد فيها إسرافا ~~ولا قصورا، ولا ms143 تجاوزا لحدود الفن ، ولا نبوا عن السهولة والسذاجة اللذين يلائمان طبع ~~الطبقات الوسطى من الناس. أنا زعيم لك بأنك ستقرءها فلا تجد فيها عنفا ولا شدة، ولا عناية ~~قليلة أو كثيرة بالتأثير في نفسك والاستثارة لعواطفك، ومع ذلك ستثور لأن القصة طبيعية بريئة ~~من التكلف. ولست أعرف شيئا أبلغ في إثارة العاطفة والتأثير في النفس من الطبيعة الصادقة ~~يمثلها الكاتب أو الشاعر تمثيلا صادقا. والقصة جيدة في لفظها، فقد تقرؤها على طولها دون ~~أن تجد فيها لفظا غريبا، بل دون أن تحس فيها أن الكاتب قد تخير ألفاظه أو تأنق فيها، ~~وإنما هو كلام يجري مجرى الطبع ويسير مسير الأحاديث العادية بين أوساط الناس، دون أن يكون ~~فيه مع ذلك فساد أو ضعف أو اضطراب. # القصة كلها طبيعية، وهي طبيعية من أي نحو قصدت إليها. ومن هنا قلت - وما زلت أقول - إنك ~~لن تستطيع أن تقاومها ولا أن تعصم نفسك من التأثر لها، وأحسب أنك لن تستطيع أن تقرأ الفصل ~~الثالث والرابع منها محتفظا بهدوئك وسكونك ودموعك. نعم! أعترف بأني من أشد الناس مقاومة ~~لبراعة الكتاب والشعراء والممثلين، وهذه المقاومة نفسها هي التي تمكنني من النقد وتيسر ~~علي الحكم إذا قرأت قصة أو شهدتها. ولكني على شدة مقاومتي هذه احتجت أمس إلى أن آخذ نفسي ~~بشيء من العنف وأنا أقرأ هذه القصة لأحتفظ بهذه الابتسامة التي تعودت أن أسمع معها كل أثر ~~فني. ولست أريد أن أطيل في المقدمات، فلأهجم بك على القصة نفسها، وأنا واثق كل الثقة بأني ~~لن أستطيع أن أؤثر في نفسك تأثير القصة نفسها؛ لأني لم أوفق مهما أبذل من جهد لأن أكون في ~~هذا التلخيص من السذاجة والسهولة بحيث كان الكاتب نفسه حين وضع قصته. # ما أجدر هذه القصة أن تقرأ! وما أجدرها أن تترجم! وما أجدرها أن تعرض على الناس في ملاعب ~~التمثيل العربي! ... فكأن الكاتب لم يضعها لفرنسا، وإنما وضعها لمصر. ولم لا نكون صادقين ~~فنقول: إنه وضعها للعالم كله! وأي بلد يخلو ms144 من أولئك الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ~~فيأكلون في بطونهم نارا، ويستعدون لأن يصلوا يوم القيامة سعيرا. ~~••• # نحن في باريس في بيت تظهر عليه آثار النعمة. قد رفع الستار، فإذا نحن نرى أسرة مجتمعة، لا ~~نكاد نراها ونسمع لها حتى نشعر بأنها أسرة سعيدة مغتبطة، قد ألف الحب بين قلوبها، فاطمأنت ~~إلى يومها وابتسمت لغدها. نرى شيخا قد استلقى يستريح بعد الغداء، وفي يده صحيفة ينظر فيها ~~والنوم يغالبه، وهذا الشيخ هو «فينرون» زعيم الأسرة. ونرى امرأة ليست بالشابة، ولكنها ليست ~~بالشيخة أيضا. ونرى فتاة قد جلست إلى البيانو، وهي «جوديت» أكبر شباب هذه الأسرة، وفتاة ~~أخرى قد جلست قريبا من أبيها إلى بعض هذه الأعمال اليدوية التي يعنى بها النساء، وهي ~~«ماري» الثانية من شباب هذه الأسرة. ونرى فتاة ثالثة لما تبلغ العشرين، قد جلست إلى مائدة ~~تكتب، وهي «بلانش» الثالثة من شباب هذه الأسرة. ونسمع ذكر غلام سنراه بعد حين يسمى ~~«جاستون»، وهو آخر أبناء هذه الأسرة. انظر إلى الفتاة مبتسمة تكتب، وليس يشك من رآها في ~~أنها معنية بأمر ذي بال، وكيف لا؟! أليست تكتب أسماء الذين سيتناولون العشاء على مائدة ~~أبيها مساء هذا اليوم، وتعنى بترتيبهم في مجالسهم ملاحظة في هذا الترتيب أقدارهم وأعمارهم؟! ~~ثم أليست بطلة هذا العشاء، فهو إنما يقدم إلى الناس احتفالا بخطبتها وتمهيدا لقرانها، وقد ~~نهضت أمها فأخذت تناقشها في أماكنهم، وتذكر كل واحدة منهم ثم تعقب بحكم له أو عليه. وقد ~~أفاق الشيخ من غفوته، فسمع ابنته تذكر ساخطة اسم أحد المدعوين، وهو «تسييه»، فأظهر غضبا ~~ولوما، وأنذر ابنته بأنها إن عادت إلى مثل هذا فسيحرمها حضور المائدة وسيلغي زواجها؛ ذلك ~~أن هذا الرجل الذي تكرهه هذه الفتاة هو مصدر نعمته وشريكه في عمله، فيجب إكباره والوفاء له. ~~والأسرة مختلفة دائما في هذا الموضوع اختلافا شديدا؛ فأما الشاب فيكره هذا الرجل كرها ~~عنيفا؛ لأنه ثقيل النفس بغيض، غليظ الحديث، بخيل شديد الأثرة، وأما الشيخ فلا ينظر إلى ~~شيء من هذا كله، ms145 وإنما ينظر إلى أن هذا كان مصدر ثروته، وما هو فيه من نعيم، وأما الأم ~~فتتوسط بين الشيخ والشاب. ولهذا يتخذها الشيخ حكما كلما اختلف مع بناته في أمر هذا الرجل، ~~يتخذها حكما في كل يوم؛ لأن هذا الخلاف يتجدد في كل يوم، وهي تعيد في كل يوم صيغة بعينها ~~يحبها الشيخ، فهو يستعيدها، ويضحك منها الشاب، فهو يستعيدها أيضا. وهذه الصيغة تختصر تاريخ ~~الأسرة التي كانت فقيرة معدمة، ولكنها شريفة عاملة، حتى لقي هذا الرجل الغني زعيمها، فطلب ~~إليه أن يدير معملا له، فقبل، ووفق في عمله، فأصبح شريك رئيسه، وأخذ يكون لنفسه ولولده ~~ثروة لا بأس بها. وإذن فهو مدين لشريكه بالثروة، ولكن شريكه مدين له بالنجح. وإذن فليس ~~لأحد منهما على صاحبه فضل. # كل هذا يعرض عليك تاريخ الأسرة وما بين أعضائها من حب وألفة، وما تستقبل به الحياة من ~~سعادة قوية وأمل مبتسم، ولا سيما بعد ما لقيت من ضيق وعناء. ولكن شيئين آخرين يجب أن ~~تعلمهما؛ الأول: أن هذا الشيخ مريض تظهر عليه آثار علة خفية، وهو يجاهد هذه العلة ويريد أن ~~يمضي في عمله وفي تكوين ثروة ضخمة لبنيه، فهو لا يكتفي بنصيبه من المعمل وإنما يشتري أرضا ~~ويقيم عليها دورا، وكل هذا العمل يجهده ويضنيه، وأهله قلقون مشفقون. واسمع إلى ثانية بناته ~~تلومه في رفق ولطف؛ لأنه لا يعنى بصحته، فلا يستريح، ولا يعرض نفسه على الطبيب. # الثاني أن صغرى هؤلاء الفتيات قد خطبت وتمت خطبتها، وهي سعيدة، وأمها راضية، ولكن الشيخ ~~غير مطمئن لهذه الخطبة ولا مبتهج بهذا الزواج، وهو لا يميل إلى صهره الشاب ولا إلى أمه ~~الأرملة الفقيرة، ولكنه لا يستطيع أن يعلل هذا النفور. وهو الآن يريد أن ينصرف إلى عمله، ~~ولكنه يحب بناته، ويحب زوجه، ويحب حياة الأسرة هذه، فهو يتردد في الخروج، ويدعو ابنته إلى ~~أن توقع له لحنا على البيانو فتفعل. وقد دخل الغلام، فإذا الشيخ يلقاه بهذه اللهجة التي ~~امتاز بها الآباء الفرنسيون، لهجة التعنيف ms146 يملؤه العطف والحنان ، وإذا الرجل يمازح ابنه ~~ويداعبه في حرية ورضا، وإذا هو يضع في جيبه النقود وإن كره الغلام، وإذا هو يبيح له أن ~~يلهو كما يشاء على أن يكون شديد الاحتشام إذا دخل البيت حتى لا يظهر أخواته من سيرته على ~~شيء، وإذا هو يعرض نفسه على ابنه ليكون مشيره وناصحه فيما يعترض له من الصعاب، وإذا هو بعد ~~ذلك قد استحال إلى الجد فهو يعلن إلى ابنه أن أمد هذا اللهو سيكون قصيرا، وأنه سيستعين به ~~في أعماله الكثيرة. # وانظر إلى هذا الشيخ قد جمع بنيه وامرأته، فقبلهن جميعا ثم مضى لعمله، وأخذت الأم تأمر ~~بناته أن يتهيأن للعشاء، ويتخذن زينتهن لاستقبال المدعوين فخرجن، ولكنها تدعو صغرى بناتها ~~فتزجرها في لطف وتنذرها في حنان لأنها تسرف بعض الإسراف في مداعبة خطيبها وتتجاوز حدود ~~اللياقة، وأمها لا تسمح بهذا ولا ترضاه. ولا تكاد تخلو هذه الأم إلى نفسها حتى يستأذن عليها ~~الخادم لزائرة فتأذن، وتدخل هذه الزائرة وهي «مدام دي سان جنيس» أم الخطيب، قد أقبلت ولما ~~يأت ميعاد العشاء، وهي تعتذر ثم تأخذ في الحديث، فما أسرع ما نفهم نفسيتها، وما أسرع أن ~~نبغضها ونسخط عليها، وما أسرع ما يزداد حبنا لهذه الأسرة الطاهرة الوادعة البريئة. ولا تكاد ~~هذه الزائرة تتحدث حتى نشعر بأنها امرأة مادية غالية في الطمع لا تتردد في الطرق التي ~~توصلها إلى الثروة، قد عرفت الناس فساء ظنها بهم واشتد ازدراؤها لهم، فهي تستغل نقائصهم لا ~~أكثر ولا أقل. اسمع إليها تلوم صاحبة البيت لوما شديدا؛ لأنها لا تتقرب من شريك زوجها ولا ~~تتلطف له، مع أن هذا الشريك متقدم في السن ضخم الثروة لا وارث له. أليس من الخير أن يتملق ~~ويخدع لعله يوصي بثروته كلها أو بعضها لهذه الأسرة؟ أما صاحبة البيت فتظهر نفورا شديدا من ~~هذا الطمع والخداع، ثم تقول لزائرتها: إنها لا تستطيع أن تسلك مثل هذه الطرق، ومع ذلك فأنت ~~حرة في سلوكها بعد زواج ابنينا! لعل هذا ms147 الشيخ يختص الأسرة الجديدة بعطفه ومودته ~~وميراثه. # وقد دخل الخادم فاستأذن لمعلم الموسيقى، فيدخل وتنصرف المرأتان، وتأتي كبرى الفتيات، فلا ~~تكاد تتحدث إلى أستاذها حتى نعلم أنها موسيقية لها حظ من البراعة، فهي تضع الألحان ~~الموسيقية، وقد وضعت لحنا تودع به أختها العروس، وحتى نحس أن أستاذها يعجب بها ويتملقها ~~وكأنه يريد أن يداعبها. ولكن صاحبة البيت وزائرتها وسائر أعضاء الأسرة قد أقبلوا، وأخذ ~~المدعوون يقبلون واحدا فواحدا حتى اكتمل عددهم، وهم يتحدثون في لهو ولعب وبهجة، ولكن ~~الخادم قد دخل وهو يهمس في أذن سيدته، ثم يتبعه رجل آخر فدخل وطلب إلى السيدة أن تنحي ~~بناتها فتفعل، وإذا هذا الرجل هو الطبيب قد أقبل يعلن إليها أن زوجها أصابته السكتة فمات، ~~وهذه جثته تحمل ... ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فنحن في البيت نفسه، وقد مضى شهر أو نحو شهر على هذا الحادث، وكل ~~شيء في هذا البيت يدل على الحزن والأسى. ونحن نرى صاحبة البيت لا تستطيع أن تكف دموعها، وهي ~~تتحدث إلى زائرتها «مدام دي سان جنيس» فتشكو وتلح في البكاء، وهذه الزائرة تتكلف تعزيتها ~~وتسليتها تكلفا، فهي لم تأت لهذا، وإنما أقبلت لشيء آخر؛ أقبلت لتعرف الحال المادية لهذه ~~الأسرة بعد أن فقدت زعيمها، وهي تنصح لصاحبة البيت أن لا تثق بشريك زوجها ولا بمحاميه ولا ~~بمهندسه. فترتاع المرأة لهذا كله، ولا تفهم مصدرا لهذه النصيحة الغريبة؛ ذلك لأنها امرأة ~~طيبة القلب شريفة، ترى أن الناس جميعا مثلها أخيار أطهار. ولكن زائرتها لا تذهب هذا المذهب ~~ولا ترى هذا الرأي، وهي تلح عليها في أن تكون سيئة الظن بالناس جميعا، وتذكر لها أنها إنما ~~تلح عليها في هذا مخلصة ناصحة، فهي امرأة، ومن الحق عليها أن تعين امرأة مثلها. وهي لا ~~تلتمس نفعا من هذا النصح، فقد يظهر أن زواج ابنيهما لن يتم، وذلك لأن هذا الزواج كان ~~مشروطا بشروط مالية لم يصبح تحقيقها يسيرا، وهي لا تستطيع أن تعرض مستقبل ابنها للخطر ~~والضيق. فلا ترى صاحبة البيت ms148 جوابا إلا أن تقول لها: كما تحبين. # وقد خرجت هذه الزائرة، ودخل «تسييه» شريك زوجها، فإذا هي تلقاه بمثل ما لقيت به زائرتها ~~الأولى من الجزع والبكاء، ثم يتحدثان في أمر الميراث. وهنا يظهر بعض ما خبأت الأيام من ~~البؤس لهذه الأسرة التي كانت سعيدة مغتبطة. كانت هذه الأسرة تقدر أنها غنية حسنة الثروة، ~~ولم يخطر لها بعد أن مات زعيمها أنها ستلقى عنتا أو شدة. ولكن هذه المرأة لا تكاد تتحدث ~~إلى شريك زوجها حتى تسمع نكرا من الأمر، وحتى تقدر شرا كثيرا: أليس هذا الرجل ينبئها ~~بأن ميراث زوجها ليس شيئا يذكر، وبأنه ترك ديونا تكاد تستغرق الثروة، وبأنه مضطر إلى بيع ~~المعمل، وبأنه ينصح لها أن تبيع الأرض، وبأن صفوة ما سيبقى لهذه الأسرة من الثروة لا يكاد ~~يبلغ خمسين ألف فرنك! سمعت المرأة هذا فصعقت له وأصابها شيء من الوجوم أخرجها عن طورها، ~~فإذا هي تنهر الرجل وتتركه مزدرية ساخطة، والرجل مغضب ولكنه شرير، فهو يتحدث إلى نفسه، بما ~~نفهم منه أنه قد دبر العبث بهؤلاء اليتامى واغتيال هذه الثروة، وقد تم الاتفاق على ذلك بينه ~~وبين المحامي، ولكنه لا يخلو إلى نفسه طويلا، فقد جاءت «ماري» وهي الفتاة الثانية من فتيات ~~هذه الأسرة، وأخذت تهدئه وتترضاه وتعتذر عن أمها وتتوسل إليه ألا يأخذ هذه المرأة الحزينة ~~بما يضطرها إليه حزنها من الضجر وضيق الصدر. # وقد وجدت هذه الفتاة سبيلا إلى قلب هذا الوحش، فهو يرق لها ويظهر الميل إليها، وقد ~~استطاعت أن تظفر منه بالعفو عن أمها، وأن تبعثه إلى حيث هي ليزول ما بينهما من خلاف فيجيبها ~~إلى ذلك، وقد اشتد إعجابه بها وميله إليها، وينصرف إلى أمها. ولا تكاد الفتاة تخلو إلى ~~نفسها حتى تدخل عليها أختها الصغرى، فتتحدثان، وإذا جزعهما عظيم. ولكن الصغرى لا تخلو من ~~عزاء، فهي تفكر في زواجها، وهي تنتظر هذا الزواج، فإذا عرضت أختها بأن هذا الزواج قد يكون ~~عسيرا أظهرت الفتاة إيمانا بالمستقبل وثقة بخطيبها، ثم أظهرت ms149 حرصها على هذا الزواج في ~~ألفاظ لا تفهمها أختها لأنها بريئة طاهرة. أما نحن فقد فهمناها حق الفهم، وعرفنا أن هذين ~~الخطيبين قد تجاوزا الحدود في صلتهما، وأن الزواج قد أصبح أمرا محتوما. وقد أقبل المحامي ~~ثم أقبلت الأم وشريك زوجها، وأخذ الرجلان يقنعان المرأة بوجوب بيع المعمل وبيع الأرض أيضا، ~~والمرأة تقاوم وتمانع، ولكن الرجلين أقوى منها حجة وأشد منها مهارة، وهما يمثلان لها ميراث ~~زوجها عبئا مثقلا بالديون. ودخل المهندس، فأراد أن يدافع عن المرأة، وعرض طريقة تضمن لها ~~الثروة. ولكن الرجلين حاوراه حتى كان بينهم خصام عنيف، وانصرفوا جميعا وقد تركوا المرأة ~~وبناتها يضطربن بين يأس منكر وتردد شديد ... # فإذا خلا النسوة إلى أنفسهن تشاورن في الأمر، ولكنهن ضعاف لا يفقهن تدبير الثروة ولا ~~يعرفن مواجهة الصعاب. وهن مختلفات يقلبن الأمر ظهرا لبطن، وإذا الخادم يحمل إليهن كتبا ~~يقرأنها، فإذا كلها تطالب بديون، وإذا هن واجمات ينظر بعضهن إلى بعض دون أن يستطعن الكلام ~~... ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في البيت نفسه، وقد مضت أسابيع على ما مر في الفصل الماضي. ~~ونحن نرى أن أم الخطيب تتحدث إلى الخادم، فنفهم من حديثهما أنها أقبلت لترى خطيبة ابنها، ~~ولكنها ستنصرف لأن هؤلاء السيدات لسن وحدهن وإنما يتغدى معهن «تسييه»، فإذا انصرفت وأقبل ~~السيدات وأقبل معهن الرجل وتحدثوا، عرفنا أن الصلات حسنة بين هذا الرجل وهؤلاء النسوة، وأنه ~~يكثر التردد عليهن دون أن تتقدم أمور الميراث، فهو في الوقت نفسه يميل إلى الفتاة، ولكنه ~~يريد أن يغتال التركة: هو رجل عملي يريد أن يظفر بالمال واللذة في غير مشقة ولا خسارة، وهن ~~محتاجات إلى المال وقد أثقل الدائنون عليهن وبالغوا في الإلحاح، وهن لا يجرؤن أن يطلبن إلى ~~هذا الرجل معونة أو قرضا، وهن يشعرن بأن هذا الرجل يحب إحداهن فيكلفن هذه الفتاة أن تطلب ~~إليه هذا القرض فتفعل بعد جهد، ويقبل الرجل طلبها هذا متبرما به كارها له، وينصرف ليأتي ~~بهذا المقدار من المال فالنساء فرحات مطمئنات. ولكن ms150 المحامي قد أقبل وهو يحمل أنباء سيئة، ~~ويلح في بيع الأرض؛ لأن الدائنين الراهنين يلحون في استيفاء ديونهم، ويريدون الاستيلاء على ~~رهونهم. # ومهما تحاول الأم فلن تجد مخرجا من هذا الضيق إلا التسليم، والمحامي يذكرها بفقرها ~~وحاجتها إلى المال، فإذا ذكرت له أنها قد اقترضت من شريكها لامها وأنبأها أنه يستطيع أن ~~يقرضها ما تشاء حتى تتم تصفية الميراث إذا كانت قروضها معتدلة. وقد عاد «تسييه» بالمال وخلا ~~إلى الفتاة، فدفعه إليها وأخذ يداعبها مداعبة الشيخ البخيل الحريص، والفتاة جاهلة، فلما ~~فهمت، أخذت تدافعه عن نفسها، وإذا هو يعرض عليها صفقة منكرة، وإذا الفتاة مغضبة أبية ترد ~~إليه ماله وتطرده طردا عنيفا. ولكن في هذا الفصل موقفا هو من أشد مواقف القصة تأثيرا، ~~وهو هذا الموقف بين الخطيبة وأم خطيبها. كانت هذه الخطيبة مؤمنة بصاحبها واثقة به معتمدة ~~عليه، وكانت تعلم أن أمه تمانع في هذا الزواج ولا تشك في أن الفتى سينتصر على أمه. وقد ~~أقبلت هذه الأم وإذا هي تنصح للفتاة أن تعدل عن هذا الزواج، وتحذرها الفقر والفاقة وما ينشأ ~~عنهما من سوء العشرة بين الزوجين. والفتاة تذكر حبها وتعتز به وتذكر الثقة بخطيبها وتلح ~~فيها حتى يشتد الخصام بينهما، فإذا الفتاة عنيفة مرة، رقيقة مرة أخرى، تجثو وتبكي ثم تنذر ~~وتوعد، ثم يأخذها الغضب فتعلن إلى المرأة ما كان بينها وبين الفتى، ولكن المرأة لا ترق ولا ~~تلين، وإنما تنبئها بأن ابنها انصرف عن حبه وأذعن لأمه، وتنصرف وقد تركت الفتاة في ذهول ما ~~أسرع ما استحال إلى جنون وأهلها يحطن بها يردن أن يحملنها إلى السرير. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فقد تم كل شيء، وظفر الشريك والمحامي بما كانا يريدان من اغتيال ~~ثروة هؤلاء اليتامى. واضطرت هذه الأرملة وبناتها إلى أن يتركن بيتهن الفخم ويأوين إلى بيت ~~متواضع عليه مظاهر البؤس والفقر، وقد اتصل الغلام بالجيش، وجنت الخطيبة جنونا متقطعا، ~~وأخذت المرأة تعيش مع ابنتيها الرشيدتين عيشة ضيق لا بد من أن تنتهي إلى الإعدام. ms151 وكبرى ~~بناتها تلتمس عملا لتكسب منه حياتها وحياة أمها وأختها، تريد أن تعطي دروسا في الموسيقى، ~~فلا تلبث أن تعلم أن هذا مستحيل؛ لأنها إن كانت شريفة أكبرها الناس دون أن يستأجروها، وإن ~~كانت لعوبا استأجرها الناس ولم يكبروها. تريد أن تتصل بملعب من ملاعب الموسيقى، فيظهر لها ~~أن هذا مستحيل، إلا أن تنزل عن عفتها وكرامتها، وهي حائرة محزونة، تتحدث إلى أختها «ماري»، ~~وليست أختها أقل حيرة ولا حزنا منها، فهي أيضا تريد أن تعمل، وقد التمست ألوانا من العمل ~~فلم توفق لشيء إلا أن تعرض عفتها وكرامتها للخطر ... # ما أشق الحياة على المرأة الوحيدة! على أن في الجو شيئا يدعو إلى الأمل، ولكنه ثقيل بغيض ~~لا يطاق: هذا الشريك الذي ما زال بهؤلاء اليتامى حتى ابتز ثروتهن، واضطرهن إلى هذه الحياة ~~المنكرة، هذا الشريك كلف بالفتاة يريد أن يتخذها له زوجا. ألم يظهر حبه لها وإعجابه بها في ~~غير موقف؟ ولكنه شيخ وهو دميم، وهو ثقيل بغيض إلى النفس. والفتاة لا تكرهه بل تعافه، فماذا ~~تصنع؟ أترفض هذا الزواج؟ وإذن فهو الفقر والإعدام وما يتبعهما من ألم. وما تصنع بأمها؟ ~~أتكلفها العمل لتعيش؟ وماذا تصنع بأختها المريضة وقد تزوج خطيبها؟ أتضيف إلى حزنها ومرضها ~~ألم الجوع، أم تقبل هذا الزواج؟ وإذن فهي الحياة المنكرة مع رجل تعافه! وإذن فهو ألم المرأة ~~التي تبيع نفسها لتعيش! وإذن فهو ألم المرأة النبيلة الفقيرة حين تسمع الناس يتحدثون بأنها ~~إنما اقترنت بهذا الشيخ طمعا في ثروته ... الفتاة تضطرب بين هذه الخواطر! ولكن انظر إلى هذه ~~الأسرة كلها قد اجتمعت إلى مائدة حقيرة تتناول طعاما غليظا في صمت وخشوع وإذعان للقضاء، ~~ماذا تصنع الفتاة؟ # أتقبل هذا الزواج فترفه على هؤلاء النسوة التعسات، أم ترفضه فتعرض نفسها وأهلها لذلة ~~الفقر وما يتبعها؟ # دخل المحامي وهو يلح على الفتاة أن تقبل، وهو يرغبها، وهو يكشف لها أستار المستقبل عن ~~النعيم إن قبلت وعن الجحيم إن أبت، وهو يذكر أمها الشيخة، وأختها المريضة، والأم تأبى ms152 وتلح ~~على الفتاة أن ترفض. ولكن المحامي قد ذكر التضحية، وذكر أن أباها الشيخ قد مات لتنعم أسرته، ~~أليس في هذه الأسرة من يألم لتسعد هذه الأسرة؟ بلى! إن فيها هذه الفتاة، فهي تقبل الزواج. ~~وانظر إلى هذا الشيخ الدميم البخيل الهرم قد أقبل فرحا يقبل فريسته كما كان إله الفينقيين ~~يلتهم ضحاياه البريئة، والفتاة مبتسمة مذعنة! # أليس من الحق أن هذا الرجل وأمثاله هم الغربان، يتبعون الموتى فلا يدعون من آثارهم شيئا ~~صالحا إلا أتوا عليه! ... # يناير سنة 1925 # | صوت # قصة تمثيلية للكاتب الأمريكي «إدوارد شلدون» نقلها إلى الفرنسية الكاتبان المعروفان ~~«روبير دى فلير وفرانسيس دى كرواسيه» # ينبغي أن تفهم هذا العنوان كما تفهمه حين تجده في كتاب الأغاني، فهو يدل على مقطوعة من ~~الشعر يغنى بها، وكذلك أراد صاحب هذه القصة التي أريد أن أحدثك عنها في شيء من الإيجاز ~~كثير، فأنا - كما قلت في غير هذا الموضع - حين أنحو هذا النحو من تلخيص القصص التمثيلي أو ~~غير التمثيلي، لا أريد أن أغني القارئ العربي عن الأصل الأوروبي، إنما أريد أن أرغبه فيه ~~وأحبب إليه قراءته ودرسه. فهذه الفصول المتواضعة ترغيب في قراءة تلك القصص الممتعة لا أكثر ~~ولا أقل. # وقصتنا هذه ممتعة في موضوعها، ممتعة في شكلها، ممتعة في لغتها، وممتعة بنوع خاص لأنها ~~تمثل التئام الذوقين الأمريكي والفرنسي التئاما بديعا. # وضع لها صاحبها هذا العنوان؛ لأنها تبتدئ بصوت من الغناء وتنتهي بهذا الصوت، ولأن هذا ~~الصوت نفسه رشيق عذب فيه سذاجة ورقة، ولأنك لا تكاد تمضي في قراءة هذه القصة حتى تجد فيها ~~هذه العذوبة وهذه الرشاقة وهذه السذاجة، ملتئمة أحسن الالتئام مع حقائق الحياة الواقعة وما ~~فيها من خشونة وغلظة وتعقيد. # وإن أعجب لشيء فإنما أعجب لأن هذه القصة لم توقع بعد على الألحان الموسيقية، كما أوقعت ~~من قبل قصص تشبهها كل الشبه. # على أني لا أريد أن أطيل في المقدمات ولا أن أسرف في التحليل، وإنما أسرع بك إلى القصة ~~نفسها، وأعتمد على الترجمة ms153 أحيانا لأدلك على ما فيها من جمال وروعة. ~~••• # نحن في مدينة نيويورك في مكتب الأسقف البروتستانتي «توم أرمسترونج»، وهو شيخ في السبعين ~~من عمره، قد جلس إلى النار يصطليها أول الليل، وحفيدته تقرأ له إحدى الصحف. ونحن نحس أنها ~~تقرأ له هذه الصحيفة في شيء من السأم والضجر؛ لأنها تؤثر أن تتحدث إليه أو تلهو معه بشيء ~~آخر، وآية ذلك أنها لا تكاد تمضي في القراءة حتى تقف سائلة جدها الأسقف: أليس يؤثر على هذا ~~الكلام صوتا من أصوات الفنوغراف؟ ثم تدع الصحيفة وتعمد إلى الفنوغراف فتنطقه بالصوت ~~المعروف: «أتعرف ذلك البلد الذي يزهر فيه البرتقال ...؟!» فما هي إلا أن يظهر الشيخ شيئا من ~~الضيق، ويطلب إلى حفيدته في رفق أن تدع هذا الصوت إلى صوت آخر، فإذا سألته الفتاة عن مصدر ~~هذا الضيق أبى عليها، وأحسسنا نحن أنه لا يكره هذا الصوت ولكنه يشفق من استماعه. # والفتاة لم تدع الصحيفة إلى الفنوغراف إلا لتدع الفنوغراف أيضا إلى الحديث، فهي تريد أن ~~تتحدث إلى جدها في أمر ذي بال، تريد أن تتحدث إلى الشيخ في أمر أخيها الشاب «هنري»؛ فقد ~~أحب هذا الشاب فتاة ممثلة جميلة رائعة الطلعة يتيمة فقيرة سيئة الحظ، وهو يريد أن يتزوجها، ~~وهو يريد أن يتحدث في هذ الزواج إلى جده، ولكنه كلف أخته أن تعد الشيخ لهذا الحديث وقد ~~فعلت. وأقبل الفتى وانصرفت الفتاة، وخلا الشاب إلى جده وذكر له قصته، وأسرف له في الثناء ~~على هذه الفتاة، وأعلن إليه أنه يريد أن يتخذها له زوجا. فيأبى عليه الشيخ في رفق معلنا ~~إليه أنه حدث قليل التجربة، وأن الخير في أن يروى ويفكر حتى إذا كانت السنة المقبلة رأى في ~~ذلك رأيه. وليست السنة المقبلة بعيدة، فستبدأ بعد ساعات لأننا في اليوم الأخير من شهر ~~ديسمبر. ولكن إباء الشيخ يشق على الفتى ويؤلمه، فيقول لجده: لو عاش أبواي الشابان لاستطاعا ~~أن يفهما عاطفة الحب ويقدراها، فقد تقدمت بك السن حتى نسيت شبابك وعجزت عن فهم ms154 عواطف ~~الشباب. # تقع هذه الكلمات في نفس الشيخ موقعا مؤلما، فيدعو الفتى إلى البقاء وكان قد هم ~~بالانصراف، ويأمره أن يحمل إليه صندوقا صغيرا على مائدة في ناحية من نواحي الحجرة، فإذا ~~حمل إليه هذا الصندوق فتحه وأخرج منه منديلا وزهرات من البنفسج قد أتى عليها الدهر فأصبحت ~~هشيما، وبدأ يقص على حفيده قصة هذا المنديل وهذه الزهرات؛ ليثبت له أنه على شيخوخته ~~وتقدم السن به لم ينس شبابه، ولم ينس أنه أحب وألم للحب. وهنا يتحول المسرح وتستخفي ~~الحجرة والشيخ والفتى، وتمثل أمامك القصة التي بدأ الشيخ يقصها على الشاب. ~~••• # فأما الفصل الأول من هذه القصة، فيقع في قصر رجل من أغنياء الأمريكيين حين كان الأسقف في ~~الخامسة والعشرين من عمره. وقد أقام هذا الرجل الغني في قصره حفلا دعا إليه وجوه المدينة ~~وأغنياءها وذوي المكانة فيها؛ ليسمعوا عنده مغنية إيطالية ذائعة الصيت، قد اتخذها ~~الموسيقيان الشهيران «روسيني» و«فردي» ترجمانا لما يضعان من الموسيقى، وهي رائعة فاتنة قد ~~شغف بها من أغنياء أوروبا وأمرائها خلق كثير. وانتهى الأمر بها إلى هذا الغني الأمريكي ~~الذي يتصل بأسرة فرنسية هاجرت إلى أمريكا في آخر القرن الثامن عشر، أحبها هذا الغني وكلف ~~بها كلفا شديدا، فدعاها إلى نيويورك وقدمها إلى وجوه المدينة وعشاق الفن الموسيقي فيها. ~~ونحن نرى قصر هذا الغني مزدحما بمن فيه من الشباب والكهول والشيوخ رجالا ونساء، ونحن نرى ~~ونسمع من عبث الأمريكيين وحوارهم ما يلذ ويضحك وما لا سبيل إلى أن نلم به في هذا ~~الفصل. # ولكني أقف بك عند رجل من الأغنياء قد دعي إلى هذا المحفل فأقبل، وإنه لشديد السخط على ~~القصر وصاحبه ومن فيه؛ هو رجل قد أكل الحقد قلبه، فهو لا يرضى عن شيء ولا عن أحد، وهو ضخم ~~الثروة، ولكنه شديد البخل مسرف في الحرص عظيم الشره، يريد أن يستمتع بكل ما يجد دون أن ~~يعترف بشيء من الاستمتاع. ضاق صدره بالمدعوين، ففر منهم إلى إحدى غرف القصر وأمر الخادم أن ~~يحمل إليه ms155 طعامه وشرابه، فإذا دخل الغرفة نظر فإذا علبة فيها سيجار، فيلقي على هذه العلبة ~~نظرة احتقار وازدراء، ثم لا يلبث أن يتحقق أن ما فيها جيد النوع، فيأخذ واحدا، ثم لا يكفيه ~~ما أخذ فيأخذ طائفة أخرى من السيجار ويدسها في جيبه. ويأتي الخادم وقد حمل إليه من الطعام ~~والشراب ما استطاع، فيلقي إلى ما حمل إليه نظرة ازدراء واحتقار، ثم ينتهر الخادم لأنه لم ~~يحمل إليه إلا قليلا، ويجلس كارها إلى طعامه، ولكنه لا يكاد يذوقه حتى يستجيده فيسرف في ~~الأكل والشرب. # وإنه لفي ذلك إذ يدخل عليه القسيس الشاب «توم أرمسترونج»، وهو - كما قدمت - في الخامسة ~~والعشرين من عمره، جميل الطلعة، واضح الأسارير، ممتلئ نشاطا وقوة، قد عرف بالإخلاص في ~~خدمة الدين، وبالعناية في خدمة الفقراء والبائسين، خفيف الظل، حلو الروح، يحبه صاحب القصر ~~ويرجو أن يزوجه من إحدى قريباته. يدخل هذا القسيس على صاحبنا وهو منهمك في طعامه وشرابه، ~~فلا يكاد يراه حتى ينصرف عما هو فيه من طعام إلى صاحب القصر فينال منه في لفظ منكر قبيح، ~~ويعيب عليه هذه المغنية التي دعا الناس لاستماعها في قصره؛ لأنها خليلته، ولأنها معروفة ~~بسوء السيرة، ويلوم القسيس لأنه يرضى عن هذه الآثام ويقصر في تأدية واجبه الديني، فلا يكف ~~صاحب القصر عن هذه الفضيحة، فيسمع له القسيس. # حتى إذا فرغ من كلامه قال له هذه الجملة التي تعطيك منه صورة واضحة: لمن هذا الطعام الذي ~~تزدرده؟ ولمن هذا الشراب الذي تعب فيه عبا؟ ولمن هذا السيجار الذي تدسه في جيبك؟ أليس ~~هذا كله لصاحب القصر؟! يجيبه الغني: بلى، وأنت ترى أن من واجب القسيس هو أن يأمر الناس ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأخذهم بترك ما يتورطون فيه من شر. يجيبه الآخر: نعم! وإذن ~~فلأبدأ بك، فقد أتيت نكرا لا يعدله نكر حتى اغتبت صاحب هذا القصر على هذا النحو القبيح، ~~وأنت في قصر تأكل من طعامه وتشرب من شرابه! # وهما في هذا الحوار إذ يأتي «دي روشار» صاحب ms156 القصر، فينصرف هذا الغني. ولا يكاد القسيس ~~يخلو إلى صاحب القصر، حتى يبدأ في تأدية واجبه الديني من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. ~~ولكنه يجد في هذا مشقة، فهو يكبر صاحب القصر ويجله، وهو مدين له في مركزه في الكنيسة. على ~~أن هذه المشقة لا تصرفه عن أداء هذا الواجب، فهو يلوم صاحب القصر على ما بينه وبين هذه ~~المغنية من صلة، وصاحب القصر يجيبه معتذرا إليه في شيء من الرفق والفلسفة، والشك في معنى ~~الخير والشر، وقيمة الفضيلة والرذيلة، ويعلن إليه أنه يرى السعادة الحقيقية في حب الخير ~~والجمال والشباب. # وهما في هذا الحوار وإذا المغنية قد فرغت من غنائها وأقبلت يتبعها المعجبون بها، فينصرف ~~القسيس وتخلو هذه المغنية إلى صاحبها؛ ليكون بينهما حوار نفهم منه أن وعظ القسيس قد أثر في ~~نفس هذا الرجل من حيث لم يشعر. انظر إليه يتحدث إلى صاحبته بأنه في الحادية والخمسين من ~~عمره، وأن أسباب اللهو والنعيم قد تقطعت به، وأن الخير إنما هو في أن يستحيل حبهما إلى ~~مودة بريئة. وهي تستمع له راضية حينا وساخطة حينا آخر، غاضبة مرة، مداعبة مرة أخرى، ~~مزدرية لما يقول، حريصة على أن يعدل عنه. ولكنها على كل حال قد رأت القسيس وهو ينصرف فوقع ~~من نفسها، وهي تعلن إلى صاحبها في صراحة أنها تكره البروتستانتية من الموسيقى والبخور ~~والاعتراف، ولكنها تحب البروتستانتية لأن قسسها حسان. وما زالت بصاحبها حتى أقنعته بأنه لم ~~يبلغ الخمسين من عمره وأنه ما زال يستمتع ببقية من شباب، وحتى ضربت معه موعدا للنزهة إذا ~~كانت الساعة الرابعة من مساء، ثم تطلب إليه أن يدعها لتستريح قبل استئناف الغناء وأن يرسل ~~إليها شيئا من الخمر والليمون. # فلا تكاد تخلو إلى نفسها حتى يمر القسيس فتتناوم وتدع رداءها يسقط عنها، وقد نظر إليها ~~القسيس وحدق فيها وكأنها وقعت في نفسه، فيدنو منها في خفة ويعيد إليها الرداء وينصرف، ~~ولكنه لا يكاد يتجاوز الغرفة حتى يسمع صوتها وهي تشكره، وما هو إلا ms157 أن يسمع هذا الصوت حتى ~~يضطرب ولا يدري أيمضي أم يقف؟ فتستوقفه وتستدنيه ويجيبها إلى ما تريد في شيء من الاضطراب ~~والذهول. ويأخذان في الحديث، وإذا هي تخفي على القسيس نفسها وتأخذ في اغتياب المغنية، ~~فيلومها القسيس ويطلب إليها أن تستغفر الله من هذا الإثم، فتأبى فيغضب ويهم أن ينصرف. ولكن ~~الخادم قد أقبل يحمل الشراب، فتطلب إليه أن يصب لها في القدح فيفعل، ثم تطلب إليه أن يصب في ~~قدح آخر فيفعل، ثم تدفع إليه أحد القدحين فلا يستطيع أن يرده، ثم تأمره أن يحدق فيها وتعلن ~~إليه أنها ستحدق فيه وتقترح أن يشربا قدحيهما على هذا النحو، فإذا فرغا من الشرب رأيناهما ~~وقد فتن كل منهما بصاحبه فتنة قوية. فأما هي فتستغفر الله في إثمها حين اغتابت المغنية، ~~وأما هو فيطلب إليها موعدا لأنه يريد أن يراها وأن يتحدث إليها بأشياء كثيرة ما كانت لتخطر ~~له من قبل. وهما في هذا الحوار إذ يقبل صاحب القصر فيراهما على هذه الحال، وهي كالنائمة ~~وهو جاث بين يديها يناجيها. # وأنت تستطيع أن تقدر دهش صاحب القصر حين يرى مكان القسيس من المغنية، وهو الذي كان يلومه ~~فيها منذ حين. تنهض المغنية لتستأنف الغناء، ولكن القسيس يلح عليها في الموعد غير حافل ~~بمكان صاحب القصر، فتضرب له الموعد من الساعة الرابعة من مساء غد، فإذا ذكرها صاحب القصر ~~بأنها قد ضربت له الموعد في هذه الساعة نفسها أجابته: أما موعدك فمؤجل. وتنصرف وقد سقط من ~~يدها منديل، فيهوي القسيس فيأخذه. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني، فنحن في بيت القسيس، في حجرة عمله، نرى عمتيه قد جلستا تتنازعان؛ ~~إحداهما في الثامنة والخمسين، والأخرى في الستين، وكلتاهما قد وقفت حياتها على القسيس لا ~~تدري ماذا تصنع لترضيه وتعنى بطعامه وشرابه ولباسه. والخصومة بينهما في ذلك متصلة مضحكة، ~~ولكنهما رغم هذه الخصومة متفقتان في الألم؛ لأن الشاب قد تغيرت حياته تغيرا شديدا منذ ~~ثلاثة أسابيع، فهو شديد الكلف بهذه المغنية الإيطالية، يقضي معها شطرا من ms158 كل يوم حتى نسي ~~خطيبته، وحتى أخذ الناس يتحدثون عن كلفه بهذه الفتاة، وهما تصليان وتضرعان إلى الله أن يصرف ~~عن القسيس هذا المكروه، وهما تستعينان ب «دي روشار» صديقهما وصديق القسيس وعم خطيبته، وهما ~~تنتظران عودة الشاب بعد حين، ولكنهما لا تعرفان من الذي أرسل هذه الطاقة من الزهر دون أن ~~يرسل اسمه معها، ولا تفهمان لم لا يريد الشاب أن يأخذ الشاي معهما، ولا تعرفان هذا الشخص ~~الذي سيتناول الشاي مع القسيس. # وقد أقبل صديقهما دي روشار؛ قصتا عليه القصة وألحتا عليه في أن يحاول صرف الشاب عن هذه ~~المغنية الأجنبية فيعدهما، وينبئهما بأن الأمر يعنيه كما يعنيهما؛ لأنه يحب القسيس كما ~~تحبانه، ويعلن إليهما أيضا أنه سينتظر الشاب ليتحدث إليه، فتنصرفان عنه. ولا يكاد يخلو إلى ~~نفسه حتى تقبل المغنية فيلقاها دهشا، أما هي فيصيبها شيء من الذهول، ثم يتحدثان فتفهم من ~~حديثهما أن الحب قد اتصل قويا عنيفا بينها وبين الشاب، وأن هذا الحب على قوته وعنفه طاهر ~~بريء، يقوم على أكذوبة أو على طائفة من الأكاذيب، فإن الفتاة لم تستطع أن تنبئ صاحبها ~~بحقيقة أمرها ولا بما تشتمل عليه حياتها من الآثام، وإنما تركته يصورها كما أراد له خياله ~~وحبه، نقية طاهرة مثالا للفضيلة والبراءة والطهر. وهي تستعذب هذا الحب الأفلاطوني، ولا ~~تريد أن تكذب ظن الشاب، ولم تكذب ظنه وستعود إلى أوروبا بعد خمسة عشر يوما، فتنقطع بينهما ~~الأسباب، وتكون قد سعدت في حياتها بحلم لذيذ. ولكن «دي روشار» يلفتها إلى أن الأمر أشد ~~خطرا مما تظن، فالشاب يحبها حقا، وسيطلب إليها أن تكون زوجة وليس إلى ذلك من سبيل، وهو ~~يقترح عليها أن تسافر من الغد وأن تنصرف الآن دون أن تراه، وهي مستعدة للانصراف، ولكن ~~القسيس قد أقبل، وما يكاد يراها وتراه حتى ينسيا كل شيء، وينصرف كل منهما إلى صاحبه. # ويضطر دي روشار إلى أن يدعهما حينا، وهنا موقف بين العاشقين شديد التأثير حقا، فيه لين ~~ودعة وعذوبة، وفيه حب يبلغ ms159 به العنف أقصاه ، ولكنه سعيد كله غبطة وأمل، ثم فيه أمل تتفطر له ~~القلوب وتتفرق له النفوس شعاعا. انظر إليه راضيا مغتبطا شديد الابتهاج بزيارتها إياه، ~~انظر إليه في وداعة الطفل يظهرها على ما في غرفته من متاع، انظر إليه يظهرها على صورة أمه ~~التي ماتت شابة. واسمع له يتحدث عن أمه: يصفها بالجمال وعذوبة الخلق ورضا النفس، واسمع له ~~يذكر أمه وما كانت تشعر به لو أنها رأت صاحبته. ثم انظر إليه يهدي إلى صاحبته عقد أمه، وهي ~~تأخذ هذا العقد وتطوق به جيدها، ثم اسمع لهما يغنيان معا صوتا كانت أمه تغنيه، ثم انظر ~~إليهما وقد نسيا كل شيء وفني كل منهما في صاحبه، وقد أقبل إليها فضمها بين ذراعيه لحظة ثم ~~أطلقها وهو يطلب إليها أن تكون له زوجا. هنا تعود الفتاة إلى نفسها وتذكر حياتها الآثمة ~~ويحس منها هذا، ولكنه قسيس وهو يحب، فما أسرع ما ينتهي به حبه ودينه ومركزه الديني أيضا ~~إلى العفو، فهو ينسى ماضيها، بل يمحوه وهو يلح عليها في أن تكون له زوجا، وهو يعلن إليها ~~مبتهجا أنه سيدعو عمتيه ودي روشار لينبئهما النبأ. # فلا تكاد تسمع اسم دي روشار حتى تضطرب ويريبه هذا الاضطراب. والعجب أنه نسي كل ماضيها ~~وعفا عن آثامها جميعا، ولكنه شديد الحرص على أن يعلم أنه لم يكن بينها وبين هذا الرجل شيء؛ ~~هو يلح عليها وهي تتردد، حتى إذا أشفقت عليه من الحق كذبت وزعمت له أنه لم يكن بينها وبين ~~هذا الرجل شيء، فيستحلفها على التوراة فتهم بإقسام اليمين، ولكن دي روشار قد أقبل، فينبئه ~~القسيس بحبه وخطبته، ولكنه لا يرى منه ابتهاجا فيريبه ذلك. وانظر إليه قد اندفع به الحب ~~والريب، حتى انتهى إلى ذهول يشبه الجنون؛ فهو ماثل أمام هذا الرجل وهذه المرأة يستحلفهما ~~على التوراة أن لم يكن بينهما شيء. فأما الرجل فقد رق له فكذب عليه، وأما المرأة فقد كان ~~حبها من القوة والصدق والإخلاص بحيث حال بينها وبين الكذب ms160 مرة أخرى. فاسمع لها تعلن في ~~صراحة وألم أنها كذبت، وأن هذا الرجل قد كذب أيضا، وأنها كانت خلته منذ سنتين، وأن آثامها ~~في الحياة أكثر عددا من صلوات القسيس، وأنها اتخذت جسمها تجارة، وأنها لا تصلح له زوجا، ~~وأنها تنبئه بهذا كله لأنها تحبه حقا. أما هو فقد فقد رشده أو كاد، وهو الآن جالس ~~مطرق وقد انصرف عنه الرجل، وهمت هي أن تحدثه فلم يسمع لها فتنصرف، حتى إذا سمع الباب يغلق ~~من دونها أغرق في البكاء كأنه طفل. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في الفندق الذي تقيم فيه المغنية، وقد مضت أيام على ما كان ~~في الفصل الثاني. ونحن نرى خادم المغنية قد جلست إلى النار تهيئ طعام سيدتها، وفي الغرفة ~~اضطراب يدل على استعداد للسفر. وأنا أعفيك - كارها - من ضروب الحوار المضحك بين هذه الخادم ~~وأهل الفندق، وأعفيك أيضا من كثير من الحوار اللذيذ، لأنتهي بك مسرعا إلى القصة. # فقد أقبل دي روشار معلنا أن المغنية قد ظفرت في مسرح الأوبرا بفوز لا يشبهه فوز، وأنه ~~ينتظرها في هذه الغرفة، وما هي إلا أن تقبل الفتاة رائعة مروعة أيضا قد أنفقت جهدا عظيما ~~لتخفي ما تحس من ألم، ولتؤدي واجبها في الأوبرا. وقد انتهت من هذا الجهد ووصلت الآن إلى ~~غرفتها، فتستطيع أن تستسلم لآلامها وهي مستسلمة لهذه الآلام. أليست منصرفة عن صاحبها هذا، ~~منصرفة عن خادمها، منصرفة عن هذه الجموع التي أقبلت من الأوبرا تشيعها وتهتف باسمها، منصرفة ~~عن كل شيء، وقد ألقت بنفسها على الأرض مفكرة أو كالمفكرة والناس يحاورونها ويلحون عليها، ~~وهي لا تجيب إلا في كره وسخط. وانظر إليها تنهر خادمها في عنف، ثم لا تلبث أن ترق لهذه ~~الخادم فتقبلها في حنان. وانظر إليها معرضة عن صاحبها، حتى إذا هم أن ينصرف أمسكته، هي ~~ذاهلة لا تفكر إلا في صاحبها القسيس وما بعثت في نفسه من الألم منذ حين، وهي تتحدث بذلك إلى ~~نفسها مرة وإلى صاحبها مرة أخرى، حتى إذا ms161 عجزت الخادم وعجز صاحبها عن تسليتها أو حملها على ~~أن تأكل، انصرفا عنها فخلت إلى نفسها. وما هي إلا أن أقبلت على الصلاة جاثية، ولكن بابها ~~يطرق مرة ومرة ومرة أخرى، فتنهض وتفتح الباب وإذا القسيس مقبل في شكل بشع رائع، مضطرب أشد ~~الاضطراب، ظاهر الذهول، حائر الطرف، لا يكاد يبين، قد جلل الثلج ثيابه، ودلت هيئته على أنه ~~قد هام على وجهه غير قليل، وهو يرتعش من البرد. فإذا سألته فيم أقبل؟ أجابها أجمل جواب ~~وأبدعه وأشده في النفوس تأثيرا، أجابها: لقد خرجت فهمت ساعات لا أدري أين أنا وإلى أي ~~وجه أقصد، ولقيتني فتاة سألتني عن طريقها وكنت أنت هذه الفتاة. منذ ذلك الوقت اختلفت ~~علي صور منك لا تحصى، رأيتك طفلة بائسة تعسة، ورأيتك فتاة تتغنى في الشوارع، ورأيتك باغية ~~تسرف في الإثم، ورأيتك لاهية، ورأيتك جميلة، ورأيتك دميمة، رأيتك في عزة، ورأيتك في ذلة، ~~وأحاطت بي منك صور لا تحصى، ومضيت وهذه الصور من حولي حتى مررت بكنيسة كاثوليكية من ~~كنائسكم، فدخلت وجثيت وصليت وفهمت ... فهمت أني آثم ... آثم حقا، مسرف في الإثم، فهمت أني ~~أشر، فهمت أني مقصر لم أؤد واجبي. كان حقا علي أن أنقذك بعد أن رأيتك فيما رأيتك فيه من ~~إثم وذل وألم، ولكني آثرت نفسي عليك ففررت منك ... نعم فهمت وجئت الآن لأؤدي هذا ~~الواجب. # أما هي، فما كادت تسمع حديثه هذا حتى أخذها شيء من الذهول أشبه شيء بذهول الصوفية. وفي ~~الحق إنها تغيرت تغيرا تاما، وانقطعت الصلة بين حياتها القديمة وحياتها الجديدة. فاسمع ~~لها تهون على صاحبها القسيس وتنبئه بأنه قد بلغ ما كان يريد؛ لأنه قد استنقذها من الآثام ~~وطهرها من الرجس، فجحدت حياتها الماضية وابتدأت حياة جديدة، أو قل: خلعت شخصها الأول ~~واستحالت شخصا جديدا. واسمع له وهو يسألها أن تعده ألا تقوم منذ اليوم على إثم، وألا تكون ~~منذ اليوم أداة لهو وعبث، فتدفع له كتابا قد كانت كتبته فيه هذا الوعد، ولكن قراءة هذا ~~الكتاب ms162 تغير من صاحبنا كل شيء. فانظر إلى نفسه وعواطفه وشهواته الإنسانية، وقد ثارت ثورة ~~عنيفة منكرة، فمزقت ثياب القسيس وألقتها عنه، وإذا هو رجل قائم يحس ويشعر ويحب ويشتهي ويرى ~~أمامه موضوع حبه وشهواته، وإذا هو يعلن هذا إلى الفتاة في عنف ويسرع إليها فيضمها إليه، ~~وإذا هي تضطرب بين ذراعيه اضطراب الطامع المشفق، يرغبها حبها في الإسماح، ويصرفها ما نذرت ~~عن اللهو، وإذا هي تضرع إليه أن يخليها، وترغب إليه في ألا يكون كغيره من الناس وألا يتخذ ~~جسمها كما اتخذوه متاعا. وإذا هي تعلن إليه في ضراعة وإشفاق ورهبة أن أمرها بين يديه، إن ~~شاء تركها صالحة وإن شاء ردها إلى حيث كانت من الإثم والفساد. وإذا كلماتها ورغبتها ~~وإشفاقها تؤثر في هذا الرجل، فتنطلق ذراعاه عنها قليلا قليلا. وإذا هو جاث مطرق مغرق في ~~تفكير عميق، ولكن الليل انتصف وابتدأت السنة ودقت أجراس الكنائس، وانطلقت بالصلوات ألسنة ~~المؤمنين. وكأن هذا كله قد انتهى إلى القسيس فأيقظه من نومه، فينهض متثاقلا، ويمر يده على ~~جبينه، يعتذر ويستأذن في الانصراف ليلحق بالمصلين. وانظر إليه يخرج متثاقلا، وإن الظلمة ~~لتنشر في الغرفة شيئا فشيئا حتى تغمرها وتخفي فيها كل شيء. وإذا المسرح يتغير فجأة كما ~~تغير في أول القصة، وإذا نحن في حجرة الأسقف حين تركناه في أول القصة يقص على حفيده ما كان ~~من أمره في شبابه، والفتى يسأله: ثم ماذا كان من أمر هذه المغنية؟! فيجيبه: لم أعلم من ~~أمرها شيئا، إنما قصصت عليك هذه القصة لتعلم أن تقدم السن بي لم ينسني أني كنت شابا وأني ~~قد أحببت، ففكر في أمر زواجك قبل أن تقدم عليه، وادع لي أختك فإنها لم تتم لي قراءة ~~الصحيفة. # ويخرج الفتى، فيدعو أخته فتقبل وتستأنف القراءة، فإذا هي في الأخبار البرقية، وإذا هي ~~تقرأ هذا العنوان: موت مغنية شهيرة «كافاليني». فإذا سمع الأسقف هذا الاسم اضطرب قليلا، ~~وطلب إلى الفتاة أن تقرأ، فتقرأ أن هذه المغنية التي ماتت قد انقطعت عن ms163 الغناء وانصرفت عن ~~المجد وزخرف الحياة في ريعان شبابها منذ سنة 1873، ووقفت ثروتها الضخمة على أعمال البر. وإن ~~الفتاة لتقرأ وإذا الأجراس تدق، فقد انتصف الليل وابتدأت السنة. وألقت الفتاة صحيفتها، ~~وتقبل على جدها تهنئه وتقبله، ولكنها ترتد عنه قائلة: أرى خدك مبتلا! ... وخدك الآخر ... إنك ~~تبكي ... كلا يا ابنتي، ولكن أين أخوك؟ فتدعو له الفتى، فإذا أقبل مهنئا دفع الشيخ إليه ~~الصحيفة وقال له: اقرأ هذا. فإذا حاول الفتى أن يظهر شيئا من الدهش دعاه الشيخ إلى الصمت ~~قائلا: أتذكر صاحبتك الممثلة، اتخذها زوجا. وإنه ليقول ذلك وإن القصة لتنتهي، بينما تصل ~~إلى الآذان من بعيد جدا أنغام هذا الصوت الذي سمعناه أول القصة. ~~«أتعرف ذلك البلد الذي يزهر فيه البرتقال ...؟» # نوفمبر 1926 # | أنتوانيت سابرييه # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «رومان كولوس» # مثلت هذه القصة لأول مرة في أكتوبر سنة 1903، وما يزال الممثلون يلعبونها إلى الآن. وأكبر ~~الظن أنهم سيلعبونها زمنا طويلا أيضا؛ ذلك لأنها من القصص التي تعجب جمهور النظارة وتأخذ ~~عليهم قلوبهم وألبابهم، وتثير في نفوسهم من العواطف ما يدفعهم إلى تشجيع الممثلين على ~~الاحتفاظ بها وإعادة لعبها من حين إلى حين. # والحق أنك لا تكاد تمضي في قراءة هذه القصة حتى تلاحظ أمرين مختلفين، ولكنهما خليقان ~~بالإعجاب، كفيلان بأن يطول بقاؤها في ملاعب التمثيل؛ أحدهما أن الكاتب قد راعى حين وضعها، ~~لا أقول أصول الفن، وإنما أقول أصول المنطق ونظام التفكير الإنساني، مراعاة دقيقة جدا. ~~فأنت تنتقل بين مناظرها وفصولها، كما تنتقل بين قضايا القياس المنطقي المتقن. قد وضع كل شيء ~~فيها موضعه، لا يستطيع أن يتجاوزه ولا ينبغي له أن يتقدم أو يتأخر. وأنت لا تفرغ من قراءة ~~منظر حتى تتوقع المنظر الذي يليه، وما تزال كذلك طوال الفصل الأول وطوال الفصل الثاني، حتى ~~إذا كدت تفرغ منه فجأتك المصادفة التي لم تكن تنتظر والتي لم يكن منها بد لتنشأ المشكلة ~~التي تدور حولها القصة. فإذا كانت هذه المصادفة، فقد نشأت هذه المشكلة وتعقدت وانتهت إلى ms164 ~~أقصى ما كان يمكن أن تنتهي إليه من العنف والشدة. ولكننا نعود في الوقت نفسه إلى هدوء ~~المنطق، وتتصل الحوادث أمامنا مطردة مستقيمة يتبع بعضها بعضا وينتج بعضها من بعض، حتى ~~تنتهي إلى نتيجتها الطبيعية المعقولة، وهي نتيجة محزنة، يألم لها الجمهور، ويعجب بها، ويحرص ~~على أن تتكرر أمامه في الملاعب. # هذا أحد الأمرين. الأمر الثاني: أن القصة كلها صراع عنيف بين طائفة من العواطف والواجبات، ~~قد ألفها أوساط الناس واطمأنوا إليها وتعودوا أن يقبلوها كما هي لا يضعونها موضع المناقشة ~~والجدال. فمما يعجبهم أن يظهر الكاتب هذه العواطف والواجبات وقد اصطدمت وتناقضت ووقف بعضها ~~من بعض موقف الحرب والخصومة القوية. فنحن نرى في القصة صراعا بين الحب والصداقة، وبين الحب ~~والواجب، وبين الصداقة والواجب، وبين الحب المشروع والحب الذي لا يبرأ من الإثم والخيانة، ~~وبين الوفاء الزوجي وهذا الحب الأثيم، ثم بين الشرف والمنفعة، ثم بين الشرف والحب والحياة. ~~وكل هذه العواطف والواجبات قد مثلها الكاتب تمثيلا قويا صادقا، وتخير لها أشخاصا ~~يتقمصونها تقمصا، إن راقك هذا التعبير. ونحن نلذ أن نرى هؤلاء الأشخاص يختصمون ويجاهد ~~بعضهم بعضا، ويجاهد كل واحد منهم نفسه. ونحن نقف أمام النتيجة الأخيرة لهذا كله موقف ~~المطمئن المستسلم الذي يقول مع الشاعر العربي القديم: «لا بد مما ليس منه بد.» والذي يستطيع ~~في الوقت نفسه أن يمضي إلى ما وراء القصة ويعرف ما يتم بين هؤلاء الأشخاص من توادع وتراض ~~يقومان على الحزن والاستسلام لهذه القوانين الصارمة التي تدمر حياة الإنسان. # فإذا أضفت إلى هاتين الخصلتين خصلة ثالثة؛ هي الإتقان الفني من الناحية الكتابية الصرفة ~~وحسن تخير الألفاظ والمهارة في تدبير الحوار، استطعت أن تتبين السر في أن هذه القصة لم ~~تتجاوز شبابها بعد وإن كانت قد نيفت على العشرين. # ولنبدأ في تحليلها كما تعودنا البدء في تحليل هذه القصص بعرض أشخاصها عليك في إيجاز لأنهم ~~كثيرون. # أول هؤلاء الأشخاص وأحقهم بالعناية، هي بطلة القصة التي سميت باسمها، وهي «أنتوانيت ~~سابرييه». نعرفها ولما نقرأ ms165 من القصة أسطرا، ونعرف في الوقت نفسه أنها امرأة قوية الشخصية؛ ~~لأنها بثت الحسد من حولها، وأطلقت ألسنة النساء بالقول المختلف في سيرتها وحظها ووفائها وما ~~يتصل بذلك. وهي في حقيقة الأمر امرأة قوية الشخصية، عظيمة الحظ من الإرادة، قادرة كل القدرة ~~على أن تضبط نفسها وتسير سيرة تلائم الواجب والخلق ومكانتها الاجتماعية الرفيعة، وإن لم ~~تلائم مثلها الأعلى في الحياة وحاجتها إلى ما يطلب النساء من اللذة ونعيم العيش. هي متوسطة ~~السن، ليست شابة ولكنها محتفظة بجمال الشباب وروعته وقوته أيضا. خفيفة الروح، جذابة، راجحة ~~الحلم، يظهر عليها الهدوء والرزانة والرضا، ولكن قلبها جذوة من النار مضطرمة أشد الاضطرام، ~~وقلما يحس ذلك أحد غيرها. وهي كما قدمنا مالكة لهذا القلب، قادرة على تصريفه كما تحب وحيث ~~تحب، إلا أن يعرض لها شخص آخر أشد منها قوة وأبعد منها أثرا. # تزوجت من رجل يشبهها من بعض الوجوه ويخالفها من بعضها الآخر، وهو «جرمان سابرييه»؛ قوي ~~الإرادة مثلها، متقد القلب مثلها، ضابط لنفسه مثلها أيضا، ولكنه قد عرف طريقه فمضى فيها ~~اندفاعا، وأذعن له الفوز في كل ما حاول من الأمر. كان ضئيلا فقيرا يعمل في سوق الأوراق ~~المالية، فما هي إلا أن اندفع في هذا الطريق حتى أصبح من كبار الماليين في أقل من عشرة ~~أعوام. وهو اليوم زعيم من زعماء المصارف، وملك من ملوك البورصة، يتقرب إليه الناس ويتهالكون ~~عليه ويحسدونه ويتربصون به المكروه. وهو مطمئن إلى حظه، واثق بالمستقبل، لا يشفق ولا يخاف، ~~ولا يتردد ولا يحسب إذا أراد أن يقدم على شيء. وهو يحب امرأته حبا قويا حادا، ولكنه ~~غريب؛ فهو لا يظهر لامرأته هذا الحب على النحو المألوف، وإنما هو مقتنع بأنه يرضي امرأته ~~وعواطفها وميولها إذا أغناها وضمن لها حياة مترفة خلابة تبعث الحسد وغبطة النساء. وهو يخيل ~~إليه أنه مصيب من حب امرأته ما أراد، لا يسأل نفسه أراضية هي أم ساخطة؟ أقانعة أم ~~محرومة؟ # وبين هذين الزوجين شخص ثالث هو «دوراي»، متقدم في ms166 السن بعض التقدم، قوي الإرادة جدا، ~~قادر على ضبط نفسه، في قلبه جذوة تضطرم من الحب، ولكنه قد سيطر عليها واستطاع أن يلطفها حتى ~~يجعلها جذوة وفاء ومودة بريئة طاهرة. أحب «أنتوانيت» وحاول أن يظفر بحبها فلم يوفق، ولكنه ~~ظفر منها بالمودة فقنع، ورضي من حياته بساعات ينفقها من كل يوم مع هذه المرأة في حديث بريء ~~ونصح ومودة راضية، يجدان في هذا كله لذة لا تشبهها لذة. وانطلقت ألسنة الناس فيهما بألوان ~~القول، ولكنهما لا يحفلان بذلك، ولا يحفل بذلك الزوج نفسه لأنه شديد الثقة بامرأته، شديد ~~الثقة بصديقه. # ولهذا الصديق أخت شابة هي «إيلين» رائعة الجمال، خلابة المنظر، شديدة التسلط، قوية ~~الإرادة، مضطرمة المزاج، قد بلغت العشرين من عمرها، وليس لها إلا أخوها هذا، فهو يقوم منها ~~مقام الأب والأم والمربية، حتى تظفر بما يليق بها في الزواج. وهي تحب رجلا ليس أقل من ~~الذين تقدموه قوة إرادة ولا حدة عاطفة، ولا اضطرام قلب، هو «رينه دانجين»، غني، ضخم الثروة، ~~وسيم الطلعة، محبب إلى النساء، بعيد الأثر في نفوسهن، مفتون بالأدب والفن والقراءة، منصرف ~~عن حياة أبيه الصناعية المالية، قد أغضب أباه إغضابا شديدا، وانقطع عما يتردد عليه أمثاله ~~من الأندية ومجالس اللهو والعمل. تحب الفتاة هذا الرجل، وهو يظهر لها ميلا شديدا تحسبه ~~الحب وليس هو من الحب في شيء، إنما هو من العطف والمودة والأنس إليها. # هؤلاء هم أشخاص القصة، أو قل أبطالها كما تعود نقاد التمثيل أن يقولوا. ومن حولهم أشخاص ~~كثيرون قد اختطفهم الكاتب اختطافا، ولمح لك بصورهم النفسية تلميحا، فبلغ في ذلك ما شاء من ~~الإجادة والإتقان: منهم هذه المرأة الباريسية التي نجدها في أول القصة تتحدث إلى زوجها ورجل ~~آخر في دعابة ودل باريسيين، وهي تطلق لسانها في «أنتوانيت» وزوجها وصديقها، وهي تظهر غيرة ~~على الفضيلة والشرف والعفة والوفاء، ولكنها لا تكاد تلمح الرجل الذي يعجبها حتى تبتذل هذا ~~كله ابتذالا وتنزل عنه في ابتسامة أقل ما توصف به أنها تحمل على ms167 الابتسام. # ومنهم هذا الصحفي الذي حملته صناعته على أن يتتبع مثالب الناس ويلم بدخائلهم، حتى أصبح ~~صاحب الفتوى في هذا النوع من الغيبة، يلجأ إليه المغتابون ليجدوا عنده ما يحتاجون إليه من ~~ألوان الطعن والتشنيع. وهو على هذا كله يحاول أن يكون رجل جد وصدق ووفاء بالمودة، فإذا سئل ~~عن مثالب «أنتوانيت» أعلن في حزم أنه لا يعرف عنها إلا خيرا. ولكنه لا يكاد يتبين الإغراء ~~في عين محدثه حتى ينسى الجد والصدق والوفاء ويقع في «أنتوانيت» بما تشاء صاحبته من الطعن ~~والثلب. # ومنهم هذه الصديقة الوفية التي تخلص لصديقتها الحب والمودة وتنصح لها جادة رفيقة، ولكنها ~~أضعف من أن تنصر الواجب وتمضي في نصره إلى النهاية، فهي لا تكاد ترى صديقتها مبتهجة سعيدة ~~بهذا الحب الآثم حتى تدعها وما تريد طالبة إليها ألا يصرفها الحب عن مودتها. # ومنهم هذا الشخص الأخير الذي نلم به إلمامة قصيرة لأنه شائع بين الناس في جميع أطوارهم ~~وبيئاتهم، هذا الذي يحبك ويقدم إليك ما تحتاج إليه من معونة وتأييد؛ لأن له عندك حاجة، فإذا ~~لم يظفر منك بما يريد تخلى عنك في سهولة وقسوة لا يحفل من أمرك بشيء، وربما استحال عدوا ~~لك لا يرضيه إلا أن تنزل بك النازلة، لا يتأثر في شيء من ذلك بخلق ولا واجب ولا رحمة ولا ~~شيء من هذه العواطف التي يتأثر بها أخيار الناس. # هؤلاء هم أشخاص القصة أو هم كثرة هؤلاء الأشخاص، وأحسبني أستطيع بعد ذلك أن ألخص لك. ~~وأحسبك تستطيع أن تفهم هذا التلخيص الموجز في غير مشقة. ~~••• # نحن في ضاحية من ضواحي باريس، في قصر فخم، قد استأجره الزوجان ليقضيا فيه الصيف. وهما ~~يحتفلان هذا اليوم بعض الاحتفالات التي يقيمها الأغنياء، وقد دعي إلى هذا الاحتفال سراة ~~باريس وأصحاب المكانة فيها، ومعهم النساء الحسان يفتن الناس بجمالهن ودعابتهن وتنطلق ~~ألسنتهن بما فيه لذة وسحر. # ولا يكاد يرفع الستار عن هذا الفصل حتى نرى هذه المرأة الباريسية بين زوجها وصديقه، تتحدث ~~إليهما في أمر ms168 الزوجين، فتقع في الرجل بأنه موفق في حياته المالية وأنها تكره الموفقين ~~وتشبههم باللصوص، وتقع في المرأة بأنها آثمة تعين زوجها بالإثم على ما يسعى إليه من ثروة، ~~فينكر عليها الرجلان هذا. ويأتي الصحفي فيستفتونه جميعا في أمر «أنتوانيت» فيجيبهم بالخير، ~~ولكنه لا يكاد ينظر في عين صاحبته حتى يرى الإغراء والإطماع، فيتحول عن الوفاء ويقع في ~~«أنتوانيت»، وبعد أن كان يريد أن ينصرف إلى صحيفته لأداء عمله نراه يؤثر البقاء ويكتفي ~~بالتليفون. # ونحن نرى المدعوين يترددون في القصر وحديقته يقف كل فريق منهم وقفته على المسرح، يتحدثون ~~أمام النظارة وقتا قصيرا ليبينوا فيه بعض ما قدمت لك من نفسية هؤلاء الأشخاص ~~جميعا. # فلنمر بهذا الفصل لا نقف منه إلا عند منظرين أو ثلاثة لا بد من الوقوف عندها حينا. نقف ~~عند هذا المنظر الذي يمثل لنا «أنتوانيت»، قد أقبلت على صديقها «دوراي» مضطربة كأنها تلتمسه ~~لتشكو إليه بعض الأمر، فيسألها فتتردد، ثم تخبره في استحياء بأن «جاماني» هذا المالي العظيم ~~الذي لا بد لزوجها من معونته قد أرادها على السوء فامتنعت عليه في رفق، فانصرف مغيظا ~~محنقا. ونقف عند هذا المنظر الذي يمثل لنا «دوراي» وهو يقدم صديقه «رينه دانجين» إلى صاحب ~~القصر، ويمثل لنا صاحب القصر وهو يعرض على هذا الرجل الاشتراك معه في بعض الأعمال المالية ~~فيعتذر إليه. ثم نمر مسرعين بهذا المنظر الذي يمثل لنا «أنتوانيت» وقد لقيت هذه المرأة ~~الباريسية التي رأيناها في أول القصة ومعها صاحبها الصحفي قد استسلم لها استسلاما، فيقع ~~بين المرأتين حوار فيه الحسد والتعريض المر، وفيه من ناحية «أنتوانيت» الدفاع عن النفس في ~~رشاقة وترفع. ثم تخلو «أنتوانيت» إلى صديقتها فتتحدثان، فنفهم من هذا الحديث أنها لا تحب ~~زوجها ولا تظفر عنده بما تريد. ولكنها مع ذلك حريصة على الوفاء له، لم تخنه ولن تستطيع أن ~~تخونه، وهي تعاشره وتشاطره الحياة، وإذا قدر لها أن تظفر بالحب فلن تذوق لذته حتى تقطع ~~الصلة بينها وبين زوجها. ثم نقف آخر الأمر ms169 عند هذ المنظر الذي يمثل لنا «أنتوانيت» وقد لقيت ~~«رينه دانجين»، فلم يكادا يتحدثان حتى وقع من نفسها ووقعت من نفسه، وكان بينهما هذا الحب ~~الفجائي الذي يسميه الفرنسيون «وقع الصاعقة» وإذا هما مضطربان أشد الاضطراب، يقع بينهما ~~حوار قصير يريدان أن يتناولا به كل شيء فلا يتناولان فيه إلا أنفسهما وسوء حظهما فيما مضى ~~من حياتهما، وينتهيان وقد تواعدا على المودة. ~~••• # وتمضي ثلاثة أشهر، ويرفع الستار عن الفصل الثاني. فإذا نحن في القصر نفسه آخر النهار، وقد ~~جلست «أنتوانيت» إلى منضدة ترتب طائفة من الأوراق، ودخلت عليها صديقتها التي رأيناها في ~~الفصل الأول، فتسأل «أنتوانيت» فيم كتبت إليها تدعوها لزيارتها، وتجيبها «أنتوانيت» بما كنا ~~نتوقعه في آخر الفصل الأول من أنها قد أحبت صاحبها حبا لا تجد إلى مقاومته سبيلا، وأحبها ~~هو كذلك، وانتهى هذا الحب إلى نتيجته الطبيعية، وهي أنهما قد اعتزما السفر من فرنسا إلى حيث ~~يجدان الحرية، وهي لم تخن زوجها بعد، وما ينبغي لها أن تخونه، وهي تعاشره وتعيش في بيته، ~~فإذا ذكرت لها صديقتها أن هذا لا يعفيها من الإثم، فهي مدينة لزوجها بالوفاء حتى يطلقها، ~~وزوجها يحبها وهو لم يسئ إليها، وليس من حقها أن تؤذيه أو تسوءه، أجابت بلسان هذا الحب ~~القوي الآثم أن زوجها لن يطلقها إن طلبت إليه ذلك، وأنها هي لا تحبه، وهي تحب هذا الرجل، ~~ولها حقها في الحياة ولذاتها، فما ينبغي لها أن تضحي بنفسها وصاحبها في سبيل هذا الزوج الذي ~~لا تحبه. # وفي الحق أن الحب قد فتن هذه المرأة، وانتهى بها إلى هذه الأثرة التي ينتهي إليها العشاق ~~عادة، فهي تضحي بزوجها وصديقها «دوراي» وأخته «إيلين» التي تحب هذا الرجل، ولا عذر لها في ~~ذلك إلا أنها تحب، وأن صاحبها يحبها، وأنها كانت تنتظر هذا الحب، فما ينبغي أن تمتنع عليه ~~وقد أتيح لها. وصديقتها تسمع هذا فلا تقتنع به، ولكنها مترددة بين الدفاع عن الواجب ~~والاحتفاظ بمودة صديقتها، فتستسلم وتتمنى لصديقتها التوفيق. # ولئن ضعفت ms170 هذه الصديقة عن أن تقف في وجه الحب الآثم وتحتمل ثقل الدفاع عن الواجب، فلن ~~يضعف عن هذا صديقها «دوراي»، فقد أقبل ومعه أخته. فما هي إلا أن يخلو إلى صاحبته ويتبين ما ~~عزمت عليه حتى ينفجر انفجارا: يلوم صاحبته لوما عنيفا؛ لأنها تضحي بزوجها، ولأنها تضحي ~~به هو، ولأنها تندفع مع الأثرة إلى غير حد، وهو يرعد حينا ويستعطف حينا آخر، ويستسلم مرة ~~أخرى إلى البكاء. # ولكن الانتصار على هذا الرجل يسير، فهو متهم في غضبه للواجب ودفاعه عنه، هو لا يدافع عن ~~الزوج ولا عن الزواج، وإنما يدافع عن نفسه لأن صاحبته انصرفت عنه، وستدعه وتنصرف إلى حيث ~~تستثمر الحب في دعة وأمن، في حين يشقى هو بالوحدة والأسى والحرمان. # هو يدافع عن نفسه، وإذن هو أثر، وإذن فليس هو بالصديق حقا. ولو كان صديقا حقا لقبل ~~التضحية في ألم طبعا، ولكن في رضا وإذعان، وما أسرع ما تنتصر عليه وتلزمه الحجة، وقد ~~تقدم إليها وانصرف الزائرون، وأقبل حبيبها فاتفقا على أن يفرا بعد حين قصير، ينتهزان غيبة ~~زوجها في لندرة ويمضي بهما الأتومبيل إلى حيث يركبان السفينة إلى أمريكا. ويدعها صاحبها على ~~أن ينتظرها أمام القصر، وهي تدعو خادمتها فتصدر إليها أوامر قصيرة تتصل بهذا السفر ~~وتصرفها. # وانظر إليها قد نهضت وتهيأت للخروج إلى حيث ينتظرها صاحبها وهي تلقي بنظرة وداع على ~~الحجرة وما فيها. وإذن فسيظل الواجب مهيضا وسينتصر عليه الحب الآثم! وستمضي هذه المرأة مع ~~رفيقها وسيعود الزوج فيرى نفسه في هذا القصر وبين هذا الترف وحيدا. يتقوض من حوله كل شيء؟ ~~... كلا! وما الذي يمنع الصداقة أن تدافع عن هذا الواجب؟ انظر إلى صاحبتنا تخطو لتخرج من ~~الحجرة، ولكنها تصيح وتتراجع مذعورة، لأنها رأت رجلا وهذا الرجل هو زوجها، وقد أقبل من ~~لندرة قبل ميعاد العودة. # ولكن انظر إليه إنه مضطرب قد انهدت قواه وفقد ما كان يمتاز به من شدة وصلابة وثقة بنفسه ~~وبالدهر، وامرأته تسأله: فيم عجل هذه العودة؟ وهو يتردد في ms171 إجابتها، حتى إذا وجد القوة على ~~الكلام أخبر امرأته بأنه في ضيق مالي منكر؛ لأن شركاءه قد أسلموه وأجمعوا على خيانته. وكان ~~زعيم هذه الخيانة «جاماني» الذي رأيناه في الفصل الأول يريد أنتوانيت على السوء وينصرف ~~محنقا لأنها امتنعت عليه. والرجل لا يتبين سبب هذه الخيانة، أما نحن فنعرفه حق المعرفة. ~~ومهما يكن من شيء فإن صاحبنا مضطر إلى نصف مليون من الفرنكات يجب أن يؤديه بعد ثمانية أيام، ~~وقد سلك إلى هذا المقدار كل سبيل فلم يظفر به. وهو إن لم يؤده مفلس ثم مقبوض عليه ثم ملقى ~~في غيابات السجن. # يقص هذا كله على امرأته وهي تسمعه في شيء يشبه الهدوء، ولكنه يدل على ثورة عنيفة داخلية. ~~وانظر إليها وقد تغيرت تغيرا تاما، فهي تشجع زوجها وتنصح له بالجلد والمضي في الجهاد، ~~وتعلن إليه أن ثمانية أيام ليست بالشيء القليل، وأنه واجد فيها مخرجا من هذا الضيق. ويقع ~~هذا الكلام من قلب الرجل موقعا حسنا، ويمنحه قوة وجلدا فيعد باستئناف الجهاد. وانظر إليه ~~وقد نهض قويا مستعدا للحرب، وانصرف إلى باريس وترك زوجه في شيء يشبه الذهول. ينصرف ~~الرجل وتغلق الباب من ورائه، وإذا صديقها قد أقبل يتعجلها، فتعلن إليه أنها لن تسافر الآن، ~~ويكون بينهما حوار عنيف، نفهم منه أن هذه المرأة كانت تظن أنها ستدع زوجها غنيا قويا ~~يستطيع أن يتعزى عن الحب بالثروة والقوة. فأما الآن وقد أعدم وضعف فلا تستطيع أن تدعه. وهي ~~تحب صاحبها، ولكنها تطلب إلى هذا الحب أن يمهلها حتى يسترد زوجها قوته وثروته. ولكن الحب ~~عجل لا يمهل، وصاحبها يعلن إليها في عنف أنه منصرف عنها إلى حيث لن تراه، وأنها لم تحبه كما ~~يحبها. وانظر إليه وقد ولى منصرفا، واستولى الجزع على هذه المرأة، فهي لعبة بين الحب ~~وشهوته، وبين الواجب وأمره الذي لا يرد. إنها تدعو صاحبها ملحة عليه، فإذا أقبل عليها تضرعت ~~إليه في أن يبقى فيأبى، وإذا هي قد غيرت من خطتها فجأة وضحت بالأمانة الزوجية ms172 في سبيل الحب ~~من ناحية وفي سبيل الوفاء لزوجها والإشفاق عليه من ناحية أخرى، وإذا هي تلقي بنفسها بين ~~ذراعي صاحبها وقد استسلمت للإثم. ~~••• # وتمضي من الأيام الثمانية سبعة ولم يجد الرجل لنفسه مخرجا من ضيقه. ونحن الآن في مصرفه ~~وقد أقبل يائسا مستسلما مستعدا للإفلاس والمحاكمة والسجن، وأقبل عليه صديقه «دوراي» ~~ينبئه بأنه قد سعى عند كثير من الماليين فلم يوفق لشيء، ولكنه وفق أخيرا لرجل لا يعمل في ~~المال ولا في البورصة، ولكنه مستعد لتقديم هذا المقدار، وسيأتي بعد حين ليعرض المال على ~~صديقه. وهذا الرجل هو «رينيه دانجين»، فإذا سمع صاحبنا اسم هذا الرجل أخذه غضب شديد وأعلن ~~أنه لن يقبل منه هذه المعونة، فإذا دهش صديقه لذلك أعلن إليه بعد تردد أن هذا الرجل قد أكثر ~~التردد على قصره والتقرب من زوجه وقد عرف الناس ذلك وتحدثوا به، فإذا عرف الناس أنه قد ~~أعانه فسيتحدثون أنه قبل هذه المعونة ثمنا لما بين الحبيبين من صلة. وهنا يغضب «دوراي» ~~ويقف موقفا بديعا في الدفاع عن «أنتوانيت»، فهو مؤمن بطهارتها، مؤمن بأنها لم تخن زوجها ~~وما كانت لتخونه حتى تفارقه، وهو يمضي في هذا الدفاع إلى أبعد حد ممكن، فيعلن إلى صديقه أنه ~~إن كان قد وصل إلى هذا الحد من الضيق فذلك لأن امرأته امتنعت على «جاماني»، ويعلن إلى صديقه ~~أنه هو قد حاول أعواما أن يصل إلى «أنتوانيت» فلم يظفر منها بشيء. وقد كاد يقنع صديقه ~~ببراءة زوجه وطهارتها، وكاد يقنعه بأنه يستطع أن يقبل هذه المعونة، وقد دعا الخادم وأمره أن ~~يتحدث إلى زوجه في التليفون يطلب إليها أن تحضر. وأقبل الرجل يعرض معونته، فإذا خلا إلى ~~صاحبنا طلب إليه هذا: أتستطيع أن تقسم لي بشرفك أني أستطيع أن أقبل هذه المعونة منك دون ~~غضاضة أو تعرض للدنية؟ فيقسم له ويهيئ «الشيك» ويهيئ هو صكا بهذا المقدار. # وتقبل «أنتوانيت» فينبئها بأنه قد أخفق في سعيه كله، ولكن هذا الرجل يعرض عليه ما هو في ~~حاجة ms173 إليه، فتحاول أن تشكر الرجل مضطربة وقد تم كل شيء، ولم يبق إلا أن يمضي صاحبنا الصك. ~~ولكنه يتجه إلى امرأته وصاحبه قبل أن يمضي ويسألهما في قوة وإلحاح: أيمضي هذا الصك؟ فأما ~~الرجل فيجيبه: نعم، وأما المرأة فيأخذها الإغماء، وأما صاحبنا فقد فهم كل شيء. وانظر إليه ~~محنقا قد ألقى ما في يده وأخذ ينتهر الآثمين بشدة وعنف، وما زال بالرجل حتى أخرجه، وهو ~~الآن أمام امرأته وحدها يأمرها أن تنصرف فتستعطف، فلا يزيده استعطافها إلا سخطا وحنقا. ~~ومع ذلك فالرجل في محنة منكرة، وقد جاهد أسابيع وضعف عن المقاومة، وهو في حاجة إلى من ~~يؤيده ويشد أزره ويعينه على هذه الأيام المرة التي يستقبلها. فانظر إليه وقد عفا أو كاد ~~يعفو عن امرأته، ولكنه يريد منها أن تنصرف عن هذا الرجل وتنساه وتبقى له هو وحده ويسألها ~~أتستطيع ذلك؟ فلا تجد إلى جوابه سبيلا، فإذا ألح عليها في السؤال عرف منها أنها لا تستطيع ~~... فانظر إليه ضعيفا مستسلما مغضبا مع ذلك شريفا، يطرد زوجته وهي تأبى عليه، وتعرض عليه ~~ما تستطيع من أن تعيش معه حليفة معينة ولكن في غير حب، لأنها لا تملك هذا الحب ولا تستطيع ~~إخضاعه لإرادتها، وهو يأبى عليها ويلح في طردها، فتنصرف معلنة إليه أنها ستنتظره في البيت، ~~فإذا تركته نهض إلى أبواب الغرفة فغلقها، ثم يعود إلى مكتبه ويخرج منه مسدسا ويرتب طائفة ~~من الأوراق وقد طرق الباب، فكان جوابه طلقة المسدس الذي تختم به مثل هذه القصص. # يناير سنة 1927 # | الشاب الجميل # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «ألفريد كابو» # هي إحدى هذه القصص التي يتقنها كبار الكتاب الفرنسيين، والتي تقرءها أو تشهدها فتشعر ~~بشيء كثير من الراحة لقراءتها أو رؤيتها، وتشعر بأن الكاتب لم يتكلف جهدا ولا مشقة حين ~~كتبها. بل تشعر بأن الكاتب قد استراح إلى كتابتها، ووجد من اللذة في تنسيق فصولها ومناظرها ~~مثل ما تجد أنت في قراءتها أو النظر إليها. بل تشعر بأن الكاتب قد ابتسم عندما خطر ms174 له ~~موضوعها، ونشط للكتابة في هذا الموضوع فأخذ قلمه باسما، وظل يكتب باسما، وانتهى من ~~الكتابة ولم تفارقه بسمته، أو قل: انتهى من الكتابة وهو يضحك. # على أنك تشعر فوق هذا كله بأن ابتسامة الكاتب وابتسامتك أنت حين تقرأ القصة أو تشهدها، ~~ليست ابتسامة حلوة كلها، وإنما تشوب حلاوتها مرارة ما. ليست ابتسامة عبث، ولا ابتسامة ~~سخرية، وإنما هي إحدى هذه الابتسامات التي لا تمثل الأمرين جميعا: فيها العبث لأن بين ~~الأشخاص وفي أخلاقهم وحركاتهم ما يدعو إليه، وفيها السخرية لأن في هذه الأخلاق والحركات ما ~~يحمل الرجل المستقيم ذا المزاج المعتدل على أن يهز كتفيه. وفيها إلى هذا العبث وهذه السخرية ~~شيء من الألم الهادئ، والأمل الذي يخلق بالفيلسوف؛ لأن هذه الأخلاق والحركات - على أنها ~~خليقة بشيء من الازدراء وعلى أنها شائعة وعلى أنها قوام الحياة - ليست خالدة جامدة، ولا ~~عسيرة مستعصية على الإصلاح؛ فهي منكرة بعض النكر، ولكنها قابلة لأن يعتدل منحرفها ويستقيم ~~بعض ما فيها من العوج. # تجد هذا كله حين تقرأ القصة أو تشهدها، وتشعر بشيء من الغبطة والرضا والحاجة إلى أن تشكر ~~للكاتب أنه قد أرضاك وألهاك دون أن يثير في نفسك هذه الانفعالات الحادة التي تثيرها القصص ~~المحزنة، ودون أن يسلط عليك هذا الضحك العنيف الذي تبعثه القصص المضحكة بالمعنى الذي يفهمه ~~الممثلون لهذه الكلمة. وإنما أرضاك وألهاك في هدوء ودعة، أو قل إنه حقق ما أنت محتاج إليه ~~من هذه الراحة التي يطمع فيها العاملون وقد أنفقوا يومهم في الجهد والمشقة. # ثم أنت واجد في هذه القصة ناحية من الحياة الفرنسية، قلما تجدها فيما ألفت قراءته ورؤيته ~~من القصص التمثيلية، وهي حياة طائفة من أهل الأقاليم. ولكاتبنا هذا عناية بأهل الأقاليم ~~نعرض عليك منها نموذجا في هذا التلخيص، ونرجو أن نعرض عليك منها نموذجا آخر في غير هذا ~~الفصل. ثم أنت واجد في هذه القصة ما تجده في قصص هذا الكاتب جميعا، من هذا المذهب الفلسفي ~~الذي يقوم على المصادفة، ويضيف إليها الأثر ms175 الأكبر فيما يملأ الحياة من عمل، وما يعترض ~~الناس من خطوب. # ولقد أحب أن أسلك في هذه القصة نفس الطريق التي تعودت أن أسلكها في القصص الأخرى، فأقدم ~~إليك أشخاصها في شيء من الإيجاز. ولكني أشعر بأن هذه التقدمة لن تكون قوية ولا خلابة؛ لأن ~~الأشخاص في أنفسهم ليسوا أقوياء ولا خلابين. وأشعر أيضا بشيء من الخوف؛ لأني أحس أني ~~سأتورط في تقصير شديد عن أن أبعث في نفسك مثل الكاتب في نفسي من الراحة والرضا والابتهاج؛ ~~ذلك لأن لذة هذه القصة وأمثالها تأتي من اللفظ في كثير من الأحيان، وتأتي من اللفظ لنفسه؛ ~~أي من حيث يصعب أن يترجم وينقل من لغة إلى لغة. ولكني على هذا كله مجتهد في تلخيص هذه ~~القصة. # وإذا لم يكن بد من تقديم هؤلاء الأشخاص، فلأبدأ بأشدهم قوة وأعظمهم أثرا فيها، وهو ~~«فالنتين بريدو»؛ شاب في الثامنة والعشرين من عمره، وسيم الطلعة حين تقع العين عليه، ولكنه ~~ليس بالجميل حقا إذا أحسنت التحديق فيه. قد ظفر بالشهادة الثانوية في الآداب، وهو إذا ~~تكلم أو كتب خيل إلى من يسمعه أو يقرءه أنه عظيم الحظ من العلم، كاتب متحدث منطلق اللسان، ~~فإذا حقق النظر فيه ظهر أنه ليس شيئا أو لا يكاد يكون شيئا. هو، كما يقول الكاتب، من ~~هؤلاء الأشخاص الذين يعجبون النساء؛ لأن عليهم سمة الجمال ولهم مظهر الذكاء، وليسوا بالحسان ~~ولا الأذكياء، وهو مدير لمكتبة المدينة التي يعيش فيها، يتقاضى راتبا ضئيلا ولكنه ضخم ~~بالنسبة إلى مدن الأقاليم. وهو بطبيعة الحال شديد الإعجاب بنفسه، شديد الطمع، شديد الازدراء ~~للناس، مقتنع كل الاقتناع بأنه يشهد عصر انتقال يفنى فيه جيل وينهض فيه جيل آخر. فأما هذا ~~الجيل الفاني، فقد استنفد قوته وأصبح غير صالح للبقاء، وأما هذا الجيل الناهض، فهو ممتلئ ~~قوة ونشاطا. ولكن الشيوخ يأخذون عليه الطريق ولا بد له من أن يقهرهم. وصاحبنا ساخط لا ~~يرضى عن حاله ولا يطمئن إلا إذا ظفر في باريس بالمكانة التي تلائمه. # وله في ms176 مكتبته رفيق يعينه، متوسط، دميم الخلق، ساذج الطبع، راض بما قسمه الله له، حريص ~~على مكانته، جاد في طاعة النظم والقوانين، منكر على صاحبه طيشه ونزقه وطمعه. # ثم شخص آخر، هو «جونيل»، في السادسة والأربعين من عمره، ضخم الثروة، معتدل المزاج، ولكنه ~~لا يخلو من طمع، يريد أن يكون عضوا في مجلس الشيوخ. وهو مخالف للحكومة القائمة في الرأي، ~~على أن ثروته وجمال امرأته يشجعان على الطمع في الانتصار على مرشح الحكومة. # ولهذا الرجل امرأته «كلوتيلد»، شابة جميلة، معتدلة المزاج أيضا، شديدة البغض للسياسة ~~والانتخابات والأعمال العامة، لا تطمع إلا في أن يبقى لها زوجها منقطعا إليها يلهيها ~~ويمتعها بثروته الضخمة. وهي تبذل ما تملك من جهد لتصرف زوجها عن مجلس الشيوخ، وهي تنذره ~~بالخيانة إن أصبح شيخا؛ لأن ذلك لا يلائم سنها، ولأن بين الناس من يتملقها، وقد وعدته ~~بالإسماح له يوم يصبح زوجها شيخا. ولكن زوجها يأبى إلا أن يكون شيخا، ولا يأبى على نفسه ~~التفكير في أنه قد يصل إلى الوزارة، وهو مطمئن إلى زوجه لا يحفل بوعيدها، ولا يشك في أنها ~~وفية له مهما يكن من شيء. # وهناك فتاة أخرى «مارت أوبري»، معلمة في المدينة، رائعة الجمال، طيبة النفس، مستقيمة ~~الخلق، أدركها اليتم هي وأختها ولما يتم تعليمهما فمضتا حتى أتمتاه. فأما أختها فآثرت ~~العاجلة وانطلقت مع أول رجل غني عرض عليها الترف والثروة، وأما هي فآثرت الاستقامة والحياة ~~الشريفة، وقنعت بمنصب المعلمة في إحدى مدن الأقاليم. وهي تحب «فالنتين برينو» مدير المكتبة ~~هذا الذي قدمته لك منذ حين، وهي تطمع في أن تقترن به، وهي تتردد على المكتبة في كل يوم تزعم ~~أنها تريد البحث في دائرة المعارف، ولكنها لا تريد في حقيقة الأمر إلا أن ترى هذا الشاب ~~يحبها ولا يكره أن يقترن بها، ولكنه يحب قبل كل شيء أن يظفر بمكانة تلائمه في باريس. # وهل تحب أن أتم هذه المقدمة، فأذكر لك هذا الشخص الأخير الذي سنراه في الفصلين الثالث ~~والرابع، وهو «بلوك»، ms177 مدير مكتب للتخديم يعرف كل شيء، ويسعى في كل شيء، ويقدر على كل شيء، ~~وإن كان في حقيقة الأمر لا يعرف شيئا ولا يكاد يقدر على شيء. # هؤلاء هم الأشخاص، وهم كما ترى، عاديون لا يمتاز أحدهم بشيء ما، ولا يمكن أن تكون القصة ~~التي تقع بينهم إلا عادية لا أثر فيها للانفعال الحاد ولا للضحك العنيف. ~~••• # فأما الفصل الأول من هذه القصة، فيقع كما قدمنا في مدينة من مدن الأقاليم. ونحن إذا رفع ~~الستار في المكتبة، وأمامنا مساعد المدير كأنه يرتب كتبا. على أننا لا نلبث أن نشعر أن هذه ~~المكتبة كغيرها من مكتبات المدن فقيرة كل الفقر، لا تكاد تشتمل إلا على دائرة المعارف وبعض ~~الكتب أو المجلدات السياسية. وقد دخل خادم مأمور المركز، يطلب مدير المكتبة ليجيب سيده، وهو ~~يعلن في ثرثرة ظريفة أن المأمور مغضب؛ لأن مدير المكتبة قد كتب في صحيفة المدينة فصلا ~~سياسيا عضد فيه مرشحا في مجلس الشيوخ معاديا للحكومة وذم فيه مرشح الحكومة وهو قريب ~~المأمور. ولا يكاد يخرج الخادم حتى يأتي مدير المكتبة، فإذا هو كما قدمنا فتى ظاهر الرشاقة ~~واللباقة، ولكنه في حقيقة الأمر ليس شيئا لولا أنه شديد الطمع قوي الإرادة. فإذا أخبر بأن ~~المأمور يدعوه وأنه مغضب منه لم يحفل بذلك، وإنما أخذ يحدث صاحبه عن الفصل الذي كتبه في ~~صحيفة «المستقبل» وهاجم فيه قريب المأمور في قوة وعنف، ودافع فيه عن خصمه دفاعا شديدا، ~~فإذا سأله صاحبه: فيم هذا الهجوم؟ أنبأه بأن قريب المأمور هذا قد ذكره بسوء فيما بلغه، ~~وأنه لا يعرف خصمه، ولكنه مع ذلك يؤيده ويبذل في ترشيحه ما يملك من قوة. ويكون بين الرجلين ~~حوار نفهم منه أن أحدهما - وهو المدير - يتحرق شوقا إلى باريس لعله يظفر فيها بما يريد من ~~هذه المكانة العالية، وأنه واثق بالوصول إلى ما يحب، فكل شيء يدله على ذلك: انظر إلى هذا ~~الجيل الذي يريد أن ينقضي كيف ضعف واضمحل، وكيف عجز وانحل، وكيف أخذ الفساد يعمل ms178 فيه من كل ~~ناحية، فلا خلق، ولا قوة، ولا إرادة، ولا مهارة، ولا استقامة في الأعمال. وهذا مأمور ~~المركز: ما قيمته؟! وماذا عمل وهو يخدم الحكومة منذ خمس عشرة سنة؟ وهذا المدير أتظنه وصل ~~إلى منصبه لولا أنه أصهر إلى سكرتير الوزير! والأمر كذلك، فهي جميع طبقات هذا الجيل وفي ~~أنحاء الحياة الاجتماعية كلها: جيل يفنى، وجيل آخر ينهض. وهذا الجيل الناهض منتصر من غير ~~شك؛ ففيه حب الحياة وطموح إلى الرقي، وفيه قوة على الجهاد وصبر على المكروه، وفيه نبوغ ~~واستعداد للنبوغ. انظر إلى صاحب الصحيفة التي تصدر في هذه المدينة، لقد عرض على الفتى ~~المدير 150 فرنكا في الشهر على أن يكتب لصحيفته فصلا في كل يوم. فهو إذن يستطيع أن يعيش ~~خارج المكتبة، وهو يستطيع أن يغضب المأمور؛ هذا كله في الأقاليم، فكيف به لو ذهب إلى ~~باريس! # أما صاحبه، فهادئ معتدل قانع فيلسوف، ينصح لرئيسه بالهدوء والدعة والرضا بما هو فيه، ~~وينصح له بنوع خاص بألا يلتمس في الحياة إلا هذه السعادة الهادئة العادية، وما له لا يفكر ~~في هذه الفتاة المعلمة التي تحبه وتتردد على المكتبة من أجله، وتتمنى أن تكون له زوجا! ~~أليس هو يحبها أيضا؟! بلى! هو يحبها، ولكنه لا يتعجل هذه السعادة، وإنما يريد أن يصل إلى ~~الثروة والمكانة قبل أن يفكر في الزواج. # فأما وقد تحدث الرجلان في الحب، فلم يكن بد لصاحبنا المساعد الفيلسوف من أن يذكر حبه ~~أيضا؛ فهو أيضا يحب، ولكنه يحب من غير أمل، يحب امرأة لا يعرفها ولا ينتظر أن يعرفها، ~~رآها مرة في باريس وقد كان يمشي الهوينا في الغابة، فإذا هي تنزل من عربتها، وإذا منديلها ~~يسقط فيلتقطه هو ويدفعه إليها فتأخذه شاكرة، وهذا يكفي ليذكي في قلب صاحبنا للحب جذوة ~~متوقدة. وصاحبنا فيلسوف يحتمل هذه الجذوة وما لها من لذع، ولكنه يعلن أنه إن رأى هاتين ~~العينين السوداوين مرة أخرى فلن يستطيع أن يضبط نفسه، ولن يكون له على حبه سلطان. # وهذه الفتاة ms179 المعلمة قد أقبلت تكلف مساعد المكتبة أن يعد لها جزءا من «لاروس» لتنظر فيه ~~بعد حين، ولكنها رأت المدير فتتحدث إليه، ويدعوها هو إلى مكتبه ليظهرها على بعض الصحف التي ~~وصلت من باريس فتمتنع عليه، فإذا سألها: لماذا؟ أجابته: لأني إن تبعتك إلى المكتب حاولت أن ~~تقبلني كما حاولت في المرة الماضية، فأمتنع عليك فنتغاضب، وفيم نتغاضب ونحن صديقان؟! على ~~أني لا أكره أن تقبلني، بل قد أجد في ذلك سعادة، ولكن قبل أن أسمح لك بهذه اللذة ولنفسي ~~بهذه السعادة، يجب أن تخطبني، ويجب أن أعرف متى نقترن، ولم لا نقترن؟ # فإذا ذكر لها طمعه في الثروة والمكانة، دهشت وأعلنت إليه أنها راضية بمكانتها ومكانته، ~~وأنها ترى أنهما يستطيعان أن يعيشا سعيدين. وأخذت ترغبه في الزواج وتذكر له أمورا من شأنها ~~أن تشجعه عليه، ومن هذه الأمور أنها تحبه، ولكنه مصر على الثروة قبل كل شيء، فتدعه على أن ~~تعود لتنظر في دائرة المعارف. وما تكاد تخرج حتى يأتي «جونيل» هذا الرجل الغني الذي يرشح ~~نفسه لمجلس الشيوخ، يأتي لأنه قرأ الفصل الذي نشره الفتى في الصحيفة فجاء شاكرا. وما هي أن ~~يرى الفتى ويتحدث إليه حتى يعجب به، فيعرض عليه أن يكون سكرتيره، وأن يرافقه إلى باريس. ولا ~~يحتاج إلى الإلحاح على الفتى في ذلك، فقد قبل الفتى، وما له لا يقبل وهو سيذهب إلى باريس، ~~وسيعمل في السياسة، وسيكون يد هذا الرجل اليمنى حتى يصل إلى مجلس الشيوخ ثم إلى الوزارة. ~~ومن يدري؟! ماذا يجني هو في أثناء هذا كله؟! على أن صاحبنا الشيخ ينبئه بأنه يخوض غمار ~~الانتخابات على كره من زوجه؛ فهي لا تحب السياسة، ولكنه واثق بالانتصار عليها، وهو يعلم أن ~~امرأته ستغضب حين تعلم أنه قد اتخذ له سكرتيرا، ولكن غضبها لن يطول، فهو يوصي الفتى ~~بالأناة والرفق. أما الفتى فقد قبل كل شيء وهو يترك صاحبه ليكتب الاستقالة. ولا يكاد يخلو ~~إلى نفسه حتى تأتي امرأته، فإذا هي، كما قدمنا، شديدة السخط ms180 على السياسة، شديدة البغض ~~لاندفاع زوجها فيها. ولا يكاد زوجها ينبئها بأنه اتخذ له سكرتيرا حتى تثور، ولكن السكرتير ~~قد أقبل وقد نظرت إليه فتحس أنه وقع من قلبها، وهي تتلقاه متكلفة بعض الفتور، وتدعوه إلى ~~العشاء متكلفة بعض الفتور أيضا. # وينصرف الزوجان وتعود الفتاة المعلمة، فلا تكاد تتحدث إلى صاحبها وتعلم باستقالته ~~واعتزامه السفر إلى باريس، حتى يأخذها الحزن والجزع والاضطراب، وهو يهدئها ويخطبها ويعدها، ~~ولكنها لا تحفل بذلك ولا تكاد تصدق منه شيئا. وهي تدع صاحبها وتنصرف إلى الكتاب تريد أن ~~تنظر فيه فلا تستطيع. وأنى لها ذلك وقد ملكها الاضطراب، فهي لا ترى إلا صاحبها، ولا تفكر ~~إلا في سفره. وهي في ذلك وإذا امرأة تدخل وتسعى في خفة حتى تصل إليها فتقبلها، فإذا التفتت ~~رأت أختها «بوليت» وهي لم ترها منذ سنتين، منذ انقطعت هي إلى التعليم ومضت الأخرى مع أول ~~رجل غني لقيها. وأختها تنبئها بأنها كانت مسافرة معه إلى نيس، حتى إذا وصلا إلى ديجون ذكرت ~~أختها فقالت له: يجب أن نفترق هنا لأرى أختي وسألقاك آخر النهار. فإذا سألت أختها: من هو؟ ~~أجابت: هو! هو الذي تعرفينه، هو جوستاف! على أني سألقاه آخر النهار، ولم أشأ أن أصطحبه حتى ~~لا أعرضك لسوء القالة، فإذا سألك عني أحد فقولي إني معلمة في باريس، وأنت تذكرين أني كدت ~~أكون معلمة في باريس لولا أن وصل جوستاف. كلا! لم يكن جوستاف، وإنما كان إدوار. ثم تمضي في ~~هذا الحديث السريع حتى تسأل أختها عن حالها، فما أسرع ما تتبين أنها محزونة! وما أسرع ما ~~تفهم سبب هذا الحزن، وما أسرع ما يظهر حبها لأختها وحماستها في الدفاع عنها! وبينما أختها ~~تجذبها للخروج من المكتبة؛ إذ يقبل مدير المكتبة، فما أسرع ما تعرف هذه المرأة أنه هو الذي ~~تحبه أختها، فتأخذ في لومه وتعنيفه وترغيبه عن باريس. ~~••• # وإذا كان الفصل الثاني، فنحن نراه جالسا إلى المنضدة وفي يده القلم، وصاحبه الشيخ يملي ~~عليه بدء منشور انتخابي. ولكن ms181 الرجل لا يكاد يقيم الجملة الأولى من المنشور؛ فهو يتردد ~~ويضطرب ويستأنف القول ثم يعيده ثم يستأنفه دون أن يستطيع التقدم، فيعرض عليه كاتبه أن يفعلا ~~كما فعلا في المرة الماضية، فما أسرع ما يقبل مسرورا، وإذا هو قد جلس إلى المنضدة وأخذ ~~القلم، ونهض الكاتب فأخذ يمشي في الحجرة ممليا، وإذا الكلام متصل مستقيم، والجمل يتبع ~~بعضها بعضا في غير تردد ولا اضطراب، والشيخ راض مبتهج يعلن في سذاجة أنه لا يحسن الكتابة ~~إلا إذا جلس هو وأخذ القلم ومشى كاتبه وأملى. # وهما في ذلك وإذا امرأته قد أقبلت، فإذا رأت ذلك دهشت وأخذها شيء من الضجر لم تحاول قط ~~إخفاءه، ثم تأخذ في لوم زوجها على السياسة ودخوله فيها، وتسأله عن حفلة راقصة يريدان ~~إقامتها: أتكون في الرابع عشر أو الخامس عشر من الشهر؟ فيتردد ثم يذكر أن بينه وبين ~~الناخبين موعدا في هذين اليومين، ولكنه لا يعرف أيهما، ثم يلتمس كتاب الناخبين إليه فلا ~~يجده فيذهب كاتبه لالتماسه. ولا يكاد يخلو إلى امرأته حتى تطلب إليه أن يقيل هذا الكاتب، ~~فيعاتبها لأنها تلقى هذا الشاب بفتور بعد أن كانت قد لقيته أول الأمر في شيء من الظرف ~~واللطف. # ولكنها تلح عليه فيأبى، ونفهم من حديثهما ومن إلحاحها أن بينها وبين هذا الفتى حبا أو ~~شيئا يشبه الحب، وهي تريد ألا تصل إلى خيانة زوجها. ولكن الرجل سليم القلب لا يفكر إلا في ~~السياسة والانتخاب ومجلس الشيوخ. فإذا أبى عليها ويئست منه تركته وجاء الفتى، وهما باستئناف ~~العمل، ولكن معين الفتى في المكتبة قد جاء، فتركهما الشيخ على أن يستأنفا العمل بعد ~~حين. # وما هي إلا أن يتحدث الفتى إلى مساعده القديم حتى نفهم أنه قد رأى العينين السوداوين مرة ~~أخرى: رآهما هناك في المكتبة في ذلك اليوم المشهود يوم كانت المعلمة تنظر في الكتاب، فجاءت ~~أختها. هو إذن عاشق لأخت هذه المعلمة، وقد كان صادقا حين أعلن أنه لن يملك نفسه إن رأى ~~عينيها مرة أخرى. وقد ms182 رأى عينيها، بل جلس معها إلى مائدة المعلمة، ففقد الرشد أو كاد، ~~واستقال على كل حال وأقبل إلى باريس ولن يفارقها. # وهو سيئ الحظ؛ فقد ذهب إلى دار هذه الفتاة واستأذن عليها، فتركته ينتظر نحو الساعة، ثم ~~خرجت ومعها ثلاثة رجال، فمرت به مسرعة وهي تقول: إذا لقيت أختي فبلغها تحيتي. وهو سيئ الحظ؛ ~~فقد التمس العمل فلم يظفر بشيء، وذهب إلى «بلوك الخدم» وبينهما صلة، فأبى هذا الرجل أن ~~يلقاه، فلما ألح عليه أمره بالعودة إلى الإقليم. وصاحبه الفتى يأمره بمثل هذا، ويضرب له ~~موعدا بعد ساعات ليطعما معا، على أن يسافر هو بعد العشاء. أما هذا الرجل فيقبل الموعد ~~ويقبل العشاء، ولكنه يرفض السفر. # وقد خرج وجاءت امرأة الشيخ، فأنبأت الفتى أن زوجها قد خرج يتروض، وأنها تريد أن تتحدث ~~إليه، ثم أعلنت إليه في صراحة أنها قد طلبت إلى زوجها إقالته فرفض، وإذن فهي تطلب إليه أن ~~يقيل نفسه لأنها تحب زوجها، وتكره أن يعاشرهما ثالث. # أما هو فيعدها بالاستقالة والسفر، ولكنه ينتهز هذه الفرصة التي لن يراها بعدها ليعلن ~~إليها في صراحة أيضا أنه يحبها حبا لا حد له، وأنه لو شاء لأظهر لها هذا الحب، ولكنه ~~أراد أن يكون رجلا شريفا فكتم حبه. # فأما الآن وسيفارقها فراقا لا لقاء بعده، فلا جناح عليه أن يعلن إليها هذا الحب، فإذا ~~أرادت أن تأخذه بالصمت مضى في الحديث وأعلن إليها أنها شجعته على هذا الحب. أليست قد اعتمدت ~~على يده مرة في الملعب وبقيت معتمدة عليها ما استمر التمثيل؟! أليست قد التصقت به التصاقا ~~مرة في العربة يوم عادا إلى البيت منفردين؟! فلو لم يكن رجلا شريفا لانتهز إحدى هاتين ~~الفرصتين وأعلن إليها حبه، ولكنه لم يفعل، وهو إذ يفارقها لا يؤلمه إلا أنها ليست وفية ~~لزوجها. فإذا أخذت تنكر عليه ذلك، أخذ يتهمها بأنها تحب فلانا وتداعب فلانا، حتى تضيق به ~~ذرعا فتعلن إليه أنها لم تخن زوجها، ولولا حرصها على الوفاء لزوجها لما طلبت إليه ms183 الرحيل، ~~ولكنها تحبه وتخشى إن أقام أن تقع في الإثم. فإذا سمع هذا فهو سعيد، وهي أيضا سعيدة، وهي ~~لا تتعجله في السفر، بل تطلب إليه البقاء ولكنها قلقة. # أما هو فجريء! انظر إليه يسرع إليها يريد أن يأخذها بين ذراعيه، ولكنها تتحرج وتأبى عليه ~~إلا حبا بريئا، ولا تسمح له إلا بقبلة بعينها يضعها بين شعر رأسها لا يتجاوز هذا الشعر. ~~وإنه لفي هذه القبلة إذ يحسان حركة فيفترقان، وإذا الزوج قد أقبل، فتلقاه متبسمة، وتعلن ~~إليه أنها قرأت بعض منشوراته الانتخابية فرضيت عنه. وهو يبتهج حين يراها مسرورة راضية، ~~ولكنه لم يقبل وحده بل أقبل ومعه أحد الناخبين، فهو يدعو سكرتيره ليتحدثا مع هذا ~~الناخب. # وتخلو المرأة إلى نفسها فتجلس مفكرة وفي يدها ورق كأنها تنظر فيه. وبينا هي في ذلك إذ ~~يقبل زوجها دون أن تحسه، فإذا نظر إليها جالسة هكذا راقته، فسعى إليها في خفة ورشاقة حتى ~~يضع شفتيه من شعرها حيث كان الآخر قد وضع شفتيه. أما هي فقد أحست شفتيه في شعرها فلم تفكر ~~إلا في صاحبها، وإذا هي تقول له: فالنتين! أنت مجنون ... إن زوجي يستطيع أن يأتي الآن! قدر ~~أنت وقع هذا الكلام في نفس الشيخ حين يسمعه. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في مكتب المخدم «بلوك»، وأنا أعفيك من وصف هذا المخدم ~~وأعماله وأعوانه. ولكننا نرى في مكتبه مساعد المكتبة الذي رأيناه في أول القصة، وقد أقبل ~~الآن يلتمس عملا، والمخدم يأبى أن يلقاه، حتى إذا ألح دفع إليه بعض النقد وصرفه وأخذ في ~~عمله، وإذا «كلوتيلد» زوج الشيخ قد أقبلت تستأذن عليه، فإذا أذن لها أنبأته بأنها تلتمس ~~شابا يقال له «فالنتين بريدو»، وقد جاءت تستعين به على أن تلقاه، وقد افتقدته منذ شهرين. ~~فيعدها خيرا ويطلب إليها صورته الفتوغرافية، فتنصرف لتأتي بها، ويأتي مكانها «فالنتين ~~بريدو» نفسه يطلب عملا. # فإذا سأله المخدم عما يحسن قال: إنه نال البكالوريا، ولكن البكالوريا لا تفيد شيئا! وإن ~~عند هذا المخدم من العمال ms184 والأعوان أشخاصا نالوا البكالوريا في العلوم والآداب، ولكن باريس ~~قد ضاقت بهم. # وإنه ليعرف قوما معهم الليسانس في الحقوق وهم يقودون عربات النقل. ثم أخذ يبحث في دفاتره ~~فلم يجد ما يعرضه على هذا الشاب، إلا عمل خادم عند رجل يحزم الأمتعة، فيأبى الشاب. ولكنه قد ~~وقع من نفس المخدم وأعجبه، فأخذ المخدم يعرض عليه العمل عنده ويطلب إليه أن يبدأ فيبحث عن ~~فتى يقال له «فالنتين بريدو». فإذا سمع الفتى اسمه دهش وقال: غدا سآتيك به آخر النهار. وقد ~~تركه المخدم لبعض عمله وأقبلت «كلوتيلد» فالتقيا وتحدثا، واطمأن كلاهما إلى صاحبه، واستوثق ~~كلاهما من حب صاحبه وكان بينهما الميعاد، ثم ينصرفان ويعود المخدم تتبعه بوليت وأختها ~~المعلمة. ونفهم أن هذه الفتاة قد ضاقت بحياة الأقاليم ذرعا بعد أن سافر خطيبها إلى باريس، ~~فاعتزمت أن تترك التعليم وأن تعيش في باريس، وأقبلت إلى أختها فلقيت عندها الشبان الأغنياء ~~وأخذوا يعرضون عليها حياة اللهو فترفض، وهي الآن تلتمس عملا شريفا. # فأما العلوم التي تحسنها، فالرياضة والتاريخ الطبيعي والرسم والموسيقى. ولكن هذا كله لا ~~يغني عنها شيئا، وكل ما يستطيع الرجل أن يعرض عليها إنما هو العمل في مطعم حقير، فتتردد ثم ~~تقبل وتهمان بالانصراف. ولكن أختها قد ألقت في أذن المخدم أنها لا ترضى بهذه الحياة ~~لأختها، وأنها تعلم حق العلم أنها ما زالت تحب ذلك الفتى الذي عشقته هناك حيث كانت معلمة، ~~وأن هذا الفتى في باريس، وأنها تريد منه أن يلتمسه، واسمه «فالنتين بريدو». وتخرجان ويأتي ~~جونيل يلتمس عند هذا المخدم سكرتيرا. وإنهما لفي الحديث إذ يهمس الخادم في أذن سيده أن ~~الفتى الذي استخدمه اليوم قد عاد يريد أن يخبره ببعض الأمر. # وهنا يتنبه المخدم إلى أن هذا الفتى يستطيع أن يكون سكرتيرا لجونيل، فيعلن آلي جونيل أنه ~~قد ظفر له بما يريد، ثم يأمر بإدخال الفتى فإذا دخل ورآه جونيل أخذته ثورة وغضب وصاح: هذا ~~فالنتين بريدو! هذا هو السكرتير الذي أقصيته! ثم انصرف لا يلوي على ms185 شيء. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع، فنحن في فندق حقير أو كالحقير، حيث يقيم «فالنتين بريدو» وقد قبل ~~أن يعمل عند حازم الأمتعة ليعيش. وقد اتصلت الرسائل بينه وبين «كلوتيلد»، وقد وعدته أن ~~تزوره اليوم، فهيأ غرفته وزينها بالزهر ووضع فيها ألوانا من الحلوى وخرج لبعض أمره. وأقبل ~~جونيل ومعه المخدم يلتمسانه. ونفهم من حديثهما أن جونيل قد ظفر في الانتخاب وأصبح شيخا، ~~وهو يشعر بأنه مدين بهذا الفوز لهذا الشاب الذي رشحه وأيده وأعانه حتى بلغ ما بلغ من الفوز. ~~وهو رجل وفي خير يريد أن يكافئ هذا الشاب على حسن بلائه عنده، ولكن غياب الشاب قد طال، ~~فينصرف الشيخ على أن يعود. وقد أقبل الشاب بعد ذلك، فيلقى مساعده القديم قد ساءت حاله إلى ~~حد منكر، وقد عاد إلى فلسفته الأولى واعتزم العودة إلى الإقليم. ولكن صاحبه يشجعه على ~~البقاء في باريس، ويرى أن الحياة جهاد، وأنه يجد لذة لا تعدلها لذة فيما يلقى من الألم في ~~عمله الجديد وما يستلزمه من حمل الأثقال ... وأي عظماء الرجال لم يشق في أول حياته؟! وهو كذلك ~~إذ تقبل «بوليت»، فإذا خلت إليه لامته وأنبأته أن أختها قد تركت التعليم، وأنها قد أقبلت ~~إلى باريس، وهي الآن تعمل في معمل حقير، وهي واقعة في الإثم لا محالة إذا مضى في قطيعتها. ~~فيذكي هذا الحديث في نفسه جذوة الحب القديم، وكأنه كان نسيه. فأما الآن وقد ذكره فقد ملأ ~~هذا الحب قلبه فجأة، وإذا هو يطلب إلى «بوليت» أن تشجع أختها وتدعوها إلى الصبر والاحتمال، ~~فما زال يحبها وما زال حريصا على أن يتخذها له زوجا. أما هي فقد عرفت أنه ما زال محبا، ~~واكتنفت بذلك وانصرفت. # وتقبل «كلوتيلد» لميعادها، وهي مضطربة مروعة، فهي مقبلة على الإثم وخيانة زوجها، وهي ~~مقبلة في هذا الفندق الحقير وفي هذا الحي الذي لا عهد لها به. وبينا هي في روعها واضطرابها ~~إذا صاحبها في اضطراب آخر ليس أقل من اضطرابها؛ فقد ذكر المعلمة وحبها البريء وزواجهما، ms186 ~~وتبين أنه لا يحب هذه المرأة ، وإنما هي فتنة عرضت له ثم انجلت غوايتها عنه قبل أن يتورط ~~فيها. هو إذن على بصيرة من أمره، والمرأة على بصيرة من أمرها أيضا. وانظر إليهما لا ~~يكادان يبتدئان الحديث حتى تقع بينهما الخصومة: عرض بزوجها، فغضبت له وأخذت تحمده وتذود عنه ~~وتفخر بفوزه في الانتخاب. وما هي إلا أن يحسا جميعا أن ليس بينهما حب، وإنما هي فتنة قد ~~خدعتهما؛ وإذن فليتصافحا وليفترقا صديقين لا شر بينهما ولا إثم ولا ريبة. وهما يفعلان وهي ~~تنصرف، وإذا المعلمة قد أقبلت مبتهجة، ولكنها لم تكد تدخل الغرفة وترى هذه المرأة منصرفة ~~منها حتى عاودها اليأس. كانت أختها قد أنبأتها أن الفتى ما زال لها محبا، فأسرعت إليه ~~مستعدة للتضحية والجهاد معا. ولكنها ما كادت تصل حتى رأت امرأة تخرج من عنده، ورأت طاقات ~~الزهر وألوان الحلوى ... فهي ساخطة ثائرة مزدرية لنفسها، تضحك وتبكي في وقت واحد، وهو ~~يستعطفها ويترضاها ويبسط لها الأمر على جليته، فتصدقه أو تكاد أن تصدقه. وهما في هذا الحديث ~~إذ يقبل «جونيل»، فيصافح الفتى ويعلن إليه أنه قد فاز، وأنه مدين له بهذا الفوز، وأنه قد ~~جاء يعرب له عن حسن بلائه ويدفع إليه ورقة هي كتاب تعيينه مأمورا لأحد المراكز. يقع هذا في ~~سرعة، ولكنه لا يخلب الفتى ولا يطير بلبه، وإنما يتقبل الفتى هذا كله هادئا ويقول لإحدى ~~جاراته: بعد قليل سأكون مديرا ثم عضوا مكانه في مجلس الشيوخ. # فبراير سنة 1927 # | الفؤاد المقسم # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «لوسيان بينار» # هي قصة جديدة شهدها جمهور الباريسيين في بيت موليير آخر العام الماضي، ولعلها خير ما ظهر ~~للناس في هذا الفصل من فصول التمثيل. وآية ذلك أنها ظهرت لأول مرة في بيت موليير (الكوميدي ~~فرنسيز)، ولم تحتج إلى أن تتخذ إليه الطرق المعوجة أو المستقيمة التي تتخذها قصص أخرى فتظهر ~~في ملاعب مختلفة، ولا تصل إلى بيت موليير حتى يمضي عليها زمن طويل أو قصير. # وأنت لا تحتاج إلى ms187 كثير من التفكير، بل لا تحتاج إلى شيء من التفكير إذا قرأت هذه ~~القصة؛ لتشعر شعورا قويا واضحا بأنها خليقة ببيت موليير، ففيها كل ما يلائم هذا البيت ~~من شدة الأسر وقوة الفكر، وهذا الجد الذي تلذه دون أن يثقل عليك والذي تمتاز به الآثار ~~الفرنسية القيمة. ولعل من الحق أيضا أن ألاحظ أني لم أقرأ في هذه الأعوام الأخيرة قصة ~~حديثة أحدثت في نفسي من الأثر ما أحدثته هذه القصة، لا أستثني إلا ما يكتبه «فرانسوا دي ~~كوريل» من حين إلى حين. # فلست أقول شيئا جديدا إن قلت إن النقاد الفرنسيين يلاحظون أن فن التمثيل قد أصابه شيء ~~من الفتور غير قليل في هذه الأيام، فقلما تجد في عشرات القصص التي ينتجها الكتاب في كل عام، ~~بل في كل فصل، قصة تملك عليك عواطفك، وتأخذ عليك طرق الحياة والتفكير، وتكرهك على أن تقف ~~عليها وحدها حياتك العقلية والشعرية أثناء قراءتها في مكتبك أو مشاهدتها في الملعب. إنما هي ~~قصص سهلة يسيرة، فيها عبث ولهو أو فيها تفكير غير متقن، وحوار خفيف لذيذ يمس الموضوعات في ~~غير إثقال ولا أناة ولا اعتصار لخلاصتها. فأنت تقرأ أو تشهد هذه القصص، وأنت تجد في هذا ~~شيئا من اللهو والفكاهة أو تحتاج إلى شيء من التفكير لا تلبث أن تنصرف عنه متى انصرفت عن ~~القصة. # وأنت لا تكاد تنصرف عنها حتى تنسى موضوعها وحوارها وأشخاصها، وحتى ليحدثك في أمرها محدث ~~بعد أن يمضي على ذلك شهر أو بعض شهر، فإذا أنت لا تكاد تذكر فيها شيئا. فأما هذه القصص ~~التي تقرءها فإذا أنت تحفظ بعض حوارها حفظا، وإذا أشخاصها كلهم أو بعضهم قد ارتسموا في ~~نفسك ارتساما، فأنت تراهم يقظان، وأنت تتوهمهم نائما، وإذا موضوعها قد نصب أمام عقلك ~~نصبا، وأقسم لا يزول ولا ينتقل حتى تفكر فيه تفكيرا متصلا وحتى تجد له حلا يلائم عقلك ~~وهواك. هذه القصص قد بعد العهد بها منذ مات «بول هرفيو»، وانصرف كبار الكتاب إلى مجدهم ~~يلهون ms188 به ويستمتعون بثمراته، كما يهلو إله أرستطاليس لأنه لا يعلم إلا نفسه ولا يعجب إلا ~~بنفسه. حتى بعض الكتاب الذين عرفوا قبل الحرب بالقوة والأيد وشدة التأثير في نفوس النظارة ~~والقراء. # والذين لم ينصرفوا إلى مجدهم، وإنما ظلوا عمالا لفن التمثيل يجدون فيه بعد الحرب كما ~~كانوا يجدون قبل الحرب وأثناءها، قد أصابهم الضعف وأدركهم الفتور. فأنت تقرأ ما يكتبون ~~الآن، فلا تحس ما كنت تحس من قبل، بل أنت تنكر هؤلاء الكتاب إنكارا وإن كان النقاد قد ~~مهدوا لقصصهم بالفصول الطوال ملؤها الثناء والتقريظ اللذان لا حد لهما. ويكفي أن ننظر إلى ~~ما يكتبه «برنستين» الآن وما كان يكتبه قبل الحرب، لنقتنع بأن هذه الظاهرة حقيقة لا بد من ~~ملاحظتها والتماس أسبابها للذين يعنون بهذا الفن من فنون الأدب الفرنسي. ولكني لن أضيع وقتك ~~ووقتي في التماس العلل لهذا الفتور الذي طرأ على كتاب التمثيل، فإن هذا الفتور ليس مقصورا ~~على التمثيل وحده، وإنما يتناول الأدب الفرنسي كله بعد الحرب، ويجب أن تلتمس علله في الحرب ~~نفسها وما تركت في نفس هذا الجيل من أثر. إنما أردت أن ألاحظ أن هذه القصة التي أعنى بها ~~اليوم تمتاز من هذه القصص الكثيرة التي تظهر وتختفي من ملاهي باريس دون أن تترك أثرا ~~قويا أو ضعيفا. هذه القصة خليقة بالبقاء، وستبقى، وما أرى إلا أنها ستعمر طويلا؛ لأنها ~~- كما قلت - قد جمعت هذه الخصال التي تمتاز بها الآثار الأدبية الفرنسية القيمة. # ولننظر قبل كل شيء إلى موضوع القصة، فليس هو من هذه الموضوعات الضخمة الفخمة التي تخلبك؛ ~~لما لها من ضخامة وعظم شأن. وليس هو من هذه الموضوعات النفسية الدقيقة التي تسرف في الدقة، ~~حتى لا يلاحظها إلا علماء النفس والذين وقفوا أنفسهم على تحليل ما لبعض الناس من ألوان ~~العواطف والشعور الخاصة التي تدرس في المستشفيات. إنما هو موضوع عادي في نفسه يراه كل إنسان ~~ويحسه ويشعر بآثاره، لا يحتاج من ذلك إلا إلى حظ عادي من الذكاء والملاحظة ودقة ms189 الحس. وأي ~~إنسان لا يعرف أن كل امرأة، مهما تكن مقسمة النفس بين أسرتها الجديدة وأسرتها القديمة! أي ~~الناس لا يعرف أن كل امرأة تتعرض لهذه الأزمة؛ أزمة الخصومة بين حياتها الزوجية وحياتها ~~المنزلية الأولى؟! ثم أي الناس لا يعرف أن كل أسرة تتأسس، فهي إنما تتأسس على الأنقاض، وهي ~~إنما تقطع شيئا كان متصلا لتصل شيئا كان مقطوعا. فالفتاة حين تدخل في أسرتها الجديدة ~~تقطع الصلة بين أبويها قطعا صريحا أو غير صريح، وتنشئ صلة جديدة مع زوجها، وهذه الصلة ~~يقويها الحب إن كان هناك حب، ثم تقويها الحياة اليومية، ثم يقويها الولد يوم يأتي الولد. ~~وقد أرادت الطبيعة الإنسانية أن يكون الحب والمنفعة المشتركة بين الزوجين، والولد وضعفه ~~وحاجته إلى التربية والتعليم، ثم الأثرة التي فطرنا عليها، عناصر من شأنها أن تقوي الصلة ~~الجديدة، وتهون على الرجل والمرأة احتمال «عملية البتر» التي يحدثها الزواج بينهما وبين ~~أبويهما. ولكن نفوس الناس جميعا ليست مستوية الحظ من هذا الاحتمال، وظروف الناس جميعا ~~ليست متشابهة، فقد يوجد الحب ويكون من القوة والشدة بحيث يلهي الزوجين عن قديمهما ويفنيهما ~~في الجديد، وقد يكون هذا الحب قويا شديد التأثير ولكنه يصادف مزاجا قويا وفيا يستطيع ~~أن يتسع للقديم والجديد، وأن يزعم الوفاء للأسرة والزوج، وقد لا يوجد الحب أصلا، فيظل ~~الزوجان متأثرين بقديمهما وتكون الخصومة بين هذا القديم وبين المنفعة الجديدة التي تستتبعها ~~الحياة الزوجية. # ونحن لم نفكر إلى الآن في الزوجين، فإذا فكرنا في أسرتيهما، فسنرى أن هاتين الأسرتين لا ~~تقبلان في رضا واطمئنان هذه القطيعة التي يحدثها الزواج بينهما وبين أبنائهما. فأما أسرة ~~الزوج فساخطة أشد السخط، متألمة أشد الألم، ذاكرة ما بذلت من جهد وما احتملت من تضحية في ~~تربية ابنها وتنشيئه، حتى إذا استقام له كل شيء لم يجز أبويه إلا بالعقوق، وإذا هو يؤثر ~~عليهما امرأته، وإذا هو لا يحس أو لا يكاد يحس ما بينه وبينهما من صلة وما يعطفهما عليه من ~~عاطفة. وأما أسرة الزوجة فساخطة ms190 أشد السخط على هذا الزوج نفسه؛ لأنه قد أخذ ابنتها من ناحية ~~فقطع الصلة بين الأبوين وبين هذه الفتاة التي بذلا في سبيلها ما بذلا من جهد، واحتملا في ~~سبيلها ما احتملا من تضحية. ثم هو لا يقطع هذه الصلة فحسب، ولكنه لا يزال يحب أسرته ويعطف ~~على أمه، وإذن فهو لا يحب امرأته كما ينبغي! وإذن فهو متصل بأسرته القديمة أكثر مما هو متصل ~~بأسرته الجديدة! # كل هذه المعاني معروفة شائعة، يحسها الناس جميعا، وهي من الآلام الطبيعية التي تقوم ~~عليها حياتنا الاجتماعية مهما تختلف الأزمنة والأمكنة. وقد يكون من ألذ المباحث الأدبية ~~التماس ما تركت هذه الخصومة بين الأسرة الجديدة والأسرة القديمة من الآثار الأدبية شعرا ~~ونثرا في مختلف اللغات. # والمعروف أن المرأة أشد اتصالا بأسرتها وأكثر وفاء لأبويها وأحفظ للمودة من الرجل، ~~وأنها في الوقت نفسه شديدة الغيرة من أسرة زوجها، تخاصم أمه خصاما شديدا، وما تزال جادة ~~في هذا الخصام متى تنتهي إلى الفوز وتظفر لأسرتها الجديدة بالاستقلال. ولكنها لا تحاول أو ~~لا تكاد تحاول تحقيق هذا الاستقلال بالقياس إلى أسرتها هي، فالصلة بينها وبين أبويها قوية، ~~والمودة متصلة، وهي تظهرهما من أمرها على كل شيء وتستشيرهما في كل شيء، وزوجها يرضى حينا ~~ويسخط حينا، ويظهر الغفلة حينا، وينتهي دائما إلى الإذعان. # وقد اختار كاتبنا من كل هذه المعاني ومن كل هؤلاء الأشخاص المنبثين في الأرض كلها طائفة ~~ضيقة صغيرة، عرضها علينا في قوة ومتانة ودقة تفكير، وشيء من التعقيد جديد ما كنا ننتظره ~~نحن، ولكنه رفع القصة من مستوى القصص العادية، كما يقولون، إلى مستوى القصص الممتازة بدقة ~~البحث عن عواطف النفس وأهوائها؛ ذلك أن الكاتب محا أسرة الزوج محوا تاما، فنحن لا نعرف ~~أباه ولا أمه، وإنما نعرفه هو وحده، ونعرفه قويا له من الإرادة حظ عظيم جدا، شديد ~~السلطان على نفسه، راغب في التسلط على غيره، موفق في ذلك توفيقا عظيما، وهو في الوقت نفسه ~~هادئ المزاج حاد العاطفة، هادئ في حياته العادية ms191 قلما يظهر عليه الاضطراب أو الغضب، ولكنه ~~حاد العاطفة. يحب فلا يستطيع أن ينظم حبه ولا أن يضبطه، ويريد فلا يستطيع أن يضعف إرادته ~~ويحولها عن وجهها. وتقع الخصومة بين حبه وإرادته، فيندفع في الحب إلى أقصاه، وفي الإرادة ~~إلى أقصاها. ولا يستطيع أن يغلب أحدهما على الآخر، فيظل موضوع النزاع العنيف بينهما، ولولا ~~أن تعنى الظروف بإنقاذه لذهب ضحية هذا النزاع. وهو إلى هذا كله عالم طبيب يعنى بطبه عناية ~~العلماء في المعمل، منصرف إلى تجاربه، محاول أن يستكشف من هذا العلم ما يغير وجه البحث عنه ~~وطرق العلاج فيه. وهو قوي في علمه قوته في حبه وفي إرادته، فهو عبد لهذه الأشياء الثلاثة: ~~الحب، والعلم، والإرادة. هذا الزوج هو «بيير ريجو». # أما امرأته «فريدريك»، فهي في السادسة والعشرين من عمرها، جميلة خلابة ككل نساء القصص، ~~ولكنها قوية الإرادة أيضا، شديدة الكبرياء، إذا همت فليس ما يصرفها عن همها مهما تكن ~~النتائج. وهي محبة قوية الحب، ليست أقل حبا من زوجها، كما أنها ليست أقل إرادة منه. ولكن ~~إرادتها فيما يظهر أقوى من حبها، فهي تستطيع أن تسلو، بل هي تستطيع أن تألم، وتألم في غير ~~حد. ولكن حبها هذا مقسم، فهي لا تحب زوجها وحده، وإنما تحب أباها مع زوجها. ولنلاحظ أنها ~~فقدت أمها وهي حديثة السن، فعني أبوها بتربيتها عناية مضاعفة. ولنلاحظ أيضا أن أباها ~~هذا شخص لا كالأشخاص: له حظ من قوة وبأس، هو طبيب عالم كصهر، ولكنه متقدم في السن إلى حد ~~ما، يداني الخمسين، وهو على ذلك قوي له حظ من شباب، حلو الحديث فتان للنساء، مفتون بهن مقرب ~~إليهن، يتهالكن عليه ويتفانين في حبه. وهو قد عني بابنته عناية شديدة، فأحبته ابنته حبا ~~شديدا، وأحبها هو كذلك. ولكن في هذا الحب شيئا غريبا، فهو لا يشبه ما يكون بين الأب ~~وابنته من البر والرحمة، وإنما يشبه ما يكون بين الزوجين من الحنان والفتنة. وآية ذلك أنك ~~تبدأ في قراءة القصة وتمضي في الحوار ms192 بين الأب وابنته، فلا تشك في أنه حوار بين زوجين أو ~~بين عاشقين، ويأخذك الدهش حين تستكشف بعد صحف من القصة أنهما أب وابنته. # فأنت ترى موضع الخصومة، وأنت تحس منذ الآن أن هذه الخصومة ستكون عنيفة؛ لأن المختصمين ~~جميعا أقوياء، ولأنهم جميعا يحبون فيحسنون الحب، ويريدون فيحسنون الإرادة. وأنت ترى أن ~~الأمر لو وقف عند ما نعرف من هؤلاء الأشخاص لما أمكن أن تنحل الخصومة بينهم إلا بشر وتضحية، ~~فيجب أن يضحى بالأب في سبيل الزوجين، أو بالزوج في سبيل الأب وابنته، أو بالقوم ~~جميعا. # ولكني لم أكشف لك من شخصية الأب إلا عن وجه واحد، وهناك وجه آخر يؤثر في حياة هؤلاء ~~المختصمين؛ وإن كان شرا في نفسه وفي ظاهر الأمر بنوع خاص. هذا الرجل أثر مسرف في الأثرة، ~~يدفعه حبه لنفسه إلى الكذب والتضليل واقتراف ما يشبه الإثم، وهو مضطر إلى ذلك اضطرارا، فقد ~~رأيت أنه يحب ابنته هذا الحب الغريب، وهو يلهو مع طائفة من النساء، ولكنه يحب امرأة أخرى ~~حبا طبيعيا حادا، كما تحب ابنته زوجها، وكما يحب هذا الزوج امرأته. وهذا الحب الطارئ ~~هو الذي ينتهي بالقصة إلى أرقى منازل العنف، وهو الذي ينحدر بها، ولكن في رفق ولين ودعة، ~~إلى حيث الرضا والطمأنينة واستئناف الحياة الهادئة في لذة وابتسام، وشيء مع ذلك من المرارة ~~غير قليل. # وفي القصة، إلى هؤلاء الأشخاص، أشخاص آخرون، نذكر منهم «جاستون» أخا «فريدريك»، طالب مسرف ~~في لهوه وعبثه، يلهو ويلهي النظارة بمزاحه وسخريته وجهله. # ونذكر منهم «كودريه» جد «فريدريك»؛ لأنه شيخ، رقيق، سمح، رزين، حسن النصح، قيم المشورة، ~~محب لحفيدته وزوجها حبا مؤثرا حقا. # ونذكر منهم هذه الدوقة التي نراها في الفصل الأول، جميلة، فتانة، لعوبا، تعبث بأبي ~~«فريدريك» وتعبث بنفسها أيضا، وتعنى بما يمكن وما لا يمكن؛ لأنها تحب الأستاذ الطبيب وتريد ~~أن تلهو معه. # ثم نذكر آخر الأمر «مسز ونتون»، هذه الأميركية ذات الثروة الضخمة والجمال الرائع والإرادة ~~القوية والحب العنيف أيضا. كان زوجها عالما مخترعا، ms193 وكان قد ضيف «جان لوي مارنييه» ابن ~~«فريدريك» فأحبته وأحبها، ثم مات زوجها وأقبلت إلى باريس تريد أن تتزوج حبيبها، فيصطدم حبها ~~بهذه الخصومة بين الأب والزوج والزوجة. # فأنت ترى إلى هذه القصة كيف اختار الكاتب موضوعها من هذه الموضوعات الشائعة المبتذلة، ثم ~~لم يكد يخلق أشخاصها ويبعث فيهم الحياة وينفخ فيهم من روحه حتى صورهم أقوياء ممتازين، لهم ~~من العواطف والأهواء ما للناس جميعا، ولكن مع شيء من الدقة والتعقيد ليس للناس جميعا. وما ~~هي إلا أن يقف هؤلاء الأشخاص بعضهم لبعض حتى ترتفع القصة وتقوى، وتحس أنك في بيئة ممتازة من ~~كل ناحية دون أن يمنعك هذا الحس أن تجد نفسك وعواطفك وحياتك ممثلة في هذه القصة من كل ~~الوجوه أو من بعضها. # والآن وقد صورت لك هؤلاء الأشخاص تصويرا مقاربا، أستطيع أن أوجز لك خلاصة هذه القصة، ~~ولكني ألفتك منذ الآن إلى أن هذا التلخيص لن يغني عنك شيئا، وإلى أنك لن تجد اللذة ~~والمنفعة إلا في قراءة القصة نفسها. ~~••• # نحن في بيت «جان لوي مارنييه» أول الليل. ينصرف القوم عن المائدة وقد أخذوا يأتون إلى غرف ~~الاستقبال. وكان أول القادمين «كودريه» وحفيده «جاستون»، ونحن نرى الشاب يعنى بالشيخ عناية ~~لا تخلو من غلو، ويمهد له ويقدم إليه البيبة، ويتلطف له في الحديث. ويحس الشيخ أن هذه ~~العناية لم يرد بها وجه الله، وما هي إلا لحظة حتى نفهم أن الشاب في حاجة إلى الفرنكات ~~لأنه يريد أن يشتري سيارة. # ثم يأتي «جان لوي» وقد قدم ذراعه إلى ابنته، فلا يكادون يتحدثون حتى يضيق الفتى ذرعا ~~بأبيه الذي أخذ يسأله في الألمانية، وبأخته التي أخذت تظهر جهله بهذه اللغة، فينتحي بجده ~~الشيخ ناحية ليلعب النرد. ونرى الأب يجلس إلى ابنته ويتحدثان، ونحن نرى الفتاة تعنى بأبيها، ~~ولكنها عناية لا تخلو من دعابة وفكاهة. والرجل يجيب على هذه الدعابة والفكاهة بمثلهما، ثم ~~لا يلبث هذا العبث أن يستحيل إلى جد، فقد ظهرت غيرة المرأة، ووقف الرجل موقف الدفاع ms194 عن ~~نفسه؛ ذلك أن الخادم قد حمل إليه رسالة، تقرءها المرأة فإذا هي من الدوقة التي أشرت إليها ~~آنفا. وهي تنبئ الأستاذ بأنها ستزوره بعد العشاء لتقص عليه أخبارا مهمة متصلة بانتخابه في ~~المجمع العلمي، فلا تكاد «فريدريك» تقرأ هذه الرسالة حتى تثور وتأخذها غيرة حادة، وتحصي ~~للرجل سيئاته وآثامه ولهوه، وتعلن أنها قد صفحت عن هذا كله لأنه لم يكن شيئا يذكر، إنما ~~كان لهو ساعة أو بعض ساعة، وأنها لم تخف حقا إلا مرة واحدة حين ذهب الأستاذ إلى أحد ~~المؤتمرات في أمريكا فأحب «مسز ونتون» امرأة مضيفة. # في هذه المرة خافت حقا، وأحست أن الأستاذ سيفلت من يدها. وهي ثائرة، فقد كانت تقدر أنها ~~ستنفق مع الأستاذ شطرا من الليل في خلوة لذيذة ينصرفان فيها إلى العمل، تقرأ هي المسودات ~~ويصحح الأستاذ. وانظر إليها كيف أجلست الأستاذ في مجلس حسن، وجلست هي بين يديه في شيء من ~~الظرف والدعابة. ولكن هذه هي الدوقة تنذر بمقدمها! ... لن يكون هذا، وهي تأمر الخادم بأن يسرع ~~إلى التليفون، فينبئ الدوقة بأن الأستاذ مريض لا يستطيع أن يلقى أحدا، والأستاذ يعارض ~~ويمانع، ولكنه مضطر إلى الإذعان. # على أن الخادم لا يلبث أن يعود ويعلن في أسف أن الدوقة وزوجها الشيخ قد خرجا من قصرهما ~~وهما في الطريق. فانظر إلى ثورة المرأة وحدتها، وانظر إلى الأستاذ يهدئها ويتوسل إليها في ~~ألا تسيء استقبال الدوقة. وهذه هي الدوقة تقبل مسرعة ومعها زوجها، فلا تكاد ترى الأستاذ حتى ~~تتحدث معه بلسانين: لسان يسمعه الناس جميعا وفيه أحاديث عادية، ولسان آخر يسمعه الأستاذ ~~وحده وفيه مودة وتعريض بمواعيده. و«فريدريك» تتحدث إلى الأستاذ بلسانين أيضا: لسان عادي ~~يسمعه الناس، ولسان آخر فيه نذير وتحذير. وانظر إلى هاتين المرأتين تتقارضان جملا ظاهرها ~~فيه الود والتحية وباطنها فيه البغض والعداء. وقد أقبل «بيير ريجو» زوج «فريدريك» فتنتهز ~~الدوقة هذه الفرصة وتطلب إلى الأستاذ أن يرافقها إلى «البيانو» لتعلب هي ويغني هو، فهي تحب ~~صوته الرخيم ولا سيما حين ms195 يغني القطعة الروسية. # ويحاول الأستاذ أن يعتذر لأن ابنته تلح عليه في الاعتذار من طرف خفي، ولكنه لا يفلح، فهو ~~يذهب إذن إلى البيانو حيث يسمع غناؤه من بعد. وفي هذه اللحظة تخلو «فريدريك» إلى زوجها، ~~فلا يكادان يتحدثان حتى نحس أن «فريدريك» مشغولة بأبيها وصاحبته، وأن زوجها يرى ذلك فيغتم ~~له ويثور، ولكنه يكظم غمه وثورته، ويلح على امرأته في أن تتلطف بالدوقة ولا تظهر هذه الغيرة ~~المنكرة. وامرأته منصرفة عنه، ماضية في الإعجاب بصوت أبيها والسخط على هذه المرأة، حتى يعود ~~الأستاذ ومعه صاحبته، فتلتقفه ابنته التقافا، وتمضي الدوقة إلى بيير تتحدث إليه، وتنظر معه ~~طائفة من الصور في دعابة وتلطف. و«فريدريك» منصرفة إلى أبيها تلومه وتداعبه، وتلاحظ في ~~الوقت نفسه زوجها والدوقة، وتلفت أباها إلى هذه المرأة التي تداعب زوجها وتعبث بشعرها في ~~وجهه، والأستاذ مضطرب بين ابنته وصاحبته. # ثم تنهض الدوقة للانصراف، ويخرج الأستاذ وابنته لتشييعها، ويخلو «بيير» إلى «كودريه»، ~~فنفهم من حديثهما أنه ساخط على حميه شديد الغيرة منه، وأنه سيكون له معه شأن بعد حين. فإذا ~~عاد الأستاذ وابنته تعجل «بيير» فعرض عليهما موضوع هذا الشأن الذي يريد أن يتحدث فيه، وهو ~~أنه ضيق الذرع بباريس، وبمعاملها، وقد سنحت له فرصة تمكنه من العمل الجدي المنتج بعيدا عن ~~باريس؛ ذلك أن غنية أمريكية هي «مسز ونتون» قد أنشأت في أحد الأقاليم مستشفى عظيما للسل، ~~وفيه معامل حسنة النظام غنية بالأدوات، وقد عرض عليه أن يعمل في هذا المستشفى فقبل. # ونحن نفهم أن صاحبنا إنما يريد أن يترك باريس لا حبا في العلم طبعا، ولكن ليستأثر ~~بامرأته بنوع خاص، فلا يكاد يعرض هذا الأمر حتى يثور الأستاذ ثورة عنيفة، ويعلن أن ابنته ~~لن تترك باريس. وتمالئه ابنته في هذا، وتسلك لإقناع زوجها طرقا مختلفة، فيها اللين والشدة، ~~وفيها الاستعطاف والإنذار فلا تفلح. ويوشك الأمر أن يفسد بين القوم لولا توسط الشيخ، ولولا ~~أن «بيير» قد نهض للانصراف، فإذا خلا الشيخ إلى صهره حاول إقناعه وحمله ms196 على أن يدع ابنته ~~تترك باريس فلا يوفق. وهنا حوار بديع بين الشيخ وصهره في الصلة بين الآباء والأبناء، وما ~~يجب على الآباء من التضحية بأنفسهم لأنهم لا يملكون أبناءهم، ولا ينشئونهم للذة والمتاع، ~~وإنما ينشئونهم لأنفسهم قبل كل شيء. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني، فقد مضت ساعات قليلة على ما كان في الفصل الأول. ونحن في بيت ~~«بيير» في غرفة النوم، وقد أوت «فريدريك» إلى سريرها والخادم تحدثها فتنبئها بأن سيدها يعمل ~~في مكتبه، وقد أمر فأعد له خادمه مضجعا في المكتب، فيقع هذا الحديث من نفس «فريدريك» ~~موقعا تحس أنه مؤلم. وانظر إليها وقد صرفت الخادم ولكنها لا تستطيع النوم، فهي قلقة مضطربة ~~تتسمع حركات زوجها في مكتبه. ولهذه اليقظة المضطربة من هذه الظلمة المدلهمة في نفسها أثر ~~قوي، ولكن بابا يفتح ونورا يغمر الغرفة، وقد ظهر الزوج فتتكلف صاحبتنا النوم، وكأنها قد ~~استيقظت فزعة. ولكن زوجها يعلم أنها لم تنم، وقد أقبل يعتذر إليها ويتلطف بها ويستغفر مما ~~قدم، واطمأنت هي إلى ذلك، وصفا ما بين الزوجين الحبيبين وأطفئ من النور أكثره، ولم يبق منه ~~إلا شيء ضئيل يلائم نجوى المحبين آخر الليل، وما يكون بينهما من عتاب واستعطاف ثم رضا ~~واطمئنان. وهما في ذلك وهو يشكو غيرته من أبيها، وهي تدافعه في لطف ورقة. ولكن التليفون ~~يدق فيحاول أن يمنعها من النهوض له فلا يوفق، وقد نهضت إلى التليفون فإذا أبوها قد عاد، وهو ~~يسأل عنها ويلح عليها في ألا تسافر مع زوجها، وهي تجيبه بحديث متقطع يظهر فيه أنها مقسمة ~~بين الرجلين، تحب زوجها وتريد أن ترضيه، وتحب أباها وتكره أن تفارقه، حتى إذا فرغ هذا ~~الحديث بعد مشقة عادت إلى زوجها تريد أن ترضيه وتصل معه إلى اتفاق معقول. ولكن لم يبق إلى ~~ذلك من سبيل، فقد دخل الأب بينهما فأفسد كل شيء. وكيف بهذا الرجل يدخل بين الزوجين حتى آخر ~~الليل وحتى أوقات الصفو والرضا، وقد انتهت الثورة بصاحبنا إلى الظلم، فهو ينكر على ms197 امرأته ~~أنها تحبه، وهو يسرف في ذلك، وهي تتلطف حينا وتشتد حينا، حتى يصل الأمر بهما إلى أقصاه. ~~فهو يعرض عليها السفر، وهي تأبى، وهو يعلن أنه مسافر وحده، وهي تنذر. وهما في هذا وإذا ~~الخادم يطرق الباب، يتحدث إلى سيده بأنه قد أعد له أمتعته، وبأن القطار سيسافر ساعة كذا. ~~فإذا سمعت «فريدريك» هذا الحديث وفهمت أن زوجها كان قد أزمع السفر دون أن يظفر برضاها، وقع ~~ذلك في نفسها موقعا أليما، فغلت في العناد والإصرار، وغلا هو أيضا في اللجاج، وافترقا ~~متغاضبين وانسدل الستار، وإنا لنسمع زفرات هذه المحبة المعذبة بين حبها وكبريائها، بين ~~أبيها وزوجها. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث، فنحن في بيت «جان لوي مارنييه» أول النهار، نرى «فريدريك» جالسة ~~إلى مكتب في يدها ورق وقلم كأنها تحصي شيئا، وقد دخل عليها أخوها الشاب، وفهمنا من حديثهما ~~أن هذا اليوم هو يوم الانتخاب في المجمع العلمي، وهي تحصي الأصوات التي قد يظفر بها أبوها ~~والأصوات التي قد تخطئه. وهي تلاحظ لأخيها أن الأستاذ قد عاد متأخرا في الليلة الماضية ~~وأنه متعب، وأنها قد أمرت الخادم ألا يوقظه إلا إذا تقدم النهار. ولكنها لا تكاد تفرغ من ~~هذا الحديث حتى يدخل الأستاذ كأحسن ما كان قوة ونشاطا مستعدا للخروج، فتلقاه ابنته في ~~دعابتها وفكاهتها، ويلقاها هو مثل ذلك. وانظر إليها تطلب إليه يومه وليلته تريد أن يفرغا من ~~المهنئين بعد الانتخاب، وأن يفلتا إلى أحد المطاعم ثم إلى أحد الملاعب، وهو يجيبها في غموض: ~~«سنرى ...» # ويبدأ فيعلن إليها أنه لن يتغدى معها، وينتحل لذلك المعاذير، وهي مغضبة في دعابة. ولكن ~~جدها قد أقبل من مكان بعيد ليشهد يوم الانتخاب، فينفلت الأستاذ ويترك ابنته مع الشيخ. ولا ~~تكاد المرأة تتحدث إلى جدها حتى يذكر «بيير»، ونرى من الحديث أنها تألم ولكنها تكظم ألمها، ~~وهي غير موفقة في هذا الكتمان: أليست قد أحصت الأيام مذ سافر زوجها؟ أليست مغضبة لأنه لم ~~يكتب إليهما كتابا واحدا وقد مضى على سفره نيف ms198 وثلاثون يوما؟! أليست كانت تنتظر أن تراه ~~في باريس يوم الانتخاب؟! هي مغضبة واجدة، وكانت تحب أن ترى زوجها لتتفق معه على الطلاق، ~~فليس إلى استمرار الزوجية من سبيل، وقد أنبأها المحامي أن قضية الطلاق لا تحتاج إلى أكثر من ~~شهر إلا أن يقاوم زوجها، وما تظن أنه يقاوم. فإذا أراد الشيخ أن ينبئها بأنها ما زالت تحب ~~زوجها، غضبت وزجرت جدها كأنها تشفق من هذا الحديث. # ولكن الخادم قد دخل ومعه بطاقة. تنظر فيها فإذا هي بطاقة «مسز ونتون»، ويقول الخادم إن ~~هذه السيدة تلح في أن ترى مولاته، فتأذن لها وتخلو إليها. فتسألها هذه: ما بالها لم تجب إلى ~~دعوتها وقد طلبت إليها الزيارة غير مرة؟ فتعلن إليها «فريدريك» دهشة أنها لم تتلق دعوة ولم ~~تعلن بوجودها في باريس. فتسألها: ألم يخبرك الأستاذ بأني في باريس منذ حين، وأني أراه كل ~~يوم وكل ليلة، وأني أكلفه دعوتك إلى زيارتي، وأني معتزمة أن أسافر معه إلى روما، وأن زوجي ~~قد مات، وأن الأستاذ يريد أن يتخذني له زوجا، وأننا نفكر في أن نصلح بينك وبين زوجك؟! وتقع ~~هذه الأنباء كلها من «فريدريك» موقع الصاعقة، ويظهر لهاتين المرأتين أن الرجل قد كذبهما ~~وعبث بهما، فتتفقان فجأة على مقته والسخط عليه، وتنشأ بينهما فجأة مودة قوية مصدرها فيما ~~يظهر تشابههما في الحب والإرادة والصراحة واستقامة الخلق. وهما في ذلك إذا الأستاذ قد عاد، ~~فإذا رأى صاحبته أخذه الاضطراب ولم يحسن الحديث، ثم تتركه صاحبته لابنته، فيكون بينهما موقف ~~عنيف مؤلم، يظهر فيه مقدار ما لحب النفس من التأثير في حياة الناس: هذا الرجل الذي كان يحب ~~ابنته ويسرف في حبها حتى ليضحي بها في سبيل نفسه، وهذه المرأة التي كانت تحب أباها وتسرف في ~~حبه حتى لتضحي بزوجها في سبيل هذا الحب، وقد وقفا الآن موقف الخصومة وجها لوجه؛ لأن امرأة ~~أخرى قد دخلت بينهما فاستأثرت بقلب هذا الرجل. وهذه بنته تتهمه بالكذب والقسوة والأثرة ~~والخداع، وهو يتهم ابنته بالعقوق والإثم. ms199 # وهي تعلن إليه أنه لن يتزوج من المرأة، وهو يعلن إليها أنها ستعود إلى زوجها، وسيقترن هو ~~بهذه المرأة، كل ذلك في قوة وعنف مؤثرين حقا. # ويقبل الشيخ فينقطع هذا الحوار العنيف، وتنصرف الفتاة، فإذا خلا الرجلان قال الأستاذ ~~لحميه: يجب أن تسافر وتعود ومعك «بيير»، فيجيب الشيخ: إن «بيير» في باريس وهو في بيته، بين ~~هذه الأشياء التي تمثل حبه يألم ويأسى. فيقول الشيخ: اذهب فأنبئه أن امرأته تنتظره، فإذا ~~تردد الشيخ وألح عليه الأستاذ وأقسم إنه لصادق، فينصرف الشيخ مسرورا مترددا معلنا أن ~~الأمر متصل بسعادة حفيدته، فيقول الأستاذ وكأنه يحدث نفسه: وسعادتي أنا أيضا ...! ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فلم يمض على هذا كله إلا دقائق، ونحن نرى «فريدريك» متهيئة للخروج، ~~ولكن الخادم ينبئها أن زوجها يستأذن، فتأذن له في دهش وحيرة تقدرهما أنت قدرهما. فإذا رأته ~~سألها: أأنت قد دعوتنا؟ فتجيب في دهش: نعم! ... ثم تقبل عليه معتذرة مستعطفة متلطفة، ونحس نحن ~~أن هذا كله يهز الشاب هزا عنيفا، وأنه لو استسلم لعواطفه لقبل ورضي بل لاعتذر واستعطف. ~~ولكن له إرادته وكبرياءه، فهو يكظم تأثره ويظهر الشك، حتى إذا فرغت امرأته أو كانت تفرغ، ~~أعلن إليها في صراحة ملؤها الجفوة والحب معا أنها إنما تستعطفه لأن أباها يريد أن يتزوج؛ ~~لأنها تحس أنها ستصبح وحيدة، فهي تعود إلى زوجها حتى إذا عاد إليها أبوها رجعت إليه. وهو ~~دهش لأنها لا تعلم من أمر هذا الزواج شيئا، ولكن دهشه سيزول؛ فهذا الأستاذ قد أقبل محزونا ~~منكسر النفس قد ظهر عليه الضعف والاستسلام، فيخبر بأنه هو الذي دعا «بيير»، ثم يخبر بأنه ~~فاز في الانتخاب. ولكنه على ذلك محزون منكسر النفس؛ وذلك أن حبيبته قد قطعت ما بينهما من ~~صلة، وأعلنت إليه أنها تاركة باريس مساء اليوم، وأبت عليه حتى أن يودعها بل أن يراها مرة ~~أخيرة قبل سفرها، وهو يلوم ابنته لأنها مصدر هذا كله. # ثم انظر إليه يستعطف ابنته ويتوسل إليها، فهي وحدها تستطيع أن تغير رأي ms200 هذه المرأة، وهي ~~وحدها تستطيع أن تردها إليه فترد إليه الغبطة والسعادة والحياة. وهو يعتذر ويلح في ~~الاعتذار، ويعترف بأنه كان أثرا آثما مسرفا في حب نفسه، ولكنه لم يكن يحس هذا كله ولا ~~يقدره، وابنته لا تجيبه إلا في قسوة وعنف حتى يرق «بيير» نفسه ويلومها على ذلك في لطف. وقد ~~انتهى الأمر بهؤلاء الناس إلى حرج ليس بعده حرج؛ فأما الأستاذ فمذعن مستسلم بعد أن ظهر له ~~أن ابنته لن تشفع له، وأما «بيير» فمستمسك بكبريائه، لم يقتنع بعد بأن امرأته تحبه هذا ~~الحب الذي يمكنها من التضحية بأبيها، وأما «فريدريك» فقد أعلنت في حزم وقسم أنها تاركة هذا ~~البيت مساء اليوم ولن تعود إليه مهما يكن من شيء سواء أتم الصلح بينها وبين زوجها أم لم ~~يتم. وانظر إلى استسلام الشيخ وقد نهض معلنا أنه ذاهب إلى الدوقة لأنها جمعت إلى الشاب ~~طائفة من المعجبين به يهنئونه بالفوز في الانتخاب وهو يداعب صهره في حزن فيطلب إليه ألا ~~يهزأ بشيوخ المجمع العلمي. # وقد أقبل صديق «بيير» يتعجله ليسافرا، فيتردد قليلا ثم يجيب بأنه لن يسافر الآن. وتقع ~~هذه الجملة من نفس «فريدريك» الموقع الذي تقدره أنت، فقد أحست أن زوجها قد رضي وثاب إليها، ~~ولكن زوجها يسألها: ألا ترين أن أباك يحب هذه المرأة حبا مبرحا؟ فتجيب: بلى. ولكنه لا ~~يستحق هذه المرأة، فيلح. وانظر إليه يستعطفها ويتوسل إليها في أن تشفع لأبيها عند حبيبته، ~~فتقبل كارهة، ولكن على أن يشاركها في هذه الشفاعة لتعلم هذه المرأة أن سعيهما صادق وأنهما ~~قد تصافيا حقا. # مارس سنة 1927 # | سعادة اليوم # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «إدمون جيرو» # وليس ينبغي أن يخدعك هذا العنوان، فتقدر أنك ستقرأ قصة خلقية اجتماعية تعرض للسعادة وتصور ~~الناس لها في هذا العصر، فليس بين القصة التي نلخصها في هذا الفصل وبين هذا الموضوع صلة ما. ~~وإنما «سعادة اليوم» اسم أداة من هذه الأدوات التي تتخذ في الدور، نستطيع أن نطلق عليها هذا ~~الاسم العامي ms201 المبتذل «المكتب»، ونريد به هذه المائدة التي تتخذ للكتابة، وفيها أدراج كثيرة ~~تحفظ فيها السيدات أوراقهن، وما لهن من هذه الأدوات الدقيقة المتنوعة. «فسعادة اليوم» في ~~هذه القصة ليست شيئا غير هذا؛ هو لفظ أطلق في عصر من العصور الفرنسية وفي طبقة من الطبقات ~~الفرنسية على هذه الأداة الشائعة. وقد أعطت هذه الأداة الشائعة اسمها لهذه القصة؛ لأنها ~~كانت تحتوي سرا من أسرار أسرة، فاستكشف هذا السر، وكان استكشافه مصدر طائفة من الأحداث ~~والانفعالات، عبثت بطائفة من القلوب والنفوس عبثا عرضه علينا الكاتب في قوة ودقة ومهارة ~~خليقة بالإعجاب. # ولعلك لم تنس بعد هذه القصة البديعة التي حدثتك عنها؛ قصة «الفؤاد المقسم». ولعلك لم تنس ~~بعد هذه العواطف المختلفة التي تتنازع القلوب وتعبث بالنفوس فيما رأيت من قوة وعنف. فقصتنا ~~في هذه المرة تشبه تلك القصة من هذه الناحية، فهي قصة جهاد عنيف بين عواطف قوية حادة تتنازع ~~قلبا كريما بريئا من الشر والإثم، ولكنه في الوقت نفسه متأثر أشد التأثر بالحياة ~~الاجتماعية وما توارث الناس من عادة ورأي وحكم، وما تواضعوا عليه من خلق ونظام. هي قصة ~~نفسية لأنها تعرض عليك نفسا إنسانية في ظرف من هذه الظروف الحرجة العسيرة التي تكشف عن ~~دخائل الإنسان وتجرده - أو تكاد تجرده - من كل هذه اللفائف التي تلفه بها الحياة ~~الاجتماعية. فهي قصة اجتماعية؛ لأن هذه النفس التي يعرضها عليك الكاتب إنما تألم وتحس ما ~~تحس من عذاب، وتخضع لما تخضع له من حرب وجهاد، بحكم الأوضاع الاجتماعية المتناقضة، وبحكم ~~الأحداث الاجتماعية التي تحدث في حياة الناس من حين إلى حين، فتكونهم كما تحب لا كما ~~يحبون، وتصورهم كما تريد لا كما يريدون. وهي قصة خليقة أيضا؛ لأن هذه النفس حين تتألم ~~وتشعر بالعذاب، مضطرة إلى أن تظهر شيئا من الجلد والقوة على المقاومة، وهي لا تقاوم عبثا ~~وإنما تقاوم فرارا من شر وحرصا على خير ونفورا من الأذى ورغبة في البر. # وهي بعد هذا كله قصة لم تنس المثل الأعلى الذي ms202 يضعه الأفراد والجماعات أمامهم، حين يحبون ~~وحين يختلفون في أمورهم المتباينة. # هي هذا كله، وهي إلى هذا كله نموذج من نماذج اللفظ المختار المنتقى، والحوار الدقيق ~~اللطيف، والمعاني الجيدة التي فكر فيها صاحبها فأحسن التفكير، ونسقها فأجاد التنسيق. وقد ~~يستطيع هذا الفصل من فصول التمثيل الفرنسي أن يغتبط بعض الاغتباط، فهو غني بهاتين القصتين، ~~وهو خير من فصول أخرى سبقته، ولم يظهر فيها كما رأيت في الشهر الماضي إلا لون من هذا القصص ~~التمثيلي الفاتر الذي لا يمثل شيئا ولا يدل على شيء. # ولأعرض عليك أشخاص هذه القصة كما تعودت أن أفعل بإزاء القصص الأخرى، فقد يكون هذا العرض ~~أيسر سبيل إلى فهمها وتذوقها. ولكني حائر لا أدري بأي هؤلاء الأشخاص أبدأ، فالظاهر أن لهذه ~~القصة بطلا ممتازا تدور حوله، ولكن أشخاصها جميعا أبطال ممتازون. وما أدري في حقيقة ~~الأمر إلا أن لكل واحد منهم حياته القوية المؤثرة الممتازة؛ أأبدأ بهذا الشاب الذي تدور ~~القصة كلها حوله والذي يظهر أنه البطل الممتاز فيها، والذي يظهر في الوقت نفسه أنه ضحية ~~أبيه وأمه وعصره؟! ولم لا؟ فلا بد من أن نبدأ بواحد من هؤلاء الأبطال، فليكن هذا ~~الشاب. ~~••• # جان بليسيه شاب قد ناهز من عمره الثلاثين، جميل المنظر، قوي، عذب الخلق، حلو الحديث، رقيق ~~القلب. ولكنه في الوقت نفسه بطل من أبطال الحرب الكبرى، أدركته ولما يكد يدع المدرسة، ~~فيدخلها جنديا، ولكنه أبلى فأحسن البلاء، وتقلب في مراتب هذه الخدمة العسكرية العاملة ~~وذاق آلامها ولذاتها جميعا، حتى انتهى به الأمر إلى أن أصبح ذا مرتبة عالية في فرقة ~~الطيران. وقد أحسن البلاء في هذا اللون من ألوان الحرب، وجر عليه ذلك خطوبا وألوانا من ~~الشرف، فرأى الموت وصافحه أو كاد، واضطر إلى المستشفى، وتحلى صدره بالأوسمة المختلفة. ثم ~~انجلت عنه غمرة الحرب، فإذا هو يعود إلى حيث يقيم أبواه في أحد الأقاليم الفرنسية، ويعيشان ~~عيشة ثروة ونعمة وعمل وهدوء. يعيشان في قصر فخم من قصور العصور الوسطى، اشترته الأسرة حين ~~أثرت، ms203 ولكن هذا القصر وما حوله من الأرض الواسعة مهملان أو كالمهملين؛ لأن رئيس الأسرة ~~منصرف عنهما إلى مهنة الطب التي يحبها ويكلف بها. فإذا عاد الشاب إلى أسرته، أسرعت ففكرت في ~~أن تكل إليه تدبير هذه الثروة، على أن يكون ذلك عمله في حياته، وأسرعت فاختارت له فتاة ~~حسناء لتكون زوجه. وظهر اطمئنان الفتى إلى هذا النوع من الحياة، فعني بالقصر والأرض، وشغف ~~بالفتاة وشغفت به الفتاة أيضا، وأخذا يستقبلان الحياة في ابتسام وبهجة، لولا «سعادة ~~اليوم» التي حدثتك عنها في أول الفصل، والتي ستظهر لهذا الفتى أن نشاطه وسروره وابتهاجه ~~للعمل في هذه الحياة السليمة ليست طبيعية، وإنما هي علة يتعلل بها كارها، وإنما حياته ~~الحقيقية في الحرب. # وهذا الشاب من أبوين مختلفين أشد الاختلاف في الطبقة والتربية، فأمه من أسرة شريفة بعيدة ~~في الشرف، تحفظ نسبها في القرون الوسطى، وتذكر ما كان لأجدادها من بلاء في تاريخ فرنسا ومن ~~مكانة في قصور ملوكها. وأم هذا الفتى قد ورثت عن أسرتها الشريفة هذه كل خلالها، فهي مترفة ~~مهذبة رقيقة ممتازة، وقد أورثت هذه الخلال كلها ابنها الشاب. # أما أبوه فمن طبقة أخرى، من هذه الطبقة التي كانت مهضومة مظلومة قبل الثورة، والتي اكتسبت ~~الحرية بعد الثورة، وجدت فأضافت إلى الحرية ثروة وقوة واستئثارا بالحكم. وفيها خلالها، فهي ~~نشيطة عاملة صريحة شريفة الخلق، وفيها عيوبها أيضا فهي غليظة خشنة قليلة الحظ من التهذيب ~~والرقة والامتياز، لا تتنزه عن صغائر تعافها الأرستقراطية. كان جد هذا الفتى يعمل في ~~البريد، ولكنه جد حتى أثرى، وأحسن تربية ابنه حتى أصبح ابنه وزيرا في الإمبراطورية ~~الثالثة، وترك هذا الوزير ابنا أحسن تربيته، فهو طبيب وهو أبو هذا الشاب. # وهذا الشاب متأثر - كما قلنا - بما ورث عن أمه، نافر أشد النفور من أخلاق أبيه، فهو لا ~~يكاد يحتمل أباه منذ رجع من الحرب، وهو يألم لهذا ولكنه لا يجد إلى اتقائه سبيلا، وأبوه ~~يألم له أيضا، ولكنه يروض نفسه على هذا الألم، وقد علمته الحياة ms204 أن يروض نفسه على الألم؛ ~~فقد نشأ كما رأيت ابنا لهذا الوزير، وأدركته حرب السبعين وما تبعها من الهزيمة، فتركت في ~~نفسه ما تركت في نفس الفرنسيين جميعا من هذه الآثار المؤلمة التي يمثلها ضعف العزيمة ~~والاستسلام ثم الطمع والشك. وكان أبوه ضخم الثروة، فزوجه من امرأته الشريفة الفقيرة، وجد ~~هذا الرجل في مهنة الطب حتى أحبها علما وعملا، واتخذها سبيلا إلى البر بالفقراء والإحسان ~~إلى البائسين. وهو شديد الإعجاب بأسرته وجدها ونشاطها، لا يكره مع ذلك أن يزدري الأشراف ~~وخمولهم وكبرياءهم، ولكن الحياة كانت تدخر له ألما هو الذي جعله بطلا، كما أنه أسبغ ~~البطولة على امرأته أيضا. وليس من الخير أن نتعجل فنكشف لك عن هذا الألم، فهو قوام الشطر ~~الأول من القصة. # فلندع هذه الأسرة، ولنذكر الشخص الرابع من أشخاص القصة، وهو «جرين داجوزون» خطيبة جان. ~~فهي فتاة جميلة فتانة ولكنها فقيرة، هي من أسرة نبيلة، ولكن أباها كان سيئ السيرة والخلق، ~~وأمها كانت تعسة سيئة الحال. فأما أبوها فقد مات، وأما أمها فقد بقي لها من هذه الحياة ~~السيئة ضرب من الاضطراب العقلي والخلقي، يمثله الغرور والشره والتكلف وما إلى هذه الأخلاق ~~مما يجعل الإنسان موضع السخرية والإشفاق في وقت واحد. ولكن الفتاة لم تتأثر بشيء من هذا، ~~وإنما نشأت نبيلة ذكية القلب جلدة قوية الإرادة، قادرة على المقاومة، ولكنها رقيقة محبة ~~أيضا. ولم تكد تعرف هذا الفتى حتى أحبته حبا قويا عنيفا، ولكنه شريف ممتاز يشبه حب ~~الفتى لها. # هؤلاء هم الأشخاص، لم أعرض عليك من أمرهم إلا ما يمكن أن يعرف قبل أن تحدث حوادث القصة، ~~فتكشف من نفسياتهم عما كان مخبوءا. ~~••• # فإذا كان الفصل الأول، فنحن في أعلى القصر في هذه الغرف التي تتخذ ملقى للأدوات العتيقة ~~بعد أن يستغنى عنها ويزهد فيها، فتترك في هذه الغرف مهملة وديعة في أيدي الزمان يفنيها ~~قليلا قليلا، وتهمل معها هذه الغرف، قد أغلقت أبوابها من دون هذا المتاع كما تغلق المقابر ~~دون ما تودع من ms205 أجسام الموتى. وقد صعد جان إلى إحدى هذه الغرف، ففتح أبوابها ونوافذها ~~للهواء والضوء، وأخذ يتفقد ما فيها من متاع في إعجاب وشغف. وما هي إلا أن أخذ ينسق من هذه ~~الغرفة وما فيها مكانا يستقبل فيه خطيبته وأمها وأبويه لتناول الشاي. وكانت هذه الفكرة قد ~~خطرت لخطيبته حين علمت بأن في أعلى القصر أدوات قديمة من متاع القرون الوسطى. فأقبل الفتى ~~يهيئ لها هذه الغرفة، وهو يحاور في ذلك خادمه حوارا لذيذا خفيفا، فهو كلف بهذا المتاع ~~القديم لأنه يمثل حياة آبائه، ولكن خادمه منصرف عن هذا المتاع لأنه عتيق قد عمل فيه الفناء، ~~ولأنه يؤثر الجديد الذي لم ينله البلى. وانظر إلى الغرفة قد نسقت تنسيقا حسنا، وإلى طاقات ~~الزهر قد وضعت في هذه الآنية القديمة. ثم انظر إلى الفتاة قد أقبلت، فما تكاد تنظر إلى هذه ~~الأشياء حتى تفتن بها وتمضي في الإعجاب والثناء. وما كان أخلقها أن تمضي في ذلك إلى غير حد ~~لولا أنها تحب صاحبها، وصاحبها يحبها، وخلوتهما ضيقة محدودة، فلا بد من أن يتحدثا في الحب، ~~ولا بد من أن يتبادلا هذه القبل التي يفتن الخطيبان في انتهاز الفرص لها. # وهما يتحدثان في حبهما في خفة ورشاقة وجد أيضا، ونحن نحس أننا لسنا أمام حب فاتر أو ~~نزق، وإنما هو الحب القوي الحاد الذي لا يكاد يدخل القلب حتى يملأه ويستأثر به ويندفع منه ~~إلى جميع الملكات والعواطف والحواس فيخضعها لسلطانه. هذا الحب الذي كله ثقة وأمل ورغبة ~~واحترام وطمأنينة. وهما في هذا الحديث وفي هذا الحب وإذا الأسرة قد أقبلت، فلا ألخص لك ما ~~يدور من حوار حول المتاع ثم حول الشاي، فقد تستطيع أن تستغني عن هذا كله، وإنما ألاحظ أن ~~الأب قد أقبل فرحا مبتهجا فتغنى مع الفتاة بعض أغاني الأقاليم. وكانت الفتاة بها مبتهجة ~~وأمها كذلك وامرأته أيضا، إلا الفتى فقد غاظه ذلك وضاق به ذرعا، ولم يستطع أن يخفي ضيقه، ~~بل عرض باللوم لأبيه، وقبل الشيخ هذا اللوم ms206 في ألم وغيظ وحزن وسخرية. وانقضى الشاي بين ~~الضحك والحزن تتقيد به أم الفتى ما استطاعت. # ثم يعلن الشيخ إلى الفتاة أن في القصر غرفا كهذه الغرف، فيها متاع أقدم من هذا المتاع ~~وأجمل. فترغب الفتاة في أن ترى، ويقبل الشيخ على أن يظهرها على هذا المتاع. وينصرفون جميعا ~~إلا الخطيبين، تخلفا فيما يظهر ليختلسا كلمة أو قبلة، والفتاة تدعو صاحبها إلى أن يتبعها ~~إلى حيث ترى المتاع، وهو يأبى ويتعلل، وما هي إلا أن تفهم من تعلله أنه لا يريد أن يرافق ~~أباه، وأنه ضيق الذرع بأبيه وطبقة أبيه وما لهذه الطبقة من عادة وما فيها من عيب، وأنه شديد ~~الإعجاب بأمه وطبقة أمه وما فيها من ترف ولين ورقة. وانظر إليه وقد استكشف هذا المتاع ~~القديم الذي كان يسمى «سعادة اليوم»، فهو يظهر الفتاة على محاسنه وما فيه من رشاقة فنية، ~~وهو يوازن لها بين هذه الأداة الرشيقة التي تمثل ذوق أمه وأسرتها الشريفة، وبين تلك الأدوات ~~الغليظة التي يمتلئ بها القصر والتي تمثل ذوق هذه الطبقة الوسطى التي سادت بعد ~~الثورة. # وقد تركته الفتاة، فعمد إلى هذا المتاع، وأخذ ينظر في أدراجه ويستنشق رائحتها في شغف ~~وفتنة؛ لأن هذا المتاع قد كانت أمه تستخدمه في شبابها، فهو إنما يتنسم شباب أمه. وقد جذب ~~إليه درجا فتنسمه، ثم حاول أن يرده فيستعصي عليه كأن شيئا يعترض دونه، فينظر فإذا حزمة من ~~الورق، فيسرع إليها متلهفا ويتردد ثم يفضها، فإذا رسائل تنتثر، فيسرع إلى هذه الرسائل ~~يجمعها ويخفيها في جيبه، ولكنه يسمع صوتا فيبالغ في السرعة، ثم ينهض فينصرف وقد أقبل أبوه ~~فرآه موليا، ونظر فإذا رسالتان على الأرض قد أخطأهما فيسرع إليهما فيدسهما في جيبه. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني، فقد مضت أيام على ما قدمت لك، والقوم مجتمعون في غرفة المائدة بعد ~~العشاء ومعهم الخدم جميعا كأنهم في حفل منزلي، والشيخ قائم أمام نار الموقد المتأججة يشوي ~~فيها بنفسه «الشاه بلوط» أو (الكاستينا كما يسمونه الآن). وهو يقص ms207 على الفتاة وأمها من ~~عادات الإقليم وأحاديثه ما يضحكهما ويلذهما. وهم جميعا مبتهجون إلا الشاب، فقد تنحى وانصرف ~~إلى كتاب كأنه ينظر فيه، وإلا أم الفتى فهي قلقة لما تشاهد من ضيق ابنها وسوء الحال بينه ~~وبين أبيه. وقد انتهى عبث الجماعة إلى آخره، وأعلن الشيخ أن ستجمع طائفة من هذا «الشاه ~~بلوط» الذي يشوى، تخرج من الجمر ثم يوضع عليها غطاء ما، ثم تجلس عليها أصغر الحاضرين سنا. ~~وقد قبلت الفتاة، والخدم مبتهجون، وأمها مترددة متكلفة. ولكن الفتى يترك كتابه وينهى خطيبته ~~عن هذا العبث فتأبى، فيلح فتزداد إباء، فيبالغ في الإلحاح فتغضب. ويفسد الأمر بينهما بعض ~~الشيء، وتنصرف غير حافلة بأمها ونذيرها، وقد أعلنت أن خطيبها يجب أن يعرفها حق المعرفة، وأن ~~يعلم قبل أن يتخذها له زوجا أن لها إرادة، وأنها قد تغلو في هذه الإرادة أحيانا، وقد فسد ~~الحفل وانقلب السرور شيئا يشبه الحزن. # ومضى كل إلى مضجعه، ويظل المسرح خاليا حينا، ثم إذا الشاب قد أقبل إلى المكتبة يتلمس ~~فيها شيئا، فيستخرج مجمعا للصور وينظر فيه كأنه يبحث عن صورة بعينها، حتى إذا انتهى إليها ~~اختلسها ودسها في جيبه. وما يكاد يفرغ من هذا حتى يحس صوتا، فيرد مجمع الصور ويظهر أنه ~~يأخذ كتابا. وقد أقبل أبوه، فيسأله ماذا يصنع؟ فيجيب الفتى أنه قد امتنع عليه النوم، فأقبل ~~يلتمس كتابا يستعين به على الأرق. يجيب الشيخ: وهذه حالي، فلنتحدث قليلا. # وما يكادان يبتدئان الحديث حتى يصل الشيخ إلى ما كان يريد، فهو يريد أن يتعرف من شأن ابنه ~~مصدر هذا الضيق الذي ظهر عليه منذ أيام، والذي أقلق أمه ونغص عليها الحياة، أو قل إن الشيخ ~~يعرف مصدر هذا الضيق ولكنه يريد أن يتحدث فيه إلى الفتى. أما الفتى فيتكلف الجواب ويحتال في ~~اتقاء الشيخ، ويعلن إليه أنه ضيق الذرع بهذه الحياة التي يحياها بعد الحرب والتي لا عمل ~~فيها، وأنه يريد أن يعمل وأن يكسب وألا يكون مدينا بحياته لأحد. # أما الشيخ فلا تخدعه ms208 هذه المحاولة، وما هي إلا أن يصل إلى غرضه في صراحة فيعلن إلى الفتى ~~أنه قد عثر بطائفة من الرسائل، ولكنه نسي منها اثنتين ويدفعهما إليه، وأنه قد قرأ هذه ~~الرسائل وعرف ما عرف من أمرها، وأن هذه الرسائل هي التي تنغص عليه حياته. فإذا أظهر الفتى ~~شيئا من الدهش أنبأه الشيخ في هدوء وألم مبتسما بأنه يعرف ما في هذه الرسائل منذ ثلاثين ~~سنة، ثم يقص على الفتى القصص. # فليس الفتى ابنه، وإن كان ابنه أمام القانون وأمام الناس وأمامه هو أيضا؛ ذلك أنه قد كان ~~تزوج من امرأته دون أن تحبه، كما يتزوج أصحاب الثروة من الفقيرات في غير حب ولا كلف. فلما ~~لم يجد من امرأته حبا ولا حنانا ولا هياما زهد فيها وانصرف عنها إلى اللهو والعبث، ~~وفرحت هي بهذا الزهد والانصراف. وفي ذات ليلة لقي صديقا له كان رفيقه في المدرسة، وكان من ~~الأشراف، وكان قد أحب امرأته وكانت قد أحبته، وكانا يريدان الزواج، ولكن الفقر حال بينها ~~وبينه. فلأمر ما حرص صاحبنا على أن يستأنف الصلة بينه وبين صديقه القديم. وانظر إليه يتهم ~~نفسه أشنع التهم في لطف ورقة وكرم أيضا. انظر إليه يحدث الفتى بأنه اجتهد في أن يتردد ~~صديقه على بيته وتتجدد الصلة بينه وبين حبيبته القديمة لأمر لا يكاد يتبينه، وربما كان منه ~~أنه أحب أن يثير في نفس امرأته حبها القديم لهذا الرجل لعلها تتورط في شيء من الإثم فيتخذ ~~ذلك حجة عليها وعذرا لنفسه من آثامه الكثيرة. ومهما يكن من شيء فقد كان ما لم يكن منه بد، ~~وأثمت المرأة، وكان الفتى نتيجة هذا الإثم، فأما أبوه فقد ندم وألح عليه الندم حتى التحق ~~بجيش من جيوش المستعمرات الأفريقية، وجاهد حتى اشترى خطيئته بالموت. وأما أمه فقد لقيت في ~~الحمل آلاما ثقالا وتعرضت في الوضع لخطر الموت، ووقف زوجها بين الأمانة لمهنته كطبيب يجب ~~أن ينقذ المريضة، والانتقام لنفسه كزوج يريد أن يقتل الخائنة، فوفى لمهنته وأنقذ المريضة ~~حتى ms209 إذا تم لها الشفاء لم يجد في نفسه القدرة على استئناف الانتقام فصفح وعفا. وندمت زوجه ~~وتابت، وكانت بينهما مودة استحالت حبا قويا شريفا استفاد منه الطفل، فنشأ بين قلبين ~~يحبانه ويعطفان عليه. # وقد سمع الفتى هذا القصص، ولكنه بطل من أبطال الحرب، قد تعود الهول وتجشمه، وتعود المكروه ~~وصبر نفسه عليه، فهو يألم ولكنه يكظم ألمه، وهو بين أمرين يتنازعان قلبه ونفسه: السخط على ~~أمه وأبيه؛ لأنهما وضعاه في هذه المنزلة الكريهة، والبر بهذه الأم التي لقيت في سبيله ما ~~لقيت من ألم، وتعرضت في سبيله لما تعرضت له من خطر. وهذا الشيخ الذي كان يظنه أباه والذي ~~كان ينكره ويضيق به والذي ظهر الآن أنه ليس منه في شيء: أيحبه لأنه نشأه ورباه كما ينشئ ~~الأب ابنه في مودة وحنان وحب؟ أم يبغضه لأنه ليس منه في شيء، ولأنه هو الذي عرض أمه للإثم ~~والخطيئة، وهو الذي اضطر أمه إلى أن تلده في غير رضا الأخلاق والقانون؟ وأبوه! أيحبه لأنه ~~أبوه؟ أم يبغضه لأنه ورط أمه في الإثم وجنى عليه هذا الوجود المنكر؟ وخطيبته! ماذا يصنع ~~بها؟ أيمضي في حبها ويكتم عليها ما عرف من أمره، فهو إذن يغشها ويدلس عليها؟ أم يظهرها على ~~كل شيء؟ وإذن فإلى أي حال ينتهي حبه وكبرياؤه وكرامته؟ # وهذه الثروة الضخمة التي يكلها إليه الشيخ، أيقبلها وليست له؟ أم يردها؟ وإذن ماذا يصنع؟ ~~فأنت ترى إلى هذا الموقف المعقد وإلى ما فيه من حرج. # وموقف الشيخ! أتظنه يخلو من الحرج؟ كلا، فقد عفا عن امرأته، وقد استطاعت امرأته أن تمحو ~~ما في نفسه من موجدة. وهو يحب امرأته ويريد أن يحميها من كل مكروه، وقد كان هذا يسيرا ما ~~خفيت القصة على الفتى. ولكن الفتى قد عرف القصة، ووقف الشيخ منه في صراحة موقف الغريب، ~~فماذا يصنع؟ وكيف يعصم امرأته من احتقار ابنها وسخطه؟ وهو كان أحب الفتى واتخذه ابنا ~~حقا، وقد ظهرت خبيئة الأمر، فما له بشيء هذا الفتى؟ ومع ذلك ms210 فلم يأثم الرجل ولم يقترف ~~خطيئة ، وإنما تكلف اتهام نفسه ليخفف عن امرأته وليعطف الشاب على أمه. ما خانها ولا تعمد ~~إغراءها وتوريطها في الإثم. ومهما يكن من شيء فهو لا يطلب الآن إلا أن تجهل امرأته أن ~~ابنها قد ظهر على جلية الأمر، وهو يائس - أو كاليائس - من حب هذا الفتى، وقد ضحى بنفسه مرة ~~أخرى. على أنه قد لقي من حب امرأته ما عزاه عن تضحيته الأولى، فلعله يلقى من إحسانه إلى ~~الناس ومن حب الفتاة ما يعزيه عن التضحية الثانية. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد مضى أسبوعان على ما كان في الفصل الثاني، ونحن نرى الشيخ في ~~عيادته يستقبل المرضى ويطب لهم. ولكنه متعب قد ظهر عليه السأم والضيق، حتى إذا انصرف آخر ~~مرضاه دعا الخادم، فيأمرها بأن تذهب إلى الصيدلي وتطلب إليه أن يحتال في ألا تدفع إليه إحدى ~~مرضاه ثمن الدواء، فهو كثير وهي فقيرة، ولكنها عزيزة النفس لا تقبل الصدقة، فليخدعها ~~الصيدلي إذن وليخيل إليها أن الدواء رخيص، وليضف قيمته الحقيقية إلى حساب الطبيب. # وانظر إلى امرأة الطبيب قد أقبلت محزونة تشكو إلى زوجها ضيق ابنها وانصرافه عنها وعن ~~خطيبته، وتلتمس لذلك العلل والأسباب، وتخبر زوجها بأن الرسائل متصلة منذ أيام بين ابنها ~~وبين وزارة الحرب. وهي مشفقة من ذلك، والشيخ يعزيها في مودة وحب، ولكنه لا يظفر من تعزيتها ~~بشيء، وهي تطلب إليه أن يتحدث إلى الفتى ويعظه لعله يكشف من أمره شيئا، ولعله يرده إلى حب ~~أمه وخطيبته والرفق بهما، فيتردد ثم يذعن، وتنصرف امرأته وترسل إليه الفتى. # وما هي إلا أن يتحدثا حتى نعلم أن الفتى قد طلب إلى وزارة الحرب عملا، فعرضت عليه بعثة ~~في الصين حيث الحرب قائمة فقبل. ومهما يفعل الشيخ ومهما يحتل ومهما يتلطف للفتى، فلن يغير ~~رأيه ولا عزمه. والموقف هنا بديع مؤثر حقا، فالشيخ يصطنع اللين حينا، والاستعطاف والعنف ~~حينا، والنذير، والفتى ثابت لا يتزحزح عن موقفه قيد شعرة، ولم يتزحزح عن موقفه وهو ابن ms211 ~~الحرب قد كونته كما أرادت لا كما أراد! لقد أنفق من عمره أربع سنين في قتل وتدمير، يقتل ~~النساء والأطفال والشيوخ والشبان، لا رأي له في ذلك ولا إرادة، ويواجه الموت يتقيه مرة ~~ويرسله على الناس مرة أخرى، فكيف تريده على أن يكون كغيره من أبناء السلم! إنه يعلم حق ~~العلم أنه يمزق قلب أمه وخطيبته وقلب الشيخ أيضا، ولكن ماذا يعنيه من هذا كله؟! أليس ابن ~~الحرب قد صورته في هذه الصورة؟! فليكن مصدر ألم، وليكن مصدر موت، فكذلك أرادت الجماعة أن ~~يكون. وقد يئس منه الشيخ، وأقبلت أمه يائسة أيضا تسأله: أحق ما أنبأتني به خطيبتك من أنك ~~مرتحل إلى الصين؟ يجيبها: نعم! فما أشد تأثير هذا الموقف بين الفتى وأمه: تستبقيه ضارعة فلا ~~يحفل، تحاول أن تعرف السر الذي يضطره إلى هذا العزم فلا تفلح. وهي تفترض الفروض، وتتوسل إلى ~~الفتى بخطيبته، ثم يخيل إليها أنه لا يحب هذه الفتاة، فتجتهد في صرفه عنها. ويكون بينهما ~~حوار بديع مؤلم نتمثل فيه نحن إلى أي حد أنسيت هذه المرأة إثمها وانصرفت عن خطيئتها، وإلى ~~أي حد أثر هذا الإثم في نفس الشاب وأفسد عليه أمره. # وينصرف الشاب وقد أيأس الشيخين من نفسه، ولكن أمه قد عرفت الآن أنه قد ظهر على جلية من ~~الأمر ... فانظر إليها منتحبة بين ذراعي زوجها، وهو يعزيها وينبئها بأنه قد اتهم نفسه ما ~~استطاع ليخفف عنها الوزر أمام ابنها. فإذا رآها تسرف في البكاء خيل إليها أنها تبكي ندما ~~لما تذكر من إساءتها إليه. ولكنه لا يلبث أن يتبين أنها تبكي على ابنها لا عليه. فليضح ~~بنفسه مرة ثالثة! أليس يحب هذه المرأة؟! أليس يحب هذا الفتى؟! فليعز هذه، وليجتهد في إمساك ~~ذاك، ولكن ليس إلى إمساك الفتى من سبيل. ~~••• # فنحن في الفصل الرابع، وقد أخفق الشيخ وامرأته والفتاة في صرف الفتى عن عزيمته. ونحن في ~~طولون ثغر فرنسا الحربي، حيث يأخذ الفتى سفينته الحربية إلى الصين. وقد أقبل الجماعة كلهم ~~يودعونه، ونحن ms212 في أحد المطاعم المطلة على البحر حيث السفينة وحيث يستطيع المودعون أن يروا ~~السفينة حين تقلع ويتبعوها بأبصارهم حتى تغيب. وأنا أعفيك من هذا الحوار اللذيذ الطويل بين ~~الشيخ وصاحب المطعم، وأنتهي مسرعا إلى هذا الموقف البديع بين العاشقين، فقد التقيا وتعاهدا ~~على الحب والأمانة والوفاء، وأعلن كل منهما إلى صاحبه خبيئة نفسه. ولكن انظر إلى الفتاة ~~تطلب إلى صاحبها أن يرفق بأمه فقد أثمت كارهة، ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم لنفسه العصمة من ~~الإثم؟! وأن يحب الشيخ ولو قليلا، فقد كان زوجا برا وأبا رحيما، وما ذنبه في كل ما ~~كان؟! # فإذا سأل الفتى صاحبته: كيف عرفت سره؟ أجابته: لقد أخبرتني به أمك واتخذتني سبيلا إلى ~~استعطافك وحملك على الرفق. وانظر إلى الفتى وقد تأثر بهذا كله، بمكان أمه من نفسه، ومكان ~~هذا الشيخ الخير البريء، ومكان هذه الفتاة الطاهرة المحبة تستعطفه على هذين البائسين. وقد ~~أقبل الشيخان، فالفتى رفيق بهما ما استطاع، يظهر لأمه من العطف والمودة ما يملؤها رضا، ~~ويقبل الشيخ ولكن دون أن يقول له شيئا، والشيخ يرضى بهذه القبلة وهو واجم؛ لأنه كان ينتظر ~~كلمة مودة لم يظفر بها. # وأقبل ضابط من السفينة يتعجل الفتى، فيودع القوم جميعا، ولكنه قد لا يقول للشيخ هذه ~~الكلمة التي كان ينتظرها. وقد مضى نحو السفينة، وهم جميعا يتبعونه بأبصارهم، إلا الشيخ فهو ~~على كرسيه واجم محزون. ولكن القوم يسمعون من الفتى صوتا لا يتبينونه، ثم لا يلبثون أن ~~تبينوا، فإذا الفتى يدعو أباه، وإذا هم جميعا يدفعون الشيخ دفعا إلى النافذة حيث يرى ~~الفتى ويسمعه يدعوه بهذه الكلمة التي كان ينتظرها: «إلى اللقاء يا أبت! ...» # إبريل سنة 1927 # | زوجا ليونتين # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «ألفريد كابو» # نعم هي قصة فكاهية ولكنها لا تخلو من الجد، أو قل هي قصة فكاهية ولكن كلها جد. فلن تخطئ ~~إذا قلت هذا، ولن تخطئ إذا قلت إن الفكاهة في هذه القصة مع أنها روح القصة وغايتها لم تتخذ ~~في حقيقة الأمر ms213 إلا وسيلة إلى الجد، وسيلة إلى هذا الجد الذي يحسن ألا يقصد إليه مباشرة، ~~وألا يعمد إليه الكاتب في غير احتيال وتكلف للطرق المعوجة؛ إما لأن الكلام قد كثر فيه حتى ~~أصبح حديثا معادا مملولا، فلا بد من عرضه في صور جديدة لم يألفها الناس، وإما لأنه من ~~هذا الجد الذي تأبى الأخلاق العامة والأوضاع الاجتماعية أن يهجم عليه الكاتب في غير احتياط ~~ولا تلطف بالنظارة والقراء، فهو مضطر إلى أن يحتال ويفتن في الحيلة ليسمعك ما يريبك دون أن ~~يروعك أو يسوءك أو يشق عليك. # والجد الذي يقصد إليه كاتبنا في هذه القصة ويتخذ الفكاهة وسيلة إلى إدخاله في نفوس القراء ~~والنظارة، لا يخلو من هذين الأمرين جميعا، فقد كثر الكلام فيه حتى سئمه الناس أو كادوا ~~يسأمونه، وهو مع ذلك دقيق لا يخلو مما شأنه أن ينفر الحريصين على الأخلاق والمألوف من ~~الأوضاع الاجتماعية. ولكنه على كثرة الكلام فيه حتى مل، وعلى دقته ومخالفته لما ألف الناس ~~من خلق وعادة، خليق بالعناية حري بالتفكير، لم يصل فيه الناس بعد إلى رأي قاطع مقبول. ~~وأنت تعلم حق العلم أن القصاص، سواء منهم الممثل وغير الممثل، قد عالجوا أمر هذه المرأة ~~اللعوب التي تخون زوجها، فتسرف في خيانته حتى تتمثل كأنها الرذيلة مجسمة، ولكن لها من دون ~~ذلك العبث والفجور طبيعة خيرة قابلة للصلاح والطهر. وأنت تعلم أيضا أن هذه المرأة على كثرة ~~ما أدافع عنها القصاص والأدباء والفلاسفة لا تزال بغيضة إلى سواد الناس، ممقوتة أمام ما ~~اتفق الناس على أنه الأخلاق والعادات الموروثة. وأحب أن تطمئن، فما أريد أن أدافع عن هذه ~~المرأة، وما أريد أن أغير في الأخلاق، ولا أن أمس هذه العادات بخير ولا بشر، فلست أنا من ~~هذا كله في شيء، وما أنا بالذي يفكر في نقد النظام الاجتماعي وتغييره قليلا أو كثيرا. ~~إنما هي قصة أعجبتني، وأظن أنها ستعجبك، بل أتمنى أن تعجبك، ولهذا ألخصها لك، وأعرضها عليك ~~في غير حكم ولا تأييد. # في ms214 هذه القصة خفة ورشاقة، وفيها مجون ودعابة . ولكن من الذي حظر على الناس أن يعمدوا إلى ~~القصص الخفيف الرشيق الذي تزيده الدعابة خفة ويزيده المجون رشاقة، فيقرءوه ويشهدوه؟ ومن ~~الذي يستطيع أن يزعم أن الأدب لا يكون أدبا إلا إذا كان جدا كله؟ ومن الذي يستطيع أن ~~ينكر أن الدعابة والفكاهة قد تبلغان من التأثير في النفس ومن إذاعة الخير وتحبيبه إلى ~~النفوس ما لا يبلغه أشد الجد حموضة وعبوسا؟ # على أن قصتنا ليست من هذه الدعابة الممقوتة، ولا من هذه الفكاهة التي تضيق بها نفس الرجل ~~الخير المتشدد في حب الخير. فهي تقارب العبث وتدنو منه فتسرف في الدنو، حتى يخيل إليك أنها ~~ستتورط فيه، ولكن الكاتب ماهر حريص على الخلق، حريص قبل كل شيء على حس الجمهور، وعلى حسه من ~~ناحية الخير، فهو لا يريد أن يؤذيه، فهو يدنيك من هذا العبث حتى تكاد تلمسه. ثم ما هي إلا ~~حركة يدفع بها قلمه، فإذا أنت بعيد من الإثم كل البعد، وإذا أنت لم تشهد منه إلا هذه ~~الناحية التي تضحكك من الشر وترغبك عنه. # وهي فوق هذا كله تعرض لطائفة من الموضوعات الاجتماعية القيمة التي لن يوفق الناس لأن ~~يتخذوا لهم فيها رأيا قاطعا. تعرض لموضوع الطلاق مثلا، فمما لا شك فيه أن الناس سيظلون ~~مختلفين في الطلاق، يراه بعضهم خيرا لأنه يرفه على الناس ويفصل بين الزوجين اللذين لا سبيل ~~إلى أن يعيشا مؤتلفين، ويمكنهم بذلك من حماية كرامتهم وشرفهم وآدابهم. ويراه بعضهم شرا ~~لأنه يفصم عروة قد أحكمها الدين كما يقول المسيحيون، ولأنه أبغض الحلال إلى الله كما يقول ~~المسلمون. وسيظل أولئك وهؤلاء في خلاف وجدال ما احتاج الناس إلى أن يكون بينهم الزواج ~~والطلاق. ولكن هناك وجها من وجوه الطلاق لا يفكر فيه الناس كثيرا، وربما لم يفكروا فيه ~~بوجه من الوجوه، وهم مع ذلك يحسونه ويجدون فيه اللذة حينا والألم حينا آخر؛ ذلك أن ~~الطلاق في حقيقة الأمر وسيلة قانونية للفصل بين شخصين لا ms215 يستطيعان الحياة مؤتلفين، كما أن ~~الزواج وسيلة قانونية للجمع بين شخصين يحبان أن يعيشا مجتمعين. ولكن المسألة هي أن نعرف ~~أيستطيع الطلاق بعد أن يحقق هذا الفصل القانوني أن يحقق فرقة أخرى صحيحة فيقطع الصلة قطعا ~~باتا بين الزوجين كأن لم يعرف أحدهما الآخر؟ كما أن هذه المسألة نفسها تعرض بالقياس إلى ~~الزواج، فالزواج يجمع الزوجين جمعا قانونيا، ولكنه قد يعجز في كثير من الأحيان عن أن ~~يؤلف بينهما تأليفا صحيحا قويا. ولعلك تذكر أني قد حدثتك منذ حين عن قصة لهذا الكاتب ~~نفسه، عرض فيها للطلاق وعجزه عن أن يفرق بين الزوجين إذا جمع بينهما الحب الصحيح. وهذه ~~القصة هي قصة «المذهبين» التي رأيت فيها رجلا خان امرأته، فأسرف في خيانتها حتى طلبت ~~الطلاق وظفرت به وهمت أن تتخذ لها زوجا آخر. ومضى زوجها الأول في إثمه وعبثه، ثم التقيا ~~فظهر أن الطلاق لم يفرق بين قلبيهما وإن فرق بين جسميهما، وظهر أنهما مضطران إلى أن يستأنفا ~~حياتهما الأولى. # وكاتبنا في هذه القصة التي نحن بصددها يعرض للطلاق من هذه الناحية، وإن كان لا ينتهي إلى ~~مثل النتيجة التي انتهى إليها في القصة الأخرى، بل ينتهي إلى نتيجة مناقضة من وجه ما لتلك ~~النتيجة. فسنرى زوجين لم يستطيعا أن يعيشا مؤتلفين؛ لأن المرأة خانت زوجها، فأسرفت في ~~الخيانة حتى طلب الزوج الطلاق فظفر به. ولكن هذا الرجل طيب القلب، خير الطبع، فهو يعطف على ~~زوجه بعد الطلاق، ويمدها بما تحتاج إليه من معونة. وهو ينالها بالبر والمودة أكثر مما كان ~~يفعل قبل الطلاق، وهو يحس أن هذا العطف وهذه المودة يناقضان أشد المناقضة ما ألف الناس من ~~عادة وقانون، فهو مضطرب بين إرضاء طبعه وعاطفته وإرضاء العرف. وهو يذعن في كثير من الأحيان ~~للطبع والعاطفة، ولكنه يذعن مرة للعرف فيفر من امرأته المطلقة، ويخيل إليه أنه بهذا الفرار ~~سيريح نفسه من هذا الجهاد العنيف. ولكنك تعلم أن «ألفريد كابو» صديق للمصادفة، فهو يرى أن ~~لها أعظم الأثر في تدبير ms216 حياة الأفراد والجماعات، وقد بينت لك هذا في كل ما حللت من قصصه. ~~وهو هنا يعرف للمصادفة هذا السلطان ويسخرها في قصته، وإذن فيستطيع صاحبنا أن يفر من زوجه ~~المطلقة، فالمصادفة كفيلة بأن تكرههما على اللقاء، وإذن فسيظل الجهاد متصلا بين هذه ~~العاطفة التي تعطف الرجل على زوجه بعد الطلاق، وهذا العرف الذي ينكر ذلك ويراه إثما أو ~~شيئا يشبه الإثم، ولا بد من تدخل المصادفة موقف هذا الجهاد عند حد ما. # فأنت ترى أن هذا الوجه من وجوه الطلاق خليق في نفسه بالعناية بالدرس، وأن الكاتب مهما ~~يصطنع من الفكاهة والمجون لدرس هذا الموضوع وتقريبه إلى الناس، فليس مسرفا ولا غاليا في ~~العبث. ذلك إلى أن الأمر نفسه حقيقة من الحقائق الاجتماعية التي لا تقبل الشك. فكلنا يعلم ~~أن الطلاق كثيرا ما يعقب الندم والحسرة، وكلنا يعلم أن قد كان لهذا أثره في آداب الأمم ~~المختلفة، في آدابنا العربية وفي الآداب الأجنبية على كثرتها واختلافها. وإذن فهي حقيقة من ~~الحقائق الاجتماعية يجب أن تدرس، وأن يتخذ الأدباء إليها الوسائل المختلفة: قصصا حينا ~~وتمثيلا حينا آخر، جدا مرة، وفكاهة مرة أخرى. ذلك إلى أن هناك أشخاصا من حق الأديب أو ~~من الحق على الأديب أن يصورهم للناس، فقد يكون في تصويرهم، إلى جانب النفع الفني، نفع خلقي ~~واجتماعي. قد يكون هؤلاء الأشخاص أخيارا، ففي تصويرهم ما يدعو إلى القدوة، أو أشرارا ففي ~~تصويرهم ما ينفر منهم. # والحق أن الأشخاص الذين صورهم الكاتب فأحسن تصويرهم في هذه القصة قليلون، هم أربعة ليس ~~غير، ومن حولهم أشخاص آخرون لا يمتازون بشيء، وهؤلاء الأشخاص الأربعة قد أحسن الكاتب ~~تصويرهم حتى أصبح من اليسير جدا أن ننقل إليك صورهم في غير إطناب ولا إطالة. # فأما أولهم فهو «أدولف ديبوا» رجل من أوساط الناس، له ثروة ولكنها ضئيلة، يعمل في ديوان ~~من دواوين الحكومة، خير الطبع، رضي النفس، مستقيم الخلق، ضعيف الإرادة، يكره الشر ولكنه لا ~~يستطيع مقاومته في يسر، ويحب الخير ولكنه يحب نفسه ms217 أيضا، فهو لا يستطيع أن يعتمد على نفسه ~~في شيء وإنما هو محتاج إلى من يعينه ويرشده ويوجهه إلى سبيل الخير، وهذا الرجل هو الزوج ~~الأول. # وأما الشخص الثاني فهو البارون «إدوار دي لاجامبيير» شاب من الأشراف، ضخم الثروة، ولكنه ~~كصاحبه خير ضعيف الإرادة، لا يستطيع المقاومة ولا يقوى على الجهاد إلا في ناحية واحدة، وهي ~~الناحية المضادة لميول الأشراف وما توارثوا من عادة وسنة، فهو يكره عادات الأشراف، ولا يحرص ~~على تقاليدهم ولا يحفل بها. # والشخص الثالث هي «ليونتين»، امرأة جميلة فتانة، ولكنها كصاحبها ضعيفة الإرادة خيرة، غير ~~أنها لا تستطيع مقاومة الشر أو قل لا تكاد تميز بين الخير والشر، سلطان الغريزة عليها أقوى ~~من سلطان العقل، محبة للفكاهة مندفعة فيها، أو هي ترى الحياة كلها فكاهة، حتى تعلمها ~~المصادفة أن هذه الفكاهة قد تستحيل إلى جد فتستفيد من هذا الدرس، وإذا هي صاحبة جد ولكنه ~~جد باسم لا يكاد يخلو من الفكاهة. # والشخص الرابع هي الماركيزة «دي بريساك»، شيخة من الأشراف، هي عمة البارون دي لاجامبيير، ~~محافظة، مسرفة في المحافظة، سيئة الخلق، طويلة اللسان، ميالة مع هذا إلى الخير. # هؤلاء هم الأشخاص الذين تقع بينهم القصة. وهناك أشخاص آخرون كثيرون تأتي بهم المصادفة ~~ليتم تدبير ما سيقع من الحوادث دون أن يكون لهم في أنفسهم خطر. ~~••• # فإذا كان الفصل الأول فنحن عند «أدولف» في بيته في باريس، نشهد شابا قد أقبل يطالب ~~بقسط من الأقساط المالية، فتظن الخادم أنه يطالب بالقسط المستحق من ثمن البيانو الذي ~~اشتراه سيدها، فتدفع إليه خمسين فرنكا، فيضحك ويطلب ألفين. فإذا سمعت الخادم هذا الرقم ~~جزعت وفزعت إلى سيدها، فيقبل ويعد الشاب بالأداء بعد دقائق. وما هي إلا أن يصل صديق له عضو ~~في مجلس النواب اسمه «بلانتين»، يحمل إليه هذا المقدار فيأخذه ويدفعه إلى الشاب. والخادم ~~ساخطة تلوم سيدها لوما عنيفا، فهي تعلم أين يذهب هذا المال، هو يذهب في حاجات زوجه ~~المطلقة، ومع ذلك فقد أضاعت هذه المرأة على زوجها ms218 أكثر ثروته، ثم خانته فأسرفت، حتى إذا ~~طلقها اتخذت صناعة المومسات، وهي مع ذلك لا تستحي أن تلجأ إلى زوجها القديم كلما مسها ~~الضيق، وزوجها القديم لا يستحي أن يعينها كلما لجأت إليه. ثم تنصرف الخادم مغضبة، ويأخذ ~~النائب في النصح لصديقه ألا يفعل، وصديقه يرى رأيه ويقبل نصحه. ولكن الخادم تعود فتعلن إلى ~~سيدها أن زوجه مقبلة، فيضيق الرجل ذرعا ولكنه يستقبلها. # فإذا دخلت رأيت امرأة خفيفة الروح، حلوة الحديث، مستخفة بكل شيء، قد أقبلت على زوجها ~~القديم مطمئنة واثقة تتحدث إليه في غير تكلف، وزوجها يخشى أن تكون قد أقبلت تطلب بعض المال ~~فهو يدافعها عن ماله. ولكنها لم تقبل لشيء من هذا، إنما قبلت لشيء آخر؛ ذلك أنها غضبت على ~~صاحبها فطردته، أو غضب عليها صاحبها فانصرف عنها، وكانت قد استدانت فعجزت عن أداء الدين، ~~وباع الدائنون متاعها، وأصبحت وليس لها مأوى، وهي تبحث عن بيت، ولكنها تريد مأوى حتى تجد ~~هذا البيت وتهيئه للسكنى. وقد فكرت في صديقاتها ولكنها استحت منهن، فلم تجد إلا زوجها، ~~فيدافعها الرجل عن بيته، ويشجعه صاحبه على الدفاع. وتقبل المرأة رفض زوجها راضية غير مكترثة ~~في ظاهر الأمر، حتى إذا انصرف النائب عنهما أقبلت إلى «البيانو»، فأخذت تعزف لاعبة باكية في ~~وقت واحد. وعجز صاحبنا عن المقاومة، فأذن لها أن تبقى عنده. وهو يفكر في تدبير الأمر، ~~فسينزل لها عن غرفته، وسينام في غرفة الاستقبال. أما هي فلا تريد أن يفسد النظام في غرفة ~~الاستقبال بهذا السرير الذي سيضاف إليها، وهي لا ترى بأسا أن تقاسم زوجها غرفته، ولكن ~~الزوج يرى في ذلك البأس كل البأس، فتقبل منه ذلك ضاحكة غير حافلة، وهل تحفل بشيء؟ # وانظر إليها قد نهضت فنظرت في غرفة الاستقبال فلم يعجبها تنسيق المتاع، فهي تقترح تغيير ~~النظام، تريد أن تنقل هذا المتاع من مكانه وتضع مكانه متاعا آخر. وزوجها يرى رأيها وكأنه ~~قد نسي الطلاق وخيل إليه أنهما في حياتهما الأولى. وانظر إليها بعد هذا تطلب إلى ms219 زوجها ~~شيئا من النقود، وتكلف الخادم أن تشتري شيئا من الزهر تزين به هذا البيت. ثم انظر إليها ~~تداعب زوجها، وهو يقاوم أول الأمر ثم تضعف مقاومته حتى يوشك أن يزل، لولا ... زيارة تفصل ~~بينهما، فقد أقبلت صديقتان لزيارة «ليونتين» وكانت قد أنبأتهما أنها ستلجأ إلى عمها فتقيم ~~عنده حتى يجعل الله لها من ضيقها مخرجا، فتقبلان وتقدم إليهما «ليونتين» أدولف على أنه ~~عمهما. # فإذا خلا النساء إلى أنفسهن قالت إحدى الصديقتين لليونتين: إن الله قد هيأ لهما مخرجا من ~~هذا الضيق، فإن البارون «إدوار دي لاجامبيير» الذي رآها منذ سنة مفتون بها، وهو يلتمسها ~~ويريد أن يتخذها خليلة له، وهو مقبل لزيارة بعد حين، تقولان ذلك وتنصرفان. ويأتي الزوج وهو ~~مضطرب في دخيلة نفسه، واثق بالزلل أن أقام مع امرأته، عاجز عن أن يرى لنفسه مخرجا من هذه ~~الأزمة. ولكن صديقه النائب قد عاد يخبره بأنه مسافر، فيطلب إليه أن يصطحبه ليخرج من هذه ~~الأزمة، ويقبل النائب. وانظر إليه يعلن إلى زوجه أنه مسافر الآن لأمر طرأ، وأن سفره قد ~~يطول، وأنها مطلقة التصرف في البيت ما لم تسئ السيرة، وأن خادمه متصلة بشخصها، وأنه تارك ~~لها مقدارا من المال يقترضه من صاحبه، وهو يهيئ حقيبته وينصرف. # وما هي إلا أن يقبل البارون ومعه صديق له أستاذ في مدرسة من مدارس الزراعة في الأقاليم. ~~فإذا أستأذنا وأذن لهما انتظرا لحظة نراهما فيها وحدهما، فتعرف أن البارون على ذكائه ~~ومهارته في تصريف الحديث مفحم أمام النساء، ولا سيما حين يعجبنه ويقعن من نفسه. # وما هي إلا أن تدخل «ليونتين» حتى يظهر اضطرابه وعجزه وحتى تسخر منه في نفسها، ويظهر في ~~الوقت نفسه لسن هذا الصديق الأستاذ وفصاحته، وإذا «ليونتين» مفتونة بهذا الأستاذ. ولست أطيل ~~عليك بتلخيص ما يقع بينهم من حديث، ولكن الأمر ينتهي بدعوة إلى العشاء وقبول لهذه الدعوة ~~وخروج الثلاثة إلى حيث يطمعون. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فنحن في مدينة من مدن الأقاليم، في دار الأستاذ الذي رأيناه ms220 في ~~الفصل الأول، وقد أقبلت لزيارته واستشارته المركيزة «دي بريساك» ومعها ابنة أخ لها جميلة ~~يقال لها «أورتنس»، وأورتنس هذه تنبئ عمتها أنها كادت تفقد الحياة لولا أن رجلا أنقذها ورد ~~عنها فرسا جامحا كاد يقتلها. وعمتها تسخر منها ومن صاحبها الذي أنقذها، كما تسخر في غضب ~~وسخط من ابن أخيها البارون «دي لاجامبيير» الذي تزوج امرأة مطلقة من باريس خارجا بذلك على ~~تقاليد الأشراف وأصول الدين. وهذه الشيخة مغضبة محنقة على كل شيء، ترى أن النظام الجمهوري ~~مسئول عن كل الشرور حتى التي لا عمل للناس فيها. أليست الجمهورية هي التي استحدثت هذه العلل ~~التي تصيب الكروم فتفسدها؟! وقد أقبلت هذه المرأة تستشير أستاذنا الزراعي في إحداهما! ولكن ~~الأستاذ قد أبطأ، فتنصرفان على أن تعودا بعد حين. # ويقبل الأستاذ ويقبل البارون ويتحدثان، فنفهم من حديثهما أن البارون لم يكد يرى «ليونتين» ~~حتى فتن بها واعتزم أن يتخذها له زوجا، تردد في ذلك أياما ثم صحت عزيمته فتزوجها، لم يحفل ~~بأحد ولم يدع أحدا، وهو سعيد بهذا الزواج منذ ثلاثة أشهر، وامرأته سعيدة أيضا ... وهو ~~يلتمس لها العذر فيما اقترفت من إثم قبل أن يتزوجها، فذنب ذلك على زوجها الأول، ذلك الرجل ~~المجرم الذي كان يشرب حتى إذا سكر عاد إلى بيته فأذاق امرأته ألوان العذاب. وآية ذلك أن ~~المحكمة حكمت عليه بالطلاق لا على زوجه. هو إذن راض عن حظه مغتبط به، وصاحبه الأستاذ يهنئه ~~ويغبطه، وهو يعلم زوجه اصطناع البسكليت، وهو معجب بجمالها فيما تتخذ لهذا الغرض من زي، معجب ~~بذكائها وسرعة إتقانها لهذا الفن. # ثم نفهم من حديثهما أنه ساع لصديقه الأستاذ في أن ينال أحد الأوسمة، وأنه لا بد لذلك من ~~عريضة يوقعها أعيان الإقليم. والأستاذ قد هيأ هذه العريضة وسيمضيها البارون ويحمل عمته على ~~إمضائها، فسيكون لذلك أثره، وإن كانت عمته ساخطة عليه مغاضبة له. وقد أقبلت «ليونتين» في زي ~~البسكليت جميلة خلابة مبتسمة للحياة، راضية عن كل شيء، حلوة الحديث، لذيذة الفكاهة، فتتحدث ~~حينا، ms221 ونفهم من الحديث أن زوجها مضطر إلى أن يغيب عنها ساعات تقضيها هي في دروس البسكليت. ~~ثم ينصرف الزوج حينا، فإذا بين الأستاذ وبين «ليونتين» إثم قديم العهد لأنها أحبته منذ ~~رأته وأحبها هو أيضا ولكنه خائف، أما هي فلا يعرف الخوف إلى نفسها سبيلا. وانظر إليها قد ~~أخذت تداعبه، وهو يجيبها كارها، ثم تدنو منه وما تزال تدنو حتى تكون بين ذراعيه، وهو ~~يقبلها وهي تقبله، وهي تكرهه على أن يضرب لها موعدا إذا انصرف زوجها، وهو يتأبى، ولكنها ~~تكرهه وتلح عليه وتقول له في قبلة: «إلى اللقاء بعد حين.» # وفي أثناء ذلك يفتح الباب وتظهر الشيخة، فإذا رأت هذا المنظر انصرفت مغضبة وافترق ~~العاشقان ولم يحسا شيئا. # ثم يعود البارون وتنصرف امرأته إلى البسكليت. وبينما هو في حديث مع الأستاذ إذ تستأذن ~~الشيخة فتدخل في جد وحشمة، وتطلب إلى الأستاذ أن يزور زراعتها غدا أو بعد غد وتهم ~~بالانصراف. ولكن ابن أخيها يستوقفها ويريد أن يتقرب إليها، فيتركهما الأستاذ حينا ~~فيتحدثان، ونفهم من حديثهما أنها لا تعترف بزواجه، وإنما ترى أنه اتخذ له خليلة وليس في ذلك ~~بأس. غير أن الشاب يطلب إليها توقيع العريضة، فتأبى في غضب لأنها تزدري هذا الأستاذ، وكيف ~~لا تزدريه وقد رأت بين ذراعيه منذ حين امرأة جميلة في زي البسكليت ما ترى إلا أنها من ~~مومسات باريس! يدهش الشاب لأنه كان يرى صديقه الأستاذ أبعد الناس عن العبث واللهو. فإذا ألح ~~في هذا الدهش وألحت عمته في الوصف والتفصيل، تطرق الشك إليه فيستوصف عمته، فتفصل الوصف، ~~فيستحيل الشك يقينا، وإذا هو مصعوق، وإذا عمته تقول في سخرية: أخشى أن أكون قد أسأت إليك ~~عن غير عمد. ولكن صاحبنا يريد أن ينتقم وهو يريد البينة قبل الانتقام، وقد أخبرته عمته أن ~~العاشقين تواعدا على أن يلتقيا بعد حين، فيخرج وتخرج عمته للاستعانة بصاحب الشرطة، وقد عاد ~~الأستاذ إلى غرفته، وهو يحدث نفسه كارها لهذا الموعد، معلنا أن الدرس والمرأة لا ~~يجتمعان. # ولكن المرأة ms222 قد أقبلت، فتداعب وتعبث حتى تصرف الرجل عن درسه، ثم تنسل في لطف إلى غرفة ~~النوم وقد تجردت من ثيابها، وهي تدعو إليها صاحبها في دعابة ورشاقة، وصاحبها يقبل عليها ~~كارها، ولكنه يسمع وقع أقدام، ثم يحس طرق الباب، ثم يستيقن أنه الزوج قد أقبل ومعه صاحب ~~الشرطة، فيضطرب ويشتد اضطرابه، ويحاول أن يحمل صاحبته على الفرار، ولكن كيف تفر وهي ~~عريانة؟! أما هي فهادئة مطمئنة، تأمر صاحبها أن يفتح الباب، وقد فتح الباب، ودخل الزوج ودخل ~~صاحب الشرطة ومعه كاتبه، ولكننا لا نكاد نرى صاحب الشرطة حتى يأخذنا الدهش ثم الإغراق في ~~الضحك، ذلك أن صاحب الشرطة هو «أدولف ديبوا» الزوج الأول لليونتين، أرادت المصادفة أن يكون ~~مدير الشرطة في هذه المدينة منذ أيام. # يأخذ صاحب الشرطة في كتابة المحضر مستعينا بكاتبه، حتى إذا أراد أن يرى المرأة الخائنة ~~أنبئ أنها لا تستطيع أن تظهر له فيسجل ذلك في المحضر. وبعد حين يفتح باب الغرفة وتخرج ~~«ليونتين» ... فقدر دهشها، وقدر بنوع خاص دهش صاحب الشرطة وقد رأى امرأته في هذا الموقف. ~~ولكنهما يجتهدان في إخفاء هذا الدهش، ويحاول الرجل أن يمضي في عمله فيأخذ في سؤال ~~«ليونتين»، فتطلب إليه «ليونتين» أن يأذن لها في توجيه الكلام لحظة إلى هذين الرجلين زوجها ~~وعاشقها. فتسأل الزوج ماذا يريد؟ يجيبها: الطلاق في أسرع وقت، وتسأل الأستاذ ماذا يريد أن ~~يصنع؟ فيجيب: إنه لا يريد شيئا فهو رجل درس، وكل ما يعنيه أن ينصرف إلى عمله. هو إذن متخل ~~عنها ... هو إذن رجل لا شرف له ولا مروءة، وقد كانت أحبته لأنها كانت ترى فيه جدا واستقامة. ~~أما زوجها فيسألها ماذا تريد أن تصنع هي؟ تجيبه: وما يعنيك من هذا؟ فيقول: إنك ستظلين زوجي ~~حتى يفرق الطلاق بيننا، فمن الحق أن أعرف إلام تصيرين، عجيب! سأذهب إلى حيث كنت، إلى بيت ~~عمي فهو خير كريم. ولا يكاد صاحب الشرطة يسمع هذا حتى يملكه غضب لا حد له، فهو يحس أن ~~«ليونتين» ستعود إليه، ms223 وهو إنما ترك باريس فرارا من «ليونتين » وهو يريد أن يتقيها ما ~~استطاع إلى ذلك سبيلا. وانظر إليه يأبى أن يمضي في كتابة المحضر على وجهه، ويعلن أنه لم ير ~~إثما وإنما رأى سيدة محتشمة عند الأستاذ. فلا تسل عن سخط الزوج وحنقه، ولكن صاحب الشرطة ~~ملح، ثم ينتهي الأمر بأن يطلب صاحب الشرطة إلى الزوج أن يتحدثا لحظة على خلوة، فيتفرق عنهما ~~الناس، ويأخذ «أدولف» في النصح لهذا الشاب بأن يعدل عن الطلاق، وما يزال به يبغض إليه ~~الطلاق ويحبب إليه العفو والمغفرة حتى بلغ منه ما أراد، وقد عادت المرأة، فيتركهما لحظة يتم ~~فيها الوفاق بينهما، ويعود وقد استقام له الأمر كما كان يحب، فلن يكون طلاق ولا خصومة، ولن ~~تلجأ إليه «ليونتين». ولكن الزوجين قد أحباه لأنه أصلح بينهما وأحبه الزوج بنوع خاص، فهو ~~يدعوه إلى العشاء، وامرأته تلح في الدعوة. وإذن فقد كان يريد أن يفلت من «ليونتين» فأصبح ~~مكرها على عشرة «ليونتين». ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فقد مضت أيام على هذه الحادثة، ونحن في قصر البارون نرى «ليونتين» ~~تؤنب خدمها في رفق وفكاهة، وقد أقبل «أدولف» مدعوا إلى الغداء، فتلقاه «ليونتين» مبتهجة ~~بلقائه وهو ضيق الصدر بهذه المودة، ضيق الصدر خاصة بمكانه من البارون الذي يجهل كل شيء مما ~~كان بين «أدولف» و«ليونتين»، وهو ينبئ «ليونتين» بأنه قد غير اسمه الخاص عندما سأله عنه ~~البارون، وبأنه يلتمس طريقا للانتقال من هذه المدينة حتى لا يضطر إلى معاشرة الزوجين. ولكن ~~«ليونتين» لا تريد أن يفارقهما، وهي لا ترى في شيء مما كان بأسا، ونحن نحس في كل أحاديثها ~~أن قد تغيرت حقا منذ تلك الحادثة التي رأيتها في الفصل الثاني، تغيرت فأصبحت خيرة طيبة ~~النفس، طاهرة الطبع شديدة البغض للإثم والخيانة، محبة لزوجها شديدة الحرص على الوفاء له، ~~عافية عن الآثمين متجاوزة عن آثامهم، وقد أقبل الزوج فإذا هو أشد من امرأته حبا لأدولف ~~ووفاء له واعترافا بجميله. والرجل مضطرب ضيق الصدر بين هذين الزوجين، ولكن ms224 حب البارون ~~لأدولف لا حد له ، فهو يريد أن يلتمس له زوجا ويضن به على هذه الحياة التي تنغصها الوحدة، ~~وامرأته تشاركه في هذا الرأي. وما هي إلا لحظة حتى يهتدي الزوجان إلى القرينة الملائمة. وما ~~الذي يمنع «أدولف» من أن يتزوج ابنة عم البارون «أورتنس»، فهي جميلة غنية خيرة؟! أما أدولف ~~فلا يرى في هذا إلا نوعا من المزاح. # ولكن «أورنتس» قد أقبلت، فلا تكاد ترى «أدولف» حتى تدهش، فهو الذي أنقذها من الموت. وما ~~يكاد ابن عمها يخلو إليها ويحدثها في هذا الزواج حتى تظهر الرضا والاطمئنان، فالقوم جميعا ~~سعداء، ولا سيما بعد أن أقبل النائب «بلانتين» يزور البارون فيلقى صديقه «أدولف» وصاحبته ~~«ليونتين» ويكون في هذا كله اضطراب غريب مصدره حرص «أدولف» على ألا يظهر اسمه الحقيقي، ~~وحرصه أيضا على ألا تظهر المعرفة و«ليونتين». وتكلف هؤلاء القوم جميعا الحيلة في إخفاء ~~الأمر على البارون، هم ينجحون في هذا التكلف، وهم كما قلت لك سعداء ينتظرون الدعوة إلى ~~المائدة. ولكن المصادفة لم تفرغ بعد من عملها، فقد أقبلت عمة البارون الشيخة، فخلت إلى ابن ~~أخيها لحظة تسأله عن أمر الطلاق، فلا يستطيع أن يخبرها بأن قد تم الصلح بينه وبين امرأته، ~~فيزعم لها أن القضية تجري مجراها. ولكن الشيخة قلقة لأن ابنة أخيها «أورتنس» مشغوفة بحب هذا ~~الرجل الشرطي الذي أنقذها من الموت، وهي تخشى أن ينتهي هذا الحب إلى الزواج. فإذا سألها ابن ~~أخيها: وأي بأس في ذلك؟ أجابت: إنها الفضيحة؛ فإن هذا الرجل قد طلق امرأته. فيدهش الشاب ~~لأنه كان يقدر أن صاحبه لم يتزوج. فتؤكد له عمته ذلك، وتخرج له وثيقة استخلصتها من المحكمة ~~في باريس، وفيها أن هذا الرجل - واسمه «أدولف ديبوا» - قد كان سكيرا يضرب امرأته، فطلقت ~~امرأته عليه، ثم أثبتت لابن أخيها أن هذا الرجل هو بعينه الذي عين منذ أيام مديرا للشرطة. ~~فقدر أنت دهش الشاب واضطرابه حين يعلم أن صاحب الشرطة هو الزوج الأول لامرأته، واسمع لعمته ~~تقول له الآن ms225 كما قالت له في الفصل الثاني: أخشى أن أكون قد أسأت إليك عن غير عمد يا ابن ~~أخي! وقد انصرفت عنه وتركته في هياج واضطراب. فانظر إليه وقد دخل عليه «أدولف» ومعه ~~«ليونتين»، كيف يستقبل صاحبه مضطربا ساخطا صاخبا، يعلن إليه اسمه وصناعته الأولى في ~~باريس وقضيته مع امرأته ... والرجل يعترف بكل شيء في وجوم ودهش، حتى إذا فرغ من هذا أعلنت ~~«ليونتين» أن «أدولف» لم يكن في يوم من أيام حياته سكيرا ولا شريرا، لم يضربها ولم يسئ ~~إليها، وإنما هي التي خانته فأراد الطلاق، وكره أن يكون الحكم عليها، فقبل أن يتهم نفسه وأن ~~يقع الطلاق عليه هو. ثم تتبع امرأته بعد الطلاق بالبر والعطف، حتى كان هذا الحادث الأخير. ~~وانظر إليها ترفق بزوجها وتترضاه في خفة ودعابة وطهر، حتى تأخذ يده فتضعها في يد زوجها ~~الأول. وتدخل «أورتنس» ومعها النائب يستعجلان الغداء، فيضع البارون ذراع «أدولف» في ذراع ~~«أورتنس» وقد سماه باسمه هذه المرة. فإذا سمع النائب ذلك أظهر الدهش، فينبئه صاحبه أن قد ~~عرف الرجل كل شيء، وهم يتقدمون إلى المائدة والخادم مقبلة وفي يدها زهر تقدمه إلى سيدتها ~~كأنما تهدي هذا الزهر إلى هذين الخطيبين. # مايو سنة 1927 # | الملهى # قصة تمثيلية للكاتب الفرنسي «مارسيل بانيول» # ليس هذا العنوان ترجمة دقيقة للعنوان الفرنسي، وربما لم يكن ترجمة مقاربة. فالعنوان ~~الفرنسي يشير إلى نوع خاص من اللهو، هو هذا الضجيج الأمريكي الذي شاع في الحانات والملاهي ~~الذي يسمونه الجازباند. وإذا كنت لم أعن بالترجمة الدقيقة لهذا العنوان، فذلك لأن هذا ~~العنوان نفسه لا يدل على القصة ولا يختصرها، ولا يدل على جزء مهم من أجزائها. إنما يدل على ~~شيء إضافي مر في القصة عرضا، ومن حقنا أن نتساءل: لم اتخذ الكاتب لقصته هذا العنوان؟ وما ~~باله لم يلتمس لها عنوانا يلائم موضوعها أو أشخاصها ملاءمة صحيحة؟ على أن هذه الخصلة ليست ~~وحدها الخصلة الغريبة في هذه القصة، فالقصة كلها غريبة في حقيقة الأمر: غريبة في تصورها، ~~غريبة ms226 في عرضها، غريبة في نتيجتها، ولكنها على ذلك قيمة لذيذة، أو قل إنها لذلك نفسه قيمة ~~لذيذة. # والحق أنك في حاجة إلى أن تقرأ هذه القصة مرتين، وربما احتجت إلى أن تقرأها أكثر من ~~مرتين، لا لتفهمها، ففهمها سهل يسير، ولا لتشعر بقيمتها الفنية، فأنت شاعر بهذه القيمة متى ~~بدأت في القراءة؛ ولكن لتتبين الغرض الذي إليه قصد الكاتب حين وضع قصته. ولست أدري أمن ~~اليسير بعد القراءة مرة أو مرتين أو ثلاثا أن تقطع بالغرض الذي قصد إليه الكاتب. ومن ~~يدري؟! لعله لم يقصد إلى غرض بعينه، ولم يفكر إلا في أن يعرض عليك قصته كما تصورها، تاركا ~~لك أن تستنبط منها ما تشاء. # ومهما يكن من شيء، فأنت مضطر إلى أن تلاحظ في هذه القصة أمرين: أحدهما نعي شديد على ~~العلماء الذين يقفون حياتهم على العلم وحده وعلى العلوم التي تمس الآداب بنوع خاص. # فموضوع القصة رجل من هؤلاء العلماء وقف حياته على اللغة اليونانية. والكاتب لا يعرض علينا ~~أمر هذا العالم وحده، ولكنه يعرض علينا من قريب أو بعيد أمر قوم آخرين يعملون في كلية من ~~كليات الآداب، منهم الأستاذ ومنهم الطالب. والثاني صراع عنيف بين الحياة العلمية الجافة ~~والحياة العملية التي لا تخلو من لذة ودعة ولين. فهل قصد الكاتب إلى أن يبغض إلى الناس هذه ~~الحياة العلمية الخشنة التي يسرف فيها بعض العلماء حتى يجعلوها أشبه برهبانية الرهبان ونسك ~~الناسكين، مزدرين في سبيلها عواطف النفس وأهواءها، وحاجات الجسم وما تستتبعه هذه الحاجات من ~~لذة وألم؟ أم هل قصد الكاتب إلى أن يسخر من هذا اللون من ألوان البحث العلمي، ويبين أنه إذا ~~كان هناك نوع من العلم خليق بأن يقف الإنسان عليه حياته، فليس هو هذا النوع الذي يفرغ له ~~الباحثون عن اللغات، وعن اللغات القديمة بنوع خاص؟ أم هل قصد إلى أن يسخر من البحث العلمي ~~بوجه عام؟ أخشى أن يكون قصد إلى هذا كله في وقت واحد، أخشى أن يكون قصد إلى ما ms227 يقصد إليه ~~الشبان في هذا العصر الحديث، ولا سيما بعد انتهاء الحرب الكبرى، من تمجيد الحياة العملية ~~والإعراض عن هذه الحياة العلمية الخالصة، بحجة أن هذه الحياة العملية هي وحدها المنتجة، وهي ~~الملائمة لطبيعة الأشياء وحاجات الناس ومذهب المنفعة بعبارة موجزة. # ومهما يكن الغرض الذي قصد إليه الكاتب، فإن قصته لا تخلو من لذة قوية ونفع كثير. ولو لم ~~يكن للكاتب إلا هؤلاء الأشخاص الذين قد صورهم فأحسن تصويرهم، لكانت قصته خليقة بالعناية، ~~فكيف وقد وفق فوق هذا لطائفة أخرى من المعاني تبشر بأن سيكون له في فن التمثيل مستقبل لا ~~بأس به. # على أني لا أحب أن أبدأ في تحليل القصة وعرض أشخاصها عليك قبل أن ألاحظ أن الفصل الثاني ~~من هذه القصة خليق أن يمحى، فليست إليه حاجة فنية، وربما كان من الإتقان الفني أن يترك ~~الكاتب للقارئ أو للنظارة تقدير ما جاء فيه. على أن هذا الفصل نفسه لا يخلو من فكاهة رائقة ~~وتفكير عميق. ولعل هذا هو الذي حمل الكاتب على أن يضحي بالفن التمثيلي في سبيل الفن الأدبي ~~الخالص. ~~••• # الأشخاص الذين يستحقون أن يعرضوا في هذه القصة أربعة: أولهم؛ «جان بليز» وهو رجل في ~~السابعة والخمسين من عمره، أنفق حياته كلها في درس اللغة اليونانية، ووفق في هذا الدرس إلى ~~حظ من الفوز فتن به الناس جميعا، فنال أوسمة الشرف كلها من حكومته الفرنسية، وهو يوشك أن ~~ينتخب عضوا في المجمع العلمي وأن يختار أستاذا لليونانية في السوربون، وهو في سبيل هذا ~~المجد العلمي قد أخذ نفسه بألوان من الشدة في حياته، فرفض الحب رفضا قاطعا وانصرف عن ~~النساء وعن لذات الحياة كلها. ثم لم يكتف بهذا، بل خيل إليه أنه من هذه الطائفة المختارة ~~التي خلقت لتقود الإنسانية وترقيها. وهو مطمئن إلى هذه المكانة مقتنع بأنه قد أصبح من ~~الخالدين، وهو يزدري الحياة العملية والذين بضطربون فيها، لا يؤمن لهم إلا بأنهم خدم يهيئون ~~للعلماء حاجاتهم فيعينونهم على تأدية ما يؤدونه من نفع هذا ms228 النوع الإنساني. وهو بهذا كله ~~مؤمن ، مقتنع بإيمانه، لا يقبل فيه جدالا ولا نزاعا. ولكن نفسه على شدة اقتناعها بهذا كله ~~لم تستطع أن تقهر حسه ولا أن تفله ولا أن تلطف من حدة شعوره، فهو في جهاد متصل بين العلم ~~والهوى. وأكبر الظن أنه إنما أمعن في العناية بالعلم ووقف حياته عليه حين أحس الإخفاق في ~~الحب وأشفق ألا يعجب النساء. وآية ذلك أن هذا الجهاد قد بلغ من العنف أن آذاه وأضناه وظهرت ~~آثار هذا الأذى في مجموعته العصبية التي نشعر منذ الفصل الأول بأنها قد أخذت تضعف وتضطرب ~~حتى أشفقت عليه خادمه أن يكون قد أصيب بأحد أمراض المعدة. وقد وفق الكاتب توفيقا غريبا ~~لأن يعرض علينا شخصية هذا الرجل عرضا قويا، فقد ألف هذا الرجل من شخصين مختلفين: أحدهما؛ ~~هو هذا العالم الذي عرضته عليك، والآخر؛ شاب يمثل هذا الرجل حين كان طالبا وحين كانت نفسه ~~تنازعه إلى الحب والنساء، وجعل الصراع بين هذين الشخصين ماديا خارجيا يرى ~~بالعين. # الشخص الثاني؛ عميد كلية الآداب، وهو رجل متقدم السن عالم، ولكن فيه عيوب أمثاله من ~~العلماء الذين يشغلون المناصب ويحرصون على أن يرضى عنهم الجمهور والرؤساء، فهو حسود مسرف في ~~الحسد، وهو منافق غال في النفاق، وهو إلى ذلك جبان عظيم الحظ من الجبن، وهو يتقن العلم ~~ويظهر الإيمان به، ولكنه في حقيقة الأمر يزدريه ويشك فيه. # الشخص الثالث؛ فتاة في ريعان الشباب هي «سسيل بواسييه»، طالبة في الجامعة تدرس اللاتينية ~~واليونانية، جميلة ولكنها فقيرة، تعنى بأن تعيش، ولا تكاد تفكر فيما يفكر فيه الفتيات من حب ~~أو لهو، مستعدة كل الاستعداد للتضحية، ولكنها لا تكاد تحس الحب حتى تظهر فيها الأثرة ويظهر ~~عجزها عن التضحية. # الشخص الرابع؛ فتى صربي هو «ستيبانوفيتش»، كان من جنود الحرب الكبرى، أبلى فيها بلاء ~~الأبطال، فلما انتهت عاد إلى مهنة التعليم التي كان يعيش منها، ثم بدا له فجاء إلى فرنسا ~~يتم درس اليونانية. وهو كبير النفس صبور محتمل للمكروه في ms229 سبيل العلم، لا يتردد في أن يتخذ ~~صناعة الجمال في محطة السكة الحديدية ليتمكن من الدرس. وهو رقيق النفس قوي العاطفة، ولكنه ~~يعرف كيف يكتم حبه، فإذا ظهر له أنه يستطيع أن يعلن هذا الحب دون أن يتجاوز الحق والعدل، ~~مضى في ذلك غير مشفق ولا متردد ولا محجم عن أشنع أنواع القسوة. # هؤلاء هم أشخاص القصة، فلننظر كيف يضطربون فيها. ~~••• # نحن في مدينة جامعية من مدن الأقاليم، في دار «جان بليز» آخر النهار، قد ذهب الأستاذ إلى ~~الجامعة ليلقي درسه. فإذا رفع الستار رأينا خادمه يتحدث إلى صديق أقبل ليزوره ومعهما عميد ~~كلية الآداب قد جاء وكأنه يحمل نذير سوء. ثم ينصرف هذا العميد منذرا بعودته، فإذا خلت ~~الخادم إلى صديق سيدها أخبرته بأن سيدها متعب مضطرب الأعصاب قد يتحدث إلى نفسه إذا جنه ~~الليل، وعللت ذلك باضطراب في المعدة، وعلل الصديق ذلك بالوحدة. # ثم يأتي الأستاذ، فإذا كانت بينه وبين صديقه التحية المألوفة وجلسا يتحدثان، فهمنا أن هذا ~~الأستاذ قد ذهب مرة إلى مصر فوجد في بعض أديرتها نسخة قديمة كتب عليها الإنجيل باللغة ~~اللاتينية، ثم تبين أنه قد كان مكتوبا قبل الإنجيل شيء باللغة اليونانية، فمحا الإنجيل ~~وأخضع نسخته لعمل كيميائي مكنه من كشف الأصل لهذا النص اليوناني، فإذا هو كتاب من كتب ~~أفلاطون يقال له «فايتون». ولكن هذا الأصل كان مضطربا قد عبث به الزمان، فلم تبق منه إلا ~~كلمات وجمل منها التام ومنها المبتور، فجد في ذلك حتى أصلحه وأتمه. وقد أنفق في هذا العمل ~~أعواما طوالا، ثم نشره فاضطرب له العلماء في أقطار الأرض، وكادوا يجمعون على أن هذا ~~الأستاذ قد أخرج للناس أقوم أثر من آثار أفلاطون من الوجهة اللغوية والأدبية والفلسفية. ~~وعرفت الحكومة الفرنسية لهذا الأستاذ حقه فكافأته بالأوسمة، وهي تريد أن تنقله إلى ~~السوربون، وهو يوشك أن يكون عضوا في المجمع العلمي. ويحدث بهذا كله صديقه الذي لا يكاد ~~يفهم منه شيئا لأنه يعمل في التجارة، فإذا ظهر منه عجزه عن ms230 الفهم كانت بينه وبين صاحبه ~~مناقشة رأينا منها كبرياء الأستاذ بعلمه وازدراءه لغيره من الحياة والأحياء. # وبينما هما كذلك إذ تقبل «سسيل بواسييه» إحدى تلاميذ الأستاذ، تريد أن تستعير من أستاذها ~~كتابا فيعيرها إياه. ولكنهما لا يكادان يتحدثان حتى نحس من الأستاذ ميلا خاصا إلى هذه ~~الفتاة وعطفا عليها، ومن الفتاة إعجابا بالأستاذ. والفتاة لم تأت في حقيقة الأمر لتستعير ~~الكتاب، إنما جاءت لتعرض على أستاذها أن رفيقا لها من الطلبة هو «ستيبانوفيتش» قد ضاقت به ~~سبل الحياة، فهو مضطر إلى أن يعود إلى وطنه، وقد تعاون رفاقه فيما بينهم فجمعوا له مقدارا ~~من المال. ولكنهم لا يعرفون كيف يدفعون إليه لأنه شديد الكبرياء، فهم يتوسلون بالأستاذ ~~ليؤدي إليه هذا المقدار، فإذا سمع الأستاذ هذا، رد المقدار إلى الفتاة ووعدها بأن يصلح من ~~أمر الفتى، ثم أخذ يلومها لأنها لم تحسن كتابة الموضوع الذي طلب إليها كتابته باليونانية. ~~وتنصرف الفتاة، ويأتي الفتى الصربي مودعا الأستاذ، فلا يمكنه الأستاذ من أن يتكلم، بل ~~يفجؤه بأن يعلن إليه أنه سيطبع كتابا من كتب «كسينوفون»، وقد أعد لهذا الكتاب شرحا ~~وتعليقا، ولكن أوراقه في حاجة إلى الترتيب والنسخ، فهو يكلفه هذا العمل ويأجره عليه ويدفع ~~إليه بعض هذا الأجر مقدما، والفتى مغتبط بهذا لأنه يمكنه من إتمام الدرس وتأدية الامتحان ~~دون أن يؤذي كبرياءه. # فإذا خرج الفتى وهم الأستاذ أن يستأنف حديثه مع صديقه، أقبل عميد الكلية، فيتلقاه ~~الأستاذ عابسا منقبضا، ويسرع العميد فينبئه بأنه جاء يحمل إليه نبأ سيئا ويأخذ في ~~تعزيته وتشجيعه. فإذا ألح عليه ليعرف هذا النبأ، أعلن إليه أن العالم الإنجليزي «كولسون» قد ~~ذهب إلى مصر واستكشف فيها نسخة من كتابه «فايتون»، وكانت نسخة صحيحة واضحة لا عيب فيها، ~~وظهر من قراءة هذه النسخة أولا: أن الكتاب ليس لأفلاطون، وإنما هو لنحوي من أهل ~~الإسكندرية كان يقلد أفلاطون في القرن الأول للمسيح؛ أي بعد أفلاطون بأربعة قرون، ثانيا: ~~أن كل ما اقترحه الأستاذ لإصلاح النص وتكميل جمله وألفاظه وتصحيحها ms231 خطأ. وهذا العالم ~~الإنجليزي ينشر نسخته التي استكشفها، ولكنه يرسل منها مسودة ليقرأها الأستاذ قبل أن تظهر ~~للناس. ثم يدفع العميد هذه المسودة إلى الأستاذ، ويأخذ هذا في قراءتها والاضطراب يملكه ~~شيئا فشيئا، وقد ظهر ذلك عليه، فنهض صديقه، وخرج العميد ليتركا الرجل منفردا إلى ~~مسودته. # وفي أثناء ذلك يظهر فتى كأنما انشق عنه الحائط وهو رث شاحب، فيقف خلف الأستاذ وينظر ~~محزونا كأنه يقرأ المسودة. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فقد مضت أيام على هذه القصة وظهر أمرها للناس، وافتضح الأستاذ ~~فضيحة منكرة، وانقسم فيه العلماء الذين كانوا يعجبون به، فمنهم من يتهمه بالجهل المنكر، ~~ومنهم من يتهمه بالتدليس القبيح. وقد كانت هذه الفضيحة صدمة للرجل حالت بينه وبين الذهاب ~~إلى الجامعة أياما، وكأنه قد استرد قوته فعزم أن يستأنف دروسه. وأقبل الطلبة مضطربين ~~يريدون أن يروه وأن يسمعوه وهم في أمره مختلفون اختلاف العلماء والجمهور، ولكن العميد يحاول ~~أن يؤخر استئناف هذا الدرس، فيغري أحد الخدم بأن يصد الطلبة عن قاعة الدرس، ويعلن إليهم أن ~~الأستاذ قد أجل درسه، ولكن بعض الطلبة يأبون إلا أن يقتحموا غرفة الدرس. وهم جلوس وقد رأى ~~العميد أن لا بد من استئناف الدرس، فأقبل يخطب الطلبة يعيب أستاذهم وكأنه يرثي له، ويغريهم ~~به وكأنه يعطفهم عليه. # ويأتي الأستاذ فيتخذ ثوبه الرسمي ويجلس إلى مائدته، وإذا الفتى الذي رأيناه في آخر الفصل ~~الأول قد ظهر ووقف في آخر الغرفة تجاه الأستاذ. وبدأ الأستاذ يتكلم فإذا هو يعترف بأنه قد ~~أخطأ في كل شيء؛ فليس الكتاب لأفلاطون، وليس تصحيحه لهذا الكتاب حقا ولا مقاربا، وإنما ~~يشتمل على أكثر من ثمانمائة غلطة. ولكن هذا الكتاب حقا ولا مقاربا، بالخطأ قد خدع الذين ~~يعنون باليونانية جميعا سواء منهم اللغويون والأدباء والفلاسفة، كلهم قبله، وكلهم أظهر ~~الإعجاب به. وينتقل الأستاذ من هذا إلى أن العلم ليس شيئا، وإنما هو وهم في وهم وضلال في ~~ضلال، وأن العالم أشبه الناس بالرجل الذي اهتدى إلى كنز في مكان مظلم فاتخذ ms232 المصباح ليصل ~~إليه، ولكنه شغل بالمصباح عن الكنز، فأخذ يرفع ذبالته حينا ويخفضها حينا آخر. وليس العقل ~~الإنساني إلا هذا المصباح الذي يشغل العلماء عن الحياة وما فيها من لذة ومتاع، وإذا الأستاذ ~~يحث تلاميذه على الإعراض عن العلم والاستمتاع بلذات الحياة، ويمضي في ذم العلم ومدح اللهو ~~إلى حيث يوشك أن يكون متصوفا، ثم ينهض فيلقي عنه ثوب الأستاذية، ويعلن إلى تلاميذه أنه ~~مستقيل. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فنحن في بيت الأستاذ مساء هذا اليوم، وقد تغيرت غرفته من الكتب ~~خلوا تاما. وهو جالس إلى مكتبه ينظر في أوراق ثم يمزقها، وقد جاء العميد يسأله عن كلمات ~~زعموا أنه قالها في درسه وهي لا تليق بالعالم ولا بالأستاذ، فلا ينكرها بل يزيد عليها ويرفع ~~إلى العميد استقالته من الأستاذية، ويلح العميد عليه مخلصا في أن يسترد هذه الاستقالة ~~فيأبى. وهنا تنكشف لنا نفس العميد، فهو يتخذ العلم ورياسة كلية الآداب صناعة لا أكثر ولا ~~أقل، وهو لا يؤمن بعلم ولا يؤمن بجامعة، وإنما يؤمن بالحياة: بامرأته وولده. وهو يشبه ~~العلماء حين يظفرون بالحق فيفرحون، أو يردون عنه فيحزنون، بالأطفال الذين يتحاربون لاعبين، ~~فيخيل إليهم أنهم يجدون وإذا هم يطلبون الفوز ويفرحون به حقا ويكرهون الهزيمة ويحزنون لها ~~حقا. ولكن الأستاذ مصر على استقالته، فينصرف عنه العميد. ويخلو الرجل إلى نفسه حينا، ~~وإذا الشاب الذي رأينا في الفصلين الماضيين قد مثل أمامه، فيكون بينه وبين الأستاذ حوار ~~بديع مؤثر حقا. فليس هذا الشاب في حقيقة الأمر إلا الأستاذ حين كان طالبا وحين كان يكره ~~نفسه على العلم ويصرفها عن الحب واللهو. وقد تمثل هذا الشاب القوي الفتى المحروم في شخص هذا ~~الفتى، وأقبل يعرض على الشيخ ذكرى هذا الحرمان، والشيخ يدافعه، ثم لا يلبث أن يمضي معه في ~~الذكرى. فانظر إليه حين كان يستيقظ قبل آخر الليل، فيقبل على اليونانية يقرأ ويكتب ويستظهر. ~~وانظر إليه كيف كان يغدو مع الصبح فيسلك إلى الجامعة أبعد الطرق عن الفتنة منصرفا عن ضوء ms233 ~~الشمس وجمال الربيع وابتهاج المدينة. وانظر إليه كيف كان يلوي وجهه عن هذه الفتاة الحسناء ~~تمر إلى جانبه. وانظر إليه كيف أحب وعبث الحب بقلبه، ولكنه مع ذلك أبى أن يعلن حبه، وأخذ ~~يخادع نفسه عن هذا الحب، وأخذ يتجاهل ميل صاحبته إليه، فلا يحييها ولا يظهر الميل إليها. ~~وانظر إليه مع ذلك كيف أهوى مرة إلى زهرة ألقتها هذه الفتاة، فاحتفظ بها منذ عشرين سنة، فهي ~~الآن جافة ذابلة، ولكنه لا يكاد يلمسها حتى تتفتح وتسترد نضارتها. ثم انظر إليه كيف يعتذر ~~إلى شبابه فيزعم أنه لم يكن جميلا ولا وسيما ولا جذابا للنساء، ولكن حركة يأتيها الفتى ~~فإذا هو جميل وسيم حسن الطلعة مقتنع بأنه كان يستطيع أن يظفر بحب النساء. يعرض الفتى على ~~الشيخ شبابه وما صنع فيه من لذة وما أهمل فيه من فرصة، والشيخ يضطرب عليه شيئا فشيئا حتى ~~يدنو من الجنون، وإذا هو يستغيث، فتقبل الخادم فلا ترى أحدا ويستخزي الشيخ. # ولكن هذه «سسيل» قد أقبلت تعلن إلى الأستاذ باسمها وباسم رفاقها دهشهم مما سمعوا، فيؤكد ~~الأستاذ أنه لم يكن مازحا ولا عابثا، ويعلن إليها أنه مستقيل، فتلح عليه في أن يسترد ~~استقالته فيأبى. ويكون بينهما حوار نفهم منه أنه يحب الفتاة ويود أن يجد لحبه صدى في نفسها، ~~وهو يتلمس هذا الصدى فلا يجده، فهو يضطرب بين اللين والشدة، حتى إذا استيأس ترك الفتاة ~~تنصرف. ولا يكاد يخلو إلى نفسه حتى يعود إليه الفتى فيلومه لوما عنيفا؛ لأنه يحب هذه ~~الفتاة، وقد تركها تنصرف، وقد كان يستطيع أن يعلن إليها حبه، فينكر هذا الحب، ثم يعترف به، ~~ثم يعتذر عن إحجامه بأنه متقدم السن وقد ظهرت عليه آفات الكبر. ولكن الفتى يقنعه بأنه ما ~~زال محتفظا بقوته قادرا على أن يستمتع بالحياة، والفتاة عائدة بعد حين لأنها نسيت ~~حقيبتها، وهي إنما نسيتها لأنها تحب الشيخ، فإذا عادت فليعلن إليها حبه، وليكن بها رفيقا ~~ولها ملاطفا وفي حديثه إليها لبقا. وقد عادت الفتاة تلتمس ms234 حقيبتها، فيدعوها إلى البقاء ~~حينا، وما هي إلا أن يتخذ طريقه إلى الحب فيعلنه إلى الفتاة، فتدهش ويطلب إليها الزواج ~~فتضطرب ثم تتردد، ويكاد يستيئس منها، فيعلن إليها هذا اليأس وأنه سيقتل نفسه، فتشفق وتلين ~~وتضعف، فيدنو منها يريد أن يقبلها، فتأبى وتفزع وتتراجع، فإذا رأى الفتى هذا قام مقامه في ~~هذه المداعبة والملاينة فظفر من الفتاة باللثمة التي يرجوها، وإذا الفتاة مستأنسة مطمئنة قد ~~جلست إلى جانب الشيخ وأسندت رأسها إلى كتفه وهي تتنسم تلك الزهرة التي كانت جافة فعادت ~~نضرة. ~~••• # فإذا كان الفصل الرابع فقد مضت أيام على هذا، وتم الاتفاق بين الشيخ والفتاة على أن تكون ~~له زوجا وعلى أن تقيم عنده أياما، ثم يسافران إلى حيث يقيم وصيها فيكون الزواج، وسيسافران ~~اليوم مع الظهر. ونحن نرى الشيخ قويا وسيما حسن الزي مطمئنا إلى الحياة مبتسما لها ~~يمشي في غرفته مشية المطمئن الراضي. ولكن العميد قد أقبل يعلن إليه أن الناس يتحدثون بمقام ~~الفتاة عنده وينكرون ذلك، وقد كتبت فيه صحف السوء واتهمت كلية الآداب كلها بالعبث والمجون، ~~وذلك شر يرغب الناس عن الكلية وأساتذتها، وقد أصبحت الكلية حديث الناس وشك فيها الجمهور حتى ~~إن امرأته قد أعلنت إليه أنها لن تدعه يذهب وحده إلى الكلية. ولكن الشيخ لا يحفل بكلام ~~العميد ولا بكتابة الصحف ولا بسخط الجمهور، فهو سعيد، وهو يريد أن يتخذ الفتاة له زوجا، ~~وهو سيبرح هذه المدينة وجامعتها وجمهورها. # فإذا انصرف العميد وأقبلت الخادم رأيناها ليست أقل من العميد سخطا على الأستاذ، وكيف لا ~~تسخط وهو شيخ يريد أن يقترن من فتاة، وهو يحتجز الفتاة عنده وليست زوجا ولا خطيبة، والناس ~~يتحدثون: أليست بائعة الفاكهة قد تحدثت إليها في ذلك ساخرة ساخطة؟! ولكن الشيخ لا يحفل بها ~~ولا ببائعة الفاكهة. # وانظر إلى الفتى قد أقبل، ويسأله الشيخ فيم جاء؟ فيأخذ الفتى في لومه: أليس يحب هذه ~~الفتاة؟ أليست هذه الفتاة تحبه؟ فما باله لا يظفر منها بما يطمع فيه المحبون؟ وما باله ~~يدعها ms235 تقضي الليل وحيدة في غرفتها وهو في غرفته مسهد يضنيه الحب وتعذبه الشهوة؟! والفتى ~~يغريه والشيخ يدافعه. ولكن انظر إليه كيف أثر فيه الإغراء، فملكت الشهوة عليه أمره ودنا من ~~غرفة الفتاة تدفعه إليها الرغبة، وكاد يدخل لولا بقية من شرف ووفاء ردته عن ذلك، فينهر ~~الفتى ويكبح شهوته ويؤثر انتظار الزواج. # وهذه الفتاة قد أقبلت فيلقاها باسما، وترد تحيته في دعة واطمئنان، وتعرض عليه أن يكون ~~الزواج في هذه المدينة، وأن يكون الفتى الصربي من شهود هذا الزواج. ثم تأخذ في الثناء على ~~الصربي وذكر بلائه في الحرب، فيحس أن في نفسها من هذا الفتى شيئا، وقد خرج الأستاذ لبعض ~~شأنه على أن يعود بعد حين. # وأقبل الفتى الصربي يريد أن يرد إلى الأستاذ كتابه وماله لأنه مسافر، ولا يكاد يتحدث إلى ~~الفتاة حتى نفهم أنه لا يسافر زهدا في العلم ولا عجزا عن الإقامة، وإنما يسافر يأسا ~~وقنوطا، فهو يحب الفتاة ولكنه لم يعلن إليها حبه، وقد مضى الوقت وجاء هذا الإعلان متأخرا ~~والفتاة تدافعه وتعتذر عن نفسها بضعف الشيخ ويأسه، وأنها لا تعرف الحب ولم تحسه، وقد أخذت ~~نفسها بأن تعيش مع هذا الرجل كما تعيش الممرضة مع المريض. ويهم الفتى أن ينصرف، فتمسكه، ~~ويمضيان في الحوار، حتى إذا استيقن أن لم يكن بينها وبين الشيخ إثم التمس الحب عندها فوجده ~~في قلبها تستحي له الفتاة وتتراجع. # وهذا الأستاذ قد عاد، فيرد الفتى إليه كتابه وماله، ثم يعلن إليه في لين لا يخلو من ~~القسوة أنه لا يستطيع أن يتزوج من هذه الفتاة. وقد تركتهما الفتاة، فيكون بينهما حوار عنيف ~~فيه غيرة وحقد، فيه غيرة الشباب الطامع في الحياة يريد أن يستقبلها في أمل ولذة، وفيه غيرة ~~الشيخ اليائس يريد أن يظفر من الحياة بنصيب. وقد اتفقا على أن يحكما الفتاة نفسها، فتدعى ~~ويرد عليها الشيخ حريتها ويسألها أن تختار بينهما. فتسأله: وإلى أي حال تصير وحدك؟ ... ويفهم ~~الشيخ، فانظر إليه يائسا قد صعقه اليأس وانصرف عنه ms236 المحبان. # وانظر إلى الفتى قد ظهر يزجره وينهره، وهو الآن لم يأت ناصحا ولا رفيقا، وإنما جاء ~~ثائرا محنقا يريد أن ينتقم لشبابه المضيع. وقد تغير المسرح بعض الشيء، وأخذنا نسمع ونرى ~~ضجيج الرقص وحركته وأصحاب اللهو يسرفون في لهوهم، والمومسات يتهالكن على الناس فتنة ~~وإغراء، والفتى يدفع الشيخ إلى هذا اللهو، والمومسات يدعونه إليهن، وقد كاد الشيخ يقبل ~~لولا بقية من شرف وكرامة فهو يأبى ويتراجع، والفتى يدفعه منتهرا زاجرا منذرا معلنا إليه ~~أنه قد أفسد عليه شبابه فليفسدن عليه شيخوخته! ولكن الشيخ يأبى. وانظر إليه قد اعتصم آخر ~~الأمر بكتب بقيت له، فهو يلتمس عند العلم العزاء بعد أن يئس من الحب، وكذلك فعل شابا، ~~ولكن الفتى ينازعه ويكون بينهما جهاد يصرع له الشيخ. وتسمع الخادم فتسرع إلى سيدها فإذا هو ~~طريح، فإذا أقبلت إليه لتسعفه نهض متثاقلا وأمرها أن تلتمس الطبيب فتخرج، ويعمد الشيخ إلى ~~مسدسه فيخرجه وهو يعتصم بالمسدس حينا وبالكتاب حينا آخر، ولكن الفتى قد أقبل مرة أخرى، ~~وظهرت الحانة والرقص والفتى يدعو الشيخ إليهما فيأبى، ويطلق مسدسه على الفتى فلا يصيب منه ~~شيئا. وانظر إلى الفتى فهو الذي يتناول المسدس وهو الذي يطلقه على الشيخ. وانظر إلى هذا ~~الشاب المضيع وقد انتقم لنفسه من هذا الشيخ فهو يسقط صريعا. # يونيو سنة 1927 # | زوجها # قصة تمثيلية للكاتبين الفرنسيين «بول جيرالدي وروبير سبتيزر» # بول جيرالدي كاتب يفتن به المترفون في شعورهم وعواطفهم من الفرنسيين؛ لأنه مترف في شعوره ~~وعواطفه، ومترف بنوع خاص حين يحلل العواطف والشعور. تناول طائفة من الموضوعات في قصصه ~~التمثيلي، فاستطاع أن يبلغ من دقة التحليل ولطف المدخل إلى القلوب ما أسرع به إلى بيت ~~موليير وأنزله منه منزلة رفيعة. # ولست أدري أيذكر القارئ أني تحدثت إليه في غير هذا الموضع عن قصة من قصصه التمثيلية سماها ~~الحب، وحلل فيها الصلة بين زوجين متحابين يعرض لهما من أسباب الفتنة ما يصرف المرأة عن ~~زوجها حينا، ثم تتكشف الخبرة لهذه المرأة عن حقيقة الأمر ms237 فتتبين أنها كانت مفتونة لا ~~عاشقة، وأن حبها إنما كان مقصورا على زوجها حتى في أشد أوقات الفتنة؛ ذلك لأن الحب شيء غير ~~الشغف وغير الهيام وغير هذه الشهوات التي تملك النفس فتفسد عليها الأمر حينا. فيه ثقة تمكن ~~المتحابين من أن يطمئن كل منهما إلى صاحبه، فلا يسمح لنفسه بالشك فيه ولا يتخيل هذا الشك، ~~وتمكنهما من أن يعتمد كل منهما على صاحبه اعتمادا لا حد له. فيه هذه الثقة التي تمكن الزوج ~~من أن يجيب امرأته حين أنبأته بأن فلانا يتبعها بحبه، وطلبت إليه أن يحميها من هذا الحب: ~~«مثلك لا يحتاج إلى حماية ولا حراسة، ولا خير في حب يتكلف صاحبه أن يقوم دونه يدفع عنه ~~المغيرين.» ثم فيه إلى جانب هذه الثقة ألوان من الذكرى يسيرة ضئيلة في نفسها، ولكن الحب ~~يتألف منها، أو قل: إنها هي التي تؤلف حياة المتحابين. # وقد وفق «بول جيرالدي» في هذه القصة توفيقا عظيما دون أن يحتاج إلى حركة أو مشقة في ~~تدبير هذه الحركة، وإنما هي كلها حوار بين الزوجين، أو بين المرأة وذلك الذي أراد أن ~~يفتنها. ثم لم يقف توفيق «بول جيرالدي» عند هذه القصة، بل تجاوزها إلى قصة أخرى فتنت ~~الباريسيين في السنة الماضية، وهي قصة «روبير وماريان»، وهو على هذه الإجادة في التمثيل ~~شاعر مجيد دقيق، يحبه الفتيان والفتيات، ويقرءون له بنوع خاص ديوانا صغيرا عنوانه «أنت ~~وأنا»، تناول فيه العلاقة بين العاشقين من نواحي الحياة المنزلية اليومية في لطف ودعة وخفة ~~روح. # ولكن «بول جيرالدي» على هذا كله صاحب جد، وحظه من الهزل قليل. هو مترف في جده، خفيف ~~الروح، يحاول الدعابة والفكاهة، ولكنه لا يبلغ منهما ما يريد، أو هو لا يريد أن يبلغ منهما ~~شيئا. وكأنه كان محتاجا إلى أن يعينه زميله الذي اشترك معه في وضع هذه القصة التي أتحدث ~~إليك فيها اليوم. كان محتاجا إلى هذه المعونة ليلائم بين جده وفلسفته المترفة وبين ما ~~يحتاج إليه الباريسيون في هذه الأيام ms238 من الفكاهة واللهو حتى في أوقات الجد والتفكير العميق. ~~وقد ظفر «بول جيرالدي» من معونة زميله بما أحب وبما أحب الباريسيون، فجاءت هذه القصة ~~الأخيرة آية في الجد والفكاهة معا. فأنت لا تستطيع أن تمضي في قراءتها دون أن ترى نفسك ~~مغرقا في الضحك، ولكنك في الوقت نفسه مغرق في التفكير والتأمل؛ ذلك لأن الموضوع كله جد، ~~ولكن الصورة كلها هزل، لفظ رشيق فيه عبث كثير، ولكن من دون هذه الرشاقة والعبث حقيقة من هذه ~~الحقائق التي يجب على كل إنسان أن يفكر فيها وأن يلائم بينها وبين سيرته مع زوجه. # وفي الحق أن روحي هذين الكاتبين قد التأما في هذه القصة التئاما بديعا. وحسبك أنهما ~~استطاعا أن يحملاك على أن تفكر في أشد الموضوعات خطرا دون أن تجد في ذلك مشقة أو عنفا، بل ~~على أن تجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة. ولكن هذه المشقة التي لا تجدها أنت حين تقرأ القصة ~~أجدها أنا حين أحاول أن ألخصها لك؛ ذلك لأني أستطيع أن ألخص لك موضوعها وغرضها، ولكني لن ~~أستطيع أن ألخص لك شكلها وصورتها وحوارها وما فيه من رشاقة وخفة وسرعة، فكل ذلك لا سبيل إلى ~~نقله إلا في ترجمة دقيقة ليست من السهولة واليسر بحيث تظن. # فلأعرض عليك ما أستطيع من هذه القصة معترفا منذ الآن بأنه تلخيص للموضوع لا أكثر ولا ~~أقل. ولأسلك في هذا العرض الطريق التي تعودت أن أسلكها في غير هذه القصة، فأضع أمامك ~~الأشخاص كما أراد صاحب القصة أن يكونوا. # والقصة تعتمد قبل كل شيء على التناقض بين شخصين متباينين تباينا تاما في الطبيعة ~~والذوق والمزاج، ولكنهما يخدعان عن نفسيهما، ويخيل إليهما أنهما متفقان مؤتلفان لا تباين ~~بينهما ولا تناقض. # فأما أحد هذين الشخصين فالزوج، واسمه «مكسيم مينار»، رجل من أغنياء باريس وأصحاب الأعمال ~~فيها، رجل كغيره من الناس، عادي في ذوقه ومزاجه، وربما كان إلى الطبقة السفلى أقرب منه إلى ~~الطبقة العليا. فإن امتاز بشيء فهو يمتاز بجده في العمل ms239 ومهارته في تصريف الأمور المالية، ~~وهو لذلك كثير الصمت قليل الكلام قليل الحركة أيضا، لا يكاد يتصور الحياة إلا على أنها ~~انهماك في العمل حين يكون في مكتبه، وأكل ونوم حين يأوي إلى بيته. وهو على ذلك قانع بهذه ~~الحياة، يرى فيها المثل الأعلى للسعادة. وهو لا يفهم من الزوجية إلا أن يرى امرأته في البيت ~~زينة له وأداة للهوه الذي لا يصيب منه إلا قليلا من حين إلى حين. وهو يفهم الأمانة ~~الزوجية كما يفهمها غيره من الناس، لا يخون زوجه ولا يريد أن تخونه زوجه. يكره العبث، ويسيء ~~الظن بكل لون من ألوان المجون والمزاح، ولكنه مع هذا كله ضعيف طيب القلب، مستعد للعفو إن ~~وقع له ما من شأنه أن يحفظ الرجال. هو رجل طيب، ولكنه يعيش في الأرض، وليس له جناحان يستطيع ~~أن يرتفع بهما في الجو ولو قليلا. # أما امرأته «جاكلين» فجميلة خلابة ككل نساء القصص، ولكنها تناقض زوجها أشد المناقضة؛ فهي ~~قوية الخيال تعيش في السماء لا في الأرض، لا ترى الناس كما هم، وإنما تراهم كما تحب أن ~~يكونوا، تصوغهم صوغا خاصا، وتسبغ عليهم صورتها الخاصة، ثم تعيش معهم بعد ذلك عيشة راضية ~~ملؤها الصفاء والطهر والثقة والإيمان؛ ذلك أن نفسها تتصف بهذه الصفات كلها، فهي راقية تتنزه ~~عن الدنيات، وهي طاهرة لا يكاد يخطر لها الإثم على بال، وهي مطمئنة على نفسها، فيبعثها ذلك ~~على أن تطمئن إلى الناس وتثق بهم ثقة لا حد لها، وهي على هذا كله مترفة في تفكيرها وشعورها، ~~رقيقة العاطفة، رقيقة المزاج قوية الحس، تألم لكل شيء وتسر لكل شيء، وتنتقل من الألم إلى ~~السرور ومن السرور إلى الألم في سرعة غريبة، تعيش في حلم مستمر. وهي بعد هذا كله قد صاغت ~~زوجها في صورة ملائمة لصورتها، فاستيقنت أنه أجل الناس، وأكرمهم، وأرقهم طبعا، وأصفاهم ~~مزاجا، وأبعدهم نظرا، وأصدقهم حكما على الأشياء والناس أيضا، حتى إذا أسبغت عليه هذه ~~الصورة الجميلة الخلابة أحبته وفتنت به، واندفعت في ms240 هذا الحب والفتنة إلى أقصى أمد ممكن ، ~~وأخذت تؤول عيوبه على أنها محاسن ومزايا. هو كثير الصمت، لا يتحدث إليها في الحب والغزل؛ ~~ذلك لأنه رقيق دقيق، ولأن الحب أجل من أن يتناوله الكلام، ولأن الكلام يفسد الحب إذا ~~تناوله. وما حاجتها إلى الكلام؟! أليس يكفي أن ينظر إليها زوجها، فترى في هذه النظرات ما ~~تشاء من حب وشغف وولاء وإخلاص؟! وهو لا يحب اللهو ولا السمر، وما حاجتها إلى اللهو والسمر؟! ~~أليس ذلك دليلا على أنه رجل جد وعمل؟! وما حاجتها تراه وقد عاد إلى البيت فنظر في ~~رسائله ثم قال بصوت مغضب: ما لنا لا نذهب إلى المائدة؟! إن في هذا كله لحبا وفتنة. وعلى ~~هذا النحو أحبت زوجها وسعدت بحبه ثلاثة أعوام كاملة، واتخذت نفسها وزوجها مثالا أعلى ~~للأسرة السعيدة المتحابة. ولكنها كانت تجهل زوجها، وكانت تجهل نفسها أيضا، وكانت في حاجة ~~إلى حادثة من الحوادث تظهرها على حقيقة نفسها، وتعرض عليها زوجها كما هو، وتنزلها من السحاب ~~الذي كانت تعيش فيه إلى الأرض، لترى الناس والأشياء كما أراد الله أن يكونوا لا كما صورهم ~~الخيال. # ومن غريب الأمر أن في هذه القصة شخصا ثالثا يناقض «جاكلين» من بعض الوجوه، ويوافقها من ~~بعضها الآخر، وهو مثل شائع الآن في فرنسا. هذا الشخص هو «جيزيل» أخت «جاكلين»؛ فتاة تدرس ~~الطب، حرة في لفظها وحركاتها وسيرتها، مسرفة في هذه الحرية، لا تتحرج من أن تستعمل في لغتها ~~ألفاظا يألفها الطلاب وحدهم وينفر منها المترفون، ولا تتحرج من أن تقضي يومها وشطرا من ~~ليلها مع الشبان في لهو وعبث ومجون، ولا تكره أن تعود إلى بيتها بعد منتصف الليل وقد لهت ~~ورقصت وصاحبها إلى البيت شاب من زملائها في الدرس. ولكنها على هذا كله طاهرة السيرة، تستطيع ~~أن تقول لأختها: إنها على عبثها ولهوها لا تزال عذراء وستظل عذراء. وهي لا تكره أن تعلن إلى ~~أختها صراحة أن الحب قد بطل في هذا العصر، وأن البدعة إنما هي في الدعابة ms241 والعبث ليس غير. ~~ومن دون هذا كله قلب خير ملؤه البر والحنان، ونفس راقية تحب المثل الأعلى وتطمح إليه، ~~ولكنها تراه عزيزا فتتسامح، وتنظر إلى الحياة مبتسمة في شيء من السخرية المرة تغشيها ~~حلاوة متكلفة. هي كأختها لولا أن حظها من العقل يفوق حظها من الخيال. # وهناك شخص رابع، هو أم هاتين الفتاتين: امرأة متقدمة في السن، تمثل عصرها وتعيش غريبة في ~~هذا العصر الجديد، لا تفهم «جاكلين» لأنها تعيش في السحاب، ولا تفهم «جيزيل» لأنها تحللت من ~~القيود المألوفة، وهي معذبة بينهما دائما أنهما ستقلانها. # ثم هناك شخص خامس نستطيع أن نقول إنه البطل الثاني من أبطال هذه القصة، وهو «أندريه ~~مورو»، شاب قد جاوز الثلاثين قليلا، حسن الطلعة، متقن الزي، غني، متصل بالأسر الراقية، ~~شديد الحياء، ولكنه حاد العاطفة والمزاج، ضعيف فيما يظهر، لا يكاد يملك نفسه ولا يسيطر على ~~عواطفها. أكاد أرى أن الكاتبين قد خلقاه خلقا وبعدا به بعض الشيء عن الأشخاص المألوفين. ~~وهو كما خلقاه خفيف الروح جذاب، عذب اللسان منطلقه، يندفع في ذلك حتى يخيل إليك أنه مجنون. ~~وهو في حقيقة الأمر مجنون، قد ذهب الحب بعقله حينا فأصبح كهؤلاء الذين يخضعون للتنويم ~~المغناطيسي. ~~••• # هؤلاء هم أشخاص القصة، والقصة في نفسها قصيرة كما أن الوقت الذي تقع فيه قصير، لا يكاد ~~يتجاوز اليومين، أو قل لا يكاد يبلغهما. وهي تذكرنا كما قلت بقصة الحب لولا أن الزوجين في ~~قصة الحب كانا مؤتلفين في رقة الطبع ورقي النفس، وهما في هذه القصة مختلفان، ومن هنا انتصرت ~~الزوجية في قصة الحب، وانهزمت في هذه القصة، لولا أن قصة الحب جد كلها، وهذه القصة جد قد ~~صيغ في لفظ فكاهي. ~~••• # نحن في بيت «جاكلين» آخر النهار، وقد فرغت من استقبال زائريها في هذا اليوم الذي تعودت أن ~~تستقبلهم فيه كل أسبوع، وخلت إلى أختها «جيزيل» فكان بينهما حديث نفهم منه الفرق بينهما في ~~الطبيعة والمزاج، هما تتحدثان عن صديقة لجاكلين، فأما «جاكلين» فمفتونة بها قد أسبغت عليها ms242 ~~صورتها الخاصة وأخذت تسرف في الثناء عليها . وأما «جيزيل» فقد رأتها كما هي، وأخذت تهون من ~~شغف أختها. وتمضيان في الحديث فتتناولان أشياء كثيرة، يظهر فيها ما بينهما من الاختلاف في ~~الذوق والحكم، ولكن يظهر في الوقت نفسه أن بينهما حبا ومودة تقربان مسافة هذا الخلف وتعطف ~~كلا من الأختين على الأخرى. وقد لامت «جاكلين» أختها لأنها لا تزورها كثيرا ولا تثق بها ~~ولا تطمئن إليها في الحديث، واتفقتا بعد حوار طريف على أن تستأنفا حياة الأختين في ثقة ~~وطمأنينة. وقد فهمنا من هذا الحديث أيضا أن «مكسيم» مسافر لبعض عمله في بلجيكا، ورأينا حب ~~«جاكلين» إياه، وفهمنا أن «جيزيل» مزورة عنه بعض الازورار. # وتقبل أمها مضحكة مضطربة لا تدري علام تقبل من الأمر، أتمكث مع ابنتها أم تعود إلى بيتها؟ ~~ثم يستقر رأيها على العودة فتنصرف مع ابنتها الفتاة وتخلو «جاكلين» إلى نفسها، فنحس أنها ~~تشعر بشيء من الضجر بوحدتها، وهي تريد أن تنصرف إلى غرفتها فتتناول فيها العشاء، وهي تهم ~~بذلك لولا أن الخادم يدخل عليها رجلا، تنظر إليه فإذا هو «مورو»، وكانت قد رأت هذا الشاب ~~مرة واحدة في بعض الأسمار فأنست إليه وأنس إليها، وتحدثا فأطالا الحديث. وأقبل هذا الشاب ~~يزورها في يوم استقبالها، ولكنه أقبل متأخرا فيعتذر من هذا التأخر أول الأمر ثم يعترف بأنه ~~تعمده بعد ذلك، ثم يفتن في الثناء على «جاكلين» ويظهر اغتباطه بذلك الحديث، ثم يهم ~~بالانصراف معتذرا ولكنه يلتمس سبيلا للبقاء، أو يلتمس سبيلا إلى العودة، فيعرض على ~~صاحبته أنه يريد أن يستشيرها في أمر ذي بال، وأن الوقت متأخر فهو يستأذنها في أن يعود ~~ليستشيرها في زيارة أخرى. أما هي فتكاد تحس رضاها عن هذا الحديث وميلها إلى هذا الفتى، وقد ~~أذنت له أن يعود، ثم بدا لها فأمرته أن يبقى، وأن يعرض قصته فورا. فيبقى، وينبئها بأنه ~~اختلف في الشتاء إلى إحدى الأسر فاتصلت المودة بينه وبينها، وفي هذه الأسرة فتاة، فأحس أن ~~الأسرة تطمع في أن يخطبها، ms243 فهو مضطرب لا يدري أيقطع الصلة بينه وبين هذه الأسرة لأنه لا ~~يريد أن يتزوج أم يحتفظ بها. # أما «جاكلين» فتدهش لأن صاحبها يستشيرها في مثل هذا الأمر، وهي لا تكاد تعرفه، ولكنه قد ~~أنس إليها حين رآها في المرة الأولى ورأى منها صراحة ونصحا وإخلاصا، فطمع في أن يستشيرها ~~واطمأن إلى رأيها. وهي لا تدري بم تشير عليه، ولكنها كما قلت لك طيبة النفس، صادقة العاطفة. ~~فانظر إليها وقد اندفعت تلوم صاحبها لوما عنيفا؛ لأنه يستشيرها في مثل هذا الأمر، وهي ترى ~~أنه أمر لا يحتمل المشورة، فأنت بين اثنتين: إما أن تحس بشيء من الميل إلى هذه الفتاة؛ ~~وإذن فاحتفظ بالصلة وامض حتى تنتهي إلى الزواج، وإما ألا تحس شيئا؛ وإذن فلا ينبغي أن تطمع ~~هذه الفتاة ولا أن تضللها. وصاحبنا لا يحس شيئا وإذن فسيقطع الصلة، ولكن «جاكلين» يروعها ~~هذا وتشفق أن تكون مشورتها عقبة في سبيل السعادة الزوجية التي تطمع فيها هذه الفتاة، فتنصح ~~لصاحبها بالأناة والتفكير، وتندفع في حديث عن الحب لذيذ كله حرارة وصدق وإخلاص، وقد اندفعت ~~فيه حتى تناولت نفسها وزوجها وسعادتها، ولم تفكر - أو قل لم تشعر - بما تترك في نفس هذا ~~الشاب من الأثر. وهي تجد لذة في حديثها إليه، وهو يجد لذة في الاستماع إليها. وما تزال في ~~الحديث وما يزال هو في الاستماع والسؤال أحيانا حتى ينتهي الأمر إلى أقصاه، وقد خلبت الفتى ~~وحببت إليه الزواج، فاستقر رأيه على أن يسرع إلى بيت الفتاة فيخطبها من فوره. وهي الآن تنصح ~~له ألا يتعجل في الخطبة بعد أن كانت تنصح له ألا يتعجل في القطيعة. # وقد فهمنا من كل هذا أنها تجد لذة في الحديث إلى الفتى، وأن الفتى مفتون باستماع حديثها. ~~وهما في ذلك وقد تقدم الليل وإذا «مكسيم» قد أقبل ولم يكن منتظرا، إنما كانت تنتظر عودته ~~من الغد. أقبل فلم يجد أحدا من الخدم، وعالج باب الدار حتى فتحه، وتقدم حتى انتهى إلى غرفة ~~الاستقبال دون أن ms244 يظفر بخادم، فلما دخل الغرفة رأى زوجه تتحدث إلى أجنبي. دهش ودهشت وبهت ~~الزائر ونهض مودعا وانصرف، وخلا الزوجان، ولكن بينهما شيئا. أما هي فلم تكن تنتظر هذه ~~العودة، وأما هو فلم يكن ينتظر أن يرى هذا الأجنبي، ولم يكن ينتظر أن تستقبله امرأته هذا ~~الاستقبال ولا سيما وقد قدم عودته يوما وأبرق بذلك إلى امرأته، ولكن الرسالة لم تصل إليها، ~~وقام الدليل على ذلك فوصلت الرسالة أثناء حوارهما. ولكن في نفس الرجل شيئا على كل حال، فهو ~~يسأل عن هذا الأجنبي في شيء من الازدراء أول الأمر، ثم تشتد عنايته به شيئا فشيئا، ويظهر ~~الشك قليلا قليلا. والمرأة مخلصة في الاغتباط بعودة زوجها، ولكن هذا الشك يؤلمها، يدهشها ~~أولا، ثم يؤذيها، ثم تحس الإهانة، ثم تكبر نفسها وترى أنها أرفع من أن تهبط إلى حيث تدافع ~~عن شرفها. # وبينما تغلو في الكبرياء يغلو زوجها أن هذه آثار الخوف، وبينما تؤثر الكبرياء فيها فيظهر ~~عليها الغضب يظن زوجها أن هذه آثار الخوف والريبة، وما هي إلا أن ينتهي إلى اللوم ثم إلى ~~التعنيف، وكلما مضى في ذلك اشتد سخط المرأة وكبرياؤها، فخيل إليه أن الخوف والذعر هما ~~اللذان يشتدان، حتى ينتهي به الأمر إلى الاتهام، وينتهي بها هي الأمر إلى أن تزدري زوجها ~~فتتهم نفسها أيضا. وقد انتهت الغيرة بالرجل إلى أقصاها، وانتهى الغضب والكبرياء بالمرأة ~~إلى أقصاهما، فتركت زوجها وأغلقت من دونه الباب. ~~••• # فإذا كان الفصل الثاني فنحن حيث كنا في الفصل الأول من الغد، و«جاكلين» منصرفة إلى أعمال ~~بيتها تأمر خادمها ببعض الشأن. ونحن نحس أنها تألم وأنها ترى أن قد أهينت في كرامتها ~~وكبريائها، ولكنها لا تقول شيئا، ولا تظهر شيئا، ولكن هذه أمها قد أقبلت في شكلها المضحك ~~دائما، وهي مضطربة مذعورة، فإذا رأتها ابنتها خيل إليها أنها مريضة، ثم ظنت أن أختها قد ~~آذتها، ثم تبينت آخر الأمر أن زوجها قد ذهب إليها وقص عليها ما كان أمس وغلا في القصص، ~~فيسوءها ذلك ويؤذيها في ms245 شرفها وكبريائها، ولكنها تطمع في أن تكون أمها قد دافعت عنها. وقد ~~فعلت أمها فنهرت الرجل وقالت في ابنتها ما تقوله الأمهات. و«جاكلين» إذن سعيدة تقبل أمها في ~~حنان وبر، ولكن لا تلبث الشيخة أن تطلب إلى ابنتها أن تستعطف زوجها وتصلح ما بينهما من ~~الأمر، فإذا مضت في الحديث قليلا أحست «جاكلين» أن أمها قد صدقت ما قال فيها الزوج، فتكلفت ~~الدفاع ولكنها مقتنعة فيما بينها وبين نفسها بأن ابنتها آثمة، فيؤلمها ذلك ويؤذيها إيذاء ~~شديدا تكتمه ولكنه مع ذلك ظاهر، لا تكاد تفهمه الشيخة، ونفهمه نحن في وضوح وجلاء. # وهذه «جيزيل» مقبلة. ولست ألخص لك محاولة الشيخة إقصاءها وإخفاء الأمر عليها في حوار ~~بديع وحركات مضحكة، ولكنها قد دخلت على كل حال وخنت إلى أختها، وهي تذكر ما كان بينهما من ~~عهد أمس، وقد سمعت «مكسيم» وهو يحدث أمها بالقصة، فأقبلت تؤاسي أختها وتظهر لها العطف ~~والنصح والمودة. واسمع لها تهنئ أختها بأنها قد اتخذت لها خليلا وخانت هذا الزوج الذي لا ~~يستحق إلا أن يخان، وإذن فهي أيضا تتهم أختها وتصدق فيها الفاحشة! فلا يزيد ذلك «جاكلين» ~~إلا ألما ويأسا، ولكنها تملك نفسها وتأخذ الأمر في سخرية وعبث من دونهما ألم شديد. # وهن في ذلك وإذا بالخادم يستأذن لمورو، فأما الشيخة فيحنقها ذلك، وأما «جاكلين» فتستقبله، ~~وهي تستقبله باسمة وهو يقص عليها أمره وأنه خرج من عندها أمس متأثرا مفتونا، فلم يملك ~~نفسه فذهب إلى أهل الفتاة وجلس إليها، ثم لم يلبث أن تحقق أنها لا ترضي مثله الأعلى، ~~فانصرف عنها وعدل عن اتخاذها زوجا. وهذا كله يلهي «جاكلين» ويلذها ويسليها بعض الشيء، ولكن ~~الفتى يمضي في حديثه فيخبرها بأنه وإن كان قد انصرف عن هذه الفتاة وعرف أنه لا يحبها، يشعر ~~مع ذلك بأنه يحب، وآية ذلك أنه لم ينم الليل، وأنه يرى الحياة قد تغيرت كلها، فهو إذن يحب، ~~ولكن من يحب؟ وهو يفكر ويسأل نفسه. وانظر إليه وقد كشف الحقيقة فجأة وأعلنها فجأة: فهو ms246 يحب ~~«جاكلين» ويعلن إليها ذلك في لهجة مضحكة مؤثرة معا، وهي تدهش لذلك أول الأمر، ثم تغضب ثم ~~تثور. ولكن هذا كله لا يزيد صاحبنا إلا اقتناعا بأنه يحبها وإلحاحا في إعلان هذا الحب، ~~وهي تنهره وتطرده وتقصيه، ولكنه لا يزيد إلا إلحاحا وإصرارا. ثم يستكشف أنها هي لا تكرهه ~~وقد لا تحبه، ولكنها تميل إليه بعض الميل. ويستدل على ذلك بأنسها إليه لأول ما لقيته ~~واطمئنانها إليه في المرة الثانية. وهي تدفع عن نفسها مغضبة ثائرة وقد زاد ذلك في إيذائها، ~~فزوجها يتهمها، وأمها وأختها يصدقان هذه التهمة، وهذا الفتى لا يستبعد التهمة أيضا. وقد ~~انتهت إلى إخراج هذا الفتى ولكنها عذرت زوجها وأخذت تلوم نفسها على هذا الكبر الذي وضعها ~~هذا الموضع السيئ، وقبلت أو رغبت في أن ترى زوجها وتستعطفه وتظهره على جلية الأمر. ويقبل ~~زوجها فتتلقاه باسمة واثقة مطمئنة وتترضاه، ولكنها كلما حاولت أن تبسط له حقيقة الأمر مضى ~~هو في الاتهام، ثم انتقل منه إلى العطف ثم إلى العفو. فهو إذن يأبى إلا أن تكون زوجة آثمة، ~~وكبرياؤها تأبى أن تصرح له بجلية الأمر. وقد وقع بينهما ما لم يكن بد من وقوعه، وظهر أنهما ~~مختلفان اختلافا أساسيا، فهو لا يؤمن بها ولا يقدسها بل يراها كغيرها من النساء، وهي ~~تألم لذلك ولكنها تقبله وتخفي الألم وتشكر زوجها على العفو إذا طلب إليها هذا الشكر. ~~••• # فإذا كان الفصل الثالث فنحن حيث كنا في الفصلين الأولين من الغد، ولكننا نرى «مكسيم» ضيق ~~الصدر ينتظر امرأته التي خرجت فأبطأت في العودة، وقد جاء ميعاد الغداء وهو جائع يتضور، ~~ويطلب إلى الخادم ما يتبلغ به. وهذه «جاكلين» مقبلة، فهو يلقاها ساخطا لائما، يعنفها ~~لأنها بعد الذي كان أمس قد أسرفت في عدم الاكتراث به. أما هي فتجيبه في سخرية مؤلمة بأن هذا ~~اللون من التشديد لا يليق به بعد هذا العفو الذي أصدره أمس، على أنها قد تناولت غداءها في ~~باريس في أحد المطاعم، وعلى أنها لا تعرف ms247 أين تتعشى، وعلى أنها قد تريد أن تذهب إلى أحد ~~المراقص. وكل هذه الأحاديث يدهش لها «مكسيم» ثم يغضب، ثم يحاول أن يستعمل سلطته وأن يقهر ~~امرأته على أن تحيا حياة ملائمة. ولكنها تنكر عليه ذلك في سخرية. أليس قد عرف أنها آثمة ثم ~~عفا عنها، فهو إذن يبيح لها الإثم! فليبح لها الحرية. وهما في هذا الحوار وإذا أمها مقبلة، ~~فينصرف الرجل إلى غدائه، وتعلن الفتاة إلى أمها في شيء من الإبهام والسخرية أنها لا تحب ~~زوجها، وأنها قد عرفته وكشفت أمره وقد كانت تجهله، فهو رجل كغيره من الناس، وأمها لا تفهم ~~من هذا الحديث شيئا. ويفرغ الرجل من غدائه، ويعود فيسأل امرأته كيف تريد أن تقضي بقية ~~النهار، فلا تجيبه بشيء مقنع، ثم تنصرف عنه مع أمها إلى غرفتها. وتقبل «جيزيل»، فإذا لقيها ~~تنكر لها وتنكرت له، ثم كان بينهما حوار لذيذ يفهم منه «مكسيم» أن امرأته بريئة، وأنها لم ~~تأثم، ونفهم نحن أن هذه الفتاة نادمة لأنها أساءت الظن بأختها وآذتها في شرفها. والرجل لا ~~يعرف كيف يحتال في إرضاء امرأته، فهو يقترح ألوانا من الترضية، يريد أن يستعطفها، ويريد أن ~~يهدي إليها هدية، ويريد أن يقبلها، ثم يبدو له فيرى أن الحل الملائم إنما هو أن ينصرف، ~~وكذلك يفعل. وتأتي «جاكلين» فإذا رأت أختها كان بينهما حوار جاف، نفهم منه ألم «جاكلين» ~~وندم الفتاة وحنانها وكبرياءها أيضا. # ولكن هذا الخادم يستأذن لمورو، فترفض استقباله، ثم يعود الخادم فيلح وينبئ بأن مورو قد ~~جلس وأعلن أنه لن ينصرف، فتأذن له مغضبة وتستقبله منتهرة زاجرة. ولكنه الآن هادئ مطمئن رزين ~~يطلب إليها في صوت كله دعة وطمأنينة أن تتفضل بتناول العشاء عنده مع زوجها. أما هي فترفض ~~مغضبة، ويلح هو متطلفا فتأبى. وقد أخذت تدهش لأنه لا يتحدث إليها في حبه، وهي لا تملك ~~نفسها أن تسأله: أثاب إلى الرشد منذ أمس؟ فيعتذر في دعة وهدوء. وكأنها تألم لتغير لهجته، ~~وكأنها كانت تريد أن تراه مشغوفا مفتونا، ms248 فتنهره وتزجره، فأخذها شيء من الحزن حين رأته ~~هادئا يعتذر، فهي تلومه في لطف وحزن على ما كان منه أمس. وانظر إليه وقد انفجر وترك ما كان ~~فيه من دعة وهدوء وأخذ يعلن إليها أنه يحبها ويحبها ويحبها، وأنه إنما تكلف هذا العشاء وهذا ~~الهدوء ليستطيع أن يراها، وأنه كان يريد أن يعتدل ويهدأ ويزورها من وقت لآخر زيارة هادئة ~~محتشمة مكتفيا بذلك، فأما وقد أبت إلا أن يتكلم فهو يتكلم، وهو يحبها ويحبها ويحبها. ونحس ~~نحن أنها تجد شيئا من اللذة في أن تسمع هذا الحديث، ولكنها مع ذلك مغضبة ثائرة تنهره ~~وتزجره وتزعم له أنه لا يعرف من أمرها شيئا، ولا يستطيع أن يحبها. ويأخذ هو في وصفها، حتى ~~إذا انتهى إلى أنها سعيدة في حياتها المنزلية، أنكرت عليه ذلك وألحت في الإنكار، فإذا هو ~~سعيد مغتبط، يرى أنه قد هان كل شيء في سبيل حبه، فهو يقبل عليها يأخذ بيدها ويدعوها إلى أن ~~تمضي معه، وهو يهم بتقبيلها وهي تدافعه عن نفسها في قوة شديدة وضعف شديد معا. وهي قد ~~اضطرت إلى أن تستخدم آخر سلاح، فتعلن إليه أنها عاشقة وأن لها خليلا ... يصدق ذلك أول الأمر، ~~ثم لا يلبث أن يفطن فينكر وينكر في عنف، ويعلن إليها أنها تكذب لتدافع عن نفسها، وأنه لن ~~يصدق شيئا من هذا، وأنه لو رآها بين ذراعي رجل لما صدق أنها عاشقة، وهو كلما مضى في هذا ~~الحديث صادف منها قبولا ورضا. # وانظر إليها الآن مطمئنة هادئة، ولكنها تبكي في صمت وتشكر له إيمانه بها وحسن رأيه فيها، ~~ثم تطلب إليه أن ينصرف الآن، فإذا أبى ألحت عليه في رفق وفهمته أنها تحبه، وأنها تعترف بهذا ~~الحب. ولم لا؟ فهو الشخص الوحيد الذي آمن بها وبرأها من هذه التهمة، وهو يقبل أن ينصرف، ~~ولكن على أن يعود إذا عجز عن المضي في طريقه. وما يكاد يخرج حتى يعود زوجها باسما مبتهجا، ~~فينبئها بأنه قد استأجر لها مكانا في الأوبرا حيث ms249 الرقص هذا المساء، ولكنها تعتذر . وإذن ~~فسيصحبها زوجها للعشاء في أحد المطاعم، ولكنها تعتذر. وإذن فسيبقيان في البيت، ولكنها ~~تستدنيه وتنبئه بأنها لا تحبه وقد انصرفت عنه. أما هو فمغرور مفتون بنفسه واثق بسلطانه، فهو ~~لا يحفل بهذا الإعلان، ولكنه يمضي في حديثه مداعبا هازئا، وهي تطلب إليه حريتها، فيجيبها ~~في دعابة وهزء، وقد أقبل الخادم يستأذن مرة أخرى لمورو، فيأذن له مبتهجا بلقائه، ويعتذر ~~إليه بأنه أساء لقاءه في المرة الأولى؛ فقد كان متعبا من آثار السفر، وهو يدعوه إلى العشاء ~~معهما هذه الليلة، فيعتذر الفتى محرجا، ويعلن «مكسيم» أسفه ويلح في أن يتعشى معهما في إحدى ~~ليالي الأسبوع، ثم يعتذر ببعض العمل وينصرف عمدا تاركا لزوجه ترتيب أمر العشاء. # فإذا انصرف نظر كل من العاشقين إلى صاحبه في شيء من الحرج والضيق، ثم جلس الفتى وطال ~~الصمت حينا، ثم أعلن إليها في هدوء أن اسمه الخاص أندريه ... # يوليو سنة 1927 ms250