######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.Shaykhan.Hindawi94962085 #META# Tags: history #META# ID: 94962085 #META# Title: الشيخان #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # أبو بكر‏ # عمر‏ # مقدمة‏ # أبو بكر‏ # عمر‏ # | الشيخان # | الشيخان # تأليف # طه حسين # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا حديث موجز عن الشيخين: أبي بكر وعمر رحمهما الله، وما أرى أن سيكون فيه جديد ~~لم أسبق إليه، فما أكثر ما كتب القدماء والمحدثون عنهما! وما أكثر ما كتب المستشرقون ~~عنهما أيضا! وأولئك وهؤلاء جدوا في البحث والاستقصاء ما أتيحت لهم وسائل البحث ~~والاستقصاء، وأولئك وهؤلاء قد قالوا عن الشيخين كل ما كان يمكن أن يقال. # ولو أني أطعت ما أعرف من ذلك لما أخذت في إملاء هذا الحديث الذي يوشك أن يكون ~~معادا، ولكني أجد نفسي من الحب لهما والبر بهما ما يغريني بالمشاركة في الحديث ~~عنهما، وقد رأيتني تحدثت عن النبي # صلى الله عليه وسلم # في غير موضع، وتحدثت عن عثمان وعلي رحمهما ~~الله، ولم أتحدث عن الشيخين حديثا خاصا بهما مقصورا عليهما. # وأجد في نفسي مع ذلك شعورا بالتقصير في ذاتيهما، كما أجد في ضميري شيئا من اللوم ~~اللاذع على هذا التقصير. # وأنا مع ذلك لا أريد إلى الثناء عليهما، وإن كانا للثناء أهلا؛ فقد أثنى عليهما ~~الناس فيما تعاقب من الأجيال، والثناء بعد هذا لا يغني عنهما شيئا، ولا يجدي على قارئ ~~هذا الحديث شيئا، وقد كانا رضي الله عنهما يكرهان الثناء أشد الكره ويضيقان به أعظم ~~الضيق. # وما أريد أن أفصل الأحداث الكثيرة الكبرى التي حدثت في أيامهما؛ فذلك شيء يطول، وهو ~~مفصل أشد التفصيل فيما كتب عنهما القدماء والمحدثون. # وأنا بعد ذلك أشك أعظم الشك فيما روي عن هذه الأحداث، وأكاد أقطع بأن ما كتب القدماء ~~من تاريخ هذين الإمامين العظيمين، ومن تاريخ العصر القصير الذي وليا فيه أمور المسلمين ~~أشبه بالقصص منه بتسجيل حقائق الأحداث التي كانت في أيامهما، والتي شقت للإنسانية ~~طريقا إلى حياة جديدة كل الجدة. # فالقدماء قد أكبروا هذين الشيخين الجليلين إكبارا يوشك أن يكون تقديسا لهما، ثم ~~أرسلوا أنفسهم على سجيتها في مدحهما والثناء عليهما، وإذا كان من الحق أن ms001 النبي # صلى الله عليه وسلم # نفسه قد كذب الناس عليه، وكان كثير من هذا الكذب مصدره الإكبار والتقديس، فلا ~~غرابة في أن يكون إكبار صاحبيه العظيمين وتقديسهما مصدرا من مصادر الكذب عليهما ~~أيضا. # والقدماء يقصون الأحداث الكبرى التي كانت في أيامهما كأنهم قد شهدوها ورأوها رأي ~~العين، مع أننا نقطع بأن أحدا منهم لم يشهدها، وإنما أرخوا لهذه الأحداث بأخرة، وليس ~~أشد عسرا من التأريخ للمواقع الحربية ووصفها وصفا دقيقا كل الدقة، صادقا كل الصدق، ~~بريئا من الإسراف والتقصير. # والذين يشهدون هذه المواقع ويشاركون فيها لا يستطيعون أن يصفوها هذا الوصف الدقيق ~~الصادق؛ لأنهم لم يروا منها إلا أقلها وأيسرها، لم يروا إلا ما عملوا هم وما وجدوا، ~~وقد شغلهم ذلك عما عمل غيرهم. # وما ظنك بالجندي الذي هو دائما مشغول بالدفاع عن نفسه واتقاء ما يسوقه إليه خصمه من ~~الكيد؟! أتراه قادرا على أن يلاحظ ما يحدث حوله، وما يحدث بعيدا عنه من الهجوم ~~والدفاع، ومن الإقدام والإحجام؟! هيهات! ذلك شيء لا سبيل إليه. # وإنما يستطيع المؤرخون المتقنون أن يحققوا عواقب المواقع وما يكون من انتصار جيش ~~على جيش وانهزام جيش أمام جيش، وما يكون أحيانا من إبطاء النصر أو إسراعه، ومن طول ~~المواقع أو قصرها، ومن امتحان الجيشين المحتربين بما يكون فيهما أو في أحدهما من كثرة ~~القتلى والجرحى، ومن الخطط التي يتخذها القواد للهجوم والدفاع، وما يكون لهذه الخطط من ~~نجح أو إخفاق. فأما إحصاء القتلى والجرحى والغرقى - إن اضطر الجيش المنهزم إلى عبور نهر ~~أو قناة - وإحصاء المنهزمين، بل إحصاء الجيوش نفسها قبل أن تلتقي وحين تلتقي، فشيء لا ~~سبيل إليه، ولا سيما بالقياس إلى الأحداث التي كانت في العصور القديمة حين لم يكن هناك ~~إحصاء دقيق، وحين لم يكن للناس علم بمناهج البحث والاستقصاء وتحقيق أحداث ~~التاريخ. # وقدماء المؤرخين من العرب لم يعرفوا من أمر هذه الأحداث الكبرى إلا ما تناقله ~~الرواة من العرب والموالي، فهم إنما عرفوا تاريخ هذه الأحداث من طريق المنتصرين ~~وحدهم ms002 ، بل من طريق الذين لم يشهدوا الانتصار بأنفسهم، وإنما نقلت إليهم أنباؤه نقلا ~~أقل ما يمكن أن يوصف به أنه لم يكن دقيقا، وهم لم يسمعوا أنباء هذا الانتصار من ~~المنهزمين بين فرس وروم وأمم أخرى شاركتهم في الحرب وشاركتهم في الهزيمة، فهم ~~سمعوا صوتا واحدا هو الصوت العربي. # وأيسر ما يجب على المؤرخ المحقق أن يسمع أو يقرأ ما تحدث به أو كتبه المنهزمون ~~والمنتصرون جميعا. # والأحداث الكبرى التي كانت أيام الشيخين خطيرة في نفسها، تبهر الذين يسمعون أنباءها ~~أو يقرءونها، فليست في حاجة إلى أن يتكثر في روايتها المتكثرون، ولا إلى أن يحيطها ~~الرواة بما أحاطوها به من الغلو والإسراف؛ فرد العرب إلى الإسلام بعد أن جحدوه، ~~وإخراج الروم من الشام والجزيرة ومصر وبرقة، وإخراج الفرس من العراق والقضاء على ~~سلطانهم في بلادهم؛ كل هذه أحداث لا سبيل إلى الشك فيها ولا في وقوعها في هذا العصر ~~القصير أثناء خلافة الشيخين، وهي أحداث تصف نفسها وتدل على خطورتها وليست محتاجة إلى ~~المبالغة في وصفها؛ لأنها فوق كل مبالغة، مع أنها حقائق لا معنى للشك فيها. # من أجل هذا كله، أعرض عن تفصيل هذه الأحداث كما رواها القدماء وأخذها عنهم المحدثون ~~في غير بحث ولا تحقيق. # وأنا أعتقد أن المؤرخ حين يقول: إن عصر الشيخين قد شهد انتصار المسلمين على الروم، ~~وقضاء المسلمين على دولة الفرس، قد قال كل شيء، وسجل معجزة لم يعرف التاريخ لها ~~نظيرا. # أنا إذن لا أملي هذا الحديث لأثني على الشيخين، ولا لأفصل تاريخ الفتوح في عصرهما؛ ~~وإنما أريد إلى شيء آخر مخالف لهذا أشد الخلاف، أريد أن أعرف وأن أبين لقارئ هذا ~~الحديث شخصية أبي بكر وعمر - رحمهما الله - كما يصورها ما نعرف من سيرتهما، وكما تصورها ~~الأحداث التي كانت في عصرهما، وكما يصورها هذا الطابع الذي طبعت به حياة المسلمين من ~~بعدهما، والذي كان له أعظم الأثر فيما خضعت له الأمة العربية من أطوار، وما نجم فيها من ~~فتن. # ويقول الرواة: إن ms003 عمر قال عن أبي بكر: إنه أتعب من بعده. وليس من شك في أن عمر كان ~~أشد من أبي بكر إتعابا لمن جاء بعده؛ فسيرة هذين الإمامين قد نهجت للمسلمين في سياسة ~~الحكم، وفي إقامة أمور الناس على العدل والحرية والمساواة نهجا شق على الخلفاء ~~والملوك من بعدهما أن يتبعوه؛ فكانت نتيجة قصورهم عنه - طوعا أو كرها - هذه الفتنة ~~التي قتل فيها عثمان رحمه الله، والتي نجمت منها فتن أخرى، قتل فيها علي رضي ~~الله عنه، وسفكت فيها دماء كثيرة كره الله أن تسفك، وانقسمت فيها الأمة الإسلامية ~~انقساما ما زال قائما إلى الآن. # هذا النهج الذي نهجه الشيخان - والذي قصر عنه بعدهما الخلفاء والملوك - هو الذي أريد ~~أن أعرفه وأجلوه لقارئ هذا الحديث، وأستخلص منه بعد ذلك شخصية أبي بكر وعمر رحمهما ~~الله. # ولا أذكر عسر هذا البحث، ولا ما سأبذل فيه من الجهد، وما سأتعرض له من المشقة، وما ~~سيعرض لي من المشكلات؛ فكل من يحاول مثل هذا البحث لا بد من أن يوطن نفسه على كل هذا ~~العناء، ومن أن يستعين الله عليه. # | أبو بكر # 1 # يقول الله - عز وجل - في سورة الحجرات: # قالت الأعراب ~~آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم ~~من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم ~~. # وكل شيء يدل على أن الله - عز وجل - قد اختار نبيه لجواره، وما زال الأعراب مسلمين ~~لم يدخل الإيمان في قلوبهم بعد، رأوا سلطانا جديدا قد ظهر في الأرض وأظل المدينة ~~ومكة والطائف، وطالب الناس بأن يدينوا دينه، ويشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~عبده ورسوله، ويؤدوا ما يفرض عليهم من الواجبات. # ورأوا هذا السلطان يعلن الحرب على كل عربي في الجزيرة يستمسك بشركه ولا يذعن لهذا ~~الدين الجديد، ورأوه يحول بين المشركين وبين المسجد الحرام بمكة، ويعلن إليهم قول الله ~~- عز وجل - في سورة براءة: # إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ms004 هذا ~~. # ورأوا لهذا السلطان من القوة والبأس - ورأوا فيه من السعة والإسماح - ما رهبهم ~~ورغبهم؛ فأعلنوا إذعانهم لهذا الدين الجديد طائعين أو كارهين. # ولو قد بقي النبي # صلى الله عليه وسلم # فيهم أعواما كثيرة أو قليلة لكان من الممكن أن تذعن لهذا ~~الدين قلوبهم كما أذعنت له ألسنتهم، ولكن الله آثر لنبيه رحمته ورضوانه؛ ففارق هذه ~~الدنيا راضيا مرضيا، ورأى المسلمون غير المؤمنين من العرب أنه رجل كغيره من الرجال ~~يعرض له الموت كما يعرض لغيره من الناس، وأن الذي نهض بالأمر من بعده ليس إلا رجلا ~~يعرفونه، ويقدرون أنه أجدر أن يعرض الموت له كما عرض للنبي الذي أنزل عليه القرآن ~~وأتيح له ما أتيح من الظهور على كل من خالفه أو ناوأه. # هنالك تكشفت قلوبهم عن دخائلها، وأظهروا أنهم قد أسلموا لسلطان النبي دون أن تؤمن ~~به قلوبهم، فأظهروا ما أظهروا من الردة، وجعلوا يساومون في الزكاة، وتقول وفودهم لأبي ~~بكر: نقيم الصلاة ولا نؤدي الزكاة. # كان المال أحب إليهم من الدين، وكانت نفوسهم أكرم عليهم من أن يؤدوا ضريبة إلى ~~رجل لا يوحى إليه ولا يأتيه خبر السماء. # بل إن ظاهرة أخرى دلت على أن فريقا من العرب لم ينتظروا بجحودهم وردتهم فراق ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # لهذه الدنيا؛ فأظهروا الردة قبل وفاته، لا لأنهم ضاقوا بالزكاة، أو ~~آثروا المال على الدين، بل لأنهم نفسوا على قريش أن تكون فيها النبوة، وأن يهيأ لها ~~ما هيئ من هذا السلطان بما له من قوة وبأس، وبما فيه من سعة وإسماح، فظهر بينهم بدع ~~جديد وهو التنبؤ. # فما ينبغي أن تستأثر قريش من دونهم بالنبوة، وما ينبغي أن تختص وحدها بهذا السلطان ~~تبسطه على الأرض. # وما أسرع ما ظهر التنبؤ في ربيعة - وفي بني حنيفة منهم خاصة - فأعلن مسيلمة نبوته في ~~اليمامة، وجعل يهذي بكلام زعم أنه كان يوحى إليه، وجعل يقول: لنا نصف الأرض ولقريش ~~نصفها، ولكن قريشا قوم يظلمون. # وظهر التنبؤ في اليمن، فثار الأسود العنسي ms005 وأعلن نبوته، وركبه شيطان السجع كما ركب ~~مسيلمة. # ولم يكد النبي # صلى الله عليه وسلم # ينتقل إلى الرفيق الأعلى حتى ظهر تنبؤ آخر في بني أسد؛ فأعلن ~~طليحة أنه نبي، وجعل يهذي لقومه كما هذى صاحباه بالسجع، ويزعم أنه يتنزل عليه من ~~السماء. # ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تنبأت امرأة في بني تميم - وهي سجاح - كانت نازلة ~~في بني تغلب، فلما استأثر بها شيطان السجع أسرعت إلى قومها من تميم فأغوت منهم خلقا ~~كثيرا. # وكذلك نفست قحطان على عدنان أن يكون لها نبي من دونها، فظهر فيها الأسود العنسي، ~~ونفست ربيعة العدنانية على مضر أن تستأثر من دونها بالنبوة، ونفست أسد وتميم المضريتان ~~أن تستأثر قريش بالنبوة من دون سائر مضر؛ فظهر طليحة في بني أسد، وظهرت سجاح في بني ~~تميم. # وكذلك عادت الأرض كافرة بعد إسلامها، واشتعلت فيها نار، ما أسرع ما انتشر لهبها حتى ~~شمل جزيرة العرب كلها! وحصر الإسلام في المدينة ومكة والطائف. # وكان انتشار هذا اللهب وارتداد الكثرة الكثيرة من العرب محنة امتحن بها أبو بكر، ~~وامتحن بها معه المسلمون بعد وفاة النبي. وليس شيء أصدق تصويرا لشخصية الرجل من ~~ثباته للمحنة مهما تعظم، ونفوذه من مشكلاتها مهما تتعقد، وظهوره على هولها مهما يكن ~~شديدا. # ولم يواجه أبو بكر في أول عهده بالخلافة ردة المانعين للزكاة، وكفر التابعين لمن تنبأ ~~من الكذابين فحسب، وإنما واجه في الوقت نفسه تأهب العرب من نصارى الشام للمكر به والكيد ~~له والغارة عليه. # وقد واجه النبي # صلى الله عليه وسلم # تحفز العرب في الشام على حدود الجزيرة العربية، وكانت له ~~معهم خطوب، فلم تكن مؤتة ولا تبوك إلا محاولة لرد نصارى العرب في الشام عن الجزيرة، بل ~~لم يكتف النبي # صلى الله عليه وسلم # بمؤتة وتبوك، وإنما جهز قبل وفاته جيشا لغزو هؤلاء العرب، ~~وأمر على هذا الجيش أسامة بن زيد بن حارثة، وكان لأسامة ثأر عند هؤلاء العرب الذين ~~قتلوا أباه يوم مؤتة، وعسى أن يكون ms006 النبي قد لاحظ هذا الثأر حين أمر أسامة على حداثة ~~سنه، وحين جعل في جيشه خيرة أصحابه، وفيهم أبو بكر وعمر. # ولكن النبي مرض قبل إنفاذ هذا الجيش، ولما أحس الوفاة أوصى بإنفاذ جيش أسامة. # فلما استخلف أبو بكر نظر فإذا الأرض من حوله كافرة، وإذا أولو القوة والبأس من أصحابه ~~قد جندوا في هذا الجيش المهيأ للغارة على أطراف الشام، والذي أوصى النبي قبل وفاته ~~بإنفاذه إلى غايته. # فأبو بكر إذن أمام نار مضطربة في الجزيرة العربية كلها، وهو بين اثنتين: إما أن ينفذ ~~هذا الجيش فيواجه هذه النار المتأججة غير قادر على إخمادها، وإما أن يؤجل إنفاذ هذا ~~الجيش حتى يحاول به إخماد هذه النار فيبطئ في إنفاذ وصية النبي. # وكذلك أخذته المحنة من جميع أقطاره، وسنرى كيف استطاع أن يخرج منها ظافرا ~~موفورا. # 2 # ومن قبل هذه المحنة واجهته محنة أخرى قبل أن يلي أمور المسلمين وهي وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم تكن هذه المحنة مقصورة عليه، بل كانت عامة كادت تفتن المسلمين عن دينهم، ~~فهم كانوا يقدرون أن النبي سيبقى فيهم حتى يظهر دين الله على الدين كله، وهم يقرءون في ~~سورة التوبة قول الله عز وجل: # هو الذي أرسل رسوله ~~بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون ~~. # ويقرءون قوله - عز اسمه - في سورة الفتح: # هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ~~وكفى بالله شهيدا ~~. # وكان النبي قد أظهر دين الحق على الدين كله في جزيرة العرب، ولكنه لم يظهره على ~~الدين في سائر أقطار الأرض، ثم انتقضت اليمن مع الأسود العنسي، وانتقض بنو حنيفة مع ~~مسيلمة في حياة النبي؛ فلم يتم له إذن إظهار دين الحق على الدين كله، لا في جزيرة العرب ~~ولا في غيرها من أقطار الأرض. # وها هو ذا يفارق الدنيا ويختاره الله لجواره، فلا غرابة في أن يشك الصادقون من ~~المؤمنين في أنه قد مات كما شك عمر رحمه الله، ولا غرابة ms007 في أن يكفر الذين كانوا يعبدون ~~الله على حرف، كما كفر الأعراب الذين جحدوا الزكاة، ولا غرابة في أن يضطرب أمر الناس ~~في المدينة أشد الاضطراب. # فإذا فكرت في أن أبا بكر كان أحب الناس إلى رسول الله، وكان رسول الله أحب الناس ~~إليه؛ عرفت وقع هذه المحنة في نفس أبي بكر. ولكنك تعلم كيف خرج أبو بكر من هذه المحنة ~~دون أن تضطرب لها نفسه، ودون أن يجد الضعف أو الريب إلى نفسه سبيلا، وتعرف كذلك كيف ~~استطاع أن يرد الصادقين من المؤمنين إلى أنفسهم أو يرد أنفسهم إليهم، حين تلا عليهم ~~هاتين الآيتين الكريمتين، وهما قول الله - عز وجل - في سورة آل عمران: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب ~~على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين ~~. # وقوله في سورة الزمر: # إنك ميت وإنهم ~~ميتون ~~. # لم يجزع إذن أبو بكر ولم يرتب لوفاة النبي، بل ذاد الجزع والريب عن نفوس ~~المؤمنين الصادقين حين ذكرهم بما أنبأ الله في القرآن من أن النبي معرض للموت وللقتل، ~~ومن أنه ميت كما يموت غيره من الناس. # وليس إذن بد من البحث عن مصدر ما أتيح لأبي بكر من الثبات للمحن والصبر عليها، ~~والنفوذ آخر الأمر من مشكلاتها. # 3 # وليس لهذا كله إلا مصدر واحد هو الذي يدل عليه لقبه: «الصديق»؛ ذلك أن أبا بكر ~~كان رجلا من قريش، ثم رجلا من العرب، ثم إنسانا يفرح لما يفرح القرشي له ويفرق مما ~~يفرق القرشي منه، وتتأثر نفسه بما تتأثر به النفس العربية، وتخضع طبيعته لما تخضع له ~~الطبيعة الإنسانية من كل ما يعرض للناس من الرضى والغضب، ومن السرور والحزن، ومن اللذة ~~والألم، ومن القوة والضعف. ثم كان أبو بكر يمتاز برقة القلب وسماحة النفس والرحمة ~~الشديدة لكل من يصيبه ما يكره. # فكيف استطاعت طبيعته هذه أن تثبت لهذه المحن الشداد، وأن تنفذ منها في غير مشقة ولا ~~تكلف، ms008 وهو الذي أشفقت ابنته عائشة - رحمها الله - ألا يسمع الناس صوته حين تقدم النبي ~~يأمره أن يصلي بالناس لما ثقل عليه الوجع، فقالت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف ~~وإذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء. # ثم كيف استطاع أن يبلغ من النبي # صلى الله عليه وسلم # هذه المنزلة التي بلغها، والتي لم يبلغها ~~عنده أحد من أصحابه، فكان النبي يعلن ذلك، فيجيب عمرو بن العاص حين سأله أي الرجال أحب ~~إليه، بأنه أبو بكر. # ويقول يوما على المنبر فيما تحدث الرواة: لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا ~~بكر خليلا، ولكن إخاء وصحبة حتى يجمعنا الله عنده. # ويختلف إلى داره بمكة مصبحا وممسيا من كل يوم، ويختصه بمصاحبته حين هاجر من مكة، ~~ويؤثره بخاصة أمره كله. # لا جواب على هذه الأسئلة إلا ما ذكرته آنفا من أنه كان الصديق، فهو أول من أسلم من ~~الرجال وكان إسلامه صفوا خالصا، قاومه التصديق العميق، والإيمان الخالص من كل ~~شائبة، والاطمئنان الصادق السمح إلى كل ما يحدث به النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم إيثاره النبي ~~على نفسه في كل موطن، ثم البلاء الحسن كلما جد الجد واحتاج النبي أو المسلمون إلى هذا ~~البلاء. # والرواة يتحدثون بأن النبي حين أنبأ ذات يوم بأنه أسري به من ليلته من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى؛ كذبته قريش، وتردد بعض المسلمين في تصديقه ولم يطمئن ~~لنبئه هذا في غير شك ولا ارتياب ولا تردد إلا رجل واحد هو أبو بكر. # ويحدثنا الرواة كذلك أنه كان الرجل الوحيد الذي اطمأنت نفسه لصلح النبي مع قريش على ~~الهدنة يوم الحديبية، وقد اضطرب الناس لهذا الصلح وضاقوا به أول أمرهم، وثار له عمر بن ~~الخطاب على قربه من النبي وإيثار النبي له؛ فقال للنبي: ألسنا على الحق؟ قال النبي: ~~بلى، قال عمر: أليسوا على الباطل؟ قال النبي: بلى، قال عمر: فلم نعطى ~~الدنية في ديننا؟ قال النبي - وقد أخذه شيء من الغضب: «أنا عبد ms009 الله ورسوله ~~ولن يضيعني.» # وذهب عمر بعد ذلك إلى أبي بكر فحاوره كما حاور النبي، فكان جواب أبي بكر نفس الجواب ~~الذي أجاب به النبي، قال لعمر: إنه عبد الله ورسوله ولن يضيعه. # ولم يعرف قط أن أبا بكر قال أو صنع شيئا يؤذي النبي منذ أسلم إلى أن مات، ذلك إلى ~~إيثاره المسلمين على نفسه، وإنفاق ماله في معونتهم. # فالرواة يتحدثون بأنه كان رجلا تاجرا، وبأنه أسلم وعنده أربعون ألف درهم، فلما هاجر ~~إلى المدينة مع النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يكن قد بقي له من هذا المال إلا خمسة آلاف درهم، أنفق ~~سائر ماله في مواساة النبي والمسلمين، كان لا يرى رقيقا يعذب في الإسلام إلا اشتراه ~~وأعتقه. # من أجل هذا كله لم يكن أسبق الرجال إلى الإسلام فحسب، بل كان أحسنهم فيه بلاء، ~~وأثبتهم فيه قدما، وأشدهم له اطمئنانا وإذعانا. # ومعنى هذا كله: أن أبا بكر حين أسلم خلق خلقا جديدا، واكتسب شخصية لم تكن له من ~~قبل، قوامها الإيثار والوفاء والاطمئنان والثبات الذي لا يعرف ترددا ولا ~~اضطرابا. # ولأمر ما آثره النبي بصحبته في الهجرة، وذكره الله في القرآن بأنه كان ثاني اثنين في ~~الغار، وكان بعض المسلمين يقولون: إنه كان ثالث ثلاثة، يتأولون الآية الكريمة من سورة ~~براءة: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه ~~الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ~~. # فقد كان الله مع رسوله ومع أبي بكر في الغار، وكان أبو بكر إذن ثالث الثلاثة. # وقد أدبه الله في القرآن تأدبا رائعا قوى شخصيته وزكى نفسه، وعلمه كيف ~~يرتفع عن الصغائر، وكيف يحمل نفسه على ما تكره، ما دام في هذا الذي تكره من البر ~~والمعروف والإحسان ما يرضي الله عنه ويغفر له الذنوب، وذلك في قصة الإفك حين غضب أبو ~~بكر على قاذف ابنته عائشة رحمها الله، وكان هذا القاذف من ذوي قرابة أبي بكر، وكان أبو ~~بكر يحسن إليه ويعطيه ms010 ما يعينه على أثقال الحياة؛ فلما اقترف ما اقترف من الإثم أزمع ~~أبو بكر أن يقبض عنه إحسانه ومعونته؛ فأنزل الله في سورة النور بعد قصة الإفك هذه الآية ~~الكريمة: # ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ~~ وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~والله غفور رحيم ~~. # فلما سمع أبو بكر هذه الآية قال - فيما يحدث الرواة: بلى، والله إني لأحب أن يغفر ~~الله لي. ثم عفا وصفح، وعاد إلى ما كان يصنع بقاذف ابنته من البر والمعروف ~~والإحسان. # وكذلك صحب أبو بكر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أصدق صحبة وأبرها وأصفاها. # فلا غرابة وهو من النبي بهذه المنزلة، وهو أنصح المسلمين لله ولرسوله وللإسلام، أن ~~يختاره النبي ليصلي بالناس حين ثقل عليه المرض، على رغم ما حاولت عائشة وحفصة من ~~الاعتذار عنه برقة قلبه وشدة حبه للنبي. # ولا غرابة في أن يجد النبي ذات يوم خفة فيخرج للصلاة، وقد قام أبو بكر يصلي بالناس؛ ~~فلما رآه أبو بكر أراد أن يتأخر، فأشار النبي # صلى الله عليه وسلم # إليه ألا تبرح، ثم جلس عن يساره، ~~فكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر. # وكان أبو بكر أفهم الناس عن النبي؛ لأنه كان أعرفهم به وأقربهم إلى قلبه، ومن أجل ذلك ~~فطن لما أراد النبي إليه حين قال ذات يوم على المنبر: إن عبدا خيره الله بين ما عنده ~~وبين زهرة الدنيا فاختار ما عند الله، فقال أبو بكر في صوت تقطعه العبرة: بل نفديك ~~بأنفسنا وأبنائنا، فعجب الناس لمقالته، وجعل بعضهم يقول لبعض: انظروا إلى هذا الشيخ كيف ~~يقول! ولكن أبا بكر فطن لما أراد النبي من أن هذا العبد الذي آثر ما عند الله على زهرة ~~الدنيا هو النبي نفسه، وكان يؤذن الناس بأن انتقاله عنهم إلى رضوان الله قريب. # والرواة يتكثرون في بعض الحديث ويختلفون فيما يتكثرون فيه باختلاف نزعاتهم السياسية، ~~فقوم يزعمون أن ms011 النبي # صلى الله عليه وسلم # طلب إلى عائشة في مرضه الذي قبض فيه أن تدعو أخاها عبد ~~الرحمن ليكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف الناس معه عليه، ثم عدل عن ذلك وقال: دعيه، فلن ~~يختلف الناس على أبي بكر. # وقوم آخرون يزعمون أنه لم يسم أبا بكر ولم يسم عبد الرحمن، وإنما أراد أن يكتب ~~لأصحابه كتابا لا يضلوا بعده، فاختلف من كان عنده ذلك الوقت من أصحابه، أراد بعضهم أن ~~يكتب، وأبى بعضهم، وقال - وهو عمر فيما يروى: «إن الوجع اشتد برسول الله وعندنا كتاب ~~الله.» # وقد بينت في غير هذا الموضع أني أشك كل الشك في هذا كله، وأكاد أقطع بأنه مما ~~تكلفته الفرق السياسية بأخرة، ولو قد عزم الله لرسوله على أن يوصي لأبي بكر أو لغيره ~~لما صرفه عن ذلك أحد. # ومهما يكن من شيء فقد قبض النبي # صلى الله عليه وسلم # ولم يوص لأحد لا لأبي بكر ولا لغيره، ولو ~~قد أوصى لأبي بكر لما كانت سقيفة بني ساعدة، ولما خالفه الأنصار عن وصية رسول الله، ~~ولو قد أوصى لعلي لكان أبو بكر أسرع الناس إلى بيعته، فكيف وقد اجتمع المسلمون من ~~المهاجرين والأنصار على بيعة أبي بكر، إلا ما كان من شذوذ سعد بن عبادة وامتناعه عن ~~البيعة. # وقد بايع علي - رحمه الله - أبا بكر، وعمر من بعده وعثمان من بعدهما، ولو قد علم أن ~~النبي قد أوصى له لجاهد في إنفاذ أمر النبي ولآثر الموت على خلاف هذا الأمر. # والواقع - فيما أرجح - أن الرواة أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس، بعد انقسام المسلمين ~~فيما أثير من الفتنة بقتل عثمان رحمه الله، فلم يخلصوا أنفسهم للصدق في الرواية، ولم ~~يتحرجوا من أن يصوروا أمر المسلمين إثر وفاة النبي كما كان أمر المسلمين في ~~أيامهم. وأيسر النظر في كتب التاريخ القديمة، وفي كتب المتكلمين القدماء يبين لنا أن ~~المسلمين انقسموا بأخرة في بيعة أبي بكر، كما انقسموا في أشياء كثيرة غيرها انقساما ~~شديدا، فقد أكثر المتكلمون ms012 الجدال في أمر أبي بكر وعلي رحمهما الله، فكان البكريون ~~يزعمون أن أبا بكر أفضل المسلمين وأحقهم بخلافة النبي # صلى الله عليه وسلم # ويلتمسون على ذلك ~~ألوانا من الحجج يكثر فيها التكلف والتزيد، وكان المتشيعون لعلي يذهبون مذهب خصمهم، ~~فيتكلفون ويتزيدون. # يقول البكريون مثلا: إن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، ويأبى