######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.ShajaratBus.Hindawi95048414 #META# Tags: novels #META# ID: 95048414 #META# Title: شجرة البؤس #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الإهداء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # | شجرة البؤس # | شجرة البؤس # تأليف # طه حسين # | الإهداء # هذه صورة للحياة في إقليم من أقاليم مصر آخر القرن الماضي وأول هذا القرن، ~~نقلتها من صدري إلى القرطاس أثناء الرحلة في لبنان. # فمن الطبيعي أن أهديها إلى هذا البلد الكريم، اعترافا بما أهدى إلي من ~~معروف، وما أسدى إلي من يد. # طه حسين # | الفصل الأول # فرغ الرجلان من صلاة العصر، ومما تعودا في أعقاب الصلوات من تسبيح وتحميد وتهليل ~~وتكبير ودعاء، ثم تحولا عن مجلسيهما إلى مصطبة في ناحية من نواحي الحجرة لا تخلو ~~من ترف؛ فهي لم تتخذ من الطين واللبن، وإنما اتخذت من الآجر، ~~وفرشت بالرخام، وألقيت عليها بسط ونمارق، كدأب البيوت التي كان يسكنها ~~المترفون من التجار وأوساط الناس، الذين كانوا يجدون شيئا من الكبرياء في تقليد ~~السادة من الترك. ولم يكد الرجلان يأخذان مجلسيهما حتى أقبل الخادم يحمل إلى أحدهما ~~غليونه الطويل، وأقبل خادم آخر من ورائه يحمل إليهما القهوة، وكان واضحا أن أحدهما، ~~وهو الذي حمل إليه الغليون، لم يكن من أهل الإقليم، وإنما كان من أهل القاهرة قد جاء ms001 ~~إلى الإقليم زائرا لصاحبه، أو زائرا وتاجرا معا، وقد يقبل من القاهرة إلى الإقليم ~~في زيارته وتجارته مرة أو مرتين في العام، ثم شرب الرجلان قهوتهما في أناة وبطء، لا ~~يقول أحد منهما لصاحبه شيئا، وأقبل صاحب الغليون على تدخينه، وأخرج الآخر من جيبه ~~علبة بيضية الشكل فأمالها على بعض أصابعه، ثم رفع أصابعه هذه إلى أنفه وتنفس تنفسا ~~عميقا، ثم رد العلبة إلى جيبه وأطرق كأنما ينتظر شيئا، أو كأنما يريد أن ينعم في ~~تفكير عميق، ولكن صاحبه القاهري لم يتح له ذلك، وإنما قال له في أناة وصوت هادئ: ~~ويحك أبا خالد! أخشى أن نكون قد ظلمنا أنفسنا وأرهقنا هذا الفتى من أمره ~~عسرا. # قال أبو خالد في صوت لا تظهر عليه العناية بما سمع: وما ذاك أبا صالح؟ # قال أبو صالح: إني لم أر ابنتي قط منذ كان هذا الزواج إلا رحمت الفتى وأشفقت ~~عليه، فما رأيت امرأة أقبح من ابنتي شكلا، ولا أبشع منها منظرا، ولا أقل منها ~~دعاء للرجال. # هنالك غضب أبو خالد، وقال لصاحبه في شيء من العنف: فإنا اجتهدنا لأنفسنا وأموالنا، ~~واجتهدنا لهذين الشابين، ولا علينا بعد ذلك أن يسعدا أو يشقيا، أحدهما أو كلاهما. ~~إنها ابنتك الوحيدة، وإنه ابني الوحيد، وإن لك ثروة ضخمة، وإن لي تجارة واسعة، وإن ~~بيننا شركة بعيدة المدى، وإخاء قديم العهد، فلم يكن بد من أن يقترن هذان الشابان، ومن ~~أن يصير إليهما هذا المال. # وأظنك في حاجة قبل أن يتقدم هذا الحديث إلى أن تعرف شيئا من أمر هذين الرجلين اللذين ~~كانا يتناجيان. فأما أبو صالح: فقد كان رجلا من أهل القاهرة، من هذه الطبقة المتوسطة ~~التي أخذ شأنها يظهر شيئا فشيئا في أواسط القرن الماضي حين رد إلى المصريين شيء ~~من حرية، وحين أتاحت لهم النهضة المادية شيئا من سعة العيش، وكانت أسرته تعمل في ~~التجارة منذ عهد بعيد، نشأ أبو صالح هذا «عبد الرحمن»، فرأى أباه مصطفى تاجرا، وتحدث ~~إليه أبوه أنه رأى أباه ms002 تاجرا، وأنه لم يعرف أن أسرته احترفت شيئا غير التجارة. ~~ولكن تجارة الأسرة كانت يسيرة قريبة المدى، حتى جاء مصطفى «أبو عبد ~~الرحمن» فقدمها شيئا، ثم جاء عبد الرحمن هذا ~~فقدمها كثيرا، وتجاوز بها القاهرة إلى الأقاليم البعيدة والقريبة، وكان يتجر في البن ~~والسكر والأرز والصابون، ولا يكاد يتجاوز هذه الأصناف إلى غيرها من العروض، وقد نشأ ~~في بيت الأسرة «بحي الحرنفش» نشأة قاهرية عادية، فاختلف إلى الكتاب، وحفظ شيئا من ~~القرآن، ثم اختلف إلى الأزهر ووعى شيئا من العلم، ثم أعان أباه في التجارة، وتنقل ~~بهذه التجارة في الأقاليم، ثم آلت إليه تجارة أبيه فنماها نموا عظيما. # وكان عبد الرحمن قد اشترى من سوق الرقيق في القاهرة جارية حبشية، أو جارية زعموا له ~~أنها حبشية، ولكنها كانت سوداء على كل حال، وأكبر الظن أنها لم تخل من عنصر زنجي قليل ~~أو كثير، وقد أحسن عبد الرحمن سيرته مع هذه الجارية، فأعتقها واتخذها له زوجا، ورزق ~~منها ثلاثة بنين: غلامين، أحدهما صالح - وبه كان يكنى - وكان يعمل معه في تجارته بعد ~~أن نشأ نشأة أبيه؛ والآخر: محمد، وقد وجهه أبوه وجها مدنيا، فلم يحصل علما، ولم ~~يمل إلى تجارة، وإنما كان فتى متعطلا، كان ضحية من هذه الضحايا التي تكثر في أوقات ~~التطور والتجديد، حين تلتقي حضارة قديمة مستقرة بحضارة جديدة طارئة. والثالثة: فتاة ~~سماها نفيسة، وقد أراد الله أن يجمع ما كان يمكن أن تتوارثه هذه الأسرة من ناحيتيها ~~من قبح الصورة ودمامة الشكل على هذه الصبية البائسة، وقد نشئت هذه الصبية تنشيئا ~~فيه كثير من الترف وكثير من العناية. وكأن عبد ~~الرحمن وامرأته السوداء قد رفقا بهذه الصبية واختصاها بكثير من العطف؛ لما رأيا من ~~قبح صورتها ودمامة شكلها، وكان استهزاء أخويها بمنظرها البشع وصورتها المنكرة يزيد ~~رفق أبويها بها وعطفهما عليها، فنشأت الفتاة وفي أخلاقها شيء كثير من التعقيد: تحب ~~الترف وتكلف به؛ لأنها نشئت عليه، فأصبح لها طبيعة وأسلوبا في الحياة، وتحس الأشياء ~~إحساسا دقيقا جدا ms003 ولا سيما حين تتصل بها من قريب أو بعيد، وتتأذى بما يؤذي وما لا ~~يؤذي، ويخيل إليها أن في كل حديث يساق إليها أو يساق عنها تعريضا بها أو محاولة ~~لإيذائها. فكانت سعيدة بين أبويها، شقية بين أخويها وبين الناس، مضطربة أشد الاضطراب ~~إذا خلت إلى نفسها، لا تعرف إلى أي الأمرين تستقر: أإلى هذا الحب الذي يملؤه الحنان ~~والعطف، والذي تجده من أبويها كلما خلت إليهما بل كلما لقيتهما، بل تحس آثاره حين لا ~~تلقاهما ولا تخلو إليهما، أم إلى هذا الازورار الذي كانت تجده من أخويها والتودد ~~المتكلف الذي كانت تجده من الناس حين تلقاهم زائرين للأسرة، أو تلقاهم حين كانت تصحب ~~أمها في بعض زياراتها. والشيء الذي لا شك فيه هو أن أخلاق هذه الفتاة لم تكن مطردة ~~ولا منسجمة ولا ملائمة للمألوف من أخلاق أترابها، وإنما كانت تثب من الرضا إلى السخط ~~ومن السخط إلى الرضا، وربما اضطرت إلى شيء بين ذلك ليس فيه اطمئنان ولا ثورة، وإنما ~~هو قلق متصل، وضيق بكل شيء، وإعراض عن كل شيء. وكان هذا كله يزيد عطف أبويها عليها، ~~وإيثارهما لها بالحب والحنان، حتى كانت من غير شك آثر الثلاثة عند أبيها ~~وأمها. # ثم امتحنت الأسرة بفقد ابنيها جميعا في خطوب لا أعرض لها الآن، فأصبحت الفتاة وحدها ~~مركزا لكل ما كان الأبوان يملكان من حب وبر. # وقد ارتحل عبد الرحمن في بعض شأنه التجاري إلى مدينة من مدن الأقاليم بعيدة عن ~~القاهرة بعدا شديدا، في ذلك الوقت الذي لم تكن فيه القطر ولا السيارات، والذي كان ~~يرتحل الناس فيه على ظهور الدواب أو على ظهور السفن التي تشق بهم النيل مصعدة حينا ~~وهابطة حينا آخر. وكان عبد الرحمن لا يسافر إلى الأقاليم إلا بعد أن يقدم بين يديه ~~طائفة من السفن قد حملت ما شاء الله أن تحمل من عروض التجارة، حتى إذا بعد عهده شيئا ~~بإقلاع هذه السفن وظن أنها قد كادت تبلغ غايتها سافر هو من القاهرة ms004 سفرا غير قاصد، ~~وبلغ الغاية قبل أن تبلغها السفن، وهناك يتلقى سفنه ويعمل في تجارته، فيبيع ويشتري، ~~ويأخذ ويعطي، ويرد سفنه إلى القاهرة وقد تخففت مما كانت تحمل، ولكنها أثقلت بعروض ~~أخرى تحمل من الأقاليم إلى القاهرة. وكان هذا كله يضطره إلى أن يبقى في مدن الأقاليم ~~أوقاتا تطول وتقصر، فلم يكن له بد من أن يتخذ الأصدقاء من عملائه التجار، ومن أن ~~يتخذ الأصفياء الذين يئوونه إذا كان في هذه المدينة أو تلك، والذين يئويهم حين كانوا ~~يهبطون إلى القاهرة لمثل ما كان يرحل له من البيع والشراء، وكان عميله في هذه المدينة ~~أبا خالد بن سلام. وكان علي كصديقه وعميله تاجرا بعيد التجارة، نشأ في قرية من قرى ~~الريف في مصر السفلى، وفي أسرة من هذه الأسر التي كانت تتجر بالماشية وتحصل من هذه ~~التجارة مالا عظيما، ثم رأى أبوه سلام ذات يوم أن أهل القرى يستكرهون على ~~امتلاك الأرض واستثمارها، وكان أبغض شيء إليه أن يكون صاحب أرض وزراعة، يتعرض لما ~~يتعرض له الفلاحون من الظلم والعنف، ومن القسوة والشدة، ومن هذه السياط التي كانت ~~تأكل أجسامهم حين يقصرون مع سادتهم أو مع الحكومة، أو حين يتهمهم سادتهم وتتهمهم ~~الحكومة ظلما بالتقصير، ففر سلام بأسرته وذهبه وفضته إلى مصر العليا، واستقر في ~~مدينة من مدنها، واستأنف فيها حياة التجارة، ولكنه لم يتجر في الماشية، وإنما اتجر في ~~البن والسكر والأرز والصابون. وقد نمت تجارته، واستطاع أن يترك لابنه علي ثروة ليس ~~بها بأس. وكأن سلاما هذا قد أورث ابنه ما كان يمتاز به من حب الحرية، وتجنب السلطان، ~~والاجتهاد في ألا يخضع لحياة تفرضها عليه القوة أو النظام فرضا، فقد شب علي فرأى ~~الحكومة تريد أن تستكره الناس على أن يعملوا في الجيش، فلم يتحرج من أن يطيح إبهامه، ~~حتى إذا تقدم للفرز رد؛ لأنه ليس صالحا للخدمة العسكرية. # وولد له ابنه خالد، فدفعه إلى الكتاب كما دفعه أبوه هو إلى الكتاب. ولكنه رأى ~~الحكومة تريد أن ms005 تستكره الناس على أن يتعلموا في المدارس النظامية، وكان يرى هذه ~~المدارس إثما من الإثم وزورا من الزور، فهرب ابنه من المدينة وجد في تهريبه حتى ~~علمه التعليم الموروث، فحفظه القرآن جالسا على حصر الليف، ونزهه عن هذه المدارس التي ~~لا يتعلم الصبيان فيها شيئا، وإنما يلوون ألسنتهم بالتركية، وبلغة أخرى يسمونها لغة ~~الفرنسيس. وكان علي يكره الترك كرها شديدا، لا يتصور التركي إلا ظالما غاشما، لا ~~يعرف عدلا ولا دينا ولا قانونا ولا احتشاما، وكان يكره الفرنسيس كرها شديدا، ~~يذكر ما كان الناس يتحدثون به عنهم من الشر، ولكنه كان يحب الدنانير الفرنسية ويؤثرها ~~على غيرها من النقد ولا يكاد يجتمع له شيء من ذهب أو فضة إلا استبدل به دنانير ~~نابوليون. # وقد تقدمت السن بابنه خالد حتى كاد يبلغ العشرين. وهو لم يصنع شيئا إلا أنه حفظ ~~القرآن، وجعل يعمل مع أبيه في تجارته يقبل عليها حينا وينصرف عنها أحيانا، ويؤثر ~~الاختلاف إلى المساجد يشهد فيها الصلوات، ويسمع فيها للشيوخ والوعاظ، فإذا كان الليل ~~اختلف إلى مشايخ الطرق، فشاركهم في حلقات الذكر، وكان أبوه لا يكره منه هذا، وإنما ~~يرى فيه طاعة وتقوى، وكان يجتهد في أن يحبب إلى ابنه طريقة بعينها هي التي اتخذها ~~لنفسه طريقة، وحمل صديقه القاهري عبد الرحمن على أن يأخذ بها العهد عن شيخه، وقد ~~وفق علي من ذلك لما أراد، فأصبح ابنه خالد يتعصب لشيخه وطريقته أكثر مما يتعصب ~~للتجارة، حتى أشفق الشيخ نفسه على هذا الشاب أن يغرق في التصوف وينتهي إلى الانجذاب، ~~فقال لأبيه ذات ليلة بمحضر صديقه عبد الرحمن قبل أن يقيم الذكر بقليل: يا علي؛ زوج ~~ابنك، وليعنك على ذلك عبد الرحمن، فإني أخشى عليه الولاية وهو لم يخلق لها، ثم تلا ~~الآية الكريمة: # إنا عرضنا الأمانة على ~~السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا ~~. # وانصرف الصديقان عن الشيخ بعد أن تفرقت حلقة الذكر، لم يقل أحدهما لصاحبه شيئا في ~~شأن ms006 هذا الأمر الذي صدر من الشيخ إلى علي أن يزوج ابنه، وإلى عبد الرحمن أن ~~يعينه على هذا التزويج. وراح علي إلى أهله، فلم يتحدث إليهم بشيء، وإنما أتم حياته ~~العاملة كما تعود أن يتمها في كل يوم بركعتين كان يركعهما قبل أن يأوي إلى مضجعه، ~~وبآية الكرسي التي كان يتلوها إذا استقر في فراشه. والتقى الرجلان حين نشرت الشمس ~~رداءها الرقيق الرقراق على الأرض، وألبست منه المدينة حللا رائعة مشرقة، فحيا علي ~~صاحبه، وسأله عن ليله كيف قضاه؟ وعن نهاره كيف يريد أن يقضيه؟ وأقبل الخادم يحمل ~~القهوة، فشرباها في رفق وبطء وصمت يقطعه حديث نزر يسير. ولكن عليا أقبل على صديقه ~~فجاءة يسأله: ماذا فهمت من الأمر الذي أصدره إلينا الشيخ قبل أن يقيم الذكر؟ # قال عبد الرحمن متضاحكا: فهمت أنه يخشى على ابنك من حياته هذه التي يحياها، ويأمرك ~~بتزويجه؛ لينصرف إلى الدنيا عن الإغراق في أمر الدين؛ لأنه لم يخلق ليكون شيخا، ~~وإنما خلق ليكون تاجرا مثلك، وفهمت أنه يكلفني معونتك على ذلك، وأنا من هذه المعونة ~~عند ما تريد. # قال علي: معونتي على ماذا؟ ومعونتي بماذا؟ # قال عبد الرحمن: ما أدري، ولكن للشيخ إشارات لا تفهم عنه غالبا، ولولا أني أشفق ~~عليك لسألتك: أفي حاجة أنت إلى المال؟ # قال علي وهو يضحك: وهل حال مثلي تخفى على مثلك؟ أتراني قصرت في بعض حقوق التجارة ~~فأجلت لك أو لغيرك حقا؟ بل أتراك أحسست مني حاجة إلى التأجيل والمهلة؟ # قال عبد الرحمن: فهذا ما سألت عنه نفسي منذ الليلة، وإن كرام الناس مثلك ليعنفون ~~بأنفسهم أشد العنف حتى لا يظهر أحد على ما يحبون أن يخفوا من الأمر، وقد عرفت ما بينك ~~وبيني من الود والإخاء، فأنا عند ما تحب من المعونة إن احتجت إليها في تجارتك أو في ~~تزويج خالد؛ فإن خالدا عندي بمنزلة ابني رحمهما الله. # قال علي: بارك الله عليك في مالك وولدك! ولكن أفهمت معنى الآية التي تلاها الشيخ؟ ~~قال عبد الرحمن: لم ms007 أفهمها، ولكني قدرت أن الأمانة هي هذه الولاية التي يتعرض لها ~~خالد على حين قد خلق للتجارة والعمل فيما نعمل فيه من أمور الدنيا، وما ينبغي أن ~~نتحرى الدقة حين نسمع شيوخنا يتحدثون أو يتلون القرآن ويروون الحديث؛ فإن لهم ~~آفاقا لا نبلغها، ولو قد فهمنا عنهم كنه ما يريدون لكنا مثلهم أساتذة ~~وشيوخا، وأنت تعلم أنه لم يؤذن لنا في شيء من ذلك. قال علي: لأراجعن الشيخ فيما ~~أراد إليه. # وأنفق الصديقان يومهما كما تعودا أن ينفقا أيامهما، فلما صليت العصر وشربت ~~القهوة، وكان التدخين والنشوق، سعيا إلى الشيخ، فأقاما عنده بين التلاميذ والمريدين ~~ما شاء الله أن يقيما، وعلي يهم أن يراجع الشيخ فيما سمع منه، ولكنه لا يجرؤ. حتى ~~إذا نودي لصلاة المغرب التفت الشيخ إلى علي باسما، وقال له: يا علي، زوج ابنك ~~وليعنك علي ذلك عبد الرحمن، فإني أخشى عليه الولاية التي لم يخلق لها، ثم تلا الآية ~~الكريمة. وهم علي أن يسأله، ولكنه نهض فاستقبل القبلة وأقام الصلاة وصلى من خلفه ~~تلاميذه ومريدوه. # وكان الشيخ إذا أقام صلاة المغرب لم يفرغ لأحد بعدها، وإنما يمضي في تسبيحه وتحميده ~~حتى يتقدم الليل، فيقيم الصلاة الآخرة، ويمضي في تسبيحه وتحميده ساعة تطول أو تقصر ~~حسب ما يكون من إقامة الذكر أو لا يكون، ولكنه على كل حال لم يكن يخلص لأصحابه إلا في ~~ساعة متأخرة جدا من الليل. وقد حضر الصديقان مع شيخهما صلاة المغرب والعشاء وطرفا ~~غير قصير من تسبيحه ودعائه، ثم انصرفا ولم يستطع علي أن يراجع الشيخ في شيء، ~~وإنما عاد إلى أهله مشغولا كثير التفكير، ولكنه على ذلك لم يتحدث إليهم في شيء، بل ~~ركع ركعتيه وأوى إلى مضجعه، فتلا آية الكرسي وترك نفسه للنوم، ثم أصبح من غده كما ~~أصبح من أمسه حائرا يسأل نفسه عن هذه المعونة التي طلبها الشيخ إلى عبد الرحمن، ~~ويؤكد بينه وبين نفسه أنه سيراجع الشيخ لا محالة ليعرف منه ما أراد. وقد أقبل ~~الصديقان على ms008 شيخهما، فصليا معه المغرب والعشاء، ومضيا معه في تسبيحه وتحميده ودعائه ~~ينتظران حلقة الذكر، ولكن الشيخ التفت فجأة إلى الصديقين، وأعاد على علي للمرة ~~الثالثة مقالته وتلا عليه الآية. وهم علي أن يسأله، ولكن الشيخ قال باسما: سبحان ~~الله! ثم التفت إلى عبد الرحمن وقال: وما شأن نفيسة؟! ثم أمر بإقامة الذكر، وقد فهم ~~عنه الصديقان، ولم يستطيعا مع ذلك أن يقولا له شيئا، أو يسألاه عن شيء، على أنهما لم ~~يعودا صامتين بعد أن تفرقت الحلقة، وإنما قال عبد الرحمن لصاحبه: أفهمت الآن هذه ~~المعونة؟ قال علي: قد فهمتها منذ الليلة الأولى، ولكني لم أكن أقطع بذلك ولا أجرؤ على ~~تقديره عن أن أحدثك فيه. قال عبد الرحمن: فإن هذا الخاطر لم يخطر لي، وما كنت أعرف ~~أن الشيخ يعلم أن لي ابنة، وأن اسمها نفيسة. قال علي: فإن الشيخ لا يخفى عليه ~~شيء من أمر تلاميذه ومريديه، ولكن ما رأيك فيما أصدر إلينا من أمر؟ قال عبد الرحمن: ~~سنستخير الله وسنتحدث إذا كان الغد. ودخل علي على أهله فرحا مسرورا يقول: أبشري ~~يا أم خالد، فستزورين القاهرة بعد قليل. قالت أم خالد مبتهجة: شيئا لله يا أهل ~~البيت، ولكن زوجها كان قد استقبل القبلة ليركع ركعتيه. # | الفصل الثاني # وكان الحديث بين الصديقين أثناء قهوة الصباح قصيرا سريعا حاسما، بدأه علي حين ~~سأل صاحبه هل استخرت الله؟ قال عبد الرحمن: صدق الله العظيم: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ~~ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ~~. وقد أرتني الأحلام شيخنا ~~غير مرة يتلو علي هذه الآية، فأفقت وأنا واثق أن الخيرة فيما اختاره الله. # قال علي متهللا: فابسط يدك لنقرأ الفاتحة. قال عبد الرحمن: مهلا أبا خالد؛ فإن ~~بيننا وبين ذلك أمورا ثلاثة. قال علي: وما هي؟ قال عبد الرحمن: أما أولها: فأن ~~تعلم أن ابنتي قبيحة الشكل بشعة الصورة، لا تكاد تقع عليها العين إلا انصرفت عنها ms009 ~~مشمئزة، وانحرفت عنها نافرة. وأما الثاني: فهو أن لابنك أما كما أن له أبا، ويجب ~~أن تعلم من هذا الأمر كله مثل ما نعلم، ويجب أن تنقل إليها في أمانة ما حدثتك به عن ~~قبح ابنتي. وأما الثالث: فهو أنك لن تتزوج ابنتي وإنما سيتزوجها خالد، فيجب أن يعلم ~~من هذا الأمر ما نعلم، ويعرف أن الشيخ لا يهدي إليه عروسا رائعة، وإنما يبتليه ~~بمحنة مروعة. # قال علي وهو يضحك: أوليس قد أمر الشيخ؟! أوليس قد تلا عليك الشيخ هذه الآية في ~~أحلامك؟! فأينا يقدر على أن يخالف أمر الشيخ؟! وأينا يقدر على أن يختار لنفسه غير ما ~~اختار له الله؟! ثم نهض من فوره فدخل على أهله، وعاد بعد ساعة أشد ما يكون سرورا ~~وابتهاجا، ثم سأل عن ابنه، فالتمس له في المساجد حتى جيء به بعد حين. فلما أنبأه ~~النبأ قال في شيء من الاستحياء: وما دام شيخنا قد أمر بذلك فهو الخير. # ولم تمض إلا أيام حتى كانت سفينة من السفن تهبط بعبد الرحمن وأصهاره إلى القاهرة، ~~ثم لم يمض بعد ذلك إلا شهر أو أقل من شهر حتى كانت سفينة من السفن تصعد بعلي وأسرته ~~إلى الإقليم، وقد زاد عددها حتى بلغ الأربعة. # | الفصل الثالث # وليس من شك في أن أم خالد أذعنت لأمر الشيخ طائعة، وفي أن خالدا أنفذ أمر الشيخ ~~راضيا مغتبطا، ولكن ليس من شك أيضا في أن أم خالد لم تكد ترى نفيسة حتى ارتاعت ~~والتاع قلبها التياعا شديدا، ولولا أنها كانت قوية النفس حازمة ضابطة لأمرها، ~~لأظهرت من روعها ولوعتها ما كان خليقا أن يؤذي الفتاة وأمها ويلغي أمر الشيخ إلغاء، ~~ولكنها حزمت أمرها وكظمت غيظها وأوت بعد قليل إلى غرفتها، فبكت ما شاء الله أن تبكي، ~~واستقبلت زوجها كأسوأ ما يستقبل الزوج، وقالت له في نفسه وفي شيخه أسوأ ما كان يمكن ~~أن يقال. ولكن زوجها لقى هذا كله باسما يتلو الآية: # وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة # فإذا أحفظته استحال ms010 ابتسامه ضحكا، وقال: ~~ناقصات عقل ودين. ولكنها أكثرت عليه حتى ضاق بها آخر الأمر، ولا سيما حين زعمت له ~~أنه لا يزوج ابنه طاعة للشيخ ولا إذعانا لإرادة الله، وإنما هو أمر دبر ~~بليل. هو لا يزوج ابنه من ابنة صاحبه، وإنما يزوج نفسه من ثروة صاحبه، فهو يضحي ~~بهذين البائسين؛ ليشارك في هذه الثروة الضخمة والمال العريض. هنالك نهض علي في ~~تؤدة، واستقبل امرأته في هدوء وقال لها في صوت يريد أن يرتفع، ولكن صاحبه يكرهه على ~~الانخفاض: تخيري، فإما أن يعقد هذا الزواج، وإما أن تفصم عقدة الزواج بينك ~~وبيني، فأقسم لنعودن إلى مدينتنا أربعة، أو لتعودن إلى أهلك وحيدة. # سمعت أما خالد هذا النذير، فوجمت له وجوما طويلا، والغريب أنها جعلت تلتمس عند ~~عينيها الدموع، فلا تسعفانها بشيء، وتلتمس عند قلبها الثورة، فلا يسعفها بشيء، وتلتمس ~~عند لسانها كلمة ترد بها على زوجها بعض ما قال، فلا يسعفها بشيء، فلما طال عليها ~~ذلك نهضت لتصلح من شأنها، وانصرف عنها زوجها، ثم عاد إليها بعد ساعة فرآها كعهده بها ~~هادئة حازمة، في وجهها ابتسامة ضئيلة حزينة، قال علي لامرأته متضاحكا: أرضيت؟ قالت: ~~لقد سمعت أبي دائما يقول كلما لقى مكروها من الأمر: رضينا بقضاء الله وقدره، ولكن ~~ثق بأنك ستندم على ما أنت مقدم عليه من الأمر، وبأنك إن أتممت هذا الزواج لم تزد على ~~أن تغرس في دارك شجرة البؤس. # | الفصل الرابع # ولم تحاول أم خالد أن تصرف ابنها عن هذا الزواج، ولا أن تنفره منه. وما كان لها أن ~~تفعل، فطاعة الزوج واجبة، وطاعة الآباء بر بهم، وقد أطاعت زوجها كارهة، فما ينبغي ~~لها أن تثير ابنها على أبيه، ولا أن تغريه بالعقوق. على أنها نصحت لابنها آخر ~~الأمر، فلم تبالغ في الثناء على خطيبته، ولم تزعم له أنها رائعة الحسن بارعة الجمال، ~~وإنما كانت تتحدث إليه بأن الشباب لا ينبغي أن يلتمسوا عند أزواجهم جمالا ولا ~~حسنا؛ فإن الجمال فتنة والحسن محنة، ويوشك الذي يلتمس ms011 الحسن والجمال عند زوجه أن ~~يعرض نفسه لكثير من المكروه، إنما يلتمس الشاب عند امرأته قرينة تؤنس وحدته، ~~وأما ترزقه الولد، ومدبرة لبيته ومربية لبنيه. والواقع من الأمر أن ابنها كان ~~يسمع لها معرضا عن أكثر ما كانت تقول؛ فهو لم يكن يفكر في جمال ولا في حسن، ولم يكن ~~يحفل بالولد ولا بتدبير أمر المنزل، ولم يكن يشفق من وحدة ولا يبتغي أنيسا، وإنما ~~كان يطيع أمر الشيخ ليس غير، وقد أمره الشيخ أن يتزوج فهو يتزوج، فأما ما بعد ذلك فله ~~وقته وإبانه. # وكان الفتى منذ هبط إلى القاهرة قليل العناية بالخطبة وأحاديثها، والزواج وما كان ~~يعد له، منصرفا أشد الانصراف إلى هذه المساجد الكثيرة التي استقر فيها الأولياء ~~وأهل البيت، يلم بأحدها فلا ينصرف عنه حتى يلم بأحدها الآخر، قارئا في هذا مصليا ~~في ذاك مطوفا ومتمسحا على كل حال بما فيها من المشاهد والمقامات، مستمعا لما كان ~~يلقى هنا وهناك من دروس التفسير والحديث ومن الوعظ والإرشاد، منتفعا بما كان يسمع، ~~مدخرا في قلبه من هذا كله الأعاجيب، ولم يكن النهار يكفيه ليرضي حاجته من هذه ~~الزيارات، فقد كان ينفق فيه شطرا من الليل، ولا يعود إلى أبويه إلا حين يهمان أن ~~يأويا إلى غرفة نومهما، وقد خطر للفتى هذا الخاطر العجيب، وهو أن يختم القرآن في ~~طائفة من هذه المساجد الكبرى، فختمه في مسجد سيدنا الحسين، ومسجد السيدة زينب، ومسجد ~~الإمام الشافعي، ومسجد الإمام الليث. وكان واثقا بأن ذلك كله أدعى إلى أن يبارك الله ~~في حفظه للقرآن، وكان يتحدث بهذا إلى أبيه فيرضى، ويتحدث به إلى أمه فتبتسم. على أنها ~~تعلقت به ذات يوم وأرادته على أن يزيرها أهل البيت، فهي لم تستبشر بالهبوط إلى ~~القاهرة حين أنبأها زوجها به؛ إلا لأنها ستزور فيها أهل البيت، ولكن الفتى لم يستجب ~~لأمه، وإنما انصرف إلى زياراته الطويلة، وأحال أمه على ضيفها يزيرونها ما تشاء من ~~مساجد الأولياء؛ فلم يكن يرضى عن زيارة النساء لهذه المساجد ms012 والمشاهد، ولم يكن يعجبه ~~تشبثهن بالقبور وتمسحهن بالأضرحة وإلحاحهن على الأولياء فيما كن يطلبن إليهم من ~~قضاء الآراب وتحقيق الآمال، إنما كان يسمو إلى بركة خير من هذا كله وأبقى. كانت فيه ~~نزعة روحية تريد أن تمتاز، لولا أنه لم يتهيأ لهذا الامتياز بما ينبغي له من العلم ~~والمعرفة، وكان يجد في سعيه وكده، ويتحدث إلى نفسه بأن يوما من الأيام قد ~~يقبل يظهر فيه الشيخ على ما يبذل في سبيل العلم والمعرفة من جهد، فيلقي إليه بفضل ~~من علمه اللدني الذي لا تسقط منه قطرة ضئيلة في قلب من القلوب إلا ملأته حكمة ~~ونورا. وفي ذات يوم أو في ذات ليلة ألقى إليه أبوه هذه الكلمة التي لفتته إلى أنه لم ~~يهبط إلى القاهرة لما هو فيه من سعي وجد، وإنما هبط إليها لشيء آخر. قال له أبوه: ~~إذا كان الغد فلا تخرج حتى ألقاك. قال الفتى: ولماذا؟ قال علي: لأني في حاجة إليك. ~~قال الفتى: إنك في حاجة إلي إذا صليت العصر، أليس كذلك؟ قال علي: بل أنا في حاجة ~~إليك إذا صليت الصبح. ثم انصرف عنه إلى بعض الأمر. وكان علي قد قدر في نفسه أنه إذا ~~لم يستوثق من ابنه أول النهار لم يظفر به إلا حين يتقدم الليل، فلما كان الغد صحب ~~ابنه في زيارته لبعض المساجد، واستمع معه لبعض الدروس، وقرأ معه شيئا من القرآن، ~~وعاد به إلى البيت بعد أن صليت الظهر، فلم يفارقه حتى تم عقد الزواج. # وأدخل الفتى على زوجه بعد أيام، فلم ينكر شيئا ولم ينحرف عن شيء، وإنما سعد ~~بامرأته السعادة كلها، واستيقن فيما بينه وبين نفسه وفيما بينه وبين ربه أن امرأته ~~بارعة الحسن رائعة الجمال، خفيفة الروح، ساحرة الطرف، خلابة الحديث. وكان كثيرا ما ~~يفزع إلى الله في أعقاب صلواته ضارعا إليه ألا يجعل امرأته فتنة له تصرفه عما كان ~~يجد فيه من التقوى والتماس المعرفة. ومع ذلك فقد أنفقت أمه ليلة ساهرة مملوءة ~~بالشقاء، ونهارا طويلا ms013 حافلا بالآلام؛ فقد كانت تخشى أن ينفر الفتى من زوجه متى ~~رآها، وأن يزداد منها نفورا متى أشرقت الشمس على وجهها الدميم. وكانت تصور لنفسها ما ~~سيجد ابنها من الوحشة وخيبة الأمل، فيتفطر قلبها حزنا، وكانت تصور لنفسها ما قد ~~يظهره الفتى لامرأته البائسة وأبويها الخيرين من الاشمئزاز والنفور، فتمتلئ نفسها ~~ذعرا، ولكنها رأت ابنها سعيدا موفورا، ورأت امرأته هانئة محبورة، فاطمأنت أول ~~الأمر، ثم لم يلبث اطمئنانها أن استحال إلى شعور غريب، فيه شيء من خيبة الأمل في ~~ابنها؛ فقد كانت تحسب أن له حظا من ذوق، وقد كانت تظن أن له نصيبا من نخوة، وقد ~~كانت تقدر أنه سيثور غضبا لذوقه الذي امتهن، وحفاظا لنخوته التي لم يحفل بها أحد من ~~مزوجيه، ولكنها ترى ابنها راضيا ناعم البال، كأنه الشاة تنعم بما يقدم إليها ~~من علف فتمرح وتصيح، وهي لا تقدر أن السكين قد هيئ لذبحها في بعض المكان. ومهما ~~يكن من شيء، فقد كظمت أم خالد حدة آلامها وخيبة آمالها، وصبرت على ما كانت ترى من ~~سخرية زوجها بها، ومن نظراته تلك التي كان يلقيها إليها من وقت إلى وقت كلما رأى ~~ابنه مسرورا محبورا، كأنه يقول لها: أرأيت أنك كنت واهمة كل الوهم؟! ألا تعرفين ~~أن كرامة الشيخ لا يعجزها شيء؟! إنها تحول القبح جمالا، والدمامة حسنا، والبغض ~~حبا، والنفور فتونا. كظمت أم خالد هذا كله في نفسها، ولكنها لم تكن من القوة وشدة ~~الأيد بحيث تستطيع أن تحتمل بعض ما امتلأ به قلبها الضعيف، فلم تمض على زواج ابنها ~~أيام حتى أحست شيئا من خمود، وحتى أبغضت القاهرة أشد البغض، ورغبت إلى زوجها في ~~العودة إلى المدينة، فلما بلغت دارها أوت إلى غرفتها، وطالت إقامتها في هذه الغرفة، ~~ولكنها لم تخرج منها إلا إلى القبر. # | الفصل الخامس # وكان علي يحب امرأته أشد الحب، ويؤثرها أعظم الإيثار، لا يعدل برضاها شيئا، ولا ~~يدخر في سبيله جهدا. ولم تعرف أم خالد أن زوجها قد خالف عن أمرها ms014 أو تنكر لها أو ~~خيب لها أملا أثناء هذه الأعوام الطويلة التي قضتها عنده، بل لم تعرف منه إلا برا ~~بها وعطفا عليها وفناء فيها. ولولا أن الشيخ أمر بهذا الزواج المشئوم لما صمم ~~عليه ولا ألح فيه ولنزل في أمره عند إرادة امرأته، ولكنها عرفت حين تم هذا الزواج ~~على كره منها أن هناك شخصا هو آثر منها في قلب علي وأكرم منها على نفسه وأحرى ألا ~~ترد له كلمة. # ولست أدري أكانت خيبة أملها في زوجها أشد عليها من خيبة أملها في ابنها، ولكن الشيء ~~الذي ليس فيه شك هو أن هذه المرأة البائسة قد فقدت في وقت واحد ثقتها بالزوج وثقتها ~~بالابن، واستحيت من نفسها أن يكون سلطانها على زوجها قد ضعف إلى هذا الحد، واستحيت من ~~نفسها أن تقدم إلى جاراتها وأصدقائها في المدينة هذه الهدية المنكرة التي أهديت إلى ~~ابنها، ولعلها كانت سعيدة بهذا المرض الذي اضطرها إلى غرفتها، وحال بينها وبين ~~استقبال الزائرات وقد جئن يهنئنها بما كانت تحدث نفسها به، وبما تحدث كل أم ~~نفسها به، من الفرح بابنها يوم تزف إليه عروس صالحة بارعة الجمال كثيرة المال. أعفيت ~~من هذا كله، ولم تستقبل من الزائرات إلا هذه الآلام المبرحة التي لزمت غرفتها ليلا ~~ونهارا، وهذه الحمى الناهكة التي كانت تزورها وجه النهار وآخره، وكان علي أشقى الناس ~~بهذا المرض وأشدهم به ضيقا، ولكنه لم يكن يقدر أنه سينتهي بامرأته إلى الموت، ~~ولم يقدر أن إصراره على هذا الزواج كان مصدرا لهذا المرض أو كان مصدرا من مصادره، ~~ومع ذلك فقد أحس ذات يوم أن امرأته في آخر لحظة من لحظات الدنيا وأول لحظة من لحظات ~~الآخرة، فجزع لذلك جزعا شديدا كاد يخرجه عن طوره، لولا أنه كان مؤمنا حقا، وقد ~~أقبل على امرأته يستغفرها مما يمكن أن يكون قد قدم إليها من خطيئة أو جنى عليها من ~~ذنب، ويسألها وصوته يرتجف ودموعه تغمر لحيته أن تدعو الله له بخير ليعلم أنها عنه ms015 ~~راضية، قالت في صوت نحيل ضئيل: ليكن مرضي وموتي كفارة عما جنيت بتزويج ابننا من هذه ~~الفتاة. قال علي وقد كاد صوته يحتبس في حلقه: فإنه أمر الشيخ. قالت: وليكن مرضي وموتي ~~كفارة عن هذا الشيخ أيضا. # وقد عمر علي بعد موت امرأته عمرا طويلا كما سترى، ولكنه لم ينس أم خالد في يوم ~~من أيامه، ولم يقدر قط أن الموت قد فرق بينه وبينها، وإنما استيقن دائما أنها زوجه ~~وأنها تعيش معه في داره، وأنها قد اتخذت لنفسها من قلبه مكانا استقرت فيه فلا تبرحه، ~~وأكثر من هذا أن عليا لم يستطع حياة الرجل الأعزب، ولكنه لم يقدم على الزواج حتى ~~أمره الشيخ أو أمر ابنه بذلك، فقال لخالد ذات ليلة: يا خالد، زوج أباك كما زوجك، ~~فإنه لا يقدر على حياة الرهبان. وأذعن علي لهذا الأمر راضيا، فقبل من ابنه الزوج ~~التي اختارها له بأمر الشيخ، كما قبل ابنه منه الزوج التي اختارها له بأمر الشيخ. ثم ~~اختلفت الخطوب على أبي خالد فاستكثر من الزوجات، واستباح ما رخص الله فيه للمسلمين ~~من تعدد الزوجات. وكان يتحدث إلى الناس في شيء من التبجح الذي كان يزداد كلما تقدمت ~~به السن بأن الله قد أذن للمسلمين في أن يتزوجوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع، وأنه مصمم على أن يأخذ حقه من ذلك كاملا، فيمسك في داره أربع زوجات لا ينقصن؛ ~~لأن هذا حقه، ولا يزدن لأن الله حرم هذه الزيادة. ومع ذلك فلم يكن يمسك في داره إلا ~~ثلاث زوجات؛ فإذا سئل عن الرابعة قال وعلى ثغره ابتسامة حزينة: وأم خالد ماذا تصنعون ~~بمكانتها مني؟ وكان علي قد احتجز غرفة أم خالد كما تركتها لم يغير منها شيئا؛ وكان ~~حريصا على العدل بين نسائه، فكان يقسم لكل واحدة منهن ليلة من لياليه؛ فإذا أعطى كل ~~واحدة منهن ليلتها أوى إلى غرفة أم خالد، فأنفق فيها ليلة زوجه الأولى مصليا قارئا ~~داعيا واهبا هذا كله من جهده الصالح ms016 لأم خالد، لا يفارق غرفتها ولا يتحول عن ~~القبلة ولا ينقطع عن الصلاة والدعاء إلا أن يغلبه الإعياء والنوم، وكثيرا ما أقبل ~~خادمه محمود يحمل إليه قهوته بعد أن تشرق الشمس في غرفة أم خالد، فيراه مكبا على ~~وجهه قد أدركه النوم في سجوده فلم يتحول، أو يراه مضطجعا في مكانه الذي كان يصلي فيه ~~قد أدركه الإعياء فنام حيث هو ولم يرد أن يأوي إلى الفراش. # ولم تزل هذه حاله حتى أدركته الشيخوخة المضنية. ونظر ذات يوم فإذا هو أعزب لا زوج له، ~~قد تفرق عنه نساؤه بالطلاق أو بالموت، وقد كثر بنوه وبناته وحفدته، وتفرقوا عنه لكل ~~منهم أسرته وأهله، وثاب هو إلى غرفة أم خالد، فأقام فيها لا يريم، يختلف إليه خادمه ~~بما يحتاج إليه، ويختلف إليه أبناؤه وبناته يزورونه وهو ملازم لهذه الغرفة؛ لأنه قد ~~نذر إن أقدره الله أن يموت حيث ماتت أم خالد. وقد أقدره الله فمات حيث ماتت أم خالد. ~~ونظر بنوه في وصيته، فإذا هو يأمر بنيه أن يدفنوه مع أم خالد، وأن يفعلوا بعد ذلك ما ~~يشاءون؛ فهم يعرفون ما يأتون من الأمر وما يدعون، وهم يعلمون أن لله عليهم حقوقا، ~~وأنه سيسألهم عن هذه الحقوق. # | الفصل السادس # وقد رزق خالد من زوجه صبية سماها سميحة، وأراد الله أن تكون هذه الصبية هي التي ~~تكشف الغطاء عن عقل أبيها وذوقه ونفسه، وتحمل كثيرا من أهله وذوي مودته أن يعجبوا من ~~هذه الحكمة البالغة، ومن هذه الأسرار الغامضة التي تكتنف الناس في كل ما يأتون وما ~~يدعون، وفي كل ما يضطرون إليه من الأمر، فقد كانت سميحة آية في الجمال، ولا سيما حين ~~تقدمت بها السن شيئا، وأصبحت صبية تدرج في البيت. لم يحفل خالد بمنظرها أول الأمر، ~~شغل عن ذلك بشعور الأبوة وحنان الزوج. إلا أنه ذات يوم أخذ ابنته بين ذراعيه ~~فضمها إليه وقبلها، ثم نظر في وجهها فأطال النظر، ثم التفت إلى المرآة فنظر إلى ~~وجهه وأطال النظر، ثم ms017 التفت إلى امرأته فألقى عليها نظرة خاطفة، ثم وضع الصبية على ~~الأرض، وقال لامرأته في صوت يقطعه ضحك عال مر: هذا غريب! من أين لهذه الصبية هذا ~~الجمال؟ ليس وجهي بالرائع، وإن وجهك لبشع، فمن أين لها هذا الجمال؟! ووقعت هذه الكلمة ~~من قلب نفيسة موقع الخنجر حين يطعن به عدو عدوا، فلم تقل شيئا، وإنما أجهشت ~~بالبكاء ساعة، ثم أوت إلى غرفتها فلزمتها أياما. ولكنها منذ ذلك اليوم أحست ~~أنها أصبحت لزوجها عدوا. # والحق أن زوجها منذ ذلك اليوم قد تحول تحولا منكرا، فكان يطيل النظر إلى ابنته، ~~ويخطف النظر إلى زوجه، ثم تبلغ القسوة به أبشع أطوارها، فهو يفصل ما في ابنته من ~~محاسن، ويوازن بينها وبين ما في امرأته من مقابح: يوازي بين الأنف والأنف، وبين الفم ~~والفم، وبين الجيد والجيد. يفعل ذلك فيما بينه وبين نفسه، ثم لا يملك أن يجهر به، ~~وإذا هو يتحدث إلى امرأته بما في وجه ابنته من حسن، وبما في وجهها هي من قبح. ولا ~~يزال كذلك حتى ينغص عليها، وإذا هي تجهش بالبكاء وتسرع إلى غرفتها، وإذا بكاؤها ~~يدفعه إلى الضحك، وإذا فرارها يملأ قلبه اطمئنانا ورضا. # وكانت نفيسة حاملا حين رفع الحجاب عن زوجها. فلما شق عليها ما رأت منه وشق ~~عليها إلحاحه عليها بما تكره، رغبت إليه ذات يوم أن ترحل إلى القاهرة؛ لتنتظر طفلها ~~بين أبويها، فلم يتردد في الإذن لها، بل قال مبتسما: وتحملين سميحة معك، ذلك أحرى أن ~~ينسيني ما أنا فيه من إثم؛ فإن بينك وبيني عقدة فرض الله علي أن أرعى ~~حرماتها. # لم تمض إلا أيام حتى كان خالد قد هبط بامرأته إلى القاهرة، فأنزلها عند أبويها، وقضى ~~في الأسرة أسابيع متجملا متحملا متكلفا ما تعود أصهاره أن يروا منه من حب لابنتهم ~~ورفق بها، ملحا في زيارة المساجد والمشاهد، يلتمس فيها العلم والمعرفة، ويلتمس ~~فيها الموعظة والبركة، ولكنه يحس، ويا شر ما يحس! يحس أنه لا يكتسب علما ولا ~~معرفة، ولا ينتفع ms018 بموعظة، ولا يجد هذا الروح الذي كان يجده كلما ألم بمقام من ~~مقامات أهل البيت، ولا يجد هذا الطموح إلى قطرة يلقيها الشيخ في قلبه من هذا العلم ~~اللدني، فتملأ قلبه حكمة ونورا، وإنما يحس الحاجة إلى أن يطوف في القاهرة لا يلم ~~بمساجدها ومشاهدها، وإنما ينظر إلى ما فيها ومن فيها من الأشياء والأحياء، ويوازن ~~بين هذه المدينة الضخمة الكبيرة وبين مدينته تلك المنكمشة على ضفة النيل في بعض ~~الأقاليم. # وقد تنازعه نفسه إلى أماكن كانت تذكر له أحيانا من تلك الأفواه الغاوية، ولكنه ~~يسرع إلى نفسه أن عقدة قد فرض الله عليه أن يرعى حرماتها، ثم يسرع إلى متجر صهره، ~~كأنما يأوي إليه، وإلى صاحبه يستجير بهما من هذا الخاطر الآثم الذي مر بضميره ساعة ~~من نهار. هناك يقيم مع صهره وأعوانه سامعا لما يقولون، مشاركا فيما يديرون من حديث، ~~آخذا معهم في بعض العمل كأنه من أهل المتجر، ثم يروح مع حميه إلى البيت، فلا يخرج ~~منه إلا إذا كان الغد، وكثيرا ما كان يلوم نفسه أشد اللوم على سيرته هذه الآثمة مع ~~امرأته هذه البرة؛ فهي لم تخلق نفسها، وإنما خلقها الله: فإنكار صورتها إنكار لما خلق ~~الله، فيه إثم قد ينتهي بصاحبه إلى الكفر. وهي لم تدعه إلى أن يتخذها زوجا، ولم ~~تعرفه إلا بعد أن أحكمت عقدة الزواج، وإنما هو الذي هبط إليها من أقصى الإقليم. ثم هي ~~لم تره منذ عرفها إلا خيرا، لم يعرف منها إلا البر به والنصح له والطاعة في كل ما ~~أراد. فماذا جنت عليه أو ماذا قدمت إليه؟ وما باله يجزيها من الخير شرا، ومن العرف ~~نكرا، ومن البر عقوقا؟! ثم هي لم تخلق ابنتها جميلة كما هي، وإنما خلقها الله، ~~والله يخرج الحي من الميت، ويخرج النهار من الليل؛ فلم لا يخرج الصبية الجميلة ~~من الأم الدميمة؟ ولو قد خيرت «نفيسة» لاختارت أن تكون ابنتها جميلة كما هي. فماذا ~~ينقم منها؟ وماذا يعيب عليها؟ وما هذا الإثم ms019 البشع الذي يدفعه إلى أن يفسد ما بين ~~الأم وابنتها الصبية الناشئة، وأن يوقد في هذا القلب الكريم الرحيم هذه النار ~~المنكرة الآثمة: نار الحسد والحقد والغيرة، وأن يغرس في هذا القلب النقي الطاهر ~~البريء هذه الشجرة الخبيثة: شجرة الغرور والفتون والاستعلاء حتى على الأمهات. يغرس ~~هذه الشجرة الخبيثة في قلب صبية لم تبلغ بعد الثالثة من عمرها؛ فكيف بها إذا تقدمت ~~بها السن ومازت الجمال من القبح، وعرفت ما يحيط بالفتيان والفتيات من هذه الأهواء ~~الجامحة! # كثيرا ما كانت هذه الخواطر تملأ قلب خالد فتملأ نفسه خزيا واستحياء، هنالك كان يذكر ~~أمه حين كانت تزعم له أن الشباب لا ينبغي أن يطلبوا عند أزواجهم الحسن الذي يدعو إلى ~~الفتنة، والجمال الذي يدفع إلى الموبقات، وإنما ينبغي أن يطلبوا إلى أزواجهم القرين ~~التي تسد عن الوحدة، وترزق الولد وتقوم على تربيته، وتدبر المنزل وتحيط زوجها بما ~~يحتاج الرجل إليه من الرحمة والبر والحنان، وكان خالد يترحم على أمه، ويسأل نفسه: فيم ~~كانت تتحدث إليه بهذه الأحاديث؟ ألم تكن تكره هذا الزواج، وتشفق على ابنها من قبح ~~زوجه؟! ثم يأبى خالد أن يتعمق هذه الخواطر، وإنما يسرع إلى المصحف فيقرأ فيه سورا من ~~القرآن يهب ثوابها لأمه، ثم يقبل على زوجه رفيقا بها عطوفا عليها حتى ينسيها أو ~~يكاد ينسيها ما يمزق قلبها من الألم، وكذلك عاد خالد إلى المدينة، وترك امرأته عند ~~أبويها وقد ظن أنها راضية، واعتقد أنه هو راض، واستيقن أنه سيلقى امرأته أحسن لقاء ~~متى أقبل الوليد الذي ينتظرانه، وسيستأنفان حياتهما كما كانت حلوة هادئة لا يكدر ~~صفوها شيء. ولا يكاد يبلغ المدينة حتى يسرع إلى الشيخ فيزوره، ثم يكثر من زيارته ~~يلتمس عنده البركة والسكينة التي ينزلها الله على القلوب، فيملؤها رحمة وعطفا ~~واطمئنانا للأحداث، وعزاء عن الملمات، وثباتا للخطوب. # وتمضي الأشهر ويأتي النبأ من القاهرة بأن نفيسة قد رزقت زوجها صبية أخرى، وأنها سمتها ~~جلنار، فيبتهج خالد وأبوه بنعمة الله. وكان خالد يود لو رزقته ms020 امرأته غلاما، وكان ~~علي يود لو جاءه ابنه بغلام. ولكن الله قد أراد، وإرادة الله نافذة، والحق على ~~المؤمنين الصادقين أن يقبلوا نعمة الله شاكرين. والشيخ ينظر ذات ليلة إلى الأب وابنه ~~نظرة فيها كثير من سخرية وتأنيب، وهو يقول لهما: «حسنة وأنا سيدك» أليس كذلك يا ~~علي؟ أليس كذلك يا خالد؟ إن فقراء الترك يقولون هذا لأغنياء المصريين، فأما أنتما ~~فلا تقولان هذا لغني من الناس، وإنما تقولانه للغني عن الناس وعن كل شيء. ليصومن كل ~~منكما سبعة أيام وليطعمن كل منكما أهل الحلقة في هذا الأسبوع، وليصلين كل منكما، ~~وليدعون وليستغفرن حتى أؤذنه بأن الله قد تاب عليه، سأعرف ذلك في وجوهكما. ثم يتحول ~~عنهما فيقيم الذكر. وقد أدى كل منهما ما أمره الشيخ بأدائه، فصام كل منهما ودعا وتصدق ~~واستغفر الله، ولعل كلا منهما بكى واستعبر. وهما يروحان على الشيخ في كل يوم، فينظر ~~الشيخ في وجوههما ثم يتحول عنهما لا يقول لأحد منهما شيئا. وفي ذات يوم ينظر الشيخ ~~إليهما وقد عرف في وجوههما الحزن والندم وقال: اجتهدا لعل الله أن يتوب عليكما. ومهما ~~يجتهد الأب وابنه، فقد يظهر أن الله لم يتب عليهما؛ لأنهما يصومان ويصليان ويتصدقان ~~ويدعوان وفي قلب كل منهما خاطر ضئيل، ضئيل جدا لا يكاد يحس: لو رزقنا الله غلاما ~~مكان هذه الصبية. # ثم يهبط خالد إلى القاهرة ليرى ابنته، ويرد أهله إلى المدينة. فإذا بلغ القاهرة ~~وأدخل إلى أهله وقدمت إليه الصبية، نظر في وجهها ثم نظر في وجه امرأته، ثم جهر ~~بقراءة آيات من القرآن يرد نفسه إلى الأمن وقلبه إلى الاطمئنان؛ ويمسك نفسه أن تخرج ~~عن طهورها؛ فقد رأى ويا نكر ما رأى! رأى ابنته الثانية صورة مطابقة لأمها أشد ~~المطابقة، وقد تكلف الاستبشار والرضا. وأحست منه زوجه ما أحست، فلم تظهر شيئا. ~~ثم خلا إليه حموه، فقال: أصبر نفسك على ما تكره يا بني، فإن الله يمتحن عباده ~~المؤمنين بالصبر. وأقسم لقد نهيت أباك عن تزويجك من ابنتي ms021 فإنها لم تخلق للزواج. ~~وأقسم يا بني لقد رحمتك وأشفقت عليك وتحدثت إلى أبيك في ذلك، ولكن لله أمرا هو منفذه ~~وحكمة هو بالغها. # قال خالد وقد ثاب إلى عقله كله وقلبه كله: فإني لا أفهم عنك ما تقول منذ اليوم. علام ~~أصبر وفيم أمتحن وما رأيت منك ولا من زوجي إلا خيرا، وما أنكرت شيئا وما ينبغي أن ~~أنكر شيئا؟! أفترى نفيسة قد شكت إليك بعض قسوتي عليها في الدعابة والمزاح؟ فإني ~~معتذر إليك وتائب إلى الله من هذا الإثم العظيم. # قال عبد الرحمن وهو يقبل ختنه: لا والله يا بني ما شكت إلي نفيسة شيئا، وما ~~علمتك إلا برا كريما وابن أخ بر كريم. ومنذ ذلك اليوم أنزل الله السكينة على ~~قلب خالد، فثاب إلى أهله وابنتيه كأحسن ما يثوب الزوج الصالح والأب العطوف. # | الفصل السابع # على أن للشيطان في قلب كل إنسان مكانا يصغر ويكبر ويتسع ويضيق بمقدار حظه من ~~الخير ونصيبه من رضا الله وبره به، وبمقدار اجتهاده في الدين، وحرصه على التقوى، ~~وإيثاره للخير والمعروف. ولكن هذا المكان موجود دائما في قلوب الناس يبتلون به فيما ~~يأتون من الأمر وما يدعون. وقد اجتهد خالد في الدين ما وسعه الاجتهاد، وآثر الخير ~~والمعروف ما استطاع، ولكن مكان الشيطان ما زال مستقرا في قلبه؛ لأنه لا يزول إلا من ~~قلوب الأنبياء والصديقين. والشيطان ماكر ماهر في المكر يحسن الاستخفاء بمكره وغدره، ~~ويبرع حين يلبس الحق بالباطل، وحين يزين الشر في قلوب الناس، وحين يخدع الرجل عن ~~نفسه وعن أحب الناس إليه وآثرهم عنده. # وقد كان الشيطان ماكرا ماهرا في سيرته مع خالد؛ فقد استخفى في ثنية من ثنايا قلبه ~~وعطف من أعطاف نفسه أسابيع وأشهرا، لا يحدثه بقليل ولا كثير فيما بين سميحة وأمها من ~~الاختلاف، ولا يحدثه بقليل ولا كثير فيما بين جلنار وأمها من التشابه المروع، وإنما ~~يستخفي في زاوية من زوايا نفسه، حتى إذا أقبل خالد على ابنته الصغرى يريد أن يلاعبها ~~أو يداعبها ms022 أو يلثمها أو يشمها انسل حتى يدنو من الصبية، فلا تكاد الصبية تبتسم ~~إلا غشي ابتسامتها البريئة الحلوة بتقلصه المنكر البغيض الذي يسميه ابتساما. ولا ~~تكاد الصبية تقطب وجهها لما يقطب له الأطفال وجوههم إلا اتخذ الشيطان أبشع ما يؤذن ~~له أن يتخذه من الصور وعرضه دون وجه الصبية، فتقع عليه عين خالد، وإذا لسانه يوشك أن ~~يتلو الآية الكريمة المروعة: # طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين ~~. ولكنه يمسك لسانه في جهد شديد، ويمسح رأس الصبية وهو ~~يتلو آية الكرسي كأنه يحصن بها الطفلة من كل خوف، وهو إنما يحصن نفسه من هذا الروع ~~المروع الذي أشاعه الشيطان في قلبه. ولا يكاد الشيطان يسمع الحروف الأولى من هذه ~~الآية حتى ينسل فزعا مذعورا، ولكن فزع الشيطان قصير الأجل، وحيلة الشيطان طويلة ~~المدى؛ فهو لا ينسل إلا ريثما يبلغ الصبية الكبرى «سميحة» ذات الحسن الرائع والمنظر ~~الأنيق، فيدفعها إلى أبيها، فتندفع فرحة مرحة، وإذا خالد البائس بين أجمل وجه خلقه ~~الله، وأقبح وجه خلقه الله، وإذا هو مضطر إلى أن يلقي نظرة إلى تلك، وإذا هو مضطر إلى ~~أن يفكر في امرأته، فيلحظها لحظة خاطفة، ثم ينصرف مسرعا رافعا صوته بآية ~~الكرسي، حتى إذا بعد عن أهله شيئا أخذ المصحف، وفزع إليه بعد أن يستعيذ الله من ~~الشيطان الرجيم. # وكذلك كانت حياة خالد عذابا متصلا بين ابنتيه وزوجه، يدفعه إليهن الحب والبر ~~والعطف، ويصرفه عنهن الشيطان بما يتنكر من صور وما يزين في قلبه من شر، حتى أصبح لا ~~يجد الراحة ولا الأمن إلا إذا خرج من داره وتحدث إلى أصدقائه وأترابه، وأي راحة وأي ~~أمن! فقد كان الشيطان يألف أصدقاء خالد وأترابه. وما أكثر ما يألف الشيطان من الناس! ~~وكان يطلق ألسنتهم بكثير من القول، فيه الإغراء بالمنكر، وفيه الصرف عن المعروف، وفيه ~~هذه الأحاديث التي يألفها الشباب في القرى عما يأتون وما يدعون إذا خلوا إلى أهلهم، ~~ثم فيه هذه الأحاديث التي تمتلئ بالأماني الآثمة والأحلام التي نسجت من الخطايا ~~نسجا ms023 . فيه هذه الأحاديث التي يظهر فيها الخير والطاعة ويستتر فيها الإثم والفجور: ~~أحاديث الاستكثار من الزوجات، والتنقل بينهن إرضاء للشهوات الجامحة والغرائز التي ليس ~~للعقل عليها سلطان، وحديث الطلاق، واستبدال زوجة مكان أخرى للأسباب الهينة والأسباب ~~ذات الخطر. # كل هذه الأحاديث كان الشيطان يطلق بها ألسنة الأصدقاء والأتراب الذين كان خالد يلقاهم ~~إذا خرج من داره، فلا يكاد يسمع منها شيئا حتى يذكر امرأته وصورتها المنكرة، وإذا ~~نفسه تنازعه إلى الطلاق، فيستحي منه ويرحم ابنتيه، وإذا نفسه تنازعه إلى الزواج ~~فيستحي منه ويذكر حماه في القاهرة وأباه في المدينة، ويرحم امرأته وابنتيه من هذه ~~القسوة التي لم يعرض ما يدعو إليها، ويسأل نفسه عن مكان امرأته الوفية من زوجه تلك ~~التي يمكن أن تطرأ على داره، وعن مكان ابنتيه هاتين البريئتين من زوجه الطارئة وممن ~~عسى أن ترزقه من بنين وبنات، ثم يسأل نفسه عن نفسه، وكيف يكون بين هاتين الزوجين، ~~وكيف ينصفهما من حبه وقلبه، وكيف يرضي الله عن عدله بينهما، والله قد طلب إلى ~~المسلمين هذا العدل، وبين لهم أنه عسير. وقد كان خالد على ذلك كله معذبا في ~~حياته بهذه الأهوال التي يكبرها له الشيطان، ويجسمها في نفسه تجسيما، كما كان معذبا ~~بشبابه القوي وفتوته الثائرة، وبهذا الشر الجديد الذي ابتلي به؛ فقد صرف عن زوجه ~~صرفا، لا يكاد يراها إلا تولى عنها أسفا محزونا، فإذا خلا إلى نفسه جلى الشيطان ~~له أجمل النساء وجها، وأحسنهن قواما، وأشدهن للرجال فتنة، وما زال يغريه ويغريه حتى ~~يهم بهذه الصور الرائعة التي تتراءى له، فإذا هم لم يجد إلا ظلالا ووجد عندها ~~ندما أليما. # ولم يكن عبث الشيطان بنفيسة أقل من عبثه بخالد، ولكنه كان من نوع آخر، فلم يكن ~~الشيطان يغريها بفتنة ولا يدعوها إلى إثم، وإنما كان يعرض عليها صورتها البشعة في كل ~~وجه توجه إليه طرفها، ثم يعرض عليها نساء حسانا رائعات الحسن ويلقي في روعها أن ~~زوجها يتمثلهن ويفكر فيهن ويتمناهن، وأن أصدقاءه وأترابه والنساء ms024 من أسرته ~~يغرونه على الزواج ويحرضونه على أن يدخل عليها في دارها ضرة، ثم يصور لها حياة ~~الضرائر وما يكون من هذا الحقد البغيض والتنافس المنكر في أحط ما يتنافسن فيه، وما ~~يكون بينهن من الكيد والغدر، وما يدفعن إليه من الإثم والخزي، وكان الشيطان يتبع ~~نفيسة حيثما وجهت من دارها، فلا تكاد تلقى زوجها حتى يصوره الشيطان لها منصرفا عنها ~~ضيقا بها زاهدا فيها، فلا تكاد تسمع صوت زوجها حتى يخيل الشيطان إليها أن هذا ~~الصوت يقطر بغضا لها ونفورا منها، وكان الشيطان مع ذلك يذكي في نفسها غرائز الحب، ~~فإذا هي لم تكلف قط بزوجها كما تكلف به الآن، ولم ترغب في التلطف له والرفق به كما ~~ترغب فيهما الآن، ولم تحتج قط إلى حنان زوجها وعطفه كما تحتاج إليهما الآن، وكل ذلك ~~مصروف عنها أشد الصرف وأقساه، وكذلك أصبحت الحياة جحيما بين الزوجين. ويروح خالد على ~~أهله ذات ليلة، فإذا صعد في السلم سمع نشيجا مؤلما، فيسرع الخطو، وإذا هو أمام ~~امرأة قد نثرت شعرها، ومزقت ثوبها، وخمشت وجهها حتى أسالت منه الدم، وهي تضرب صدرها ~~ضربا عنيفا، وتنتحب انتحابا يفطر القلوب، فيقف خالد واجما أول الأمر، ثم يرفق ~~بامرأته، ولا يزال يسألها عن أمرها حتى تجيبه في شهقتين: تمثلت لي الليلة امرأة زعمت ~~أنها جنية البيت، وأنها تسكن في حنايا السلم، وزعمت لي أنك قد تزوجت اليوم أو أنك ~~متزوج غدا، ثم تعود إلى شهيقها فتغرق فيه، وإلى وجهها وصدرها فتشبعهما لطما وصكا، ~~وخالد يضرب إحدى يديه بالأخرى ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! # ولم ينم خالد من ليلته، وإنما قام عند امرأته ذاكرا لله تاليا للقرآن، داعيا ~~مستعيذا من الشيطان، واضعا يده على رأس نفيسة، مؤمنا بأن هذه الآيات والأدعية التي ~~كان ينطلق بها لسانه في صوت مرتفع بعض الشيء فيه كثير من الإيمان وكثير من الخوف، لا ~~تصدر عن فمه فتشيع في الغرفة وتطرد الشياطين فحسب، ولكنها تصدر عن جميع جوارحه بعد ~~أن تجري ms025 مع دمه في عروقه كلها كأنها الروح اللطيف الحار. وليس من شك في أن طرفا منها ~~يصل إلى هذا الرأس المتقد المضطرب، ثم يجري في جسم نفيسة كله، فيشيع فيه برد الراحة ~~وحلاوة الأمن والهدوء. # والواقع أن نفيسة أقامت على ثورتها وانتحابها حينا، ثم أخذت رعدتها تخف، ودموعها ~~تجف، وشهقاتها تهدأ، وتفصل بينها لحظات طوال أو قصار، حتى إذا مضت ساعات من الليل ~~كانت نفيسة قد فقدت قوتها ونشاطها، ولبثت في مكانها هامدة جامدة، ثم هوت إلى جنبها ~~كأنها البناء المنهار. ولم يشك خالد في أن روحا من الله قد مسها فردها إلى الدعة ~~والهدوء. ولكنه على ذلك لم يتركها، وإنما جلس منها غير بعيد، ومضى في ذكره لله ~~وتلاوته للقرآن، واستعاذته من الشيطان. وحسنا فعل؛ فلم يكد يصيح الديك حين قارب ~~الليل ثلثيه حتى هبت نفيسة مذعورة، ثم نهضت قائمة، وأخذ صوتها يرتفع بالنشيج، وأخذت ~~يداها تعملان في وجهها وصدرها لطما وصكا. هنالك وثب خالد كما وثبت، ثم أسرع إليها ~~فأجلسها، وقام منها مقامه أول الليل، يده على رأسها، ولسانه ينطلق بالقرآن والدعاء، ~~وبعد لأي ثابت إلى الهدوء، ولبث هو قائما يذكر ويتلو، حتى سمع صوت المؤذن ~~يرجع: «سبحان فالق الإصباح.» # وقد أقام مكانه حتى رأى الشمس تسعى إلى الغرفة في استحياء، ثم يزول عنها الحياء ~~قليلا، وإذا هي تغمر الغرفة في جرأة أشبه شيء بالوقاحة. كذلك كان يفكر خالد في إشراق ~~الشمس ودخولها إلى غرفته ذلك الصباح، ومع ذلك فما أحب شيئا قط كما أحب شروق الشمس، ~~ولا داعبت نفسه شيئا قط كما داعبت هذا الضوء الضئيل الذي ينفذ من الأفق كأنه السهم، ~~ثم لا يزال يمضي أمامه ويمتد من جميع أقطاره حتى يوقظ الأرض والسماء جميعا، ويملأ ما ~~بينهما بهجة وجمالا، ولكنه كان في ذلك اليوم مثقل القلب والنفس بحزن يشبه الموت، ~~ولولا فضل من إيمان وبقية من تقوى وهذا القرآن العذب الذي كان يرتله ترتيلا لثارت ~~نفسه ولانتهت به الثورة إلى جموح يخرجه عن طوره ويدفعه ms026 إلى ما لا صلاح له من الأمور، ~~وما الذي جنى من الذنب وما الذي اقترف من الإثم حتى يمتحن في نفسه وأهله وعمله إلى ~~هذا الحد؟! إنه لم يطلب إلى أحد أن يزوجه، ولم يفكر في الزواج، ولم يختر زوجه حين ~~دعي إلى أن يتزوج، وإنما تتابعت الأمور عليه كأنها الصواعق يقفو بعضها إثر بعض، وإذا ~~هو في القاهرة، وإذا هو زوج، وإذا هو بعد ذلك أب مرتين، وإذا كل ذلك لا يذيقه إلا ~~سرورا قليلا وحزنا كثيرا، ولكن قضاء الله لا مرد له، وحكمة الله لا تأويل لها، ~~والمؤمن حقا هو الذي يذعن للقضاء ويصبر على المحنة، ولا يسأل الله عما يفعل؛ فهذا ~~كفر به وشك فيه، ولا يسأل الله رد القضاء؛ فقضاء الله لا يرد، وإنما يسأله اللطف ~~فيه، فالله لطيف بعباده، وقد قال: # ادعوني أستجب ~~لكم ~~. وخالد يدعوه ويدعوه. لا يفتر لسانه عن ترديد هذين الدعاءين ~~اللذين تجري بهما ألسنة الشيوخ في الريف: «اللهم الطف بنا فيما جرت به المقادير. ~~اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.» وقد رأى امرأته آخر الأمر هادئة ~~مطمئنة تبسم لضوء الشمس، لكنها ساكتة لا تنطق بحرف، ساكتة لا تأتي حركة. فلما سألها ~~عن حالها لم تجبه كأنها لم تسمعه، فأعاد عليها السؤال مرة ومرة، ولكنه لم يسمع لسؤاله ~~جوابا. ولم ير أمامه إلا تمثالا بشعا على وجهه ابتسامة بشعة تزيده قبحا ~~وتشويها، وقد امتدت عيناه كأنما تنظران إلى شيء بعيد لا يرى، وهو كذلك هامد جامد ~~كأن ليس له حظ من حياة. # هنالك انسل خالد من غرفته في رفق وأسرع إلى أبيه، فإذا هو جالس في مصلاه من غرفة أم ~~خالد يسبح ويحمد ويكبر، وأمامه كأسان من القهوة وقطعة من الخبز الجاف وقليل من الملح، ~~لم يمدد إلى شيء من ذلك يده بعد؛ لأنه لم يزل في صلاته ودعائه، فلما رأى ابنه مقبلا ~~ولم يكن تعود أن يراه في مثل هذه الساعة من النهار، ولا في مثل هذا ms027 المكان من الدار، ~~رفع صوته بما بقي من فمه من الدعاء والتسبيح: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، ~~وسبحان الله وتعالى بكرة وأصيلا، ثم تحول إلى ابنه وهو يقول: أصبح بخير يا ابني! ~~ما وراءك؟ قال الفتى في صوت منخفض: أصبح بخير يا أبت! إن ورائي إلا خير، فقد ألم ~~بنفيسة بعض المرض. قال علي: وما ذاك؟ قال خالد: أحسب أن طائفا من الشيطان قد ~~مسها، ثم قص على أبيه الخبر في جمل قصار، والشيخ يصغي إليه في شيء من ~~الوجوم. فلما فرغ الفتى من حديثه لم يزد الشيخ على أن قال: ألهمك الله الصبر يا بني ~~وغفر لي ورحم أمك! فقد أنبأتني يوم زواجك بأني لا أزيد على أن أغرس في دارنا شجرة ~~البؤس. # ثم أراد الشيخ أن يكون شجاعا فهم أن يمد يده إلى قطعة الخبز ولكنها لم ~~تمتد. فهم أن يمدها إلى كأس القهوة ولكنها لم تمتد، وإذا عيناه تغرورقان بالدمع، ~~وإذا هو يقول في صوت متقطع في حلقه: «اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف ~~فيه.» وابنه يجثو بين يديه خاشعا، فقبل رأسه صامتا، ثم يتحول عنه، فيقدم إليه إحدى ~~كأسي القهوة، فيأخذها منه، ويتناول هو الكأس الأخرى، فيشربان كأنهما الصديقان. ولم ~~يكن خالد قد شرب القهوة بمحضر أبيه قبل اليوم. وقضت الدار نهارا غريبا؛ رجلان ~~يختلفان إلى غرفة نفيسة، كلاهما يتلو القرآن ويجأر بالدعاء، وعمات خالد ونساء أبيه ~~قد ملأن الدار يطوفن بالبخور مهمهمات متمتمات، منهن من تدعو الله ومنهن من تدعو ~~الشيطان، وقد اجترأت إحداهن فذكرت حفل الزار، ولكن عليا ثار لذلك وزجر النساء زجرا ~~عنيفا، وأقسم لتأوين كل واحدة منهن إلى غرفتها، ولينقطعن لغطهن الثقيل البغيض، ثم ~~أقام يخالف مع ابنه إلى غرفة نفيسة، حتى إذا صليت العصر خرج من الدار يقصد قصر ~~الشيخ. وقد انتهى إليه، فرآه في نفر من أصحابه يسمع منهم ويقول لهم. فلما رآه الشيخ ~~مقبلا من بعيد لمحه لمحة خاطفة، ثم قال في صوت هادئ: إن ms028 لعلي اليوم لشأنا. وقد ~~عرف القوم أن قد كان لعلي شأن: فقد دنا من الشيخ وألقى في أذنه بعض الهمس، وإذا ~~الشيخ ينهض ويأخذ بيد علي، وإذا هما يسعيان إلى باب يفتح لهما في صدر المجلس، ثم ~~يغلق من دونهما، وقد قص علي على شيخه خبر نفيسة، فاستمع له الشيخ، حتى إذا فرغ من ~~حديثه بسط الشيخ يديه ورفع رأسه، ولم يزد على أن قال: «اللهم إنا لا نسألك رد ~~القضاء ولكن نسألك اللطف فيه.» ثم أطرق وجعل فمه يهمهم وحبات سبحته الغلاظ تساقط ~~بين أصابعه، حتى إذا أتم دورة السبحة رفع رأسه إلى علي وقال: وما توفيقي إلا بالله ~~عليه توكلت وإليه أنيب؛ قم يا بني فأنبئ عبد الرحمن بمرض ابنته، فما ينبغي أن يجهله، ~~وما أشك في أنه سيقبل مسرعا، ثم ابتسم وقال: وسيتيح لنا ذلك أن نراه فقد بعد ~~عهدنا به، ثم نهض ونهض معه علي وفتح لهما الباب وأغلق من دونهما، وإذا الشيخ بين ~~أصحابه قد جلس إليهم يسمع منهم ويقول لهم، وإذا علي منصرف إلى داره ونفسه تتقطع ~~حسرات؛ فقد كان يظن أن الشيخ سيصحبه إلى الدار، وسيدخل على نفيسة ويدعو لها بالشفاء، ~~ولو قد فعل لردت نفيسة إلى خير ما كانت عليه من الصحة والعافية. # | الفصل الثامن # أقبل عبد الرحمن بعد أيام وفي نفسه قلق لم يبلغ الجزع، فلم يكن علي قد أنبأه بأكثر من ~~أن ابنته مريضة، ومن أن من الخير أن يراها وأن تراها أمها، وكان عبد الرحمن رجلا ~~جلدا صبورا عظيم الاحتمال، قد امتحنته الأيام في ابنيه جميعا، فلم يتخلع قلبه، ولم ~~يخرج من وقاره المألوف، وإنما بلا مرارة الحزن إلى أقصاها واصطلى نار الألم إلى ~~أشدها، وهو ثابت لا يضطرب، وقور لا تزدهيه الخطوب، يرحمه الناس ولكنهم يعجبون به ~~ويعجبون منه. وهو ماض في حياته، محتمل لأثقالها، ثابت لعواصفها، يشهد الصلوات الخمس ~~في المسجد، ويتلو ورد السحر في آخر الليل، ويختلف إلى متجره وجه النهار وآخره، فيعمل ~~ويرى أعوانه يعملون ms029 ، قليل الكلام كثير الصمت، لا يغفل قلبه عن ذكر الله، ولا تنسى ~~نفسه أن تستخرج من آلامه مواعظ وعبرا، وهو يرحم امرأته ويشفق عليها، ويحيطها بشيء من ~~عطف يوشك أن يكون قسوة؛ فهو لا يحب البكاء كما أنه لم يكن يحب الفرح؛ وإنما يريد ~~لامرأته أن تكون مثله هادئة، رزينة كاظمة للغيظ، صابرة على الخطب مسلمة أمرها إلى ~~الله، قابلة قضاءه في رضا، منتظرة قضاءه في ثقة، فلما جاءه النبأ بأن ابنته مريضة، ~~وبأن الخير أن يراها وأن تراها أمها، لم يظهر امرأته على شيء، وإنما زعم لها أنه ~~مسافر إلى الأقاليم في بعض ما كان يسافر له من التجارة. # فلما وصل إلى المدينة ولقي عليا وخالدا، قال لهما في صوته الهادئ وعلى ثغره ~~ابتسامته المطمئنة: لم أخبر أم صالح بشيء ولم أكلفها مشقة السفر، فإن تكن نفيسة قادرة ~~على الرحلة إلى القاهرة، فالخير أن تمرض هناك وأن ترى أمها في دارها، وإن تكن غير ~~قادرة على الرحلة مرضناها هنا حتى يكون لها حظ من برء، فتتم شفاءها في ~~القاهرة. كذلك قدرت ولله تقديره، وهو يقضي فينا بما يشاء. ولم يرد مع ذلك أن يستريح ~~ولا أن يشرب القهوة، وإنما صمم في هدوء على أن يرى ابنته قبل كل شيء، قال علي: ~~ستراها ولكن ... قال عبد الرحمن: ولكن ماذا؟ أتراكما خدعتماني وأنبأتماني بمرضها بعد أن ~~بلغ الكتاب أجله؟ قال علي: لا؛ ولكن مرضها غريب. قال عبد الرحمن: مرضها غريب! لقد ~~كانت غريبة الأطوار في طفولتها وصباها، أفتراها قد جنت؟ فأما علي فلم يجب. ~~وأما خالد فأجهش بالبكاء. وأما عبد الرحمن فرفع يده إلى جبهته وظل كذلك حينا، ثم ~~مسح إحدى يديه بالأخرى وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم أقام مكانه لم يظهر ~~ميلا إلى لقاء ابنته، وإنما قال لخالد: اطلب لنا القهوة يا بني. وأغرق بعد ذلك في ~~صمته، حتى إذا جاءت القهوة وشرب منها كأسين قال مبتسما: والصبيتان ما خطبهما؟ قال ~~علي: هما بخير، روعتا شيئا أول ms030 الأمر، ثم حيل بينهما وبين لقاء أمهما. قال ~~عبد الرحمن: فأستطيع أن أراهما؟ قال خالد: نعم! ثم غاب ساعة وعاد ومعه ابنتان ~~إحداهما آية في الحسن والأخرى آية في القبح! فلما رآهما عبد الرحمن ضمهما وقبلهما ~~ومسح على رأسيهما، ثم قال لخالد: ردهما إلى لعبهما، فقد كانتا تلعبان من غير شك، ولم ~~يكد خالد ينصرف بالصبيتين حتى انحدرت من عيني عبد الرحمن دمعتان أسرع إلى تجفيفهما ~~وهو يقول: «اللهم عفوك ومغفرتك ورضاك؛ اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك ~~اللطف فيه.» ثم قال: ألم تر يا علي أني قد أحسنت حين لم أزعج أم صالح ولم أجشمها ~~السفر؛ فحسبها ما تنتظر من هول. قال علي: هون عليك أبا صالح؛ إنما هي محنة وتزول. ~~قال عبد الرحمن: أرجو ذلك إن شاء الله. ولكن مر فليهيأ للسفر إذا كان الغد، أما ~~اليوم فإني أريد أن أزور الشيخ وأن أحدث به عهدا. ثم سكت قليلا والتفت باسما إلى ~~خالد وهو يقول: # آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا ~~هذا نصبا ~~. # وأقبل القوم على غدائهم وحديثهم ثم على صلاتهم ودعائهم كأن لم يلم بهم خطب. فلما ~~اصفر وجه النهار سعوا إلى شيخهم، فألفوه بين أصحابه يعظهم ويقرأ عليهم بعض ~~الحديث، فاستمعوا واستمعوا، وشهدوا معه صلاة العشاءين وما بينهما من دعاء، وأقاموا ~~معه حلقة الذكر كما كانوا يصنعون من قبل، حتى إذا تفرقت الحلقة وأخذ الناس ينصرفون، ~~تثاقل عبد الرحمن فلم ينصرف ولم يظهر ميلا إلى الانصراف، ورأى الشيخ ذلك منه فأشار ~~إليه أن أقم، وأشار إلى صاحبيه أن أقيما. حتى إذا خلا لهم وجه الشيخ هم عبد الرحمن ~~أن يتكلم ولكن الشيخ قال: ما رأيت رجلا مثلك يا عبد الرحمن؛ إن إيمانك لحسن، وإن ~~دينك لمتين، وإن أجرك عند الله لعظيم. قال عبد الرحمن: سمع الله لك يا مولاي؛ إني قد ~~حرصت على أن أظفر منك بهذه الساعة مع صاحبي هذين لأشهدك علي وعليهما. قال الشيخ: ~~وما ذاك؟ قال عبد الرحمن: إني سأرتحل بابنتي ms031 إذا كان الغد. قال علي وخالد في صوت ~~واحد: وسنرتحل معك. قال الشيخ: دعاه يقل. ومضى عبد الرحمن في حديثه فقال: إن ابنتي لم ~~تعد تصلح زوجا لخالد، ولكني لا أحب الطلاق؛ لأن الله لا يحب الطلاق. وهم خالد أن ~~يتكلم، فأشار الشيخ إليه: أن صه. قال عبد الرحمن: فأريد أن أشهدك على أني سأكفل ~~ابنتي والصبيتين ما حييت، فإذا مت فإني أوصي بهن وبامرأتي ومالي كله إلى خالد، يقوم ~~في ذلك كله بأمر الله وبما ينبغي من البر بالزوج والولد والصهر وذوي المودة والقربى، ~~ولم يبلغ عبد الرحمن ذلك من قوله حتى كان علي وابنه ينتحبان. قال الشيخ: ما رأيت ~~كالليلة قوة، وما رأيت كالليلة ضعفا. ثم نظر إلى علي وابنه وهو يقول: أما تستحيان؟! ~~ثم بسط يده إلى عبد الرحمن وقال: ابسط يدك أبايعك على ما تقول وأنا وكيل خالد، وتصافح ~~الرجلان. ثم أقبل الثلاثة على الشيخ فقبلوا يده، ثم صفق الشيخ تصفيقا خفيفا، فلما ~~أقبل الخادم قال الشيخ: أرسل إلينا قهوة، وقل للشيخ مدكور يغني لنا: # سائق الأظعان يطوي البيد طي # وما هي إلا لحظة حتى أقبلت القهوة وأقبلت المجمرة في شيء من بخور، وارتفع صوت الشيخ ~~مدكور في هدوء الليل يغني في شعر ابن الفارض الجميل والقوم يشربون القهوة حسوا ~~خفيفا، والشيخ يضطرب في مجلسه اضطرابا خفيفا ويقول في صوت همس: الله! الله! ثم ~~ينقطع الصوت وينهض الشيخ فيصلي ركعتين، ويصلي كل من الثلاثة مثله ركعتين، فإذا أتموا ~~صلاتهم قال الشيخ للجماعة: انصرفوا راشدين، نراك قبل سفرك يا عبد الرحمن؟ قال عبد ~~الرحمن: لا يا مولاي؛ إنه سفر يحسن الاستعجال به. # | الفصل التاسع # عاد علي وابنه من القاهرة بعد أسابيع وفي نفس كل منهما بقية من حزن عميق لم تمحها ~~الأيام، ولكن نسجت عليها حجابا أخذ يزداد صفاقة وكثافة من يوم إلى يوم، حتى أنسي ~~علي أو كاد ينسى نفيسة، لولا أنه كان يرى خالدا، ويذكر أنه يعيش عيشة الفتى الأعزب، ~~فيرثي له ويفكر في مستقبل ms032 أمره تفكيرا قصيرا، لولا أن الشيطان كان يخيل إليه بين ~~حين وحين أن ثروة عبد الرحمن صائرة إليه يوما ما، فمضاعفة ثروته، ومصلحة من أمره ~~ما يحتاج إلى الإصلاح؛ فقد كثر نساؤه، وأخذ ولده يكثرون، وأخذت النفقة تزداد وتثقل ~~أعباؤها، وأخذت الحاجات تكثر وتتنوع وتتعقد، وتجارة علي رابحة من غير شك، ولكن ربحها ~~يذوب في هذه الأسرة الكبيرة كما يذوب الملح في الماء. # وإن العام ليتم دورته، ويبحث علي عما بقي له من ربحه فلا يجد شيئا. ولعله أن يجد ~~رأس المال وقد تحيف منه قليلا أو كثيرا، فيضيق بذلك يوما أو يومين، ويغتم له ~~ليلة أو ليلتين، ولكنه لا يلبث أن ينصرف عن ضيقه وغمه إلى حياته هذه المطردة ~~المضطربة: تجارة أول النهار، ولغو آخره، وراحة بين ذلك، وسهر عند الشيخ إذا كان ~~الليل، ثم العودة إلى داره ليقضي بقية الليل عند هذه أو تلك من نسائه، يسمع منها ~~أبغض ما يسمع الرجل من امرأته: شكاة من هذه، ونعيا على تلك، وعيبا للثالثة وثناء ~~على نفسها، ثم إلحاحا في التسوية بينها وبين ضرائرها؛ فقد أهدى إلى هذه ما لم يهد ~~إليها مثله، وزعمت تلك أنه ترك لها من النقد كذا وكذا درهما على حين أنه يبيت عندها ~~ولا يترك لها شيئا، وإنها لتلتمس المليمات تشتري بها الحلوى لصبيها البائس فلا ~~تجدها، فيظل ابنها محروما ينظر إلى أبناء الضرائر وهم فرحون بما في أيديهم من الحلوى ~~وما في جيوبهم من ألوان النقل. وعلى هذا النحو تنغص عليه ليلته حتى ينتظر الصبح أشد ~~ما يكون إليه شوقا. فإذا سمع صوت المؤذن أسرع إلى وضوئه وصلاته، يظن أن التقوى هي ~~التي تدفعه إليهما، وما كان يدفعه إليهما إلا الهرب من هذه الحياة البغيضة، ومن هذا ~~الليل الطويل الثقيل، ولم يكن علي يجد الراحة والنعيم إلا في ليلة أم خالد حين يخلو ~~إلى نفسه وإلى ذكرى زوجه الكريمة، فيمتلئ قلبه حبا وحنانا، ثم يسرع إلى ذكر الله ~~وتلاوة القرآن ليهدي إلى هذه الزوج ms033 الصالحة شيئا من ثواب الآخرة بعد أن لم يستطع أن ~~يهدي إليها شيئا من نعيم الدنيا. رحم الله أم خالد؛ لقد كانت برة به عطوفا عليه، ~~لم تخالف عن أمره قط، ولم تسؤه في نفسه قط، لم تؤذه بقول ولا عمل، لم ير منها ~~إلا خيرا منذ لقيها إلى أن فارقها. كانت مباركة لم يحس في أيامها ضيقا ولا ضنكا، ~~وإنما كان المال يتدفق في متجره، والخير يتدفق في داره، وكانت حياته بين حبها له ورضا ~~الشيخ عنه ونمو ابنه خالد مشرقا باسما فرحا مرحا، نعيما متصلا. أين هو من هذا ~~النعيم؛ أيجده عند زينب هذه التي تقدمت بها السن حتى أخذ وجهها يكلح وتظهر فيه ~~التجاعيد، وهي مع ذلك تتجمل وتتدلل وتتكلف ما يتكلفه النساء الحسان؛ وما الذي يعجبه ~~من زينب هذه؛ وما الذي يكرهه على أن يمسكها في داره! لقد تزوجها في آخر شبابها، فلم ~~ترزقه ولدا، ولم ير عندها خيرا، بل لم ير عندها إلا سوء الخلق، وإلا هذه الغيرة ~~الطارئة التي أدخلتها في قلب زوجيه الأخريين. لقد كان مستمتعا بشيء من هدوء قبل أن ~~يتخذ هذه الزوجة الثالثة، وما له لا يكتفي بزوجين اثنتين! رحم الله تلك الأيام التي ~~كان يكتفي فيها بأم خالد. ولكن أم خالد! وكيف يقاس إليها النساء؛ ثم يصبح وقد استقر ~~رأيه على أن يفارق زينب، فهو يلتمس لذلك الأسباب والعلل. وأي شيء أيسر من ذلك؛ يكفي ~~أن تلقاه متجهمة تحسب تجهمها دلالا، متنكرة تحسب تنكرها تيها، يكفي أن يدعوها فتبطئ ~~في الجواب، وإذا هو ثائر فائر، يلقي في وجهها كلمة الطلاق، ثم يفر من بين يديها ~~مسرعا فيتنفس ملء رئتيه، ويأوي إلى غرفة أم خالد على مصلاه يستغفر الله ويتلو ~~القرآن. # كذلك كانت حياة علي زواج وطلاق، وطلاق وزواج، واحتمال لما يقتضيه ذلك من نفقات، ~~واحتمال لما تقتضيه كثرة الولد من نفقات أيضا، وإهمال لهؤلاء الولد الذين يكثرون من ~~يوم إلى يوم، إهمال مصدره كثرتهم من جهة، وتنافس أمهاتهم من جهة ms034 أخرى، وانصرافه إلى ~~تجارته ولغوه وعبادته من جهة ثالثة، وقد أهمل تربية خالد حين كان خالد وحيدا، حتى ~~كاد يفسد ويدركه الانجذاب لولا لطف الله وكرامة الشيخ، وهنا يستعرض أمر خالد وزواجه ~~وكل هذه المأساة، فيحزن لها شيئا، ثم يذكر عبد الرحمن وثروته فتمر على ثغره ابتسامة ~~ينكرها، ولكنه يستعذبها على كل حال. ومما زاد حياة علي تعقدا وارتباكا وأكثر فيها ~~الهم والحزن أن تجارته أخذت تفتر شيئا فشيئا على مر الأشهر والأعوام. لم يفطن ~~لأسباب ذلك أول الأمر، وإنما ضاق به وشكا منه. وحاول أن يطب له فلم يفلح. ثم أصبح ~~ذات يوم وقد كشف عنه الغطاء، وإذا هو يرى نكرا من الأمر يملأ قلبه خوفا، ثم لا ~~يلبث أن يملأ قلبه يأسا، هذه المتاجر الجديدة التي أخذت تنشأ في المدينة على غفلة من ~~أهلها لا يدرون كيف جاءت إليهم، ولا كيف استقرت فيهم، وإنما هو بناء يقام لا يعرف ~~أهل المدينة من يقيمه ولا لمن يقام، ثم ينظرون فإذا عمارة فخمة ضخمة قد ارتفعت شاهقة ~~في السماء ممتدة في الفضاء، وقد أقبل عليها قوم غرباء جاءوا من القاهرة، فملئوها ~~بضائع وعروضا، وأحاطوها بألوان من الزينة والبهجة تدعو الناس وتغريهم بها، وإذا هم ~~ينظرون ثم يقفون ثم يدخلون ويخرجون بعد ذلك، وقد تركوا ما كان معهم من نقد، وحملوا من ~~السلع والعروض أشياء حزمت لهم حزما حسنا ليس مألوفا في هذه المتاجر القديمة ~~التي توارثها الأبناء عن الآباء، وأغرب من هذا أن هذه المتاجر التي أخرجها الشيطان ~~من الأرض لا تقتصر على لون بعينه من البضائع أو ضرب بعينه من السلع، وإنما هي تبيع ~~كل شيء. متجر واحد يعدل جميع متاجر المدينة، أي غرابة في أن يفتن الناس بهذا الجديد ~~ويتهالكوا عليه ينفقون فيه أموالهم ويقتضون منه حاجاتهم؛ فأما علي وأصحابه ومتاجرهم ~~هذه القديمة القذرة المهملة النائمة، فعليهم وعليها العفاء. # كذلك أحس ذات يوم أنه لن يستطيع أن يثبت لهذه الشياطين الجديدة التي هبطت على ~~المدينة لتفقر أغنياءها وتذل ms035 أعزاءها، وتأخذ ما فيها من مال، فتحمله إلى شياطين ~~أخرى تقيم في القاهرة أو في مدينة أخرى غير القاهرة، وقد تحدث علي بذلك إلى بعض ~~أصحابه التجار، فإذا هم يرون مثل ما يرى، ويجدون مثل ما يجد، ثم لا يملكون، كما أنه ~~لا يملك، إلا أن يضربوا يدا بيد ويقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم سعوا إلى شيخهم، وتحدثوا إليه في ذلك، فإذا هو يرى مثل ما ~~يرون، ويجد مثل ما يجدون، ويقول كما كانوا يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم يحدثهم عن أشراط الساعة، ويذكرهم بأيام الله، ~~ويعظهم فيبغض إليهم الغنى ويحبب إليهم الفقر، ويؤكد لهم أن أكثر أهل الجنة من ~~الفقراء، وأن أكثر أهل النار من الأغنياء الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. # وكذلك عملت حياة علي في ماله وتجارته، وعملت في ماله وتجارته هذه الشياطين التي ~~انقضت على المدينة كأنها الجراد، وإذا إحساسه بالضيق يكثر ويشتد، وإذا هو يقصر ~~مع بعض عملائه في القاهرة، فلا يؤدي إليهم حقوقهم في إبانها، وإذا هو مضطر إلى أن ~~يتخفف من بعض ما اختزن من العروض يبيعها بثمن بخس ليؤدي بعض ما عليه من دين، وقد خطر ~~له ذات ليلة وهو قاصد إلى غرفة أم خالد أن يهبط إلى القاهرة ليرى عبد الرحمن، فيعلم ~~علمه، ويسأل عن نفيسة وابنتيها؛ فقد أهملهن منذ زمن طويل، ومن يدري، لعله أن يجرؤ ~~فيلتمس عند صهره شيئا من معونة، فلما انتهى إلى غرفة أم خالد جلس على مصلاه، فدعا ~~واستغفر وصلى وتلا القرآن واستخار الله، ولم يهمل بعد أن صلى الصبح أن يقرأ سورة «يس» ~~سبع مرات يعقبها في كل مرة بدعائها المعروف. فلما فرغ من ذلك غفا غفوة ثم استفاق، ~~وإذا محمود يحمل إليه كسرة من خبز جاف، وشيئا من ملح، وكأسين من قهوة، فطعم وشرب ~~وحمد الله، ونهض وهو مستيقن أن ms036 الله قد عزم له على الرشد، ومزمع أن يسافر إذا كان ~~الغد، وقد أنفق نهاره في الاستعداد لهذا السفر؛ فلم يكن بد من أن يحمل إلى نفيسة ~~وابنتيها ما يسرهن، والله يعلم كيف احتال في ذلك وجد في الحيلة، ولكنه سافر من الغد ~~كما تعود أن يسافر موفورا كثير المتاع، وقد استخلف ابنه خالدا على داره ومتجره، ~~فلما وصل إلى القاهرة وانتهى إلى دار عبد الرحمن لم ينكر شيئا أول الأمر، فقد لقيه ~~صديقه الشيخ باسما وقورا مرحبا، ولقيته أم نفيسة باسمة عن ثغر محطم في وجه مربد ~~قد عبثت به السنون، ولقيته نفيسة هادئة مطمئنة راضية، فأما الصبيتان فقد نمتا نموا ~~حسنا، فازدادت إحداهما جمالا، وازدادت الأخرى قبحا، ولكن عليا لم ينفق مع صديقه ~~الشيخ يوما وبعض يوم حتى أنكر كل شيء، وإذا هو يلعن الأيام في القاهرة كما كان ~~يلعنها في المدينة، فقد تعرضت تجارة صاحبه في العاصمة لمثل ما تعرضت له تجارته في ~~الإقليم؛ لا لأن صاحبه استكثر من النساء والولد فكثرت نفقته وثقلت أعباؤه؛ فقد كان ~~عبد الرحمن صاحب نسك وقناعة وزهد في الدنيا، بل لأن القاهرة امتلأت بهذه الشياطين ~~التي أقبلت على مصر تغزوها منذ أعوام فأفسدت فيها كل شيء. # قال عبد الرحمن: ولست أدري ما الذي سلط علينا هذه الشياطين؛ فقد كنا آمنين وادعين ~~موفورين، ثم أصبحنا ذات يوم وإذا الشر يأخذنا من جميع أقطارنا، شياطين يأتوننا من ~~يونان، وشياطين يأتوننا من إيطاليا، وشياطين يأتوننا من فرنسا، وشياطين يأتوننا من ~~بلاد الإنجليز. صدقني يا أبا خالد إن الله قد غضب علينا، وقد بحثت كثيرا عن أسباب ~~هذا الغضب، فالله لا يغضب على الناس لغير سبب، وإنما هو قد عودهم أن يحسن إليهم ~~تفضلا منه، وألا يغضب عليهم حتى يستوجبوا غضبه بمنكر يأتونه، أو ذنب يقترفونه، أو ~~إثم يتورطون فيه، وقد سألت الشيوخ في الأزهر والأولياء الصالحين الذين يعكفون في ~~المساجد، ويلوذون بمشاهد أهل البيت، فلم أجد عند أحد منهم شيئا. ولكني غفوت ذات ليلة ms037 ~~بعد أن صليت العشاء، فما راعني إلا شيخنا وهو يبسم لي ساخرا، ثم يدنو مني فيمسح على ~~رأسي ويتلو هذه الآية الكريمة: # وإذا أردنا أن نهلك ~~قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها ~~القول فدمرناها تدميرا ~~، ثم ينأى عني قليلا قليلا وهو ~~يقول: اتبعني أبا صالح فإني سأفر بنفسي وديني من هذه القرية الظالم أهلها، وقد أفقت ~~مذعورا، ولم أستطع منذ تلك الليلة أن أقنع نفسي بأني لم أر إلا حلما، وإنما استقر ~~في قلبي أن الشيخ منتقل إلى رضوان الله، وأني لن ألبث بعده إلا قليلا، ولقد أقبلت ~~أبا خالد وأنا أحدث نفسي بالسفر لأزوركم وأحدث عهدا بالشيخ، فمن يدري! لعله ~~الوداع. # قال علي وصوته يرتجف: هون عليك! فإنك لم تر إلا حلما، وقد تركت الشيخ على أحسن ما ~~عهدته قوة ونشاطا، وقد حملني تحية إليك ودعاء لك، ولكنه دعاني حين انصرفت عنه بعد ~~وداعه، فأسر إلي أنه هابط إلى القاهرة؛ فقد طال عهده بأهل البيت، ثم قال في ~~ابتسامة ما رأيت قط أعذب منها، لقد كانت شفتاه كأنما تنفرجان عن نور قال: أبلغ عبد ~~الرحمن أنا سنكون له ضيفا. # هنالك لم يملك عبد الرحمن نفسه أن قال بأعلى صوته: الله اكبر! الشيخ ضيفي! ثم أهوى ~~إلى صديقه فقبل رأسه وهو يقول وفي عينه دمعتان تترقرقان: ويحك أبا خالد! لم أخرت ~~علي هذا النبأ السعيد؟! # ومهما يكن من شيء فقد سافر علي إلى القاهرة وفي قلبه شيء من حزن وشيء من أمل، وعاد ~~إلى المدينة وفي قلبه كثير من الحزن وكثير من اليأس، إلا من روح الله، ولكنه قال ~~لصديقه وهو يودعه: سأعود إليك بعد حين؛ فما ينبغي أن أتخلف عن مصاحبة الشيخ، ولا بد ~~من أن نزور معه أهل البيت. # | الفصل العاشر # أما خالد فقد كدنا نشغل عنه بحديث أبيه، وليس في هذا شيء من بدع؛ فإنه كان يعيش في ~~أيام لم تكن حياة الأبناء فيها شيئا ما دام آباؤهم ناهضين بما كان ينهض به الآباء من ~~الأمر ms038 في ذلك الوقت، فهم كانوا كل شيء، يصدر عنهم ما يدبر شئون الأسرة من أمر، وينتهي ~~إليهم ما يعرض للأسرة من خطب، وما أبناؤهم إلا ظلال لهم، بل ظلال ناقصة تصور ما كان ~~آباؤهم يريدون لهم أن يكونوا، إنما كان الأبناء يستكملون شخصيتهم وينهضون بأمرهم كله ~~حين كان آباؤهم يفارقون هذه الأرض أو يضطرهم المرض والكبر إلى أن يلزموا بيوتهم ~~عابدين أو فارغين، لا يأتون شيئا ولا يدعون شيئا؛ لأنهم لا يقدرون على شيء. # وكان علي في ذلك الوقت مالكا لأمره كله، لم يعرف قط نفسه قويا كما كان في ذلك ~~الوقت، ولم يستجمع قط قواه العاقلة والعاملة كما استجمعها في تلك الأيام، ولذلك أسرف ~~على نفسه وعلى أسرته في كل ما كان يأتي ويدع: إضاعة للتجارة، وإتلاف للمال، وإسراف مع ~~ذلك في الزواج والطلاق، واستكثار مع ذلك من البنين والبنات، حتى كان حديث الناس في ~~المدينة وفي بعض القرى المجاورة، وحتى تحدث إليه أصحابه في ذلك، فكان يقول لهم ما ~~ذكرناه آنفا من أنه إنما يستوفي ما أباح الله له من الحق حين أذن للمسلمين أن ~~يتزوجوا مثنى وثلاث ورباع، وكان يقول لهم في شيء من الغلظة والاستهزاء: ما تنقمون ~~مني! من استطاع منكم أن يصنع صنعي فليفعل، ألسنا قد أمرنا بالزواج وبأن نستكثر من ~~النسل ما وسعنا ذلك؛ لأن نبينا # صلى الله عليه وسلم # مباه بنا الأمم يوم القيامة؟ فهل تعيبون ~~علي أن أكون سببا من أسباب امتياز النبي بأمته على غيرها من الأمم يوم القيامة! ~~وكان أولو الجراءة من أصدقائه يذكرون له كثرة النفقة وثقل العبء، فيسخر منهم وقد ~~يتجاوز السخرية إلى التأنيب، ويقول لهم: ما رأيت قوما مثلكم يشكون في قدرة الله، ~~وينكرون فضله على الناس؛ إن الله هو الذي يرزقنا الولد. وقد ينبغي أن تعلموا، إن كنتم ~~لا تعلمون، أن الله لا يخلق فما إلا أطعمه، ولا يبرأ نسمة إلا كفل لها رزقها، وقد ~~نهينا عن قتل الولد مخافة الإملاق، ولست أفرق بين قتل الولد ms039 مخافة الإملاق وتجنبه ~~مخافة الإملاق، كل ذلك يرجع إلى شيء واحد هو ضعف الثقة بالله، وأعوذ بالله أن تضعف ~~ثقتي به أو يحل في قلبي اليأس من فضله. # وكذلك كان يمضي في طريقه هذه، لا يفكر في عاقبة، ولا يحفل بموعظة، ولا يسمع لنصيحة، ~~وإنما هو مندفع في حياته واقتضاء لذاته المباحة، كما يندفع السيل إلى الوجه الذي ~~دفع إليه. فلا غرابة في أن تشغلنا حياته هذه عن حياة ابنه خالد، وقد كانت ضئيلة ~~نحيلة في ظل هذه الحياة الضخمة العريضة التي تندفع أمامها لا تقف عند شيء ولا تلوي ~~على شيء، وقد كان خالد مع ذلك حين عاد من القاهرة بعد أن رد امرأته وابنتيه إلى حميه ~~مقسم النفس بين نوعين من الشعور؛ فقد كان في نفسه شعور بحزن مقيم مقعد حاول هو أن ~~يفهمه فلم يستطع، ولكن فهمه مع ذلك يسير. # كان حزينا أيسر الحزن لفراق امرأته التي عاشرته أعواما ورزقته ابنتين، ولم تره ~~في سيرتها معه إلا خيرا. وكان حزينا لأنه كان ينتظر لنفسه حياة غير هذه الحياة ~~وحظا غير هذا الحظ: كان يرجو أن يتيح الله له زوجة صالحة يحبها ويسكن إليها ويرى ~~فيها متعة عينه وقلبه وأم ولده وربة بيته وصاحبته، منذ بدأ هذا الطريق إلى أن ينتهي ~~منها، ولكن الله لم يتح له هذه الزوج. وقد رضي مع ذلك بما قسم الله له، ورآه نعمة ~~وفضلا، ولكن الله أبى أن يتم عليه هذه النعمة وأن يكمل له هذا الفضل، فكشف له الغطاء ~~عن قبح امرأته، وامتحنه بهذا القبح حينا، فكاد يخفق في الامتحان، ولكنه حاول أن ~~يثبت له، وكاد يخرج من المحنة ظافرا لولا أن الله قد ابتلاه بمحنة أخرى، فأغرى ~~بامرأته جنية البيت، تلك التي تسكن حنايا السلم والتي جعلت تتراءى لها متى خلت ~~إلى نفسها فتغرها وتضلها وتلقي في روعها الأباطيل، حتى أفسدت عليها أمرها، وسلبتها ~~ما كان لها من عقل، وإذا هو مضطر - بعد أن ردها إلى أبيها - إلى هذه الحياة ms040 الفارغة ~~المؤلمة، حياة الوحدة؛ فقد كان على كل حال يأنس إلى امرأته، فيرى في عشرتها راحة ~~وروحا، وقد كان ينعم بطفولة ابنتيه، ويرى في ابتسامهما أملا ونعيما، وإذا هو قد ~~حرم هذا كله ورد إلى وحدته الأولى، بل أين وحدته الآن من وحدته قبل أن يتزوج، ~~فقد كان بين أم ترأمه وتحنو عليه، وبين أب يحبه ويؤثره بالكرامة، فأما الآن فهو ~~غريب في دار أبيه بين هؤلاء الضرائر اللاتي لا ينظرن إليه ولا يحفلن به؛ لأنه لا ~~يغني عنهن شيئا فيما يكون بينهن من تنافس وتباغض وخصام، وبين هؤلاء الصبية الذين ~~يكثرون في كل يوم وينبتون كما ينبت العشب في الأرض، لا يدري كيف جاءوا. # فأما أبوه فقد كان عطوفا عليه حفيا به أيام محنته، فلما بعد بها العهد، شغل ~~عنه بهذه الهموم الكثيرة التي لا يتركها في الدار إذا غدا إلا ليلقاها في المتجر، ولا ~~يتركها في المتجر إذا راح إلا ليلقاها في الدار، وهو سعيد كل السعادة أن تركت هذه ~~الهموم له طريقه حرة بين داره ومتجره، لم ينتظره في هذا الثني أو ذاك من أثناء ~~الطريق، ولم يخرج له بعضها من هذا العطف أو ذاك من أعطاف المدينة. فهذا نوع من الشعور ~~الذي كان يجده خالد عندما آب من القاهرة، ولكنه كان يجد نوعا آخر من الشعور ليس أقل ~~من هذا النوع تأثيرا في قلبه وفي حياته العاملة بنوع خاص. فقد كان يشعر كأن حملا ~~ثقيلا ألقي عن عاتقه، وكأن شيئا من الراحة والأمن رد إلى قلبه، ذلك أن لقاءه ~~امرأته كل يوم مصبحا وممسيا، ونظره إلى ابنتيه وما كان بينهما من اختلاف، وموازنته ~~بين ابنتيه وأمهما، كل ذلك كان يسوءه ويؤذيه، فقد أراحه الله من هذا السوء ورد عنه ~~هذا الأذى، وأتاح له حياة فارغة، تؤذيه من غير شك، ولكن لا كما كانت تؤذيه حياته تلك ~~الملأى. # وكذلك كان خالد يضطرب بين الحزن والرضا، وبين القلق والأمن، وكان إذا أحس الرضا صلى ~~ودعا وقرأ القرآن حامدا ms041 لله على نعمته، وإذا أحس السخط صلى ودعا وقرأ القرآن ~~مستعينا بالله على نقمته، وكان أشد ما يخاف أن يغري به الشيطان في وحدته على نحو ما ~~كان يغري به قبل أن ترحل عنه زوجه، فكان يكثر من القراءة والدعاء والصلاة تحصنا من ~~هذا الشيطان، ولكن الله صرف عنه الشيطان صرفا تاما، فكانت وحدته نقية حتى من ~~التفكير في الإثم، وكانت عزلته طاهرة حتى من الشعور بأن له غرائز يجب أن ترضى، وقد ~~هم أن يستأنف حياته الأولى، فيختلف إلى المساجد، ويتبع حلقات الذكر ويواظب على ~~مجالس الوعظ، ولكنه لم يجد من نفسه نشاطا إلى هذه الحياة، وإنما وجد من نفسه شوقا ~~إلى عمل أحسن غناء وأقرب نفعا من هذه الحياة المشردة، وقد ألقي في روعه أن التقرب ~~إلى الله لا يكون بالاختلاف إلى هذه المساجد والحلقات ومجالس الدرس والوعظ فحسب، ~~وإنما يمكن أن يكون بأن يظل الإنسان على ذكر من ربه دائما، يذكره إذا خلا إلى نفسه، ~~ويذكره إذا لقي الناس، ويذكره حين يقدم على العمل أو يحجم عنه، فتكون خشيته لله هي ~~التي تحمله على الإقدام أو الإحجام، وكان خالد على ذكر من ربه دائما، حتى إن أيسر ~~انفعالاته كان يترجم عنه بهذه الكلمات التي تجري بها ألسنة الناس كثيرا، ولكنها لا ~~تصدر عن قلوبها إلا قليلا، فكان إذا أنكر شيئا أو أسخطه شيء قال: سبحان الله. وإذا ~~رضي عن شيء أو سره شيء قال: الحمد لله. وإذا أعظمه أمر يسر أو يسوء قال: الله ~~أكبر. وإذا أحس من حوله شرا يدنو منه أو يبعد عنه قال: لا إله إلا الله. # وكان الناس يحبون خالدا في المدينة ويعجبون به ويودون لو أن أباه ترك له تجارته، ~~وفرغ هو لما يعنيه من أمر دنياه وأمر دينه، ولكن أباه كان شديد النشاط لم يشعر بعد ~~بالضعف، ولم يحتج بعد إلى الراحة، وهم خالد أن يعين أباه على تجارته، فلم ير من ~~أبيه ابتهاجا بهذا العون، ولم ير من نفسه ميلا ms042 إلى التجارة، وكان له ابن عم لم ~~نتحدث عنه إلى الآن - ويظهر أننا سنكثر الحديث عنه منذ الآن - كان له ابن عم يدعى ~~سليما، توفي عنه أبوه محمد ولما يبلغ السنتين من عمره، فكفله عمه علي من بعيد، يقوم ~~بحاجته ويشمله ويشمل أمه خديجة بالبر المتصل، ولكن خديجة توفيت عن ابنها ولما يتم ~~العاشرة من عمره، فكفله علي من قريب، ضمه إليه، وأقره في داره، واتخذه لخالد أخا، ~~فكان يقسم بينهما حبه وعطفه وبره، وتلقت أم خالد هذا الصبي لقاء حسنا، فبرته ورفقت ~~به كما كانت تبر ابنها وترفق به، ورحم الله أم خالد! فقد كانت خيرة من جميع ~~نواحيها، ولم تكن أم خالد إذا تحدثت إلى ابنها عن سليم تقول له: ابن عمك قال كذا أو ~~كذا أو فعل كذا أو كذا. وإنما كانت تقول له: أخوك قال أو فعل. # وكان سليم يكبر خالدا بثلاثة أعوام، فكانت أم خالد تلقي دائما في روع ابنها أن ~~سليما أخوه الأكبر وأن له عليه حق الكبير على الصغير، وقد أنفق خالد صباه وهو مؤمن ~~بأن سليما أخوه، لم يتبين حقيقة الصلة بينهما إلا حين تقدمت به السن شيئا، ولكن ذلك ~~لم يغير من سيرته مع سليم قليلا ولا كثيرا، أحبه دائما، وأكبره دائما، ووقره ~~دائما، وآثره دائما على إخوته بعد أن كثروا، فلم يكن يولي أبناء العلات من إخوته ~~وأخواته إلا ميلا قليلا وعطفا معتدلا، فأما سليم فقد كان له وده كله وإخاؤه كله، ~~حتى كان الناس يضربون المثل بما كان بين هذين الشابين من تعاطف ومودة. # وقد تتابعت الأيام والأشهر والأعوام ومضى جيل من الناس وأقبل جيل، فلم يكد الجيل ~~الطارئ يشك في أن خالدا وسليما أخوان أبوهما علي وأمهما تلك التي يقسم لها علي بعد ~~أن ماتت يومها فيما يقسم من أيامه بين نسائه، وكان الشيوخ يبسمون في حنان ورضا إذا ~~سمعوا أحاديث الشباب بذلك، وقلما كانوا يردونهم عن هذا الخطأ الذي يصور مثلا نادرا ~~للمودة والإخاء. وقد بعدت الأسباب ms043 شيئا بين هذين الصديقين الأخوين حين بلغ سليم رشده ~~وأسلم إليه علي ما ترك له أبوه، ولم يكن شيئا ذا غناء؛ فقد جد الفتى واجتهد وأصلح ~~من أمره، واتخذ لنفسه زوجا أحبها وأحبته، وأقام مع امرأته في دار خاصة به مقصورة ~~عليه، فآذى ذلك عمه بعض الشيء أول الأمر، ثم اطمأن إليه بعد ذلك، وكانت زبيدة زوج ~~سليم معتدلة الجمال، ولكنها كانت خفيفة الروح كثيرة المرح والدعابة في براءة وطهر ~~وخفر، وكانت أسباب المودة قد اتصلت بينها وبين نفيسة على ما كان بينهما من اختلاف في ~~النشأة والتربية، ومن اختلاف في المنظر بنوع خاص؛ فقد نشأت في القاهرة، ونشأت مترفة ~~في بيت ثروة وغنى، على حين نشأت زبيدة في المدينة وفي أسرة لا تكاد تبلغ الطبقة ~~الوسطى من الناس. وكان الصديقان الأخوان سعيدين بهذه المودة المتصلة بين زوجيهما، ~~ينتظران منها خيرا كثيرا، وآية ذلك أن «جلنار» لم تكد تبلغ الشهر السادس من عمرها ~~حتى خطبتها زبيدة لابنها سالم، وكان سالم في الثانية من عمره، وتضاحكت المرأتان لهذه ~~الخطبة، وقالت نفيسة لصاحبتها: إنك لتسيئين الاختيار لابنك، فأين أنت من سميحة وهي ~~على ما ترين من جمال ورواء؟! قالت زبيدة ضاحكة: إن سميحة أكبر من سالم، وإني أرى ~~البركة في جلنار، وإن اسمها يعجبني، فإنه من أسماء «الذوات»، وسيسعدني أن أسمع ابني ~~يدعو زوجه، فيقول: يا جلنار. فأما سميحة فاسم بلدي كاسمك وكاسمي. وأي فرق بين سميحة ~~وحميدة وخديجة. قلت لك: إني أخطب جلنار، ولن يتزوج ابني إلا جلنار. وكان الصديقان ~~الأخوان قد جلسا غير بعيد، فلما سمعا هذا الحوار أعجبهما، قال خالد لسليم: أتسمع؟ قال ~~سليم: أسمع. قال: أرضيت؟ قال سليم: رضيت. قال خالد: فامدد يدك ولنقرأ الفاتحة. فبسط ~~سليم يده، وتصافح الرجلان وقرءا الفاتحة. ولم تشك الأسرتان منذ ذلك الوقت في أن ~~سالما وجلنار زوجان، ولا سيما حين سمع علي هذا النبأ، فأقر الخطبة وبارك الخطيبين، ~~ورفع الأمر إلى الشيخ فأقره ودعا للعروسين، وانتهى النبأ إلى عبد الرحمن في بعض ms044 ~~زياراته للمدينة، فقال لسليم وهو يبتسم: فإن ابنك ابني منذ اليوم. # أقبل خالد ذات يوم بعد محنته على صديقه وأخيه، فتحدث إليه في شيء من أمن وثقة وقال له ~~فيما قال: إنه ضيق بالحياة التي يحياها؛ فقد بلغ الخامسة والعشرين من عمره وليس له ~~عمل يطمئن إليه ويكسب منه قوته، وقد تركت له أمه شيئا، ولكنه لا يدري أين هو فقد ~~اختلط بمال أبيه، وأبوه لا يبقي على شيء، وقد أحب أن يعمل مع أبيه في التجارة فلم يجد ~~من نفسه ولا من أبيه ارتياحا إلى ذلك، وهو لا يشكو من أبيه بخلا ولا تقتيرا، ولا ~~يذكر أن أباه قد أنكر عليه تصريحا أو تلميحا هذه الحياة الفارغة التي يحياها، ~~ولكنه هو ينكر هذه الحياة أشد الإنكار ويمقتها أعظم المقت، وقد أخذت أسرة أبيه تعظم ~~وتمتد، وأخذ بنوه وبناته يكثرون، وما يحب أن يرزقه أبوه كما يرزق هؤلاء الصبية ~~الصغار، أو كما يرزق هؤلاء النساء المحمقات. # قال سليم: أما انصرافك عن التجارة، فإني أراه الخير كل الخير؛ فليس لك ولا لي ولا ~~لأمثالنا في التجارة أرب. إنا لم نخلق لها أو قل: إنا خلقنا لتجارة قد انقضى ~~عهدها، ألا ترى إلى هذه المتاجر الجديدة! أين منها متجر أبيك ومتاجر أصحابه الشيوخ! ~~صدقني! إن مثلك ومثلي من الشباب ينبغي أن يتخذوا لأنفسهم أعمالا جديدة. ألا ترى إلى ~~هذه المناصب الحكومية الكثيرة في المديرية والمراكز والمحاكم والدائرة السنية؛ إن ~~كثيرا من الشباب يأتون من القاهرة أو من أقاليم غير إقليمنا يعملون في هذه المكاتب ~~والدواوين، فما لنا لا نعمل كما يعملون! # قال خالد: فإنا لم نهيأ لعمل الحكومة. قال سليم: فإنا نحسن القراءة والكتابة ~~والحساب، ولسنا بالمغفلين ولا بالحمقى، وما أريد أن يكون أحدنا مديرا أو مأمورا، ~~وإنما يكفيك ويكفيني منصب الكاتب في هذا الديوان أو ذاك؛ أما أنا فأحب أن أكون كاتبا ~~في المديرية. قال خالد: وأما أنا فأحب أن أكون كاتبا في المحكمة الشرعية. قال سليم ~~وهو يضحك: طبعا بين ms045 المفتي والقاضي والمأذون. قال خالد: بين العمائم على كل حال. ~~ثم سكت الفتيان حينا، ثم قال خالد لصاحبه: إن هي إلا أحلام يا سليم؛ فقد علمت أن ~~هذه المناصب لا تنال إلا بالواسطة. قال سليم وهو يضحك: ألستم تقرءون في أورادكم: «إذ ~~لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط.» قال خالد: لا تعبث بأورادنا فإني أخاف عليك ~~عاقبة هذا العبث. قال سليم: فإني لا أعبث بشيء، وإنما أبحث عن الواسطة وقد وجدتها. ~~قال خالد: وجدتها؟ وما عسى أن تكون؟ قال سليم: كلمة من شيخنا في أمرك وأمري إلى ~~الباشا تبلغنا ما نريد. # ولم يأت المساء حتى كان الفتيان قد راحا إلى الشيخ، فأسرا إليه أمرهما، فلما استمع ~~لهما صمت لحظة، ثم قال: أفعل إن شاء الله، ولكن استعينوا على قضاء حاجاتكم بالكتمان. ~~ولم تمض أيام حتى امتلأ قلب علي سرورا وبشرا، وأذيبت مقادير هائلة من السكر فسقيت ~~للأغنياء والفقراء جميعا، وأقيم الذكر في بيت علي وذبحت الذبائح، وطعم الناس وكثرت ~~قراءة علي لبعض الأدعية؛ لأنه خاف على نفسه وعلى ابنيه من حسد الحاسدين؛ فقد أصبح ~~سليم كاتبا في المديرية يسعى بين الوكيل والمدير، وأصبح خالد كاتبا في المحكمة ~~الشرعية يجلس بين القاضي والمفتي، ويتلقى من المأذونين صكوك الزواج والطلاق بين حين ~~وحين، وقد رزق كل واحد منهما راتبا شهريا قدره أربعة جنيهات. # | الفصل الحادي عشر # أنجز الشيخ وعده، فزار القاهرة وأقام فيها أسبوعا، وأكرم عبد الرحمن فنزل عليه ~~ضيفا، وفرق أصحابه في المدينة تخفيفا على مضيفه؛ فقد كانوا أكثر من أن تسعهم دار ~~واحدة. ولكنه استبقى معه خمسة أو ستة من أصفيائه الذين كان يحرص دائما على أن ~~يلزموه. وقد أراد عبد الرحمن أن يئوي أصحاب الشيخ جميعا، ولكن الشيخ رده عن ذلك ~~ردا عنيفا، وقال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. قال عبد الرحمن في شيء من ~~الاستحياء: فالأمر لك يا سيدنا، ولكنك ستكرمني بأن تصلي ويصلي إخواننا عندي العشاءين، ~~وبأن تقام في دارنا هذه حلقة الذكر. قال الشيخ: هو ms046 ذاك. ولم يكن معنى ذاك إلا أن تقام ~~الولائم في دار عبد الرحمن مساء كل يوم يشهدها العشرات من الرجال، والعشرات الكثيرة، ~~منهم من هبط إلى القاهرة مع الشيخ، ومنهم من كان يقبل لزيارة الشيخ من القاهرة أو من ~~المدن والقرى المجاورة لها. # وقد نهض عبد الرحمن بهذا الحق كأحسن ما ينهض به الرجل الكريم؛ فكان إذا أصبح غدا خدمه ~~الذين استأجرهم لهذه الفرصة على الشيخ وأصحابه بالطعام، ثم يخرج مع الشيخ وأصفيائه ~~فيزورون الموتى في قبورهم والأحياء في دورهم، ويصلون الظهر في مسجد من مساجد أهل ~~البيت، ثم يعودون إلى دار عبد الرحمن حيث ينتظرهم الغداء، إلا أن يكون الشيخ قد ~~استجاب لدعوة بعض أصدقائه من علماء القاهرة وأغنيائها. فأما العشاء وصلاة الليل ~~وحلقات الذكر فكان هذا كله قد أكرم به عبد الرحمن. والشيء الذي لا يشك فيه هو أن ~~أتباع الشيخ - وما كان أكثرهم - لم يتحملوا نفقة ما أقاموا في القاهرة، بل لم يتحملوا ~~نفقة منذ تركوا المدينة حتى عادوا إليها. فما كان الشيخ ليقبل أن يرزأ أحد من أصحابه ~~في ماله قليلا أو كثيرا وهو يرافقه. # وكانت مجالس الشيخ في دار عبد الرحمن رائعة حقا، يمتلئ لها قلب المضيف غبطة ~~وسرورا، فكان الشيخ إذ صليت العصر اتخذ مكانه في صدر هذا الفناء الذي كان ينبسط ~~أمام الدار، وأخذ أصحابه يفدون فيجلسون من حوله حتى يمتلئ بهم هذا الفناء. وقد أحس ~~أهل الحي أن في دار عبد الرحمن عيدا أو شيئا يشبه العيد، وأنه سيتصل ويمتد أياما، ~~فكان أغنياؤهم وأوساطهم يقبلون ليشاركوا في هذا العيد من قرب، وكان فقراؤهم وذوو ~~الحاجة منهم يقبلون ليشاركوا في العيد من بعد. يجتمعون جماعات متكاثفة خارج الدار وهم ~~يذكرون الله ويسبحون بحمده وقد ينجم من بينهم الشيخ ذو الصوت الحسن فيغني لهم شيئا ~~من شعر الصوفية، أو الفتى ذو الصوت العذب فيغني لهم شيئا من أغاني القاهرة. وكانوا ~~على كل حال في فرح ومرح، يطربون هذا الطرب الغريب الذي هو مزاج من ms047 العبادة واللهو ~~البريء معا. وكان الشيخ يعجبه ما يرى من ذلك وما يسمع، وكان كثيرا ما يقطع حديثه أو ~~حديث بعض جلسائه ليصغي إلى هذا الصوت أو ذاك، وليسمع لما كان يبلغه من حديث القوم ~~ولما كان يدعو إليه هذا الحديث غالبا من الضحك والصياح. # وكان زوار الشيخ من أهل المكانة في القاهرة يقبلون لزيارته، منهم من كان يقبل راكبا ~~بغلته يسعى بين يديه غلام من غلمانه، ومنهم من كان يأتي راكبا عربة تجرها الخيول ~~المطهمة. وكان مجيء هؤلاء الناس جميعا يثير في نفوس هذه الجماعات كثيرا من العجب ~~وكثيرا من الرضا، وكثيرا من الفرح أيضا، ولم يكن بين هؤلاء الزائرين على اختلاف ~~طبقاتهم ومراكزهم زائر إلا طرح كبرياءه وطبقته ومركزه عند باب الدار، ثم أقبل ساعيا ~~متواضعا منخفض الرأس. فإذا دنا من الشيخ حياه ولثم يده، وجلس حيث يشير إليه الشيخ أن ~~يجلس. وقليل منهم كان يستطيع أن يبدأ الشيخ بالحديث، وإنما كانوا جميعا يتخذون ~~مجالسهم في صمت، ويستقرون فيها لا يأتون حركة، ولا يديرون ألسنتهم في أفواههم، إلا أن ~~يدعوهم الشيخ إلى شيء من ذلك بما يلقي عليهم من سؤال أو يسوق إليهم من حديث. # وكانت نفس الشيخ تصفو في مجلسه هذا للناس جميعا صفاء ممتازا، يصل إلى قلوبهم ~~فيملؤها حبا وإكبارا. وكان صوته يعذب عذوبة رائعة تخلب أسماع الذين يحيطون به ~~ويصغون إليه. وكثيرا ما كان الشيخ يفاجئهم مفاجآت تملأ قلوبهم روعة وإيمانا، فهو ~~يتحدث إلى فلان أو فلان من جلسائه في شئونه الخاصة أو في الشئون العامة، ولكنه يقطع ~~حديثه فجأة ويطرق إطراقة خفيفة، ثم يرفع إلى الناس وجها مشرقا كأنه القمر، ويقول في ~~صوت مرتفع شيئا: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، ويمضي بسنده متصلا حتى يبلغ النبي # صلى الله عليه وسلم # ثم يروي حديثا طويلا أو قصيرا، ثم يأخذ في تفسيره وتأويله في لهجة المؤمن ~~الصادق، ولغة الرجل الذي يعرف كيف يصل إلى قلوب الناس ويبلغ أفهامهم، على ما يكون من ~~اختلاف حظوظهم في الثقافة ms048 والعلم، وإذا القلوب تخفق، وإذا النفوس تذعن، وإذا دموع ~~تنهل، وإذا عبرات تحتبس في الحلوق، والشيخ ماض في حديثه وتفسيره، حتى إذا بلغ من ذلك ~~ما يريد ألقى على جلسائه نظرة تحيط بهم جميعا وتلا قول الله عز وجل: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ~~وعلى ربهم يتوكلون ~~. ثم يطرق لحظة، ثم يرفع رأسه، ويتلو ~~الآية الكريمة: # إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما ~~. ثم يرفع صوته بهذه الكلمات وجلساؤه معه: «اللهم صل على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك الغافلون.» وإذ ذاك يكون ~~المؤذن قد دعا إلى صلاة المغرب، فينهض الشيخ وهو يقول: المغرب جوهرة فالتقطوها. فإذا ~~صلى وصلى الناس معه ودعا فقصر في الدعاء، مشى إلى المائدة ومشى معه الضيف جميعا. ~~وقام عبد الرحمن كأنه الجني يشرف على طعامهم داخل الدار، وعلى عشاء هذه الجماعات ~~المتكاثفة خارج الدار، وينفق أولئك وهؤلاء في طعامهم وأحاديثهم وقتا غير قصير. ثم ~~يدعو الشيخ عبد الرحمن ويسأله باسما: ألا تظن أنه قد آن لك أن تستريح؟ فيقول عبد ~~الرحمن: وأي راحة آثر عندي من هذا! ولكن صلاة العشاء قد وجبت يا سيدنا. يقول الشيخ: ~~الليل كله وقت لصلاة العشاء، ثم ينهض مع ذلك متثاقلا فيخطو خطوات لا يلبث بعدها أن ~~يسترد نشاطه ويعود شابا فتيا، وإذا هو يقيم الصلاة ويؤم الناس، فإذا أتم الفريضة ~~أكثر من التنفل، ثم يتحول عن القبلة ويأخذ في بعض الحديث ساعة أو بعض ساعة يستخفي ~~أثناءها عبد الرحمن فلا يراه أحد. ثم ينظر الشيخ فإذا عبد الرحمن ماثل بين يديه، ~~فيقول: الآن أقيموا حلقة الذكر. # ولم يعرف عبد الرحمن في حياته كلها سعادة كالتي عرفها في هذا الأسبوع، ولكنه لم يعرف ~~في حياته كلها شقاء كالذي عرفه بعد أن قفل الشيخ وأصحابه راجعين إلى المدينة. فقد كان ~~حق هذه الزيارة الكريمة المباركة أن تتم قبل أعوام طويلة ms049 حين كانت تجارة عبد الرحمن ~~الضخمة رابحة، وحين كانت ثروته العريضة نامية. فأما في هذه الأيام التي كسدت فيها ~~التجارة وتضاءلت فيها الثروة، وثقل فيها الرجل عن السعي وضعف عن احتمال الهم الملح ~~والجهد الثقيل، فإن هذه الزيارة الكريمة المباركة قد تملأ قلب المضيف غبطة وسرورا، ~~وقد تشيع ذكره والثناء عليه، وقد ترفع مكانه في الجنة درجات، ولكنها بعد هذا كله ~~تكلفه من النفقة ما لا طاقة له ولا قدرة له عليه. وقد جد الرجل مع ذلك حتى نهض ~~بالحق، وأدى ما استتبعه هذا الأسبوع من دين. ولكنه لم يكد يفرغ من ذلك حتى أحس الجهد ~~وبلغ منه الإعياء، فلزم داره ولم يبرحها إلا حين دعي إلى رضوان الله بعد ~~شهور. # | الفصل الثاني عشر # لم تعرف المدينة قط عاما كهذا العام، امتلأ فيه شهر الصوم بالخير والبركة وبالحب ~~والتواصل، وبذكر الله والعكوف على طاعته، حتى لم يشك الفقير فقرا، ولم يحس البائس ~~ضرا، ولم يجد الغني غرورا بثروته ولا فتنة بماله وجاهه. إنما شاع في المدينة شيء ~~من الدعة والأمن والأمل والرخاء، فصام الناس مخلصين لله في صومهم، وقد اطمأنوا جميعا ~~إلى أنهم سيفطرون إذا وجبت الشمس كما لم يتعودوا أن يفطروا، وسيؤدون صلاتهم على أحسن ~~ما تؤدى الصلاة، وسيسمعون القرآن كأحسن ما تكون تلاوته وترتيله، وسيعودون إلى بيوتهم ~~فينامون نوما هادئا مطمئنا ليستقبلوا يوما راضيا سعيدا. # وكان الشيخ مصدر هذا كله؛ فقد عاد من القاهرة في هذا العام كما تعود أن يعود من ~~أسفاره، فاحتجب عن أصحابه ثلاثة أيام. ثم ظهر لهم في اليوم الرابع، فقال لهم وسمع ~~منهم، ولكنه قال لهم أثناء السمر: قد أظلنا شهر الصوم. ثم التفت إلى خالد وقال ~~ضاحكا: وما أرى قاضيك إلا سيأمرنا بالصوم بعد غد. ثم أطرق ساعة ورفع رأسه وقال: ~~صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوما. وما أرى أنه ~~سيغم علينا غدا، وما أرى أننا سنكمل شعبان ثلاثين يوما. سنصوم بعد غد إذا، فأذنوا ~~في الناس ms050 ، وليبلغ القريب منكم البعيد في المدينة أن من شاء أن يكرمني فهو ضيفي أثناء ~~الصوم كله. فلما سمع جلساء الشيخ حديثه هذا وجموا له شيئا كأنهم يعجبون لما سمعوا، ~~وينكرون هذه الدعوة العامة. # ولكن الشيخ قال في تؤدة وهدوء: إن الذين صحبوني منكم إلى القاهرة يعلمون أن يدي لم ~~تمتلئا قط بالخير والنعمة كما امتلأتا في هذه الرحلة. والذين لم يصحبوني إلى القاهرة ~~قد رأوا من غير شك هذه السفن الكثيرة الموقرة التي ألقت مراسيها على الشاطئ وأرسلت ~~إلي ما كانت تحمل من أنواع الهدايا وضروب البر. ولست أدري ماذا أصاب الناس في هذا ~~العام؛ فقد مرضوا كلهم بالكرم، وحرصوا كلهم على أن يعطونا مما أعطاهم الله، فاجتمع ~~لنا من ذلك ما لا نستطيع أن نستنفده إلا أن يشاركنا الناس فيه، وإنما هو مال الله، ~~فيجب أن يرد إلى الله. وهم بعضهم أن يتكلم، فابتدره الشيخ قائلا: هون عليك! فإنا لم ~~نكن ننتظر هذا الخير لنكفل لإبراهيم بعدنا حياة راضية، وإبراهيم بعد خليفتي فيكم، ~~وأنتم أوصيائي عليه. هنالك ارتج مجلس الشيخ وضج الناس بالبكاء، والشيخ ينظر إليهم ~~باسما ويتلو السورة الكريمة: # إذا جاء نصر الله ~~والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توابا ~~. ثم يقول بعد إطراقة خفيفة: لقد رأيت رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # في المنام، وقد قال الغزالي إن النبي لا يرى في المنام. والله ما هكذا ~~كان الأمل فيك يا غزالي! لقد رأيته بعيني رأسي هذا راكبا بغلته. وسمعته يتلو هذه ~~السورة في صوت ما سمعت قط صوتا يشبهه حلاوة وعذوبة. فلما أفقت من نومي ذكرت أن الله ~~عز وجل نعى إلى سيد الخلق نفسه حين أنزل عليه هذه السورة، فأولت رؤياي هذه كما ~~أول سيد الخلق نزول السورة عليه. ثم سكت وأطرق، وسكت القوم مثله وأطرقوا كأن على ~~رءوسهم الطير، ثم رفع رأسه قائلا: # وما تدري نفس ماذا ~~تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت ~~. صدق ~~الله ms051 العظيم. # فلما كان الغد امتلأت المدينة وما يليها من القرى والضياع بأن الناس جميعا ضيف الشيخ ~~أثناء شهر الصوم. واستجاب الناس جميعا لدعوة الشيخ. فأما أغنياؤهم فكانوا يبتغون ~~البركة والكرامة ويؤثرون رضا الشيخ، وأما فقراؤهم وذوو الحاجة منهم فكانوا يؤثرون ~~البركة والكرامة ويؤثرون إرضاء حاجاتهم أيضا. ويقول بعضهم لبعض: إن بركة الشيخ ~~لشاملة، سنصوم هذا العام دون أن نشقى بالعمل أثناء الصوم، ودون أن ننتظر معونة تأتي ~~أو لا تأتي من القادرين. # وكان الشيخ وخاصته يتتبعون أصحاب الأسر من أوساط الناس وفقرائهم فيكرمونهم في بيوتهم ~~لا تنقطع عنهم مئونة الشيخ، تأتيهم مصبحين وممسين. ولولا أن الباشا كان من أتباع ~~الشيخ ومريديه والمؤمنين له المطمئنين إليه لشك في هذا الكرم، ولأشفق من عواقبه على ~~السلطان. ولكن الباشا نفسه كان من أسرع الناس استجابة لدعوة الشيخ وأكثرهم ترددا على ~~مائدته. ولم يهمل أن يدعو الشيخ إلى قصره مرتين، ولم يهمل الشيخ أن يستجيب لهذه ~~الدعوة كما تعود أن يفعل، وأن يستكثر من الأصحاب والأتباع، ويقول للباشا: فأما وقد ~~دعوتني فسأرزؤك في مالك رزءا عظيما. ولم يكن الشيخ يهمل أن يزور الأغنياء من أهل ~~المدينة، ويستجيب لهم إذا دعوه، فيفطر على موائدهم ويصلي عندهم العشاء والتراويح، ~~ويسمع لقرائهم. وكان الشيخ قد دعا قراء المدينة جميعا ليقرءوا في داره وفي دور ~~أصحابه، حتى لم يدع منهم قارئا حسن الصوت إلا ضمن له تلاوة القرآن أثناء شهر الصوم، ~~وحتى احتاج إلى أن يدعو قراء من المدن القريبة يقرءون عنده. ولم يدع أثناء هذا الشهر ~~أحدا من أصحابه إلا اختصه بشيء من حديث. # وفي ذات ليلة كان يتحدث بين سورتين من سور القرآن، والخدم يطوفون بقهوة البن والقرفة ~~على جلسائه، وإذا هو يقطع حديثه فجاة وينظر إلى اثنين من أصحابه كانا يتحدثان، أحدهما ~~علي أبو خالد، والآخر رجل من أصفياء الشيخ ومن أغنياء الريف القريب يقال له الحاج ~~مسعود. نظر إليهما نظرة نافذة قطعت حديثهما وردتهما إلى الصمت، وقال لهما: فيم ~~تتحدثان؟ فهم علي أن يجيب ms052 ، ولكن الشيخ لم يمكنه من الجواب، وإنما قال: استمع لي يا ~~مسعود! احذر صديقك عليا هذا، إنه يدور حولك لتزوجه إحدى بناتك؛ فلا تفعل فإنه مزواج ~~مطلاق، ولكن عليك بابنه خالد؛ فإن فيه البركة وعنده الخير، وما أرى إلا أنه سيصهر ~~إليك وسيخطب صغرى بناتك. إني ما زلت أذكرها، إنها لخيرة مباركة، فإن فعل فلا ترده ~~خائبا، وإن لم يتح لي أن أزوجهما فسيزوجهما ابني إبراهيم. فأما علي فبهت وضحك ضحكا ~~سخيفا. وأما الحاج مسعود فنهض من فوره وسعى إلى الشيخ فقبل يده وبللها بدموعه، وكان ~~رجلا رقيق القلب بكاء، وقال في صوت تقطعه العبرة: بل يبقيك الله ويطيل عمرك يا ~~سيدنا وتزوج سائر بناتي كما زوجت من تزوجت منهن. قال الشيخ وهو يضحك: يا غلام! قهوة ~~سوداء للحاج مسعود، فما يرقئ عبرته هذه إلا القهوة السوداء. اجلس يا مسعود، بارك الله ~~عليك وبارك لك في بناتك وفي ذريتك، ثم استأنف حديثه من حيث قطعه وجلساؤه يرون ويسمعون ~~ويعجبون ويقول بعضهم لبعض: لقد نالها الحاج مسعود! من يعدل الحاج مسعود! ليتني ~~مسعود! # على أن شهر الصوم لم ينته دون أن يحمل إلى الشيخ وإلى أصحابه نبأ محزنا؛ فقد جاءهم ~~من القاهرة نعي عبد الرحمن قبل أن ينقضي الشهر بثلاثة أيام. فلما أقبل علي يحمل النبأ ~~إلى الشيخ بكى واسترجع وقال: تبارك الله! لقد كنت أظن أني سأسبقه فقد سبقني. ثم سكت ~~لحظة واستأنف حديثه فقال لعلي وابنه خالد: فإنكما تذكران ما أعطيت عنكما من العهد. ~~قالا: نعم. قال: فاذهبا إلى القاهرة فأديا الواجب، وضما إليكما نفيسة وابنتيها وأمها. ~~ثم التفت إلى علي وقال له كالساخر منه الراثي له: ولا تنتظر مالا يا علي فقد أتينا ~~على مال عبد الرحمن كله حين زرناه، وانصرف الآن فإن لي مع خالد حديثا لا أحب أن ~~تسمعه ولا أن ينبئك به. قال علي وهو ينتحب: فإنك ساخط علي يا سيدنا؟ قال الشيخ: ~~أعوذ بالله من ذلك! وإنما أريد أن أتحدث إلى خالد حديثا لا ms053 ينبغي أن يعلمه غيره، ~~انصرف مصاحبا. قال علي: سأنصرف طاعة لأمرك، ولكني لست راضيا. قال الشيخ: سترضى. ~~وخرج علي متثاقلا كالخزيان. فلما خلا الشيخ إلى خالد، قال له: ستكون برا بنفيسة ~~وأمها يا بني. قال خالد: فقد أعطيت على ذلك عهد الله يا سيدنا، وأنا أجدده. قال ~~الشيخ: وأول البر بها أن تطلقها. فوجم خالد لهذا القول، ولكن الشيخ مضى يقول: إنها لا ~~تصلح لك زوجا، ولا تصلح زوجا لأحد، وما ينبغي لها أن تحمل ولا أن تلد، فطلقها فتحسن ~~إليها وإلى نفسك. إنك ستتزوج، وستتزوج من بنت مسعود، وستتزوجها بعد عام أو عامين، ~~لأنها لم تبلغ طور الزواج بعد. فإذا تزوجتها فلا تفرض عليها ضرة، فإنها لن تحتمل ~~الضرائر، ولا تمسك نفيسة في هذا الزواج العقيم، ولا تكلف نفسك عدلا لا تطيقه وقلما ~~يطيقه الناس. طلق نفيسة يا بني واضممها مع ذلك إلى أهلك، وسر معها سيرتك مع أختك، ~~واستقبل حياتك مباركا موفورا. وترحم علي كلما أصابك خير، واستغفر لي كلما ~~امتحنتك الأيام بما تكره فإني لم آلك نصحا. ثم مسح رأسه وقبل بين عينيه وقال: ~~انصرف راشدا، فسنصلي ونقيم الذكر، وسنذكركم في صلاتنا ودعائنا، وسنستنزل رحمة الله ~~على عبد الرحمن. # وأتمت المدينة شهر الصوم كما بدأته سعيدة راضية، واستقبلت عيد الفطر هانئة ناعمة، ~~ولكنها ارتجت وارتج معها الإقليم كله في اليوم الثالث من أيام العيد؛ فقد صلى الشيخ ~~بأصحابه المغرب، حتى إذا أتم الركعة الثالثة وجلس للتشهد لم يرع الناس إلا أن رأوه ~~يكب على وجهه قبل السلام، فيسرعون إليه فإذا هو قد صار إلى رضوان الله. ومنذ ذلك ~~الوقت لم يشك أحد من أهل المدينة ولا من أهل الإقليم في أن الله قد آثر الشيخ بهذه ~~الكرامة، فنقله إلى جواره أثناء الصلاة، وأقره في جنته بين الصديقين والشهداء. # | الفصل الثالث عشر # صلى إبراهيم بأصحابه العشاء وسمع معهم القرآن وأقام لهم حلقة الذكر. فلما هم الناس أن ~~يتفرقوا استبقى أصفياء أبيه، حتى إذا خلا لهم المجلس قال لهم ms054 في صوته الهادئ: تعلمون ~~أن الشيخ رحمه الله كان قد أزمع الحج من عامه هذا، وكان عليه حريصا يريد أن يتم ~~الحجة السابعة، ولكن الله آثره برحمته قبل أن يبلغه هذه الأمنية. وقد استخرت الله ~~ورأيت أن أتم له ما لم يتح له، فأنا مستعد للحج إذا كان الغد، وواهب ثواب هذه الحجة ~~إن أثابني الله عليها للشيخ. فمن أراد منكم أن يحج معنا فليتجهز من غده، ومن كان ذا ~~عيلة فإن علينا نفقته؛ فقد ترك الشيخ لنا خيرا كثيرا. ثم أطرق إطراقة ورفع رأسه ~~وقال: وتحدثوا بذلك إلى من شئتم من أصحابكم والذين يلونكم؛ فإني لا أكره أن يكثر الحج ~~على اسم الشيخ، وأن أعين على أداء هذه الفريضة من عجز عن أدائها. فماذا ترون؟ قالوا ~~كلهم: إنما رأيت رشدا، وقد خار الله لك فيما ألهمك، وكلنا متجهز للحج من غده، وكلنا ~~واهب ثوابه للشيخ إن أثابه الله. # وكان أسرعهم إلى الجواب مسعودا؛ فقد حج مع الشيخ ست مرات، وكان مزمعا أن يحج معه ~~السابعة، فلما توفي الشيخ فترت همته عن النفير. وها هو ذا يسمع ابن الشيخ يستأنف حديث ~~الحج، فلا تسل عما ملأ قلبه من رضا وما شاع في نفسه من حبور. ولكن الدموع كانت تترجم ~~دائما عن سروره وحبوره، كما كانت تترجم دائما عن خشيته لله وخوفه منه، وكما كانت ~~تترجم دائما عن تأثر قلبه حين كان يسمع صوتا حسنا يتلو القرآن أو يغني في الحلقة ~~بشعر ابن الفارض. فأما خطوب الدهر وأحداث الدنيا وهذه المصائب التي تلم بالناس ~~فتفزعهم وتروعهم فقد كان يلقاها بقلب جلد ونفس ثابتة وعين شديدة البخل بالدمع. ولم ~~يكن يبكي لأمر من أمور الدنيا إلا أن يرزأ في ولد أو صديق، فتزرف عيناه دموعا ~~غزارا وقتا قصيرا، كأنهما السحابة، لا تكاد تجود ببعض مائها حتى تقلع، وإذا هو ~~يتوب إلى الله ويستغفره، ويلوم نفسه لأنها بكت على أمر من أمور الدنيا، وليس في أمور ~~الدنيا ما يستحق البكاء. على أن عبرته ms055 لم تكد ترقأ منذ توفي الشيخ؛ وأكبر الظن أنه لم ~~يكن يرى في وفاة الشيخ خطبا من خطوب الدنيا، وإنما كان يرى فيه خطبا عظيما من خطوب ~~الدين؛ فقد كان الشيخ رحمه الله مثلا رائعا للتقوى والورع، وداعيا صادقا إلى الله ~~ورسوله، لا يكاد يدعو حتى تهرع إليه القلوب وتذعن له النفوس، ولا ينصرف المستمعون له ~~إلا وقد زاد مؤمنهم إيمانا، وأقلع جاحدهم عن جحوده، وهم مقصرهم في ذات الدين أن ~~يستدرك ما فات إن استطاع، وأن يستأنف حياة فيها رشاد وخير. # وكان الحاج مسعود مشفقا أشد الإشفاق أن يقصر إبراهيم عن غاية أبيه؛ فقد كان يرى ~~منه في حياة الشيخ فتورا ونفورا وإقلالا من التردد على مجالس الشيخ وحلقات الذكر. ~~وكان يحدث نفسه في كثير من التردد والخوف بأن إبراهيم قد أطال المقام في القاهرة، ~~والاختلاف إلى الأزهر، والاتصال بشيوخه. ولم يكن مسعود ينفر من شيء نفوره من الأزهر ~~وشيوخه؛ فقد سمع منهم وتحدث إليهم، ورأى فيهم ميلا إلى التأويل وإقبالا على التكلف، ~~وربما رأى من بعضهم ازورارا عن الشيخ؛ فكان هذا كله يسيء ظنه في الأزهر والأزهريين، ~~ويملأ نفسه إشفاقا على إبراهيم من لزومه لحلقات الدرس واستماعه لهؤلاء الشيوخ ~~الأعلام. وقد اجترأ مرة على الشيخ فقال له في لهجته القروية التي لم تكن تخلو من عنف ~~حلو: ألا تنبئني فيم ترسل ابنك إلى القاهرة ليطلب العلم في الأزهر وعلماء الأزهر ~~يتكلفون الرحلة إليك ليأخذوا قليلا من علمك، ومنهم هؤلاء الثلاثة الذين يلزمونك منذ ~~أعوام لا يفارقونك، والذين تشتد عليهم في تأديبك لهم، وتأخذهم بالعنف أكثر مما تأخذهم ~~بالرفق وهم راضون بذلك متهالكون عليه؟! فهلا أمسكت ابنك وعلمته مما علمك الله وأدبته ~~كما تؤدب هؤلاء النفر، وأعددته لخلافتك في أصحابك كما أعدك شيحنا لخلافته فينا؛ وهنا ~~تحطم صوته وانهلت دموعه. فرحمه الشيخ وقال ضاحكا: ما أنت وذاك يا مسعود؟ أتراني كنت ~~ابنا للشيخ؟ قال مسعود: لا. قال الشيخ: أترى أن قد كان لشيخنا أبناء؟ قال مسعود: ~~نعم. قال الشيخ ms056 : ومع ذلك فقد صرف خلافته عن أبنائه وآثرني بها، فما يدريك أن ابني ~~سيكون خليقتي فيكم؟ وهؤلاء الثلاثة الذين تتحدث عنهم لقد وعوا علم الأزهر كله، ثم ~~جاءوا يطلبون ما عندي من العلم، فدع إبراهيم يحفظ من علم الأزهر مثل ما حفظوا، ولك ~~علي أن أكون بتعليمه هنا حفيا، وأن أعنف به في التأديب كما أعنف بهؤلاء النفر ~~إن رأيت فيه صلاحا لذلك الأمر وقدرة على النهوض به. فلما رأى مسعود أن إبراهيم لم ~~يكد يتم الأسبوع الأول بعد وفاة أبيه حتى فكر في الحج ودعا إليه، ولم يفكر في الحج ~~لنفسه، وإنما يفكر في الحج لأبيه، رضيت نفسه واطمأن قلبه وسالت دموعه على لحيته ~~غزارا. وابتسم الشيخ الشاب له كما كان يبتسم له أبوه من قبل، وقال: كفكف دمعك يا ~~مسعود، ألا يمكن أن تنفق ساعة لا تذرف فيها دمعا، ثم التفت إلى رجل من أصفيائه كان ~~في آخر المجلس لم يظهر نشاطا شديدا للحج، وإنما أجاب كما أجاب الناس، ولم يكن هذا ~~الرجل إلا عليا، التفت إليه إبراهيم وقال: أما أنت يا علي فمتخلف عنا. قال علي: ~~وكيف ذاك؟ أتأمرني بالتخلف؟ قال الشيخ الشاب: لا آمرك به، ولكن أنبئك بما سيكون من ~~أمرك، ستهم كما يهم غيرك حتى نرى أنك مسافر معنا، ثم نفتقدك فلا نراك، ثم تعتذر إلينا ~~إذا انقلبنا؛ لأنك قد شغلت بمالك وأهلك. فإن استطعت أن تعتذر منذ الآن فافعل، ولا ~~تكلف نفسك مشقة لا تغني، ثم تضاحك وقال: إنك حديث عهد بزواج. وكاد علي يغضب ولكن كيف ~~يكون الغضب على الشيخ، إنما يغضب الشيوخ على مريديهم. وقد كظم علي شيئا في نفسه ~~وانصرف مترددا لا يدري أيقدم على الحج أم يحجم عنه. # ولم يكن الشيخ مخطئا فيما قدر من أمر علي، فقد كان حديث عهد بالزواج، يتزوج ~~للمرة الثامنة بعد أن طلق من نسائه من طلق. وكانت عرسه في هذه المرة فتاة لم تبلغ ~~العشرين، وكان بها مفتونا وبحبها متيما. فكأن الذي أغراه بهذا ms057 الزواج هو شيخه رحمه ~~الله حين عبث به ذات ليلة، وقال لمسعود: إنه سيخطب إليك إحدى بناتك، فلا تزوجه إن ~~فعل، وعليك بابنه خالد، فإن فيه بركة وخيرا؛ هنالك ضحك علي ضحكا سخيفا وانصرف وفي ~~نفسه شيء، ولكنه لم ينقطع عن التفكير في أن يتخذ لنفسه زوجا شابة. ألم يكن قد طلق ~~زينب، ولم يمسك في داره إلا خديجة ومحبوبة، وذكرى أم خالد؛ فله الحق في زوج رابعة. ~~وقد بحث عن زوج رابعة، فما أسرع ما اهتدى إليها عند بعض عملائه من تجار المدينة، وكان ~~رجلا متواضعا ضئيل التجارة. فلما سعى إليه علي ذو المكانة والجاه خاطبا ابنته ~~«هناء»، رأى في ذلك شيئا من الشرف وارتفاع القدر، فقبل خطبته راضيا، وزوجه ~~مغتبطا، ولم يفكر في أنه يهدي هذه الفتاة التي لم تبلغ العشرين إلى شيخ قد ناهز ~~الستين. # على أن «هناء» لم تلبث أن استأثرت بعقل الشيخ وقلبه، وتحكمت فيه تحكما لم يعرفه قط ~~من إحدى نسائه، وكادت تصرفه عما فرض على نفسه من العدل بين أزواجه لولا أنه أخذ ~~نفسه بالعنف واشترى رضا «هناء» عن هذا العدل بكثير من الهدايا والمنح، فأحفظ ذلك ~~زوجيه الأخريين، وجعل منزله جحيما، ولكنه احتمل هذا الجحيم، وكان خليقا أن يحتمل ~~أضعافه في سبيل «هناء». # ويجب أن نعترف بأن «هناء» على سحرها وطغيانها لم تستطع أن تغير من سيرة علي مع ذكرى ~~أم خالد قليلا ولا كثيرا. ولولا ما كان من موت عبد الرحمن وسفر علي إلى القاهرة مع ~~ابنه خالد، ثم ما كان من موت الشيخ فجأة لتحدث علي إلى الشيخ بهذا الزواج، أو لتندر ~~الشيخ على علي في شأن هذا الزواج. وهذا الشيخ الشاب يعبث بعلي على هذا النحو، ~~فيثير في نفسه شيئا يريد أن يكون غضبا، ولكنه يستحي أن يسمي نفسه بهذا الاسم، ~~فلنسمه نحن فتورا. وكان فتورا ثقيلا حقا؛ فقد أصبح علي وقد صمم على ألا يتجهز ~~للحج، فهو مشغول بأهله حقا. ألم يتزوج منذ أسابيع؛ فما تركه لامرأته أشهرا ms058 ! وإلام ~~يصير الأمر بين أزواجه إذا تركهن؟ وهو مشغول بماله، فتجارته متأخرة كما رأيت. وقد صدق ~~الشيخ حين قال له: لا تنتظر أن يترك لك عبد الرحمن مالا. فلم يترك عبد الرحمن مالا، ~~وإنما ترك أربع نسمات قد نقلن إلى المدينة ليعشن في كنف علي وابنه خالد. وسيحتجن إلى ~~نفقة من غير شك، وستزداد أعباؤه ثقلا، فلا بد من أن يعمل، ويعنى بتجارته لينهض بهذه ~~الأعباء. وليس من شك في أن خالدا يعينه على بعض أمره منذ أصبح موظفا. ولكن أين تقع ~~معونة خالد من هذه البطون التي لا تمتلئ والأفواه التي لا تشبع، ومن هذه الدار التي ~~كان يشبهها علي بجرة لا قعر لها، فلا سبيل إلى أن تمتلئ؛ وأمسى علي من يومه ذاك، ~~فصلى مع الشيخ، وشهد معه حلقة الذكر. # فلما تفرق الناس أقبل على الشيخ مستخذيا وهو يقول: لقد أنبأتني بالحق أمس يا سيدنا. ~~قال الشيخ: ألم أقل لك إنك لن تستطيع أن تنفر معنا؟! فأصلح من أمرك وانصح لأهلك ~~ومالك، وأقم على طاعة الله وابتغاء مرضاته، وفكر في أنك لم تؤد فريضة الحج بعد، وفي ~~أن من الحق عليك أن تؤديها. وإني لأرجو إن أتاح لي الله حياة أن أحج لنفسي من قابل، ~~فاجتهد في أن تصحبني في هذه الحجة. وخرج علي راضيا كل الرضا؛ فقد قبل الشيخ عذره ~~من غير مشقة، وفتح له بابا واسعا من أبواب الأمل؛ فليصلحن من أمره، وليحسنن ~~تدبير ماله، وليحجن مع الشيخ في العام المقبل، بينه وبين ذلك عام كامل تهدأ فيه ~~ثورة الحب هذه التي كادت تفسد قلبه، وكادت تجعله عبدا لهذه الفتاة التي تسمى ~~«هناء». إنها لهناء كاسمها، إن وجهها لجميل مشرق، وإن لها لقواما معتدلا. وإنها ~~لتحسن العناية به والحنو عليه، وإنها لتلقاه بابتسام حلو شاب لم يعهده عند غيرها ~~من النساء، وإن صوتها ليقع من قلبه موقعا عذبا كأنه قطرات الندى. ويروح على «هناء»، ~~فإذا دخل وجدها ساهرة تنتظره، ولكنه لا يلتفت إليها ولا يلقي إليها ms059 حديثا، وإنما ~~يستقبل القبلة فيركع ركعتيه، ويتمتم بدعائه القصير، ويأوي إلى فراشه وهو يتلو آية ~~الكرسي، ثم يبتسم لزوجه ويقول: لقد كدنا يا هناء أن نفترق أشهرا، ولكن الشيخ أذن لي ~~في أن أؤجل الحج عاما. # | الفصل الرابع عشر # وعاد علي وخالد بنفيسة وابنتيها من القاهرة بعد أن نظما ما كان قد ترك عبد الرحمن من ~~اضطراب قليل، وأديا من ماله ما أعجله الموت عن أدائه من الدين. ونظرا فإذا هاتان ~~المرأتان لم ترثا عن عبد الرحمن إلا داره الفخمة هذه، ودنانير يمكن أن تحصى في غير ~~مشقة ولا جهد، وقد تحدث علي في أن يبيع هذه الدار، فبكت نفيسة ولم تقل شيئا، وقالت ~~أمها: لو عاش عبد الرحمن ما بيعت الدار، فأعرض علي عن هذا الرأي. وتحدث من الغد عن ~~تأجير الدار، فبكت نفيسة، وقالت أمها: وترضى أن يسكن هذه الدار ~~غير عبد الرحمن؟! وأين تنزل وينزل خالد حين تأتيان ~~إلى القاهرة؟! وأين ننزل نحن إن أتيحت لنا العودة إلى القاهرة؟! ثم التفتت إلى خالد ~~وقالت: فستأذن لنا بأن نأتي إلى القاهرة لنزور قبر عبد الرحمن؟ قال علي: سنأتي إلى ~~القاهرة جميعا لنزور قبر عبد الرحمن. ثم أعرض عن تأجير الدار. وتهيأ القوم للسفر، ~~وأغلقت الدار. وجعلت أم نفيسة والعربة تمضي بها تلتفت وتطيل النظر إلى دارها لا ~~تقول شيئا، حتى إذا انعطفت بها العربة في بعض الطريق، ولم تبق سبيل إلى رؤية الدار، ~~اعتدلت المرأة في مجلسها، وقالت لخالد: فأين مفتاح الدار؟ فإني أحب ألا يفارقني. ~~هنالك دفع إليها خالد مفتاحها وإن شفتيه لتبتسمان وإن قلبه ليتقطع حزنا. # وقد أقر علي هاتين المرأتين وهاتين الصبيتين في جناح من داره منعزل يوشك أن يكون ~~دارا مستقلة، وكان حريصا أن يقرهن في هذه الناحية ليعشن بمعزل عن هذه الضوضاء التي ~~تمتلئ بها داره، والتي تأتي من نسائه المختصمات دائما، ومن بنيه وبناته الذين لم ~~يكونوا يعرفون السكون، وقال خالد لأبيه وهما يتحدثان في ذلك: إنه لرأي صائب، سيكن ~~مستقلات أو ms060 كالمستقلات، ولن ترى نفيسة السلم فليس في هذا الجناح سلم، ولن تلقى ~~جنية البيت هذه المجرمة التي تسكن حنايا السلم وتسعى بالفساد بين الأزواج. قال ذلك ~~وهو يضحك ضحكا حزينا. قال علي: وستقيم معهن. قال خالد: أما هذه فلا؛ فإن نفيسة لا ~~تصلح لي زوجا ولا تقدر على عشرتي. ألم تر إليها تحتجب من دوني؟! إنها لا تكاد تعلم ~~بمقدمي حتى تلقي على رأسها ووجهها ما يسترهما، وإنها لا تتحدث إلي إلا همسا ومن ~~طرف لسانها، وإني لأوجه القول إليها فلا تملك أن تجيبني، وما أكثر ما تجيبني عنها ~~أمها وابنتاها، وسأزورهن بين حين وحين، وسأنهض بما لهن علي من حق حتى يقضي الله ~~أمرا كان مفعولا. # وكذلك أقام هؤلاء النسوة في طرف من أطراف الدار، لا يكدن يسعين إلى أهلها، ولا يكاد ~~أحد من أهلها يسعى إليهن، وكانت لأم خالد أمة سوداء قد أعتقها القانون، ولكنها ظلت ~~وفية لمولاتها، فلما ماتت وفت لسيدها خالد ووفى لها خالد، فكانت تقوم على العناية به ~~والإصلاح من أمره، ولم يكن خالد يألف من هذه الدار الواسعة وبين هذه الأسرة الضخمة ~~إلا شخصين اثنين هما: أبوه - ولم يكن يلقاه إلا قليلا - ومولاته نسيم، وكانت تتلقاه ~~مصبحة بما يحتاج إليه، وتتلقاه ممسية بما يحتاج إليه، وتعكف على نفسها بين ذلك في ~~الدار لا تحفل بأحد ولا يحفل بها أحد. فلما حمل هؤلاء النسوة من القاهرة وأقررن ~~في طرف من أطراف الدار، قال خالد لنسيم: إن كنت تحبينني، وإن كانت في نفسك بقية من ~~الحب لمولاتك، فقومي على العناية بهؤلاء النسوة وامنحيهن من حبك وبرك مثل ما ~~تمنحينني، ولا تشغلي نفسك بي فإني أحسن تدبير أمري. قالت نسيم وهي تضحك: تحسن تدبيرك ~~أمرك - وكانت تنطق الحاء هاء - وأنت لا تحسن أن تجد ثيابك ولا أن تلبسها إلا أن ~~تهيئها لك نسيم؛ تحسن تدبير أمرك! ومن يقدم إليك القهوة؟! ومن يقدم إليك غداءك ~~وعشاءك؟! ثم ضحكت له بوجه كأنه وجه القرد، ولكنه على ذلك كان جميلا ms061 في عين خالد، ~~يجمله ما كان يغمره من حب وحنان. ضحكت له وقالت: سأخدمهن كما أخدمك، فإني كنت أقضي ~~يومي وليلي فارغة لا أعمل شيئا، فقد أصبح لي عمل منذ الآن. # ولم تكد نفيسة تراها حتى اطمأنت إليها، ووثقت بها الصبيتان وأحبتهما هي أشد الحب، فما ~~أكثر ما تمنت أن يكون لها ولد تعنى به، فقد أرسل الله إليها ابنتين تعنى ~~بهما. # ثم يعود الشيخ من حجه بعد أشهر، ويهرع أهل المدينة وأهل الإقليم إلى لقائه مقبلا، ~~وإلى زيارته وتحيته بعد أن استقرت به الدار. ويسعى علي إليه فيمن يسعى، فيلقاه الشيخ ~~أحسن لقاء، ويدفع إليه سبحة ضخمة الحبات وهو يقول له: لقد ذكرتك في مكة واستغفرت لك، ~~وسألت الله لك عفوا وعافية في المسجد الشريف، وأنا أهدي إليك هذه السبحة على شرط ~~ألا تفارقك عن إرادة منك، وعلى شرط أن تدير ذكر الله عليها مرة في كل يوم وتهب ثواب ~~هذا الذكر لوالدي رحمه الله. فيكب علي على يد الشيخ لثما وتقبيلا، ويأخذ السبحة ~~فيقبلها مرة ومرة، وأصحاب الشيخ ينظرون إليه ويقول بعضهم لبعض همسا: لو قال الشيخ ~~هذه المقالة للحاج مسعود لأجهش بالبكاء، ولكن انظروا إلى علي ما أقسى قلبه! إن وجهه ~~ليبسم كأن الشيخ يداعبه. # ويقبل خالد لزيارة الشيخ فيمن أقبل، فيلقاه الشيخ لقاء حسنا ويمنحه يده ليقبلها، ثم ~~يقول له: إذا فرغنا من هذه الزيارات فالقني فإن لي معك حديثا. ويسعى خالد إلى الشيخ ~~بعد أيام، فإذا رآه الشيخ أدناه واستبقاه، حتى إذا خلا إليه قال له: ألم أعلم أن أبي ~~كان قد خطب لك بنت الحاج مسعود؟ قال خالد: بلى. قال الشيخ: فأين أنت من هذه الخطبة؟ ~~قال خالد في شيء من استحياء: فإن الحول لم يحل على موت عبد الرحمن. قال الشيخ: وصلتك ~~رحم يا بني وبارك الله عليك! ولكن لنقرأ الفاتحة فأما الزواج وزفاف أهلك إليك ~~فاضرب لهما ما شئت من موعد، و«منى» ما زالت بعد صبية. ثم صفق بيديه، فلما أقبل ~~الخادم ms062 قال له الشيخ: ادع لي الحاج مسعودا. وأقبل الحاج مسعود، فاستدناه الشيخ حتى ~~أجلسه على يمينه على كره منه، فقد كان الحاج مسعود يحرص دائما على أن يقوم بين يدي ~~شيخه الكبير ثم بين يدي شيخه الصغير، لا يجلس إلا مأمورا، فلما استدناه الشيخ وأجلسه ~~عن يمينه استعظم ذلك وأخذت دموعه تسيل. قال الشيخ: أما ترحمنا من دموعك هذه آخر ~~الدهر! كفكفها ولو ساعة، ابسط يدك فقد أنى لنا أن ننفذ وصية الشيخ. ثم بسط الحاج ~~مسعود يده وبسط الشيخ يده فتصافحا، وقرأ الفاتحة الثلاثة وإن الحاج مسعودا لينتحب ~~بقراءته انتحابا. # | الفصل الخامس عشر # وكان الحاج مسعود نادرة في عصره وبيئته. كان رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب، وكان مع ~~ذلك يحفظ القرآن كأحسن ما تكون التلاوة، لولا أن تلاوته هذه كانت تضطرب أحيانا، ~~وربما انقطعت بهذا البكاء الذي كان يغلبه كلما قرأ آية فيها نذير أو تبشير، وكان أبوه ~~الحاج عمران أميا مثله، أو قل إنه كان أميا كأبيه الحاج عمران، وكانت الأمية ~~مذهبا لهذا الشيخ من شيوخ الريف المصري؛ فقد أبى أن يرسل ابنه إلى الكتاب؛ لأن أباه ~~لم يرسله إلى الكتاب، وكان يقول: ينبغي أن ندع القراءة والكتابة والحساب لهؤلاء ~~الأقباط الذي يغنون عنا بها في كل ما نحتاج إليه. علينا أن نتجر ونثمر المال إن كنا ~~من أصحاب التجارة، وأن نزرع ونستثمر الأرض إن كنا من أصحاب الزرع، وأن ننهب ونملأ ~~الأرض فسادا إن لم نكن من أولئك ولا هؤلاء، فإن احتجنا إلى شيء من قراءة أو كتابة أو ~~حساب فأهون هؤلاء الأقباط يكفينا مئونة ذلك. # وكان يشير إلى شيخ يكاد يماثله في السن ويقول: انظروا إلى هذا المعلم مرقص؛ لقد رأيته ~~يكتب لأبي، وهو قد كتب لي حتى أخذ يضعف كما أضعف، ولكنه علم ابنه بطرس الكتابة ~~والحساب ليقوم مقامه إن عجز عن العمل، كما علمت ابني مسعودا التجارة في غلات الأرض ~~ليقوم مقامي حين تقعدني السن عما أسعى فيه الآن من البيع والشراء ، وكان ms063 الناس ربما ~~ذكروا له أنه مسلم غني، وأن من الحق عليه أن يقرئ ابنه شيئا من القرآن ويعلمه شيئا ~~من العلم؛ فإن ما يقضي بالجهل على الفقراء هو الأمية، فكان ذلك يضحكه ويحفظه في وقت ~~واحد: كان يضحك لأنه رأى أباه يحفظ من القرآن ما يجزئ عنه في صلاته، وقد حفظ هو من ~~القرآن ما يجزئ عنه في صلاته أيضا، وعلمه ابنه فحفظه؛ وآية ذلك أنه يصلي ويجهر ~~بالقراءة حينا ويخافت بها حينا آخر، لا يأخذ عليه أحد خطأ فيما يقرأ، وأن ابنه ~~يصلي ويقرأ القرآن في صلاته، فلا يخطئ فيما يقرأ منه، والله لم يأمر المسلمين بأن ~~يحفظوا القرآن كله، ولا بأن يقرءوه كله، وإنما أمرهم أن يقرءوا ما تيسر منه؛ ~~فأما حفظه كله وقراءته كله، فيكفي أن ينهض بهما الذين تفقهوا في الدين؛ وكان ~~يغتاظ حين يرى الزراية على الأمية والغض من الأميين، كان يرى في ذلك شيئا من الإثم؛ ~~لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان أميا، ولأن العرب كانوا أميين، لم يعابوا بذلك، ولم ~~يغض ذلك من قدرهم قليلا ولا كثيرا، ولم يكن يغني شيئا أن يقال للحاج عمران إنه ~~ليس النبي، ولا شيئا يشبه النبي من بعد، فإذا كانت أمية النبي آية له، فأمية ~~الحاج عمران نقص فيه، وإن العرب لم يفاخروا قط بأميتهم، وإنما جاء النبي ليخرجهم ~~من هذه الأمية. لم يكن من المفيد أن يقال شيء من ذلك للحاج عمران؛ فإنه لم يكن ~~يسمع له أو يلتفت إليه، وإنما استقرت هذه الآراء في نفسه لا تبرحها، وأقفل الأفق بينه ~~وبين ما وراء هذه الآراء من المعاني والحقائق، فهو لا يتجاوزه ولا يعدوه، وكان ابنه ~~مسعود يرى رأيه ويسير سيرته في كل شيء: جهل بالقراءة والكتاب، ومفاخرة بهذا الجهل، ~~وبراعة في التجارة وتزيد في هذه البراعة، وانصراف عن الشر ما وسعه الانصراف عن الشر، ~~وإيثار للخير والمعروف ما أطاق إيثار الخير والمعروف. # ولكن الله أتاح لمسعود ما لم يتح للحاج عمران، فوصل أسبابه بأسباب ms064 الشيخ حين ارتحل ~~الشيخ لأداء حجته الأولى، فكان مسعود ممن سافروا مع الشيخ وأدوا معه الفريضة، وقد ~~ألقى الله في نفسه حب الشيخ، فكان يلزمه أثناء السفر ويتطوع لخدمته، يضايق بذلك خاصة ~~الشيخ وأصفياءه، ولكن الشيخ كان يرضى ذلك منه ويشكره له، ويسأل عنه إذا غاب، ويستدنيه ~~إذا حضر، فإذا عادت القافلة إلى وطنها كان الحاج مسعود من خاصة الشيخ والممتازين بين ~~ذوي مودته، ومنذ ذلك الوقت لم يفارق الحاج مسعود شيخه في سفر ولا في إقامة، ولم ~~يتخلف عن مجلس من مجالسه، ولم يتعمد التخلف عن الصلاة التي كان يقيمها الشيخ، إنما ~~كان يكره على ذلك إكراها في بعض الأحيان، فيؤدي الصلاة كما يستطيع وفي نفسه شيء من ~~حزن؛ لأنه لم يؤدها مع الشيخ، وكان الله قد منحه ذاكرة قوية رائعة، فلم يكن يسمع ~~شيئا إلا حفظه، ولم يكن يتحدث إليه بشيء إلا وعاه، وهو من أجل ذلك قد حفظ القرآن كله ~~لكثرة ما كان يستمع لتلاوة القرآن، وحفظ كثيرا من الحديث لكثرة ما كان يستمع إلى ~~الشيخ وهو يروي الحديث، وحفظ كل ما كان الشيخ يبتهل به إلى ربه من دعاء، بل حفظ أكثر ~~من ذلك: حفظ أطرافا من علوم الدين ومن الفقه والتصوف والكلام خاصة، لكثرة ما سمع ~~الشيخ يتحدث في هذه الألوان من العلم إلى الذين كانوا يفدون عليه ويقيمون عنده من ~~علماء القاهرة، وعرف الشيخ منه ذلك فأكبره، وازداد عنه رضا وبه ثقة وإليه اطمئنانا، ~~ولكنه قال له ذات يوم: إنك تحفظ ما تسمع من القرآن والحديث، وإني أخشى عليك أن ~~تعيد ما تحفظ فتخطئ فيه، فالخير ألا تطمئن إلى حفظك حتى تعيد ما حفظت على الذين ~~يعون القرآن ويحسنون العلم؛ ذلك أحرى أن يعصمك من خطأ قد تضطر إليه، ولكني لا آمن ~~عليك عواقبه، هنالك لجأ الحاج مسعود إلى شيخ من حفاظ القرآن، فتلا عليه كتاب الله كله ~~مرة ومرة، حتى استيقن أنه حافظ مجود، ثم لم يكن يسمع من الشيخ حديثا يرويه عن ms065 النبي ~~حتى ينتظر بالشيخ ساعة يخلو فيها إليه، فإذا أمكنته الفرصة قال للشيخ وعلى ثغره ~~ابتسامة تشرق عن مثل اللؤلؤ، وفي عينيه دموع تترقرق ولا تكاد تنهل: ألست قد حدثتنا ~~بكذا وكذا عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟ فإذا قال الشيخ: بلى. قال الحاج مسعود: أواثق أنت ~~بأني قد وعيت عنك؟ فإذا قال الشيخ: نعم. قال الحاج مسعود: أفأستطيع أن أتحدث به إلى ~~الناس؟ فإذا قال الشيخ: نعم. قال الحاج مسعود: ومع ذلك فلن أفعل إلا مضطرا؛ فما أنا ~~بالمعلم، وما ينبغي إلي أن أكونه، وإنما أنا المتعلم، والمتعلم دائما. # وكان الحاج مسعود قد ورث عن أبيه تجارة واسعة ضخمة في غلات الأرض، فلم تكن أرض ~~الإقليم تنبت حبة إلا صارت من الحقل إلى الحاج مسعود، ثم تفرقت بعد ذلك من مخازن ~~الحاج مسعود إلى من صيرها الله له رزقا من أهل المدينة أو من أهل الإقليم، بل من ~~أهل الأقاليم البعيدة. ولم يكن أحد يمر بمخازن الحاج مسعود في ساعة من النهار إلا ~~رأى أمامها جماعات لا تكاد تحصى من الحمر والإبل، هذه يوضع عنها ما تحمل قد أقبلت ~~به من المتاجر والحقول، وهذه توقر بالأحمال لتنقلها إلى المتاجر والدور ولتنقلها إلى ~~السفن بوجه خاص، فقد كان للحاج مسعود ما يشبه أن يكون أسطولا نهريا، وكانت سفنه ~~المملوكة له والتي كان يستأجرها من غيره ما تزال مصعدة في النيل نحو الصعيد أو هابطة ~~فيه نحو القاهرة، وكان الحاج مسعود مصدر رزق لخلق كثير من أهل المدينة والقرى ~~المجاورة، فما أكثر الذين كانوا يعملون عنده بأيديهم كيلا ووزنا وتعبئة وسعيا ~~بالتجارة هنا وهناك، وما أكثر الذين كانوا يأجرونه من حمر وإبل لينقلوا عنه وينقلوا ~~إليه، وكان الناس لا يرون قطارا من الإبل يحدو به حاد، أو قافلة من الحمر يسوقها ~~سائق وهو يتغنى بهذا اللفظ القروي الظريف «يا دواب يا دواب» إلا قالوا: هذه إبل الحاج ~~مسعود أو هذه حمر الحاج مسعود. # وكان الحاج مسعود يسكن داره في طرف ms066 من أطراف المدينة يوشك أن يكون قرية من قراها، ~~بل توشك الدار نفسها أن تكون قرية صغيرة من القرى، وكانت هذه الدار قد نمت نموا ~~مطردا، ورثها الحاج مسعود عن أبيه الحاج عمران واسعة فسيحة الأرجاء، لا تكاد ترتفع ~~في السماء إلا قليلا، وورث من حولها أرضا منبسطة لا يكاد الطرف يبلغ مداها، فلما ~~رزق ابنته الأولى فاطمة خطر له أن يبني عن يمين داره الموروثة دارا جديدة صغيرة لهذه ~~الصبية التي لم تتم العام الأول من حياتها، وقال لامرأته وهو يضحك: إن مد الله لهذه ~~الصبية في العمر فستتزوج، وما أحب أن تنتقل إلى زوجها فتصبح غريبة عنده، وإنما أحب أن ~~ينتقل الزوج إليها، وأن تستقبله في هذه الدار التي تملكها، فلا تحس أنها تبع له أو ~~ثقل على أسرته. ثم رزق ابنته الثانية حفيظة، فاتخذ لها دارا إلى جانب دار فاطمة، ~~وقال لامرأته مثل ذلك القول، وقال للناس مثل ذلك القول، ثم رزق بعد ذلك خديجة ومنى، ~~فاتخذ لهما دارين عن شمال داره، كما اتخذ لأختيهما دارين عن يمينها. # ونظر ذات يوم فإذا أبنيته قد كادت تستغرق ما كان يملك من الأرض في طرف المدينة، ~~وإذا هي توشك أن تستقل عن المدينة استقلالا، وإذا هي بناء ضخم ينبسط أمامه فناء عريض ~~قد قامت فيه بعض الأشجار متفرقة، وامتد له عن يمين وشمال جناحان طويلان على شيء من ~~ضخامة، فلما رأى هذا كله أعجبه واتخذ من حوله سورا، وإذا داره أشبه شيء بالحصن ~~ذي الأسوار المرتفعة في السماء تفتح أبوابها مع الصبح ليخرج منها الناس والإبل ~~والماشية، ثم تغلق إذا تقدم الليل على من لجأ إليها وما ألجئ إليها من الناس والماشية ~~فلا غرابة في أن يفكر علي أبو خالد في أن يصهر إلى الحاج مسعود كما قدر الشيخ ~~الكبير، فقد كان شرف هذا الرجل ومكانه من الشيخ وتجارته الواسعة وثروته العريضة ودوره ~~هذه المنبثة من وراء السور كأنها الحصن، وهذا الخير الكثير الذي يغدو منها مع مطلع ~~الفجر ms067 ويروح إليها عند مغرب الشمس. # كان هذا كله مغريا لعلي بالإصهار إلى الحاج مسعود، فكيف وقد سمع علي أن صغرى ~~بناته جميلة رائعة الجمال لم تبلغ الرابعة عشرة من عمرها بعد؛ وليس من البعيد أن يكون ~~علي قد وجد في ضميره الخفي على شيخه بعض الموجدة حين صرف عنه مسعودا وحذره من ~~الإصهار إليه، ولكن هذا ظن نستغفر الله منه، فإن بعض الظن إثم، إنما الشيء الذي لا ~~شك فيه هو أن شيئا من فتور قد سرى في اجتهاد علي كما تسري النار الخفية الضئيلة في ~~المقادير الضخمة الهائلة من الهشيم، وظن آخر نستغفر الله منه؛ لأن بعض الظن إثم، وهو ~~أن شيئا من الفتور الخفي جدا، قد أخذ يسري في حب علي لابنه خالد وفي عطفه عليه، ~~ولو أمكن أن يحسد الآباء أبناءهم لجاز أن تكون شرارة ضئيلة جدا من الحسد قد وقعت في ~~قلب علي حين سمع الشيخ يرغب الحاج مسعودا في صهر خالد هذا الفتى الذي اتخذ له ~~زوجا فأضاعت عقلها جنية البيت، والذي لم يكد يكسب حياته إلا منذ وقت قصير، والشيطان ~~خبيث بغيض يندس إلى القلوب الطاهرة وإلى النفوس الزكية، فيلقي فيها شيئا من فساد، ~~إلا أن يعصم الله هذه النفوس وتلك القلوب من نزغات الشيطان، ولعله قد عصم منها نفس ~~علي الزكية وقلبه الطاهر الذي ملئ علما ودينا؛ ولكن الشيطان وقح لا يعرف الحياء، ~~ملح لا يكره أن يثقل على الناس بما يوسوس في صدورهم من الشر الذي يغري بالإثم ~~ويورط في سوء الظن، يلتمس لذلك حيلا لا تحصى، يوسوس بذلك مباشرة في صدور الناس ~~أحيانا، ويجري به ألسنة الأعداء والحساد والجهال من الأصدقاء أحيانا أخرى، ~~وهو قد فعل ذلك مع علي، لم يجترئ أن يواجه حبه للشيخ وثقته به، وعطفه على خالد ~~وأمله فيه، فدس من أصحابه من قال له مازحا بعد تلك الليلة التي عبث الشيخ فيها ~~به: لقد قسا عليك الشيخ أمس، وصرف عنك خيرا كثيرا. ومع ذلك فمن يدري ؛ لعل ms068 الشيخ ~~إنما صرف عنك شرا كبيرا، فإن للأولياء أمثاله أسرارا لا يفهمها أمثالنا، ومع ذلك ~~فإني أرجو ألا يكون نصيب هذه الصبية إن زفت إلى خالد كنصيب تلك المرأة البائسة التي ~~لم تكد تقيم معه أعواما حتى مسها لطف الله. ولم يكد علي يسمع هذا الكلام حتى ثار ~~وفار، وهم أن يبطش بصاحبه لولا بقية من حلم؛ فقد استباح هذا الرجل لنفسه أن يجرؤ ~~على الشيخ، ومن دون الجراءة على الشيخ أهوال، واستباح هذا الرجل لنفسه أن يعرض ~~بخالد، ولولا أن الله عز وجل قال: # ولمن صبر وغفر ~~إن ذلك لمن عزم الأمور # لما رجع هذا الرجل إلى أهله ~~موفورا، ولكن لا أقل من أن تنقطع الصلة بين علي وبين هذا الرجل الذي اتخذه الشيطان ~~مطية إلى الفساد، وقد كان ذلك، فأعرض علي عن صاحبه بعد أن زجره زجرا عنيفا، وأقسم: ~~لا يكون بينه وبينه سبب منذ اليوم. # ومن المحقق أن عليا قد عني بتجارته عناية شديدة، عناية لم تغن عنه شيئا، ~~ولكن على المرء أن يسعى إلى الخير جهده، وعني ببنيه وبناته وبنسائه، وأحب داره ~~حبا شديدا، وأي غرابة في ذلك، فالمؤمن حقا مكلف أن يصل الرحم، ويحسن القيام على ~~أهله وداره وبنيه، والقيام على الأبناء وعلى ذوي القربى وأولي الأرحام واجب يعاقب ~~المقصر فيه ويثاب الناهض به، وهو بعد هذا صدقة يضاعف الله جزاءه لمن يؤدونه ~~على وجهه، ومن الجائز أن تكون عناية علي بتجارته، وقيامه على أهله وسعيه في إصلاح ~~أمره، كل ذلك قد يضطره إلى قليل من التقصير في ذات الشيخ، وإلى التخلف القليل عن ~~بعض مجالسه، ولكن الشيخ يعرف أمره كله حق المعرفة، وهو يعذر تقصيره ويعفو عن تخلفه، ~~ومن الجائز أن يصرفه هذا كله عن بعض الرفق بابنه خالد، ولكن خالدا رجل قد توسط العقد ~~الثالث من عمره؛ فهو لا يحتاج إلى العناية والعطف كما يحتاج إليهما هؤلاء النسوة ~~الضعاف، وهؤلاء الصبية الصغار، وربما كان الحق على خالد أن يعنى بأبيه وإخوته أكثر ~~مما ms069 يفعل إلى الآن، ولكنه شاب، وللشباب ضلاله المؤقت، وخالد مغرور بمنصبه الجديد، ولا ~~شك في أنه سيثوب إلى نفسه، وسيذكر أن حمل أبيه ثقيل، وأنه يستطيع أن يخفف بعض ~~هذا الحمل، أليس يقبض أربعة جنيهات في آخر كل شهر؟! كل هذه خواطر لعل نفس علي قد ~~تحدثت بها إلى علي حديثا همسا لا يكاد يسمع! ولكنها تحدثت به على كل حال، فهي خليقة ~~أن تلام، والنفس أمارة بالسوء إلا من رحم ربي، وعلي حريص كل الحرص على أن تناله ~~رحمة الله؛ فهو يلوم نفسه لوما عنيفا، ويجتهد في العبادة اجتهادا شديدا، وينفق ~~في غرفة أم خالد ليلة قائمة هائمة بذكر الله جاهرة بتلاوة القرآن، قد طرد عنها ~~الشيطان طردا، ورد عنها النوم ردا، حتى إذا صلى علي الصبح وشرب القهوة نازعته ~~نفسه إلى الراحة وشيء من النوم، فيتجهم لها ويغلظ عليها ويشتد في تأديبها، ويقسم لا ~~يذوق النوم حتى يذهب إلى متجره ويعود إلى غدائه؛ فإذا صلى الظهر نام وطلب إلى هناء أن ~~توقظه ليدرك صلاة العصر، قبل أن تفوته، فإذا صلى العصر سعى إلى شيخه فشهد معه صلاة ~~العشاءين وحضر معه حلقة الذكر. # وفي ذات يوم ذهب خالد إلى متجر أبيه بعد صلاة العصر، فرآه جالسا يدير ذكر الله على ~~سبحته تلك؛ فسلم الفتى، ولكن عليا لم يرد عليه سلامه ولم يرفع إليه رأسه، وإنما ظل ~~مطرقا يدير ذكره في أناة، يمد صوته بحروف المد أكثر مما تعود أن يفعل، ويساقط حبات ~~المسبحة في بطء متكلف، حتى إذا أدار ذكر الله على سبحته من طرف إلى طرف استغفر الله ~~فأطال استغفاره، وصلى على النبي فأكثر الصلاة عليه، ووهب ثواب هذا كله للشيخ رحمه ~~الله، ثم أدخل سبحته في جيبه مستأنيا، ثم مسح وجهه بيديه متشهدا، ثم التفت إلى خالد ~~وهو يقول: ألست بخير يا بني؟ إني لم أرك منذ أمس. قال الفتى: لقد أمضيت صدر الليل عند ~~الشيخ، وغدوت إلى عملي وجه النهار، وجئت ... فقاطعه علي رفيقا به وهو ms070 يقول: جئت ~~لتراني، ولتقص علي ما كان بينك وبين الشيخ والحاج مسعود في خلوتكم أمس؛ فقد ~~أنبئت بهذه الخلوة. قال خالد: نعم. قال علي: عفا الله عن الشيخ! فلو كان أبوه حيا ~~لكنت رابع ثلاثتكم أمس، وعفا الله عنك يا بني! فلولا أنك حديث السن لما قرأت فاتحة ~~الخطبة وأبوك غائب، ولكنك رأيت الشيخ يدعوك فلم تستطع له خلافا، ولم تفكر إلا في ~~أن تجيب إلى ما دعيت إليه. ولو كنت مكانك لانصرفت من عند الشيخ إلى أبي لأبشره بهذه ~~الخطبة، ولكنك انصرفت بالبشرى إلى سليم؛ فقد علمت أنك طرقت بابه عليه حين تقدم الليل. ~~قال الفتى مضطربا متلعثما: فإني لم أجرؤ على إزعاجك وقد كاد الليل ينتصف، ولم أجرؤ ~~على أن أباكرك بهذا النبأ قبل أن أغدو على عملي. فأما سليم ... قال علي مقاطعا: فليس ~~بينك وبينه من الكلفة مثل ما بينك وبين أبيك! ثم تشهد علي واستغفر الله ونهض إلى ابنه ~~فضمه إليه وقبل بين عينيه، وقال: قد سامحتك فليسامحك الله، ومتى استطاع الآباء أن ~~يطيلوا الموجدة على أبنائهم، أما الأبناء فما أقدرهم على أن يمضوا في القسوة على ~~آبائهم! اذهب يا بني فقد عفوت عنك. ثم بسط يده فتناولها خالد وقبلها صامتا، وظل في ~~مكانه قائما واجما لا يقول شيئا ولا يأتي حركة، فنظر إليه أبوه ثم اندفع في الضحك ~~وهو يقول: ما قيامك أمامي كالصنم لا تقول شيئا ولا تأتي حراكا؟ أمغتبط أنت بهذه ~~الخطبة؟ أضربت مع الحاج مسعود موعدا للزواج؟ قال خالد: أما أني مغتبط بهذه الخطبة ~~فما أدري ماذا أقول لك، وإنما موقفي منها كموقفي من تلك الخطبة الأولى: أمر الشيخ ~~الكبير فأطعت، ودعا الشيخ الصغير فأجبت، والله يختار لنا ويلهمنا التوفيق فيما نأتي ~~وما ندع؛ وأما موعد الزواج فما ينبغي أن نحدده ولم يحل الحول على موت عبد الرحمن، وما ~~كان ينبغي أن نتحدث فيه وأنت غائب؛ وبعد فإنا لم نحدث أمس أمرا جديدا، ولم نزد على ~~أن ننفذ وصية من الشيخ الكبير ms071 كنت بها عالما. قال علي وقد أحس في نفسه شيئا من ~~الندم لغلظته على ابنه، وكثيرا من الرضا عن طاعة ابنه له ووفائه لحميه القديم - ~~قال علي: بارك الله عليك يا بني وألهمك التوفيق، وكتب لك الخير في كل خطوة تخطوها ~~أو عمل تقدم عليه، أقم معي حتى إذا دنا الغروب سعينا إلى الشيخ فشهدنا معه ~~الصلاة. # | الفصل السادس عشر # قالت زبيدة لزوجها سليم: لقد سمعتك تتحدث إلى خالد أمس بأن أكثر أهل النار من ~~النساء. قال سليم وهو يتكلف الغضب: فقد كنت تتسمعين علينا إذا؟ قالت زبيدة: لا والله ~~ما تسمعت عليكما، ولا احتجت إلى أن أتسمع إليكما؛ فقد كان حديثكما عاليا مرتفعا، ~~يسمعه من في الدار، ويسمعه من يمر بها في الطريق. كان خالد فخورا مغتبطا لأنه سمع ~~هذا الحديث من شيخه فأقبل فرحا به يعيده عليك، وقبلته أنت راضيا مسرورا كأن لك ~~عند النساء ثأرا، ثم مضيت تفسره وتعلله وتزيد فيه. # قال سليم وهو مغرق في الضحك: وماذا فهمت من هذا كله؟ # قالت زبيدة: فهمت أن النساء كافرات للنعمة، جاحدات للجميل، مضيعات للمعروف، تحسنون ~~إليهن فيفرحن، ثم يسرع إليهن النسيان! فهن لا يذكرن لكم خيرا ولا يعرفن لكم ~~جميلا، وهن مع ذلك ذاكرات للشر حافظات للسيئة، لا يكاد زوج المرأة منهن يؤذيها ~~بالهين أو العظيم من الأمر حتى تنسى حبه لها وبره لها وما قدم إليها من معروف، ~~وتأخذه بسيئات لا تحصى؛ فإثمهن الأعظم وجريمتهن الكبرى هي هذا العقوق، وأي إثم أعظم ~~من العقوق وكفران النعمة؟ وهن من أجل ذلك يصرن إلى النار فيؤلفن من أهلها الكثرة ~~الساحقة. # قال سليم وهو لا يكاد يفيق من ضحكه: وهل تنكرين ذلك أو ترتابين فيه؟ قالت زبيدة: لا ~~أنكر شيئا ولا أرتاب في شيء، وإني لتائبة إلى الله من كل ذنب، طالبة عفوه عن كل ~~خطيئة، باذلة ما أملك من الجهد لأبلغ رضاه ورضاك أنت، فإن رضا الزوج من رضا الله، ~~وأنا مع ذلك مشفقة ألا أنجو من النار . قال ms072 سليم: اجتهدي، فعسي أن يعصمك الله منها، ~~وأن يجعلك من أهل الجنة. قالت زبيدة وقد أخذت تضحك: فأما أنتم معشر الرجال، فأقلكم ~~في النار وأكثركم في الجنة؛ لأن الطاعة فيكم فاشية، والمعصية فيكم نادرة، ولأنكم لا ~~تؤذون أحدا ولا تتقدمون إلى أحد بما يكره، وإنما أنتم خير خالص لا يمازجه الشر، ~~وعسل خالص لا يشوبه العلقم؛ فأما أن تسوموا نساءكم سوء العذاب وأن ترهقوهن من أمرهن ~~عسرا، فإنما ذلك تأديب لهن، تستوفون ما لكم من حق الطاعة، وتتقربون بتأديبهن إلى ~~الله، وأما أن تمسكوا نساءكم على ما يكرهن من الألم والبؤس، وأن تعلقوا على رءوسهن ~~هذا السيف القاطع سيف الطلاق، وأن تصوبوا إلى صدورهن هذا السنان الذي ينفذ إلى أعماق ~~القلوب، سنان التزوج بضرة تدخلونها على الزوج في دارها وتنغصون بها حياتها، ~~وتذيقونها ألم الغيرة وشقاء الحسد، وتورطونها في الغدر والكيد والنفاق، فليس عليكم ~~من هذا كله بأس، إنما تستمتعون بما أتاح الله لكم من رخصة وبما أتاح لكم من حق، فإن ~~ضاقت المرأة بشيء من ذلك أو أنكرته أو ثارت له، فهي كافرة للنعمة، جاحدة للجميل، ~~عاصية لله؛ وهي من أجل ذلك صائرة إلى النار مع أمثالها اللاتي يؤلفن الكثرة الساحقة ~~من أهلها. # قال سليم وقد أخذ يثوب إلى شيء من الجد والهدوء: ما رأيت كاليوم جدلا ولا شغبا؛ من ~~أين لك هذا العلم كله؟ ومن أين لك هذه الفصاحة كلها؟! وما هذا الشيطان الذي استقر في ~~قلبك وأجرى لسانك بهذا المنكر من القول؟! # قالت زبيدة وكأنها لم تسمع لزوجها: وأما أن يخون الرجل منكم زوجه أو أزواجه، فيعدو ~~على غير حقه، ويأثم في غير حاجة إلى الإثم، فخطيئة عسى الله أن يغفرها لكم ما دمتم ~~تصلون وتصومون وتستغفرون؛ والاستغفار يمحو الذنوب، ويعصم أصحابه من النار، ألا ~~ترون أنكم تسرفون على أنفسكم وعلى الناس حين لا تكتفون بتدبير أمور دنياكم على ما ~~تحبون، وإذا أنتم تدبرون أمور الآخرة على ما تشتهون أيضا؟! وهم سليم أن يتكلم ~~وقد أخذه شيء ms073 من العنف، ولكن زبيدة مضت في حديثها وقالت في ابتسامة ساخرة مغرية معا: ~~حدثني عن نفيسة، أمن أهل الجنة هي أم من أهل النار؟ # ولم يكد سليم يسمع هذا السؤال حتى سكت غضبه وانكسرت حدته وظل واجما لا يكاد يجيب، ~~فلم يكن يقدر أن هذا الحوار الذي استأنفته امرأته يريد أن ينتهي إلى نفيسة. وما ~~شأن نفيسة وهذا الحديث الذي كان يفاوض فيه أخاه وصديقه أمس؟ قالت زبيدة: إن نفيسة ~~لم تختر لنفسها صورتها البشعة ومنظرها القبيح، ولم تدع خالدا ليكون لها زوجا، بل ~~لم تعرفه إلا حين أدخل عليها أو أدخلت عليه، ثم هي لم تمنح إحدى ابنتيها ~~جمالا رائعا، ولم تمنح الأخرى قبحا مخيفا، ثم هي لم تؤذ زوجها في نفسه ولا في ~~بيته، ولم تخالف عن أمره، ولم تسمعه ما يكره من القول، ولم تكلفه ما لا يطيق ~~من الأمر، ثم هي لم تدع المرض إلى نفسها، كما أنها لم تدع القبح إلى وجهها، فهل ~~تستطيع أن تنبئني فيم كان إقبال خالد عليها، وفيم كان إعراضه عنها، وفيم كان تعذيبه ~~لها، ثم فيم كان هذا الطلاق، وفيم كانت هذه الخطبة؟ هنالك دهش سليم لعلم زبيدة ~~بأمر الطلاق وبأمر الخطبة، فقال لامرأته مترفقا: ومن أنبأك بأن خالدا طلق امرأته؟ ~~أو من أنبأك بأنه هم أن يتزوج امرأة أخرى؟ قالت زبيدة: أنبأني بذلك من أنبأني، ~~ولكنه حق لا شك فيه، وإن خالدا لأعقل وأرفق بنفيسة من أن يهجرها هجرا غير جميل ~~كما يفعل الآن، فيقرها في طرف من أطراف الدار ويقيم على خدمتها وخدمة ابنتيها ~~وأمها مولاته نسيم، ثم لا يزور هؤلاء النسوة إلا زيارات متقطعة، هو أعقل وأرفق ~~بنفيسة من أن يأتي هذا كله من الأمر دون أن ينبئها بأن الصلة بينها وبينه مقطوعة، ~~وبأن الحبل بينها وبينه مبتوت. # قال سليم: فإنك تعلمين أن نفيسة لا تصلح له زوجا، ولا تقدر على عشرة الرجال، فما ذنب ~~خالد إن اعترف بالحق الواقع؛ وهل ترين له أن يعيش مع مجنونة ms074 أو أن يفرض على نفسه حياة ~~الرهبان؟ قالت: لا أدري! ولكن جنون نفيسة لم يأتها من قبل نفسها، وإنما جاءها ~~من هذا الزواج الذي لم ترده، ومن هذه الظروف التي لم تخلقها، ورحم الله أم خالد إذ ~~قالت لزوجها: إنه إن أتم هذا الزواج فلن يزيد على أن يغرس في داره شجرة البؤس، لقد ~~غرست شجرة البؤس فنمت وآتت ثمرها بشعا خبيثا، امرأة ترزأ في زوجها وابنتها معا، ~~ثم ترى ابنتها وقد اصطلح عليها المرض وهجر الزوج والحرمان، فأنت تعلم أن نفيسة ~~ليست ميسرا عليها في الرزق، ولست ألوم أحدا، ولكنها فقدت ثروة أبيها، وتفرقت ~~ثروة علي في أسرته الضخمة، وخالد لا يرزقها إلا كما يستطيع، ثم لم يكفها هذا كله، فقد ~~رزقها هذا الزواج السعيد صبيتين كان من حقهما أن تنشئا في النعمة، فهما تنشئان في ~~البؤس بين أم مريضة وجدة محزونة ومولاة سوداء تقوم من أمرهما بما تستطيع القيام ~~به، وأب ينفق الأيام، وقد ينفق الأسبوع، دون أن يراهما، كل هذا لا يكفي، فلا بد من ~~أن يتزوج خالد، ومن أن يتخذ لأمهما ضرة، ومن أن يكون له من هذه الضرة بنون ~~وبنات يشاركونهما في حب أبيهما وبره، ومن يدري، لعلهم يصرفون أباهما عنهما كل ~~الصرف، حدثني عن نفيسة أمن أهل الجنة هي أم من أهل النار؟ وحدثني عن أمها أمن أهل ~~الجنة هي أم من أهل النار؟ ولا تنس أن نفيسة لا تحسن الصلاة، فهي لا تؤدي ~~الصلوات الخمس كما يؤديها خالد، بل هي لم تعد تحسن شيئا، فقد ثاب إليها حظ من ~~رشد ولكنه ضئيل جدا لا يكاد يكفي إلا لتفهم عمن يحدثها وتفهم من تتحدث إليه في أيسر ~~الأمور، إنك لم ترها منذ عادت إلينا، وفيم تراها وقد طلقها خالد، فلم يبق بينك ~~وبينها سبب؟ أما قبل أن يطلقها وقبل أن يلم بها هذا المرض، فقد كنت تحب حديثها وتأنس ~~إلى لقائها وترغب في زيارتها، كانت زوج خيك، أما الآن فليست منك في شيء ، ولو ms075 قد ~~رأيتها لرأيت شرا عظيما، أتذكر كيف كانت تتحدث فتحسن الحديث في لغتها تلك ~~القاهرية، وكيف كانت تداعب فتحسن المداعبة في ظرفها ذاك الذي لا نحسنه نحن في ~~الأقاليم؛ لقد ذهب هذا كله، وأصبحت حياة نفيسة وجدا كلها، وأصبح صمتها ~~متصلا مخيفا، وأصبح صوتها خافتا لا يكاد يسمع، وأصبح حديثها غامضا متقطعا ~~لا يكاد يستوي ولا يبين، لقد أصبحت عاجزة حتى عن أيسر الأشياء؛ إنها لا تكاد تعرف من ~~العدد إلا العشرة: فهي لا تحسن أن تقول العشرين والثلاثين والأربعين، وإنما تقول ~~عشرتين وثلاث عشرات وأربع عشرات، ولست أدري كيف تقول إذا جاوزت المائة! لقد انتهى بها ~~البؤس إلى هذا كله، وتصور بؤس أمها حين تراها على هذا النحو، وحين تضطرب بين فقد ~~زوجها ومرض ابنتها؛ فأما الصبيتان فلا تدركان من هذا شيئا، ولكن لهما حظا من قسوة ~~الطفولة، فهما تعبثان بأمهما وتضحكان من ذهولها وما اضطرت إليه من البله، ولا ~~تحفلان بجدتهما، ولا تكادان تحفلان بنسيم؛ لأنهما لا تفهمان عنها أكثر ما تقول؛ ~~حدثني عن هؤلاء النسوة أمن أهل الجنة هن أم من أهل النار؟ # ثم حدثني عن خالد وأبيه وعن نفسك، إنكم تصلون وتصومون وتسعون إلى الشيخ وتشهدون ~~حلقة الذكر وتقرءون القرآن وتظنون - وأرجو - أن تكونوا من أهل الجنة، ولكنكم ترون هذا ~~البؤس المؤلم، وهذا الشقاء المهلك، فلا تمدون إلى البائسين يدا، ولا تنالونهم ~~بمعروف، ولا تكرهون أن تضيفوا إليه بؤسا جديدا وشقاء طريفا. قالت ذلك ثم لم ~~تستطع أن تمضي في الحديث؛ لأن صوتها انحطم في حلقها، ولأن دموعها انهلت على وجهها ~~غزارا، وكان زوجها يسمع لها في صمت متصل يقطعه بين حين وحين بهذه الكلمات: لا إله ~~إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. # فلما رأى زوجه تمضي في البكاء ولم يستطع أن يثبت لها لهذا الحزن، ترك امرأته وخرج ~~من الدار، لا يريد وجها بعينه، وإنما يفر من منظر لا يستطيع له ثباتا، ثم عاد إلى ~~أهله بعد ساعة، فرأى امرأته قد أصلحت من ms076 شأنها وانصرفت إلى أمر بيتها تدبره ~~وتقوم عليه، وهم سليم أن يتحدث إلى امرأته حديثا غير الذي كانا فيه، ولكنها لم ~~تستجب له، وإنما استأنفت حديثها من حيث قطعته أو من حيث قطعه عليها البكاء، قالت: ~~أما أنا فلا أحسن صلاة ولا صوما ولا عبادة، ولكن الله يرى ما آتى من الأمر سرا ~~أو علانية، وهو يراني عند نفيسة في كل يوم مصبحة حينا وممسية حينا آخر، أواسيها ~~بالقول دائما، وأواسيها بالدموع أحيانا، وماذا أملك غير القول والبكاء. ثم ابتسمت ~~لزوجها ابتسامة حزينة وقالت له: إن لي إليك حاجتين تستطيع أن تجيبني إليهما، وما ~~أشك أنك ستظفر على ذلك بثواب الله. قال سليم: وما ذاك؟ قالت زبيدة: فأما أولاهما ~~فأن تؤخر زواج خالد إلى أبعد أمد ممكن، فلعل الله أن يرد إلى نفيسة صحتها، ~~فتحتمل هذه المصيبة خيرا مما تحتملها الآن. قال سليم: فإن خالدا لن يتزوج قبل أن ~~يحول الحول على موت حميه، وما زال بيننا وبين ذلك شهور. قالت زبيدة: أخشى أن تكون ~~محنة نفيسة في صحتها أطول من ذلك. # قال سليم: وما حاجتك الثانية؟ قالت زبيدة: أن تبر بنفيسة وتشعرها دائما بأننا لم نكن ~~عابثين حين خطبنا ابنتها جلنار لابننا سالم. قال سليم: وهي تشك في ذلك؟ قالت: لا أدري ~~ولكن هذا الحديث يرضيها فيما أعتقد، ولعله أن يفتح لقلبها البائس فرجة من أمل. قال ~~سليم: فسنزورها معا إذا كان الغد. # قالت زبيدة: وحاجة ثالثة ليس بينها وبين نفيسة صلة. قال سليم: ما ذاك أيضا؟ وهمت ~~زبيدة أن تجيب، ولكن العبرة حبست صوتها، فانصرفت من الحجرة مسرعة، وتبعها زوجها ~~مسرعا حتى أدركها فضمها إليه وجعل يقبل رأسها وسألها: ما حاجتك؟ وماذا تريدين؟ ~~أفصحي ولك عهد الله أن أجيبك إلى ما تبتغينه إن كان ذلك في طاقتي. قالت: لا تدخل علي ~~ضرة، فإن هممت بذلك، فطلقني وارددني إلى أهلي الفقراء، ولا تمسكني على كره ~~مني، وإن مرضت عندك فلا تهجرني مهما يطل مرضي، وما أظنه يطول. هنالك أغرق ms077 سليم في ~~الضحك، وضم امرأته إليه مخلصا لها عطوفا عليها، وهو يقول: إنكن لناقصات عقل ~~ودين. # | الفصل السابع عشر # لم تجر الأمور بين خالد وأبيه على ما كانا يحبان؛ فحياة الناس ليست طوع أيديهم ~~يصرفونها على ما يهوون، وإنما تعرض لها العلل والآفات، وتتحكم فيها الحوادث ~~والخطوب التي لا يملك الناس من أمرها شيئا، أو لا يملكون من أمرها إلا قليلا، وهي ~~من أجل ذلك تدفعهم إلى مسالك لو خيروا لما اندفعوا إليها، وتضطرهم إلى أمور لو ~~استطاعوا لاجتنبوها. فلم يكن في يد علي أن تصلح تجارته، وتنمو وتغل عليه ما ينهض ~~بحاجة أسرته الكبيرة، ولم يكن في يد خالد أن يجد من راتبه - الذي كان يرى في ذلك ~~الوقت ضخما على ضآلته - ما يمكنه من أن يحمل عن أبيه بعض أثقاله، ثم لم يكن في ~~يد أحد من الرجلين أن يمنع هذه الأسرة الضخمة من الحاجة إلى ما يقيم أودها من طعام، ~~ومن الحاجة إلى ما يستر أجسامها من لباس، ومن الحاجة إلى أن تحتفظ ولو بشيء ضئيل من ~~مكانها الاجتماعي في المدينة. # فلم يكن بد إذا من أن ينهض علي بهذه الحقوق كلها، وقد حاول الرجل فلم يستطع، وجد ~~في إصلاح أمره فلم يجد إلى إصلاحه سبيلا، فلجأ إلى الاستدانة، مقتصدا فيها ما وسعه ~~الاقتصاد، مؤملا أن يجعل الله له فرجا من حرج ومخرجا من ضيق، مجتهدا في ~~تجارته، ولكن تجارته كانت مجتهدة هي أيضا في أن تسلك طريقا معاكسا لطريق صاحبها، ~~مجتهدا فوق كل شيء في صلاته وعبادته وتوسله إلى الله أن يضع عنه هذا الإصر الذي ~~يثقله، وأن يرد إلى خير ما كان فيه من أيام السعة والرخاء، ولكن أبواب السماء كانت ~~كأنما أغلقت من دونه، أو كأن الله يسمع دعاءه ويجيبه إلى خير مما كان يطلب؛ فقد كان ~~يطلب دارهم ودنانير، يؤدي بها بعض دينه، ويشتري بها لبنيه وبناته وأزواجه الغذاء ~~والكساء والحذاء، ولكن الله كان يقبل صلواته ويسمع دعواته، ويدخر له بهن ~~قصورا في ms078 الجنة على هذه الأنهار التي يجري فيها ماء لذة للشاربين، ويجري فيها ~~اللبن والعسل والخمر، ويقام عليها من القصور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر، وقد انتهى الأمر بعلي إلى أن أصبح شديد الأمل في رضوان الله حين يبلغ ~~الدار الآخرة، شديد اليأس من روح الله في هذه الدار الأولى؛ فلم يزده ذلك إلا ~~اجتهادا في العبادة والطاعة، ليستكثر من رضا الله عنه، ومما كان يرجو أن يدخر له ~~في الجنة من نعيم، ولكنه قصر في التجارة وأهمل أمرها، وأخذ ينظر إلى أمور الدنيا ~~في شيء من الازدراء والاستخفاف دون أن ينسى نصيبه من متاعها ولذاتها، وقد اجتهد ~~في أن يحمل نفسه على الرضا بما قسم له، لولا أن بطون بنيه وبناته لم تكن تطمئن إلى ~~الجوع ولا تقنع بالقليل من الطعام، ولولا أن أزواجه وبنيه لم يكونوا يقدرون ~~أزمته في تجارته ولا يعرفون من ضيق ذات يده شيئا، فكانوا يطلبون ويلحون في ~~الطلب، فإذا قصر الرجل في تحقيق آمالهم استحال بيته إلى جحيم لا يطاق ولا يمكن ~~الصبر عليه، وكثيرا ما كان الرجل يفزع إلى المساجد ومجالس الشيوخ، يرى الناس أنه ~~يبتغي بذلك العبادة والطاعة، ويرى هو أنه يفر من أزواجه وبنيه وإلحاحهم عليه فيما ~~يريدون وما لا يطيق من الأمر، وقد انتهى ذلك بعلي إلى شيء من سوء الخلق لوحظ ~~عليه في أحاديثه وسيرته مع الناس، ولكن الناس كانوا يلتمسون له المعاذير لما يرون من ~~إدبار الأمر عنه وإلحاح الكساد عليه. # ولم تبخل الظروف عليه بصديق السوء الذي يحرضه على ابنه خالد ويغريه به ويسأله: كيف ~~تشكو الضيق، وتتعرض للحرج وخالد موظف يتقاضى أربعة جنيهات في كل شهر غير ما يمكن أن ~~يصل إلى يده من ذوي الحاجات؟! فلا تصدق أن موظفا يكتفي براتبه الذي يقبضه في كل ~~شهر، ويقضي للناس حاجاتهم دون أن يأخذ على ذلك أجرا، إن خالدا لقادر - إن شاء - على ~~أن يتحمل عنك بعض أعبائك، ويسد بعض خلتك، ms079 وينهض على أقل تقدير بحاجات امرأته ~~وابنتيه. # والواقع أن خالدا كان يبذل أكثر ما يستطيع أن يبذله، فقد كان يؤدي إلى أبيه ~~آخر الشهر أكثر راتبه لا يستبقي لنفسه إلا ربعه، وكان يرى أن في ذلك أداء لحق أبيه ~~عليه ونهوضا بحاجة أهله الأدنين، ولكن أباه قال له ذات يوم: أنفق على أهلك يا بني، ~~فإني لا أجد ما أنفق على أهلي، وحسبك أنكم تقيمون في داري لا تؤدون على ذلك ~~أجرا. وقد صعق خالد لهذا القول الذي لم يكن ينتظر أن يسمعه من أبيه لما كان ~~يعرف من حبه له وبره به، ولم يكن ينتظر أن يسمعه لما كان يعلم من أدائه للحق ونهوضه ~~بالواجب، فلما سمع مقالة أبيه لم يحر جوابا، فأعاد أبوه عليه مقالته مرة ومرة. قال ~~الفتى: ومن أين أنفق على أهلي وأنا أؤدي إليك أكثر راتبي؟! قال الشيخ: لا أدري؛ ~~ولكن أنفق على أهلك فإني لا أجد ما أنفق على أهلي. قال الفتى: سأؤدي راتبي كاملا ~~إذا كان آخر الشهر. قال الشيخ: وأين يقع هذا الجنيه الذي تحتجزه لنفسك مما أريد؟! ~~قال الفتى: فإن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. قال الشيخ: صدق الله العظيم؛ ~~فإن الله لا يكلفني إلا ما أطيق، ولست أطيق أن أنفق على أهلك. قال الفتى: فإنك لا ~~تنفق على أهلي، وإنما أنفق عليهم بما أؤدي إليك من راتبي. فقهقه الشيخ قهقهة كلها ~~غضب وقال: فإنك تمن علي بما تؤدي إلي من هذا المال القليل كأني لم ألدك، ولم ~~أربك، ولم أزوجك، ولم أنفق عليك وعلى أهلك إلى أمس القريب، إني لا أريد منك مالا ولا ~~معونة، ولكن تحول عني وحول أهلك إلى دار أخرى، وأنفق على نفسك وعليهم براتبك ~~إن استطعت إلى هذا سبيلا. قال الفتى محزونا: فإني لا أمن عليك شيئا، ولا ~~أجحد من نعمتك قليلا ولا كثيرا، ولكني لا أستطيع إلا ما عرضته عليك، فسأؤدي إليك ~~راتبي كاملا. قال الشيخ وقد ملكه غضب مجنون: لا أريد منك مالا، ms080 وإنما أريد أن ~~تتحول بأهلك عني، فحسبي من عندي من العيال وانصرف عني الآن، فإني أخشى أن ينطق ~~لساني بما أكره. # وخرج الفتى محزونا كئيبا لا يدري ماذا يصنع! ولكنه نظر فإذا هو يطرق باب صديقه ~~وأخيه سليم، ولم يكد يلقى صديقه حتى قال له هذا في لهجة قد امتزج فيها الغضب والحنان: ~~ما رأيت كاليوم رجلا يدخل على الناس بما يكرهون! ألقيت بهذا الوجه أحدا في طريقك ~~إلى هذه الدار؟ قال خالد: وما ذاك؟ قال سليم: وجه مظلم، وجبهة مقطبة، وشفتان تمتدان ~~شبرين إلى أمام؛ أي كارثة ألمت بك؟ أتراك قد أوسقت سفينتك بنا فغرقت في طريقها إلى ~~المدينة؟! وكاد خالد يضحك لهذا العنف الرحيم، ولكن سليما مضى في تأنيبه وقد أخذ صوته ~~يزداد قسوة، وأخذت لهجته تزداد حدة، فقال: أمسك عليك سرك أيها الرجل، واحفظ على ~~نفسك غيبها، ولا تجعل من وجهك للناس كتابا مفتوحا يقرءون فيه من أمرك ما يشاءون، ~~ليكتئب قلبك ما أرادت الأحوال أن يكتئب، وليبتئس ضميرك ما شاءت الحوادث أن يبتئس، ~~ولكن ليكن وجهك مستوي المنظر في أوقات الشدة والرخاء! فليس يعني الناس ما يصيبك من ~~خير وشر، وإنما أنت تثقل عليهم حين تلقاهم بوجه عابس إن تنكرت لك الدنيا، وحين تلقاهم ~~بوجه باسم إن ابتسمت لك الأيام، تثقل عليهم وتغري شرارهم بالشماتة بك إن أصابك الضر، ~~وبالوجد عليك والحسد لك إن أصابك ما تحب. # قال خالد وقد أخذ وجهه المنقبض ينبسط، وأخذت شفتاه الممدودتان تعودان إلى مكانهما ~~سواء، بل أخذت تفرق بينهما ابتسامة يسيرة فيها شيء من رضا وكثير من حزن، قال خالد: ~~ما أدري لم لا تصطنع مهنة الخطباء والوعاظ! فإنك لتحسن القول، وتحسن النفوذ إلى دخائل ~~النفوس. قال سليم وهو يضحك: بل أحسن الإنباء بالغيب أيضا! فقد كان بينك وبين أبيك ~~شر منذ اليوم، أليس كذلك؟ قال خالد: بلى. قال سليم: فإنه ينقم منك قلة ما تمنحه من ~~المعونة، وقد أخرجه الغضب عن طوره، فقال لك ما لم تتعود أن تسمع ms081 منه. قال خالد: هو ~~ذاك. قال سليم: وقد قمت منه مقام الصبي الذي لا يعرف كيف يجيب، ثم انصرفت عنه مبتسما ~~مكتئبا، فأسرعت إلي لتشركني في ابتئاسك واكتئابك، وتجد عندي تسلية وعزاء. قال خالد: ~~لله أنت! لقد كفيتني مئونة الحديث. قال سليم: اجلس يا بني ورفه عن نفسك، فالأمر أيسر ~~مما تظن، ثم ضرب إحدى يديه بالأخرى وهو يصيح: أرسلي إلينا قهوة يا أم سالم وأقبلي إن ~~شئت، فابسمي لصهرك، فقد عبست له الحياة. وأقبلت زبيدة ساخطة متضاحكة معا، تقول ~~لزوجها: أما تنفك ترفع صوتك بكل شيء، وتشرك الناس معك في كل شيء؛ لقد كنت تلوم ~~خالدا لأنه يجعل وجهه كتابا مفتوحا يقرأ فيه الناس من أمره ما يشاءون، فهلا خافت ~~بصوتك وقصرت نجواك على نجيك؛ فليس كل الناس يحسن قراءة الوجوه، ولكن أكثر الناس ~~يحسنون الاستماع لك والفهم عنك إذا رفعت صوتك بكل شيء. قال سليم وهو يضحك لامرأته: ما ~~رأيت أطول ولا أحد من هذا اللسان! قالت زبيدة: إنه لسان امرأة من أهل النار. وأعاد ~~الزوجان على خالد حوارهما الذي قصصناه آنفا، فضحك له ثلاثتهم وهم يشربون ~~القهوة. # فلما انصرفت زبيدة لبعض شأنها قال سليم لأخيه: اعذر أباك؛ فإن عبئه ثقيل، وموارده ~~أضيق من أن تعينه على النهوض به، وأعنه إن استطعت إلى معونته سبيلا. قال خالد: أما ~~أن عبئه ثقيل فهذا حق، ولكنه هو الذي خلق لنفسه هذا العبء الثقيل، ما حاجته إلى هؤلاء ~~الضرائر اللائي يكلفنه من النفقة ما لا يطيق ويجعلن داره جحيما؛ وما حاجته ~~إلى هؤلاء الصبية الذين ينبتون في الدار كما ينبت العشب على شاطئ القناة. قال سليم: ~~لمه فيما بينك وبين نفسك ولكن أعنه، فالأمر الواقع هو أن لديه ثلاث زوجات كلهن ~~ولود. قال خالد: وكيف أعينه بأكثر مما أفعل، وأنا أؤدي إليه معظم ما أقبض آخر الشهر؟! ~~وقد عرضت عليه أن أؤدي إليه راتبي كاملا فلم يقبل مني، وطلب أن أتحول عنه بأهلي، ~~فحسبه من عنده من العيال. قال سليم : وقد ms082 انتهى بكما الأمر إلى هذا الحد؟ قال خالد: ~~ولولا أنه صرفني فانصرفت لتجاوز الأمر هذا الحد. # فأطرق سليم ساعة ثم رفع رأسه وقال في صوت هادئ: فإني سأقرضك دنانير تدفعها إليه من ~~يومك، وتؤديها إلي متى استطعت. قال خالد: ما جئت لهذا. قال سليم: فقد أخطأت، وكان ~~يجب أن تجيء لهذا؛ فإن أباك يعاني ضيقا يجب أن نجد له منه مخرجا، فادفع إليه هذه ~~الدنانير من يومك، فإذا كان الغد فسأدفع إليه مثلها؛ فإن له علي مثل ما له عليك ~~من الحق. ثم نهض إلى صندوق ففتحه، وإلى درج صغير في الصندوق فاستخرج منه ذهبا وضعه ~~في يد خالد، وخالد صامت لا يقول شيئا؛ لأنه لا يجد ما يقول، ثم استأنف سليم حديثه ~~فقال: ولست أدري كيف تدبر أمرك، ولا كيف تعيش بهذا الراتب الذي تقبضه آخر الشهر والذي ~~يستكثره الناس وآراه ضئيلا لا يقوم بمثل نفقتك. قال خالد: ماذا تريد أن أصنع؟ قال ~~سليم: تصنع كما أصنع أنا وكما يصنع غيري من الموظفين. قال خالد: وماذا تصنعون؟ قال ~~سليم: نأخذ من الناس أجر ما نؤدي إليهم من خدمة. قال خالد: فإنها الرشوة إذا. قال ~~سليم: سمها أنت الرشوة، فأما أنا فأسمي بعضها أجرا مستحقا وأسمي بعضها ~~الآخر هدية مبذولة. قال خالد: فإن الأسماء لا تغني عن الحق شيئا، فإنكم تتقاضون ~~أجركم على ما تعملون آخر الشهر، فما تأخذونه من الناس لا يحل لكم؛ لأنه الرشوة لا ~~أكثر ولا أقل. قال سليم: يحل لنا أو لا يحل، هذا آخر شيء نفكر فيه، يجب أن نعيش قبل ~~كل شيء، والراتب الذي نقبضه لا يمكننا من أن نعيش، ونحن لا نستكره الناس على ما ~~يضعون في أيدينا من نقد، وما يحملون إلى دورنا من عروض، وإنما هم يفعلون ذلك طائعين، ~~ويسوءهم أن نرده عليهم، وهبك قترت على نسيم مولاتك في الرزق ومنحتها من الطعام أقل ~~مما يقيم أودها أفتلومها إن سرقت لتشبع من جوع؟ قال خالد: فعلي ألا أضطرها إلى ~~السرقة . قال ms083 سليم: فعلى الحكومة إذا ألا تضطرنا إلى قبول الرشوة، وإلى أن تأجرنا ~~الحكومة أجرا حسنا، لا أرى علينا بأسا من أن نستعين على الحياة بما يدس إلينا ~~أصحاب المصالح من المال. قال خالد: فإن هؤلاء الناس يدفعون أجور مصالحهم مرتين: ~~يدفعونها حين يؤدون الضرائب، ويدفعونها حين يؤدون إليكم ما يؤدون من المال؛ وهذا هو ~~الظلم الذي ليس بعده ظلم. قال سليم: يدفعونها مرتين أو مرات، هذا شيء لا يعنيني، ~~وإنما الذي يعنيني، هو أن أعيش أولا؛ فأما هذا الظلم الذي تذكره فلست أنا الذي ~~أقترفه، وإنما يقترفه الذين يأخذون الضرائب ثم لا يأجرون الموظفين أجرا ييسر لهم ~~الحياة. # وهنا أطرق الرجلان إطراقتين مختلفين؛ فأما خالد فقد أطرق إطراقة الذاهل الذي يسمع ~~ويعي، ولكنه لا يقر ما يسمع وما يعي، ولا يحسن مع ذلك أن يرد عليه، وأما سليم فقد ~~أطرق إطراقة الرجل الذي يعرف أنه يأتي إثما من الأمر، ويقول منكرا من القول، ولكنه ~~مع ذلك يلتمس لنفسه العذر مما يأتي ومما يقول، وهو يعيد على نفسه ذلك المثل الذي ضربه ~~للموظفين الذين يضيق عليهم في الأجر فيرتشون، مثل الخادم التي يقتر عليها في الرزق ~~فتسرق لتتقي الجوع، ثم رفع سليم رأسه وقطع هذا الصمت الذي كاد يطول، فقال في صوت ~~خافت: أيهما شر: رجل يرتشي ليعيش، أم رجل يرتشي ليستكثر من المال؟ قال خالد: كلاهما ~~آثم، ولكن الذي يرتشي ليستكثر من المال أشد إغراقا في الإثم وتورطا في المعصية. قال ~~سليم: فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه؛ أما أنا وأمثالي فنرتشي لنعيش، هذه ~~رشوتي قد أتاحت لي أن أقرضك ما تعين به أباك، وأن أعينه من غد، فأما غيرنا ... ثم ~~سكت قليلا، ثم قال: فأما رؤساؤنا وسادتنا فإن الحكومة تبسط لهم في الأجر، ~~وتوسع عليهم في الرزق، وتقوم لهم بأكثر مما يحتاجون إليه، وهم مع ذلك يرتشون لا ~~كما نرتشي، ويأخذون لا كما نأخذ، إنا نأخذ الدرهم والدراهم، ونأخذ الدينار والدنانير، ~~ونأخذ السفط من البن أو الجماعة ms084 من رءوس السكر، أو الحقيبة من الأرز؛ فأما هم ~~فيأخذون أضعاف ذلك وأضعافه، ونحن نأخذ ما نأخذ لننفق على أنفسنا وعيالنا، وهم يأخذون ~~ما يأخذون ليشتروا الضياع يضفونها إلى الضياع. صدقني! إنك لا تملك كما أني لا ~~أملك إصلاح ما فسد من الأمر، والله وحده القادر على أن يرد الناس أخيارا أبرارا. ~~هنالك نهض خالد وهو يتلو قول الله عز وجل: # ظهر الفساد في ~~البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ~~. ولكنه لم يكد ~~يبلغ باب الدار حتى كان سليم يجذبه جذبا عنيفا وهو يقول: لقد تركت دنانيرك أيها ~~الأحمق؛ خذها وادفعها إلى أبيك؛ فليس عليك من إثمها شيء، ولو عرفت أنك سترد إلى قلبه ~~الهدوء وإلى نفسه الأمن، وستمكنه من أن يطعم صبية جياعا ويكسو جواري كدن يبتذلن، لما ~~ترددت ولا تحرجت. # وبعد فإلى أين تذهب بهذا الوجه الذي كسته الظلمة وعاد إليه الانقباض؟! أقسم لا تخرج ~~حتى تستبدل به وجها آخر، ثم جذبه إليه جذبة كادت تخلع عنه جبته. # وما أقبل المساء حتى كان خالد قد لقي أباه مستحييا ووضع في كفه الدنانير ~~متأثما؛ فابتسم الشيخ ابتسامة فيها خجل كثير، وقال لابنه: أقم فسنشهد العشاءين ~~مع الشيخ. # وأقبل الصبح من غد، فرأى عليا في غرفة أم خالد وقد رفع إلى الله كثيرا من الصلاة ~~والاستغفار والندم، وسكب كثيرا من الدموع؛ لأنه لقي ابنه البر بما يكره، وكان له ~~ظالما وعليه متجنيا، ثم تمنى على أم خالد ألا تضطغن عليه ما قدم إلى ~~ابنهما من مكروه، ثم لا يكاد يفرغ من قهوته حتى يطرق الباب ويستأذن الخادم لسليم، ~~فإذا دخل وحيا وضع في يد عمه دنانير وهو يقول: معذرة إليك يا عم؛ فلو استطعت ~~لأديت إليك أكثر منها: فإن نفقتك كثيرة ونحن مقبلون على شهر الصوم. قال الشيخ وقد ~~جادت عيناه آخر الأمر ببعض الدمع: وصلتك رحم يابن أخي! فقد أعنتني في وقت الحاجة إلى ~~المعونة. # ولما انصرف سليم لم يكن علي يشك في أن الله قد استمع لدعائه الكثير ms085 وعفا له عما ~~أسلف إلى ابنه من مساءة. ولولا ذلك لما ساق إليه هذا الرزق الذي لم يكن يرجوه. # | الفصل الثامن عشر # وقال الشيخ ذات ليلة لخاصته مقالته لهم في العام الماضي، وآذنهم بأنه سيستعد للحج ~~وبأن من شاء منهم أن يصحبه فليعد للسفر الطويل عدته، وتقدم إليهم أن يؤذنوا في ~~الفقراء وأوساط الناس بأن عليه نفقة من أراد منهم أن يحج بيت الله ولم يجد ما ينفق، ~~ثم التفت إلى الحاج مسعود وقال ضاحكا: أما أنت يا مسعود فقاعد هذا العام فقد أتممت ~~حججك السبع. قال مسعود وقد ظهر على وجهه غضب شديد لم يلبث أن استحال إلى حنان رحيم ~~انهلت له دموعه حتى بللت لحيته الكثة - قال مسعود: أغاضب أنت علي يا سيدنا؟ قال ~~الشيخ وهو يغرق في الضحك: غفر الله لمسعود! غفر الله لمسعود! غفر الله لمسعود! قوم ~~يضحكون، وقوم يبكون، إنما قصدت إلى دعابتك يا مسعود، ولو أردت الجد لما تحدثت ~~إليك. # هنالك تهلل وجه مسعود ونهض مسرعا فأكب على رأس الشيخ يقبله وهو يقول: لقد كنت نذرت ~~لله ألا يحج شيخنا الكبير إلا صحبته، فلما انتقل إلى جوار الله جددت النذر ألا ~~تحج إلا صحبتك، لا يمنعني من ذلك إلا أن أبلغ أرذل العمر وتعجز قدماي عن حملي. فأعاد ~~الشيخ مقالته: غفر الله لمسعود! ثم قال في صوت ملؤه الجد: فأما وقد نذرت هذا النذر ~~فأنت صاحب حجنا منذ الآن، فدبر أمر سفرنا وإقامتنا، وأنفق على ذلك من مالنا فإن ~~فيه سعة. قال مسعود: ومن مالي فإن فيه سعة أيضا. وقال بعض الحاضرين: أفلا نؤذن ~~عليا بما آذننا به مولانا الشيخ؟ فسكت الشيخ حينا ثم قال: لا تفعلوا؛ فإن ~~عليا لا يحج العام. وعرف علي ما كان من حديث الشيخ إلى أصحابه، ولكنه لم يتأهب ~~للحج، ولم يزر الشيخ إلا لماما، ولم يخرج مع الناس لوداع القافلة، فلما كان الشيخ في ~~بعض الطريق ذكروا له عليا وتخلفه عن الحج وتقصيره في الوداع، وتلا بعض أصحاب ms086 ~~الشيخ قول الله عز وجل: # ولو أرادوا الخروج لأعدوا ~~له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين ~~. فلما سمع الشيخ هذه الآية ظهر الغضب في ~~وجهه وقال: صدق الله العظيم، ثم أطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال في صوت تحطمه العبرة: لا ~~تتل هذه الآية يا فلان، ولكن اتل قوله تعالى: # ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا # أما إن ~~أخاكم لا يستطيع إلى الحج سبيلا، وقد كنتم أحرياء أن تبروه وترفقوا به وتصلوا ~~خيرا مما فعلتم، ثم أطرق إطراقة قصيرة وهو يتلو: # ولا ~~يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا ~~. ثم طال صمت الشيخ وصمت أصحابه، لا يقول الشيخ شيئا، ~~ولا يجرؤ أحد من أصحابه أن يقول بحضرته شيئا، وصاحب المقالة مستخذ قد خفض رأسه ~~حياء، والقوم قلقون لا يدرون كيف يستأنفون ما كان عليه أمرهم من غبطة ورضا، فلما ~~طال عليهم هذا الصمت المخيف اجترأ مسعود فقال: سبحان الله! ثم اتجه إلى الشيخ وهو ~~يقول في صوته المتهدج: ما إغراق مولانا في هذا الصمت المخيف؟ إنا كغيرنا من الناس ~~نخطئ ونصيب، ولكننا نحسن أن نتوب إلى الله من خطايانا، فلا تعذبنا بهذا الإعراض، ومر ~~بما تشاء. فرفع الشيخ رأسه وهو يقول: غفر الله لمسعود! أما فلان - يريد صاحب المقالة ~~- فيغيب عني وجهه ثلاثة أيام، ثم يلقاني إذا صليت الصبح، فعسى الله أن يرضي عنه ~~قلبي. هنالك تنحى صاحب المقالة مستخذيا لا ينظر إلى أحد، ولا يكاد ينظر إليه ~~أحد، فلما انصرف قال الشيخ لأصحابه: لا تهجروا أخاكم، ولكن واسوه وأحسنوا النصح له، ~~أما أنت يا مسعود، فإذا عدنا من حجنا، فازفف إلى خالد أهله، فإن ذلك سيرفه على ~~علي. قال مسعود: سمعا وطاعة يا مولاي. # ولم تمض على عودة الشيخ وأصحابه من الحج أشهر حتى كانت امرأة خالد قد زفت إلى ~~زوجها، وحتى كان خالد قد اتخذ له في المدينة دارا مستقلة أقام فيها مع أهله ومن ~~وكل مسعود بخدمة ms087 ابنته من الرجال والنساء، وقد أصبحت دار خالد دار الرغد والخير، لا ~~تنقطع عنها هدايا مسعود على ابنته وصهره، وكان مسعود يلم بابنته بين حين وحين، ~~فيوصيها بنفيسة وابنتيها خيرا، ويلقي إليها في السر أن تبر عليا وبنيه، فما أكثر ~~ما كانت ترسل «منى» إلى دار علي بالطرف والهدايا على علم من زوجها حينا، وعلى غير ~~علم منه في أكثر الأحيان، تهدي مرة إلى هذه، ومرة إلى تلك من أزواج الشيخ، والشيخ ~~يرى هذا فلا يهتم له أول الأمر، حتى إذا كثر ذلك من «منى» خلا إلى ابنه ذات يوم فقال ~~له: يا بني، لا تثقل على أهلك ولا على حميك؛ فإن في بعض ما ترسلون إلي مقنعا. ~~قال خالد: والله يا أبت ما تكلفت شيئا وما علمت أن امرأتي تكلفت شيئا، وإن الخير ~~لكثير، وإن الرزق بيد الله يؤتيه من يشاء. ولكن عليا أعاد مثل هذا الحديث على ~~مسعود، فغضب مسعود حتى اضطربت لحيته، ورق مسعود حتى انهلت دموعه، ثم قال لصاحبه: ~~أتريد أن أشكوك إلى الشيخ؟! هنالك اضطرب علي بعض الاضطراب وظهر على وجهه الخجل، وقال: ~~وددت لو يستطيع الشيخ أن ينساني. قال مسعود: هيهات! ليس إلى ذلك سبيل، إنه ليذكرك في ~~كل يوم، وإنه يستحيي أن يدعوك. قال علي: يستحيي أن يدعوني وأستحي أن أزوره! وهو ~~يذكرني في كل يوم وأنا أذكره في كل ساعة! ما كنت أحسب أن الدهر يفعل بالناس مثل ما ~~فعل به وبي. قال مسعود: لم يفعل بكما الدهر شيئا، وإنما أنت أسأت إلى الشيخ وأسأت ~~إلى نفسك، إنك لا تحسن احتمال المحنة ولا الثبات للخطب، إن مال الله غاد ورائح، ~~يصبح الإنسان غنيا ويمسى فقيرا، وإن الرجل الكريم هو الذي يحسن احتمال الفقر كما ~~يحسن احتمال الغنى، وقد عرفت كيف تحتمل الغنى فكنت خيرا جوادا، تواسي الضعيف، ~~وتطعم الجائع، وتكسو العاري، وتعين على نوائب الدهر، ولكنك لم تحسن احتمال الفقر، ~~فاستحييت وليس في الفقر حياء، واستخذيت وليس في الفقر استخذاء، إنك حين ms088 تستخفي بفقرك ~~وتتكلف ما تتكلف من الجهد لا تزيد على أن تلوم الله؛ لأنه هو الذي يغني ويفقر، ~~والله لا يلام ولا يسأل عما يفعل؛ وإنما نحن الذين يلامون ويسألون عما يفعلون. ~~أتريد أن تسمع لي وتقبل نصيحتي؟ قال علي وهو ينتحب: وما ذاك؟ قال الحاج مسعود: نصلي ~~العصر معا ثم نسعى إلى الشيخ؛ فإنك إن استأنفت لقاءه والأنس إلى مجلسه لم تعد إلى ~~مثل ما أنت فيه الآن. ولم يقبل الليل حتى كان علي في مجلس الشيخ كدأبه قبل أن تلم به ~~المحنة، وكدأبه في مجلس الشيخ الكبير. # على أن العام لم ينته حتى ألم الموت بدار علي، فانتزع منها امرأة كانت أشوق ما ~~تكون إليه وأزهد ما تكون في الحياة، رد أم نفيسة إلى زوجها عبد الرحمن في الدار ~~الآخرة، وكان هذا الموت آية لعلي أثبتت له أن فقره ومحنته لم يغيرا من مكانته ~~في المدينة شيئا؛ فقد هرع أهل المدينة كلهم إلى دار علي يواسونه ويشيعون جنازته، ~~ويتقدمهم الشيخ، وكان الأسبوع الأول لوفاة هذه المرأة الصالحة أسبوعا حافلا في دار ~~علي، قرئ فيه القرآن كأحسن ما يقرأ في أكثر الدور ثراء وغنى، وأقام الشيخ فيه ~~بنفسه حلقة الذكر مرات. وقال علي لنفسه غير مرة: صدق الحاج مسعود! إن الرجل الكريم ~~هو الذي يحسن احتمال الفقر، كما يحسن احتمال الغنى، ولكن عليا منذ ذلك الوقت قطع ~~على نفسه عهدا ليستأنفن حياة أخرى فيها جد كثير، وزهد في اللذات، وانصراف عن متاع ~~الدنيا، وقناعة بما قسم الله له من الرزق. # | الفصل التاسع عشر # قالت نفيسة لصديقتها زبيدة وهي تواسيها بين نوحتين، حين انقطع فجأة تعديد المعددة، ~~وسكت المأتم ودارت عليهن قهوة يشربنها في صمت عميق ودموع منها ما لا يزال يساقط ~~قطرات متقطعة، ومنها ما لا يزال ينهل وابلا غزيرا، ومنها ما يريد أن يجف لولا قطرة ~~تمده بين حين وحين - قالت نفيسة لصديقتها زبيدة هامسة كأنما تسر إليها شيئا: لو ~~تعلمين أني لا أحزن على فقد أمي بمقدار ms089 ما أحزن على دفنها في هذه المدينة من وراء ~~النهر بعيدة عن أبي وأخوي، أولئك الذين دفنوا في القاهرة، فهم لم يفترقوا في ~~الحياة قط إلا هذه الأسفار التي كان يعمد إليها أبي لتجارته، وكانت أمي إذا حدثته عن ~~كثرة هذه الأسفار وما تقتضيه من فراق، سمعته يقول لها في أناة: إنما نحن في هذه الدار ~~على سفر، وسيكون بيننا جوار متصل في الدار الآخرة إن شاء الله لا تشكين معه بينا ~~ولا فراقا. # قالت زبيدة: وما يحزنك من ذلك؟ لقد التقيا منذ يومين وهما يسعدان الآن بهذا الجوار ~~المتصل الذي طالما تمنياه. # قالت نفيسة وهي تكفكف عبرة أخذت تنهل: قد التقيا! وأنى يكون لهما اللقاء! بل أنى ~~يكون لهما التزاور وأحدهما في القاهرة والأخرى في هذه المدينة من وراء النهر، والأمد ~~بينهما بعيد! # قالت زبيدة: قد افترق جسماهما، رقد أحدهما في القاهرة، ورقد الآخر هنا، ولكن روحيهما ~~قد التقيا في رضوان الله؛ حتى إذا كان يوم القيامة التقى الروحان والجسمان جميعا في ~~الجنة، بذلك حدثنا شيوخنا، وبذلك يحدثني سليم كلما ذكرنا الموت، وما أكثر ما ~~نذكره! # قالت نفيسة: افترق جسماهما والتقى روحاهما! هذا كلام لا أفهمه ولا أصدقه، ولو كان ~~حقا لما رأيت أبي في الليلة الأولى لوفاة أمي وهو يلقي إلي من بعيد هذا الأمر: قولي ~~لهم يدفنوها معي فإني إليها مشوق، وقد وعدتها بذلك قبل أن أموت؛ ولو كان هذا حقا ~~لما رأيت أمي في الليلة الثانية تلقي إلي هذا الأمر من بعيد: قولي لهم يدفنوني معه ~~فإني مشوقة إليه، وقد وعدني بذلك قبل أن يموت، أترين لو أن روحيهما التقيا أكانا ~~يطلبان إلي هذا الذي تواعدا عليه قبل أن يموتا؟! # قالت زبيدة: وقد أخذ شيء من الخوف الخفي يتسرب إلى قلبها فتسري له في جسمها كله رعدة ~~خفيفة - قالت زبيدة: أفتصدقين الأحلام وتكذبين مقالة الشيخ؟! إن الأحلام كثيرا ما ~~تكذبنا، ولكن الشيخ لا يقول إلا الحق. # قالت نفيسة: أما إني لا أدري أيهما يلم بي الليلة ms090 إذا غفوت فيلقي إلي هذا الأمر الذي ~~لا أستطيع له تنفيذا، فكيف لي بنقل أمي إلى القاهرة وأنا لا أقدر على شيء! وكيف لي ~~بالتحدث إليه أو إلى أبيه في شيء من ذلك وقد فعلا أكثر مما كان ينبغي أن يفعلا. قالت ~~زبيدة: إليه! إلى من؟ قالت نفيسة: إليه! إنك لتعرفينه. ففطنت زبيدة إلى أنها إنما ~~تشير إلى خالد، وكانت لا تسميه إذا تحدثت عنه، وإنما تشير إليه دائما بالضمير. قالت ~~زبيدة: قد فهمت، سأتحدث إليه وإلى أبيه وإلى سليم. # واستأنفت المعددة غناءها الذي كان يمزق القلوب، واستأنف المأتم الرد عليها والبكاء ~~معها، وانهلت الدموع غزارا، واضطربت الأصوات في الحلوق، وألمت النوبات العصبية ببعض ~~النائحات فأسرع إليهن سائر نساء المأتم، يهدئنهن بالقول والعمل، وينضحن على وجوههن ~~الماء. وانصرفت زبيدة من ذلك اليوم وهي تشفق على نفيسة من خطر جديد، وتزمع أن تتحدث ~~إلى زوجها في نقل هذه المتوفاة إلى القاهرة، ولست أدري أتحدثت في ذلك أم لم تجد إلى ~~الحديث فيه سبيلا، ولكن الشيء المحقق هو أن الليل جعل يخيف نفيسة أشد الخوف كلما ~~مالت الشمس إلى الغروب، وكان هذا الخوف يزداد قوة وعنفا كلما تقدم الليل، وكان أبغض ~~شيء إلى نفيسة أن تأوي إلى مضجعها مخافة أن يزورها النوم، فيزورها معه طيف هذا أو تلك ~~من أبويها، فكانت تدافع النوم بالقهوة تسرف في شربها إذا أظلم الليل، لا تكاد تفرغ ~~من كأس حتى تعمد إلى كأس أخرى، ثم أشفقت من العزلة التي كان الليل يضطرها إليها إذا ~~هدأ من حولها كل شيء ونام من حولها كل إنسان، فكانت تستبقي ابنتيها معها حتى يتقدم ~~الليل، فإذا عبث النعاس بالصبيتين ووضع رأس كل واحدة منهما على إحدى فخذيها، أدركها ~~شيء من الجزع وهمت أن توقظهما، لولا أن نسيما كانت تسرع إلى الصبيتين فتحملهما إلى ~~مضجعهما، ثم تعود إلى مولاتها فتسليها بالقصص والحديث، وما تزال بها حتى تسلمها إلى ~~نوم مضطرب ثقيل، وقد اشتد هذا الأمر مع الأيام، حتى اضطرت الخادم إلى ms091 أن تنام في غرفة ~~سيدتها، تلقي لنفسها وسادة على الأرض، وما تزال بسيدتها في حديث وقصص، حتى إذا أحست ~~منها استسلاما للراحة أو إذعانا لشيء يشبه النوم استلقت هي على وسادتها فنامت إحدى ~~عينيها وظلت الأخرى مستيقظة لحراسة سيدتها من هذا الطائف المزعج الذي كان يلم بها ~~كلما اطمأنت أو كادت تطمئن إلى النعاس. # وقد عاشت نفيسة ما شاء الله لها أن تعيش، وعمرت ما أذن الله لها أن تعمر دون أن ~~تطمئن إلى النوم ليلة كاملة، إنما كانت تهب من نومها أثناء الليل فزعة جزعة؛ لأنها ~~رأت أمها أو أباها، وسمعتهما يلقيان إليها هذا الأمر دائما: قولي لهم يدفنوها معي ~~فأنا إليها مشوق، وقد وعدتها بذلك قبل أن أموت. أو قولي لهم يدفنوني معه فأنا إليه ~~مشوقة، وقد وعدني بذلك قبل أن يموت. وكثيرا ما رئيت شفتاها أثناء النهار تتحركان دون ~~أن يصدر عنهما صوت؛ فلم يشك من كان حولها في أنها تردد هذا الأمر الذي صدر إليها من ~~أحد أبويها أثناء الليل. # وقد قصت نسيم بعض هذا على سيدها خالد، فاستمع له ثم انصرف عن مولاته وهو يستعيذ ~~بالله من الشيطان الرجيم، ويقول: # أضغاث أحلام وما ~~نحن بتأويل الأحلام بعالمين ~~. وقص خالد ما سمع من ~~مولاته على أبيه، فقال: يرحم الله عبد الرحمن! ويرحم الله امرأته! ويلطف الله بنفيسة! ~~هون عليك يا بني وارفق بها؛ فإنما طائف الليل هذا الذي يزورها كجنية البيت التي تراءت ~~لها ذات مساء، وأنبأتها بأنك تريد أن تدخل عليها ضرة في بيتها، أتذكر جنية البيت؟! ~~ثم سكت علي لحظة، ثم استأنف حديثه قائلا: ومع ذلك فيحسن أن نعيد هذا الحديث على ~~الشيخ، فلعله أن يرى لنا في الأمر رأيا. وأعاد علي بمحضر ابنه على الشيخ حديث نفيسة؛ ~~فابتسم الشيخ ابتسامة حزينة وقال: يلطف الله بها، إنما هو طائف من الشيطان قد أولع ~~بها فصرفها عن الحياة وصرف عنها الحياة؛ ومع ذلك فارفقوا بها وجنبوها العزلة ما وجدتم ~~إلى ذلك سبيلا. ونظر الشيخ إلى ms092 علي فإذا دمعتان تترقرقان في عينيه ثم لا تلبثان أن ~~تنحدرا على خديه لتضيعا في لحيته الكثة، وإذا هو يقول: اللهم ارحم أم خالد، واغفر لي ~~وللشيخ الكبير ولعبد الرحمن، فقد أنبأتني أني حين أزوج هذين الشابين لا أزيد على أن ~~أغرس في بيتي شجرة البؤس، لقد والله غرستها، فثبتت أصولها في الأرض، وارتفعت أغصانها ~~في السماء، وأخذت تؤتي ثمرها خبيثا مرا. قال الشيخ وهو يضحك: ما أشد ما تعبث ~~الأوهام بعقول العقلاء! وانصرف خالد إلى أهله وهو يطيل التفكير في شجرة البؤس هذه، ~~يسأل نفسه عن أصولها التي رسخت في الأرض، وفروعها التي ارتفعت في السماء، ولكنه لا ~~يسأل نفسه عن ثمراتها المرة الخبيثة؛ فقد ذاق بعضها ووجد طعمها المر الخبيث حين كشف ~~له الغطاء عن قبح زوجه، وحين ألزم المضاهاة بين وجهي الصبيتين ووجه أمهما، وحين لعب ~~الشيطان بنفسه فوسوس له ما وسوس، بل زين له ما زين، بل لقد كانت شجرة البؤس هذه ~~مبكرة في إيتاء أكلها، فقد ذاق أول ثمرها ولما يمض على زواجه إلا وقت قصير. رحم ~~الله أمه! لقد كانت كارهة إذا لهذا الزواج نابية عنه، وأكبر الظن أنه هو الذي ~~قتلها. # | الفصل العشرون # وقد كان خالد سعيدا ناعم البال في حياته الجديدة، مغتبطا بما أتيح له من نعمة حين ~~تزوج «منى» وأصهر إلى الحاج مسعود، ولم يمض عام وبعض العام على هذا الصهر حتى رزقته ~~«منى» غلاما ذكرا سماه محمدا، وصور ما شئت من سروره بمقدم هذا الغلام الذي ~~جاء حسن الطلعة جميل المنظر ميمون النقيبة بعد هاتين الصبيتين البائستين، نعم! إن لله ~~لحكمة تعيا العقول عن إدراك كنهها وتعمق حقائقها، لقد غرس أبوه في داره شجرة البؤس ~~فشقيت بها أمه، وشقيت بها نفيسة وأسرتها، وشقيت بها الصبيتان، ولقد غرس الحاج مسعود ~~في داره شجرة النعيم فسعد بها هو، وسعد بها حموه، وسعدت بها منى، فليت أم خالد عاشت ~~حتى تشارك في هذا النعيم وحتى تسعد بهذا الحفيد! وكان قلب خالد يخفق كلما ms093 ذكر هذه ~~النعمة، وما أكثر ما كان يذكرها! لأنه كان يشفق أن تسقط في أثنائها ثمرة من أثمار تلك ~~الشجرة البغيضة التي رسخت أصولها، ونمت فروعها في دار أبيه، وقد تواترت نعم الله على ~~خالد، فرزقته «منى» غلاما آخر وغلاما ثالثا، حتى شارك امرأته في الخوف من حسد ~~الحاسدين على هؤلاء الصبية الذكور الذين أخذ بعضهم يتبع بعضا لا تخالف بينهم ~~صبية. # ويصبح خالد ذات يوم وإذا الأسرة في خلاف شديد وخصام يوشك أن يبلغ العنف، فقد تحدث ~~الشيخ في مجلسه أمس، ولم يكن خالد حاضرا هذا المجلس، بأنه قد وجد لخالد عملا ~~خيرا من عمله في محكمة المدينة يؤجر عليه بما يعدل راتبه مرتين غير ما يسوقه إليه ~~من رزق لا حرج فيه، فهذا العمل في بعض مرافق الدائرة السنية، وما أكثر الخير الذي ~~يساق مباركا موفورا إلى الذين يعملون في مرافق الدائرة السنية! ولا عيب لهذا العمل ~~إلا أنه سيضطر خالدا إلى ترك مدينته وأسرته وشيخه وذوي قرابته لينتقل إلى مدينة أخرى ~~في أعلى الإقليم مما يلي الصعيد، ولكن خالدا رجل لا يجد بالانتقال بأسا ولا يلقى ~~فيه مشقة، والأمد بعد قريب بين المدينتين، وما هي إلا ساعات لمن يقطع الطريق ماشيا، ~~وساعات أقل لمن يقطعها على دابة، فأما إذا اتخذ المسافر هذا البدع الجديد الذي جاء ~~من القاهرة منذ حين والذي هو حديد يمشي على حديد، ويرسل بين يديه دخانا وغبارا، ~~ويشق الجو من حوله بالصفير والأزيز والشهيق، هذا الذي يسمونه القطار، فإنه يقطع ~~المسافة في ساعة وبعض ساعة، وما ينبغي لخالد أن يضيع هذه الفرصة أو أن يخيب أمل ~~الشيخ فيه، فلم يكن الشيخ حين وجد هذا العمل واختار له خالدا يفكر في هذا الفت ~~وأسرته وحدهما، وإنما كان يفكر مع ذلك في نفسه وفي طريقته أيضا، فقد كانت هذه ~~المدينة التي يريد أن يرسل إليها خالدا هي المدينة الوحيدة التي استعصت عليه بين مدن ~~الإقليم، فلم ترسل إليه الوفود والهدايا في المواسم والأعياد، ولم تنتدب ms094 من فقرائها ~~ولا من أغنيائها من يصحب الشيخ في حجه على نفقته الخاصة أو على نفقة الشيخ، ولم تكن ~~تحفل به إن عبرها مع أصحابه مسافرين على ظهور الخيل أو مر بها مع أصحابه مسافرين ~~على ظهر النيل، قد استقر الشيخ في ذهبيته واستقر أصحابه في السفن التي كانت تتلوها، ~~بل كثيرا ما تجهمت المدينة لهؤلاء السفر الغرباء، حتى كان الشيخ يأمر ألا ينزل ~~أصحابه بها، وألا ترسو سفنه على شواطئها مخافة أن يصيبه ويصيبهم من أهلها بعض ما ~~يكرهون، ذلك أن هذه المدينة وما حولها من القرى كان لها شيخها أو كان لها بيت طريقتها ~~الذي تلتف حوله وتعتز به وتثوب إليه عند الملمات، وتنافس به غيره من المشايخ وبيوت ~~المشايخ. # وكان الشيخ الكبير، رحمه الله، لا يعنى بهذه الأشياء، ولا يحفل بهذه الصغائر، ولا ~~يلتفت إلى من يقبل عليه أو يدبر عنه؛ لأنه لم يكن يبتغي استعلاء ولا جاها ولا ~~بعد صوت، وإنما كان يرى حياته جهادا في سبيل الله؛ فمن ثاب إليه تلقاه لقاء حسنا ~~وعلمه مما علمه الله، ومن نأى عنه لم يفكر فيه إلا مستغفرا له وراجيا له الخير ~~والصلاح، فأما الشيخ الشاب فمع أنه لم يقصر في ذات الله فإنه على ذلك لم يقصر في ذات ~~الدنيا، ولم يكن يطمئن إلى أن تقوم المدينة مستعصية مريبة بين مدن الإقليم، فكان ~~يتمنى أن يرسل إليها رسولا، أو يقر فيها داعية، أو يكون له فيها منزل ينزل فيه ~~إذا مر بالمدينة برا أو من طريق النيل، فلما وجد هذا العمل - وأكبر الظن أنه قد ~~جد حتى وجده - رضيت نفسه واستبشرت، وحزم أمره واصطنع السياسة والحكمة، فلم يفكر في ~~أن يرسل إلى المدينة رسولا أو يقر فيها داعية، وإنما اكتفى أول الأمر بأن يذهب هذا ~~الموظف، فيقيم في المدينة كغيره من موظفي الدائرة السنية، ويتخذ لنفسه فيها دارا ~~رحبة، وينفق فيها راتبه وأكثر من راتبه، فسيأتيه فيها رزق كثير، وسيمده حموه بخير ~~كثير، وسيألفه أهل المدينة ويطمئنون ms095 إليه ويجعلون له بينهم مكانا رفيعا، فإذا استقر ~~هذا الموظف في بيئته الجديدة تلك عاما وعاما، ومر الشيخ بالمدينة مصعدا أو مصوبا، ~~لم يكن بأس من أن ينزل ضيفا عليه هو وأصحابه، وما كان أكثر أصحابه هؤلاء؛ وهناك يفرح ~~من يفرح، ويحزن من يحزن، ويغتاظ من يغتاظ، ولكنه سينزل في المدينة ويقيم فيها اليوم ~~أو الأيام، ويقيم فيها حلقة الذكر أيضا، وكان الشيخ يطرب طربا غريبا إذا رأى في ~~خياله أنه سيقيم حلقة الذكر في هذه المدينة التي استعصت على أبيه ولكنها لن تستعصي ~~عليه. # ولم يتحدث الشيخ بشيء من هذا إلى أصحابه حين ~~ذكرهم أنه وجد هذا العمل واختار له خالدا، وإنما ذكر مزايا هذا العمل الجديد وحاجة ~~خالد إلى اتساع الرزق؛ فقد أصبح صاحب أسرة ضخمة له بنون وبنات، وينبغي أن يلتمس لهم ~~من رزق الله، ولمح تلميحا خفيفا بأننا قد نزور خالدا بين حين وحين، فرضى أصحابه، ~~وحمد بعضهم للشيخ هذا السعي الحسن، ووجد بعضهم على الشيخ في دخيلة نفيسه؛ لأنه لم يجد ~~إلا خالدا يؤثره بهذا العمل الذي يغل على صاحبه خيرا كثيرا، فأما علي ومسعود فقد ~~سمعا ورضيت قلوبهما وابتهجت نفوسهما، وشكرا للشيخ عطفه وحبه: يشكره علي باسما، ~~ويشكره الحاج مسعود ودموعه تنهل، ويجد الشيخ ما يرضيه من بكاء هذا وابتسام ~~ذاك. # وعاد علي ومسعود إلى أهلهما حين تقدم الليل، وأصبح خالد فغدا إلى عمله في المحكمة، ~~فلما عاد إلى أهله رأى في داره اضطرابا واختلافا، فلما سأل عن ذلك أنبأته «مني» ~~وهي تضحك بأن الشيخ قد وجد له عملا آخر في مدينة أخرى من مدن الإقليم، وأن أمها ضيقة ~~بهذا الانتقال رافضة له؛ لأنها لا تحب أن تفارق ابنتها ولا أن تفارق حفدتها، وإنما ~~تريد أن تراهم متى شاءت، تريد أن تراهم مصبحة إن أعجبها أن تراهم مصبحة، وأن تراهم ~~ممسية إن أحبت أن تراهم آخر النهار، وأن يزوروها إن أرادوا وتستزيرهم هي إن أرادت. ~~فأما هذه المدينة التي يسافر المسافر إليها على ظهور ms096 الخيل أو الإبل أو الحمر أو ~~في هذا القطار البغيض، فليس لها فيها أرب، لن تأذن بأن يفرق مفرق بينها وبين ابنتها، ~~وحسبها بالموت مفرقا للمحبين. فإذا ذكر لها ارتفاع الراتب وكثرة ما سيصيب ابنتها ~~من الخير سخرت من ذلك ورفعت له كتفيها وقالت: ما حاجة خالد إلى ارتفاع الراتب وإلى ~~هدايا الناس والخير عندنا كثير! وهل شكا خالد أو أحد من أهله تقتيرا في الرزق أو ~~ضيقا في ذات اليد؟! فإذا ذكر لها أن الشيخ هو الذي وجد هذا العمل واختار له ~~خالدا، أخذها غيظ شديد، وقالت: إن أتباع الشيخ كثيرون، منهم الشباب والكهول ~~والشيوخ، فما باله لم يختر إلا خالدا؟ خلوا بيني وبين الشيخ، فلئن لقيته لأغيرن ~~من رأيه، فإن لم أستطع فسأعصي أمره مجاهرة له بالعصيان؛ أفتظنون أني أخاف الشيخ أو ~~أفرق منه؟! لقد رأيته صبيا يدرج، ولقد لاعبته وداعبته قبل أن يبلغ العاشرة من عمره؛ ~~اتخذوه لكم شيخا؛ فأما شيخي أنا فقد مات، ولو كان حيا ما فرق بيني وبين ~~ابنتي. # وكان زوجها يحاول إرضاءها عن اختيار الشيخ، يلطف لها حينا ويعنف بها حينا آخر، فلا ~~يبلغ منها شيئا. فلما ارتفع الضحى، أقبلت إلى ابنتها ثائرة تريد أن تنتقل إليها ~~الثورة، عصية تريد أن تحملها على العصيان، ولكنها تحدثت وتحدثت إلى ابنتها، فلم تر ~~فيها ميلا إلى الثورة، ولا استعدادا للعصيان، فلما سألتها مغيظة عن رأيها، قالت ~~«منى» في صوت هادئ مضطرب بعض الشيء: ومتى كان لي في مثل ذلك رأي؟! إنما الرأي لخالد، ~~فأنا مقيمة إن أقام، ومرتحلة إن ارتحل، هنالك تحولت ثورة الأم فجأة إلى حزن عميق، ~~فانحازت إلى زاوية من زوايا الحجرة التي كانت تتحدث فيها إلى ابنتها، وأغرقت في بكاء ~~صامت متصل. # ولو كشف للناس عما كان في قلبها إذ ذاك لرأوا فيه شيئا من خيبة الأمل والاستعداد ~~للإذعان؛ فقد رأت من زوجها إصرارا، ومن ابنتها إيثارا لطاعة الزوج، وماذا تستطيع أن ~~تصنع وحدها أمام هذه القوى التي تكاثرت وتظاهرت لا تريد ms097 إلا أن تفرق بينها وبين ~~ابنتها؛ ومتى لقيت من الحياة خيرا؟! أما زوجها فمشغول بشيخه وتجارته، وأما بناتها ~~فلا تكاد إحداهن تتزوج حتى تنسى كل شيء وكل إنسان إلا زوجها وبنيها، وماذا تنكر ~~عليهن وهن لا يزدن على أن يسرن سيرتها! فقد نسيت هي دارها وأمها منذ زفت إلى الحاج ~~مسعود؛ فلم لا تنسى «منى» دارها وأمها منذ زفت إلى خالد، ثم تنجم في قلبها الساذج ~~عاطفة مؤلمة تشبه الغيرة وما هي بالغيرة؛ فهي لم تلد لزوجها إلا بنات، وهؤلاء ~~بناتها يلدن لأزواجهن البنين، فهن أحسن منها حظا، وأعظم منها نصيبا من الخير، وآثر ~~منها عند أزواجهن، ولو أنها ولدت للحاج مسعود غلاما أو غلامين لكانت له معها سيرة ~~غير سيرته هذه، ثم تلوم البائسة نفسها على ما ساورها من سوء الظن بزوجها، وهو الذي لم ~~يقدم إليها إلا خيرا وبرا، وهو الذي لم يفكر في أن يدخل عليها ضرة لعلها تلد له ~~غلاما، بل هو الذي لامها أشد اللوم وعنفها أشد التعنيف وأنذرها بأنه سيشكوها إلى ~~الشيخ حين ألحت عليه منذ سنتين في أن يتخذ زوجا ثانية لعلها تلد غلاما، فما ينبغي ~~أن يئول أمر هذه الدار إلى البنات وأزواجهن من الغرباء، وكانت جادة في هذا الإلحاح، ~~وكانت قد اختارت للحاج مسعود بنفسها فيما بينها وبين نفسها زوجته الثانية، ولكن الحاج ~~مسعود كان جادا في رفضه وجادا في إنذاره بأن يرفع أمرها إلى الشيخ، وقد زاد حبه ~~لها منذ تلك المحنة، واشتد عطفه عليها، حتى لقد كان يصطحبها معه إلى الحج إيثارا ~~لها بالخير وكراهية لفراقها؛ فما ينبغي أن يسوء ظنها به أو يفسد رأيها فيه، وما ~~ينبغي لها إلا أن تطيعه وتذعن لأمره، إنه سيفرق بينها وبين ابنتها؛ فليكن ما يريد، ~~فلولا أن الله قد كتب ذلك لما خطر هذا الخاطر للشيخ، ولما ألح فيه الحاج مسعود، ~~وهل خلق النساء في هذه الحياة إلا لطاعة الأزواج والإذعان للقضاء المكتوب؟! # فلما عرف خالد ذلك تردد ساعة بين الرضا والسخط، ms098 ولكنه لم يلبث أن اطمأن إلى الرضا؛ ~~فهو لم يتعود أن يخالف عن أمر الشيخ، وهو مدين بما في حياته كلها من خير وشر للشيخ ~~ولأبيه، فأما الشيخ الكبير فقد زوجه نفيسة وأذاقه ثمرة البؤس، ولكنه خطب به ~~«منى»، وأما الشيخ الشاب فقد زوجه منى وفتح له أبوابا من الخير، # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ~~أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ~~ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ~~. # وهو يقبل مع امرأته على حماته يسليانها ويعزيانها ويترضيانها، حتى تظهر الرضا ~~وفي نفسها إذعان، ولكنه إذعان ساخط مغيظ. # فإذا قص خالد أمره على أخيه وصديقه سليم، قال له هذا ضاحكا: لم تنبئ بأمرك جاهلا! ~~فقد علمت منه مثل ما تعلم، وقد سررت له وحمدته للشيخ وإن كنت لأضمر له حبا عميقا، ~~وأكاد أندم على أني لست من أتباعه وشيعته، فلو قد كنت منهم مثلك لجاز أن يجد لي ~~عملا كالذي وجده لك، يبسط لي في الرزق ويخرجني من هذه المدينة التي أخذت أبغضها ~~أشد البغض وأضيق بأهلها أشد الضيق. قال خالد أتحب أن أكلمه في ذلك؟ قال سليم: لا ~~تفعل! فإني لم أحسن رعاية حقه، ولا أراني قادرا على أن أستأنف معه سيرة جديدة؛ فقد ~~ألحقني أبوه بعملي كما ألحقك بعملك، فوفيت أنت للرجلين، ووفيت أنا للشيخ الكبير ~~وقصرت في ذات الشيخ الصغير، وماذا تريد أن أصنع؟ لقد لاعبته صبيا، وداعبته وخاصمته ~~شابا، فكيف تريدني على أن أرى فيه الآن شيخا له فضل أبيه، أتراني أستطيع أن أدين ~~لك بمثل ما تدين به للشيخ، وإنما نحن أتراب، لعبنا معا، ونشأنا معا، ثم افترقت بنا ~~طرق الحياة، فأصبح هو شيخ طريق، وأصبحت أنا كاتبا في المديرية، وأصبحت أنت كاتبا ~~في المحكمة، أستغفر الله، بل موظفا في الدائرة السنية يقبض في آخر الشهر ثمانية ~~جنيهات لا أربعة. قال خالد وهو يضحك: صدق الله العظيم: # من ~~يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا ~~. ثم ms099 سكت خالد حينا ثم قال: ولكني غير مطمئن إلى هذا ~~الانتقال كل الاطمئنان. قال سليم: لا تكن محمقا، راتب ضخم، وخير كثير، وفراق لهذه ~~المدينة، ورضا الشيخ، ماذا تريد أكثر من ذلك؟! وهم خالد أن يتكلم، فمضى سليم في ~~حديثه قائلا: لا تهتم لنفيسة وابنتيها، فسأرعاهن بعد سفرك كما ترعاهن أنت الآن، وأنت ~~تعرف بر زبيدة بهن وحبها لهن، أليست جلنار خطب سالم؟! قال خالد وهو يضحك: وصلتك رحم! ~~فما كنت أشك أنك ستقوم مقامي منهن. قال سليم: ولكن ذلك لن يعفيك من أن ترزقهن وتعين ~~أباك. قال خالد: وهل في ذلك شك؟ سأيسر عليهن في الرزق، وسأضعف لأبي معونته. ~~ولم تمض أسابيع حتى كان خالد قد استقر في مدينته تلك النائية القريبة، واستأنف عمله ~~الجديد، ثم لم تمض أشهر حتى كانت «منى» قد رزقته غلاما رابعا. # | الفصل الحادي والعشرون # قال سليم وهو مغرق في الضحك - وكان قد جاء زائرا لخالد وأسرته: ماذا تريد؟ لقد أصبحت ~~تلك الناحية من دار أبيك بيمارستانا، وأصبحت زبيدة ممرضة لإحدى المجانين، فأما نسيم ~~فقد أمرتها أن تعزل الصبيتين وأن تعنى بهما، وألا تجعل بينهما وبين أمهما سببا حتى ~~تنجاب عنها هذه المحنة، وأظنك توافقني على أن الدور لم تقم ليمرض فيها المجانين؛ ~~فللمجانين دارهم الخاصة في القاهرة، وأظنك توافقني أيضا على أن زبيدة ليست هي التي ~~تحسن رعاية المجانين والقيام عليهم، فأطعني يا بني، ولنرسل نفيسة إلى حيث ينبغي أن ~~تقيم. # قال خالد وفي عينيه دمعتان تريدان أن تسقطا ولكنه يعلقهما بين جفونه في شيء من ~~الجهد: حاش لله! لن يكون هذا وأنا حي، ماذا أقول لعبد الرحمن وزوجه إذا التقينا في ~~الآخرة؟! وماذا أقول للشيخ إذا سألني عن العهد الذي أعطيته على نفسي؟ وكيف أرضى ~~لابنتي أن يقال إن أمهما قد اضطرت إلى مستشفى المجانين؟! # قال سليم في شيء من الجد: وماذا تريد أن تصنع إذا؟ فإن حال نفيسة لا تطاق، ولا ~~سبيل إلى تمريضها حيث هي الآن. وهم خالد أن يجيب ، ولكن ms100 «منى» سبقته إلى الحديث، ~~فقالت: إنما مكان نفيسة هنا في هذه الدار، أقوم عليها أنا ومن معي، ويرعاها أبو ~~ابنتيها من قريب كما كان يرعاها قبل أن ينتقل إلى هذه المدينة. قال الرجلان معا: ~~أوتفعلين؟ قالت مني: ولم لا؟ سأتخذ ابنتيها ابنتين لي، وقد رزقني الله أربعة غلمان ~~ولم يرزقني بنتا واحدة. قال سليم وعلى ثغره ابتسامة راضية وفي صوته حنان لم يعرف ~~منه: بل تتخذين ابنتيها أختين لك، فما أرى أن الفرق بينك وبين سميحة عظيم. أما خالد ~~فقد عجز عن ضبط نفسه فأرسلها على سجيتها، وعن إمساك دموعه ففرق ما بين جفونه، وإذا هو ~~ينتحب، وإذا دموعه تنهمل على خديه انهمالا. # فلما رأى سليم ذلك من أمره عاد إلى المألوف من عنفه الظاهر وجفوته البادية، فأغرق في ~~الضحك وهو يقول: ما رأيت كاليوم رجلا يشبه النساء وامرأة تشبه الرجال، انظر أيها ~~الأحمق إلى امرأتك وتعلم منها كيف يكون لقاء المحن؟! وكيف يكون الثبات للخطوب؟! ألا ~~تستحيي أن يدخل بنوك وأن يروك في هذه الحال! ثم التفت إلى «منى» وهو يقول: جففي له ~~دموعه أو ابغيه منديلا يجفف به هذه الدموع، ولكنكما لما تسألاني كيف كان بدء هذه ~~القصة التي انتهت بنفيسة إلى ما هي فيه؛ فإن هذه القصة مؤلمة حقا، ولكن فيها مع ~~ذلك كثيرا من الغرابة وكثيرا من الفكاهة أيضا. قالت منى: من الفكاهة؟! قال سليم: ~~نعم من الفكاهة. أتعرفين من دفع نفيسة إلى هذه الحال؟ قالت منى: من دفعها إلى هذه ~~الحال؟ قال سليم: أتذكرين أم رضوان أم لعلك نسيتها؟ قالت منى: أم رضوان! وكيف أنساها، ~~ولم يبعد عهدي بها بعد. قال سليم: فهي التي فتحت لنفيسة هذا الباب المنكر الذي لا ~~نعرف كيف نخرجها منه. قالت منى: وكيف ذاك؟ # قال سليم وهو يلتفت إلى خالد: إنك لتعرف دار أبيك في ذلك اليوم من الشهر حين يهيأ ~~الخبز، وإن أم رضوان هي التي تخبز لهم، فتذكر إن كنت ناسيا، كيف يكون الاستعداد لهذا ~~اليوم: لا تكاد ms101 الشمس تجنح إلى مغربها حتى تكون إحدى نساء الدار مشغولة بإعداد ~~الخميرة، فإذا تقدم الليل شيئا تعجل النساء نومهن ونامت في الدار أم رضوان، فلم ~~يذقن النوم إلا غرارا؛ فهن ينهضن إذا انتصف الليل أو قارب ثلثيه، وهن يسرعن إلى ~~عجينهن ينفقن فيه الساعة أو أكثر من الساعة، يتنافسن فيما يبذلن من جهد، لكل واحدة ~~منهن وعاؤها الذي تعجن فيه، حتى إذا أتممن ذلك وفرغن من تنافسهن وما يكون بينهن من ~~حديث يهمسنه همسا أو غناء يخافتن به مخافة أن يصل إلى آذان الرجال، والجاهلات مع ~~ذلك لا يلحظن أن ما يحدثن من الصوت في أوعيتهن كاف لإيقاظ المغرقين في النوم العميق، ~~ولكنهن لا يتحدثن إلا همسا، ولا يتغنين إلا إسرارا، فإذا فرغن من عملهن ثبن إلى ~~مضاجعهن يلتمسن فيها علالة من نوم ريثما يرتفع العجين، وتنهض إحداهن قبل صاحباتها ~~لتحمي التنور، فتمتلئ القاعة وهجا، وتمتلئ الدار دخانا، ويهب أهل الدار مع ~~الفجر: فأما الرجال فيصلون ويتعجلون قهوتهم، ويغدون مع الطير، وأما النساء ~~فيسرعن أو يبطئن إلى قاعة التنور؛ فهن قد اتخذنها موعدا للقاء. هنالك تجلس أم ~~رضوان إلى جانب الفرن لتنضج الخبر ترقصه على مطرحتها حينا ثم تدفعه إلى التنور ~~دفعا، ثم لا تلبث أن تخرجه بغصنها ذاك اليابس من سعف النخل، وما تزال ترقص رغيفا ~~وتخرج رغيفا حتى يرتفع الضحى والنساء من حولها يداعبنها ويتلاغطن بأحاديث مختلفة، ~~فيها الجد وفيها الهزل وفيها الشكوى وفيها المؤاساة. # قال خالد وقد كاد يرد إلى صباه: فما شأن هذا كله وما نحن فيه؟ قال سليم: شأن هذا ~~كله وما نحن فيه، أن نفيسة كانت بين النساء في قاعة التنور، فقصت أم رضوان قصة ~~سمعتها نفيسة فصدقتها وهمت أن تحققها، فلما ردت عن ذلك بعد جهد أصابها ما هي فيه ~~الآن. قال خالد: وما قصة أم رضوان هذه؟ قال سليم: كان النساء يتجاذبن أحاديث الجن ~~وأحاديث الجنيات خاصة حين يظهرن إذا تقدم الليل ويرقصن في ضوء القمر. فقالت أم ~~رضوان: لقد رأيت في ms102 قريتنا أمرا عجبا، رأيته بنفسي فلا أستطيع أن أكذبه، ولو حدثني ~~به أحد غيري لرفضته كل الرفض. قال النسوة: وماذا رأيت يا أم رضوان؟ قالت: إني أخاف أن ~~أقص عليكن ما رأيت. قال النسوة: بل قصيه علينا. وألححن في ذلك وفي نفوسهن ثقة بأن ~~أم رضوان لم تر شيئا، ولكنه الشوق إلى القصص والرغبة في الشعور بالخوف وهذه اللذة ~~الغريبة التي يجدنها في إثارة الفزع في نفوسهن. # قالت أم رضوان: كنت أخبز في قريتنا لجارة لنا ذات مساء كما أخبز الآن، وكانت صاحبة ~~الدار أم عثمان جالسة معي بين أتراب لها وجارات، وكنا نتحدث كما نتحدث الآن، وإذا ~~امرأة من أهل القرية تدخل علينا متفزعة متفجعة، فإذا سألناها عما بها زعمت لنا أنها ~~خرجت مع صاحباتها من آخر الليل يملأن جرارهن، وإنهن لعائدات يغنين في صوت خافت ~~يستأنسن بالغناء من وحشة الليل، وإذا هن يسمعن أصواتا لا يكدن يتبينها، ~~فيصغين ويمددن أبصارهن فيرين نساء يلطمن وجوههن وهن يتغنين بمثل ما تتغنى به ~~النادبات، فيقلن: # يا ساريات في السحر # يسعين في ضوء القمر # إذا بدا الصبح الأغر # فقلن يا نشر الزهر # إن أبا يحيى عمر # أصابه سهم القدر # فهو صريع محتضر # هل لك فيه من وطر # قالت أم رضوان: ولم تكد هذه المرأة تتم حديثها حتى رأينا أم عثمان قد ثارت مولولة، ~~فنقضت شعرها، ومزقت ثيابها، وجعلت تلطم وجهها، وتضرب صدرها، ونحن نحاول أن نردها ~~إلى الهدوء ونسألها عن أمرها، ولكنها بعد حين تثوب إلى نفسها قليلا وتقول لنا في صوت ~~يقطعه الشهيق، أنا نشر الزهر وعمر أبو يحيى هو أخي! اقرأن تحيتي على زوجي واستوصين ~~بعثمان خيرا؛ فلا بد من أن أرى أخي قبل أن يموت، وما أراني أدركه، ولعلي أعود ~~إليكن وإلى زوجي وابني إذا انقضت أعوام العزاء؛ فالعزاء عندنا لا يكون في الأيام ولا ~~في الأشهر، وإنما يكون في الأعوام الطوال. قالت أم رضوان: وكدنا نظن بصاحبتنا ~~الجنون، ولكن ما راعنا إلا أن رأيناها تقذف نفسها في التنور، ms103 فلا نرى لها أثرا ولا ~~نسمع لها حسا، كانت جنية تمثلت لأبي عثمان امرأة فتزوجها وولدت له ابنه عثمان، ~~ثم جاءها النبأ أن أخاها يحتضر فأسرعت للقائه قبل أن يموت، وسلكت إليه أقرب ~~الطرق وهو التنور حين يكون ملتهبا، والجنيات يألفن التنور؛ ولذلك لا ينبغي أن يحمى ~~التنور دون أن يذكر اسم الله عند إشعال النار، فإن ذلك يطرد منه الشياطين، ويؤذن ~~المسلمات بأنه سيحمى فيخرجن منه قبل أن يدركهن شيء من النار. # ولم تكد أم رضوان تبلغ هذا الموضع من حديثها والنساء يسمعن لها مرتاعات ملتاعات، منهن ~~من تمسك الشهيق ومنهن من تدفعه، حتى ثارت نفيسة كأنها الجنية قد نثرت شعرها وقدت ~~ثوبها وأخذت تعول إعوالا متصلا، وتلطم وجهها، وتضرب صدرها، وهي تصيح وا أبتاه وا ~~أماه! ثم تدفع نفسها إلى التنور تريد أن تدخل فيه لتسلك أقرب طريق إلى أبويها، كما ~~دخلت فيه أم عثمان لتسلك أقرب طريق إلى أخيها. هنالك يفيق النساء من خوفهن المتكلف ~~وفزعهن المصطنع ويتكاثرن على نفيسة فيرددنها عن التنور بعد جهد، ثم يحملنها في مشقة ~~شاقة إلى حجرتها، وهي تضطرب بين أيديهن، تلطم هذه وتخمش تلك، وهن على ذلك جاهدات في ~~حملها حتى يبلغن حجرتها، وقد سبقت إحداهن إلى أبيك وهو ذلك الصباح في غرفة أم خالد ~~مغرق في صلاته ودعائه، فإذا دخلت عليه وأنبأته النبأ، أسرع ساخطا إلى حجر نفيسة. ~~حتى إذا رآها ثائرة فاترة لا تستقر ولا تدع من حولها يستقر، دنا منها يريد أن يضع يده ~~على رأسها وهو يقرأ في صوت مرتفع: # قل أعوذ برب الناس ~~* ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي ~~يوسوس في صدور الناس * من الجنة ~~والناس ~~، ولكنه لا يكاد يبلغها حتى تهب كأنها الشيطان مندفعة ~~إليه في عنف آخذة بلحيته أخذا شديدا والشيخ يتراجع فزعا جزعا، وهو يلعن الجن ~~والإنس جميعا. حتى إذا بلغ باب الغرفة قرأ آية الكرسي واستغفر الله العظيم، ثم التفت ~~إلى النساء وقال أوثقنها إن استطعتن ودعنها حتى تهدأ، ms104 فلا بد من أن يدركها الإعياء ~~بعد حين. # وقد وفق النساء لإنفاذ أمر الشيخ، ثم تركن نفيسة موثقة في حجرتها معولة تدعو ~~أباها وأمها، وتلعن الذين منعوها من أن تسلك إليهما طريق التنور، وامرأة قائمة من ~~الغرفة غير بعيد تلحظها خائفة وهي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وينتهي الأمر إلى ~~زبيدة فتسرع إليها، وما تزال بها حتى ترد إليها شيئا من هدوء بعد أن ردت ~~إليها حريتها داخل الحجرة، وهي منذ ذلك اليوم تلزمها لا تكاد تفارقها إلا ريثما ~~تعود إليها بعد أن تعنى بما يمكن أن تعنى به من شئون البيت. أفترين أنك قادرة ~~على أن تسكنيها في دارك وتمنحيها ما تحتاج إليه من الرعاية؟ قالت منى: نعم! يجب أن ~~تأتي وأن تقيم معنا، وأنا واثقة بأنها ستترك المرض وراءها في مدينتكم تلك؛ فقد كانت ~~هذه المدينة عليها شؤما. # وحملت نفيسة بعد أيام إلى دار خالد في مدينته تلك متعبة منهوكة القوى. ولكن «منى» ~~عرفت كيف ترعاها، وترفق بها، وتتلطف لابنتيها حتى رد إليها شيء من عافية، فأقامت ~~في الدار ما شاء الله أن تقيم حية كالميتة، ميتة كالحية، وشبحا على كل حال، لا يكاد ~~من يراها يظن أنها كانت امرأة وأنها كانت أما. # | الفصل الثاني والعشرون # وستضعف الأسباب بيننا وبين المدينة التي نشأ فيها خالد ونشأت فيها أسرته، والتي نشأ ~~فيها علي وأسرته أيضا، والتي أقام فيها الشيخ الكبير وخلفه عليها ابنه الشيخ الشاب، ~~ستضعف هذه الأسباب وترث حتى توشك أن تنقطع؛ لأنها قويت بين خالد وبين مدينته ~~التي استقبل فيها الحياة؛ فقد استقر خالد في وطنه الجديد حتى أصبح من أهله، واتصلت ~~المودة بينه وبين أهل المدينة وأهل القرى المجاورة، وأخذت زياراته هو لمدينته تقل ~~وتتباعد، وأخذت زيارات أهل المدينة له تقل وتتباعد أيضا، وجعل الشيخ يمر ~~بالمدينة في طريقه إلى الصعيد فيقيم فيها اليومين أو الثلاثة، ويمر بها في عودته ~~إلى مدينته فيقيم فيها اليوم والليلة، لا يلقى من أهلها كيدا، بل يلقى منهم تجلة ~~وتكريما؛ ms105 لأنه ضيف خالد، ولأن إلمامه بالمدينة عيد للفقراء والأغنياء جميعا، وجعل ~~أبو خالد يزور ابنه في الشتاء كل عام، فينفق عنده الشهر أو الأشهر كريما موفورا ~~ناعم البال، وجعل الحاج مسعود يزور ابنته مرتين في العام لا يقيم في كل مرة إلا ~~الأسبوع يحملونه عليه حملا، ثم يعود إلى داره وشيخه وماله. # واطردت أمور القوم على هذا النحو، والأيام تمضي والأيام تجيء، والصبية يكبرون، ~~والكهول يشيخون، والشيوخ يسعون إلى الهرم أو يسعى إليهم الهرم، ومن أولئك وهؤلاء من ~~يدركه الموت في إبانه أو يختطفه قبل أوانه، ليكون البكاء والحزن ثم يكون العزاء ~~والسلوة، فقد ماتت زبيدة ولما تتقدم بها السن، وتركت لزوجها ابنيها سالما وعليا، ~~فحزن سليم وبكى، ثم تعزى سليم وسلا، واتخذ له زوجا ثانية وثالثة، وكاد يسلك طريق ~~عمه الشيخ لولا أن الحوادث أدبته فأحسنت تأديبه، ولولا أنه كان يلقى من زوجيه ~~نكرا أي نكر، ولو استطاع لطلق إحداهما، ولكنه كان يكره الطلاق، ويشفق على زوجيه ~~أن يصيب إحداهما المكروه إن تحولت عن داره، فكانت عشرته لهما محنة، ويحتسب ما كان ~~يلقى منهما عند الله ويقول لصديقه وأخيه خالد: كل امرئ يجاهد كما يستطيع: شيخك يجاهد ~~بالحج في كل عام، فيكسب منه مالا وثوابا إن أراد الله أن يثيبه على مثل هذا الحج، ~~وأنت تجاهد في تربية أبنائك وتعليمهم، تتكلف في ذلك ما لا تطيق، وتسلك بهم طريقا لم ~~تسلكها أنت؛ لأن أباك لم يدفعك إليها، ولأنه لم يفكر في أن يجعلك خيرا منه كما ~~تفكر أنت في أن يكون بنوك أحسن منك حالا، وأنا أجاهد في احتمال الشر ولقاء الضر من ~~امرأتي، تسوءانني في كل يوم وأسوءهما من حين إلى حين، وتلقيانني بالنكر من القول ~~والشر من العمل، فأصبر على ذلك ما وسعني الصبر، حتى إذا لم أطق عليه صبرا عمدت إلى ~~العصا، فشفيت بها نفسي من جسم هذه أو جسم تلك، وقد يبلغ الغضب بي أقصاه، فأقرنهما في ~~حبل واحد، وما أزال أعمل فيهما السوط أريحه ms106 من هذه لأتعبه مع تلك حتى تتوبا وتثوبا ~~وتعتنقا والعذاب ينصب عليهما انصبابا، فإذا رفعت عنهما السوط وأطلقتهما من الحبل لم ~~تهدآ، إلا ريثما تستأنفان ما كان بينهما من الشر، فتعود الدار جحيما، وأذوق أنا فيها ~~العذاب الأليم. # قلت لك: كل امرئ يجاهد كما يستطيع، ولست أشك في أن حظي من رضوان الله لن يكون أقل ~~من حظك؛ لأني أحتمل مثل ما تحتمل من الألم، بل أكثر مما تحتمل من الألم، وأحمل نفسي ~~على مثل ما تحمل نفسك عليه من الجهاد، بل على أكثر مما تحمل نفسك عليه من الجهاد. ~~وكان خالد يسمع هذا الحديث فيبسم له، ويظهر إقراره، ثم يعود به على امرأته فيضحكان من ~~بعضه ضحكا كثيرا، وينكران بعضه الآخر إنكارا شديدا، والشباب والصبية من أبنائهما ~~يسمعون من ذلك ما يسمعون فيضحكون ويقلدون، ويعبثون إذا خلوا إلى أنفسهم أو إلى ~~أمهم، بأبيهم حينا، وبعمهم حينا، وبجدهم الشيخ حينا، وأمهم تسمع فتظهر الغضب وتكتم ~~الرضا، وربما قصت من ذلك على زوجها أطرافا فضحك له وارتاح إليه، وربما استخفى ~~زوجها في بعض الحجرات ليتسمع على بنيه وهم يعبثون بالأسرة ويقلدون شيوخها وكهولها، ~~يقلدونهم في اللهجة، ويقلدونهم في الصوت، ويقلدونهم في حركات الوجه واليدين، وقد ~~يقلدون في التفكير أيضا. وكان الاختلاف بين خالد وسليم قد اشتد وظهرت آثاره واضحة كل ~~الوضوح على مر الأيام وتتابع السنين: فأما خالد فقد أقام في مدينته تلك بين جماعة من ~~الموظفين يختلفون في الطبقة والثروة والثقافة والذوق، وكان خالد طموحا، ولم تكن ~~امرأته أقل منه طموحا إلى الرقي؛ فكان خالد يحرص على أن تكون داره كدار كبار ~~الموظفين، حسنة النظام، جميلة التنسيق؛ نفيسة الآنية والأداة، وكانت امرأته تعينه على ~~ذلك أحسن معونة، وتدبر له ذلك أحسن تدبير، ولم يكن خالد يطمئن حتى يدعو إلى داره كبار ~~الموظفين وأهل الثراء، فإذا رآهم يطعمون وينعمون، ولا ينكرون من أمر الدار شيئا ~~امتلأت نفسه غرورا وفخرا، وعاد على امرأته بذلك يمنحها أخلص الحب، ويثني عليها ~~أجمل الثناء . # وأما ms107 سليم فأقام في مدينته الأولى لم يبرحها، وعلى عمله الأول لم يغيره، وعلى عادته ~~القديمة لم يبدل منها شيئا؛ فكان كل شيء يتجدد من حوله وهو مقيم على قدمه، يكره ~~التطور وينفر من التجديد، ولم يكن له حظ من طموح ولا أمل في رقي، رضي بما قسم الله ~~له، ورأى أنه أبعد آماده وآخر غاياته، فاطمأن إلى نهاره وليله، وإلى ما يلقى في ~~نهاره وليله من حوادث الحياة، وشغل بما كان يلقى من زوجتيه من شر وضر. # وكان إذا ضاق بالحياة أو ضاقت الحياة به في مدينته عمد إلى صديقه وأخيه يزوره، يقضي ~~عنده الأيام، وقد يقضي عنده الأسابيع، يجد في ذلك السعادة والراحة والرضا، وتجد ~~الأسرة في مقامه عندها سعادة وراحة ورضا أيضا، فقد كان كثير العبث بأخيه وأبناء ~~أخيه، يتندر على هذا الترف الذي يتكلفونه؛ فقد كان يرى كل شيء عندهم تكلفا، ~~ويسخر من هذه المكانة التي يرفعون إليها أنفسهم وهم أبناء ذلك الشيخ الذي أنفق حياته ~~في تجارة انتهت إلى كساد، وفي صلاح كاد ينتهي إلى فساد؛ يجلس إلى مائدتهم تلك ~~المرتفعة قد صفت حولها الكراسي، فلا يملك نفسه إلا أن يغرق في الضحك، وأن يذكر ~~خالدا بأيامه تلك القريبة وأيام أبيه حين كانوا يجلسون إلى طعامهم متربعين على ~~الأرض، يغمسون أيديهم في صحافهم إلى الأرساغ، وقد يغمسونها إلى المرافق حين تقدم ~~لهم صحاف الفت والكشك في بيوتهم أو في أعقاب الذكر، وكانت الأسرة تسمع هذا منه ~~فتضحك له ضحكا كثيرا، ربما صرف الصبية والشباب عن طعامهم، وربما أشرق بعضهم ~~بشرابه. # وكانت «منى» تسمع له فتضحك أول الأمر، فإذا أكثر سليم همت أن تظهر غيظها، ولكن ~~سليما يضطرها إلى الضحك حين ينتقل من عمه علي إلى أبيها الحاج مسعود، ذلك الذي أتاح ~~الله له تجارة رابحة وصلاحا متصلا، ولكنه ما زال يجلس على الأرض إذا أراد أن ~~يطعم، وما زال أحب الطعام إليه الثريد والكشك يغمس فيه يده إلى مرفقه: فلا تفخري يا ~~سيدتي، فلم يلدك الترك ms108 ولا أنت بنت المدير. هنالك لا تملك الأسرة نفسها من الضحك ~~والإغراق فيه، وكان سليم أسرعهم إلى الضحك وأبطأهم في الرجوع إلى الجد، لا يسخر من ~~الأسرة وحدها، وإنما يسخر من نفسه قبل أن يسخر من أي إنسان آخر، وكان أشد الأشياء ~~إثارة للغيظ في نفسه أن يرى الأسرة تعاف الماء الكدر وتحرص على أن تروقه في الزير ~~وتقطره في هذه الآنية تضعها تحت الأزيار وتضع فوقها المصفاة؛ كان يرى ذلك فيغتاظ ~~ويهتاج، ويلتفت إلى أخيه وإلى أبناء أخيه وهو يصيح في صوته المرتفع المضحك: آه يا ~~أولاد الكلب، من أين جاءكم هذا العز؟ إنكم لتحرمون أنفسكم خيرا كثيرا، إنكم حين ~~تشربون هذا الماء المصفى أشبه الناس بالذين يشربون اللبن بعد أن استخرج منه ~~الزبد، ثم أسرع إلى الكوز فيغمسه في الزير ويعب فيه عبا شديدا، ويقول: هكذا رأينا ~~آباءنا يشربون؛ لأنهم لم يكونوا من الترك ولا من الأرنئوط. # ولم يكن هذا كل الاختلاف بين الأخوين الصديقين، وإنما كان بينهما اختلاف آخر أبعد من ~~هذا في حياتهما وصلاتهما أثرا، فقد كان خالد يحرص على أن يعلم بنيه كما يعلم ~~كبار الموظفين أبناءهم، لا يكتفي بأن يحفظوا القرآن ويحسنوا شيئا من الكتابة ~~والحساب، وإنما يحرص على أن يرسلهم إلى المدارس ليلووا ألسنتهم بهذه الرطانة ~~الأجنبية، وليلبسوا هذه الأزياء الأجنبية، ولتطلق المدارس عليهم هذه الأسماء التركية: ~~فهمي، وشوقي، وصبحي، وليصبحوا إذا شبوا موظفين كبارا، وأما سليم فكان يضيق بذلك ~~أشد الضيق، ويرى أن أباه لم يرسله إلى المدرسة، وأن جده لم يرسل أباه إلى المدرسة، ~~وأنه قد فر ببنيه من المدرسة فرارا، ويرى أن هذه المدارس لم تنشأ للفلاحين، ~~وإنما أنشئت لأبناء الذوات، وأن أبناء الفلاحين إذا ذهبوا إليها فسدت أخلاقهم وتقطعت ~~الصلات بينهم وبين آبائهم وأمهاتهم، وطمعوا فيما لا يقدرون عليه، وانتهوا إلى فساد لا ~~فساد بعده، وكان يقول لخالد: ألا تنظر لبنيك في هذه الأزياء الضيقة التي لم تخلق ~~لهم، فهم إذا اتخذوها أشبه شيء بالعفاريت! ألا تسمع لهم حين ms109 يتراطنون فيما بينهم بما ~~لا تفهم! ما يدريك! يشتمونك وأنت لا تعي. وكان هو قد أرسل ابنه سالما إلى حذاء ~~يتعلم عنده صناعة الأحذية، وأرسل ابنه عليا إلى خياط يتعلم عنده صناعة الأزياء ~~الأوربية، وكان يقول متضاحكا: قد كبرت يا خالد وكبر أبناؤك، وأصبحتم لنا سادة ~~وأصبحنا لكم خدما، سيصنع أبنائي لأبنائك ما يحتاجون إليه من الأحذية والثياب، ولكن ~~احذر أن يدفعك ذلك إلى البطر، وأن تبخل بجلنار على سالم؛ لأنه حذاء، وأن تبخل بأولى ~~بناتك من «منى» على علي؛ لأنه خياط، ثم يغرق في الضحك وتغرق الأسرة في الضحك معه ~~أيضا. # وكذلك رثت الأسباب قليلا قليلا بين الأسرة وبين المدينة الأولى، حتى أصبح ~~التزاور بين أفراد الأسرة في المدينتين طرفة من الطرف، تشتد فيها الرغبة أحيانا، ~~وتقصر الآمال عن تحقيقها، وكذلك استقلت أسرة خالد قليلا قليلا، حتى أصبحت وكأن لم ~~يكن بينها وبين أصولها في المدينة الأولى عهد، وحتى شغلت بأمورها وخطوبها عن أمور ~~الآخرين وما يعرض لهم من خطوب. # فلندع هؤلاء الآخرين لحوادث الأيام ونوب الدهر تصنع بهم ما تصنع بالناس جميعا، ~~ولنقم مع هذه الأسرة الناشئة التي أخذت تنمو في سرعة؛ فقد نجد في الإقامة معها ما ~~يكفي لإتمام هذا الحديث. # | الفصل الثالث والعشرون # لبثت «سميحة» في دار أبيها عامين لم تلق فيهما إلا خيرا، ولم تذق فيهما إلا هناءة، ~~رغد كثير لم تألفه في عزلتها تلك بين أمها وأختها ونسيم من جهة، وجدها القاسي الجافي ~~الغليظ من جهة أخرى، وفي حياتها تلك التي لم تكن ضيقة كل الضيق ولكن لم تكن واسعة كل ~~السعة، وإنما كانت شيئا بين ذلك، فيه الرخاء أحيانا وفيه الشدة والعسر أحيانا أخرى. ~~في تلك الحياة لم تعرف سميحة حنان الأب ولا حنو الأم، وأنى لها حنان الأب ولم يكن ~~أبوها يراها إلا بين حين وحين، ولم يكن يراها إلا الوقت القصير يبسم لها ويلقي إليها ~~كلمات حلوة لعلها لم تكن تخلو من تكلف، ثم ينصرف عنها وقد ألقى في يدها نصف ms110 القرش أو ~~المليمات، وأنى لها حنو أمها وقد كانت مريضة أكثر الوقت، لا تحفل بابنتيها، وربما ~~نسيت في بعض الأوقات أن لها ابنتين! # وفي تلك الحياة لم تعرف سميحة فرحا ولا مرحا ولا ابتهاجا، وأنى لها ذلك وقد كانت ~~مقصورة أو كالمقصورة على عشرة أختها جلنار، وبين أمها البائسة وخادمها السوداء، لا ~~تكاد تختلط بصبيان الدار من أعمامها وعماتها الصغار؛ فقد كان يحال بينها وبين ذلك، ~~يرى أبوها في مخالطتها لهم شرا عليها، ويرى جدها أن في مخالطتها لهم شرا عليهم، ~~فأما في حياتها الجديدة فقد تغير كل شيء: أمها بائسة سقيمة من غير شك، ولكنها لا تكاد ~~ترى أمها فضلا عن أن تطيل المقام معها، وخادمها السوداء كعهدها تلقاها بابتسامها ~~العابس، ولكن في الدار أشخاصا آخرين وكائنات أخرى وأشياء أخرى لم تكن تألفها من قبل، ~~فالدار فسيحة مترامية الأطراف كثيرة الحجرات واسعة الأفنية، وفيها إخوتها وقد بلغوا ~~الآن خمسة، ويوشكون بعد قليل أن يبلغوا ستة، منهم من شب حتى لم يكد يبقى بينها ~~وبينه فرق في السن والقد، ومنهم من لا يزال صبيا فيه كثير من المرح والفرح، وفيه ~~كثير من الحركة والنشاط، ومنهم من لا يزال طفلا يحبو أو يدرج وهو يقدم لإخوته ضروبا ~~من اللذة وفنونا من المتعة، يوشك أن يكون لهم لعبة لولا أنهم لا يستطيعون أن يعنفوا ~~به أو يقسوا عليه، وفي الدار علتها التي كانت تدعوها خالتها، وهي «منى»، هذه ذات ~~الوجه الطلق، والثغر الباسم، والشباب الغض، والقلب الذي يفيض رحمة وحنانا. وفي الدار ~~خدم رجال ونساء، منهم من يعنى بأمور الدار تنظيفا وتنظيما وتنسيقا وإعدادا ~~للطعام والمائدة، ومنهم من يعنى بهذه الحيوانات التي كانت تقيم مع أهل الدار في ~~أماكن خصصت لها، والتي كانت تمثل ما ألف في المدن والقرى من هذه الحيوانات التي ~~تعاشر الناس وتمنحهم خفض الحياة ولينها، ففي الدار البقر والجاموس، وفيها الحمر ~~والخيل، وفيها الدواجن ذوات الريش على اختلافها. # وقد كان الحاج مسعود قد قضى فيما بينه وبين نفسه ms111 ألا يولد لابنته مولود إلا أهدى ~~إليه شيئا من هذا الحيوان، فلهذا جاموسة، ولهذا بقرة، ولهذا فرسا، وكانت الأسرة ~~تتخذ الدواجن وتستكثر منها؛ فكانت دار خالد خليطا غريبا من دور أهل المدن ودور أهل ~~الريف، وكان هذا كله يملأ الدار حياة صاخبة كثيرة الضجيج والعجيج، كثيرة الحركة ~~والنشاط، مختلفة أنواع العمل. وكان أبناء الدار يجدون في هذا كله اللذة كل اللذة ~~والحياة كل الحياة، ولو تركوا وما يشاءون لما ذهبوا إلى الكتاب ولا إلى المدرسة، ~~ولآثروا أن ينفقوا أوقاتهم يشهدون هذه الحركات الكثيرة المتنوعة، يلوذ بعضهم بالمطبخ ~~حيث يهيأ الطعام وحيث لا يعدم من تلقي إليه طرفة من طرف هذا الذي تهيئه، ويلوذ ~~بعضهم بقاعة التنور حيث يهيأ الخبز وتتخذ ألوان الكعك والفطير، ويقف بعضهم عند هذه ~~التي تحلب البقرة أو الجاموسة، أو عند هذه التي تمخض اللبن، أو عند هذه التي تدعو ~~الدجاج لتلقي إليهن الحب، ولكن خالدا كان قاسيا على بنيه يأخذهم بالحزم في أمر ~~الكتاب والمدرسة، ولم تكن زوجه أقل منه شدة ولا حزما؛ فكانوا يذهبون كارهين إلى ~~كتابهم ومدرستهم، ثم يعودون فرحين إلى دارهم. # وكانت سميحة وأختها بين هذا كله سعيدتين راضيتين قد أنسيتا ما أحستا من ألم أو وجدتا ~~من شظف في حياتهما الأولى، وما كان أحرص سميحة على أن تتصل هذه الحياة الناعمة ~~الفرحة، لولا أن أباها كان بعيد الصوت في مدينتيه الأولى والثانية، متهما بأن له ~~حظا من يسار، متهما أيضا بأن حياته حديثة، فيها كثير من حضارة وترف وتأنق، ~~ولولا أن سميحة نفسها كانت على حظ من جمال يتحدث الناس به في المدينتين، فلم تكد تبلغ ~~الرابعة عشرة حتى خطبها الخاطبون، ولم تكد تبلغ الخامسة عشرة حتى عادت إلى مدينتها ~~الأولى لتزف فيها إلى زوج له شيء من ثراء ومكانة، ولكن له بنين وبنات تركتهم له ~~امرأته الأولى، فاستأنفت سميحة حياة ثالثة لسنا في حاجة إلى أن نعرض لها ولا أن نقص ~~أنباءها؛ فلم تكن هذه الحياة الثالثة إلا حزنا متصلا وعذابا ms112 مقيما، أبناء لا ~~يلمون بالحياة إلا ليسرعوا إلى الموت أو ليسرع إليهم الموت، وثروة تضخم ويطمع فيها ~~أبناء الضرة، وزوج تتقدم به السن فيدركه الضعف قليلا قليلا، ويعظم حظه من الأثرة ~~شيئا فشيئا، ويزداد سخطه على هذه الزوج الجميلة ذات الحسب والنسب، ولكنها على ذلك ~~ميلاد مفقاد، كأن بينها وبين الموت عهدا أن تلد له وأن يسرع إلى بنيها فيختطفهم ~~اختطافا، وقد عرفت سميحة الدموع ولما تتم السابعة عشرة من عمرها، وقد نيفت سميحة ~~على السبعين ولم يعرف أنها أنفقت يوما لم تسفح فيه عبرة ولم تذرف فيه دمعا، إنما ~~كانت حياتها بكاء متصلا: بكاء يأتي من الثكل، وبكاء يأتي من قسوة الزوج، وبكاء يأتي ~~من كيد أبناء الضرة، وبكاء يأتي من فقد الزوج آخر الأمر، وبكاء يأتي بعد هذا كله من ~~سيرة من سلم لها من البنين والبنات ومما كان يختلف على حياتهم من ظروف ~~وخطوب. # فأما جلنار فقد ظلت الفتاة الوحيدة في هذه الأسرة بين إخوتها الشباب والصبية ~~والأطفال، وبين أمها السقيمة، وعلتها الكريمة، وأبيها الرحيم، وكانت تجد في حياتها ~~النعمة كل النعمة، ولكنها لم تكن تجد في حياتها الرضا كل الرضا؛ فقد كانت تعرف قبح ~~وجهها وترى دمامة صورتها، فتكره ذلك وتضيق به، ولم يكن الشباب من إخواتها يتحرجون من ~~التندر عليها والسخر منها، يجدون بذلك حينا ويمزحون أحيانا، ويؤذونها به على كل ~~حال؛ وقد كانت فتاة الأسرة، وكان فيها جلد وقوة ونشاط وحب للعمل وسبق إليه؛ فما أسرع ~~ما ألفت الأسرة منها ذلك ورأته لها طبيعة، ثم رأته عليها حقا، ثم رأت تقصيرها فيه ~~ذنبا، فاندفعت الفتاة إلى العمل ثم دفعت إليه، وأي بأس في ذلك وقد كان عملا كريما ~~شريفا! وأي حرج في أن تعنى الفتاة بإخوتها الصغار تحملهم وتنشئهم وتعللهم، وقد ~~شغلت أمهم عنهم بأمور البيت وبمن كان يولد لها من البنين كل عامين أو في أقل من ~~عامين! فهؤلاء الصبية إخوتها، وهي أرأف بهم وأعطف عليهم من الخدم، وأي حرج في أن تعمل ms113 ~~الفتاة مع العاملات في إعداد الطعام وتهيئة الخبز وغسل الثياب! ففي ذلك كله تعليم لها ~~أي تعليم! وهو يعدها أحسن إعداد لتكون ربة البيت يوم يصبح لها بيت، وإذا لم تكن ~~الفتاة جميلة رائعة الجمال ولا حسنة بارعة الحسن، فلا أقل من أن تكون صناعا تحسن ~~الإشراف على أمور البيت والنهوض بأعبائه المختلفة، فليس من المحقق أنها ستجد لنفسها ~~دارا كدار أبيها، فيها الرخاء والثروة، وفيها الخدم من الرجال والنساء، ومن الممكن ~~بل من المرجح أن بيتها سيكون متواضعا متضائلا مقترا عليه في النفقة، فستزف يوما ~~إلى سالم، وهل سالم إلا حذاء يعيش من عمل يده وعرق جبينه؟! فيجب أن تكون زوجه ماهرة ~~في تدبير أمرها، والعناية ببيتها، والقيام على تربية من سيتاح لها من الولد، وقد ~~ألقي في روع الفتاة قبل أن تجاوز الصبا وتبلغ الشباب أنها خطب سالم الآن وزوجه ~~غدا، قد اتفق على ذلك الأبوان خالد وسليم، واتفقت على ذلك نفيسة وزبيدة، وألحت زبيدة ~~في ذلك أثناء مرضها الذي ماتت فيه؛ فليس عنه منصرف، وليس إلى تبديله من سبيل؛ ومن أين ~~يأتي التبديل وقد أصبح هذا أمرا مقررا تراه الأسرتان كما تريان مقدم النهار ومقدم ~~الليل! فكانت الفتاة تتحدث إلى نفسها بهذه الخطبة الواقعة وبهذا الزواج المنتظر، ~~وكانت تفكر كثيرا في هذا الشاب الفتي القوي الجميل المرح، الذي يحسن الدعابة ويؤثر ~~المزاح على كل شيء، والذي كان ينتهز كل فرصة ليزور عمه وأبناء عمه في مدينتهم هذه، ~~فيطيل الزيارة، ويقيم بينهم فيطيل المقام، وربما أسرف في ذلك حتى يدعوه أبوه ~~بالكتاب يتبع الكتاب، وفيه اللوم والتأنيب، وفيه التوبيخ والتقريع، وكانت الفتاة ~~البائسة مستيقنة فيما بينها وبين نفسها بأنها الغرض من هذه الزيارة الكثيرة ومن هذه ~~الإقامة المتصلة؛ فقد كانت تحب الفتى حبا شديدا، وتؤثره على كل إنسان وعلى كل شيء؛ ~~لم تكن تتحدث بذلك؛ فحياء الفتيات وآداب الريف تمنع من مثل هذا الحديث، ولكنها كانت ~~تديره في رأسها مصبحة ممسية، وتستحضره في قلبها أثناء يقظة النهار ونوم ms114 الليل. وكان ~~ذلك يعينها على عملها المتصل المرهق الذي جعل يزداد اتصالا وإرهاقا كلما تعقدت ~~أمور الدار؛ وكانت أمور الدار تتعقد في سرعة مدهشة؛ فقد كثر الأبناء وكثرت حاجاتهم، ~~وعظم أمر الأسرة وكثرة الزائرون لها والملمون بها من الضيف، وجعلت «منى» تخفف شيئا ~~فشيئا من أثقال أعبائها على الفتاة، والفتاة ماضية في العمل، جادة فيه، مخلصة له، ~~تستعين عليه بهذا الحب الدفين، وبهذه الآمال العراض التي كانت تزين لها كل شيء في ~~الحياة إلا وجهها وخلقها؛ فلم يكن إلى تزيينهما سبيل. # وكان حب الفتاة على شدة كتمانها إياه وحفظها له يظهر فجاءة إذا ذكر اسم سالم أو حضر ~~شخص سالم على غير انتظار، هنالك تبرق عيناها، ويضطرب على وجهها المظلم الجهم نور ضئيل ~~لا يلبث أن ينمحي كأنه هذه الأضواء الطارئة الضئيلة التي تنبسط على قطعة من ظلمة ~~الليل لحظة ثم تزول كأنها لم تكن، وكان هذا الحب الكمين يظهر ملحوظا حين يقيم سالم ~~في الأسرة قليلا أو كثيرا؛ فقد كانت الفتاة تلحظه لحظات مختلسة لها معناها، وكانت ~~تتجنب الحديث إليه وتتجنب أن تدعو حديثه إليها، ولكنها كانت تلتهم حديثه إلى غيرها من ~~إخوتها التهاما، تتسمع عليه إذا تحدث إلى رفاقه من بعيد، ثم كانت تؤثره بكثير من ~~الطيبات، وكان لها إلى ذلك مسالك تملأ القلوب رحمة وحنانا؛ فلم تكن تختصه بشيء دون ~~غيره من إخوتها، وإنما كان عطفها على إخوتها وإيثارها إياهم بطيبات المطبخ والتنور، ~~ودعوتها إياهم إلى ما يلهي ويسر، كان هذا كله أكثر حين يزور سالم الأسرة ويقيم ~~فيها، وكانت الأسرة تلحظ ذلك كله فتتمازح به وتداعب الفتاة فيه، وكانت الفتاة تسمع ~~المزاح والدعابة فلا تجيب إلا برفع الكتفين وضحك فيه استهزاء بما يقال، واعتراف في ~~الوقت نفسه بأنه صحيح. # ولم تلق جلنار من خالتها شيئا يسوءها في السر أو في الجهر، وإنما مضت أمورها على ما ~~تحب وعلى ما تحب الأسرة، ولم تكن الفتاة تعنى بأمها عناية كثيرة ولا تلتفت إليها ~~التفاتا خاصا، بل ربما شاركت ms115 إخوتها في مداعبة هذا الشبح الذي لم يكن يعقل كثيرا ~~مما يقال له أو يجري حوله؛ فإذا عقل شيئا وهم أن يتكلم فيه نطق بما يملأ الدار ~~ضحكا، وضحك الشبح نفسه مع الضاحكين، فقد ألفت نفيسة أن تعيش على هامش الأسرة لا ~~تشارك في جدها وهزلها إلا أيسر المشاركة؛ فإن دخلت في شيء من أمر الأسرة أخطأت موضع ~~العمل أو موضع القول، فأضحكت منها وضحكت من نفسها، وعادت إلى عزلتها هادئة مطمئنة، لا ~~يعرف أساخطة هي أم راضية، وأكبر الظن أنها لم تكن ساخطة ولا راضية، وإنما كانت تحيا ~~حياة سلبية من كل وجه؛ تعيش نهارها لا تعمل شيئا ولا تقول شيئا، إنما تدخن، ~~وتشرب القهوة، وتنظر إلى ما في الدار من حركة، وتسمع إلى ما يدور حولها من حديث، تعقل ~~من ذلك أقله وتغفل عن أكثره، وتأوي مع الليل إلى مضجعها لا يدري أحد أتنام فيه أم لا ~~تنام، ولكنها كانت تأوي إليه في ساعة معينة، وتثب منه في ساعة معينة، فأما ما يكون ~~بين هاتين الساعتين فعلمه عند الله، وأكبر الظن أن نفيسة لم تكن تعلم منه إلا قليلا، ~~وقد كانت الأنباء تأتي بأن سميحة ابنتها رزقت غلاما أو صبية، وبأن سميحة ابنتها ~~فقدت هذا الصبي من بنيها أو هذه الصبية من بناتها، وكان هذا كله يقال أمامها فتسمع ~~وكأنها لا تسمع، ثم لا يظهر عليها فرح ولا حزن، إنما هي الحياة الآلية التي لا تترك ~~لصاحبها إرادة ولا تفكيرا، إنما كانت «منى» هي التي تفرح وتحزن لما يصيب سميحة من ~~خير أو شر، وهي التي تسافر لتجامل سميحة أو تواسيها، وربما عادت بسميحة إلى دار ~~الأسرة لتجد فيها عزاء عما أصابها من خطب، أو سلوا عما نزل بها من هم، فإذا دخلت ~~«سميحة» على أمها تلقتها هذه باسمة وقبلتها واجمة، ثم لم تزد على هذا الوجوم الباسم ~~شيئا. # | الفصل الرابع والعشرون # على أن الأمور قد أخذت تتغير قليلا قليلا في الأسرة، وبدأ التغير في قلب «منى » ~~ذات ms116 يوم أو ذات عام؛ فهذه أشياء لا يمكن أن تؤرخ باليوم ولا بالشهر، فقد كانت «منى» ~~تنتظر المولود السابع، وتتمنى أن يكون هذا المولود طفلة، تتحدث بذلك إلى زوجها، ~~فيرفع كتفيه ويهز رأسه؛ لأنه لم يكن يحفل بأن تولد لها صبية أو يولد لها صبي، ولعله ~~كان يؤثر في أعماق نفسه أن يكون ولده جميعا ذكورا، وكانت «منى» تضيق بذلك، وربما ~~اشتدت على زوجها في اللوم حين ترى منه هذا الإعراض عن البنات أو قلة الاكتراث للبنات، ~~وربما قالت له: وما يعنيك من ذلك ولك ابنتان سميحة وجلنار؛ فأنت رجل مجدود وقد رزقت ~~البنات والبنين جميعا، فما عليك أن أحرم أنا هذه النعمة؛ وكان خالد يضحك لهذا ~~الحديث، ولكن «منى» كانت تغتاظ لهذا الضحك، وكانت تقول: إن الصبي لا يكاد يدرج حتى ~~يرسل إلى الكتاب ثم إلى المدرسة ثم يسعى في حياته؛ فأمه تحرم لذة الاتصال الدائم ~~به؛ قبل أن يتجاوز السادسة من عمره، ينصرف عنها إلى درسه ولعبه، ثم إلى عمله وامرأته ~~وبنيه إذا تزوج، فأما الصبية فإنها لا تبرح البيت إلى كتاب أو مدرسة أو عمل، فهي ~~معاشرة لأمها دائما، هي متعتها صبية، وصديقتها شابة، وأختها إذا تقدمت بها السن ~~حتى لو تزوجت، وكان خالد يسخر منها فيقول: نعم! أخت لأمها حتى لو تزوجت، كما أنك الآن ~~أخت لأمك بعد أن تزوجت ورزقت البنين! فتجيبه «منى» ثائرة: وهل شغلني عن أمي إلا ~~أنت وبنوك. فيقول خالد وهو يضحك: فستشغل ابنتك عنك بزوجها وبنيها كما تشغلين أنت الآن ~~عن أمك. # ولكن الله حقق لمنى رجاءها واستجاب دعاءها فرزقها صبية، ثم تتابع البنات في الدار حتى ~~بلغن أربعا، نشأتهن جميعا جلنار، ومنذ أصبح لمنى بنات ومنذ أخذ بناتها يسرعن إلى ~~النمو أخذت نظرتها إلى جلنار تتحول قليلا قليلا، وكأن ما أودع الله قلبها من الحنان ~~للبنات لم يكن يسع إلا بناتها هي، فجعلت نظرتها إلى الفتاة تقسو، وجعل صوتها إذا ~~تحدثت إلى الفتاة يجفو، وجعلت معاملتها للفتاة تغلظ من يوم ms117 إلى يوم، والفتاة غافلة عن ~~ذلك أول الأمر، ثم محتملة له بعد ذلك، ثم ضيقة به وصابرة عليه آخر الأمر، وسالم يزور ~~المدينة ويعود منها لا يتحدث في الزواج ولا يشير إليه، وسليم يزور المدينة ويعود منها ~~لا يتحدث في الزواج ولا يشير إليه، وقد كانت «منى» نفسها تتحدث في أمر هذا الزواج ~~قديما فقد أصبحت الآن لا تتحدث فيه ولا تشير إليه، إنما يلمح به الفتيان من شباب ~~الأسرة تلميحا قليلا ضئيلا لا يلبثون أن يكفوا عنه ويخوضوا في غيره من الجد ~~والمزاح، ثم تنسى الخطبة نسيانا تاما، ولا يعرض أحد لهذا الزواج بلفظ أو إشارة، ~~والفتاة ترى وتفكر، وتألم، وتصبر، وتنظر إلى وجهها في المرآة ثم تعكف على نفسها في ~~صمت حزين، ولعلها أن تخلو إلى نفسها إن وجدت للخلوة وقتا، فتعدد وتبكي كما تعدد ~~النساء ويبكين، حتى إذا أحست نبأة أسرعت إلى بكائها فالتهمته التهاما، وإلى دموعها ~~فشربتها حتى تشرق بها، ووثبت مقبلة على بعض العمل كأنها لم تكن في بكاء ولا تعديد، ~~وبمقدار ما كانت سيرة «منى» تتغير مع جلنار كان عطف جلنار على أمها يشتد ويزداد؛ فقد ~~أخذت تعنى بها عناية خاصة في اللفظ واللحظ والإشارة والمعاملة، وكانت في الفتاة جفوة ~~هي خير مظهر من مظاهر الحب والحنان؛ فكانت إذا جفت على إنسان في قول أو عمل دل ذلك ~~على أنها تؤثره بالود الخالص والحب العميق، وقد أخذ حظ أمها يزداد من صوتها الغليظ ~~وألفاظها الجافية ونظراتها الحادة وحركاتها العنيفة؛ فكانت تقدم إليها القهوة إذا ~~أصبحت وكأنما تنهرها نهرا شديدا، وكانت تتحدث إلى أمها في صوتها المرتفع الحاد، ~~فإذا ظلت أمها ذاهلة كعهدها اندفعت إليها عنيفة بها فهزتها هزا شديدا، وهي تقول: ~~إني أكلمك ألا تسمعين! وإذا سمعت فهلا تجيبين! ربما اختطفت من أمها أثناء هذا العنف ~~قبلة سريعة خفيفة لا تكاد تلحظ، وقد صبرت نفيسة على هذا العنف، لم تحسه أول الأمر ولم ~~تلتفت إليه، ولكنه اتصل واتصل، وتكرر أثناء النهار، وتكرر في أول ms118 الليل، وأخذت الأسرة ~~تلاحظ أن في نفس الفتاة شيئا أو أنها تريد من أمها شيئا، ولكن قلوب الشباب قاسيات ~~وقلوب الأمهات أشد قسوة إذا شغلن بولدهن، فلم يحفل أحد من الأسرة بهذا العنف الذي ~~كانت تهديه الفتاة إلى أمها، وما يعنيهم من ذلك! فتاة حمقاء، وأم مجنونة، فليفرغ ~~الشباب لأمرهم، ولتفرغ الأم لبنيها ولبناتها خاصة. # وفي ذات يوم أقبلت الفتاة ضجرة إلى أمها تتحدث إليها عنيفة بها في الحديث، فلما أبطأت ~~الأم في الجواب هجمت الفتاة عليها كأنها الغول تريد أن تلتهم فريستها، فارتاعت الأم ~~شيئا، وهبت من مجلسها مذعورة وأسرعت إليها الفتاة وأخذتها بين ذراعيها دون أن تجد ~~منها امتناعا أو إباء، وتنظر «منى» ومن حولها من بنيها ومن نساء الدار فإذا ~~المرأتان قد اعتنقتا، وإذا دموع غزار تمتزج وتجري على وجهين قبيحين ملتصقين، فأما ~~الشباب فيوشكون أن يضحكوا لولا بقية من حياء وخوف من أمهم، وأما «منى» فلا تملك ~~دموعها أن تنهل، وإذا هي تبكي صامتة، ثم تنهض متثاقلة وتسعى بطيئة حتى تبلغ هاتين ~~المرأتين، فتضع على رأس كل واحدة منهما قبلة مبللة بالدموع، ومنذ ذلك اليوم عاد إلى ~~نفيسة شيء من رشدها، فعرفت أنها أم، وأن لها ابنة بجوارها تدعى جلنار، وابنة أخرى ~~بعيدة عنها تدعى سميحة، عاد إليها شيء من رشدها، ففارقها الذهول، ولكن لم يفارقها ~~بؤس النفس هذا الذي يضطر صاحبه إلى الإذعان، ويلجئه إلى زاوية ضئيلة من زوايا الحياة ~~يلزمها ولا يبرحها، يرى أنها خلقت له وأنه خلق لها، وأن القضاء قد جعلها له قبرا ~~حيا حتى يأتي اليوم الذي ينقل فيه من هذا القبر الذي يدفن فيه الأحياء إلى ذلك ~~القبر الذي يدفن فيه الموتى. # أفاقت نفيسة من ذهولها وعرفت بعض أمرها، ولكنها ظلت ضئيلة ذليلة، تتحرك فكأنها الشبح، ~~وتتكلم فكأنها الصدى، ولكن أي شبح وأي صدى؛ شبح هو الحزن بعينه، وصدى هو إلى الغناء ~~النادب أقرب منه إلى الصوت المألوف، ولكن منذ ذلك الوقت عاد إلى جلنار شيء من ثقة وحظ ~~من ms119 أمل، لا لأنها انتظرت أن تزف إلى سالم، فقد جعلت تيأس من هذا الزواج يأسا ~~يزداد من يوم إلى يوم، ولا لأنها كانت تستطيع أن تلجأ إلى أمها فتبثها ما تجد من حزن، ~~ولكن لأنها كانت تنظر إلى أمها فلا تقابل نظرتها تلك النظرات الغافلة الذاهلة ~~الشاردة، وإنما كانت تقابل نظرات تفهم عنها، وتتحدث إلى قلبها حديثا تفهمه دون أن ~~يدور لسانها في فمها بالكلام القليل أو الكثير، وكان هذا الحظ الضئيل من الحب الصامت ~~يغني هذه الفتاة وينقع ظمأها إلى الحنان، بعد أن فقدت حنان خالتها، وكادت تفقد حنان ~~إخوتها الذين جعلت قلوبهم تقسو، وأكبادهم تغلظ، ونفوسهم تجفو، وذاكرتهم تنسى ما قدمت ~~إليهم أختهم من معروف. # ولم تكن «جلنار» في حاجة إلى أن تبحث عن العلة التي أجلت زفافها إلى سالم ثم ألغت ~~أمر الزواج إلغاء؛ فقد كان يكفي أن ترى وجه أمها وأن تنظر إلى وجهها في المرآة، ~~فيغنيها ذلك عن كل سؤال. # والواقع أن أمر سالم لم يكن يسيرا ولا سمحا، وإنما كان عسيرا لا يخلو من تعقيد، ~~لقد نشأ هذا الفتى ساخطا أشد السخط، يرى أنه تعس سيئ الحظ، لم يكد يخرج من صباه ~~حتى فقد أمه وحتى ذاق مرارة اليتم وعرف قسوة العلات، ثم لم يكد يعقل حتى رأى نفسه ~~يختلف إلى حذاء يعمل عنده في صناعة الأحذية، وكان يرى أبناء عمه يختلفون إلى ~~الكتاب ثم إلى المدارس يتخذون هذه الأزياء التي لا تخلو من ظرف، وعليهم هذه ~~الشارة التي لا تخلو من جمال، وفيهم شيء من أنفة وكبرياء يغريهم بهما ما كانوا يحسون ~~في أنفسهم من امتياز، فأنكر الفتى نفسه في منزله بين هاتين العلتين، وأنكر نفسه عند ~~معلمه ذلك الحذاء، صانعا للأحذية ممارسا أقدام الرجال، وأقسم فيما بينه وبين نفسه ~~ليهجرن دار أبيه متى استطاع، وليهجرن عمل الحذاء متى وجد إلى ذلك سبيلا. وكان أخوه ~~علي يشاركه في هذا كله: يشاركه في الضيق بحياة البيت، وفي الضيق بهذه الصناعة التي ~~يكرهه عليها أبوه ms120 إكراها، وكان الفتيان بعد ذلك يختلفان اختلافا شديدا: فلسالم حظ ~~حسن من ذكاء، ولعلي حظ عظيم من الغباء والغفلة، ومهما يكن من شيء فقد اتفق الشابان ~~على هذا السخط، واشتركا في هذا الضيق، ورأى كل واحد منهما نفسه بائسا مضطهدا، ~~واجتهد كل واحد منهما في أن يلتمس لنفسه مخرجا من هذا البؤس وهذا الاضطهاد. # فأما سالم فقد أحسن صناعته، ثم انصرف عنها، ولما هم أبوه أن يلومه في ذلك أجابه ~~الفتى في حزم قائلا: إنك إنما علمتني هذه الصناعة لأعيش وأكفيك مئونتي، فسأعيش ~~وسأكفيك مئونتي. ثم أخذ يضطرب في حياته كما يضطرب الشاب الذكي الذي يحسن القراءة ~~والكتابة، ولم يحرم يدا صناعا وعقلا يحسن التصرف في الأمور، فجعل يتنقل من عمل ~~إلى عمل يكسب القليل مرة والكثير مرة أخرى، ويدفع إلى أبيه الجنيه أو الجنيهات من حين ~~إلى حين، وقد اطرح زي أترابه، واتخذ زي بني عمه، فأصبح أفنديا مطربشا، ولكنه ~~كان يشعر دائما بالنقص إذا لقي بني عمه؛ لأنه لا يرطن كما يرطنون، ولا يسعى إلى ~~الشهادات كما يسعون إليها، وكان يشعر في الوقت نفسه بالتفوق على بني عمه؛ لأن يده لم ~~تصفر من المال قط، فكان في جيبه من الذهب والفضة ما لم يكن في جيوبهم، وكان على ذلك ~~خراجا ولاجا لا يضيق بشيء ولا يعييه شيء، ولا يعرض له حرج إلا خرج منه، ولا ~~تلم به مشكلة إلا انسل منها كما تنسل الشعرة من العجين، وكان بعد هذا كله طلق ~~الوجه، باسم الثغر، فصيح اللسان، عذب الدعابة، منشرح الصدر، لا يعرف الهم إلى قلبه ~~سبيلا، وما دام قد اجترأ على أبيه مرة فترك صناعة الأحذية واستقل بأمره، فما يمنعه ~~أن يخرج على أبيه مرة أخرى؟! وقد فعل؛ فقال لأبيه ذات يوم: لا أسمعك تحدثني عن جلنار، ~~فإني لم أخطبها ولم يخطر لي قط أن أتخذها لي زوجا. قال سليم: ولكني قد خطبتها لك. ~~قال الفتى: فإني لم أفوضك في ذلك. قال سليم: وقد خطبتها أمك لك . قال ms121 الفتى: ولم ~~أفوضها كما أني لم أفوضك. قال سليم: ولكن أمك قد ألحت علي في هذا الزواج قبل أن ~~تموت. قال الفتى: ألحت عليك أنت ولم تلح علي أنا. قال سليم وقد استيأس من ابنه: أنت ~~وما تشاء! ولكن لا تجهر بذلك حتى أفضي به إلى عمك، وسأجد في ذلك جهدا وألما. قال ~~الفتى: لن أجهر بذلك ولن أسره؛ لأني لا أحفل به، ولا حاجة إلى أن تفضي به إلى عمي، ~~فإني لن أتزوج من جلنار ولا من غيرها. ثم انطلق الفتى وترك أباه مترددا بين السخط ~~والرضا، وأكبر الظن أنه ارتاح إلى خطة ابنه، فلم يكن يحفل بأن يقضي على ابنه بهذه ~~الفتاة الدميمة، فيكون حظه كحظ عمه خالد حين تزوج أمها نفيسة. # وأما علي فلم يقل لأبيه شيئا، ولم يترك صناعة الخياط التي اضطر إليها، ولم ~~يتصرف في أمره كما تصرف أخوه، وإنما كان يذهب إلى معلمه وجه النهار فلا يصنع عنده ~~شيئا، فلما آنس المعلم منه غفلة وكسلا سخره في قضاء الحاجات البعيدة ولم يعلمه ~~شيئا، وكان الفتى إذا أقبل المساء تنقل بين المساجد وحلقات الذكر، يصلي هنا ويذكر ~~هناك، وهو لا يذوق من الذكر ولا من الصلاة شيئا، وكان يلم بدار أبيه فيصيب فيها ~~شيئا من طعام ثم ينصرف إلى حياته الفارغة خارج الدار، فإذا تقدم الليل أقبل فاستلقى ~~على فراشه حتى يصبح فيستأنف حياة البطالة والفراغ، كان كلا على أبيه، كلا على ~~أخيه، ضحكة لبني عمه إذا زارهم، ولم يكن يزورهم إلا قليلا، وكان فرحا دائما لا ~~يأسى على شيء، ولا يفكر في شيء، ولا يستطيع أحد أن يؤذيه بقول أو فعل؛ لأن الأشياء ~~كانت تنزلق على نفسه الملساء دون أن تترك فيها أثرا حسنا أو سيئا. وكان سليم ~~محبا لابنيه ضيقا بهما في وقت واحد؛ ولكنه كان يؤثر سالما؛ لأنه أكبر أبنائه، ~~ولأنه كان كثير النشاط حسن الشارة، يعود عليه بالدينار أو الدينارين من حين إلى حين، ~~فيفرج أزمة أو يعين على حق ، ومع ms122 ذلك فقد كان يحنو على علي حنوا شديدا، يرى فيه فتى ~~ضعيفا ضيق الحيلة، ويرى في الرفق به والعطف عليه والشقاء ببطالته هذه لونا من ~~الجهاد كهذا الجهاد الذي كان يحتمل مشقته بين امرأتيه، وكان مع ذلك مشغولا عن هذين ~~الشابين بعمله وأهله وببنين وبنات ولدوا له، فمضى في تربيتهم كما مضى في تربية سالم ~~وعلي، أسلمهم إلى الصناع، وكان يقول لصديقه وأخيه خالد: ماذا تريد؟ لا ينبغي أن ~~نغالب القدر ولا أن نعاند القضاء، ولا أن نكون جميعا سادة ممتازين، يجب أن يكون ~~أبنائي هملا كأبناء أبيك، وأن تمتاز أنت ويمتاز أبناؤك؛ فحسب الأسرة أن يمتاز فرع من ~~فروعها، ولكن صدقني، إني أراك أحمق مغفلا، تنفق مالك الكثير دون أن تدخر منه شيئا، ~~أليس غريبا أنك لا تملك دارا تقيم فيها! فدارك هذه ملك للحكومة، وستخرج منها يوما ~~من الأيام، وما أظن أنك ستأوي بأهلك وبنيك وبناتك إلى دار أبيك الخربة المهدمة، ~~فأطعني وأرسل إلي جنيها في كل شهر أدخره لك، حتى إذا اجتمعت لي عشرون أو ثلاثون ~~جنيها اشتريت لك قطعة من الأرض، واتخذت لك فيها دارا، أطعني وأرسل إلي جنيها في كل ~~شهر، وأحتجز أنا جنيها في كل شهر أيضا، ونشتري قطعة واسعة من الأرض نقيم عليها ~~دارين متجاورين، إحداهما لك والأخرى لي، فسيتفرق أبناؤك فيما ينتظر لهم من عمل، ~~وسيتفرق أبنائي أيضا، وسيعود كل منا إلى صاحبه في الشيخوخة كما كان كل واحد منا ~~لصاحبه في الشباب. كان يتحدث إليه في ذلك ملحا دائما، يجد حينا ويمزح حينا، وكان ~~يتحدث إليه في أمور كثيرة إلا شيئا واحدا لم يستطع أن يتحدث فيه لا مصرحا ولا ~~ملمحا، وهو هذه الخطبة التي بعد بها العهد، وهذا الزواج الذي كثر تأجيله، وهذه ~~الفتاة التي طال انتظارها ولم يخطبها أحد؛ لأن الناس قد تسامعوا بأنها خطب لابن عمها ~~منذ الصبا؛ لم يكن يجرؤ على أن يعرض لهذا الحديث، فقد كان يعلم علم ابنه، ولم يكن ~~خالد يجرؤ على أن يعرض ms123 لهذا الحديث، فقد كان الحياء يمنعه من ذلك، وكان سالم يمرح بين ~~المدينتين، وربما أتيح له السفر إلى القاهرة، فكان مرحه فيها أكثر تنوعا وأبعد مدى، ~~وكانت الفتاة تعمل وتعمل وتشقى بالعمل، لا يدري أحد أتفكر في خطبها أم لا تفكر، أتشقى ~~بهذا التفكير أم لا تشقى، ولكن المحقق أنها كانت شقية بقسوة خالتها التي كانت تزداد ~~كلما تقدم بناتها نحو الشباب. # | الفصل الخامس والعشرون # ومن الحماقة الحمقاء والجهالة الجهلاء أن يحاول محاول إحصاء الأيام والليالي وهي ~~تتابع ويقفو بعضها إثر بعض، لا يدري أحد متى ابتدأت، ولا يعلم أحد متى تنتهي، وأشد من ~~ذلك حمقا وأعظم من ذلك جهلا أن يحاول محاول إحصاء الحوادث التي تقع في هذه الأيام ~~المتتابعة والليالي المتناصية؛ فليس إلى إحصاء هذه الحوادث من سبيل حين تحدث لفرد ~~واحد، فكيف بها حين تحدث لأسرة كبيرة أو صغيرة؛ وكيف بها حين تحدث لمدينة من المدن أو ~~إقليم من الأقاليم أو جيل من أجيال الناس! فهي متنوعة كثيرة التنوع، مختلفة عظيمة ~~الاختلاف، يعظم بعضها ويجل خطره حتى يصبح له في حياة الفرد والجماعة أبعد الأثر، ~~ويهون بعضها ويدق شأنه حتى لا يحفل به حافل ولا يلتفت إليه ملتفت، وهو مع ذلك خيط ~~مهما يكن دقيقا هين الشأن فله مكانه ذو الخطر في هذا النسيج الذي ينسجه مر الأيام ~~وكر الليالي والذي نسميه الحياة، وقد فطن لذلك الذين يكتبون التاريخ ويسجلون الأخبار، ~~والذين يقصون القصص ويتحدثون بأنباء الماضي، فقال قائلوهم: عاش ما شاء الله أن ~~يعيش، وأقام ما أتاح الله له أن يقيم. وقال قائلوهم: مري يا أيام وكري يا ليالي، ~~فما أسرع ما يكبر أبناء الأحاديث! وليس لهذا كله إلا معنى واحد، وهو أن محاولة إحصاء ~~الأيام والليالي عبث، ومحاولة إحصاء ما يقع فيها من الحوادث والخطوب سخف، فالخير أن ~~نطوي من ذلك كله ما يجب أن يطوى، وألا نقف من ذلك كله إلا عند ما يستحق أن نقف عنده ~~ونفكر فيه. # ونحن مع ذلك لا نحسن ms124 تمييز اليوم ذي الخطر من اليوم الذي لا خطر فيه، ولا التفريق بين ~~الحادثة ذات الأثر البعيد، والحادثة التي ليس لها أثر قريب أو بعيد، وإنما نحن نقدر ~~الأيام والحوادث كما نستطيع وكما يصور لنا العقل والخيال، فأما تقديرها كما ينبغي أن ~~تقدر، وتصويرها كما يجب أن تصور، فذلك شيء أكاد أعتقد أنه أبعد منالا من أن يبلغه ~~طمع الطامعين وطموح الطامحين، والشيء الذي أستطيع أن أقرره وأنا صادق عند نفسي سواء ~~أصدقني القارئ أم لم يصدقني، هو أني تتبعت حياة هذه الأسرة من قرب وفي كثير من ~~العناية والدقة، فرأيت كثيرا من الأحداث التي عرضت لها والخطوب التي ألمت بها خليقا ~~أن تكتب فيه القصص وتنشأ فيه الكتب وتؤلف فيه الأسفار الطوال، وأكبر الظن أن هذا ~~ليس مقصورا على هذه الأسرة، وإنما هو شأن كثير من الأسر المصرية في هذا العصر ~~الخطير من حياة مصر، حين أخذ القرن الماضي ينتهي وأخذ القرن الحاضر يبتدئ، وأخذت ~~الحياة المصرية تنتقل من طورها القديم إلى طورها الجديد في عنف هنا وفي رفق ~~هناك. # في هذا الطور من أطوار الحياة المصرية اختلفت على أسر المدن والأقاليم خطوب، لم يكن ~~يحفل بها أحد، ولا يلتفت إليها إنسان، وهي مع ذلك قد خلقت مصر خلقا جديدا وبدلتها ~~من خمولها القديم نباهة، ومن جمودها القديم نشاطا، وما من شك في أن الذي أقصه من ~~أنباء هذه الأسرة - أسرة خالد - يمكن أن يقص مثله من أنباء أسر أخرى كانت تتصل بها ~~صلة الجوار أو صلة المشاركة في العمل وفيما كان العمل يترك في حياتها من آثار، وأنا ~~مع ذلك لا أقص من أنباء هذه الأسرة إلا أقلها وأيسرها؛ فقد كثر أبناؤها وبناتها، ~~واختلفت بهم وبهن نوب الأيام، وذهب كل واحد منهم مذهبه في الحياة، كما دفعت كل واحدة ~~منهن إلى طريقها التي رسمت لها من قبل؛ لم ترسمها لنفسها ولم يرسمها لها أبوها، وإنما ~~رسمها لها القضاء الذي ليس للإنسان عليه سلطان. # وحسبي أن أسجل أن الأعوام ms125 لم تكد تتقدم بهذه الأسرة في موطنها الجديد حتى كان ~~أبناؤها قد شبوا واستنفدوا ما كان يمكن أن تمنحه الأقاليم لشبابها من العلم والمعرفة ~~في ذلك الوقت، فلم يكن بد من أن يرحلوا إلى القاهرة حيث يطلب العلم ويلتمس الرقي، ~~وقد فعلوا. وهذه كلمة يسيرة تقال في لحظة قصيرة، وتكتب في حيز ضيق جدا من ~~الورق، ولكن التفكير فيها ينحل إلى آلام لا تحصى، ومتاعب لا تعد، وجهود لا يكاد ~~يتصورها العقل، وعواطف منها ما يسر ويرضي، ومنها ما يسوء ويؤذي، فلم يكن انتقال ~~الأبناء من الأقاليم البعيدة إلى القاهرة في آخر القرن الماضي وأول هذا القرن من ~~السهولة واليسر كما هو في هذه الأيام، وإنما كان شيئا عسيرا كل العسر، معقدا أعظم ~~التعقيد، كان يحتاج إلى كثير من النفقات لم يكن راتب خالد يستطيع أن ينهض به، وكان ~~يحتاج إلى كثير من الجهد في إسكان هؤلاء الشباب في المنازل التي تلائمهم، وتمكنهم من ~~العيش الذي يستطيعون أن يطمئنوا إليه، وحمايتهم من الخطر الذي يمكن أن يتعرضوا له في ~~هذه الدنيا التي كان أهل الأقاليم يرونها عالما غريبا مملوءا بما يعرض الشباب ~~لأعظم الأخطار وأشدها نكرا، وكان هذا كله يشغل نهار خالد وامرأته، ويؤرق ليل خالد ~~وامرأته، ويصرفهما عن كل شيء، ويملأ رءوسهما بالخواطر المقلقة، وقلوبهما بالعواطف ~~المزعجة، وكان سليم يرثى لهما ويشمت بهما، لا يخفي شماتته ولا يبخل برثائه، كان ~~يحبهما ويعطف عليهما، فكان يؤذيه ما يجدان من مشقة وجهد، وقد نهاهما منذ الزمان ~~الأول عن هذا الطموح الذي لا يلائم بيئتهما، وعن هذه الآمال التي لا يقدران على ~~تحقيقها، كم نصح لهما بأن يدفعا أبناءهما إلى المصانع ليتعلموا فيها ما يكسبون به ~~القوت وما يعينون به أبويهم إذا تقدمت بهما السن. وكم قال لهما: إن المدارس لم تنشأ ~~لأبناء الفلاحين وأوساط الناس، وإنما أنشئت لأبناء الذوات من الترك والأغنياء من ~~المصريين. فلم يسمعا ولم ينتصحا، فهما الآن يذوقان مرارة الغرور، ويبلوان ثمر ~~العناد. # وأغرب من هذا أن شيطانا ms126 مريدا قد استقر في بيت خالد ولزم أذنيه وأذني امرأته ~~وجعل يوسوس لهما في النهار ألا يسمعا لنصيحة سليم وأضرابه، وألا يقنعا لأبنائهما ~~بالشهادات اليسيرة والمناصب التي تنال بقليل من الجهد وتغل على أصحابها رواتب ~~ضئيلة يراها أهل الإقليم شيئا عظيما وهي في حقيقة الأمر لا تقيم الأود ولا تحمي من ~~الجوع، فضلا عن أن تبيح لأصحابها ما هم أهل له من الترف وخفض العيش، وكان هذا ~~الشيطان المريد يقول لخالد وامرأته مصبحا وممسيا: انظر إلى رئيس المصلحة وقاضي ~~المحكمة ومأمور المركز، فأما أحدهم فيعلم ابنه ليكون قاضيا، وأما الآخر فيريد ~~لابنه أن يكون مهندسا، وأما الثالث فيطمع لابنه في أن يكون طبيبا، فأي فرق بين ~~أبنائكما وأبناء هؤلاء الناس؟! إن قاماتهم جميعا تعتدل في السماء، وليس أبناء هؤلاء ~~الموظفين الكبار وحدهم هم الذين تعتدل قامتهم في السماء على حين يمضي أبناؤكما على ~~أربع، إنهم جميعا قد سلكوا إلى الحياة طريقا واحدة، وسيسلكون بعد أعمار طوال إلى ~~الموت طريقا واحدة، فما بالهم يختلفون في الطبقة ويتباينون في المنزلة بين الحياة ~~والموت؟! # وكان هذا الشيطان المريد يقول لخالد وامرأته فيما كان يقول: انظر إلى رئيس المصلحة ~~كيف يستكبر ويستعلي؟! وكيف يثني عطفه ويلوي جيده إذا تحدث إلى مرءوسيه ومنهم خالد؟! ~~وانظرا إلى امرأة هذا الرئيس كيف تدل وتتيه وتنظر من عل إلى نساء الموظفين حين ~~يسعين لزيارتها! وانظرا إلى أبناء هذا الرئيس إنهم لا يستكبرون على أبنائكما ولا ~~يستعلون، كما يستكبر أبواهم ويستعليان؛ لأنهم قد ذهبوا إلى كتاب واحد ثم إلى ~~مدرسة واحدة؛ فإن أمسكتما أبناءكما عند ما حفظا من العلم وحصلا من الشهادات وقفوا ~~هم وتقدم أترابهم، ثم لا تمضي الأعوام حتى يكون أبناؤكما في نفس منزلتكما، وحتى يكون ~~أبناء هؤلاء الموظفين لهم سادة وعليهم رؤساء، ومع ذلك فقد كان أبناؤكما يتفوقون في ~~المدرسة على أبناء هؤلاء الموظفين، وهم جديرون أن يتفوقوا عليهم في المدارس الأخرى، ~~وهم جديرون آخر الأمر أن يسبقوهم ويظفروا بما لم يظفروا به من وسائل الفوز، ms127 فانظروا ~~كيف تجدان أنفسكما يوم يظفر أبناؤكما بالشهادة أو المنصب ويقصر على الشهادة أو المنصب ~~أبناء الرئيس والقاضي والمأمور! وكان هذا الكلام يقع في قلب خالد وامرأته موقعا ~~غريبا، ينسيهما كل شيء ويدفعهما إلى التضحية بكل شيء، فكان كل عام دراسي يشهد بيع ~~شيء مما كانت الأسرة تعتز به وتحرص عليه، فيبيع البقر والجاموس والخيل شيئا فشيئا، ~~ثم بيع حلي «منى» شيئا فشيئا حتى أصبحت أعطل من الفقيرات بين نساء المدينة، فلم ~~تكن في المدينة امرأة فقيرة إلا ولها القرط من الذهب أو الفضة تعلقه في أذنيها، أو ~~الخلخال من الفضة تديره حول ساقيها، وقد كان لمنى من هذا الحلي أنفسه وأكرمه، ~~ولكنها جعلت تنزل عنه عاما بعد عام للمعلم جرجس هذا الذي كان يلم بالبيت إذا دعاه ~~خالد، فيأخذ الحلي في يده ينظر إليه فيطيل النظر، ثم يزنه ثم يؤدي ثمنه إلى ~~خالد، ويدفعه خالد إلى بنيه ليؤدوا منه أجور التعليم، ثم اضطر خالد أن يقتصد في زيه؛ ~~فقد كانت ثيابه من أزهى الحرير وأجود الصوف، ينفق في ذلك ما لا ينفق أصحابه مثله، ~~فإذا هو يزهد في هذا كله، ويتخذ ثيابه من القماش الأبيض والصوف الرخيص، وليس هو وحده ~~الذي يقتصد فامرأته وبناته يذهبن في الاقتصاد مذهبه ويسرن سيرته؛ فقد كان يجب أن ~~يتعلم الأبناء وأن يعيشوا في القاهرة عيشة راضية. # ولم يكن أمل في أن يستعين خالد أباه، فقد بعد العهد بثروة أبيه، وأصبح علي شيخا ~~فانيا ضريرا أعزب عيالا على أبنائه، يرزقونه في المدينة ويودون لو أقام عند كل ~~واحد منهم جزءا من السنة ليعيش مع أهله كما يعيشون حتى لا يكلفهم نفقة خاصة، ولكن ~~عليا مصمم على أن يبقى في داره ليعيش في غرفة أم خالد، وهو لا ينتقل من هذه الدار ~~إلا إذا أقبل الشتاء من كل عام؛ فإنه يحب أن ينفق الشتاء عند خالد حيث يجد من الدفء ~~والراحة والخدمة ما لا يجده في داره، ولكنه قد أخذ على خالد عهدا إن أصابته ms128 علة أن ~~يرده إلى داره وإلى غرفة أم خالد من هذه الدار؛ لأنه يريد أن يموت حيث ماتت زوجته ~~الأولى؛ وليس أمل في أن يستعين خالد حماه الحاج مسعودا؛ فقد عبث الحاج مسعود ~~بالثروة، وقد تعرضت تجارته لمثل ما تعرضت له تجارة علي من هذا الخطر الذي جاءها من ~~القاهرة على أيدي هؤلاء الشياطين الذين نظموا التجارة تنظيما حديثا ويسروها ~~تيسيرا لا يقدر عليه الحاج مسعود وأمثاله، ولولا أن الحاج مسعودا كان رجلا صالحا ~~بأدق معاني الكلمة لتعرض من البؤس لمثل ما تعرض له علي، ولكنه ضبط نفسه وحزم أمره ~~وكف عن التجارة حين رأى أن المضي فيها خطر، واكتفى بما كان عنده من مال ينفق منه ~~على نفسه، ويبر منه بناته وأصهاره في اعتدال ورفق، ثم لزم شيخه أشد ما يكون له ~~لزوما، حتى إذا مات الشيخ لم يلزم ابنه الحدث، وإنما أقعدته السن في داره، فكان يزور ~~الشيخ الفتى بين حين وحين، ولو قد بقيت على الحاج مسعود ثروته عريضة وتجارته نامية ~~لما استعانه خالد على ما كان يلقى من الجهد في تعليم بنيه، فقد كان خالد شديد الحياء، ~~وكانت امرأته أشد منه حياء، وكان الزوجان يجدان لذة غريبة في هذا البؤس الذي كانا ~~يضطران الأسرة إليه لتعليم أبنائهما. ومن الحق أن هؤلاء الأبناء كانوا يكافئونهما ~~أحسن المكافأة على ما كانا يبذلان من جهد ويحتملان من ضنك، فقد كانوا نابهين على ~~الجملة، وكانوا على كل حال ممتازين على أترابهم من شباب المدينة، فكانوا ينجحون حين ~~كان يخفق أبناء كبار الموظفين، وقد ظفر أحدهم بالشهادة الثانوية لم يرسب مرة واحدة، ~~على حين أن قرينه ابن المأمور الذي دخل معه المدرسة الثانوية في عام واحد لم يزل في ~~السنة الأولى، وقد كاد يفصل من المدرسة لولا أن أباه استعان ببعض أصحاب الجاه، ~~فكان المأمور وكبار الموظفين يحسدون خالدا، لا يكادون يخفون هذا الحسد، وكان خالد ~~وامرأته يجدان في هذا الحسد لذة منكرة لا يكادان يخفيانها، وكان خالد يتقي هذا الحسد ms129 ~~بقراءة القرآن والإلحاح في الدعاء، كما كانت «منى» تتقي هذا الحسد بالبخور وبهذه ~~الأدعية التي لا يعرف أمتجهة إلى الله أم إلى الشيطان، وكان الشباب يضحكون من هذا ~~كله ويعبثون من أمهم وأبيهم جميعا. # وفي أثناء هذا كله كان بنات «منى» ينمون ويتقدمن نحو الشباب حسانا رائعات، وكان ~~الأبناء يتتابعون لا يكاد يدرج واحد منهم حتى يتبعه آخر، وجلنار هي القائمة على أمر ~~هذه الدار بإرشاد خالتها وبتعنيف خالتها أيضا، وقد كثر العمل على جلنار، فالصبية ~~كثيرون، وشئون الدار لم يقل تعقيدها، ولكن قل فيها الخدم؛ فلم يكن بد من ~~الاقتصاد. وكان العمل يثقل على جلنار بنوع خاص أثناء الصيف وفي إجازات الأعياد حين ~~يقبل هؤلاء الشباب، فيملئون البيت حركة ونشاطا، والغريب أن أحدا من هؤلاء الشباب ~~لم يخطر له أن حال الأسرة قد تغيرت، وأن ثراءها قد ذهب، وأن مالها قد قل؛ ومع أنهم ~~كانوا يرون الدار خالية مما كان فيها من الحيوان، ومع أنهم كانوا يرون أن أثاث ~~الدار يبلى شيئا فشيئا دون أن يجدد، ومع أنهم كانوا يرون أمهم عاطلا لم يبق لها ~~خاتم تديره حول إصبعها، فقد كانوا مطمئنين إلى أن أباهم قادر على كل شيء، وكانوا ~~واثقين بأنهم سيجدون في الدار ما تعودوا أن يجدوا من السعة والرخاء، والشيء المهم هو ~~أن جلنار كانت تنهض بخدمتهم لا تكل، تستيقظ مع الفجر قبل أن يستيقظوا، وتنام عند ~~منتصف الليل بعد أن يناموا، لا تفتر عن العمل ساعة، ولا تذوق الراحة لحظة، وهي بذلك ~~سعيدة وإليه مطمئنة، لولا ما كانت تلقى من تعنيف خالتها الذي لم يكن ينقطع، ولولا ما ~~كان يوجه إليها هؤلاء الشباب الأشرار الجاهلون للجميل من مزاح لا يخلو مما يؤلم، ~~ولولا أن سالما كان ينتهز هذه الفرصة فيزور الأسرة ويطيل الإقامة فيها، ويكون أشد ~~أترابه رغبة في الدعة والرخاء وحاجة إلى الخدمة، وأطولهم لسانا بما يسوء. # وكان أحب أوقات جلنار إليها وآثرها عندها هذه اللحظات القصار التي كانت تقدم فيها ~~القهوة إلى أبيها ms130 مع الصبح وخالتها نائمة لم تنهض بعد، فكانت تقف بين يدي أبيها وهو ~~يأكل كسرة الخبز المجففة يغمسها في الملح ويشرب فنجانيه من القهوة السادة، ويتحدث إلى ~~ابنته حديثا هادئا عن إخوتها كيف أنفقوا أمسهم وكيف يريدون أن ينفقوا يومهم، وماذا ~~يجب أن تعد لغدائهم أو عشائهم من طعام، وكانت تحب أيضا هذه اللحظات القصار التي ~~كانت تصب فيهن الماء أثناء وضوئه إذا نهض من نومه بعد الغداء، حتى إذا أسبغ وضوءه ~~تركته يصلي العصر، ثم عادت إليه بفنجانيه من القهوة، فأخذ يشربهما مستأنيا، ويداعبها ~~حول ما أعدت من طعام، يمدح هذا اللون ويعيب ذاك، والفتاة ترد على أبيها مداعبة، ترق ~~له حينا وتعنف به حينا آخر، ويبلغ بها العنف أن تشبه أباها بالقطط التي تأكل ثم لا ~~تتحرج من أن تنال مطعمها بالمخالب، وكان أبوها يسمع منها ويضحك لها، وينصرف وفي ~~قلبه كثير من حنان، وعلى لسانه شيء من دعاء لا يسمعه إلا الله؛ لأنه كان يخشى أن ~~يسمعه أحد أبناء الأسرة، فقد استقر في الأسرة كلها أن جلنار حمقاء ورهاء، لا تقدر على ~~خير، ولا تستحق خيرا، وكانت جلنار تجد شيئا من الراحة والروح حين تقدم إلى أمها ~~قهوة الصباح بعد أن ينصرف أبوها وقبل أن تنهض خالتها، فتلقي إلى أمها كلمات سريعة ~~كأنما تخطفهن خطفا، وتلقي إليها أمها كلمات سريعة كأنها تختلسهن اختلاسا، ثم يفرق ~~العمل بين الأم وابنتها، فالفتاة مضطربة في البيت لا تستقر كأنها خذروف الوليد، وأمها ~~مقبلة على ما كانت موكلة به منذ عاد إليها بعض رشدها من الخياطة وإصلاح ما كان الشباب ~~والصبية يمزقون من الثياب. # وكذلك مضت حياة الأسرة أعواما وأعواما حتى اكتهل الشاب وشب الصبي وصلح البنات ~~للزواج، واختلف أصغر الأبناء إلى المدارس يسيرون على آثار إخوتهم الكبار، وخالد الشيخ ~~سعيد بما يرى من تقدم بنيه واستقلال من يستقل منهم، شقي بما يرى من إعراضهم عنه ~~وازورار أكثرهم عليه، باذل على ذلك في شيخوخته مثل ما كان يبذل في شبابه من ms131 جهد ليعين ~~من يحتاج من أبنائه إلى العون وليبر أبناءه الآخرين، وقد كانوا خليقين أن يعينوه ~~ويبروه، وكان خالد وامرأته يتحدثان ببر الأبناء وعقوقهم، فيفرحان بأبنائهما ~~ويحتسبان عند الله ما بذلا في تربيتهم وتعليمهم من جهد، وكان خالد يختم هذا الحديث ~~دائما بهذه الجملة: لن أترك لأبنائي ثروة، ولو شئت لتركت لهم مالا كثيرا؛ ولكني ~~سأتركهم غير محتاجين إلى ميراث، ولعلهم يستطيعون أن يؤدوا إلى أبنائهم مثل ما أديت ~~إليهم من المعروف. وكانت جلنار تسمع هذه الجملة فتقع من قلبها موقعا غريبا، فيه عطف ~~على أبيها، وفيه عتب عليه أيضا، إنه لم يترك لأبنائه ميراثا؛ لأنهم أغنياء عن ~~الميراث، ولكنه لم يترك لبناته ميراثا وهن لسن غنيات عن الميراث، ولا سيما من لم ~~تجد منهن زوجا. # | الفصل السادس والعشرون # وفي ذات صيف كانت الأسرة كلها مجتمعة، وكان الأمر في الدار قائما على قدم وساق كما ~~يقال، فقد تعمد أبناء الأسرة جميعا أن يلتقوا عند أبويهم، فكان منهم الكهل معه زوجه ~~وبنوه، والشاب معه زوجه التي لم تلد بعد، والشاب الآخر الذي لما يتزوج، والفتى الذي ~~لما يتم الدرس، والصبي الذي لما ينل شهادته الابتدائية، وكانت الأسرة كأحسن ما تكون ~~الأسر فرحا ومرحا، وكان خالد الشيخ كأحسن ما يكون الشيوخ الآباء غبطة وابتهاجا، ~~أحب أوقاته إليه أن يجلس إلى المائدة وحوله هذه القبيلة الضخمة من الأبناء والحفدة ~~وهم يتحدثون في صيحة وجلبة لا يكاد بعضهم يسمع حديث بعض، وأمهم قائمة على رأس المائدة ~~تشرف على غدائهم أو عشائهم، توصي هذا بهذا اللون من الطعام، وتنبه ذاك إلى هذا اللون ~~الذي كان يحبه صبيا، وتحث المقصر في الأكل على أن يأكل، وتحمس الفاتر على أن ينشط؛ ~~وجلنار ذاهبة جائية ومعها أخواتها والخدم يطفن بالصحاف، ويصببن الماء في الأقداح، ~~ويلتقطن من الأحاديث والنكت ما يستطعن، يدخرنه لتلك الساعة التي يجتمع فيها النساء ~~إلى المائدة فيعدنه متندرات به مستمتعات بما يثير في نفوسهن من لذة وابتهاج. # وأيام الأسرة تمضي في هذا الصيف السعيد على ms132 خير ما يحب خالد وامرأته، والناس يتحدثون ~~في المدينة بهذه الأسرة الضخمة، وبهذا النشاط الشديد الذي يذيعه أبناؤها في المدينة ~~كلها، فلا يبقى فيها بيت ذو خطر إلا دعا كهول الأسرة وشبابها إلى غداء أو عشاء، ولم ~~تجد الأسرة بدا من أن تلقى الجميل بالجميل، وترد التحية بمثلها أو بأحسن منها، ~~فالولائم متصلة في المدينة، يوما هنا ويوما هناك، وأبناء الأسرة هم مصدر هذا النشاط ~~وسبب هذا الرخاء، ولكن رسالة برقية تصل إلى الأسرة فتحدث فيها شيئا من رضا يمازجه ~~شيء من عجب؛ فقد حملت هذه الرسالة إلى خالد أن صديقه وأخاه سليما سيزور الأسرة من ~~غد، وسيصحبه في هذه الزيارة ابنه سالم، أما الشباب فيسرون لمقدم سالم، هذا الفتى ~~المرح الذي سيزيد إقامتهم بشرا وسرورا، وأما خالد فيسر؛ لأنه سيرى أخاه، ولأنه ~~سيرى أبناءه سعداء مبتهجين، ولكن خالدا يسأل نفسه: ما بال سليم يصطحب ابنه؟ والشباب ~~يتساءلون: ما بال سالم يصحب أباه؟ ثم هم يتساءلون: ما بال هذه الزيارة ينبئ بها ~~البرق ولا تتم مفاجأة كما جرت عادة سالم وسليم؟ فأما «منى» فلم تسأل نفسها عن شيء ولم ~~تجب عما كان يلقى حولها من الأسئلة بشيء، وإنما ظلت هادئة باسمة في وجهها شيء من ~~غموض، ثم يكون الغد ويقبل الزائران، ولكنهما لا يقبلان كما تعودا أن يقبلا، معهما ~~أمتعتهما اليسيرة وبعض ما تعودا أن يحملا من الطرف والهدايا اليسيرة أيضا، وإنما ~~يقبلان هذه المرة ومن حولهما ما يحتاج إلى حمالين كثيرين وما يعيا بحمله هؤلاء ~~الحمالون؛ فألوان من الفاكهة، وضروب مختلفة من الطعام المصنوع، ثم الأرز والسكر والبن ~~وأشياء أخرى لا تكاد تحصى؛ فأما الشباب فيدهشون ولا يقولون شيئا، وإنما ينصرفون إلى ~~سالم يفرحون به ويمرحون معه، وأما خالد فيقول لأخيه: وماذا تركت لأهل المدينة وقد ~~حملت ما كان في سوقها من عروض؟ وأما «منى» فلا تقول شيئا، ولكنها تتلقى هذه الهدايا ~~فرحة بها مبتهجة لها أكثر مما تعودت أن تفرح بالهدايا أو تبتهج، وابتسامتها كما هي، ~~وصمتها باق ms133 كما هو، والغموض في وجهها باق كما هو. وأما البنات فلا يحفلن بذلك ولا ~~يكدن يلتفتن إليه؛ فهن مشغولات بما في الدار من نشاط وبما تحتاج إليه الدار من ~~خدمة؛ إلا جلنار فإنها قد حدثت نفسها بشيء وساءلت نفسها عن شيء: أيمكن أن يكون سالم ~~وأبوه قد ذكرا تلك الخطبة القديمة وفكرا في هذا الزواج المنتظر؟ ولكنها لا تجيب عن ~~هذا السؤال، وإنما تترك نفسها معلقة مضطربة، يدفعها الشك إلى هنا وهناك، وهي تألم ~~لهذا الشك الثقيل. ويمضي يوم ويوم والأسرة فيما هي فيه من حياة فرحة مرحة، يزيدها ~~فرحا ومرحا نشاط سالم ودعابة سليم. # ولكن الأخوين يخلوان ساعة بعد الغداء من اليوم الثالث وقد أحس الشباب أن لهذه ~~الخلوة ما بعدها، ولم يلتفت إليها بنات «منى». وأكبر الظن أن منى نفسها قد كانت في ~~غرفة مجاورة تتسمع لما يقول الأخوان، أو تنتظر أن يصل إليها بعض ما يقول الأخوان؛ ~~وأما جلنار فقد لاحظت هذه الخلوة وابتسمت لها ابتسامة غامضة، ومضت فيما كانت فيه من ~~عمل، ولم يعرف قلبها قط من الخوف والرجاء مثل ما عرف في تلك الساعة، ثم يفترق ~~الأخوان، يذهب كل منهما إلى مضجعه ليستريح بعد الغداء، فأما خالد فقد خلا إلى زوجه، ~~وأما سليم فقد خلا إلى ابنه؛ والشباب يتساءلون متضاحكين، وجلنار تسائل نفسها فزعة ~~هلعة دون أن يفطن أحد لما تضطرب به نفسها من فزع وهلع. # فإذا صليت العصر كان وجه «منى» ممتلئا بشرا، وكانت جلنار أول من لحظ ذلك، فلم ~~يزدها إلا فرقا وقلقا؛ ولكن خالدا يدعو إليه الكبار من أبنائه ويتحدث إليهم حديثا ~~يلقونه بثورة لا يكادون يخفونها، فقد جاء سليم خاطبا يريد أن يزوج ابنه، ولكنه لا ~~يخطب «جلنار»، وإنما يخطب تفيدة كبرى بنات «منى»، وخالد حائر في أمره لا يدري كيف ~~يرد على أخيه قوله: أيقبل هذه الخطبة فيضحي بجلنار البائسة، أم يرفض هذه الخطبة، ~~فيؤذي أخاه وهو لم يتعود قط أن يرد لأخيه طلبا؟ وقد عرض الأمر على زوجه فلم ms134 تنكر ~~منه شيئا، ومعنى ذلك أنه إن رفض فلن يؤذي أخاه وحده، بل سيؤذي معه زوجه «منى»، ~~وسيؤذي معها سالما. # فأما الشباب فلم يفكروا في شيء من هذا، وإنما اجتمعت كلمتهم على الرفض وعلى أن في ~~هذه الخطبة الجديدة قحة لا تبلغها قحة، وسماجة لا تشبهها سماجة، ثم أخذ الشباب ~~يتضاحكون ويتندرون بعمهم وابن عمهم وبهذه الهدايا الكثيرة التي لم يتعودا أن يحملا ~~مثلها، ولم تصل المغرب حتى كانت الأسرة كلها قد عرفت نبأ الخطبة، وحتى كان الفساد ~~قد شمل أخلاق الشباب والشيوخ والصبيان جميعا، وكأن سحابة كثيفة من الغم قد أظلت ~~هذه الدار التي كانت فرحة مبتهجة منذ حين، فملأتها حزنا وبؤسا، فأما الشبان فقد ~~تفرقوا في أنحاء المدينة يلتمسون الرياضة ويخلو بعضهم إلى بعض، وأما الصبية فقد عشتهم ~~أختهم «جلنار» فأكل منهم من أكل وأعرض منهم من أعرض عن الطعام، واضطروا آخر الأمر إلى ~~مضاجعهم، وأما بنات «منى» فقد لذن بأمهن صامتات مثلها، باسمات مثلها، غامضات ~~مثلها أيضا. وأما «جلنار» فقامت على خدمة الدار كما تعودت، وهيأت للرجال طعامهم، ~~فلما لم يقربه أحد منهم دعت النساء إلى طعامهن، فلما امتنعن رفعت كتفيها وهزت رأسها ~~وأصابت قليلا من طعام وجلست مكانها مع النساء صامتة تنتظر أن يأوي الرجال إلى ~~مضاجعهم لتدور في البيت دورتها المألوفة، فتثق بأن الأبواب مغلقة، وبأن كل شيء مستقر ~~في موضعه الذي يجب أن يستقر فيه، فأما قلبها فقد كان حزينا، ولكن عهده بالحزن قديم، ~~وأما نفسها فقد كانت يائسة، ولكن السبب الذي كان بين نفسها وبين الأمل قد كان واهيا ~~واهنا، حتى إذا انقطع لم تكد تحس له انقطاعا. # وهم خالد فيما أقبل من الأيام أن يرضي أخاه ويضحي بابنته الكبرى، ويكره أبناءه ~~على ما لا يحبون؛ فهو صاحب الحق آخر الأمر في أن يرفض أو يقبل، ولكنه وجد من بنيه ~~مقاومة لم يعهدها من قبل؛ فهم قد أقبلوا على حقائبهم يهيئونها؛ وهم يتحدثون بالقطر ~~التي سيركبونها ليعود كل منهم إلى موطنه الذي يعمل ms135 فيه، وهم يؤذنون الأسرة بأن ~~الصلة بينهم وبينها مقطوعة إن قبلت هذه الخطبة الوقحة؛ وخالد يلجأ مع أخيه إلى ~~رئيس المصلحة يستعينان به على هؤلاء الشباب الذين أفسدهم التعليم، وأضاعت الحياة ~~الحديثة من نفوسهم كل حياء، فهم يدخلون فيما لا يعنيهم، ويخالفون عن أمر أبيهم، ~~ويتوسط الرئيس فيدعو إليه شباب الأسرة، فيمتنع أكثرهم ويذهب أقلهم، ثم يعودون كما ~~ذهبوا وقد امتنعوا على الرئيس كما امتنعوا على أبيهم، وهنا بدأت دموع «منى» تسيل ~~ولكنها لم تبلغ من قلوب أبنائها شيئا، واضطر سليم أن يعود أدراجه ومعه ابنه، وقد ~~هم الشباب أن يبالغوا في مساءته فيردوا عليه ما حمل من الهدايا، لولا بقية من رشد ~~وفضل من وقار. وقد انقضت إجازة الصيف حزينة بعد مرح، عابسة بعد ابتسام، وتفرق الشباب ~~عن أبويهم وانصرفوا إلى أعمالهم وقد استوثقوا أنهم كسبوا الموقعة، ولكن كتب أبيهم تصل ~~إليهم بعد أشهر تحمل إليهم هذا النبأ الأليم، فقد تم الزواج، فزوجت تفيدة من ~~سالم، وزوجت جلنار من علي، وكانت هذه هي الحيلة التي اهتدى إليها سليم للخروج من ~~هذه المشكلة، إن الشباب يأبون أن تزوج أختهم الصغرى وتترك أختهم الكبرى؛ فلنزوج ~~الأختين، وما دام سالم يحب تفيدة ويخطبها فليزوج من تفيدة، فأما جلنار فإن عليا ~~لا يكره أن يتزوجها إذا ألح أبوه عليه في ذلك، وقد اطمأنت «منى» ورضي خالد وتم عقد ~~الزواج، لم تستشر فيه تفيدة ولم تسأل فيه جلنار، وإنما أجريت هذه الصورة المألوفة ~~فكان خالد وكيل ابنتيه، وكان سليم وكيل ابنيه؛ وانتهت أنباء ذلك إلى الشباب متفرقين ~~فلم يصنعوا شيئا؛ لأنهم لم يكونوا يستطيعون أن يصنعوا شيئا، ولكن قائلهم قال: أقسم ~~ما هذه إلا حيلة ولتزفن تفيدة إلى سالم ولتطلقن جلنار قبل الزفاف. وأقسم الشباب لا ~~يحضرون من أمر هذا الزواج شيئا. # ومضت أشهر وجاءت إجازة الصيف؛ فلم ينعم خالد وامرأته بزيارة أبنائهما، وقد تحقق ما ~~قدر الشباب، فزفت تفيدة إلى سالم، وأقبل كتاب ذات يوم يحمل إلى خالد وثيقة الطلاق ~~لجلنار. # وفي الإنسان ms136 خصال بغيضة لم تستطع الحضارة تهذيبها، بل ليس أحد يدري أخلقت معه فعجزت ~~الحضارة عن إصلاحها؟! أم خلق الإنسان مبرأ منها ثم كسبته الحضارة إياها بما فرضت ~~عليه من ظروف مرتبكة مشتبكة، وبما امتحنته به من خطوب متسابقة متلاحقة، ولكنها مركبة ~~فيه على كل حال، تفسد عليه أمره، وتضطره إلى كثير من البغي، وتورطه في كثير من ~~الإثم، فلست أعرف أقسى منه إذا أبطرته النعمة، ولا أعتى منه إذا ازدهاه الغرور، ولا ~~أجهل منه إذا سيطرت عليه الأثرة، ولا أغفل منه إذا أحس خطرا قريبا أو بعيدا على ~~ما يختص به نفسه من الخير، وأكبر الظن أن كل هذه الخصال مجتمعة هي التي دفعت ~~«منى» إلى أن تتشدد في أن تزف تفيدة إلى سالم أو يزف سالم إلى تفيدة في دار الأسرة ~~وفي أن يجد خالد لختنه عملا في نفس المصلحة التي يعمل فيها، بحيث لا تفارق ابنتها، ~~وبحيث تستطيع أن ترى ختنها الأثير عندها في الصباح والمساء من كل يوم؛ وقد نسيت ~~«منى» أن أمها حاولت شيئا مثل ذلك، فكانت هي أشد الممانعين فيه، وتركت الأمر إلى ~~زوجها، ولم تحفل بما أظهرت أمها أو أضمرت من حزن، ولم تأبه لما سفحت أمها وأمسكت من ~~دموع، نسيت ذلك ولم تذكر إلا شيئا واحدا، وهو أنها لا تريد أن تفارق ابنتها فلا ~~ينبغي لأحد أن يفرق بينها وبين ابنتها مهما تكن الأحوال. ومن يدري! لعل عواطف خفية ~~أثيمة كانت تعبث بهذا القلب الكريم، فتجرده مما عرف به من رحمة، وبهذا العقل ~~النافذ فتحرمه ما قدر له من ذكاء؛ فقد انتصرت على زوجها وبنيها وضرتها التي لم تحارب ~~قليلا ولا كثيرا، وينبغي أن تستغل انتصارها إلى أقصى غاياته وأبعد آماده، وأن ترى ~~ابنتها مقيمة في دارها، سعيدة بحبها، مستأثرة بهذا الزواج الذي لم تكن تنتظره، والذي ~~كانت الأسرة قد أعدته لغيرها، ولم يخطر «لمنى» أن في الدار فتاة خليقة أن ~~يؤذيها هذا الجوار البغيض، وأن يمزق قلبها تمزيقا ويحرقه تحريقا، وأن فوزها ms137 ~~الأول خليق أن يحملها على شيء من رحمة ورفق، فتجنب هذه البائسة رؤية هذا الفتى الذي ~~انتظرت أعواما وأعواما أن يكون لها زوجا، والذي عقدت به آمالا وآمالا، ثم نظرت ~~ذات يوم فإذا هي تجزى من هذا الانتظار الطويل والصبر المتصل بالهجران والحرمان، ثم ~~بهذه الإهانة التي لا تطيق المرأة صبرا عليها، وهي هذا الزواج الصوري الذي لم يرد ~~حتى خداعها هي أو تضليلها، فلم يحفل أحد حتى بخداعها وتضليلها، وإنما أريد به خداع ~~أولئك المعارضين من إخوتها، ليتم هذا الزواج الذي هو إلى الغصب والعدوان أقرب منه إلى ~~أي شيء آخر. # لم يخطر هذا لمنى، بل لعله خطر لها فكان دافعا على الإلحاح في أن تقيم ابنتها معها ~~في الدار. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أخذت «جلنار» تعمل في الدار كما كانت تعمل، وكان من ~~بين عملها بطبيعة الحال أن تمضي في خدمة أختها متزوجة بعد أن كانت تخدمها قبل ~~الزواج، وأن تمضي في خدمة هذا النزيل الجديد بعد أن تحول عنها قلبه، وبعد أن أهدى ~~إليها هذه الخيانة البشعة، كما كانت تخدمه من قبل حين كانت ترجو حبه، وحين استيأست من ~~حبه، ولكنها لم تكن تنتظر أن تنتهي به القسوة إلى الخيانة. ويجب أن نعترف بأن «جلنار» ~~مضت في حياتها وفي عملها كما كانت تمضي من قبل لم يظهر أحد من الأسرة على أنها ~~محزونة أو يائسة، إما لأنها لم تظهر حزنا ولا يأسا، وإما لأن الأسرة لم ترد أو ~~لم تستطع أن ترى عليها مظاهر الحزن واليأس. # إنما هي امرأة واحدة لم تستطع أن تقيم في الدار، ولا أن تحتمل هذا البؤس الأليم، وهي ~~نفيسة التي طلبت في حياء يمازجه الذهول أن تزور ابنتها سميحة، وودت لو أذن ~~لجلنار في صحبتها، ولكن «منى» أجابتها في قسوة هادئة: تستطيعين أن تزوري ابنتك إن ~~شئت، فأما جلنار فلن تستغني عنها الدار في هذه الأيام. # وقد آثرت الأم البائسة أن تفارق ابنتها على أن تراها في هذا العذاب ms138 البغيض، وكذلك ~~خلت الدار حتى من هذا الشعاع الضئيل الذي كان ينفذ إلى قلب الفتاة من حنان أمها ~~البائسة، فيشيع فيه شيئا من الطمأنينة والراحة، ولم يبق لها إلا وجه أبيها الذي كان ~~يبتسم لها على استحياء؛ لأنه كان يقدر بؤسها في أعماق ضميره، ويقدر قسوته عليها ~~وتقصيره في ذاتها، ولكنه لم يكن يستطيع أن يظهر لها أو لغيرها من ذلك شيئا، فاتخذه ~~سرا بينه وبين الله، يستغفر الله منه، ويستعينه على احتماله إن استطاع أن يخلو إلى ~~نفسه، وما أقل ما كان يستطيع أن يخلو إلى نفسه! وأقبل مع ذلك ذات يوم شيخ متقدم في ~~السن من أصدقاء خالد يكاد يكون تربا له - وكان هذا الشيخ قد فقد أهله منذ حين - أقبل ~~إلى خالد ذات يوم يخطب جلنار، ولم يدر أحد أدفعته الرحمة إلى هذه الخطبة أم دفعته ~~إليها الحاجة إلى من يؤنس وحدته، أم دفعه حرصه على أن تزداد الصلة بينه وبين صديقه ~~متانة وتوثيقا، ولكنه خطب الفتاة إلى أبيها على كل حال، ووجد خالد في هذه الخطبة ~~روحا من الله يخفف عنه بعض ندمه، ويغسل عن نفسه بعض ما علق بها من الإثم والحوب، ~~فوعد صديقه خيرا على أن يشاور ابنته، ثم خلا إلى الفتاة بعد أن آذن زوجه بالأمر ~~بهذه الخطبة في صوت هادئ لا يخلو من اضطراب، وفي ابتسامة متكلفة لا تخلو من حزن، ولكن ~~الفتاة استمعت له مطرقة، ثم أجابته دون أن ترفع رأسها إليه قائلة: ليس لي في الزواج ~~أرب، وما أحب أن أفارق هذه الدار. فلما أراد أبوها أن يحاورها في ذلك رفعت إليه ~~رأسها باسمة في صوتها الذي لم يخل من عنف: ومن ذا الذي يقدم إليك وضوءك وقهوتك في ~~الصباح والمساء؟ ثم تولت عنه معرضة وقد استيقن أنه لن يظفر منها بشيء؛ فلما أعاد ~~حديثها على زوجه قالت «منى» في صوت ساخر بعض الشيء: إن شجرة البؤس ما زالت تؤتي ~~ثمارها. قال خالد ولم يستطع أن يخفي عبوس وجهه : فعسى ms139 الله ألا تذوقي أنت ولا بناتك ~~بعض هذه الثمار! ولكن الله لم يستجب لخالد دعاءه في هذه المرة؛ فقد لقيت تفيدة من ~~زوجها ما لقيت، وابتأست في حياتها ما ابتأست. # ورأى الضحى ذات يوم بعد حين من الدهر نسوة مجتمعات يبكين أو يتباكين، وما أكثر دعاء ~~النساء لدموعهن! وما أيسر ما تستجيب الدموع لهن إذا دعونها! رأى الضحى ذات يوم هؤلاء ~~النسوة مجتمعات يبكين أو يتباكين، ولم تكن فيهن إلا أيم أو مطلقة، ولم يكن هؤلاء ~~النسوة إلا «منى» قد تقدمت بها السن والأرامل من بناتها ومعهن جلنار كما عرفها الضحى ~~من كل يوم منذ حملت إلى هذه الدار، فلما فرغ هؤلاء النسوة من بكائهن أو تباكيهن ~~وأقلعت دموعهن بعض الإقلاع، أخذن يتذاكرن آمالهن الضائعة وآلامهن الملمة، وما كتب ~~عليهن من الشقاء والبؤس، إنهن لم يلقين من الدهر قط رحمة أو روحا، تقول «منى» ~~لتفيدة: والله ما جر عليك آلامك، وهذا البؤس المتصل الذي أنت فيه إلا الحسد ~~والغيرة؛ فقد زففت إلى زوجك وإن في هذه الدار لقلبا يكاد الحسد يهلكه. قالت تفيدة ~~في شيء من غضب: والله يا أماه ما أدري! لعلي أكون قد جنيت على نفسي حين أخذت ما ~~ليس لي بحق، وتسمع جلنار فلا تقول شيئا، وقد تعودت منذ أعوام طويلة أن تسمع كثيرا ~~ولا تقول شيئا، ولكنها تنهض بعد حين متثاقلة، فتذهب إلى حجرتها فتلزمها أياما، ثم ~~لا تخرج منها إلا إلى جوار أبيها في تلك الدار التي لا يعرف أهلها تحاسدا ولا ~~تباغضا ولا تعاديا، والتي لا لغو فيها ولا تأثيم. # بيت مري أغسطس وسبتمبر سنة 1954 ms140