مخاصموهم ذلك فيقولون: ~~إن عليا أول من أسلم من الرجال. # ويقول البكريون: إن عليا قد أسلم ولم يجاوز الصبا فلم يكن مكلفا، وأسلم أبو ~~بكر وقد بلغ الشيخوخة أو كاد يبلغها، وفرق بين إسلام الرجل الذي كملت رجولته وإسلام ~~الصبي الذي لما يبلغ الحلم. # ثم يختصمون في سن علي حين نبئ النبي: يذهب البكريون إلى أنه كان تسع سنين، وربما ~~ألجأتهم الخصومة إلى الغلو، فزعموا أن عليا أسلم وهو ابن ست سنين. # وواضح ما في هذا من السرف، فعندما هاجر النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى المدينة وخلف عليا بمكة ~~ليؤدي إلى بعض الناس ودائع كانت عند النبي، ويقال: إن النبي أمر عليا أن يشتمل ببردة ~~كانت له، وأن ينام في فراشه؛ ليوهم الرصد الذين كانوا يتربصون به ليقتلوه أنه ما زال ~~نائما في بيته، فلما أصبحوا تبينوا أن من كان نائما في فراش النبي إنما هو ~~علي. # ثم كانت وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، فأبلى فيها علي أحسن البلاء، وكل ذلك ~~يدل على أن عليا لم يكن في أول الصبا حين أسلم، وعسى أن يكون قريبا من أول الشباب، ~~وأكبر الظن أنه كان قد جاوز العشرين حين هاجر النبي وخلفه في مكة ليرد على الناس ~~ودائعهم. # وإذن فأبو بكر أول من أسلم من الرجال الذي جاوزوا الشباب وبلغوا الكهولة وأوشكوا أن ~~يبلغوا الشيخوخة، وهو بعد ذلك لم يكن ذا قرابة قريبة من النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وإنما كان ~~رجلا من قريش، فسبقه إلى الإسلام فضيلة تقدمه على الذين أسلموا بعده، لا شك في ~~ذلك. # وكان علي - كما نعلم - ربيب النبي، يعيش معه في ms013 داره، أخذه النبي من عمه أبي طالب ~~ليخفف عنه مئونته، فلا غرابة في أن يسبق إلى الإسلام في آخر عهده بالصبا وأول عهده ~~بالشباب. # فكلا الإمامين سابق إلى الإسلام ليس في ذلك شك، أسلم أحدهما لمكانه من النبي، ولتأثره ~~لما كان يسمع ويرى في أكثر ساعات النهار، وكان الثاني أول من استجاب للدعوة حين تجاوز ~~النبي بها عشيرته الأقربين. # ولا يقف اختصام الرواة باختصام الفرق عند هذا، ولكن الأحاديث التي تروى عن النبي # صلى الله عليه وسلم # تكثر وتتشعب لا لشيء إلا ليظهر أحد الفريقين على صاحبه. # يقول الشيعة مثلا: إن عليا كان وصي النبي، فيحاول مخاصموهم أن يزعموا أن النبي ~~هم أن يوصي لأبي بكر، ثم عدل لأنه وثق بأن المسلمين لن يختلفوا عليه. # ويروون أحاديث أخرى، يروون - انظر طبقات ابن ~~سعد - أن أبا بكر قال للنبي ذات يوم: وما أزال أراني أطأ في عذرات # 1 # الناس، قال: لتكونن من الناس بسبيل، قال: ورأيت في صدري كالرقمتين، # 2 # قال: سنتين، قال: ورأيت علي حلة حبرة، قال: ولد تحبر # 3 # به. # فقد أرى أبو بكر هذه الرؤيا وأولها النبي بأنه سيلي أمر الناس، ثم أرى أبو بكر كأن ~~في صدره رقمتين، فأولها له النبي بأن ولايته ستتصل سنتين. # فواضح ما في هذا الحديث من التكلف. # ورؤيا أخرى أريها النبي # صلى الله عليه وسلم # وأولها له أبو بكر، ويرويها ابن سعد في طبقاته ~~أيضا، قال النبي لأبي بكر: يا أبا بكر، رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك ~~بمرقاتين ونصف، قال: خير يا رسول الله، يبقيك الله حتى ترى ما يسرك ويقر عينك، فأعاد ~~عليه مثل ذلك ثلاث مرات. # فقال له في الثالثة: يا أبا بكر، رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة، فسبقتك بمرقاتين ~~ونصف. قال: يا رسول الله، يقبضك الله إلى رحمته ومغفرته وأعيش بعدك سنتين ~~ونصفا. # فقد كان أبو بكر إذن يعرف متى تنتهي حياته، ولا سيما بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~والغريب أنه انتظر باستخلاف عمر ms014 - رحمه الله - مرضه الذي توفي فيه ، واسترد من ابنته ~~عائشة ما كان وهب لها من ماله ليجعله في الميراث حين أشرف على الموت. # وكل هذا مما تكلفه الرواة بأخرة، وليس عندي شك في أنه من الضعف بمنزلة ما رويت ~~آنفا، من أن النبي هم أن يوصي له، ثم اطمأن إلى اجتماع الناس على أبي بكر، فعدل عن ~~وصيته. وهذه الأحاديث إنما أريد بها إلى مخاصمة الشيعة فيما كانت ترى من أن عليا ~~هو وصي النبي. # والذي لا أشك فيه هو أن القرآن لم ينظم للمسلمين أمر الخلافة ولا توارثها، وأن ~~النبي لم يترك وصية أجمع عليها المسلمون، ولو قد فعلها لما خالف عن وصيته أحد من ~~أصحابه، ولا من المهاجرين ولا من الأنصار. # وفضل أبي بكر أظهر من أن يحتاج إلى مثل هذا التكلف، وفضل علي أظهر من أن يحتاج إلى ~~التكلف أيضا، فهو ابن عم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو زوج ابنته وأبو سبطيه: الحسن والحسين ~~رحمهما الله، وبلاؤه في الإسلام لا يشك فيه مسلم، وحب النبي له معروف، أعلنه # صلى الله عليه وسلم # غير مرة، فلا حاجة إذن إلى أن تخترع الأحاديث لإثبات ما لا حاجة إلى إثباته؛ كالحديث ~~الذي يروى من أن العباس عرف الموت في وجه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان يعرف الموت في وجوه ~~بني عبد المطلب ... # فخرج علي ذات يوم من عند النبي في مرضه الذي توفي فيه، فسأله الناس عن رسول ~~الله، فقال: أراه بحمد الله بارئا، قال الرواة: فأخذ العباس بيد علي، فقال: ألا ترى ~~أنك بعد ثلاث عبد العصا، وإني أرى رسول الله سيتوفى في وجعه هذا، وإني لأعرف وجوه ~~بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب إلى رسول الله، فسله: فيمن يكون هذا الأمر؟ فإن كان ~~فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصى بنا، قال علي: والله لئن سألناها رسول ~~الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا، والله لا أسألها رسول الله أبدا. # والغريب أن الطبري يروي ms015 هذا الحديث من طريقين دون أن ينكر منه شيئا، مع أن التكلف ~~فيه ظاهر، وهو إنما أريد به أن يرد على الشيعة بأن عليا لم يكن يعلم أنه وصي ~~النبي، وأنه كان يرجو أن تساق الخلافة إليه يوما، وأنه أشفق إن سأل النبي عنها أن ~~ينبئه النبي بأنها ليست في بني هاشم؛ فيعلم الناس بهذا المنع ثم يرونه دينا فلا ~~يسمحون بالخلافة لهاشمي أبدا. # وأعتقد أن عليا كان أكرم على نفسه، وأشد حبا لرسول الله من أن يقول هذه المقالة ~~أو يفكر هذا التفكير، وإن صح من هذا الحديث شيء فهو أن عليا كان يعلم أن النبي كان ~~في شغل بمرضه، وربما كان يدبر رغم هذا المرض من أمور المسلمين، فكره أن يشق عليه من ~~جهة، واستحيا من جهة أخرى أن يظهر أمام النبي مظهر المستغل لمكانته منه الراغب مع ذلك ~~في السلطان. # وقد كان علي يعرف حب النبي له وبره به وإكباره لبلائه في الإسلام، ويعلم أن ~~النبي إن كان موصيا له أو لغيره فلن يصرفه عن ذلك صارف، وإن كان غير موص فلن يحمله ~~على ذلك حامل، والنبي إنما كان ينطق عن أمر السماء، فلو قد أراده الله على أن يوصي ~~لأوصى دون أن يسأله سائل أو يرغب إليه راغب. # وقصة أخرى يرويها المؤرخون، وما أراها إلا متكلفة أيضا، فهم يزعمون أن أبا سفيان حين ~~رأى أمر البيعة يستقيم لأبي بكر - وهو رجل من تيم ليس من بني عبد مناف ولا من بني قصي - ~~أخذته العصبية الجاهلية، فجعل يبرق ويرعد، ويقول: لئن شئت لأملأن عليه الأرض خيلا، ~~ويقول: فأين بنو عبد مناف؟ ثم حاول أن يغري عليا والعباس بمثل ثورته؛ فجعل يحرضهما ~~ويسأل: أين الأذلان؟ ويتمثل بقول الشاعر: # ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان عير الحي والوتد # 4 # هذا على الخسف معقوص برمته # 5 # وذا يشج فما يرثي له أحد # ثم يعرض على علي بيعته، ولكن عليا يزجره قائلا له: طالما بغيت الإسلام شرا فلم ~~تضره، ms016 ثم رفض ما كان يعرض عليه. # ولو قد قال أبو سفيان هذه المقالة أو دعا هذه الدعوة لعلم بها أبو بكر وعمر، كما علم ~~بها الرواة، ولعرفا كيف يضعان أبا سفيان حيث وضعه الله. # وإنما هي قصة تكلفها المتقربون إلى بني العباس بالتشنيع على بني أمية، كما تكلفوا ~~كثيرا من أمثالها. # ويزيد بعض الرواة في هذه القصة ما يقطع بكذبها، فيزعمون أن بعض من سمع أبا سفيان يقول ~~هذه المقالة في أبي بكر قال له: إن أبا بكر قد ولى ابنك، هنالك رضي أبو سفيان وقال: ~~وصلته رحم. # والواقع من أمر الخلافة أنها أطلقت ألسنة بعض الرواة المتعصبين للأحزاب السياسية بكذب ~~كثير، وروى المؤرخون هذه الأكاذيب بأخرة من غير تحقيق ولا تمحيص، فاختلطت الأمور على ~~الناس وذهبوا في فهمها وتأويلها واستخلاص الحق منها كل مذهب. # والذي أرجحه - وأوشك أن أقطع به - هو أن عليا والعباس كانا مشغولين بتجهيز النبي # صلى الله عليه وسلم # حين بويع لأبي بكر؛ فالرواة مجمعون على أن الأنصار لما عرفوا وفاة النبي ~~بعد أن سمعوا مقالة أبي بكر وما تلا من القرآن ليبين للشاكين والمضطربين أن النبي ~~قد قبض، وأن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا ~~يموت، وأن القرآن قد أنبأ بأن النبي رجل يعرض له الموت كما يعرض لغيره من الناس. # أقول: إن الأنصار لما عرفوا وفاة النبي اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة وتشاوروا بينهم، ~~فتم رأيهم على أن يكون السلطان فيهم؛ لأنهم أهل المدينة، ولأن غيرهم من المهاجرين ~~طارئون عليهم فيها، وليس منهم من يوحى إليه كما كان يوحى إلى النبي، فلا ينبغي أن ~~يلوهم بعد وفاة النبي وانقطاع الوحي، وقدموا سعد بن عبادة من الخزرج ليبايعوه. وبلغ ~~ذلك عمر؛ فأرسل إلى أبي بكر في بيت النبي: أن اخرج إلي، ولم يستجب إليه أبو بكر، بل ~~قال لرسوله: قل له: إني مشتغل، فأعاد عمر الرسول إليه بأن أمرا قد حدث ولا بد من أن ms017 ~~يحضره. # فخرج إليه أبو بكر، فلما عرف منه ما أزمع الأنصار ذهب معه إليهم، ولقيا في طريقهما ~~أبا عبيدة بن الجراح، فانطلق معهما، وأتى ثلاثتهم الأنصار وقد هموا ببيعة سعد؛ ~~فحاوروهم، وحاجوهم في هذا الأمر، وأقنعهم أبو بكر بأن المهاجرين من قريش هم أولى بالنبي ~~وبسلطانه من بعده؛ لأنهم عشيرته وذوو قرابته. # ثم بايع عمر وأبو عبيدة لأبي بكر، وأقبل الأنصار فبايعوه بعد أن ذكرهم رجل منهم - ~~هو بشير بن سعد - بأنهم لم يؤووا النبي ولم ينصروه ابتغاء للدنيا، وإنما آووا ونصروا ~~ابتغاء مرضاة الله عز وجل. # وكذلك بدأت بيعة أبي بكر، وعلي والعباس مشغولان بأمر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان هذا كله ~~في اليوم نفسه الذي قبض فيه النبي. # ولست أطمئن إلى أكثر ما يرويه الرواة من نصوص الحوار الذي كان بين أبي بكر وصاحبيه من ~~جهة، وبين الأنصار أوسهم وخزرجهم من جهة أخرى. # فهم يروون هذا الحوار رواية من شهد اجتماع القوم وسمع ما كان فيه من الأحاديث والخطب، ~~ثم لم يكتف بالسماع وإنما سجل ما قيل حرفا حرفا، بل سجل حركات القوم ~~وإشاراتهم، ولو قد استطاع لسجل نبرات الأصوات، مع أن هذا الحوار وأمثاله لم يدون ~~إلا بأخرة، بعد انقضاء عصر الخلفاء الراشدين، وصدر من ملك بني أمية. ولم ينتقل هذا ~~الحوار وأمثاله إلى القصاص والمؤرخين مكتوبا، وإنما نقل إليهم مشافهة، وصنعت فيه ~~الذاكرة صنيعها وتعرض بعضه للنسيان وبعضه لتغيير اللفظ، وصنعت فيه الأهواء السياسية ~~صنيعها أيضا. # فهم يزعمون مثلا أن الأوس تناجت بينها؛ فقال بعضها لبعض: والله لئن وليت الخزرج - ~~وهم قوم سعد بن عبادة - هذا الأمر لكانت لهم عليكم الفضيلة إلى آخر الدهر، ثم تناصح ~~القوم أن يبايعوا لأبي بكر حتى لا يتاح هذا السبق للخزرج. # والذي نعرفه من سيرة الأنصار - ومن سيرة المسلمين عامة - يدل على أن الإسلام قد ألغى ~~ما كان في قلوبهم من التنافس والتباغض، ومحا ما كان في صدورهم من الضغائن الجاهلية، ~~فغريب أن تعود إليهم جاهليتهم بكل ما كان ms018 فيها من الحقد والحسد والموجدة فجاءة في ~~اليوم نفسه الذي قبض فيه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وما ينبغي أن ننسى أن من الرواة من كانوا من الموالي الذين لم تبرأ قلوبهم من الضغن ~~على العرب؛ لأنهم فتحوا بلادهم وأزالوا سلطانهم، ثم استأثروا من دونهم بالأمر أيام بني ~~أمية، وإذا كان الكذب قد كثر على رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فأي غرابة في أن يكثر على ~~المؤمنين من أصحابه. # والذي أستخلصه أنا من قصة السقيفة أيسر جدا مما صور المؤرخون، فقد أشفق الأنصار ~~بعد وفاة النبي من أن يلي المهاجرون من قريش الخلافة، فيصير هذا سنة وتستأثر قريش ~~بالأمر، فإذا ذهب الصالحون من أصحاب النبي لم يعرف من يأتي بعدهم من قريش حق الأنصار، ~~فظلموهم وجاروا عليهم، فأراد الأنصار إذن أن يحتاطوا للمستقبل، وكأنهم أحسوا قبل أن ~~يأتيهم أبو بكر وصاحباه أن قريشا لن ترضى منهم بهذا الأمر، فأزمعوا أن يعرضوا على ~~المهاجرين أن يكون الأمر في المهاجرين والأنصار على سواء، فينهض بأعباء الحكم أميران: ~~واحد من أولئك، وواحد من هؤلاء. ويكون بذلك توازن في التبعات، فإذا بغى أحدهما كفه ~~الآخر. # وصدق عمر حين رد على الأنصار رأيهم هذا؛ فقال: لا يجتمع اثنان في قرن؛ # 6 # فلو قد تم للأنصار ما كانوا يريدون لما استقامت أمور الحكم، ولكان من ~~الخلاف بين الأميرين ما يفسد على المسلمين حياتهم ويضطرهم إلى خصومات لا تنتهي، وربما ~~اضطرهم إلى الحرب في كثير من الأحيان. # والمهم أن أبا بكر وصاحبه قد أقنعوا الأنصار في يسر، فلم ينصرفوا عنهم إلا وقد ~~بايعوا لأبي بكر، ولو قد كان الأنصار حراصا على الحكم والاستئثار بالسلطان لما أتيح ~~لأبي بكر وصاحبيه أن يقنعوهم في ساعة من نهار. # والرواة يتحدثون بأن سعد بن عبادة الذي رشحه الأنصار للخلافة أبى أن يبايع لأبي بكر، ~~وكان لا يصلي بصلاة المسلمين، ولا يشهد معهم الجمعة، ولا يفيض بإفاضتهم في ~~الحج. # ولكن رواة آخرين يتحدثون بأنه بايع كما بايع غيره من الناس. # وهذا ms019 عندي أدنى إلى الصواب، وكل ما يمكن أن يقال إنما هو أن سعدا تأخر في البيعة؛ ~~لأنه كان مريضا من جهة، ولأنه ربما وجد في نفسه من إقبال الأنصار عليه أولا، ثم ~~انصرافهم عنه لما سمعوا من حديث أبي بكر وصاحبيه. # ويمضي الرواة الذين ينكرون بيعة سعد في غلوهم، فيزعمون أن الجن قتلت سعدا، ويضيفون ~~إلى الجن بيتين من الشعر، وهما: # قد قتلنا سيد الخز # رج سعد بن عباده # ورميناه بسهمي # ن فلم نخطئ فؤاده # وما أظن أننا في حاجة إلى أن نقف عند هذا السخف. # 4 # بقيت مسألتان خلط فيهما الرواة تخليطا عظيما، وأثر فيهما انقسام المسلمين تأثيرا ~~منكرا، وليس بد من أن نتبين وجه الحق فيهما. # فأما أولاهما فبيعة علي لأبي بكر، فالرواة يختلفون فيها أشد الاختلاف، يقول قوم: إن ~~عليا بايع أبا بكر حين بايعه غيره من المسلمين. وهؤلاء يختلفون فيما بينهم؛ فيزعم ~~بعضهم أن عليا كان جالسا في داره وعليه قميص ليس معه إزار ولا رداء، فجاءه من أنبأه ~~بأن أبا بكر قد جلس للبيعة، وأن الناس يبايعونه، فأسرع علي إلى المسجد وأعجله السرع ~~عن أن يتخذ إزاره ورداءه، ومضى حتى بايع أبا بكر، ثم جلس وأرسل من جاءه بثوبه فتجلله، ~~وواضح ما في هذا من السرف. # وآخرون يزعمون أن عليا تلكأ عن البيعة وتلكأ معه الزبير بن العوام، فأرسل عمر من ~~جاء بهما، ثم قال لهما: والله لتبايعان طائعين أو لتبايعان كارهين. وواضح ~~كذلك ما في هذا من الكذب. # فما كان أبو بكر ليخلي بين عمر وبين العنف بعلي إثر وفاة رسول الله، وزوجه فاطمة ما ~~زالت حية، وإنما هذا الخبر متكلف أريد به إلى إظهار أن عليا لو ترك وشأنه ما ~~بايع أبا بكر. # وكثير من الرواة يزعمون أن عليا لم يبايع أبا بكر إلا متأخرا، وأن بني هاشم صنعوا ~~صنيعه فامتنعوا على أبي بكر وخالفوا جماعة المسلمين، وظلوا على هذا الخلاف ستة أشهر، ~~حتى إذا توفيت فاطمة - رحمها الله - بايعوا. # وواضح ما في ms020 هذا من الكذب أيضا، فما كان علي وبنو هاشم ليفارقوا جماعة المسلمين ~~وليتلبثوا حتى تموت فاطمة، ثم يكون إقبالهم على البيعة حين رأوا أن الناس قد انصرفوا ~~عنهم بعد موت فاطمة. # وأيسر العلم بفضل علي - رحمه الله - ونصحه للمسلمين وحسن بلائه في الإسلام أيام ~~النبي يمنع من قبول هذه الرواية، وإنما خلط الرواة بين أمرين مختلفين أشد ~~الاختلاف. # أحدهما: بيعة علي لأبي بكر، والآخر: ما كان من مغاضبة فاطمة لأبي بكر في ميراث ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقد طلبت فاطمة حقها من ميراث أبيها في فدك وفي سهمه من خيبر، فلم ~~يجبها أبو بكر إلى ما طلبت لأنه سمع النبي # صلى الله عليه وسلم # يقول: لا نورث، ما تركناه صدقة. ~~فهجرته فاطمة ولم تكلمه حتى ماتت. # وكأن عليا جفا أبا بكر لهجران فاطمة له، ومن أجل ذلك لم يؤذن أبا بكر بموتها، بل ~~دفنها ليلا - فيما يزعم الرواة - ثم كان صلح بعد ذلك بين علي وأبي بكر. # وهذا شيء لا شأن له بالبيعة، وإنما بايع علي حين بايع الناس في غير سرع ولا إكراه. ~~رأى أن كلمة المهاجرين والأنصار قد اجتمعت على أبي بكر فلم يخالف عما أجمع عليه ~~المسلمون، ولو قد خالف علي أو هم بالخلاف لاستطاع أن يحاج أبا بكر بحجته على ~~الأنصار في سقيفة بني ساعدة، فقد احتج أبو بكر على الأنصار بأن المهاجرين من قريش هم ~~أولى الناس بالنبي وبسلطانه من بعده؛ لأنهم عشيرته وذوو قرابته. # ومما لا شك فيه أن عليا كان أقرب إلى النبي من أبي بكر وعمر؛ فهو ابن عمه، وزوج ~~ابنته وأبو سبطيه، كما قلت منذ حين، ولكن عليا لم يفعل - على رغم ما زعم بعض الرواة - ~~وما كان في حاجة إلى أن يفعل، فأبو بكر كان يعرف قرابة علي حق المعرفة، كما كان ~~يعرفها غيره من المسلمين، وإنما نظر الناس إلى سن أبي بكر وفضله وحسن مواساته للنبي # صلى الله عليه وسلم # وللمسلمين، واختصاص النبي له بمصاحبته في هجرته، ثم ms021 أمره أن يصلي بالناس حين ~~ثقل عليه المرض، فكان الناس يقولون: اختاره رسول الله لديننا، فلم لا نختاره لأمر ~~دنيانا؟! # والمهم أن أحدا لم يخالف على أبي بكر، لا من بني هاشم ولا من غيرهم، وكل ما يقال ~~غير هذا تكلفه المتكلفون بأخرة حين افترق المسلمون شيعا وأحزابا. # ولا يستطيع أحد أن يقطع بأن عليا كان فيما بينه وبين نفسه يجد على أبي بكر أو على ~~عمر؛ لأنهما استأثرا بالخلافة من دونه؛ ذلك بأنه لم ينبئنا بشيء من ذلك فيما نطمئن إليه ~~من أحاديث الرواة، وعلي أفضل في نفسه وأكرم عند الله من أن يبايع الشيخين بلسانه ~~ويضمر في قلبه غير ما كان يظهر، ونحن نعلم أنه نصح للشيخين أثناء خلافتهما، وأن عمر ~~خاصة قد استعان به في غير موطن، واستشاره في كل ما كان يستشير فيه أعلام المهاجرين ~~والأنصار. # وقد بينا في غير هذا الحديث نصحه لعثمان حين استقام له الناس وحين اختلفوا عليه، ~~وهذا هو الظن بعلي رحمه الله، فهو قد كان من المؤمنين الصادقين الذين أخلصوا سريرتهم ~~وعلانيتهم لله عز وجل، ونصح للمسلمين أصدق النصح وأصفاه من الشوائب ما امتدت له أسباب ~~الحياة، فالذين يظنون به أنه بايع لمن بايع من الخلفاء تقية # 7 # إنما يتهمونه بما لا ينبغي أن يتهم به رجل أحب الله ورسوله، وأحبه الله ~~ورسوله، فيما يروى عن النبي # صلى الله عليه وسلم # حين دفع إليه الراية في وقعة خيبر. # هذه إحدى المسألتين اللتين ذكرتهما في أول هذا الفصل، فأما المسألة الأخرى فتتصل بما ~~روي عن عمر - رحمه الله - من أنه قال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله ~~شرها. # فمن الناس من يتخذ هذه المقالة التي رويت عن عمر - وما أدري أصحت بها الرواية ~~أم لم تصح - وسيلة للقول في خلافة أبي بكر والتشكك في صحتها، وهذا سخف؛ فالمسلمون من ~~المهاجرين والأنصار وممن بقي بمكة أو بالطائف، وممن تفرق في قبائل العرب حين وفاة ~~النبي قد رضوا خلافته وأخلصوا له النصح ms022 وائتمروا بكل ما أمر به، وانتهوا عن كل ما نهى ~~عنه . # ولولا ذلك لما استطاع أبو بكر أن يثبت للعرب حين ارتدت، وأن يجند المهاجرين ~~والأنصار والتابعين لهم بإحسان لقتال المرتدين، وحملهم على أن يدخلوا فيما خرجوا منه، ~~وأن يؤدوا من الحق كل ما كانوا يؤدونه إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولما استطاع أن يرمي ~~بهؤلاء المهاجرين والأنصار والتابعين العراق، وكان جزءا من ملك فارس - والشام - وكان ~~جزءا من ملك الروم كما سنرى، إنما أراد عمر - إن صحت المقالة التي رويت عنه - أن ~~بيعة أبي بكر لم تتم في أول أمرها عن ملأ من جماعة المسلمين وعن تشاور وإجالة للرأي، ~~وإنما تمت فجاءة حين اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وهمت أن تؤمر سعدا، وحين ~~حاورهم أبو بكر وصاحباه. # فهنالك رشح أبو بكر للأنصار عمر أو أبا عبيدة، وكره هذان أن يتقدما عليه فأسرعا إلى ~~بيعته وتبعتهم الأنصار، ثم تتام الناس على البيعة بعد ذلك، ولو لم يجتمع الأنصار ~~ويهموا بتأمير سعد لجرى أمر البيعة غير هذا المجرى، ولانتظر الناس بها حتى يفرغوا من ~~دفن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولاجتمع أولو الرأي من المهاجرين والأنصار فتذاكروا أمرهم وأمر ~~المسلمين، واختاروا من بينهم خليفة لرسول الله. # من أجل ذلك كانت بيعة أبي بكر فلتة فيما روي عن عمر، وقد وقى الله شرها؛ لأن ~~المسلمين لم ينكروا هذه البيعة ولم يجادل فيها مجادل منهم ولا تردد فيها متردد، وإنما ~~أقبلوا فبايعوا أبا بكر راضية به نفوسهم، مطمئنة إليه قلوبهم وضمائرهم، ثم نصحوا له بعد ~~ذلك ما عاش فيهم، فلما مرض مرضه الذي توفي فيه أوصى لعمر بالخلافة على النحو الذي ~~رواه المؤرخون. # والواقع أن القرآن لم يشرع نظاما لاختيار الخلفاء، وأن السنة كذلك لم تشر إلى ~~هذا النظام، وإنما تعود المسلمون نظام البيعة أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، حين كانوا ~~يبايعونه على الإسلام بمكة قبل الهجرة، وحين بايعه نقباء الأنصار على أن يؤووه وينصروه ~~ويسمعوا له ويطيعوا، وحين كانوا ms023 يبايعونه على مثل ذلك في المدينة: يبايعه الرجل عن نفسه ~~حين يسلم، ويبايعه الوفد عن قومهم حين يسلمون، ثم حين بايع أصحابه على الموت يوم ~~الحديبية، وبايعته قريش على الإسلام يوم الفتح. ثم تتامت مبايعة الوفود له عن قومهم، ~~فاستقر في نفوس المسلمين من أجل هذا أن الخلافة عن النبي يجري أمرها مجرى سلطان النبي ~~في حياته، أي تقوم على المبايعة. # ونظرا للفرق الواضح بين النبي وغيره من الناس كان هناك فرق في نفوس المؤمنين بين ~~مبايعة النبي ومبايعة الخلفاء، فقد كان النبي يوحى إليه ولم يكن يبايع عن نفسه وحدها ~~حين يبايع، وإنما كان يبايع عن الله الذي أرسله أولا وعن نفسه بعد ذلك. # ومن أجل هذا قال الله - عز وجل - في سورة الفتح بمناسبة بيعة الحديبية: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ~~ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا ~~عظيما ~~. # من أجل هذا لم يكن لمن يبايع رسول الله أن يتحلل من بيعته، لا لأنه إن فعل كان ناكثا ~~لعهده مع النبي فحسب، بل لأنه إن فعل كان ناكثا مع ذلك لعهده مع الله عز وجل، ولم يكن ~~لمن بايع النبي أن يجادله أو ينكر عليه شيئا مما أنزل الله في القرآن، أو مما أنطق ~~نبيه به من الوحي في تفصيل ما أجمل القرآن، وفي تعليم الناس ما يقيم أمورهم في الدين ~~والدنيا. # فأما إذا شاورهم في أمر لم ينزل فيه قرآن، ولم يؤمر النبي فيه بأمر من السماء، فلهم ~~أن يشيروا عليه، وأن يقترحوا عليه كذلك غير ما هم بفعله، كالذي كان حين أنزل النبي # صلى الله عليه وسلم # أصحابه منزلا يوم بدر، فسأله الحباب بن المنذر بن الجموح: أهذا ~~منزل أنزلكه الله - عز وجل - أم هو الرأي والمشورة؟ فلما قال له النبي: بل هو الرأي ~~والمشورة؛ أشار عليه بمنزل آخر هو أصلح للمسلمين، فقبل مشورته. # أما بيعة الناس للخلفاء، فهي عقد بينهم وبين هؤلاء الخلفاء، ms024 لا يجوز لخليفة أن ينقضه، ~~ولا يجوز لأحد من الرعية أن ينقضه أيضا؛ لأن الله يأمر بالوفاء بالعهد في غير موضع من ~~القرآن، فيقول مثلا في سورة النحل: # وأوفوا بعهد الله ~~إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون * ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي ~~أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن ~~لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ~~، ويقول في ~~سورة الإسراء: # وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسئولا ~~. # ويجعل الوفاء بالعهد خصلة من خصال البر التي عددها في الآية الكريمة من سورة ~~البقرة: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل ~~المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على ~~حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك ~~هم المتقون ~~. # والخلافة عهد بين الخليفة ورعيته، قوامه أن يلزم الخليفة نفسه أن يعمل بكتاب الله ~~وسنة رسوله، وأن ينصح للمسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن يطيع المسلمون أوامر ~~الخليفة ويجتنبوا ما ينهى عنه في هذه الحدود، فإن نكث الخليفة عهده فسار في المسلمين ~~سيرة ينحرف بها عن كتاب الله وعن سنة رسوله، وعما التزم من النصح للمسلمين فلا طاعة ~~له على رعيته، ومن حق هذه الرعية أن تطالبه بالوفاء بما أعطى على نفسه من عهد، فإن ~~استقام فذاك، وإلا فللمسلمين أن يبرءوا منه وأن يلتمسوا لهم خليفة غيره، وإذا بغى بعض ~~الرعية فنقض عهده الذي أعطاه للخليفة بالسمع والطاعة وجب على الخليفة أن يراجعه في ذلك، ~~فإن فاء إلى أمر الله وأوفى بالعهد فذاك، وإن أبى وجب على الخليفة أن يقاتله حتى يفيء ~~إلى أمر الله. # ومن أجل هذا كله قال أبو بكر في خطبته التي تروى عنه إثر بيعته: «إن أحسنت فأعينوني ~~وإن ms025 أسأت فقوموني.» # ثم قال بعد ذلك: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي ~~عليكم.» # وليس بد من أن تتم البيعة بين الخليفة والممثلين للمسلمين من أعلام الأمة وقادتها ~~حتى حين يوصي الخليفة القائم لرجل من بعده، كائنا من يكون هذا الرجل. # وقد استخلف أبو بكر عمر في مرضه الذي توفي فيه، ولكنه لم يطمئن إلى وصيته حتى ~~استشار فيها نفرا من أصحاب رسول الله، ثم أمر عثمان أن يسأل جماعة المسلمين: أتبايعون ~~لمن في هذا الكتاب؟ فلما قالوا: نعم، اطمأنت نفس أبو بكر، وأرسل إلى عمر فنصح له ~~ووصاه بما أراد. # وكل هذا لم يلزم المسلمين طاعة عمر بعد وفاة أبي بكر، وإنما وجب على الخليفة أن ~~يعطيهم العهد ليعملن بكتاب الله وسنة رسوله ولينصحن للمسلمين ما استطاع، ووجب على ~~المسلمين أن يعطوه العهد على أنفسهم بالسمع والطاعة في الحدود التي التزمها. # ولما طعن عمر وجعل الشورى في أولئك الستة من أصحاب رسول الله، على أن يختاروا من ~~بينهم رجلا يكون هو الخليفة، لم تكن وصية عمر إلى هؤلاء الستة معفية للخليفة من أن ~~يعطي هذا العهد على نفسه، وأن يأخذ من المسلمين العهد على أنفسهم، على النحو الذي ~~بينته آنفا. # فلم يكن استخلاف أبي بكر لعمر إلا ترشيحا له، ولم يكن ما انتهى إليه أمر الشورى من ~~اختيار عثمان إلا ترشيحا له أيضا، وكلا الرجلين لم يستطع أن يقوم بشيء من أمور ~~المسلمين إلا بعد أن تمت البيعة بينه وبينهم. # فالبيعة إذن هي الركن الأساسي للخلافة، ومن أجل هذا كره المسلمون في صدر الإسلام أن ~~تنتقل الخلافة من الآباء إلى الأبناء بالميراث على نحو ما كان الأكاسرة يصنعون. # ولم يكن بد من هذا الاستطراد المسرف في الطول لأبين أن ما يروى عن عمر لم يكن طعنا ~~في خلافة أبي بكر، ولا يمكن أن يكون وسيلة إلى الطعن فيها؛ لأن ما تم في سقيفة بني ~~ساعدة من ابتداء البيعة لأبي بكر لم يلزم سائر المسلمين، ms026 ولم يكن من شأنه أن يلزمهم حتى ~~يبايعوه عن اختيار ورضى . # 5 # وقد كان أبو بكر في حياة النبي رجلا من المسلمين لا يحتمل تبعة خاصة، وإنما يسمع ~~ويطيع لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # كغيره من أصحابه، فلم يظهر من خصائصه وخصاله في حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # إلا ما بينت آنفا من حبه للنبي ومواساته له بنفسه وماله، ومن بره بالمسلمين ~~ومواساته لهم بنفسه وماله أيضا. # وقد آثره النبي بحبه حتى كان أحب الرجال إليه، وأحبه المسلمون أيضا وآثروه ورأوا ~~النبي يقدمه على غيره فقدموه على أنفسهم، ولكنه بعد أن تمت له البيعة نظر فإذا هو قد ~~طوق عظيما من الأمر لا قوة له عليه إلا بمعونة الله ومعونة المسلمين وخيارهم من ~~أصحاب رسول الله خاصة. # وقد أشفق أن ينتظر المسلمون منه أو أن يكلفوه أن يسير فيهم سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فأعلن إليهم أنه لا يستطيع ذلك، وطلب إليهم ألا ينتظروه منه، ثم أعلن إليهم كذلك أنه ~~ليس إلا واحدا منهم وأنه ليس خيرهم، وسألهم أن يعينوه إن أحسن، وأن يقوموه إن ~~أساء، والتزم أمامهم بطاعة الله ورسوله فيهم، وأبرأهم من السمع والطاعة له إن عصا الله ~~ورسوله، وأعطاهم العهد على أن يكون الضعيف عنده قويا حتى يأخذ له الحق، وأن يكون ~~القوي عنده ضعيفا حتى يأخذ الحق منه، ثم أنبأهم بأنه متبع وليس بمبتدع، وكان لهاتين ~~الكلمتين في نفس أبي بكر حين ألقاهما إلى المسلمين، وفيما أتيح له من الحياة بعد ذلك ~~موقع أي موقع، فكان يتحرى جهده ما فعل رسول الله فيفعله، ويتحرى ما ترك رسول الله ~~فيتركه، وكان يرى أول واجب عليه ألا يدع من أمر رسول الله شيئا إلا أنفذه مهما تكن ~~الظروف ومهما تكن العواقب. # ومن أجل ذلك كان أول شيء صنعه بعد أن تمت له بيعة المسلمين أن أمر من نادى بين الناس ~~بأنه منفد جيش أسامة إلى حيث أمر رسول الله أن يمضي، وطلب إلى كل من ms027 كان في جيش أسامة ~~من المسلمين أن يخرج إلى المعسكر. # وكانت الظروف شديدة الحرج بعد وفاة النبي، فلم يضطرب المهاجرون والأنصار وحدهم لفراق ~~النبي لهم، وإنما اضطرب العرب كلهم لذلك، وكان بين اضطراب المهاجرين والأنصار، واضطراب ~~سائر العرب وأهل البادية منهم خاصة فرق أي فرق، فما أسرع ما ثاب المهاجرون والأنصار إلى ~~أنفسهم! وما أسرع ما عرفوا الحق فأذعنت له نفوسهم واطمأنت إليه قلوبهم حين تلا أبو بكر ~~عليهم ما تلا من القرآن كما رأيت! # فأما سائر العرب فقد كان اضطرابهم أعظم من ذلك خطرا وأبعد أثرا؛ لأن المهاجرين ~~والأنصار كانوا قد أسلموا وآمنوا وصدق إسلامهم لله وإيمانهم به، وأما أهل البادية من ~~الأعراب فكانت ألسنتهم قد أسلمت ولم تؤمن قلوبهم كما قرأت في الآية الكريمة من سورة ~~الحجرات آنفا. # وكما يقول الله في سورة براءة: # الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على ~~رسوله والله عليم حكيم * ومن الأعراب من ~~يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم ~~دائرة السوء والله سميع عليم ~~. # وقد أنبأ الله بهذا رسوله كما ترى، وعلم النبي منه شيئا كثيرا، ولكن هؤلاء الأعراب ~~قد عصموا من النبي دماءهم وأموالهم؛ لأنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، وكانوا ~~يقيمون شعائر الإسلام ويؤدون ما فرض الله عليهم من الزكاة. # وقد ظهرت بوادر الردة أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ فتنبأ الكذابون: تنبأ الأسود العنسي في ~~اليمن، وتنبأ مسيلمة في اليمامة، وتنبأ طليحة في بني أسد. وكان النبي يقاوم هؤلاء ~~الكذابين بالرسل والكتب، ولم يكن شك في أنه كان سيقاومهم بالسيف، لو لم يختره الله ~~لجواره. # فلما نهض أبو بكر بالأمر لم ير أمامه هؤلاء الكذابين فحسب، وإنما رأى سائر الأعراب ~~قد أظهروا ما أنبأنا الله به من النفاق، وتربصهم الدوائر بالمسلمين، فلم تكد تبلغهم ~~وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # حتى عادت كثرتهم الكثيرة إلى الجاهلية، ولكنهم مع ذلك داوروا ~~مداورة الجاهلين الغافلين، فأرسلوا وفودهم إلى أبي بكر يطلبون إليه أن يعفيهم ms028 من ~~الزكاة، ويعلنون إليه أنهم سيؤدون سائر الفرائض، فيصلون ويصومون ويحجون، ويقولون دائما ~~كلمة الإسلام، فيشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # وأقول: إنهم داوروا جاهلين غافلين؛ لأنهم ظنوا أن أبا بكر سيقبل منهم ذلك، ولم يعرفوا ~~أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وأن من منعها فليس من الإسلام في شيء. من أجل ذلك رفض ~~أبو بكر ما عرضوا عليه، وأعلن أنه سيقاتلهم على الزكاة حتى يؤدوها، وأنهم إن منعوه ~~عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله فسيقاتلهم عليه. # أعلن العرب إذن منعهم للزكاة، وأظهروا الكفر والنفاق، وصدقوا قول الله فيهم: إنهم ~~أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله، وأن منهم من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بالمسلمين ~~الدوائر. # أعلنوا ذلك، وأعلن أبو بكر أنه سيقاتلهم، وأزمع في الوقت نفسه أن ينفذ جيش أسامة إلى ~~مشارف الشام كما أمر رسول الله. # وهنا ظهرت أولى المشكلات الكبرى التي عرضت له وللمسلمين، فهو مصمم على أن ينفذ جيش ~~أسامة؛ لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # أمر بإنفاذه، وقد كفرت الأرض من حوله وأصبح لا يأمن أن ~~يغير الأعراب عليه وعلى من معه في المدينة، وفي جيش أسامة صفوة من كان عنده من أولي ~~القوة والبأس. # وقد أحس وجوه المسلمين هذا الخطر العظيم، فأشاروا عليه بأن يؤجل إنفاذ جيش أسامة أمام ~~الضرورة الملحة؛ ولهذا الخطر الداهم الذي يوشك أن ينقض على المدينة في أي لحظة، ولكنه ~~أبى وألح في الإباء؛ فلم يكن أبغض إليه من أن يخالف عن أمر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، مهما تكن ~~الظروف ومهما تكن العواقب. # وقد ألح عليه أصحابه فلم يسمع لإلحاحهم، بل قال: «والله لو خفت أن تتخطفني السباع لما ~~تأخرت عن إنفاذ أسامة وجيشه.» # ثم طلب إليه الأنصار الذين كانوا في الجيش أن يولي عليهم قائدا آخر أسن من أسامة، ~~وأرسلوا عمر ليكلم أبا بكر في ذلك، فلم يكد عمر يفضي إليه بما رغب الأنصار فيه حتى قال ~~له أبو بكر: «ثكلتك أمك يابن ms029 الخطاب، يوليه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأعزله أنا؟!» # فرجع عمر إلى الأنصار برد أبي بكر عليه، فلم يزيدوا على أن سمعوا وأطاعوا، وآن لأسامة ~~أن يفصل بجيشه، فخرج أبو بكر مشيعا له يمشي وأسامة راكب، ولما أراده أسامة على أن ~~يركب أو يأذن له في النزول أبى عليه أبو بكر ما أراد، ثم أوصاه أن ينفذ أمر رسول الله ~~لا ينقص منه شيئا، ونهاه ونهى من معه من الجند عن قتل النساء والأطفال والشيوخ، والذين ~~فرغوا أنفسهم لعبادة الله من القسس والرهبان، وعن الفساد في الأرض. # واستأذن أسامة في أن يستبقي عمر معه في المدينة يستعين به على أمره، فأذن أسامة ورجع ~~أبو بكر إلى المدينة يدبر أمره وأمر المسلمين إن أغار الأعراب عليهم، فأمر الرجال أن ~~يظلوا مجتمعين في المسجد مستعدين للفزع إن طرأ عليهم طارئ، وحذرهم من الغارة عليهم ~~في أي لحظة، ومن أن يؤخذوا على غرة، ثم جعل على منافذ المدينة إلى البادية رجالا من ~~أصحاب رسول الله فيهم علي رحمه الله، وهذا مما يدل على أن عليا لم يكن متخلفا عن ~~البيعة ولا مفارقا لجماعة المسلمين، وكلف هؤلاء الرجال أن يكونو كالربيئة # 8 # يحرسون المدينة وينبئون أبا بكر بمن يمكن أن يطرأ عليهم من الأعراب. # وكان الأعراب من غطفان ومن تابعها قد علموا بمضي أسامة وجنده إلى مشارف الشام، وطمعوا ~~في أن يغيروا على المدينة دون أن يلقوا كيدا، فأقبلوا ذات ليلة يريدون أن يبيتوا ~~المسلمين، وأحس رقباء أبي بكر مقدمهم، فأرسلوا من أنبأه، فخرج أبو بكر فيمن معه من ~~المسلمين حتى لقوا العدو، فهزموهم وتبعوهم يريدون أن يمعنوا فيهم، ولكن الأعراب كانوا ~~قد جعلوا وراءهم ردءا، فلما بلغ المسلمون قريبا من الردء، خرجوا إليهم ولم ~~يقاتلوهم وإنما أخافوا إبلهم بالأنحاء # 9 # يدفعونها بأرجلهم، فنفرت الإبل بالمسلمين ولم تقر إلا في المدينة. # على أن أبا بكر لم يلبث أن خرج إليهم مرة أخرى، ومعه المسلمون يمشون، حتى أغار عليهم ~~فهزمهم هزيمة منكرة، وتفرق العدو ms030 في الأرض هربا من الموت والإسار، واحتل أبو بكر ~~بلادهم فحماها لخيل المسلمين، ثم لإبل الصدقة بعد ذلك. # وكان لهذا الانتصار أثر عظيم في نفوس المسلمين؛ فأحسوا القوة وأمنوا الغارة على ~~المدينة، وأقاموا ينتظرون جيش أسامة، وقد عاد هذا الجيش سالما غانما بعد أن أغار على ~~قبائل العرب في أطراف الشام. # عاد هذا الجيش بعد شهرين وبعض شهر، فأمرهم أبو بكر أن يستريحوا، وظل هو قائما بأمر ~~الدفاع عن المدينة حتى جم الناس. على أن انتصار أبي بكر أغرى القبائل المرتدة البعيدة ~~عن المدينة بمن بقي فيها من المسلمين، فجعلت كل قبيلة تقتل من كان عندها منهم، وأثار ~~ذلك أبا بكر وأحفظه، فأزمع أن ينكل بالمرتدين تنكيلا يرهبهم ويمنعهم من أن يعودوا ~~إلى مثل ما اقترفوا من الإثم، وأقسم أبو بكر ليثأرن للمسلمين وليبلغن في الثأر. # ثم تهيأ لحرب المرتدين في سائر أرض الجزيرة، فخرج بالناس إلى ذي القصة # 10 ~~- وهو المكان الذي انتصر فيه على المغيرين على المدينة - وهناك جند الجند ~~وعقد الألوية للقواد، وكلف كل قائد منهم طائفة من المرتدين، وكان قواده أحد عشر ~~رجلا. # خالد بن الوليد: وأمره أن يقاتل طليحة ومن معه، فإذا فرغ منهم قصد إلى مالك بن نويرة ~~ومن معه من بني تميم. # والثاني: عكرمة بن أبي جهل، وأمره أن يمضي لقتال مسيلمة باليمامة. # والثالث: المهاجر بن أبي أمية، وأمره بقتال من بقي من أتباع الأسود العنسي على ~~الردة بعد قتله، فإذا فرغ منهم مضى إلى المرتدين من كندة. # والرابع: خالد بن سعيد بن العاص، وأرسله إلى مشارف الشام. # والخامس: عمرو بن العاص، وأمره بقتال قضاعة. # والسادس: حذيفة بن محصن، وأمره بقتال أهل دبا. # 11 # والسابع: عرفجة بن هرثمة، وأمره بقتال مهرة. # والثامن: شرحبيل بن حسنة، وأرسله معينا لعكرمة بن أبي جهل على حرب مسيلمة، ~~وأمره إن فرغ من ذلك أن يذهب إلى قضاعة معينا لعمرو بن العاص. # والتاسع: طريف بن حاجز، وأمره بقتال سليم ومن معهم من هوازن. # والعاشر: سويد بن مقرن، وأمره ms031 بقتال القبائل المرتدة في تهامة اليمن. # والحادي عشر: العلاء بن الحضرمي، ووجهه لقتال المرتدين في البحرين . # وتسمية هؤلاء القواد، وبيان القبائل التي وجهوا إليها بجنودهم، ومنازل هذه القبائل ~~يبين في جلاء أن الجزيرة العربية قد كفرت كلها إلا أفرادا من المسلمين ظلوا على ~~دينهم، منهم من يفتنهم قومهم، ومنهم من عاشوا في عافية، ومنهم قوم كان النبي # صلى الله عليه وسلم # قد أرسلهم إلى القبائل ليعلموهم الدين، ويقيموا فيهم أمر الله، ويأخذوا الزكاة من ~~أغنيائهم ليردوها على فقرائهم، ويرسلوا ما فضل منها عن حاجة الفقراء إلى ~~المدينة. # وقد كتب أبو بكر لقواده - فيما يقول الرواة - عهدا لا نطمئن إلى نصه، وإنما الذي نثق ~~به هو أن أبا بكر قد أوصى قواده بأن يمضي كل واحد منهم حتى يصل إلى القبيلة التي وجه ~~لقتالها، فإذا بلغها دعاها إلى الإسلام والدخول فيما خرجت منه، فإن أجابت قبل منها ~~وأعطاها ما لها من الحق وأخذ منها ما عليها من الحق أيضا، وإن أبت قاتلها في غير هوادة ~~ولا رفق حتى تفيء إلى الإسلام، فإن فاءت فهي آمنة تأخذ حقها وتعطي ما عليها. # وأمر أبو بكر قواده إذا نزلوا بقبيلة أن ينتظروا وقت الصلاة وأن يؤذنوا، فإن سمعوا ~~أذان من بإزائهم ممن جاءوا لحربهم لم يقاتلوهم حتى يسألوهم عن إسلامهم ما هو، فإن عرفوا ~~الإسلام كما أنزله الله على رسوله فهم آمنون؛ لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، ~~وإن جحدوا من الإسلام شيئا كانوا قد أعطوه لرسول الله، قاتلهم المسلمون حتى يذعنوا ~~ويقبلوا الإسلام كاملا غير منقوص. # ويقول الرواة إن أبا بكر كتب كتابا وجعل منه إحدى عشرة نسخة، وأرسل مع كل جيش رسولا ~~يحمل نسخة من هذا الكتاب، وأمر هؤلاء الرسل أن يقرءوا هذا الكتاب على القبائل التي وجهت ~~الجيوش لقتالها، فإن أجابوا إلى ما في هذا الكتاب فهم آمنون، بعد أن تحقق قائد الجيش من ~~صدق استجابتهم، وإن أبوا فقتالهم واجب على الجيش حتى يعودوا إلى الإسلام. # والمؤرخون يسجلون نص هذا ms032 الكتاب، ولسنا نطمئن إلى هذا النص، كما لا نطمئن إلى نص ~~العهد الذي كتبه أبو بكر لقواده، وإنما نرجح أن يكون معنى هذا الكتاب - إن كان قد كتب ~~- مطابقا للعهد الذي كتبه أبو بكر لقواده. # وقد مضى القواد إلى غايتهم، ولست أريد أن أتبعهم لأقص أنباءهم وما أتيح لهم من ~~النصر، وما امتحن به بعضهم من الهزيمة، كالذي امتحن به عكرمة بن أبي جهل، فليس هذا ~~مما أردت إليه، وإنما أريد أن ألم بعد قليل بشيء من مواقف خالد بن الوليد؛ لما كان ~~لمواقفه تلك أثر في حياته وفي حياة المسلمين أيضا، ولأن الحكم في مواقفه تلك يظهرنا ~~على شيء من الاختلاف في سياسة الشيخين: أبي بكر وعمر، مع قوادهما أثناء الحرب. # أما الآن فإني أحب أن أعود إلى المدينة، وأن أرجع إلى أول ما كان من أمر الردة؛ ~~لأقف وقفة قصيرة عند شيء يرويه الرواة ويكثرون فيه. # وقد بينت أن وجوه المسلمين أشاروا على أبي بكر بأن يؤجل إنفاذ جيش أسامة حتى ~~يأمنوا العرب، فأبى أبو بكر أن يخالف عن أمر رسول الله، أو أن يؤخر إنفاذ هذا ~~الأمر. # ولكن الرواة يزعمون أن بعض وجوه المسلمين راجعوا أبا بكر في حرب المرتدين، وقال له ~~قائلهم، وهو عمر رحمه الله: كيف تقاتلهم وهم يقولون لا إله إلا الله، وقد قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله؟!» # فرفض أبو بكر وقال: «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم ~~عليه، فهم يفرقون بين الصلاة والزكاة، والله لم يفرق بينهما، والزكاة حق المال، ~~وقد قال رسول الله: إلا بحقها.» # ويزعم الرواة أن عمر قد شرح الله صدره لقتال المرتدين حين رأى أن الله قد شرح لهذا ~~القتال صدر أبي بكر. # ولست أقبل هذه القصة بحال؛ فوجوه المسلمين من أصحاب رسول الله أعلم بدينهم من أن ~~يجادلوا أبا بكر في الزكاة، ms033 ولم يكن عمر أقلهم علما بالإسلام، إلى ما عرف من شدة عمر ~~في الحق، ولم يكن عمر ولا أبو بكر قد عرفا هذا اللون من الجدل الذي ألفه الفقهاء ~~والمتكلمون فيما بعد. # وكل ما أرجحه هو أن وجوه المسلمين إنما راجعوا أبا بكر في إنفاذ جيش أسامة بعد أن ظهر ~~كفر العرب؛ حرصا على أن يستبقوا قوة المسلمين ليقاوموا بها المرتدين، بل ليستأنفوا ~~بها حرب العرب على الإسلام، كما حاربهم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # والذين يروون هذه الرواية يسيئون إلى أولئك الشيوخ من أصحاب رسول الله، حين يصورونهم ~~من جهة خائفين مشفقين أن يتخطفهم العرب، مع أنهم قد صحبوا النبي # صلى الله عليه وسلم # أيام الفتنة ~~في مكة، وعرفوا مقالته لعمه أبي طالب حين كلمه فيما تعرض عليه قريش ليكف عن دعوته ~~الجديدة، فقال: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ~~حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته.» # وهم كذلك قد شهدوا مع النبي مواطن البأس في بدر وأحد والأحزاب وغيرها من المشاهد، ~~وكان المسلمون قلة وكانت العرب كافرة من حولهم، فلم يفل ذلك عزمهم ولم يضعف من همهم، ~~وإنما ثبتوا لليأس والهول حتى أظهرهم الله على العرب كلها. # أفتراهم قد نسوا هذا كله، وأشفقوا من أن يحاربوا العرب على الإسلام بعد وفاة النبي، ~~كما حاربوهم عليه في حياته؟! # وقد عرفت موقف عمر من صلح الحديبية، واعتراضه على النبي # صلى الله عليه وسلم # في قبول هذا الصلح، ~~وقوله لأبي بكر: «لم نعطي الدنية في ديننا؟!» فليس من المعقول ولا من المقبول أن ~~ينسى عمر مواقفه كلها ليشفق من حرب العرب وإن كثرت مع أبي بكر، كما حاربهم مع النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكل أصحاب رسول الله كانوا يعرفون، كما كان يعرف أبو بكر، أن الله قد قرن ~~الزكاة بالصلاة في القرآن غير مرة، فلا تكاد الصلاة تذكر في الكتاب العزيز إلا ومعها ~~الزكاة، وكانوا يعرفون قول النبي: «بني الإسلام على ms034 خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا.» # فما كان لهم بعد ذلك أن يقنعوا من العرب بقولهم لا إله إلا الله وهم يجحدون ركنا من ~~الأركان الخمسة للإسلام، فيؤمنوا ببعض الحديث الذي حاجوا به أبا بكر، ويتركوا بعضه حتى ~~ينبههم أبو بكر إليه. # والرواة يحدثوننا أن نفرا من المسلمين شربوا الخمر في دمشق بعد فتحها، فكتب فيهم أبو ~~عبيدة إلى عمر، فكتب إليه عمر أن: سلهم على رءوس الناس عن الخمر، فإن استحلوها فاضرب ~~أعناقهم، وإن عرفوا أنها محرمة فأقم عليهم الحد. # فعمر يريد أن يسأل أبو عبيدة هؤلاء النفر عن رأيهم في الخمر: أحلال هي أم حرام؟ فإن ~~استحلوها ضربت أعناقهم؛ لأنهم جحدوا نصا من نصوص القرآن وأمرا من أوامر الله، وإن ~~اعترفوا بأنها محرمة عليهم أقيم عليهم الحد؛ لأنهم قارفوا إثما فاستحقوا عليه ~~العقوبة. # فعمر الذي يهم بضرب أعناق نفر من المسلمين المجاهدين أن استحلوا الخمر، لا يمكن أن ~~يجادل أبا بكر في حرب العرب على جحود الزكاة، وهي أصل من أصول الإسلام. # ومهما يكن من شيء فقد ثبت أبو بكر وثبت معه المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان ~~لانتقاض الجزيرة عليهم، وأتاح الله لهم النصر كما أتاحه للنبي # صلى الله عليه وسلم # في وقت قصير، ~~فقد دخل العرب فيما خرجوا منه، وأدوا الزكاة، وانهزم أصحاب طليحة، وفر طليحة نفسه ثم ~~أسلم بعد ذلك، وأبلى في فتح الفرس أحسن البلاء وأعظمه، وانهزم أصحاب مسيلمة وعادوا إلى ~~الإسلام بعد خطوب، وقتل مسيلمة نفسه، وعاد جنوب الجزيرة العربية كله إلى الإسلام ~~طوعا أو كرها. # كل ذلك تم في خلافة أبي بكر على ما نعلم من قصرها، وكل ذلك إن دل على شيء فإنما ~~يدل على أن أبا بكر والمسلمين قد ثبتوا لهذه المحنة القاسية، وانتصروا عليها لا لشيء ~~إلا لأنهم صدقوا الله عهدهم وأخلصوا له قلوبهم ونفوسهم وضمائرهم، وصدقوا ما وعدهم الله ~~في الآية الكريمة ms035 من سورة آل عمران: # ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~. # فبذلوا أنفسهم لنصر الله أسخياء بها، وقبل الله منهم ذلك وصدقهم وعده، فرزقهم النصر ~~كما قال - عز وجل - في سورة محمد: # يا أيها الذين آمنوا ~~إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ~~. # والذين يقرءون تفصيل حروب الردة وما كان لخيار المسلمين فيها من البلاء، يملكهم ~~الإعجاب بأولئك الأبطال الذين لم يرهبوا شيئا في سبيل نصر الدين وإعزازه، وإعادة ~~الجزيرة العربية إلى الإسلام كما كانت قبل وفاة النبي. # وقد استشهد منهم خلق كثير ولا سيما في حرب مسيلمة، فقد ثبت بنو حنيفة للمسلمين حتى ~~هزموا عكرمة بن أبي جهل؛ لأنه تعجل ولم ينتظر المدد، وقد عنفه أبو بكر تعنيفا ~~شديدا، ولم يزل عكرمة عن نفسه عار هذه الهزيمة إلا حين استشهد في حرب الروم يوم ~~اليرموك. # ووجه أبو بكر خالدا إلى مسيلمة، فثبت له بنو حنيفة حتى جال المسلمون جولة، لولا ~~خيار أصحاب رسول الله؛ أولئك الذين أعطوا أحسن القدوة، فكانوا يوبخون الفارين، ~~ويعيرونهم الفرار من الجنة. وكان بعضهم يقول: والله ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وما هي إلا أن كر المسلمون بعد جولتهم وثبتوا لبني حنيفة حتى أزالوهم عن ~~مواقفهم وقتلوا مسيلمة، وتبعوا المنهزمين حتى فتحوا عليهم حصونهم، وأخضعوهم لسلطان ~~الله وهم كارهون. # وكان أبو بكر خير قدوة للمسلمين؛ لما أظهر لهم من ثبات الجأش، وضبط النفس، والثقة ~~المطلقة بالله، والوفاء العميق لرسوله. # كل ذلك في هدوء أي هدوء كأنه لم تعرض له محنة، ولم تنتقض عليه العرب، فقد أظهر أبو ~~بكر في هذه المحنة أخص صفتين امتاز بهما، وهما: الاطمئنان إلى ما وعد الله في غير تردد ~~أو تعرض للشك أو الوهن، والثبات في حزم وعزم لما يلم به من المكروه حتى ينفذ منه، ~~ويمضي في أمر الله ms036 إلى أن يبلغ النصر. # 6 # وموقف آخر ليس من الخطورة بمكان؛ موقف أبي بكر من الردة، ولكنه كان عسيرا أشد ~~العسر مع ذلك، ولعله آذى أبا بكر في نفسه وأمضه وأرق ليله وقتا غير قصير؛ ذلك هو ~~موقفه من فاطمة بنت رسول الله حين طلبت إليه حقها من ميراث أبيها فلم يعطها ما طلبت، بل ~~قال لها إنه سمع رسول الله يقول: «لا نورث، ما تركناه صدقة.» # وعسر هذا الموقف على أبي بكر يأتي من أنه منذ أسلم كان يؤثر رسول الله على نفسه في ~~جميع المواطن، وكان أبر الناس به وبأهل بيته وذوي قرابته، وكان شديد الحرص على أن ~~يحسن رضى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عنه، وكان أبغض شيء إليه أن يحس الجفاء من ذي قرابة ~~للنبي، فلما طلبت فاطمة - رحمها الله - إليه ما كانت ترى أنه حقها من ميراث أبيها؛ وجد ~~نفسه بين شيئين كلاهما عسير عليه أشد العسر؛ فإما أن يعطي فاطمة ما طلبت فيخالف عما أمر ~~رسول الله، والموت أهون عليه من هذا، وإما أن يمنعها ما طلبت فيؤذيها، وأشد الأشياء ~~كراهة إليه أن يؤذيها؛ فهي بنت أحب الناس إليه وأكرمهم عليه وآثرهم عنده. # ومع ذلك فقد غلبت طاعته لرسول الله كل عاطفة أخرى في نفسه، فأبى على فاطمة ما طلبت، ~~واعتذر إليها من هذا الإباء، وبكى وأمعن في البكاء؛ لأن قرابة رسول الله أحب إليه من ~~قرابته، ولكنه سمع النبي يقول ما قال، فلم يسعه أن يغضب الله ورسوله ليرضي فاطمة على ~~بره بها وإيثاره إياها. # وما أشك في أن الأشهر الستة التي عاشتها فاطمة بعد أبيها # صلى الله عليه وسلم # قد ملأت نفس أبي ~~بكر كآبة وحزنا؛ لأن فاطمة هجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وما أشك في أن أبا بكر لم ~~يمتحن بشيء كان أشق على نفسه من وفاة فاطمة مغاضبة له، ومن دفنها ليلا على غير علم ~~منه، وحرمانه أن يشهد جنازتها، ويصلي عليها ويبرها بعد وفاتها بما كان يجب لها ms037 من البر، ~~ولكن الله يمحص قلوب المؤمنين الصادقين بالشدائد التي يمتحنهم بها في حياتهم العامة ~~والخاصة جميعا ، وقد امتحن أبو بكر بهذه المحنة العامة حين ارتد العرب، وتعرض ~~المسلمون لما تعرضوا له من الخطر العظيم، وامتحنه بهذه المحنة الخاصة حين اضطره إلى أن ~~يرضي الله ورسوله ويغضب فاطمة، مع أن غضبها عليه ثقيل. # 7 # وأعود إلى موقف أبي بكر من الردة فهو يجلو خصلتين متناقضتين أشد التناقض، من خصال أبي ~~بكر فيما يظهر، فقد كان أبو بكر منذ أسلم معروفا بلين الجانب، ورقة القلب، والرحمة ~~للضعفاء والمكروبين، وخلقه هذا هو الذي حمله على أن يشير على النبي # صلى الله عليه وسلم # بالرفق في ~~أمر الأسارى بعد وقعة بدر. # وقد قبل النبي مشورته وأعرض عن رأي عمر الذي كان يشير بقتل الأسرى، كان أبو بكر ~~يذكر القرابة والرحم ويرى أن فيما سيؤديه الأسرى من الفداء قوة للمسلمين، وكان عمر يذكر ~~قسوة قريش على النبي وفتنتهم للمسلمين، ويقدر أن قتلهم سيفل من عزم قريش، ويفتر من ~~همتها، ويثبطها عن المضي في حرب النبي والكيد له. # ولكن النبي سمع لأبي بكر وقبل الفداء من أسرى قريش، وأنزل الله في ذلك قرآنا، لام ~~فيه النبي والمسلمين لأنهم قبلوا الفداء قبل أن يثخنوا في الأرض، وأرادوا عرض ~~الدنيا، والله يريد الآخرة؛ فقال في سورة الأنفال: # ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون ~~عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا ~~طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ~~. # وأنت ترى من هذه الآيات الكريمة أن الله - عز وجل - قد لام وعنف وأنذر، ثم عفا ~~وغفر، وليس شك من أن موقع هذه الآيات في نفس النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وفي نفس أبي بكر قد كان ~~شديدا لاذعا، وقد ظل أبو بكر مع ذلك على خلقه لينا رفيقا رحيما، ولكنه حين ولي ~~الخلافة ورأى ما كان من كفر ms038 العرب حين اتبع فريق منهم الكذابين، وحين أنكر فريق آخر ~~منهم الزكاة، وحين تنكر أولئك وهؤلاء لمن كان فيهم من المسلمين، فقتلوا منهم من قتلوا ~~وفتنوا منهم من فتنوا، لما رأى أبو بكر هذا بلغت منه الحفيظة أقصاها، فلم يكتف بمقاومة ~~الردة، وحمل العرب على أن يدخلوا طوعا أو كرها فيما خرجوا منه، بل أقسم ليبلغن في ~~الثأر لمن قتل من المسلمين، وأوصى قواده أن يتتبعوا بعد النصر أولئك الذين قتلوا ~~المسلمين، وأن يقتلوهم ويجعلوهم لغيرهم نكالا. # وكان أسرع قواده إلى طاعته في ذلك بل إلى ~~الإبلاغ في طاعته، خالد بن الوليد رحمه الله. # فهو قد هزم طليحة ورد أتباعه إلى الإسلام، ولكنه جعل يتتبع من المغلوبين من كان قد ~~قتل المسلمين أو فتنهم، فإذا أخذهم قتلهم أشنع قتلة، كان يقذف بهم من أعالي الجبال، ~~وينكت بعضهم في الآبار، ويحرق بعضهم بالنار، وينصب بعضهم هدفا للنبال حتى أخاف الناس ~~وملأ قلوبهم رهبا، وكان في طبع خالد - رحمه الله - عنف شديد، واستعداد للإسراف في ~~القتل. # والذين قرءوا تاريخ فتح مكة يذكرون أنه خالف عن أمر النبي، وقتل في أهل مكة فأسرف حتى ~~أرسل النبي من كفه عن القتل، ورفع # صلى الله عليه وسلم # يديه إلى السماء قائلا: «اللهم إني أبرأ ~~إليك مما فعل خالد.» # وهذا الخلق العنيف من أخلاق خالد هو الذي يفسر لنا موقفا من مواقفه أحفظت عليه عمر - ~~رحمه الله - وطائفة من المسلمين، وهو موقفه من مالك بن نويرة، فقد عمد بعد فراغه من ~~طليحة وأتباعه، وبعد استبرائه الأرض من الذين قتلوا المسلمين أو فتنوهم، إلى مالك بن ~~نويرة وقومه من بني يربوع، وكانوا قد وقفوا موقف المتربص، وأبطئوا بصدقاتهم وجعلوا ~~ينتظرون على من تدور الدائرة، وشأنهم في ذلك شأن كثير من القبائل، فلما ظفر خالد ~~وأتيح له النصر المؤزر على طليحة وأصحابه، عرف مالك ألا قبل له بحرب المسلمين، ~~فأمر قومه أن يتفرقوا في أموالهم وألا يستعدوا لحرب. وأقبل خالد على ديارهم، فلم يجد ~~أمامه جيشا يقاتله، ولم ms039 ير جمعا يتهيأ للقائه، فأقام وبث السرايا وأمرهم بأمر أبي ~~بكر، وهو أن يؤذنوا إذا نزلوا بقوم، فإن أذن القوم فلا يقاتلوهم حتى يسألوهم عما ~~يعرفون من الإسلام. # وجاءه بعض السرايا بجماعة من بني يربوع فيهم مالك بن نويرة، وهو رئيس القوم، ويقول ~~المؤرخون: إن السرية التي جاءت بهؤلاء النفر اختلفت، فشهد بعضها بأن القوم أذنوا، ~~وشهد بعضها الآخر بأنهم لم يؤذنوا، ثم يزعم المؤرخون أن خالدا أمر بحبس هؤلاء النفر، ~~وكان ذلك في ليلة شديدة البرد؛ يزداد بردها شدة كلما تقدم الليل، فزعم الرواة أن خالدا ~~أمر مناديا أن ينادي في الناس أن أدفئوا أسراكم؛ ففهم من كان عندهم هؤلاء النفر أن هذا ~~أمر بقتلهم، وكان الإدفاء في لغة كنانة معناه القتل، فقتلوا مالكا وأصحابه، وسمع خالد ~~الصياح فلما أخبر قال: «إذا أراد الله أمرا أصابه.» # وواضح ما في هذ الرواية من التكلف الذي لا يراد به إلا إبراء خالد من قتل أولئك ~~النفر. # وآخرون من الرواة يزعمون أن خالدا كان يفاوض مالكا، فقال له مالك في بعض حديثه: إن ~~صاحبكم كان يقول كذا وكذا، يريد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، قال خالد حين سمع من مالك هذه المقالة: ~~أوليس هو لك بصاحب؟! ثم أمر بقتله. # والشيء الذي ليس فيه شك هو أن خالدا قتل مالكا، وغضب لذلك رجل من خيرة أصحاب النبي ~~كان في جيش خالد وشهد بأنه سمع القوم يؤذنون، فلما رأى قتل مالك وأصحابه فارق الجيش ~~وأقسم لا يقاتل مع خالد أبدا ورجع إلى المدينة، وهذا الرجل هو أبو قتادة الأنصاري، ~~وقد كلم أبو قتادة كبار أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # وفيهم عمر، وأراد أن يدخل على أبي بكر ~~ليشكو إليه خالدا، فأبى أبو بكر لقاءه غضبا عليه؛ لأنه ترك الجيش عن غير إذن من ~~أميره، وقد دخل عمر على أبي بكر فكلمة في قتل مالك، وقال له: إن في سيف خالد رهقا، ~~فاعزله. # فقال أبو بكر: تأول فأخطأ. ولما ألح عليه عمر في عزل ms040 خالد قال: إليك عني يا عمر! ما ~~كنت لأشيم # 12 # سيفا سله الله على الكافرين. # ثم أرسل أبو بكر إلى خالد يستدعيه، فأقبل خالد إلى المدينة، ودخل المسجد، وجماعة من ~~أصحاب النبي - فيهم عمر - جالسون. # وكان في منظر خالد شيء من العجب، كان عليه قباء # 13 # يظهر فيه صدأ الحديد وقد غرس في عمامته أسهما، فلما رآه عمر قام إليه ~~فانتزع هذه الأسهم من عمامته وحطمها، وقال: قتلت رجلا مسلما، ثم نزوت على امرأته! ~~وكان خالد قد تزوج امرأة مالك إثر قتله. # قال الرواة: وكانت العرب تكثر مثل هذا الزواج في الحرب، والمحقق أن خالدا تزوج أم ~~تميم بعد قتل زوجها، وما أحسبه تزوجها قبل انقضاء عدتها، إلا أن يكون اعتبرها من السبي ~~فاستبرأها كما تستبرأ الإماء، ثم أعتقها وتزوجها. # ودخل خالد على أبي بكر فقص عليه خبره، فعذره أبو بكر في قتل مالك، وعنفه في تزوج ~~امرأته، ورده إلى جيشه. # ويقول الرواة: إن خالدا خرج من عند أبي بكر راضيا، فلما رأى عمر في المسجد تحداه، ~~فلم يكلمه عمر. # وهذه القصة تبين لنا في وضوح ما أشرت إليه من عنف خالد وإسرافه في القتل، وتظهر عن ~~خلق آخر، وهو حبه للتزوج، وسنرى مظهرا آخر من مظاهر هذا الحب، وتظهر لنا خلقا ~~ثالثا لم يكن مقصورا على خالد، وإنما كان خلقا معروفا في عشيرته من بني مخزوم، وهو ~~العجب والخيلاء. # ولكن هذا كله لا ينتقص من كفاية خالد في الحرب ولا من بلائه في رد العرب إلى ~~الإسلام. # وقد أشرت آنفا إلى أن عكرمة بن أبي جهل قد تعجل حرب مسيلمة قبل أن يأتيه المدد فلم ~~ينجح، بل اضطر إلى الهزيمة، وغضب عليه أبو بكر في ذلك. # وقد حاول قائد آخر من قواد أبي بكر قتال مسيلمة فلم ينجح أيضا، وهو شرحبيل بن ~~حسنة، فلما رأى أبو بكر قوة مسيلمة وجه خالدا إليه في جيشه، وجعل له الإمرة على جيش ~~شرحبيل، وأمده بجمع صالح من المهاجرين والأنصار. # وقصد خالد قصد ms041 اليمامة فلقي جماعة من أهلها، فأخذهم على غرة، ثم أمر بقتلهم فقتلوا ~~إلا رجلا واحدا منهم هو مجاعة بن مرارة استبقاه أسيرا، ووضعه في الحديد، وجعله ~~عند زوجه أم تميم، وهي التي تزوجها بعد أن قتل زوجها مالكا. # قال الرواة: فالتقى خالد بمسيلمة وأصحابه، فاشتد القتال وبلغ من الشدة ما لم يعرف ~~العرب في حروب الردة مثله، وجال المسلمون جولة، وتبعهم أصحاب مسيلمة حتى دخلوا فسطاط ~~خالد وهموا بقتل أم تميم، فأجارها مجاعة، وقال: نعمت الحرة هي! ثم تنادى المسلمون ~~في أثناء ذلك، فكروا على القوم، واشتد القتال بينهم مرة أخرى حتى انتصر المسلمون، ~~والتجأ مسيلمة وأصحابه إلى حديقة سماها المؤرخون بحديقة الموت، فتبعهم المسلمون حتى ~~اقتحموا عليهم الحديقة بعد خطوب، وقتلوهم فيها شر قتلة، وقتل في الحديقة ~~مسيلمة. # ثم عرض مجاعة بن مرارة - أسير خالد - الصلح عليه عمن كان في حصون اليمامة من ~~قومه، فصالحه على ما في اليمامة من ذهب وفضة وسلاح، وعلى نصف السبي، وعلى حديقة ~~ومزرعة في كل قرية. ولما أمضى الصلح قال خالد لمجاعة: زوجني ابنتك. فقال مجاعة: إنك ~~قاصم ظهري وظهرك عند صاحبك - يريد أبا بكر - قال خالد ملحا: أيها الرجل، زوجني ~~ابنتك! فزوجه ابنته، وبلغ النصر أبا بكر، وبلغه أيضا أن خالدا تزوج بنت مجاعة بن ~~مرارة، فكتب إليه يعنفه: لعمري يابن أم خالد إنك لفارغ؛ تنكح النساء وبفنائك ألف ~~ومائتان من المسلمين لم يجف دمهم بعد! # قال الرواة: فلما نظر خالد في الكتاب قال: هذا عمل الأعيسر، يريد عمر، وكان أعسر. # 14 # وسترى من عنف خالد في القتال وإسرافه في القتل شيئا كثيرا، حين يبلغ العراق لحرب من ~~فيه من العرب والفرس جميعا، ولم أرد إلى وصف شيء من حروب الردة، ولم أذكر ما ذكرت من ~~حرب مسيلمة إلا لأبين هذه الناحية من أخلاق خالد رحمه الله، ولأبين أنها كانت مصدرا ~~لخلاف شديد بين الشيخين، لم ينقض بوفاة أحدهما، وهو أبو بكر رحمه الله، وإنما اتصل ~~بعد ذلك حتى عزل خالد وأبعد ms042 عن الحرب، وعاش عيشة السلم حتى أدركه الموت، فقال في ~~مرضه الذي مات فيه: والله ما أعرف موضعا من جسمي إلا وفيه أثر من سيف أو رمح أو سهم، ~~وهأنذا اليوم أموت على فراشي. # كان أبو بكر معجبا بقوة خالد وبأسه وحسن بلائه وبراعته الرائعة في الحرب، وكان خالد ~~يصدق ظن أبي بكر به في كل موطن من مواطن الشدة والبأس، فهو قد فض جمع طليحة ورد من ~~بقي من بني حنيفة إلى الإسلام، وأبلى في هذين الموطنين أعظم بلاء أبلاه أحد من قواد أبي ~~بكر في حرب الردة، وهو قد أتى بالأعاجيب في فتح العراق كما سنرى، ولولا أن أبا بكر كان ~~يكفكفه عن القتال لتعجل بعض المواقع التي كانت أيام عمر بين المسلمين والفرس. ومن ~~يدري؟! لعله كان يسبق سعد بن أبي وقاص إلى فتح المدائن عاصمة الأكاسرة. # ولكن أبا بكر كان يعرف حدته، وكان يؤثر الأناة؛ فكان يشدد على خالد ويضطره إلى ~~الوقوف حين كان المضي في الحرب أحب شيء إليه لو ملك أمره. # وقد حوله أبو بكر عن العراق وأرسله إلى الشام منجدا للمسلمين هناك، وأميرا ~~عليهم فيما أرجح، فكان بلاؤه في الشام أبعد أثرا وأعظم خطرا من بلائه في العراق ~~وفي حرب الردة؛ فلا غرابة في أن يثق به أبو بكر ويعرض عن عمر حين ألح عليه في ~~عزله. # ولكن عمر - رحمه الله - كان ينظر إلى الأمور نظرة أخرى، كان يريد من القواد أن ~~يسمعوا ويطيعوا، وألا يجاوزوا القصد في أمر من الأمور، وألا يعرضوا أنفسهم للوم ~~جنودهم لهم وإنكارهم عليهم، فضلا عن لوم المسلمين وإنكارهم. وكان يريد أن يكون ~~القواد حراصا أشد الحرص على العدل والنصفة، وأبعد عن السرف والجور، وكان أمر ~~الدين ومثله العليا آثر عنده من أمر الحرب وما يكون فيها من انتصار أو هزيمة، وما يكون ~~فيها وفي أعقابها من إخافة للناس وترهيب لهم. # فلما رأى خالدا قتل رجلا يشهد بعض المسلمين العدول من أصحاب النبي بأنه كان ~~مسلما، ولما رأى ms043 أن خالدا أسرع بعد قتل هذا الرجل إلى التزوج من امرأته؛ ألقي في ~~روعه أنه لم يقتله في ذات الله، وإنما قتله استجابة لما في طبعه من العنف أولا، ~~وابتغاء لمتعة من متع الحياة الدنيا، وفي اتخاذه امرأة مالك لنفسه زوجا؛ فثار لذلك أشد ~~ثورة وأعنفها، وأشار على أبي بكر بعزل خالد، فلما امتنع عليه أبو بكر سمع وأطاع وكظم ما ~~في نفسه ولم يغير رأيه في وجوب عزل خالد. # ولما رأى أن جماعة من خيار أصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار قد قتلوا في حرب ~~اليمامة، وأن قتلى المسلمين في تلك الحرب قد بلغوا إحدى عشرة أو اثنتي عشرة مائة، ثم ~~رأى أن هذا المصاب الفادح لم يمنع خالدا من أن يتزوج بنت مجاعة مع أن العهد لم يبعد ~~بتزوجه أم تميم بعد قتل زوجها مالك ... # لما رأى عمر هذا كله بلغ الغضب منه غايته، وكأنه راجع أبا بكر في أمر خالد فلم يزد ~~أبو بكر على تعنيف خالد بذلك الكتاب الذي رويناه آنفا. # ولست أحاول الفصل فيما كان من موقف الشيخين بإزاء خالد، وإنما أرى أن كليهما قد اجتهد ~~رأيه، وأن كليهما أراد باجتهاده وجه الله ومصلحة المسلمين، نظر أبو بكر إلى أن خالدا ~~رجل حرب، وإلى أنه أبرع قواده، وإلى أن الإسراع إلى عزل القواد في أثناء الحرب مضيع ~~لمصلحة المسلمين، ويوشك أن يوهن عزائمهم وأن يفسد عليهم أمرهم بإزاء العدو. # ونظر عمر إلى المثل العليا خالصة من كل شائبة، ومن هنا أصر أبو بكر على الانتفاع ~~بقوة خالد، وعلى ملاحظته يكفكفه إذا تجاوز القصد في الحرب، ويعنفه إذا تجاوز القصد في ~~أمر من أمور نفسه؛ فعنفه حين تزوج امرأة مالك، وعنفه حين تزوج بنت مجاعة بعد وقعة ~~اليمامة، وعنفه مرة أخرى حين رأى خالد أن الله قد صنع له في فتح العراق، فأراد أن يحج، ~~وكره أن يعلن ذلك إلى جيشه، فاستخفى بحجه ولم ينبئ به إلا خاصته، وأظهر للجيش أنه يتفقد الساقة، # 15 # ثم سلك ms044 طريقا لا يسلكها الحاج، حتى بلغ مكة فأتم حجه، وعاد إلى جيشه ~~بالحيرة، ولم يعلم أبو بكر بحج خالد إلا بأخرة، فكتب إلى خالد يعنفه ويعاقبه - فيما ~~يقول الرواة - هذه المرة، فيأمره بالذهاب إلى الشام لإنجاد المسلمين هناك، وكان موقفهم ~~حرجا. # وقراءة كتاب أبي بكر - كما يرويه الرواة - تدل على أن الخليفة قد عرف لخالد بلاءه ~~وبراعته وتقدمه على سائر قواده، ولكنها تدل أيضا على أنه حذره من أن يعود لمثل ما ~~فعل، فيترك الجيش ويحج مستخفيا، ويعرض الجند بذلك لما يمكن أن يدهمهم من الخطر، ~~وقائدهم منهم بعيد. ثم وعظه أبو بكر، فنهاه عن أن يأخذه العجب والتيه بحسن بلائه ~~ونكايته للعدو، فإن ذلك يفسد عمله، وألح عليه في أن يبغي بكل ما يفعل وجه الله - عز وجل ~~- فإنه وحده ولي الجزاء. وأكبر الظن أن أبا بكر أحس من خالد بعض هذا العجب والإغراق ~~في الثقة بالنفس؛ فترك الجيش على هذا النحو والاستهانة بالعدو تغرير بالمسلمين، ~~وإسراعه إلى الحج يشعر بأنه قد أراد أن ينتهز هذه الفرصة ليظهر في مكة أيام الموسم، ~~وليلم ببعض قومه من بني مخزوم. # وكان بلاء خالد في العراق خليقا أن يدفع إلى العجب والتيه؛ فهو قد استطاع أن يقهر ~~عرب العراق في غير موطن، وأن يقهر من جاء من جموع الفرس لإنجاد العرب من أهله واسترداد ~~العراق، ورد خالد وأصحابه إلى بلادهم، فكان خالد يلقى هذه الجموع فلا يلبث أن يظفر ~~بها، وكان اتصال الحرب في العراق، واشتداد الفرس في الاحتفاظ به، وطول مقاومتهم ~~وإلحاحهم في هذه المقاومة. # كان هذا كله يحفظ خالدا ويثير غضبه حتى حلف في إحدى المواقع لئن أظفره الله على ~~عدوه ليجدن في قتلهم حتى يجري نهرهم بدمائهم، فلما انهزم العدو أمامه أمر المنادين، ~~فنادوا في الجيش أن تتبعوا الأسرى ولا تقتلوا منهم إلا من امتنع عليكم، فمضى المسلمون ~~في تتبع المنهزمين حتى أخذوا منهم عددا ضخما، وأراد خالد أن يبر يمينه؛ فصد الماء ~~عن النهر وجعل يقدم الأسرى فيضرب ms045 أعناقهم في مجرى النهر. # وزعم الرواة أنه أقام على ذلك يوما وليلة، حتى قال له القعقاع بن عمرو - وهو من ~~أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~- وآخرون معه، وقد راعهم ما رأوا من الإسراف في قتل الأسرى: إن ~~الدماء لا تجري، وإن الأرض لا تنشف الدماء، فأجر الماء تبر يمينك. فلما أجرى ~~الماء إلى النهر جرى ذلك النهر دما؛ فسمي نهر الدم. # وقد يكون الرواة قد أسرفوا في المبالغة، ولكن المحقق أن خالدا أمعن في القتل حتى ~~ضاق بذلك القعقاع وأصحابه، فصرفوه عن ذلك بإجراء الماء. # وهذه صورة أخرى من صور العنف في أخلاق خالد رحمه الله، والشيء الذي ليس فيه شك هو أنه ~~استطاع أن يستخلص العراق العربي من الفرس، وكان يود لو أذن له أبو بكر في مهاجمة الفرس ~~في عقر دارهم، ولكن أبا بكر لم يأذن له اصطناعا للأناة، فكان خالد يضيق بمقامه في ~~العراق على غير حرب، حتى كان يسمي سنته تلك سنة النساء، فلما أمر بالسير إلى الشام ~~ضاق بهذا الأمر؛ لأنه فوت عليه فرصة كان يريد انتهازها، وهي المضي في غزو الفرس حتى ~~ينزل المدائن عاصمة ملكهم، ولكنه لم يجد بدا من السمع والطاعة لخليفة رسول الله، ~~فسار بنصف جيشه إلى الشام مددا للمسلمين هناك، وكان سيره إلى الشام وإسراعه في نجدة ~~المسلمين عجبا من العجب. # وكان عصر أبي بكر، والظروف التي أحاطت بخلافته القصيرة، كان كل ذلك مثيرا للغضب، ~~مخرجا لأولي الأحلام عن أطوارهم، مزعجا لذوي القلوب المطمئنة والنفوس الرضية، ~~والطبائع السمحة، عما كانوا يألفون من اللين والدعة، ويؤثرون من الرفق ~~والإسماح. # فقد كان أبو بكر ومن حوله من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # مطمئنين إلى أن العرب قد دانوا ~~للإسلام طائعين أو كارهين، وإلى أنهم قد فرغوا من أهل الجزيرة العربية وأوشكوا أن ~~يأخذوا في تحرير العرب المتفرقين خارج الجزيرة في ملك فارس والروم، يرون ذلك تأمينا ~~لحدود الجزيرة العربية أولا، واستنقاذا للعرب من حكم الأجنبي، وكانوا يرون أن اهتمام ~~النبي ms046 # صلى الله عليه وسلم # بحدود الجزيرة مما يلي الروم، حين أرسل جيشا إلى مؤتة، وحين سار بنفسه ~~في غزوة تبوك، وحين جهز جيش أسامة وأمر في مرضه بإنفاذه. # كان يرون هذا كله مقدمة لاستنقاذ العرب المنتشرين في الشام من سلطان قسطنطينية، ~~وكانوا يقدرون أن النبي لو بقي فيهم لما قصر في العناية بتحرير العرب المنتشرين في ~~العراق من سلطان الأكاسرة. # وكان أبو بكر - رحمه الله - يفكر حين استخلف في أن ينفذ الخطة التي كان يعلم أن ~~رسول الله سينفذها لو عاش، وهي تحرير العرب خارج الجزيرة بعد أن أسلم العرب داخل ~~الجزيرة، ولكنه ينظر، فإذا الكذابون قد ظهروا قبل وفاة النبي وتبعهم كثير من العرب، ~~وإذا سائر العرب في الجزيرة قد عادوا إلى جاهليتهم وجعلوا ينظرون إلى الزكاة التي كانت ~~تؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم على أنها إتاوة تجبى إلى ملك يقيم ~~بالمدينة. # وكانوا قد أذعنوا بالزكاة لما أمر الله به من أداء الزكاة في حياة النبي دون أن تطيب ~~عنها نفوسهم. قدروا أن النبي أقوى من أن يغلب؛ فدانوا له بالطاعة، فلما رأوا أنه قد ~~مات، وأن الأمر قد انتقل إلى رجل من أصحابه لا يعدو أن يكون عربيا مثلهم، اضطربت ~~نفوسهم أولا، ثم أنكرت ما عرفت ثانيا، ورأت هذه الزكاة إنما هي ضريبة تؤدى لقريش؛ ~~فأخذتها العزة بالإثم، وكرهوا أن يؤدوا إلى قبيلة من القبائل العربية - وهي قريش - وإلى ~~رجل بعينه من هذه القبيلة هو أبو بكر، ما كانوا يؤدونه إلى النبي الذي كان يأتيه خبر ~~السماء، فأرادوا أن يصالحوا قريشا ورئيسها أبا بكر على الإسلام كله، لا يستثنون منه ~~إلا الزكاة التي لم يألفوها في جاهليتهم، فلما أبى عليهم ذلك أبو بكر نقضوا طاعته، ~~واستخفوا به وبمن معه لقلتهم وكثرة العرب حتى قال قائلهم: # أطعنا رسول الله إذ كان بيننا # فيا لعباد الله ما لأبي بكر؟! # أيورثها بكرا إذا مات بعده؟! # وتلك لعمر الله قاصمة الظهر # فقد نظر العرب إلى أبي بكر على أنه رجل ملكته ms047 قريش أمرها، وأبوا أن يدينوا ~~للملوك، وهم بعد ذلك قد عرفوا من ألفوا من ملوك الغسانيين في الشام، وملوك المناذرة في ~~العراق ، ولم يكن أولئك الملوك يتسلطون عليهم، فضلا عن أن يفرضوا عليهم الضرائب؛ فما ~~بال هذا القرشي الذي عرفوه تاجرا كغيره من قريش يريد أن يجعل نفسه عليهم ملكا، وأن ~~يفرض عليهم الضرائب التي لم يجرؤ ملوك غسان، ولا ملوك المناذرة على فرضها! # وقد بلغ من استخفاف العرب بأبي بكر أن كانوا يهزءون به، ويدعونه أبا الفصيل؛ لأن ~~البكر هو الفصيل، وكان الذين يؤثرون العافية من عقلائهم وممن بقي على إسلامه يردون ~~عليهم استخفافهم ذاك، ويقولون لهم: لتعرفن من أمره ما يحملكم على أن تدعوه أبا الفحل ~~الأكبر. # فلا غرابة في أن يثير هذا كله أبا بكر ومن حوله من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، والرواة ~~يتحدثون أن عمرو بن العاص عاد من مهمة كلفه النبي أداءها في عمان، فمر في طريقه إلى ~~المدينة بسيد من سادات بني عامر - يقال له: قرة بن هبيرة - فأنزله قرة وأكرمه، ~~فلما هم عمرو أن يرتحل خلا به قرة، وقال له: يا هذا، إن العرب لا تدين لكم ~~بالإتاوة! ثم اتصل الحديث بينهما حتى تغاضبا وأوعده عمرو. # وبلغ عمرو المدينة وقد رأى كفر من مر بهم من العرب، فتحدث بذلك إلى نفر من ~~أصحاب رسول الله، وريع هؤلاء النفر لحديث عمرو، وجعلوا يتحدثون في ذلك؛ فأقبل عمر بن ~~الخطاب مسلما على عمرو، فلما رآه أولئك النفر سكتوا، قال عمر: إني أعلم فيما ~~تتناجون. فأجابه طلحة بن عبيد الله: أتريد أن تحدثنا بالغيب يابن الخطاب؟! قال عمر: لا ~~يعلم الغيب إلا الله، إنما ظننت أنكم سمعتم ما أنبأ به عمرو من كفر العرب وانتقاضهم، ~~فراعكم وجعلتم تتناجون فيه. قالوا: صدقت! قال عمر: فإني والله لأخافكم على العرب أكثر ~~مما أخاف العرب عليكم. # وفي هذا الحديث تأكيد لما قلته آنفا من أن عمر لم يجادل أبا بكر في قتال المرتدين ~~كما زعم كثير ms048 من الرواة، ولكنه يصور إلى أي حد رجع العرب كفارا بعد إسلامهم، وهموا ~~باستئناف الحياة التي كانوا يحيونها في جاهليتهم، لولا أن عاجلهم أبو بكر فرد إليهم ~~رشدهم، أو ردهم إلى الرشد بعد أن هموا بالغي. # فلا غرابة إذن في أن يكون هذا كله محفظا للصالحين من المسلمين، ومخرجا لرجل ~~كأبي بكر عن طوره الذي ألفه من لين الجانب، ورقة القلب، وإيثار الرفق على ~~العنف. # ومما يصور استهانة العرب المرتدين بالمسلمين عامة - وبأبي بكر خاصة - هذه القصة ~~التي تصور في الوقت نفسه كيف صار أبو بكر إلى الشدة والعنف، بعد ما ألف في ~~حياته كلها من الرقة واللين. # جاءه رجل من بني سليم يعرف بالفجاءة، ويسمى إياس بن عبد ياليل، فقال له: إني ~~مسلم، وأريد أن أقاتل المرتدين؛ فاحملني وأعني بالسلاح. فأعطاه أبو بكر ما احتاج ~~إليه من الظهر والسلاح، فلم يكد هذا الرجل يخرج من المدينة حتى بين عما كان قد ~~أضمر من الغش والخداع، فجمع إليه نفرا من أمثاله وجعل يتعرض الناس: مسلمهم ~~وكافرهم، فيقتلهم ويأخذ أموالهم وينشر الفساد في الأرض. # وعرف أبو بكر ذلك، فأرسل إلى بعض عماله يأمره أن يجد في طلب الفجاءة حتى يقتله أو ~~يأتيه به أسيرا، وجد عامله في ذلك حتى جاءه بعد خطوب بالفجاءة، فأمر أبو بكر أن ~~توقد له نار عظيمة بمصلى المدينة، وهو المكان الذي كان يخرج إليه النبي # صلى الله عليه وسلم # والمسلمون لصلاة العيدين، وللصلاة على الجنائز، وأن يلقى فيها، فحرق بالنار عن أمر ~~أبي بكر، ولولا الغضب والحفيظة لخداع الفجاءة من جهة، ولانتشار الردة من جهة أخرى؛ ~~لذهب أبو بكر في عقاب هذا المجرم الذي حارب الله ورسوله مذهبا آخر، قد أمر به في ~~القرآن حيث يقول الله - عز وجل - في سورة المائدة: # إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض ~~فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي ~~في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ms049 ~~. # ويقول الثقات من الرواة إن أبا بكر - رحمه الله - قد ندم على تحريق الفجاءة، وتحدث ~~بندمه هذا إلى بعض من عاده من أصحاب رسول الله في مرضه الذي توفي فيه. # وأوضح دليل على ندمه سيرته فيمن كان يؤتى به من الأسرى الذين حرضوا على الردة ~~وألحوا في التحريض، وقادوا قبائلهم لحرب المسلمين، فقد كان كلما أتي بأسير من ~~هؤلاء عنفه، ثم قبل منه التوبة وأطلقه. # وبهذه السيرة عصم كثيرا من الدماء، وأعفى قوما أبلوا بعد وفاته في الفتوح أحسن ~~البلاء. # وقد عاد طليحة إلى الإسلام بعد هزيمته وأقام في الشام حينا، ثم أراد العمرة فمر ~~بالمدينة في طريقه إلى مكة، وعرفه من عرفه من المسلمين، فقالوا لأبي بكر: هذا طليحة ~~قريبا من المدينة في طريقه إلى مكة. قال أبو بكر: وما أصنع به؟! دعوه فقد هداه الله ~~إلى الإسلام. # وما أعرف أحدا من المرتدين كان له من حسن البلاء ما كان لطليحة، في كل المواقع ~~الكبرى التي كانت بين المسلمين والفرس أيام عمر رحمه الله. # ومهما يكن من شيء فقد أتيح لأبي بكر بفضل هذا المزاج المعقول من الرفق في موضع ~~الرفق، والعنف في موطن العنف، أن يقضي على الردة، ويعيد العرب إلى الإسلام طائعين ~~أو كارهين بعد أن خرجوا منه. كل ذلك في العام الأول من خلافته، وأتيح له بعد ذلك أن ~~يأخذ فيما كان يريد أن يبدأ به، لو لم تكفر العرب، من تحرير العرب في الشام ~~والعراق. # 8 # وقد دفعت الظروف دفعا إلى فتح العراق، وما أرى أنه كان يريد البدء به، وإنما كان أهم ~~شيء إليه أن يتم ما مهد له النبي # صلى الله عليه وسلم # من فتح الشام؛ ليحرر العرب المنتشرين ~~فيه من سلطان الروم. ولعله إن يسر له أمر الشام أن يفكر في أمر العراق، ولكن ~~الظروف أرادت غير ذلك، فقد شغل أبو بكر في العام الأول بحرب الردة كما رأيت، ولم ~~يهم بالشام، وإنما اكتفى بأن يحمي حدود الجزيرة حتى لا يغير عليها ms050 مغير من ~~الشام. # وانتصر جيش أبي بكر على المرتدين من ربيعة في البحرين، وإذا رجل من بكر بن وائل، ثم ~~من بني شيبان ، يؤمر نفسه على من تابعه من قومه الذين أقاموا على الإسلام ولم يكفروا، ~~وإذا هو يتتبع بمن معه المرتدين من العرب على ساحل الخليج الفارسي، ويتاح له الظفر ~~فيما حاول من ذلك حتى يشرف على العراق، وفيه قبائل من العرب قد انتشرت فيه قبل الإسلام، ~~فيتمنى هذا الرجل أن يتاح له الإمعان في العراق، وإخضاعه كله أو بعضه لسلطان ~~المسلمين، ولكنه في حاجة إلى أمر من الخليفة يبيح له هذه المحاولة التي لا تخلو من ~~مغامرة، والتي قد يتعرض فيها المسلمون لألوان من الخطر، فيذهب هذا الرجل - وهو ~~المثنى بن حارثة الشيباني - إلى المدينة ويلقى أبا بكر، ويحدثه بما فعل وبما كان من ~~حربه للمرتدين من العرب، وبما لقي من كيد الفرس هناك له، ومكرهم به، وتأليبهم عليه، ~~ويطلب إلى أبي بكر أن يؤمره على قومه، وأن يأذن له في دخول العراق، ومحاربة الفرس إن ~~اجتمعوا له. # وليس من شك في أن المثنى قد زين لأبي بكر فتح العراق وهون عليه أمره، وأنبأه بأن ~~العرب من قومه بني بكر ومن غيرهم منتشرون في العراق، وأن من اليسير أن يستجيبوا له وأن ~~يعينوه إن احتاج لمعونتهم. وقد فكر أبو بكر واستشار أصحابه ثم أذن للمثنى، فأقبل ~~حتى اقتحم العراق، ولكنه لم يمعن فيه حتى عرف أن بأس الفرس شديد، وأنهم لن يفرطوا في ~~العراق ولن يخلوا بين هذا الرجل العربي ومن معه من أهل البادية وبين جزء من ملكهم، ~~ويغيرون عليه ويقيمون فيه، ثم ينتشرون بعد ذلك حتى يستخلصوا منهم أرضا طال سلطانهم ~~عليها، واستقر أمرهم فيها منذ زمن طويل من أجل ذلك جمعوا له وتهيأوا لمقاومته. # وعرف الخليفة كل هذا، وأزمع ألا يرد المثنى عما أراد، وأن ينصره ويمده، ~~فاختار خالد بن الوليد وكان قد فرغ من أمر اليمامة، وأمره أن يأتي العراق وأن يكون هو ~~الأمير ms051 وأن يكون المثنى له تبعا. # وكان خالد قد أذن لكثير من جنده بالرجوع عن أمر أبي بكر، بعد أن لقي جيشه ما لقي من ~~البأس والجهد في اليمامة، فلم يبق معه إلا عدد يسير لا يكاد يبلغ الألفين، وقد استمد ~~أبا بكر فأمده بالقعقاع بن عمرو، وأمر خالدا أن يستنفر من العرب من ثبت على إسلامه، ~~وألا يقل في جيشه منهزما من أهل الردة، وألا يكره الناس على الانضمام إليه. ~~وأرسل أبو بكر في الوقت نفسه عياض بن غنم إلى دومة الجندل، وأمره أن يقضي على ~~الردة فيها ثم يهبط إلى العراق قاصدا إلى الحيرة؛ فإن بلغها قبل خالد فهو الأمير وخالد ~~تبع له وقائد من قواده، وإن بلغها خالد قبله فالإمرة لخالد وعياض تبع له وقائد من ~~قواده. # ولكن خالدا كان سيفا من سيوف الإسلام وسهما نافذا من سهام المسلمين، فلم يكد يبلغ ~~العراق حتى جد في الحرب وأبلغ فيها، وظفر بالفرس والعرب الذين تابعوهم في غير ~~موطن، وانتهى إلى الحيرة، فاضطر أهلها إلى الصلح، واستقام له فتح العراق العربي وقهر ~~الفرس وإذلالهم وإخراجهم من العراق في عدة أشهر. وعياض مقيم على دومة الجندل لا يبلغ ~~منها شيئا حتى أعانه خالد، فأتيح له الفتح، وتم له من أمر العراق ما أراد الخليفة ~~وما أراد هو، ولقي في حربه تلك من الخطوب، وأتيح له من الفوز ما أشرت إليه فيما ~~مضى. # وكذلك تم لأبي بكر فتح العراق العربي بعد القضاء على الردة، ولكنه أرسل خالدا ~~إلى الشام مددا للمسلمين هناك، فلم يثبت العراق على ما تركه خالد عليه من الخضوع ~~لسلطان المسلمين، وإنما كاد الفرس ومكروا واستعدوا، ثم عادوا إلى العراق وقد انتفض ~~أكثر أهله. ونظر المثنى بن حارثة فإذا خالد قد فارقه ومعه نصف الجيش إلى الشام عن أمر ~~الخليفة، وإذا هو لا يستطيع بمن معه من المسلمين أن يقاوم الفرس والعرب مجتمعين، فعاد ~~إلى المدينة، ولكنه حين بلغها صادف أبا بكر مريضا مرضه الذي توفي فيه، وقد استقبله ms052 ~~أبو بكر على ذلك وسمع منه، وأوصى عمر أن يمده، وألا يهمل أمر العراق. # وكذلك تورط المسلمون في هذه الحرب التي كان أولها ميسرا، والتي أبلى فيها خالد أحسن ~~البلاء، وكان جديرا أن يحملها إلى بلاد الفرس نفسها، وألا يقلع عن هذه البلاد حتى يزيل ~~ملك الأكاسرة. # وليس لذلك مصدر إلا أن أبا بكر - رحمه الله - قد عني بأمر الشام قبل أن يفرغ من أمر ~~العراق؛ إنفاذا لما كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يريده ويمهد له من جهة، وتورطا في حرب الروم ~~على غير تعجل منه من جهة أخرى. # ثم قبض الله أبا بكر إلى جواره قبل أن يشهد ما أتاح الله لجيوشه في الشام من النصر، ~~وكان على عمر بن الخطاب - رحمه الله - أن يسترد العراق ويتم فتح الشام كما ~~سنرى. # 9 # وكان الذي ورط أبا بكر في حرب الشام قبل الفراغ من فتح العراق، أنه أراد أن يحمي ~~حدود الجزيرة العربية مما يلي الشام، فأرسل خالد بن سعيد بن العاص وأمره أن يقيم على ~~تيماء ردءا لمن وراءه من المسلمين، فذهب خالد ومعه جيشه حتى بلغ الغاية التي وجه ~~إليها، واجتمعت له على حدود الشام بإزائه قبائل من العرب، ومعهم جنود الروم، فحمي خالد ~~وأصحابه حين رأوا هذا العدو بإزائهم، فاقتحموا عليهم وانهزم لهم عدوهم، فأطمع انهزامه ~~خالدا في أن يظفر في الشام بمثل ما كان يظفر به سميه ابن الوليد في العراق، فأوغل في ~~أرض العدو وتركه العرب والروم يمعن في أرضهم، حتى إذا بعد ما بينه وما بين الجزيرة ~~العربية، كروا عليه فحصروه وقتلوا ابنه سعيدا، واضطر هو إلى أن يفر فيمن استطاع من ~~أصحابه، وأمعن في فراره حتى جاوز حدود الجزيرة ودنا من المدينة. # وعرف أبو بكر ذلك فكتب إليه يأمره أن يقيم مكانه وألا يأتي المدينة، وكان عمر وعلي ~~وغيرهما من أصحاب النبي قد نهوا أبا بكر عن إرسال خالد إلى حدود الشام، وقالوا له: ~~إنه رجل فخور مغرور، سريع الإقدام سريع الإحجام. ms053 ولكن أبا بكر لم يسمع لهم، فلما انهزم ~~خالد عرف أنهم قد نصحوا له، وأنهم كانوا أعرف منه بهذا الأموي المقدام المحجام. # ومهما يكن من شيء فقد اضطر أبو بكر إلى أن يمحو أثر تلك الهزيمة، فجند جنودا ~~وأمر عليها الأمراء، وخصص لكل أمير جزءا من الشام يفتحه ثم يكون عاملا ~~عليه. # وهؤلاء الأمراء هم: عمرو بن العاص وجعل إليه فتح فلسطين وحكمها بعد الفتح، ويزيد بن ~~أبي سفيان وكلفه دمشق، وأبو عبيدة بن الجراح وكلفه حمص. كلهم يبدأ بالفتح ثم يقيم ~~واليا على ما غلب عليه. # وكان عكرمة بن أبي جهل قد أرسل مددا إلى خالد بن سعيد، فلما فر خالد داور عكرمة ~~بالجيش حتى بعد به عن جموع الروم والعرب، وأقام على الحدود بين الجزيرة ~~والشام. # وكان الروم قد ظنوا أن ما أصاب المسلمين من هزيمة، وما كان من فرار قائدهم خالد بن ~~سعيد، وارتداد جيشه إلى الحدود، قد كفاهم حرب المسلمين، فلما رأوا الأمراء يقبلون ~~بجيوشهم ويتجاوزون الحدود، فيقيم أبو عبيدة بالجابية، # 16 # ويقيم يزيد بن أبي سفيان بالبلقاء، # 17 # ويقيم عمرو بن العاص بالعربة، # 18 # ويقيم شرحبيل بن حسنة على مرتفع قريب من طبرية # 19 ~~... # لما رأى الروم هذا عرفوا جد المسلمين في حربهم فتهيئوا لقتالهم، وأرسلوا بإزاء كل ~~أمير جيشا أكثر من جيشه عددا وأعظم قوة، ونظر أمراء المسلمين فوجدوا أن كل واحد منهم ~~أعجز من أن يثبت للجيش الذي وقف بإزائه، فتكاتبوا وتشاوروا، وأشار عليهم عمرو بن العاص ~~بأن يجتمعوا في صعيد واحد؛ لأنهم إن اجتمعوا لم يغلبوا من قلة، وكانت هذه الجيوش كلها ~~لا تكاد تجاوز ثلاثين ألفا، أما جيش الروم فكانت أكثر من ذلك كثيرا، يزعم الرواة أنها ~~بلغت أربعين ومائتي ألف. # ولما رأت جيوش الروم أن جيوش المسلمين قد اجتمعت في صعيد واحد، صنعوا صنعيهم، فتجمعوا ~~ووقفوا بإزاء المسلمين. # وأنا أروي هذا كله متحفظا، فهذه الأعداد لجيوش المسلمين وجيوش الروم لا تخلو من ~~مبالغة، ولست أدري إلى أي حد يمكن أن ms054 نطمئن إلى تحديد المواقف الأولى للأمراء وجيوشهم، ~~وإنما الشيء الذي نستطيع أن نطمئن إليه أن جيوش المسلمين اجتمعت على أحد شاطئي اليرموك، ~~واجتمعت جيوش الروم على الشاطئ الآخر ، ثم عبر المسلمون إلى الروم فوقفوا بإزائهم، وقد ~~هاب بعض القوم بعضا، وأقاموا على تناوش يسير ثلاثة أشهر - فيما يقول الرواة - لا يقدر ~~أحد الجيشين على صاحبه، بل لا يجرؤ على إنشاب القتال العام، وعرف أبو بكر ذلك فضاق به ~~ثم أمر خالد بن الوليد أن يذهب بنصف جيش العراق منجدا لجيوش المسلمين عند ~~اليرموك. # ويزعم الرواة أن أبا بكر قال: والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن ~~الوليد، والمحقق أن أبا بكر كان يعرف من خالد الإقدام، بل الغلو في الإقدام، وكان ~~مطمئنا إلى أن المسلمين حين ينضم إليهم خالد بمن معه لن يغلبوا من قلة، إذا أخلصوا ~~النية ونصحوا لله ورسوله وجاهدوا عدوهم صادقين، وكان أبو بكر واثقا بنصر الله ~~للمسلمين إن قاتلوا عدوهم كما كانوا يقاتلون مع النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # والله يقول لنبيه وللمؤمنين: # الآن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين ~~بإذن الله والله مع الصابرين ~~. # فليس على المسلمين بأس من كثرة عدوهم إذا صدقوا النية وصبروا نفوسهم على الحرب، وقد ~~قال الله في سورة البقرة فيما كان من حرب طالوت وجالوت: # قال ~~الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت ~~فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ~~. # فلا على المسلمين أن يكونوا هم الفئة القليلة، وأن يكون الروم هم الفئة الكثيرة، ~~فالكثرة والقلة ليستا مدار النصر والهزيمة، إنما مدارهما الصبر والحفاظ وإخلاص النية، ~~وقد وصل خالد ومن معه فانضموا إلى جيوش المسلمين، بعد مغامرة خطيرة غامرها خالد بجيشه ~~حين عبر بهم - فيما يزعم الرواة - صحراء مهلكة لا ماء فيها، وحين استعان على هذه ~~الصحراء بتظميء الإبل ثم سقيها عللا بعد نهل، # 20 # ثم صر # 21 # آذانها وشد مشافرها، واندفع في ms055 الصحراء وقد استكثر من الماء ما استطاع، ~~فكان إذا ظمئت الخيل والمطايا نحر هذه الإبل، واستخرج الماء من بطونها فسقاها منه، وطعم ~~الناس من لحومها. وكان بلوغ خالد جيوش المسلمين بركة عليهم، فهو قد أشار على أمراء ~~الجيوش أن يوحدوا القيادة، وأن يكون كل واحد منهم أميرا على جماعة المسلمين يوما، ~~وطلب إليهم أن يجعلوا له أول يوم بعد توحيد القيادة - كذلك يقول الرواة - وأرجح أنا أن ~~أبا بكر أرسله إلى الشام أميرا على جيوش المسلمين كلها، وأن أبا بكر هو الذي وحد ~~قيادة هذه الجيوش، على ألا يحرم أمير من الأمراء عمله الذي وعد به، فلما بلغ خالد ~~الشام وجمعت له جيوش المسلمين، فأصبح قائدها العام لم يماكث العدو، إنما انتظر حتى ~~جم وجم أصحابه، ثم عبأ جيوش المسلمين تعبئة لم يعرفها العرب من قبل، فجعل الجيش ~~كراديس - أي كتلا ضخمة - ثم قذف بها جيش العدو فأتيح له النصر بعد خطوب. # وكان خالد هو الذي فتح الشام في حقيقة الأمر. # ولكن أبا بكر - رحمه الله - لم يتح له أن يفرح بهذا الفتح؛ فقد مرض وتوفي، واستخلف ~~عمر وأرسل رسوله إلى جيوش المسلمين ينبئها بوفاة أبي بكر واستخلافه، ويعزل خالدا عن ~~إمارة الجيوش ويجعل هذه الإمارة لأبي عبيدة. # ويقول الرواة: إن رسول عمر بلغ العسكر ليلة الموقعة وأنبأ أبا عبيدة بمهمته، فاستكتمه ~~أبو عبيده الخبر، وكتمه هو حتى لا يفل في أعضاد الجيش، ولا ينبئ خالدا بعزله، ولم ~~يعلم خالد بهذا العزل إلا بعد أن أنزل الله نصره على المسلمين وفتح لهم طريق ~~دمشق. # 10 # وكذلك لم تتصل خلافة أبي بكر إلا سنتين وأشهرا، يختلف الرواة في عددها، ولم يوفق ~~خليفة من خلفاء المسلمين في أمد قصير كهذا الأمد إلى ما وفق إليه أبو بكر؛ فقد توفي ~~- رحمه الله - بعد أن رد الجزيرة العربية إلى الإسلام كعهدها أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وبعد ~~أن امتحن في صبره وصدق نيته وثباته وضبط نفسه عند المكروه، وامتحن معه المسلمون، ~~وأبلت جيوشه ms056 في قمع الردة أحسن البلاء وأعظمه. وتوفي بعد أن رمى بهؤلاء المسلمين ~~ملك الفرس، فاقتطع منه العراق العربي، ولو قد مد الله له في الحياة شهرا أو ~~شهرين لمات مطمئنا إلى أن جيوشه في الشام قد فلت جيوش قيصر، وفتحت منافذ الشام ~~للمسلمين ينساحون منها إلى أرض الشام كلها، فيستبرئونها من الروم ويستخلصونها ~~للمسلمين. # ولكن الابتهاج بهذا الفتح واحتمال ما سيعقبه من الأثقال والخطوب، لم يتح لأبي بكر، ~~وإنما أتيح لمن ولي خلافة المسلمين بعده وهو عمر بن الخطاب. # ولم نصف من سياسة أبي بكر إلى الآن إلا سياسة الحرب، فقد كانت خلافته كلها خلافة ~~حرب في الجزيرة العربية أولا، وفي العراق والشام، بعد ذلك، ولم يكن لأبي بكر تجديد في ~~سياسته الداخلية، إن صح أن نسمي سيرته في المدينة وفي العرب بعد أن عادوا إلى الإسلام: ~~سياسة داخلية. # وقد اختصر أبو بكر سياسته في جملة قالها في أول خطبة خطبها بعد أن استخلف، وهي قوله: ~~إنما أنا متبع ولست مبتدع. فقد ألزم نفسه سيرة النبي # صلى الله عليه وسلم # في تدبير الحرب، وفي ~~إجراء الأحكام في المدينة وفي سائر الجزيرة بعد أن رجعت إلى الإسلام. # فكان يباشر أمور المدينة بنفسه مستعينا بعمر على القضاء بين الناس، ويقال إن عمر كان ~~يقضي الشهر لا يختصم إليه أحد؛ لأن أبا بكر لم يسر وحده سيرة النبي، وإنما سار أهل ~~المدينة كلهم سيرة النبي لم يغيروا شيئا، فلم يغير الله من أمرهم شيئا. # وكان أبو بكر يقيم بالسنح خارج المدينة من أعلاها في بيت اتخذه من الشعر، ~~فلما استخلف ظل في هذا البيت ستة أشهر، يهبط إلى المدينة كل يوم، فينظر في أمور ~~الناس ويقيم لهم الصلاة، فإذا أمسى عاد إلى أهله. # ويروي ابن سعد بإسناده: أن أبا بكر كان قبل وفاة النبي يحلب للحي الذي كان يقيم فيه ~~بالسنح من الأنصار إبلهم وغنمهم، فلما استخلف سمع جارية تقول: الآن لا تحلب لنا منائحنا، # 22 # فقال: لا والله لأحلبن لكم، وإني لأرجو ms057 ألا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت ~~أفعله من قبل. # وظل على حاله تلك حتى ترك السنح ونزل إلى داره التي كان النبي أقطعه إياها في ~~المدينة، فأقام فيها حتى قبض ، وقد هم بعد استخلافه أن يباشر تجارته كما كان يفعل أيام ~~النبي، ولكن أمور المسلمين، وما كان من حرب العرب شغلته عن تجارته، ففرض له المسلمون ما ~~يقوته ويقوت أهله. # يقول بعض الرواة: إنهم فرضوا له ألفي درهم في العام، فقال: زيدوني، فزادوه خمسمائة ~~درهم، ويقول بعضهم: إنهم فرضوا له ألفين وخمسمائة، فلما قال: زيدوني، بلغوا ثلاثة ~~آلاف. # على أنه حين أحس الموت رد على المسلمين ما استنفق من مالهم، فوهب لهم بهذا المال ~~أرضا كان يملكها، واتفق الرواة على أنه كان عنده غلام يخدمه ولقحة # 23 # يسقى لبنها، وقطيفة قيمتها خمسة دراهم. وكان هذا كله من بيت مال المسلمين، ~~فلما عرف أنه ميت في مرضه ذاك أمر أن يرد هذا كله على الخليفة من بعده، فلما رد ~~هذا على عمر، قال وهو يبكي: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده! # ولا نعرف لأبي بكر شيئا امتاز به عن عمر في سياسة المسلمين الداخلية إلا أمرين ~~اثنين، أحدهما: أن الفيء كان يأتيه بعد انتصار قواده في حروب الردة، وكان يأتيه بعد ~~انتصار خالد في العراق. # كان القواد ينفذون في هذا الفيء أمر الله - عز وجل - في الآية الكريمة من سورة ~~الأنفال: # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن ~~لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء ~~قدير ~~. # فيقسمون أربعة أخماس الغنيمة على الجند، وربما نفلوا أصحاب البلاء من الخمس، ثم ~~يرسلون ما بقي منه إلى أبي بكر، وكان أبو بكر يقسم ما يصل إليه بين المسلمين لا يفرق ~~بينهم في القسمة، وإنما يعطيهم جميعا على سواء، يعطي الرجال والنساء والأحرار ~~والرقيق. # ولما كلم في السابقين إلى الإسلام والمجاهدين مع رسول ms058 الله قال: إن أجرهم على ذلك ~~عند الله، وإنما الدنيا بلاغ. وسنرى أن عمر خالف هذا المذهب حين فرض الأعطية ~~للناس. # والأمر الثاني: أنه لم يرم الفرس والروم في العراق والشام إلا بمن ثبت على إسلامه بعد ~~وفاة النبي، وكان يمنع العائدين من ردتهم إلى الإسلام من المشاركة في الفتح عقوبة لهم ~~من جهة، وإشفاقا منهم من جهة أخرى، وسنرى أن عمر قد غير هذا الحكم من أحكام أبي ~~بكر. # وكان أبو بكر فيما عدا ذلك رجلا من المسلمين لا يمتاز منهم في شيء، وقد دعاه بعض ~~الناس: يا خليفة الله! فقال: لست خليفة الله، وإنما أنا خليفة رسول الله. # وكذلك أنفق أيام خلافته راضيا، مرضيا، لم ينكر عليه أحد من المسلمين شيئا، ولم ~~ينكر هو على أحد من المسلمين شيئا، ولقي الله راضيا عن المسلمين والمسلمون عنه ~~راضون. # وأمر آخر يتفق المحدثون والعلماء بالقرآن على إضافته إلى أبي بكر عن مشورة عمر، ولم ~~يقبل عليه أبو بكر إلا بعد تردد؛ لأنه كان كما رأيت يتحرج من أن يفعل شيئا لم يفعله ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو جمع القرآن. # فقد قتل من أصحاب رسول الله في حرب مسيلمة مائتان وألف من المسلمين، وكان في القتلى ~~عدد كثير من القراء الذين جمعوا القرآن كله أو أكثره في صدورهم، فلما كثر القتلى من ~~القراء في هذه الموقعة أشفق عمر أن يقتل مثلهم أو أكثر منهم في مواطن البأس، وأن ~~يذهب كثير من القرآن بقتلهم، فأشار على أبي بكر أن يجمع القرآن حتى لا يتعرض نص من ~~نصوصه للضياع بقتل من يقتل القراء خاصة ومن أصحاب النبي عامة. # وتردد أبو بكر في ذلك كما قلت آنفا، ولكن عمر ما زال به حتى أقنعه. قال الرواة من ~~المحدثين والعلماء بالقرآن: فدعا أبو بكر زيد بن ثابت رحمه الله، وكان شابا جلدا ~~عاقلا، وكان يكتب الوحي لرسول الله في المدينة، فكلفه أن يتتبع القرآن فيجمعه، وتردد ~~زيد كما تردد أبو بكر؛ لأن النبي # صلى ms059 الله عليه وسلم # لم يفعل ذلك. # ولكن الشيخين أقنعاه بما في ذلك من خير للإسلام والمسلمين، فنهض زيد بهذه التبعة ~~الثقيلة، وجعل يتتبع القرآن؛ يجمعه من صدور الرجال، لا يقبل من رجل نصا من نصوصه إلا ~~إذا وجده عند رجل آخر من أصحاب النبي، ويجمعه من ألواح الحجارة وأكتاف الإبل وعسب النخل ~~التي كانوا يكتبون القرآن عليها، حتى أتم ذلك في عهد أبي بكر، أو في أيام عمر، على ~~اختلاف في ذلك؛ فاجتمع بذلك أول مصحف كتب فيه القرآن. # وظل هذا المصحف عند أبي بكر، إن كان قد تم جمعه في أيامه، ثم صار بعد ذلك إلى عمر، أو ~~ظل عند عمر إن كان قد تم جمعه بعد وفاة أبي بكر، حتى قتل عمر؛ فكان عند حفصة أم ~~المؤمنين، حتى هم عثمان - رحمه الله - بنسخ المصاحف وإرسالها إلى الأمصار، فطلب هذا ~~المصحف من حفصة فدفعته إليه، وكان مما اعتمد عليه الذين نسخوا المصاحف. # ومعنى هذا أن المصحف الذي جمعه زيد بن ثابت عن أمر أبي بكر لم يكن معروضا على الناس، ~~وإنما كان محفوظا عند الشيخين، أو عند عمر وحده ثم عند حفصة، ولم يذع في الناس إلا ~~حين نسخت المصاحف عن أمر عثمان، في القصة التي رويناها في غير هذا الحديث. # وكان زيد بن ثابت من الذين شاركوا في نسخ هذه المصاحف، ومن الناس من يظن أن جمع ~~القرآن أيام أبي بكر أريد به إلى منع اختلاف الناس في القراءة، وهذا خطأ؛ فالمصحف ~~الذي جمع لأبي بكر وعمر لم يكن مرجعا لعامة المسلمين، وإنما أريد به إلى حفظ نصوص ~~القرآن من أن تذهب بموت الذين يحفظونها في صدورهم، أو يحتفظون بها عندهم مكتوبة، فأما ~~المصحف الذي أريد به إلى جمع الناس على قراءة لا يختلفون فيها، فهو الذي أرسله عثمان ~~إلى الأمصار، والذي سمي بالمصحف الإمام. # 11 # وفي آخر الأسبوع الأول من شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة مرض أبو بكر، وكان ~~قد اغتسل في يوم بارد، فأخذته ms060 حمى جعلت تثقل عليه حتى أحس أبو بكر أنه الموت، وقد ~~كلم في دعاء الطبيب؛ فقال - فيما تحدث ابن سعد: لقد رآني. فقال: إني فعال لما أشاء. ~~يريد أن الطبيب الذي رآه إنما هو الله عز وجل. # ومعنى ذلك: أن أبا بكر لم يرد أن يستشير طبيبا من الناس، وإنما وكل أمره إلى الله في ~~مرضه، كما كان يكل أمره كله إلى الله أثناء عافيته، وليس يصح ما يروى من أن أبا بكر ~~مات مسموما؛ سمه بعض اليهود في طعام أهداه إليه، وأكل معه من هذا الطعام طبيب العرب ~~الحارث بن كلدة، فلما أساغه قال لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول الله؛ فإن هذا ~~الطعام مسموم، وإن سمه لسنة، وإني أموت أنا وأنت في يوم واحد بعد عام. # لا تصح هذه الرواية، فلو قد صحت لما أهمل أبو بكر نفسه، أو عمر بعده، أن يدعو من أهدى ~~إليه هذا الطعام ويعاقبه؛ لأنه على أقل تقدير قد قتل رجلين من المسلمين، فضلا عن أن ~~أحد هذين الرجلين هو خليفة رسول الله، وما كان عمر ليدع هذه القضية تمضي دون أن يحدث ~~فيها أمرا. # قال الرواة: وكانت عائشة أم المؤمنين تمرض أباها، فتمثلت حين رأته يحتضر قول ~~الشاعر القديم: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى # إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # فقال لها أبو بكر: ليس كذلك يا أم المؤمنين، ولكن قول الله عز وجل: # وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه ~~تحيد ~~. # وفي مرضه هذا طلب إلى عائشة أن ترد مالا كان أعطاها إياه ليجعله في ميراثه؛ ~~تحرجا من أن يؤثر أحد ورثته على غيره، وقال لها فيما قال: إنما هما أخواك وأختاك. ~~قال الرواة: فلم تفهم عنه عائشة؛ لأنها كانت تعرف أخويها عبد الرحمن ومحمدا، وأختها ~~أسماء ذات النطاقين، ولا تعرف لها أختا غيرها، فقال لها أبو بكر: إنما هي ذات بطن ~~أسماء بنت عميس، فقد ألقي في روعي أنها جارية. # وكانت أسماء بنت عميس حاملا فولدت بعد ms061 وفاة أبي بكر جارية، هي أم كلثوم بنت أبي ~~بكر. # وفي هذا المرض أوصى عائشة أن يكفن في ثوبين غسيلين كان يصلي فيهما، فلما عرضت عليه ~~عائشة أن يكفن في الجديد، قال: إن الحي أحوج إلى الجديد من الميت، فإنما الكفن للمهلة # 24 # والتراب. # وقد كفن في هذين الثوبين، وبعض الرواة يزعم أن قد أضيف إليهما ثوب جديد. # وقد توفي أبو بكر - رحمه الله - فيما يروى عن عائشة، بين المغرب والعشاء، يوم ~~الاثنين لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة للهجرة، وكانت سنه - فيما أجمع عليه ~~الرواة - ثلاثا وستين سنة قد استوفى سن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ودفن من ليلته - على أصح ~~الروايات - ببيت عائشة إلى جنب قبر رسول الله صلوات الله عليه، وصلى عليه عمر في المسجد ~~عند المنبر. # 12 # وفي هذا المرض أدى أبو بكر للإسلام والمسلمين أجل خدمة أداها رجل بعد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهي استخلافه عمر بن الخطاب. # والرواة يكثرون في أمر هذا الاستخلاف؛ يزعمون أنه شاور فيه جماعة من أصحاب النبي في ~~مقدمتهم عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد بن نفيل، فكلهم رأى ~~رأيه. # ويقول الرواة أيضا: إنه أملى عهده إلى المسلمين على عثمان، فلما أخذ في الإملاء وبلغ ~~قوله: «إني استخلفت عليكم.» أخذته غشية، فأشفق عثمان أن تكون غشية الموت، فكتب من عند ~~نفسه «عمر بن الخطاب»، وأفاق أبو بكر من غشيته، فقال لعثمان: اقرأ علي ما كتبت. فلما ~~قرأ عليه عثمان وسمع اسم «عمر بن الخطاب» كبر أبو بكر، وقال لعثمان: جزاك الله عن ~~الإسلام خيرا، خفت أن تذهب نفسي في هذه الغشية. ثم مضى في الإملاء حتى أتم عهده، ~~وهذا نصه كما رواه ابن سعد عن شيوخه: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا ما عهد أبو بكر ابن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند ~~أول عهده بالآخرة داخلا فيها، حين يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب؛ ~~إني استخلفت عليكم بعدي عمر ms062 بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ~~ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل ~~فلكل امرئ ما اكتسب من الإثم، والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله. # ويقول الرواة: إن عثمان خرج بهذا العهد مختوما على جماعة الناس في المسجد، فقال لهم: ~~إن خليفة رسول الله يسألكم: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم. وقال بعضهم - وهو ~~علي فيما يروى: قد عرفناه، إنه عمر. # ويقول الرواة كذلك: إن جماعة من المهاجرين لما علموا بأن أبا بكر يريد أن يستخلف ~~عمر دخلوا عليه، فقالوا: ماذا تقول لربك إذا استخلفت علينا عمر وهو على ما تعرف من ~~غلظته؟ فقال أبو بكر: أجلسوني. فأجلسوه، فقال: أبالله تخوفونني؟! أقول: قد استخلفت ~~عليهم خير أهلك. ثم اضطجع. # ولست أطمئن إلى شيء من كل هذه الروايات، فقد كثر الكلام في استخلاف أبي بكر نفسه، ولا ~~غرابة في أن يكثر الكلام في استخلاف عمر أيضا، وإنما أقطع بشيء واحد، وهو أن أبا بكر ~~قد استخلف عمر في مرضه الذي توفي فيه. # وقد قدمت أن استخلاف أبي بكر لعمر لم يكن من شأنه أن يلزم المسلمين؛ لأن أمر الخلافة ~~ليس إلى رجل، وإن كان هذا الرجل أبا بكر، وإنما هو إلى جماعة المسلمين وإلى أولي الرأي ~~منهم خاصة، وهم المهاجرون والأنصار في ذلك العهد، وإنما كان استخلاف أبي بكر ترشيحا ~~لعمر ونصحا للمسلمين، وكان من حق المسلمين وأولي رأيهم أن يقبلوا هذا الترشيح أو ~~يعرضوا عنه، فإذا كان المسلمون قد قبلوا هذا الترشيح فإنما قبلوه لأنهم كانوا ~~يحبون أبا بكر ويثقون به، ويطمئنون إلى نصحه للأمة وللإسلام وإلى حسن اختياره. # وقد قبلوا ترشيح أبي بكر لعمر مجمعين على هذا القبول لم يخالف عن إجماعهم أحد، ~~وكان اختيار عمر أجل خدمة أداها أبو بكر للمسلمين، فهو قد توفي وجيوش المسلمين في ~~الشام والعراق بإزاء الأسدين فارس والروم، كما كان يسميهما، والعرب حديثو ms063 عهد بالردة؛ ~~فكان المسلمون في حاجة أشد حاجة إلى رجل قوي شديد في الحق، ماض في الأمور إلى غاياتها، ~~حريص على الإنصاف، مخلص في النصح لله ورسوله وللإسلام والمسلمين، قادر على أن ينهض بهذه ~~الأعباء الثقال التي تركها أبو بكر؛ فيستصلح العرب بعد ردتهم، ويتم ما بدأ أبو بكر ~~من الفتح، ويقيم الدولة الناشئة على ما ينبغي أن تقوم عليه من نظام يجمع المسلمين، ~~ويرعى مصالح البلاد المفتوحة وأهلها، وينفذ كتاب الله وسنة نبيه، ويأخذ الجماعة الجديدة ~~بحكم يلتئم من الشدة واللين، ويقوم على العدل والمساواة والإنصاف في غير هوادة ولا ~~ضعف، وفي غير جبرية أو ظلم. # ولم يكن أقدر على احتمال هذه المهمة الخطيرة من عمر - رحمه الله - كما سترى. # | عمر # 1 # وكان عمر بن الخطاب في السنة السادسة من مبعث النبي # صلى الله عليه وسلم # فتى جلدا حديدا من ~~فتيان قريش، ثم من بني عدي، وقد نشأ نشأة القرشي غير ذي الثراء. # كان أبوه الخطاب بن نفيل قليل الحظ من الغنى، عظيم الحظ من الفظاظة وغلظة القلب، ~~امتحن ابن أخيه زيد بن عمرو فأسرف عليه في الامتحان، وكان زيد قد خالف عن دين قريش، ~~فاجتنب عبادة الأوثان وأنكر على الذين يقربون إليها، واتخذ لنفسه - فيما يقول الرواة ~~- دينا كان يسميه دين إبراهيم، فكان يؤمن بالله وحده لا يشرك به شيئا، وكان ينكر ~~كثيرا من عادات قريش وأطوارها، فامتحنه عمه الخطاب في هذا الدين وقسا عليه، وصبر له ~~زيد فلم ينحرف عن مذهبه ذاك حتى أخرجه الخطاب من مكة بمعونة قريش. # ويظهر أن عمر قد امتحن في صباه وأول شبابه بما كان في أبيه من فظاظة وغلظة، وقد ~~تحدث هو بذلك بعد أن ولي الخلافة حين مر بمكان قريب من مكة يقال له: ضخنان، فقال: ~~لقد رأيتني في هذا المكان أرعى على الخطاب إبلا له، وكان ما علمت فظا غليظ القلب، ~~وأنا الآن ليس فوقي أحد إلا الله عز وجل، ثم تمثل: # لا شيء مما ترى تبقى بشاشته # يبقى ms064 الإله ويودى المال والولد # والشيء الذي لا شك فيه أن عمر ورث عن أبيه شدته وعنفه، وأنه لو لم يهده الله إلى ~~الإسلام لعاش في قومه كما عاش أبوه فظا غليظ القلب يستجيب للعنف عند كل ~~نبأة . # وليس أدل على ذلك من عنفه بالمسلمين وشدته عليهم، وعلى من كان يظهر الرقة لهم أو ~~الميل إليهم. # والرواية التي يتناقلها الرواة عن إسلامه تصور ذلك أصدق التصوير وأقواه، فهو قد خرج ~~ذات يوم محفظا ثائرا متقلدا سيفه، فلقيه رجل من بني زهرة، فسأله عن وجهته. قال عمر: ~~أريد أن أقتل محمدا. قال الرجل: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة إن قتلت محمدا؟ قال ~~عمر: لعلك قد صبوت وتركت دينك الذي كنت عليه؟ قال الرجل: فهل أدلك على العجب يا عمر؟ إن ~~ختنك وأختك قد صبوا وتركا دين آبائهما. # هنالك غير عمر وجهه، ومضى إلى أخته وقد بلغ الغضب منه أقصاه، فلما بلغ الدار سمع ~~كأن أهلها يقرءون، وكان عند أخت عمر وزوجها رجل من المسلمين، هو خباب بن الأرت، ~~فلما سمع خباب حس عمر استخفى، ودخل عمر على أخته وزوجها، فقال: ما هذه الهينمة ~~التي سمعتها؟ قالت أخته: ما عدا حديثا كنا نتحدثه. قال عمر: بل لعلكما قد صبوتما؟ قال ~~ختنه: فإن كان الحق غير ما أنت عليه يا عمر؟ هنالك لم يملك عمر نفسه، فاندفع إلى ختنه ~~يبطش به بطشا شديدا. # وأقبلت أخته تريد أن تحول بينه وبين زوجها، فلطمها عمر لطمة أدمت وجهها، فقالت ~~أخته: أفإن كان الحق غير ما أنت عليه؟! ثم أعلنت إليه إسلامها، فشهدت أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله. ورأى عمر الدم على وجه أخته، فكأنه رق لها وطلب إليها أن ~~تريه الصحيفة التي كانوا يقرءون فيها، فزعم الرواة أنها قالت له: إنك نجس ولا يمسه إلا ~~المطهرون. وأمرته أن يتطهر قبل أن تريه الصحيفة، واستجاب لها عمر، فيقول بعض الرواة: ~~إنه ذهب فاغتسل. # ويقول بعضهم: إنه ذهب فتوضأ. ثم دفعت أخته ms065 إليه الصحيفة، فقرأ فيها الآيات الكريمة ~~الأولى من سورة طه إلى قول الله - عز وجل - من هذه السورة: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة ~~لذكري ~~. # وكأن هذه الآيات بلغت أعماق قلبه، فقال: دلوني على محمد. وسمع خباب مقالته، فخرج ~~من مخبئه وهو يقول: أبشر يا عمر! فإني أرجو أن يكون الله قد استجاب لدعوة النبي # صلى الله عليه وسلم # حين قال: اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب أو عمرو بن ~~هشام. # قال الرواة: فذهب عمر إلى دار الأرقم التي كان النبي يجلس فيها لأصحابه، وكان على باب ~~الدار نفر من أصحاب النبي، فلما رأوا عمر مقبلا راعهم مقدمه، وكان فيهم حمزة بن عبد ~~المطلب. # فلما رأى ارتياع أصحابه قال: نعم؛ هذا عمر مقبلا، فإن يكن الله يريد به الخير ~~والإسلام فذاك، وإن يكن غير ذلك كان قتله علينا يسيرا. # قال الرواة: وخرج النبي # صلى الله عليه وسلم # فأخذ بمجامع ثوب عمر وجذبه جذبا عنيفا، وقال: أما ~~أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟! ~~اللهم هذا عمر بن الخطاب! اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب! # فقال عمر: أشهد أنك رسول الله. فأسلم. # وأنا أروي هذه الرواية غير واثق بها كل الثقة، وإنما أراها مصورة لما كان القدماء ~~وأصحاب النبي خاصة يعرفون من أخلاق عمر قبل إسلامه. # والشيء الذي ليس فيه شك أن عمر كان شديد العنف بالمسلمين، ولعله أن يكون قد سمع آيات ~~من القرآن فملكت عليه نفسه واستجاب للإسلام. # ولا غرابة في عنف عمر ولا في شدته على المسلمين، فقد رأيت ما كان من غلظة أبيه ~~الخطاب، وما كان من إيذائه زيد بن عمرو حين خالف عن دين قومه، فإذا أضفت إلى هذا أن أشد ~~قريش بغضا للنبي وفتنة للمسلمين، وهو عمرو بن هشام الذي سماه النبي والمسلمون أبا جهل، ~~قد كان خال عمر أو ابن خاله؛ لأن أم عمر هي حنتمة بنت هشام ms066 أخت أبي جهل، ويقال: بنت ~~هاشم، فهي ابنة عم أبي جهل، فشدة عمر على المسلمين تأتيه مما ورث عن أبيه، ومما كان يرى ~~خاله يفعل بالمستضعفين من المسلمين. # وجائز جدا أن يكون النبي # صلى الله عليه وسلم # قد تمنى على الله أن يعز الإسلام بعمر بن ~~الخطاب، وقد حقق الله لنبيه ما تمنى فهدى عمر إلى الإسلام، وتحول عنف عمر عن غايته ~~الأولى إلى غاية أخرى مضادة لها كل المضادة؛ فأصبح عنيفا بالمشركين، وأصبح أشد ~~المسلمين في دينه وأصرحهم على إظهار هذا الدين، وأسرعهم إلى تحدي قريش ومباداتها بما ~~كان من إسلامه، واحتمال ما وجه إليه من الأذى في ذلك، لا كما يحتمله العاجز الذي لا ~~يستطيع دفعا عن نفسه، بل كما يتلقاه الرجل القوي الذي يكيل لخصمه بالصاع صاعين. # والواقع من أمر عمر أنه بدأ بخاله أبي جهل؛ فمضى حتى طرق عليه بابه، فخرج إليه أبو ~~جهل ورحب به حين رآه، ولكن عمر فجأه بإعلان إسلامه، وشهد أمامه أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله؛ فأغلق أبو جهل الباب في وجهه وهو يقول: بئس ما جئت به! # ومضى عمر يلتمس أسرع قريش إلى إذاعة الأسرار وإفشائها، فأسر إليه أنه قد أسلم، ~~وأسرع الرجل فأذاع في أندية قريش، لم يترك حلقة من حلقاتهم في المسجد إلا وقف عليها ~~وأنبأها بإسلام ابن الخطاب، وأقبل عمر بعد ذلك إلى المسجد؛ فتواثبت إليه قريش تضربه ~~وتؤذيه، وهو يدافعها عن نفسه في جراءة وصرامة وإقدام حتى أجهده القوم، فصرعوه وكادوا ~~يبطشون به لولا أن أقبل العاص بن وائل فرد عنه القوم، وذكرهم بمكانه من بني عدي، وبما ~~يفسد من أمر قريش إن أصاب عمر مكروه؛ فتفرق القوم عنه كارهين وقد بلغ منه الجهد. # ثم لم يقف أمره عند هذا، فإليه يرجع الفضل في إظهار الإسلام بمكة وإخراج المسلمين من ~~مخابئهم بدينهم، فقد كانوا يستخفون بالإسلام ولا يجرءون على أن يظهروه بمحضر قريش، ~~فما زال عمر يجاهد قومه حتى اضطرهم إلى أن يكفوا ms067 عنه أولا، وعن سائر المسلمين بعد ذلك. ~~واستطاع النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه على اختلاف منازلهم من قريش أن يصلوا في المسجد معلنين ~~صلاتهم غير مستخفين بها، وأن يتخذوا لأنفسهم مجالس في المسجد بإزاء مجالس المشركين من ~~قريش. # فليس عجيبا أن يقول ابن مسعود فيما تحدث عنه الرواة: كان إسلام عمر فتحا، وهجرته ~~نصرا، وإمارته رحمة. وكلمة ابن مسعود هذه على اختصارها هي أدق وصف يختصر حياة عمر منذ ~~أسلم إلى أن توفي، فقد كان إسلامه فتحا حقا؛ لأنه أتاح للمسلمين أن يعلنوا دينهم، ~~وأن يصلوا أمام الملأ من قريش وهم آمنون. # وكانت هجرته نصرا؛ فقد كان أنصح أعوان النبي في المدينة لله ورسوله والمسلمين، وأغلظ ~~أصحاب النبي على اليهود والمنافقين، وكانت إمارته رحمة؛ فقد أتاح للمسلمين أثناء خلافته ~~لونا من الحياة ما زالت الأمم المتحضرة الآن في الغرب مقصرة عن بلوغه على شدة ما تجتهد ~~في سبيله، وما زال المسلمون في هذه الأيام يرون هذا اللون من الحياة التي أتاحها عمر ~~للناس حلما ولا يدرون متى يصبح حقيقة على ما أتيح لهم وما يتاح لهم في كل يوم من ~~الوسائل التي تعينهم على تيسير الحياة، ولم يكن عمر يملك من هذه الوسائل شيئا. # 2 # يقول ابن سعد: إن عمر أسلم وسنه ست وعشرون سنة. ويتفق الرواة على أنه أسلم في السنة ~~السادسة من مبعث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقد أقام عمر إذن بمكة بعد إسلامه سبع سنين يجاهد ~~قريشا عن دينه وعن دين غيره من المسلمين، ويمتحن في ذلك بألوان من الأذى والمشقة لم ~~تزده إلا ثباتا على الحق وإمعانا في الجهاد. # ولكن المهم من أمر عمر في هذا الطور من أطوار حياته، هو أن عنفه وشدته كان يمازجهما ~~شيء من الرقة واللين، يظهر في أحيان قليلة حين يرى شيئا من شأنه أن يؤثر في قلب ~~الرجل الحر الكريم، وقد رأيت ما تحدث به الرواة من بطشه بختنه حين أحس منه الإسلام، ~~ومن بطشه بأخته حين أرادت ms068 أن تذوده عن زوجها، ورأيت في الوقت نفسه رقته حين رأى الدم ~~يسيل على وجه أخته. # والرواة يتحدثون أيضا بأنه كان يرق للذين يهاجرون إلى أرض الحبشة من المسلمين ويظهر ~~هذه الرقة، وقد ظل عمر على هذا الخلق الذي يأتلف من العنف العنيف والرقة البالغة بعد ~~إسلامه، ولكن الإسلام صفى مزاجه فلطف من عنفه، وحال بينه وبين الإسراع إلى البطش كما ~~كان يفعل قبل إسلامه، وزاد من رقة قلبه فجعله يسرع إلى رحمة الضعيف والبر ~~بالملهوف. # وكان الإسلام خليقا أن يؤثر في خلق عمر هذا التأثير، فهو يدعو إلى القصد، ويكف عن ~~السرف، ولا يسلط أحدا من المسلمين على أحد إلا عند الضرورة الملجئة، وهو بعد ذلك ~~يرغب في الرحمة والبر، ويزين الرفق في القلوب، فكيف إذا صحب عمر النبي # صلى الله عليه وسلم # ورأى إيثاره لليسر في كل ما لا يمس حقا من حقوق الله أو حقا من حقوق ~~العباد؟! # والمعروف أن النبي كان لا يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فليس غريبا أن يتأثر ~~عمر بسيرة النبي، إلى تأثره بما كان يسمع ويتلو من القرآن الكريم. # وما نعرف أنه بكى أثناء جاهليته في موطن من المواطن، ولكننا نعرف أنه كان سريعا إلى ~~البكاء بعد أن أسلم، كان كغيره من المؤمنين يمتلئ قلبه وجلا إذا ذكر الله، كما نقرأ ~~في الآية الكريمة من سورة الأنفال: # إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ~~آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ~~. # وكان يبكي كلما قرئت عليه آيات التخويف والترهيب من القرآن أو كلما قرأها، وكان ~~يبكي حين يرى شدة عيش النبي # صلى الله عليه وسلم # وقسوة الحياة المادية عليه، وكان المعروف من خلقه ~~ولا سيما أثناء خلافته أنه لا يثبت على الغضب إذا ذكر بالله أو قرئ عنده شيء من ~~القرآن، مهما يكن غضبه شديدا ومهما يكن موضوع هذا الغضب. # وقد كان أثناء جاهليته يرق قلبه في بعض المواطن، فأما بعد إسلامه فقد كانت رقة قلبه ~~تبلغ به ms069 البكاء بل النشيج في أكثر الأحيان، ومن أجل هذا كله كان أثناء خلافته مهيبا ~~كأعظم ما تكون الهيبة، رقيقا كأشد ما تكون الرقة. والذين وصفوا حكمه أثناء خلافته بأنه ~~كان شدة في غير عنف، ولينا في غير ضعف ، لم يبعدوا؛ فقد كان عمر شديدا حتى خافه الناس ~~جميعا، وكان رقيقا حتى رجاه الناس جميعا. # والغريب من أمره أنه كان يعنف بنفسه أشد العنف وأقساه قبل أن يعنف بغيره من ~~الناس، ولا يعرف أنه رق لنفسه أو رحمها في يوم من الأيام على كثرة رقته للناس ورحمته ~~للضعفاء والمحتاجين. وهذا الخلق الذي يأتلف من العنف والرقة هو الذي دفع عمر إلى ~~الصراحة التي لم تعرف لمثله من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فهو كان جريئا حين يرى الرأي ~~ويعتقد أنه الحق، لا يتردد في أن يعترض على النبي نفسه، كما فعل عام الحديبية حين أنكر ~~صلح النبي مع قريش، وقال للنبي في صراحة: لم نعطي الدنية في ديننا؟! # وربما دفعته هذه الصراحة إلى أن يدخل في أشياء لم يكن يدخل فيها غيره من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فهو يتمنى أن تحرم الخمر، وقد كان فيما زعم الرواة صاحب خمر في الجاهلية، ~~ولكنه بعد إسلامه عرف ضرر الخمر فتمنى أن تحرم، وما زال يجهر بهذا الذي كان يتمناه، ~~حتى إذا نهى الله المسلمين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى حتى يعلموا ما يقولون رضي عمر ~~شيئا، ولكن رضاه لم يبلغ الاقتناع، فظل يتمنى أن تحرم الخمر تحريما قاطعا، ~~ويجهر بهذه الأمنية، ويسأل الله أن يبين أمر الخمر بيانا شافيا، فلما أنزل الله ~~قوله الكريم من سورة المائدة: # يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * ~~إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ~~في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم منتهون ~~. # طابت نفس عمر، وكذلك كان موقفه من الحجاب فيما ~~يتصل بنساء النبي # صلى الله عليه وسلم ms070 ~~، لم يكتف بأن يتمنى فيما بينه وبين نفسه أن يحتجب نساء ~~النبي، بل كلم النبي نفسه في ذلك، واشتد في هذا الأمر حتى تحدث الرواة والمحدثون ~~أنه تعرض مرة لسودة أم المؤمنين في بعض طريقها، وقال لها: لقد عرفناك يا سودة. ~~فأحرجها وأحفظها، ولم يسترح حتى أنزل الله آيات الحجاب في سورة الأحزاب، فقال - عز ~~اسمه: # يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة ~~مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله ~~يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل ~~صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما ~~* يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ~~ إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في ~~قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في ~~بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن ~~الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ~~* واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا ~~. # وقوله في السورة نفسها: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي ~~النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق ~~وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم ~~أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم ~~كان عند الله عظيما * إن تبدوا شيئا أو تخفوه ~~فإن الله كان بكل شيء عليما * لا جناح ~~عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا ~~أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ~~ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل ~~شيء شهيدا ~~. # هنالك رضي عمر كل الرضى حين وضع الله بيوت النبي حيث ينبغي أن توضع من الإجلال ~~والكرامة، ولم يقف أمر عمر عند هذا الحد؛ بل راجعته امرأته في بعض أمره فأغضبه ذلك ~~فزجرها، فقالت له امرأته: ويحك! إنك لتأبى ms071 علي أن أراجعك، وإن ابنتك وغيرها من أزواج ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # ليراجعن رسول الله حتى يغضبنه، فأسرع عمر إلى ابنته حفصة أم المؤمنين ~~فسألها: أفي الحق إنكن تراجعن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟! قالت: أجل ! والله إنا لنراجعه. ~~فوعظها عمر في ذلك ما استطاع، ثم ذهب حتى استأذن على أم سلمة أم المؤمنين، وكانت بينه ~~وبينها قرابة من قبل أمه، فسألها في ذلك، فقالت: لله أنت يا ابن الخطاب! دخلت في كل شيء ~~حتى تريد أن تدخل بين النبي وأزواجه! فأسكتته، وانصرف عمر خجلا. # ومن قبل ذلك كله وقف عمر موقفا طابقه القرآن عليه، وذلك في أعقاب غزوة بدر حين شاور ~~النبي في أمر الأسرى، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر بالفداء، وأنزل الله في سورة ~~الأنفال لومه للنبي والمسلمين في قبول الفداء كما رويت ذلك فيما قدمت من حياة أبي ~~بكر. # فليس غريبا أن يتحدث الرواة بأن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: إن الحق على لسان عمر وفي قلبه. ~~وليس غريبا أن يلقب عمر الفاروق؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، سواء أكان الذي ~~لقبه بذلك هو النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، كما يروى عن عائشة أم المؤمنين، أم كان أهل الكتاب هم ~~الذين لقبوه هذا اللقب وأخذه عنهم المسلمون كما يتحدث رواة آخرون. # ولم يكن عمر أيام أبي بكر أقل صراحة منه أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقد رأيت مراجعته لأبي ~~بكر في أمر خالد بن الوليد، حين قتل مالك بن نويرة وتزوج امرأته، وإلحاحه عليه في عزله؛ ~~لأن في سيفه رهقا. # وسترى أنه لم يكد يستخلف حتى عزل خالدا، ورأيت كذلك كيف راجع أبا بكر في إرسال ~~خالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام لحماية حدود الجزيرة العربية، وقال له: وشاركه ~~علي في هذا القول: إن خالدا يحب الفخر، وإنه سريع إلى الإقدام، سريع إلى الإحجام. ~~وصدقت الحوادث قول عمر وعلي، فأقدم خالد وأحجم وانتهى أمره إلى الفرار. # ومن أجل جراءة عمر ms072 وشدته في الحق، ومطابقة القرآن لرأيه في غير موطن، ونصحه لله ~~ورسوله والمسلمين، كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يؤثره أشد الإيثار، ويظهر له من ذلك ما كان يقر ~~عينه ويملأ قلبه غبطة ورضى، حتى لقد استأذن النبي مرة في العمرة، وقال: إني أريد ~~المشي. فأذن له النبي، فلما انصرف دعاه النبي فقال له: أشركنا يا أخي في صالح دعائك ولا ~~تنسنا. فكان عمر يقول: لقد قال النبي # صلى الله عليه وسلم # لي كلمة ما أحب أن تكون لي بها الدنيا ~~وما فيها. # وكان عمر شديد الرفق بالنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، والحياطة له، والقيام دونه، والحرص على أن ~~يرد عنه كل مكروه، وقد رأيت موقفه من حفصة وأم سلمة حين علم أن نساء النبي يراجعنه، ~~ولكن رفقه بالنبي كان يدعوه إلى العنف أحيانا، ويظهره مسرعا إلى البطش، لولا أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # كان يكفكف من حدته ويرده إلى الرفق والأناة، فلم يكد عبد الله بن أبي ~~بن سلول يقول كلمته تلك التي قالها في غزوة بني المصطلق: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل! ولم تكد هذه الكلمة تبلغ النبي، وعمر عنده، حتى ثار عمر، وسأل ~~النبي أن يأذن له في قتل هذا المنافق، ولكن النبي رده إلى الرفق، وقال له: لا تتحدث ~~العرب أن محمدا يقتل أصحابه. # وموقفه من النبي # صلى الله عليه وسلم # حين مات عبد الله بن أبي بن سلول هذا، وجاء ابنه يسأل النبي ~~أن يصلي عليه، فأجابه النبي إلى ما أراد، وإذا عمر يراجع النبي في ذلك ويجادله بالقرآن، ~~فيذكره قول الله - عز وجل - من سورة براءة: # استغفر لهم ~~أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~. # ولكن النبي # صلى الله عليه وسلم # يرده إلى الأناة ويقول له: إن ربي خيرني فاخترت. ثم يصلي ~~على عبد الله بن أبي بن سلول. # ولكن الوحي لا يلبث - فيما ms073 تحدث الرواة - أن يطابق رأي عمر، فينزل الله في السورة ~~نفسها هذه الآية الكريمة موجهة إلى النبي، وهي: # ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم ~~كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ~~. # وفي موطن آخر قبل هذا الموطن بعد غزوة حنين قسم النبي # صلى الله عليه وسلم # الفيء، فأعطى ~~المؤلفة قلوبهم من قريش ومن غيرها، فأجزل في العطاء، فقام إليه رجل فقال: اعدل يا ~~محمد؛ فإنك لم تعدل! فظهر الغضب في وجه النبي، وقال للرجل: ويحك! فمن يعدل إذا لم ~~أعدل؟! # واستأذن عمر النبي في قتل هذا الرجل، فأبى عليه. # فأنت ترى أن حياة عمر أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # كانت مزاجا من هذا العنف الذي كان النبي ~~يكفكفه، ومن هذه الرحمة التي كان النبي يؤثرها ويشجع عمر عليها بالقول حينا ~~وبالابتسام حينا آخر. # وكذلك كانت حياته أيام أبي بكر، كان دائما شديدا في الحق أو فيما يرى أنه الحق، على ~~أنه كان يذعن لنهي النبي حين ينهاه عن الشدة والعنف، ولا يفكر في أن يستأنفهما إن ~~كان الأمر له؛ لأنه كان يؤمن بأن النبي حين يأمر أو ينهى إنما كان يصدر عن أمر السماء، ~~ولا كذلك أيام أبي بكر، فقد كان يشير عليه عمر بالشدة في أمر خالد بن الوليد مثلا، ~~فإذا أبى عليه أبو بكر راجعه وألح عليه، فإذا امتنع أبو بكر عليه بعد المراجعة والإلحاح ~~سكت. # ولكنه حين استخلف لم يتردد في إنفاذ الرأي الذي أشار به على أبي بكر، وإن كان أبو ~~بكر قد خالفه فيه أشد الخلاف؛ ذلك أن عمر كان يعلم أن الصديق لم يكن يصدر عن أمر ~~السماء، وإنما كان يصدر عن السياسة وعن رأيه في النصح للمسلمين. كان أبو بكر يجتهد ~~رأيه، وكان عمر يجتهد رأيه أيضا، فليس عليه بأس أن يخالف عن مذهب أبي بكر في سياسة ~~السلم والحرب جميعا، على حين أنه كان يرى الإثم كل الإثم في المخالفة عن أمر النبي أو ~~نهيه. # 3 ms074 # على أن استخلاف عمر ونهوضه بأعباء الحكم، ومواجهته لمشكلات السلم والحرب؛ كل ذلك أظهر ~~خلقا من أخلاق عمر لم تظهره الأحداث قبل ذلك؛ لأنه قبل أن يستخلف كان سيفا من ~~سيوف النبي # صلى الله عليه وسلم # يسله إن شاء ، ويغمده إن أحب، وكان أيام أبي بكر سيفا من سيوف ~~الخليفة إن شاء سله وإن شاء أغمده، كان عليه أن يسمع ويطيع، وأن يشير بما يرى فيه ~~المصلحة، ولم يكن له أن يزيد على ذلك أو يعدوه، فلما ألقيت عليه أعباء الخلافة أحس ~~ثقل التبعة كما لم يحسها خليفة أو ملك فيما نعلم، فكان يحاسب نفسه على صغير ~~الأمر وكبيره، وكان ضميره يراقبه في كل ما يأتي وفي كل ما يدع، لا يعفيه من هذه ~~المراقبة ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وربما ذاد النوم عن عينيه فكلفه من الأرق ~~ألوانا. # كان قبل كل شيء يرى نفسه أصغر من المهمة التي كلف أداءها، وربما كان يسخر من ~~نفسه أحيانا، فيقول - كما سمعه بعض أصحابه يحدث نفسه من وراء جدار: عمر بن الخطاب ~~أمير المؤمنين! بخ بخ يابن الخطاب، والله لتطيعن الله أو ليعذبنك. # ولم يكن يخاف شيئا كما كان يخاف أن يراه الله مؤثرا لنفسه بشيء من دون عامة ~~المسلمين؛ فكان يضع نفسه لا موضع أمثاله من كبار أصحاب النبي، ولا موضع أوساط الناس، بل ~~موضع الفقراء وذوي الحاجة منهم. # وكان يأخذ نفسه بأن يعيش كما كان هؤلاء الناس يعيشون، وبأن يجد مثل ما كان هؤلاء ~~الناس يجدون، حين تشتد الحياة عليهم وحين تلين الحياة لهم. # وكان يرى أن ذلك هو الذي يمكنه من أن يعرف حاجات الناس ويقدر رضاهم حين يرضون، ~~وسخطهم حين يسخطون، وألمهم حين يجدون الألم، ولذتهم حين تتاح لهم اللذة. # لم يكن فقيرا، بل كان صاحب تجارة، ولم تمنعه الخلافة على ثقل أعبائها من ممارسة ~~تجارته، فكان قادرا على أن يعيش عيشة السعة، وعلى أن ييسر لأهله وبنيه حياة لينة، ~~ولكنه أخذ نفسه بالشدة الشديدة وبأغلظ ms075 ما يكون من العيش، فكان يأكل أكل الفقراء، ~~ويلبس لباس الفقراء، ويسير في أمر نفسه سيرة الفقراء، وكان يراقب أهله وبنيه أشد ~~المراقبة، ويقول لهم من حين إلى حين: إن الناس ينظرون إليكم؛ فلا أعلمن أحدا منكم خالف ~~عما آمر الناس به أو أنهاهم عنه إلا أضعفت له العقوبة. # وكان يأمر أبناءه الذين يستطيعون أن يسعوا في الرزق أن يجدوا في ذلك حتى ~~يستغنوا عنه، وحتى لا يضطروه إلى أن ينفق عليهم وعلى أهلهم، وكان يشق على نسائه، فيفرض ~~عليهن حياة قاسية لا يستحبها النساء؛ كان شديدا عليهن في الكسوة، وشديدا عليهن في ~~الرزق، وشديدا عليهن في سيرته كلها، يدخل عليهن عابسا، ويخرج عنهن عابسا. كما قالت ~~إحدى النساء، وقد خطبها ذات يوم فامتنعت عليه وكرهت عبوسه وخشونة عيشه. # ويقول الرواة: إنه دخل على ابنته حفصة أم المؤمنين، فقدمت له مرقا باردا وصبت ~~عليه شيئا من زيت، فقال: أدمان في إناء واحد، لا أذوقه أبدا. وهذه الشدة على نفسه ~~وعلى أهله كانت ترغب الناس عن طعامه وترغب عنه من كان يأتيه من عمال الأقاليم، ~~كانوا يأكلون في بيوتهم لين الطعام، ويستمتعون بطيبات الحياة، فإذا حضروا طعام عمر ~~ودعوا إليه أعرضوا عنه أو أصابوا منه كارهين. # وحضر بعض أصحاب عمر طعامه، فدعاه إليه، فقال له في صراحة: إن طعامك جشب، # 1 # وإني أوثر أن أصيب من طعام لين صنع لي. فقال له عمر ما معناه: إنه ~~ليعرف طيبات الطعام، ولو أراد لأصاب منها ما يشاء، ولكنه سمع الله يقول لقوم نعموا ~~بحياتهم الدنيا: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها ~~. # فقد كان عمر إذن يشدد على نفسه مخافة أن يستمتع بالحياة فينقص ذلك من حسناته عند ~~الله، ولما أراد أن يدون الديوان - فيما سترى - كلف نفرا كتابة الناس على قبائلهم، ~~فبدءوا ببني هاشم رهط النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وثنوا بتيم رهط أبي بكر، وثلثوا بعدي رهط عمر. ~~فلما نظر عمر في الديوان، قال للنفر الذين كتبوه: وددت والله أنه كذلك، ms076 ولكن ضعوا عمر ~~حيث وضعه الله، وابدءوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # ومعنى ذلك أنه رد عليهم ما كتبوا، وأمرهم أن يعيدوا كتابة الديوان، وأن يرتبوا ~~قريشا فيه على قرابتها من النبي، حتى إذا بلغوا موضع بني عدي من قرابة النبي ~~وضعوهم. # ويقال: إن قوم عمر من بني عدي لما عرفوا ذلك أتوا عمر فكلموه فيه، وقالوا: إن أبا ~~بكر خليفة رسول الله، وأنت خليفة أبي بكر، فهلا تركت الديوان كما كتبه أولئك النفر؟! ~~فقال لهم عمر: بخ بخ يا بني عدي! أردتم الأكل على ظهري وأن أذهب حسناتي لكم؟! لا والله ~~حتى تبلغكم الدعوة وإن أطبق عليكم الدفتر. يريد: حتى يصل إليكم القوم على قرابة من ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فيضعوكم حيث وضعكم الله. # ولم يكن إشفاق عمر من أن يذهب طيباته في حياته الدنيا هو وحده الذي كان يفرض عليه هذه ~~الشدة على نفسه وأهله، وإنما كان هناك شيء آخر لم ينسه عمر قط، وإنما كان يستحضره ~~دائما وهو ما قدر للنبي من العيش، فقد كانت حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # شديدة، وكان ضيقها ~~ربما جهد النبي واضطره إلى الجوع، وكان النبي يلقى هذه الحياة متجملا غير ضيق بها ولا ~~كاره، يأكل حين يتاح له الطعام، ويصوم حين لا يجد ما يطعم. # ولم تكن حياة أبي بكر أثناء خلافته رقيقة ولا لينة، وإنما كانت إلى الخشونة والشظف ~~أقرب منها إلى الرقة واللين، وكان عمر يستحضر هذا دائما ويكره أشد الكره أن يأكل أو ~~يلبس خيرا مما أتيح للنبي وأبي بكر، وكان حين كثر المال وحين كان يرى ما يحمل إليه ~~من الفيء ومن الخراج، يذكر فقر النبي وخليفته فيبكي حتى تختلف أضلاعه، وربما أبكى من ~~حوله من أصحاب النبي. وقد رفق به بعض أصحابه من المهاجرين فكلموا حفصة أم المؤمنين في ~~أن تشير على عمر بأن يلين من عيشه، فقبلت منهم حفصة وكلمت أباها في ذلك، فقال لها: نصحت ~~قومك وغششت ms077 أباك. ثم جعل يذكرها بشدة العيش وضيقه على النبي # صلى الله عليه وسلم # حتى ~~أبكاها. # وهذه الشدة التي فرضها عمر على نفسه منذ استخلف، هي التي تفسر لنا موقفه عام ~~الرمادة حين أصاب العرب في الجزيرة ما أصابهم من الجدب حتى اضطروا إلى أن يأكلوا ~~الميتة، ويستخرجوا الجرذان والضباب من جحورها فيأكلوها. # وقد اتصل هذا الجدب تسعة أشهر، ووقف عمر أثناء هذه الأشهر موقفا لا يعرف التاريخ له ~~نظيرا، فما أكثر ما أصاب الجوع بعض البلاد! وما أكثر ما شقي الناس بهذا الجوع واجتهد ~~ملوكهم وولاتهم في أن يخففوا عنهم هذا الجهد! ولكنا لا نعرف أحدا من هؤلاء الملوك ~~والولاة شارك الناس في الجوع، وفيما كانوا يجدون من الجهد، كما شارك عمر أهل الحجاز ~~ونجد وتهامة في كل ما أصابهم من الجهد والعناء، وما نعرف أحدا من الملوك والولاة واسى ~~الناس بنفسه على ما أصابهم، كما كان عمر يواسي العرب بنفسه أثناء هذه الأشهر ~~التسعة. # فقد جاع عمر كما جاع الناس، وحرم على نفسه لين العيش كله، حتى عاش على الزيت، وحتى ~~تغير لونه لكثرة ما أكل الزيت نيئا ومطبوخا، ثم كان يحمل إلى الأعراب داخل المدينة ~~وخارجها طعامهم على ظهره، ويأبى أن يكفيه ذاك أحد غيره، وكان لا يترك من يحمل إليهم ~~الطعام حتى يراهم قد أكلوا وأصابوا من الطعام حاجتهم. # وكان الأعراب حين اشتد عليهم الجهد قد نزح منهم كثير عن بلادهم وآووا إلى المدينة ~~يلتمسون فيها ما يقيم الأود، فكان عمر ينزلهم المنازل من حول المدينة حتى لا ~~يضيقوا على أهلها، وكان يقوم على أن يوفر لهم ما يحتاجون إليه من الطعام والكسوة، ~~يجد في ذلك بنفسه ما استطاع الجد، ثم لا يشغله ذلك عن غير هؤلاء من الأعراب الذين لم ~~ينزحوا عن أوطانهم، وإنما أقاموا فيها أشقياء بالجدب صابرين عليه. # وقد كتب عمر إلى ولاته على الأقاليم فأرسلوا إليه الطعام، فكان يوجه الرجال إلى منافذ ~~الأقاليم، ويأمرهم أن يتلقوا ما يأتي منها، وأن يطعموا الناس ويكسوهم ms078 ويخلفوا فيهم ما ~~يعينهم على احتمال البلاء. # وكذلك أنفق هذه الأشهر التسعة معنيا أشد العناية بالناس، من قرب منه ومن بعد عنه، ~~حتى خيف عليه من شدة ما كان يتكلف في ذلك من المشقة والعناء. ويقول الرواة: إنه حرم ~~على نفسه في هذه الأشهر التسعة كل لذة، وكل راحة، وكل طمأنينة، ولم يكن اشتغاله بأمر ~~الناس وحده هو الذي يشقيه ويضنيه، وإنما كان ضميره الحي اليقظ دائما يزيده شقاء إلى ~~شقاء، وهما إلى هم؛ فكان لا يذوق النوم إلا غرارا، وكان يشفق أشد الإشفاق أن يجعل ~~الله هلاك أمة محمد # صلى الله عليه وسلم # على يديه وأثناء خلافته. # وكان عمر يحب الصلاة إذا تقدم الليل في جميع أيامه، فلما امتحن العرب بهذا الجدب ~~أكثر من هذه الصلاة حين كان يتاح له الفراغ من أمر الناس. # وقد حرم على نفسه - كما قلت آنفا - ما كان يتاح لأوساط الناس من الطعام في تلك ~~الأيام؛ فحرم على نفسه اللحم إلا حين كان ينحر الجزر ليطعم الناس، فكان يشاركهم في ~~طعامهم، وحرم على نفسه السمن فعاش على الزيت، فلما آذاه الإدمان عليه ظن أن طبخه ~~يكسر من حدته، فأمر أن يطبخ له الزيت، فلما أكل منه مطبوخا كان أشد عليه. # وكان بطنه ربما قرقر، فكان يضرب على بطنه بإصبعه، ويقول: قرقر ما تقرقر؛ فليس لك إلا ~~الزيت حتى يحيا الناس. # ثم لم يكن يؤثر نفسه بهذه الشدة في تلك الأشهر، وإنما يراقب أهله وبنيه أشد ~~المراقبة، ويحرج عليهم جهده في أن يؤثروا أنفسهم بشيء من اللين والناس من حولهم لا ~~يجدون ما يطعمون، وكان يقول: نطعم ما أطاق بيت المال إطعام الناس، فإذا ضاق بذلك بيت ~~المال أدخلنا على كل أهل بيت مثلهم فقاسموهم ما يأكلون؛ فإنهم لن يجوعوا على أنصاف ~~بطونهم. ومعنى ذلك: أنه كان يريد أن يطعم الناس على حساب الدولة، فإذا لم يجد ما ~~يقوتهم به في بيت المال وزعهم على بيوت الذين يجدون ما ينفقون، فعاشوا معهم ~~وشاركوهم في طعامهم، ms079 فقليل الطعام يقيم الأود، وذلك خير من الجوع الذي يعرض الناس ~~للهلكة. # ولم يكن عمر يقبل أن يشبع فريق من الناس ويجوع سائرهم، ومع ذلك فقد استطاع أن يخفف ~~هذا الجهد على الناس بما كان يرسل إليه من الأقاليم، وإن لم يستطع أن يصد الموت عن ~~كثير منهم، فقد وقع الموت في الأعراب الذين أحاطوا بالمدينة؛ فكان عمر يصلي على الموتى ~~أفرادا وجماعات، وكان يشهد جنائزهم ويقوم على قبورهم. # وتستطيع أنت أن تقدر حياة عمر في تلك الأشهر بعد أن رأيت ما وصفت لك من يقظة ضميره، ~~ومن إشفاقه على الناس، وعنايته بأمرهم، وتكلفه ما تكلف من الجهد في إطعامهم؛ فلا غرابة ~~في أن يصبح كئيبا ويمسي كئيبا، ويبكي في غير موطن، ويدعو الله أن يرفع المحل عن ~~الناس، ويقول الرواة: إن استسقى حين بلغ الجهد غايته، فلم يزد على أن دعا الله ودعا ~~الناس معه، وصلى صلاة الاستسقاء. ويزعم الرواة أنه حين استسقى أخذ بيد العباس عم النبي ~~وتوسل به إلى الله، وأنه لم يتم استسقاءه حتى أرسل الله الغيث. # وواضح أن هذا تكلف مصدره التملق لبني العباس أثناء حكمهم، والشيء الذي ليس فيه شك هو ~~أن عمر استسقى كما استسقى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن الله أرسل الغيث بعد استسقاء عمر بوقت ~~قصير أو طويل، ولما أنزل الله الغيث سري عن عمر، وجد في إخراج الأعراب من المدينة ~~وردهم إلى بلادهم؛ ليستأنفوا حياتهم التي كانوا يحيونها قبل أن يمتحنهم الله بهذا ~~البلاء. # 4 # وكان عمر شديدا على نفسه كل الشدة، وشديدا على غيره كل الشدة أيضا في مال ~~المسلمين؛ فكان يحاسب نفسه أشد الحساب على ما يأخذ من مال المسلمين لنفقته ونفقة أهله، ~~وكان يقول: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة مال اليتيم، ثم يقرأ قول الله - عز وجل ~~- من سورة النساء: # ومن كان غنيا فليستعفف ومن ~~كان فقيرا فليأكل بالمعروف ~~. # وربما قال في موطن آخر: أنزلت هذا المال من نفسي منزلة مال اليتيم؛ إن استغنيت ms080 عففت، ~~وإن افتقرت أكلت بالمعروف. وكان يشبه نفسه أحيانا برجل سافر مع جماعة من أصحابه، ~~فدفعوا إليه أموالهم وكلفوه أن ينفق عليهم منها، فما ينبغي له أن يؤثر نفسه من دونهم ~~بقليل أو كثير من هذا المال. # وهو مع ذلك قد استشار أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # فيما يحل له من هذا المال، فقال له بعضهم: ~~يحل لك منه ما يصلحك ويصلح أهلك. وقال له علي بن أبي طالب رحمه الله: يحل لك منه ~~الغداء والعشاء. فقبل رأي علي؛ فكان يأخذ من بيت المال ما يمكنه من أن يأكل ويطعم ~~أهله طعام أوساط الناس من قريش، وكان يستحل من بيت المال كسوة نفسه: حلة في الشتاء، ~~وأخرى في الصيف. # على أنه كان يشتد في ذلك، فلم يكن يترك إزارا ولا رداء إلا حين يبلغ منه البلى ~~غايته، وكان كثيرا ما يرقع رداءه أو إزاره: يرقعه غير متحرج فيما يرقع به، حتى لقد ~~كان يرقع ثيابه أحيانا بالأدم. # ويقول الرواة: إنه تأخر يوم جمعة، فجعل الناس ينتظرونه في المسجد حتى أبطأ عليهم، ثم ~~خرج عليهم فصعد المنبر واعتذر من إبطائه، فإذا الذي أبطأ به قميصه قد غسل وانتظر أن ~~يجف، ولم يكن عنده قميص غيره. # وكان عمر - كما قلت آنفا - يستطيع أن يوسع على نفسه من صلب ماله، ولكنه - فيما يظهر ~~- كان يكره أن يظن الناس أنه إنما يوسع على نفسه من مال المسلمين، فيضيق على نفسه، كما ~~كان يشدد على نفسه أيضا إيثارا للزهد، ومخافة أن يحيا حياة ألين من حياة النبي # صلى الله عليه وسلم # وحياة أبي بكر، وكان يقول: إن لي صاحبين سلكا طريقا، وأخشى إن خالفت سيرتهما ~~أن يخالف بي عن طريقهما. # ومع ذلك فقد كان يستحل الاستقراض من بيت المال، فإذا أيسر رد ما اقترض، وكان ربما ~~أبطأ في أداء ما استقرض، فيأتيه صاحب بيت المال فيلزمه، ويحتال عمر حتى يؤدي إليه ما ~~استقرض، وربما خرج عطاؤه فأدى منه ما كان عليه من دين لبيت ms081 المال، ولما طعن وعرف ~~أنه الموت، أحصى ما عليه من دين لبيت المال؛ فإذا هو نيف وثمانون ألف درهم؛ فلم يسترح ~~حتى أمر ابنه عبد الله، فضمن هذا المال، قال له: إذا أنا مت فانظر في مالي ومال آل عمر، ~~فإن وفى بهذا الدين فذاك، وإلا فسل بني عدي، فإن أعانوك بما يفي بهذا الدين فذاك، وإلا ~~فسل قريشا ولا تعدها. # ويقول الرواة: إن الأسبوع لم يتم بعد وفاة عمر حتى أدى عبد الله دين أبيه إلى ~~عثمان - رحمه الله - وأخذ منه البراءة بالأداء. # وأرجح أنا أن عمر قد رد على بيت المال ما أخذ لقوته وقوت أهله، واعتبر هذا ~~دينا عليه كما فعل أبو بكر رحمه الله. # فقد رأيت فيما مضى أن أبا بكر وهب لبيت المال أرضا كان يملكها بما استنفق منه، ~~وكذلك فعل عمر فيما أرجح، وليس معنى هذا أن عمر لم يقترض شيئا من بيت المال، بل ~~معناه: أن عمر أضاف إلى ما اقترض ما كان يستحل لنفسه من بيت المال قوتا له ولأهله ~~وكسوة له في الشتاء والصيف. وما أكثر ما كان يقول: وددت لو أخرج منها ~~- يريد الخلافة - كفافا لا علي ولا لي! فقد خرج ~~منها - رحمه الله - وليس عليه منها شيء، وله منها الكثير بما أحسن إلى المسلمين ~~أغنيائهم وفقرائهم، وبما نصح للإسلام، وبما أقام من نظم سياسية لم يكن للعرب عهد ~~بمثلها، ومن نظم اجتماعية لا تزال الإنسانية تسعى لتحقيقها دون أن تبلغ من سعيها ما ~~تريد. # وليس على عمر - رحمه الله - من بأس إذا كانت نظمه الاجتماعية لم تبق بعد وفاته، وإذا ~~كان المسلمون قد قصروا عن الاحتفاظ بها وعن تثبيتها، والله - عز وجل - يقول من سورة ~~النجم: # أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم ~~يجزاه الجزاء الأوفى ~~. # فعلى الذين أضاعوا هذه النظم وأهملوا سنة عمر تبعة ما أضاعوا وما أهملوا، ~~ولعمر ms082 الجزاء الأوفى عند الله - عز وجل - على ما نصح للمسلمين وما هيأ لهم من ~~وسائل الرقي والعزة في ظل العدل والأمن والمساواة. # وفيما تستقبل من فصول هذا الحديث تفصيل هذا السعي الذي سعاه عمر في خلافته التي كانت ~~كما قال ابن مسعود: رحمة. # 5 # وكانت أول مشكلة واجهت عمر حين نهض بأمور المسلمين مشكلة الفتوح، وموقف الجيوش التي ~~أرسلها أبو بكر - رحمه الله - إلى العراق والشام. # وكان أبو بكر قد هيأ لحل مشكلة الجيوش التي أرسلها إلى الشام حين جمع الروم ~~للمسلمين جموعا كثيرة وأعدادا ضخمة لم تكن لهم بها طاقة، فأرسل إليهم خالد بن الوليد ~~ببعض من كان معه في العراق، ولكنه حين أمد جيوش المسلمين في الشام بخالد وطائفة صالحة ~~من جيشه في العراق، عرض بقية هذا الجيش العراقي لخطر عظيم؛ فقد كان الفرس قد أخذوا ~~بالجد والحزم هجوم خالد على العراق وانتصاره في المواطن الكثيرة التي انتصر فيها، وغلب ~~على عامة العراق العربي، فلم يسعهم إلا أن ينهضوا لمقاومة العرب وإخراجهم من هذه الأرض ~~التي كانت خاضعة لسلطانهم منذ زمن بعيد. # وأحس المثنى بن حارثة الشيباني - خليفة خالد على الجيش - أن موقفه وموقف المسلمين ~~معرض لخطر عظيم أمام هذه الجيوش التي عبأها الفرس للقائهم، فاستخلف على من بقي ~~معه من الجيش، وأسرع إلى المدينة ليقف أبا بكر على جلية الحال في العراق، وأدرك أبا ~~بكر في مرضه الذي توفي فيه فوصف له أمر المسلمين ومكانهم من الخطر العظيم الذي ~~يعرضهم له العدو. # فلم يستطع أبو بكر - رحمه الله - إلا أن يوصي عمر بالجد في نجدة المثنى وأصحابه ~~وإمداده بالرجال والسلاح، وقد جد عمر في ذلك منذ اليوم الأول لخلافته، فندب الناس إلى ~~العراق، ولكن الناس سمعوا منه ولم يستجيبوا له، فندبهم ثلاثة أيام والناس يسمعون منه ~~ولا يستجيبون، حتى إذا ندبهم للمرة الرابعة قام إليه أبو عبيد بن مسعود الثقفي منتدبا، ~~واضطر عمر إلى أن يلح على الناس ويدفعهم إلى الجهاد دفعا حتى إذا استطاع أن يجمع ms083 ألف ~~رجل من المهاجرين والأنصار أمر عليهم أبا عبيد، فكلمه الناس في أن يؤمر رجلا من ~~كبار المهاجرين والأنصار فأبى؛ لأنهم تقاعدوا عن الجهاد وكرهوا لقاء الفرس وألح في ~~أن يؤمر أول من انتدب للحرب، ثم خالف عن سياسة أبي بكر، فأباح لمن كان ارتد من العرب ~~ثم عاد إلى ما خرج منه أن يشارك في الجهاد، فأقبل هؤلاء مسرعين، وأقبلت جموع من اليمن ~~فضمهم عمر إلى الجيش. # وسار أبو عبيد بجيشه بعد أن أوصاه عمر بالحزم والأناة وبإمعان الروية وحسن التدبير، ~~وانتهى أبو عبيد إلى العراق ومعه المثنى بن حارثة تابعا له وليس أميرا، فانضم إلى من ~~كان هناك من المسلمين، وتهيأ للقاء الفرس، وكان أبو عبيد شجاعا جريئا، وقد غلبت ~~شجاعته وجرأته رأيه وأناته، وغلبت رأي الذين أشاروا إليه وألحوا في ألا يعبر الفرات ~~للقاء الفرس، وإنما يخلي بينهم وبين العبور إليه، فإن أتيح له النصر فذاك، وإن كانت ~~الأخرى وجد الأرض من ورائه يرجع إليها متحيزا لفئة المسلمين من جزيرة العرب، ولكنه - ~~رحمه الله - كره أن يكون الفرس أجرأ على الموت من المسلمين، فعبر بالناس النهر ثم قطع ~~الجسر من ورائه حتى لا يتحدث أحد من المسلمين إلى نفسه بالفرار. # وكان المسلمون في تلك الأيام لا يكرهون شيئا كما يكرهون الفرار، ويستحضرون في نفوسهم ~~وقلوبهم هذه الآية الكريمة التي كانوا يستحضرونها في كل موطن من مواطن الحرب، وهي قول ~~الله - عز وجل - من سورة الأنفال: # يا أيها الذين آمنوا ~~إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير ~~. # وكان المسلمون في تلك الأيام إذا انتدبوا للجهاد حرصوا أشد الحرص على أن يظفروا ~~بإحدى الحسنيين: الظفر بالعدو وما أعد الله لهم من الأجر يوم القيامة، أو الظفر ~~بالشهادة وما ضمن الله لهم من حياة الشهداء في جنته ورضوانه؛ لأن الله يقول: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن ms084 لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ~~فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ~~فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز ~~العظيم # سورة التوبة. # وقد أقدم المسلمون - مدفوعين بهاتين الآيتين الكريمتين وبآيات كثيرة غيرهما من الكتاب ~~العزيز - فقاتلوا مستبسلين، وكان قائدهم أبو عبيد أشدهم إقداما وأعظمهم استبسالا، ~~ولكن الفرس على كثرتهم كانوا قد قدموا بين أيديهم شيئا لم يألفه العرب في قتالهم من ~~قبل وهي الفيلة، فلما رأتها خيل المسلمين نفرت منها نفارا شديدا. وكان في مقدمة ~~هذه الفيلة فيل عظيم تعرض له أبو عبيد، فطعنه، فلما أحس الفيل حر الطعنة ثار فطرح أبا ~~عبيد في الأرض وقتله. # وقتل يومئذ من المسلمين عدد غير قليل بعد أن أحسنوا البلاء، واضطروا آخر الأمر إلى ~~الفرار، فإذا النهر وراءهم، فجعل بعضهم يساقط في النهر فيغرقون، حتى أقبل المثنى بن ~~حارثة ومعه نفر من أصحابه فوقف على شاطئ النهر، وجد في عقد الجسر، وانحاز بقية ~~المسلمين إليه، فعبروا النهر وقد بلغ منهم الجهد وكثرت فيهم الجراحات وتفرق كثير منهم ~~بعد عبور النهر فعادوا إلى الحجاز، ورجع بعضهم إلى المدينة. # وبلغ خبر الهزيمة عمر - رحمه الله - فبكى، وقال: رحم الله أبا عبيد لو انحاز إلي ~~لكنت فئته. وكان يكثر من ترديد ذلك، يهدئ به روع المنهزمين ويبين لهم أنهم لم يفروا ~~وإنما انحازوا إلى فئة، فلم يتعرضوا للعقاب الشديد الذي أنذر الله به الفارين في الآية ~~الكريمة من سورة الأنفال التي أثبتناها آنفا. # وقد حمي عمر لجهاد الفرس بعد وقعة الجسر هذه، فتهيأ للحرب، وخرج من المدينة فاجتمع ~~إليه الناس، وهم بالمسير إلى العراق على رأس الجيش متوليا بنفسه قتال الفرس. # واستشار الناس في ذلك، فأشار عليه قليل منهم بأن يتمم على ما أراد ويمضي للجهاد، ~~فيكون في مضيه تحريض للمسلمين وتشجيع لهم، ولكن كثيرا من أصحاب النبي أشاروا عليه بألا ~~يفعل وبأن يبقى في المدينة ركنا للمسلمين يمدهم بالعدد والعدة، وألا يعرض نفسه لأخطار ~~الحرب، فإنه ms085 إن أصيب فت ذلك في أعضاد المسلمين، فلم ينهضوا للقتال، وتعرضت الأمة ~~لخطر عظيم. # وأشاروا عليه بأن يرسل رجلا من كبار أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأشدهم بأسا وأمضاهم في ~~الحرب، وسموا له سعد بن أبي وقاص رحمه الله، وكان سعد غائبا عن المدينة في عمل لعمر، ~~فأرسل إليه، فاستخلف على عمله وأقبل، فأمره عمر على الجيش وأوصاه ألا يغامر ~~بالمسلمين، وأن ينزلهم منزلا بين حضر العراق ومدر العرب، وأن ينتظر الإمداد. # ومضى سعد - رحمه الله - بجيشه يستنفر من مر به من القبائل، ويمده عمر ما استطاع إلى ~~إمداده سبيلا، وكان العرب يكرهون لقاء الفرس ويؤثرون الجهاد في الشام، ولكن عمر كان ~~يأبى عليهم إلا العراق، وربما رغب بعضهم بالمال بعد الفتح. # وأقام سعد كما أمره عمر في جيش عظيم من المسلمين قريبا من العراق غير بعيد مع ذلك من ~~بلاد العرب، وأقام هناك ينتظر أمر عمر بالتقدم، وينتظر قدوم الفرس عليه، وكان عمر قد ~~أمره أن يكتب إليه بأمر المسلمين يوما بيوم، وألا ينزل بهم منزلا إلا وصفه عمر كأنه ~~يراه، حتى يكون عمر مع المسلمين بكتب سعد يعلم ما يأتون وما يدعون. # 6 # وخالف عمر عن سياسة أبي بكر في أمر الشام أيضا، فلم يكد ينهض بأعباء الخلافة حتى كتب ~~إلى جيوش الشام ينعى إليهم أبا بكر رحمه الله، وينبئهم ببيعته، ويعزل خالدا عن إمارة ~~الجيش، ويجعل هذه الإمارة لأبي عبيدة، ويأمره إذا فتح الله على المسلمين أن يوجه من جاء ~~مع خالد من العراق إلى عراقهم؛ ليكونوا مددا لسعد ومن معه من المسلمين، وأن يجعل عليهم ~~عتبة بن أبي وقاص. # ويقول الرواة: إن كتاب عمر وصل إلى أبي عبيدة في ليلة كان المسلمون يتهيأون فيها ~~لمصادفة الروم من غد، فأخفى أبو عبيدة كتاب عمر وأسر ما جاء فيه من عزل خالد وتوليته ~~هو؛ كره - فيما يقول الرواة - أن يثبط المسلمين ويفل من حد خالد، وكانت إليه إمرة الجيش ~~في تلك الموقعة. # وأصبح المسلمون فاصطدموا بالروم، فقاتلوهم ms086 أشد قتال وأعنفه وأجرأه، وكانت موقعة لم ~~يعرف المسلمون مثلها من قبل في حربهم للروم. # وقد أنزل الله نصره على المسلمين، وانهزم الروم هزيمة منكرة، وفتحت للمسلمين مناهج ~~الشام، فقصدوا قصد دمشق. # ومن الرواة من يزعم أن وقعة اليرموك هذه كانت بعد فتح دمشق. # ولكن اختلاف الرواة في تاريخ الوقائع وترتيبها كثير، أكثر من أن يحصى، وأعسر من أن ~~يصل الباحث فيه إلى نظام دقيق. # وليس هذا مقصورا على الشام، ولكنه يتناول حرب الفرس أيضا. # وليس من شأني في هذا الحديث أن أفصل تاريخ الفتوح، ولا أن أرتب تاريخ الوقائع؛ ~~فذلك شيء لم أرد إليه، وهو على كل حال يطول أشد الطول ويعسر أشد العسر. # والمحقق أن المسلمين قد حاصروا دمشق وشددوا عليها الحصار وأطالوه، ولكن خالدا - ~~رحمه الله - لم يكن ينام ولا ينيم؛ كان متنبها دائما لأمر المدينة وما يقع فيها ~~من الأحداث، وقد بلغه ذات ليلة - فيما يزعم الرواة - أن سور المدينة بإزائه قد خلا من ~~حراسه لأمر فصله المؤرخون ولا أطمئن إليه، فاحتال خالد حتى رقى السور مع نفر من ~~أصحابه، ثم نزل ونزل من معه فابتدروا باب المدينة الذي يلي جيش خالد، فقتلوا بوابيه ~~وكبروا، فاندفع إليهم المسلمون من هذه الناحية، واندفع خالد على رأس جيشه إلى وسط ~~المدينة. قال الرواة: وكان أبو عبيدة قد دخل المدينة من باب آخر على صلح، فالتقى جيشان ~~من المسلمين في وسط المدينة: جيش مقاتل، وجيش مصالح. فأمضى أبو عبيدة الصلح على جيش ~~خالد أيضا، واعتبرت دمشق قد فتحت صلحا. # ويقال: إن أبا عبيدة لم يظهر خالدا على أمر عمر بعزله إلا بعد فتح دمشق، ثم كانت ~~للمسلمين بعد ذلك خطوب، أتاح الله لهم فيها النصر على الروم في غير موقعة، حتى فتحت ~~فلسطين كلها وفتح الأردن، ثم فتحت حمص وسائر مدن الشام. وكان هرقل قيصر قسطنطينية ~~مرابطا في أنطاكية يمد جيوشه منها، فلما رأى ما أتيح للمسلمين من النصر في هذه ~~المواطن كلها عاد إلى قسطنطينية وودع سورية وداعا ms087 لا لقاء بعده. # ومع أن فلسطين قد فتحت كلها - كما قلت آنفا - فإن مدينة ببيت المقدس قد طاولت جند ~~المسلمين المحاصرين لها، حتى إذا قوي المسلمون عليها وهموا باقتحامها طلب أهل ~~المدينة الصلح، واشترطوا ألا يتم هذا الصلح إلا مع أمير المؤمنين نفسه . وقد أنبئ ~~عمر بذلك فأقبل إلى الشام وأتم الصلح مع بيت المقدس ودخل مظفرا. # والرواة يختلفون في عدد المرات التي دخل فيها عمر الشام في خلافته، ولكن المحقق ~~عندي أنه ثلاث مرات على الأقل، كانت أولاها حين أتم الصلح مع بيت المقدس، وكانت ~~الثانية بعد ذلك حين قصد إلى الشام، فلما بلغ سرغ أنبأه الأمراء بأن الطاعون قد وقع ~~في الشام، وهو الطاعون الذي يعرفه المؤرخون بطاعون عمواس، فاستشار عمر الناس؛ شاور ~~المهاجرين أولا فاختلفوا عليه، قائل يقول: خرجت لوجه فيجب أن تمضي إليه. وقائل يقول: ~~لا تعرض نفسك وأصحابك للتهلكة. وشاور الأنصار فصنعوا صنيع المهاجرين، وأبى عليه أبو ~~عبيدة بن الجراح إلا أن يمضي لوجهه مخاطرا ولا يفر من قدر الله، فأجابه عمر: لو غيرك ~~قالها يا أبا عبيدة! أفر من قدر الله إلى قدر الله. ثم استشار مهاجرة الفتح فلم يختلفوا ~~عليه، وإنما أشاروا عليه مجمعين بأن يرجع إلى المدينة. # وأقبل عبد الرحمن بن عوف - رحمه الله - وكان غائبا حين استشار عمر الناس، فقال: عندي ~~من ذلك علم: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إذا وقع الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا ~~تخرجوا منها، وإن لم تكونوا فيها فلا تدخلوها.» فعاد عمر إلى المدينة راضيا ~~مطمئنا. # ودخل عمر الشام للمرة الثالثة بعد أن ارتفع الوباء، وقد أصيبت طائفة ضخمة من ~~المسلمين وجماعة من خيار أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، منهم: أبو عبيدة أمير الشام، ومعاذ بن ~~جبل رحمهما الله، وآخرون كثيرون. فلما انقضى الوباء ظهرت أمام معاوية بن أبي سفيان أمير ~~الشام بعد أبي عبيدة مشكلة عسيرة، فقد كثرت ضحايا الطاعون وأشكلت مواريث من مات على ~~من بقي من المسلمين، فاضطر عمر إلى ms088 أن يسير إلى الشام، فيحل هذه المشكلة، ويرد ~~المواريث على أصحابها. # وكان عمر يفكر كثيرا بعد زيارته هذه للشام في أن يزور أقاليم الدولة كلها، فيقضي ~~في كل إقليم شهرين يباشر فيهما بنفسه ما يعرض من المشكلات، ويباشر فيهما بنفسه أيضا ~~أمور الناس ، فيعلم الولاة بسيرته كيف يدبرون سياسة الأقاليم والأمصار. وكان عمر شديد ~~الخوف دائما من سيرة الولاة، لا يأمنهم أن يجوروا أو أن يقصروا، ومع أنه كان ~~يراقبهم أشد المراقبة ويرسل إليهم من قبله من يفحص أعمالهم، فكثيرا ما كان يقول: ~~إنه لا يخاف شيئا كما يخاف أن تكون للناس خلافات لا ينصفهم الولاة برفعها، ولا يقدرون ~~هم على أن يرفعوها إليه؛ فكان يرى في هذه الزيارة التي كان يرجوها أحسن علاج لهذه ~~المشكلات وأمثالها. # وكان عمر يلقى الولاة في الموسم من كل عام ويلقى معهم الحجيج من كل مصر، فيسأل الولاة ~~عن الرعية، ويسأل الحجيج عن سيرة الولاة فيهم، ولكن هذا كله لم يكن يكفيه؛ فكان حريصا ~~على أن يطمئن بنفسه على سيرة الولاة وسيرة الرعية جميعا. ولم تتح له هذه الزيارات ~~التي كان يزمعها ويحرص عليها أشد الحرص، شغلته الأحداث ومراقبة الحرب في بلاد الفرس حتى ~~اختطفته المنية اختطافا. # 7 # وكانت حرب الفرس عسيرة أشد العسر طويلة أشد الطول، ومع ذلك فقد بلغ منها عمر - رحمه ~~الله - ما أراد وأكثر جدا مما أراد؛ لم يكن يحب المضي في الحرب، وإنما كان يحرص على ~~أن يؤمن العرب في جزيرتهم، وفي الشام والعراق من حكم الأجنبي، وأن يجمعهم ما استطاع ~~على الإسلام. # ولكن بعض الحرب يدعو بعضها، وإذا ابتدأت الحرب فقلما يعرف المنتصر لها آخرا، وقد ~~استطاع عمر أن يقف الحرب من الشام عند حدود الروم، ويمنع المسلمين من أن يقتحموا على ~~الروم حدودهم في الجموع الكثيفة. # وما زال به عمرو بن العاص حتى انتزع منه الإذن بفتح مصر، فلما تم له الفتح واستطاع ~~المسلمون أن يتجاوزوا مصر غربا إلى برقة وطرابلس وقفهم عند هذا الذي أتيح لهم، ms089 وحظر ~~على معاوية أن يغزو في البحر، وكان معاوية شديد الحرص على أن يفتتح قبرص، ولكن عمر ~~ألح في منعه حتى أنذره إن خالف عن أمره. # وقد أقام سعد في منزله الذي حدده له عمر قريبا من البادية وقريبا من حضر العراق ~~أيضا، وظل كذلك حتى جاءته الفرس في جموع عظيمة فلم يكن من قتالها بد، فكانت وقعة ~~القادسية التي طالت وشقت، وامتحن المسلمون فيها امتحانا شديدا، ولكن الله أنزل ~~عليهم نصره بعد خطوب، فقتل المسلمون منهم مقتلة عظيمة، ولقوا منهم مع ذلك شرا عظيما، ~~ولكن النصر أطمعهم في النصر وأغراهم باتباع الفرس وغزوهم في عقر دارهم. # وقد استقر في نفس عمر، وفي نفس الذين كانوا يشيرون عليه في المدينة، وفي نفس سعد بن ~~أبي وقاص أيضا: أن المسلمين لن يكسروا شوكة الفرس، ولن يفلوا حدهم إلا إذا غزوهم في ~~عقر دارهم، وأخذوا عاصمتهم المدائن. وكانوا يعتقدون أنهم إن دخلوا العاصمة وأزعجوا عنها ~~كسرى يزدجرد ملك الفرس أمنوا جانبهم وأيأسوهم من العراق. # وقد مضى سعد بجيشه إلى المدائن فدخلها مظفرا وخرج عنها الملك هاربا، وأتيح ~~للمسلمين أن يتخذوا إيوان كسرى مصلى. # ومنذ فتح المدائن كان عمر يود لو وقفت الحرب عند هذا الحد، وكان يقول مرة: وددت لو أن ~~بيننا وبينهم جبلا من نار. ويقول مرة أخرى: وددت لو أن بيننا وبينهم بحرا من نار؛ لا ~~يصلون إلينا ولا نصل إليهم. ولكن الله لم ينشئ لعمر جبلا من نار، ولا بحرا من ~~نار، وإنما ألقى في نفوس الفرس التصميم على أن يستردوا ما فقدوا، ويثأروا من المسلمين ~~لهزيمتهم، فكانت جموعهم لا تفض إلا تألفت منهم جموع أخرى عظيمة الكثرة شديدة البأس، ~~وكان المسلمون مضطرين إلى أن يفضوا هذه الجموع كلما ائتلفت؛ ليأمنوا على ما في أيديهم ~~من جهة وليضيفوا إليه ما يزيده ويكثره، وكانت جيوش المسلمين لا تنتصر في موقعة إلا طمعت ~~في أن تنتصر في موقعة أخرى. # وكذلك التقوا بالفرس في جلولاء وانتصروا عليهم، والتقوا بهم في نهاوند وانتصروا ms090 ~~عليهم، والتقوا بهم في حلوان وانتصروا عليهم أيضا. وقد هم عمر بعد هذه المواقع الكبرى ~~أن يقف الحرب، وكان قد مصر المصرين في العراق: «الكوفة والبصرة»، وأراد أن ينزل ~~فيهما المسلمين ليكونوا ردءا لمن وراءهم ومددا لمن بين أيديهم. وكان ملك الفرس كلما ~~انتصر المسلمون في موقعة أبعد في الهرب، وأحس بعض المسملين أنهم لن يكسروا شوكة ~~الفرس ولن يفلوا حدهم حقا ما دام للفرس ملك قائم يجمعهم ويغريهم بالحرب ويدفعهم ~~إليها؛ ذلك أن المصرين الجديدين في العراق كانا يتنافسان أشد التنافس في الفتح وفي بسط ~~ما كانا يليانه من الأرض الفارسية. # وكان حظ الكوفة من سواد العراق ومما فتح من أرض الفرس أعظم من حظ البصرة، فكان أهل ~~البصرة يطمعون في أن يوسعوا رقعتهم ويكثروا من الفتوح ليتاح لهم من الغنائم وسعة ~~الفيء، إلى ما كانوا يؤمنون به من فضل الجهاد والغزو في سبيل الله، حتى قال الأحنف بن ~~قيس ذات يوم لعمر، وكان عنده في وفد البصرة: إن عيشنا أضيق من عيش إخواننا في الكوفة، ~~وإنا لن نأمن من الفرس ولن نفرغ منهم حتى نظفر بملكهم أو نقتله. # وما زال المصران يلحان على عمر في أن يأذن للناس في الانسياح في الأرض حتى انتزعوا ~~منه الإذن في ذلك انتزاعا، فاندفع أهل البصرة حتى بلغوا من الفتح ما أرادوا، وجعلوا ~~يزعجون الملك عن مدن الفرس مدينة مدينة، حتى أزعجوه عن خراسان كلها وألجئوه إلى أن يعبر ~~النهر إلى الترك، وقد استمد ملك الفرس ملك الترك واستعان به على استرداد وطنه من ~~المسلمين، فاستجاب له ملك الترك حتى أقبل مؤازارا له، ولكن المسلمين ثبتوا للترك كما ~~ثبتوا للفرس من قبل، وما زالوا بالترك حتى أيأسوهم واضطروهم إلى أن يرجعوا إلى ~~بلادهم. # وكذلك فتحت على عمر بلاد كسرى كلها في هذه المدة القصيرة التى تولى فيها أمور ~~المسلمين في عشر سنين وأشهر. # وما زال يزدجرد مشردا حتى قتل في أيام عثمان رحمه الله؛ قتله رجل من ~~مواطنيه. # ولم يكتف المسلمون بما ms091 فتح الله عليهم في المغرب من الشام وفلسطين ومصر وبرقة، وما ~~فتح الله عليهم في المشرق من أرض كسرى، ولكن الظروف اضطرتهم إلى أن يؤمنوا الشام بفتح ~~الجزيرة فافتتحوها، ولم يبق بينهم وبين الروم إلا هذه الحدود الطبيعية التي اعتصم ~~الروم من ورائها حتى اقتحمها المسلمون في أيام معاوية محاولين فتح قسطنطينية، ولكن لهذه ~~المحاولة موضعا آخر في غير هذا الحديث. # وقد يخيل إلى من يتصور ما أتيح للمسلمين من الفتوح أيام عمر، والانتصار المؤزر ~~على الفرس والروم جميعا، أن عمر كان سعيدا بهذه الفتوح العظيمة وبما كان يتدفق عليه ~~في المدينة من المال الذي كان المسلمون يخمسون له من الغنائم ويرسلونه إليه من ~~الفيء، ولكن الشيء المحقق أن عمر لم يهنأ قط بهذه الفتوح ولا بما أفاء الله عليه من هذه ~~الأموال التي لا يكاد التصور يحيط بكثرتها. # كان يسره انتصار المسلمين ويرضيه، وكان يسره أن ينتشر نور الله في الأرض، وتعلو ~~كلمة الإسلام، وكان يسره ويرضيه كذلك أن يسعد المسلمون بما كان الله يفيء عليهم من ~~المال الذي أخرجهم من ضيق العيش إلى السعة، وأتاح لهم الرخاء بعد ما كانوا فيه من الشظف ~~وقسوة الحياة، ولكن عمر على ذلك كان أشقى الناس بالفتوح والمال. # كان الفتح يكلفه أن يدبر أمر الحرب في الشرق والغرب، وأن يدبر هذا الأمر كأنه مع ~~المحاربين في الشرق والغرب جميعا، وكان يكلفه أن يدبر أمر الأرض التي تفتح شرقا ~~وغربا، وأمر الذين يعيشون فيها من المسلمين والمعاهدين، وكان يضطره إلى دقة أي دقة ~~في اختيار العمال ومراقبتهم بعد ولايتهم أقسى المراقبة وأبعدها في الشدة، وكان المال ~~الذي يرسل إليه يكلفه عناء أي عناء، كان لا يرى شيئا منه إلا أمعن في البكاء وجعل ~~يسأل نفسه لماذا صرف الله هذا كله عن رسوله # صلى الله عليه وسلم # وعن أبي بكر، وأتاحه للمسلمين في ~~أيامه هو، أكان ذلك خيرا صرفه الله عن رسوله وعن خليفته وآثره هو به؟ ثم لم يكن يلبث ~~أن ينكر ذلك ms092 أشد الإنكار، ويقول: كلا، والله ما أتاح الله هذا المال لعمر إلا محنة له ~~وابتلاء. # ثم لم يكن عمر يثق بنفسه ولا يطمئن إليها لا في سياسة الحرب، ولا في سياسة السلم، ولا ~~في سياسة المال. كان يخشى دائما أشد الخشية أن يكون قد جار عن القصد في قول أو عمل ~~خطير أو ضئيل، وأن يكون هذا الجور قد سجل عليه في ذلك الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنه سيلقى الله بهذا الكتاب يوم القيامة فيسأله عما فيه من ~~الصغير والكبير سؤالا لا هوادة فيه ولا لين، وكذلك كان نهاره منغصا وليله مؤرقا، ~~لولا أن أمور المسلمين كانت تستغرق أكثر نهاره وشيئا غير قليل من ليله. ثم كان على ذلك ~~يأتمر بما أمر به القرآن الكريم؛ فيستيعن على خلافته بالصبر والصلاة، ثم لا يمنعه هذا ~~كله من أن يقول بين حين وحين: وددت لو أني خرجت منها كفافا لا علي ولا لي. # 8 # وظهرت لعمر مشكلتان يسيرتان لم يجد في النفوذ منهما عناء، ولا تقاسان إلى غيرهما من ~~المشكلات التي عرضت له. # فأما أولاهما: فلقب الخليفة، وما أظن عمر فكر فيه، أو فكر فيه غيره من المسلمين، إلا ~~بعد أن سير الجنود إلى العراق ودبر أمر الجيش في الشام، على ما كان عليه يحب من عزل ~~خالد وتأمير أبي عبيدة، وجعل ينتظر أنباء جيوش المسلمين في الشرق والغرب. # هنالك فكر هو أو فكر من حوله من أصحابه في اللقب الذي يدعونه به، كانوا يرون أن ~~أبا بكر - رحمه الله - قد قام على أمرهم بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # فدعوه خليفة رسول ~~الله، وكان يرون أن عمر قد قام بالأمر بعد أبي بكر، فدعوه خليفة خليفة رسول الله، ولكن ~~عمر لم يلبث أن فكر في هذا اللقب، ورأى أنه طويل، وأن من جاء بعده سيدعى خليفة خليفة ~~خليفة رسول الله، ويمضي الأمر على هذا النحو فيطول ويعسر النطق به والحفظ له. # ويقال: إن المسلمين هم ms093 الذين فكروا في هذا، وأن قائلا منهم قال: نحن المؤمنون ~~وعمر أميرنا. فدعي أمير المؤمنين، وصار هذا لقب الخلفاء من بعده. # وسواء أكان عمر هو الذي فكر في هذه المشكلة وأصاب حلها، أم كان المسلمون هم الذين ~~كفوه هذا التفكير، فقد كان عمر أول من دعي أمير المؤمنين، وما أكثر الذين دعوا من ~~بعده بهذا الاسم! فاستحقه أقلهم وحمله سائرهم غصبا له واستبدادا به دون أن يكون له ~~أهلا؛ فإمرة المسلمين ليست شيئا هينا يستطيع كل من قام بأمر المسلمين أن يتلقب بها، ~~وإنما هي تصور الأعباء الثقال، والعناء المتصل، والجهد الذي ليس فوقه جهد في إقرار ~~العدل، ورفع الظلم، وإنصاف الضعفاء من الأقوياء، وتحقيق المساواة بين الناس، والعناية ~~بأمر القريب والبعيد، والرفق بالمسلمين وأهل الذمة في أوقات اليسر والعسر، والقيام فيهم ~~بالحزم كل الحزم؛ حتى لا يطمع منهم طامع فيما ليس له بحق، ولا يطمح منهم طامح إلى ما لا ~~ينبغي له أن يبلغه، وإنصاف الناس بعد هذا كله وقبل هذا كله وفوق هذا كله من نفسه، ~~كإنصافه بعضهم من بعض أو أشد من إنصافه بعضهم من بعض. # وقد كان عمر - رحمه الله - جديرا بإمرة المؤمنين حق جدير، وما أقل الذين شاركوه في ~~الجدارة بإمرة المؤمنين من الخلفاء وأشباه الخلفاء! # وأما المشكلة الثانية: التي عرضت لعمر فخرج منها في يسر، فهي مشكلة التاريخ؛ كانت ~~الكتب ترد إليه من عماله وقادته ومؤرخة بالشهور التي تكتب فيها دون أن تؤرخ ~~بالسنين؛ لأن المسلمين لم يكونوا قد اتخذوا لأنفسهم تاريخا، فضاق عمر بذلك، واستشار ~~أصحاب النبي في تاريخ يجعل للناس يؤرخون به، فأشير عليه بأن يتخذ العام الذي ~~هاجر فيه النبي # صلى الله عليه وسلم # من مكة إلى المدينة بدءا للتاريخ الإسلامي، وكان اختيار هذا ~~العام موفقا كل التوفيق، ففيه نشأت للمسلمين جماعة منظمة مستقلة يقوم النبي على ~~أمرها بما كان الله يوحي إليه من القرآن الكريم، وما كان يلهمه من البيان للقرآن ~~الكريم، وما كان يجتهد رأيه فيه أو يستعين عليه ms094 برأي المسلمين. # وقد نشأت هذه الجماعة ضئيلة قليلة ضيقة الرقعة محدودة السلطان، ولكن الله كثر هذه ~~الجماعة بعد قلة، ووسع رقعتها بعد ضيق، ونشر سلطانها بعد انقباض، حتى أصبحت جزيرة ~~العرب كلها مستظلة بلواء الإسلام أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم زاد الله أرض المسلمين ~~انبساطا وسلطان الإسلام انتشارا، فنظر عمر فإذا هو ليس أمير المؤمنين في المدينة ~~وحدها، ولا في جزيرة العرب وحدها، وإنما امتدت إمرته حتى انبسطت على الشام ومصر وعلى ~~العراق وأكثر أرض الفرس. # وقد قتل - رحمه الله - ولم يبق من أرض الفرس إلا قليل، فتح في أيام عثمان رحمه ~~الله، وقد دبر عمر أمر هذا السلطان العريض أحسن تدبير وأدقه وأعدله، لم يؤخذ بشيء ~~مما فعل ولم ينكر عليه أحد شيئا مما أمر به أو نهى عنه، فكان أمير المؤمنين حقا لا ~~سبيل إلى أن ينازع في ذلك أو يكون ذلك موضوعا للجدال. ولو أن المشكلات التي عرضت ~~لعمر كانت كلها يسيرة كيسر هاتين المشكلتين لما ظهرت كفايته رائعة ناصعة منقطعة النظير، ~~لا بالقياس إلى المسلمين وحدهم، ولا بالقياس إلى تاريخهم، بل بالقياس إلى العالم كله ~~وإلى تاريخه العام. # وكأنه - رحمه الله - كان يحس إحساسا قويا بأن الله ممتحنه بالخلافة وأعبائها، ~~يمتحنه برعيته ويمتحن رعيته به، ويمتحنه ويمتحن رعيته معه بالمشكلات المعضلات التي ~~ستعرض له ولهم في أيام خلافته كلها، من أول يوم فيها إلى آخر ساعة من ساعات حياته، كأنه ~~كان يحس هذا إحساسا قويا حين خطب المسلمين بعد أن فرغ من أمر أبي بكر، فقال لهم: «إن ~~الله قد ابتلاني بكم وابتلاكم بي.» وكانت خلافته كلها ابتلاء له، وابتلاء ~~لرعيته. # وحسبك أنه لم يكد يفرغ من خطبته القصيرة التي خطب الناس بها، حتى دعا المسلمين إلى ~~جهاد الفرس في العراق، وأخذ في تدبير أمر الشام وأمر الجيش الذي تركه المثنى بن حارثة ~~قليلا ضئيلا على حدود العراق، أمر الجيش الذي جعل يستعد لتسييره ليؤدب أهل العراق على ~~انتقاضهم ويثبت للفرس فيما سيكون من ms095 المواقع والخطوب. # وقد عرضت عليك آنفا ما كان من بلاء المسلمين في الشرق والغرب، وانتصارهم على الفرس ~~والروم وثباتهم لما لقوا من الأهوال، ومهما يكن هذا العرض موجزا فقد كان تصويرا ~~موجزا خاطفا لأحداث كثيرة خطيرة اتصلت منذ نهض عمر بالخلافة إلى أن توفي رحمه ~~الله، ولم يتح لهذه الأحداث أن تنقطع ولا أن تهدأ إلا بعد أن لحق بصاحبيه في جوار ~~الله عز وجل. # 9 # على أن هذه الأحداث الجسام المتصلة التي كانت بعضها يكفي لاستنفاد وقت عمر وجهده كله، ~~لم تكن تمضي دون أن تثير مشكلات ليست أقل منها خطرا، ولا أذكر تدبير هذه الحروب التي ~~اتصلت في الشرق والغرب، ورعاية الجيوش المحاربة في كثير من العناية بها، والإشفاق ~~عليها، والحرص الدائم على ألا يتعرض الجنود لما يشغلهم عن الحرب، أو لما يجعل الحرب ~~عليهم ثقلا مضاعفا، وإنما أذكر مشكلات أخرى كانت تنشأ عن الانتصار في الميادين، فقد ~~كانت الجيوش المنتصرة تظفر بالغنائم الهائلة التي لا سبيل إلى وصفها لا من جهة كثرتها ~~ولا من جهة قيمتها، حتى حين نقدر أن الرواة قد أسرفوا في أمرها. # وكان أمر الله في الغنائم ينفذ في دقة أي دقة، فكانت أخماسها الأربعة تقسم على ~~الجنود على النظام الذي شرع للمسلمين أيام النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان القادة يتفلون أصحاب ~~البلاء من الجنود، وكان خمس الغنائم يرسل إلى عمر، ثم يتعقد الأمر بعد ذلك، فإن ~~الجنود لم يكونوا يظفرون بالغنائم المنقولة التي يمكن أن تقسم ويرسل خمسها إلى ~~أمير المؤمنين، وإنما كانوا يظفرون بالأرض ويفرضون الجزية على الذين يؤثرون البقاء على ~~دينهم من المغلوبين. # وقد أصر عمر ألا تقسم الأرض، وإنما تترك لأهلها يعملون فيها ويعيشون ~~ويؤدون عنها الخراج، فكان عمر إذن يتلقى أخماس الغنائم كلما انتصر جيش من جيوشه، ~~وكان يتلقى الخراج على الأرض التي يعيش عليها المعاهدون، وكان يتلقى الجزية التي ~~فرضت على من لم يسلم من المغلوبين، فكان المال الذي يرد عليه أكثر جدا مما كان ~~يتوقع، ومما ms096 كان العرب يظنون أنه سيساق إليهم في يوم من الأيام، وكانت الأخماس ترد ~~على أبي بكر - رحمه الله - في حروب الردة، وفي بدء الفتح كانت سياسته فيها ساذجة كل ~~السذاجة يسيرة كل اليسر، كان يحفظ منها ما يؤدي به حق الله من أخماس الغنائم، كما ~~بينه في الآية الكريمة من سورة الأنفال: # واعلموا أنما ~~غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله ~~وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان والله على كل شيء قدير ~~. # ويقسم سائرها على المسلمين قسمة سواء، لا يفرق بين الناس مهما تختلف منازلهم، وكان ~~يسوي في هذه القسمة بين الأحرار والأرقاء، وكانت الأخماس التي ترد إلى أبي بكر لا ~~تكاد تذكر بالقياس إلى ما كان يرد إلى عمر من الشام ومصر، ومن العراق وأرض الفرس. وقد ~~ظهرت له المشكلة خطيرة كل الخطورة حين كثرت الأخماس من جهة، وحين جاء ما كان يجبى من ~~الجزية والخراج من جهة أخرى. كان هذا المال أكثر من أن يقسم على الناس، وكان تقسيمه ~~خطرا، كان نوعا من السرف، وكان مغريا للناس بالكسل والاتكال والاعتماد على حظوظهم ~~من الأخماس والجزية والخراج. # وقد شغل عمر بهذه المشكلة واهتم لها، ولاسيما بعد أن دخل سعد بن أبي وقاص وجيشه ~~المدائن عاصمة الفرس وأرسلوا إليه خمس ما غنموا في هذه المدينة، وقد استشار عمر أصحاب ~~النبي في أمر هذا المال، فأما علي - رحمه الله - فأشار عليه بأن يقسم في كل عام ما ~~يجتمع له من المال ولا يمسك منه شيئا. ومعنى ذلك أنه كان يرى أن يسير عمر سيرة أبي ~~بكر، فيقسم كل ما يصل إليه ويترك بيت المال فارغا. # وأما عثمان - رحمه الله - فقال: أرى مالا كثيرا يسع الناس، إن لم يحصوا، فيعرف من ~~أخذ ممن لم يأخذ، خشيت أن ينتشر الأمر. ومعنى ذلك أن عثمان أراد أن ينظم تقسيم المال ~~بحيث لا يأخذ بعض الناس ويحرم بعضهم. وما أرى أن عثمان ms097 كان يريد أن يمسك عمر في بيت ~~المال قليلا أو كثيرا، وإنما كان يريد أن يقسم المال بين الناس على نحو لا يوفر المال ~~لبعضهم ويقصر عن بعضهم الآخر. # وقد كان في رأي عثمان شيء من الدقة والجدة معا؛ فإحصاء الناس في نفسه لون من النظام ~~لم يعرفه العرب من قبل، وهو بعد ذلك جدير أن يمكن أمير المؤمنين من أن يضع المال في حقه ~~ويطمئن إلى أنه لم يمنعه أحدا من الناس. # ولكن رجلا من قريش، ومن ذوي قرابة عمر، وهو الوليد بن هشام بن المغيرة أشار بالرأي ~~الصواب حقا، وكان رأيه أول تقليد لغير العرب، فقد قال لعمر: إني قد جئت الشام، فرأيت ~~ملوكه قد دونوا ديوانا، وجندوا جنودا، فدون ديوانا، وجند جنودا. وقد أخذ ~~عمر برأي الوليد بن هشام، فكلف ثلاثة من قريش، هم: عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، ~~وجبير بن مطعم. وكانوا من نساب قريش، أن يكتبوا الناس على قبائلهم، وأن يبدءوا ببني ~~هاشم لقرابتهم من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # ومعنى الرأي الذي أشار إليه الوليد بن هشام ألا يقسم المال على الناس لغير غرض ~~معروف، وإنما ينفق لغرض جدير أن ينفق فيه. وهذا الغرض هو تجنيد الجنود، فإذا جند ~~الجنود وجب على أمير المؤمنين أن يعطيهم أعطياتهم من هذا المال، وأن يترك لهم حقهم من ~~الغنيمة بعد ذلك. والجنود لم يكونوا يعيشون قبل تجنيدهم منفردين، وإنما كانوا يعيشون في ~~أسرهم، لهم أبناؤهم وآباؤهم وإخوتهم، ولا بد من أن يمكن هؤلاء الذين تركهم الجنود ~~للجهاد في سبيل الله من الحياة، فلهم إذن حقهم في العطاء. فإذا أعطي الجند، وأعطيت ~~أسرهم، وأعطي الذين يحتاجون إلى المال ما يقوم بحاجتهم، وبقي بعد ذلك شيء عند ~~الخليفة، فيجب عليه أن يمسكه في بيت المال عدة لما يحدث من الأحداث، ولما قد يحتاج ~~إليه المسلمون من المعونة في أوقات الشدة والضيق. # فاقتراح الوليد بن هشام إذن لا ينظم قسمة المال فحسب، وإنما يجعل فيه للجند حقا ms098 إلى ~~ما يكتسبون بأنفسهم من الغنائم، ويقوم بأمر أسرهم، ويغني من احتاج من المسلمين، ويدخر ~~في بيت المال ما يكون عدة للأحداث حين تحدث وللنوائب حين تنوب. # وكان تنظيم عمر للعطاء بعد أن كتب له الديوان لا يخلو من طرافة، لم يسو بين الناس ~~في أعطياتهم وإنما جعلهم طبقات وأنزل كل طبقة منزلتها. وقد لوحظ شيء من هذا فيما أصدر ~~من أمر إلى كتاب الديوان بأن يبدءوا ببني هاشم، ثم بالأقرب فالأقرب من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد رأيت آنفا ما فعل حين جعل كتاب الديوان بني تيم رهط أبي بكر في إثر ~~بني هاشم، وبني عدي رهط عمر في إثر بني تيم، فأبى عمر، وقال: ضعوا عمر حيث وضعه ~~الله. # ومن المحقق فيما أرى أنه لم يؤخر نفسه وقومه فحسب، وإنما أخر بني تيم رهط أبي ~~بكر أيضا إلى موضعهم من قرابة النبي، على أنه في تنظيم العطاء نظر إلى القرابة من ~~رسول الله بالقياس إلى بعض الناس، ففضل أقرب الناس إلى النبي على سائر بني هاشم، ثم ~~رتب الناس في العطاء على قدمهم وسابقتهم في الإسلام، وعلى بلائهم في الإسلام أيضا، ~~وعلى قراءتهم للقرآن؛ ففرض للذين هاجروا قبل فتح مكة ثلاثة آلاف لكل واحد، منهم: ~~أحرارهم وعتقائهم، وفرض للذين شهدوا بدرا خمسة آلاف درهم في العام، وللذين هاجروا إلى ~~الحبشة والذين شهدوا أحدا أربعة آلاف، ولمن شهد الأحداث من أبناء المهاجرين ~~والبدريين ثلاثة آلاف إلا الحسن والحسين رحمهما الله، ففرض لهما مثل ما فرض لأبيهما ~~خمسة آلاف لكل واحد منهما. # وفضل أسامة بن زيد على أترابه من أبناء المهاجرين، ففرض له أربعة آلاف، وقد كلمه في ~~ذلك ابنه عبد الله، فقال: فرضت لي ثلاثة آلاف ولأسامة بن زيد أربعة آلاف؟ فقال عمر: ~~فضلته لأنه كان أحب إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # منك، ولأن أباه كان أحب إلى رسول الله من ~~أبيك. وفرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف، فعارض في ذلك محمد بن عبد ms099 الله بن جحش، وقال: ~~لم تفضل ابن أبي سلمة علينا، وقد هاجر آباؤنا وشهدوا المشاهد؟! فقال عمر: أفضله ~~لمكانه من النبي # صلى الله عليه وسلم # فليأت الذي يستعتب بأم مثل أم سلمة أعتبه. وفضل العباس بن ~~عبد المطلب، ففرض له خمسة آلاف درهم، وفضل أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم # على الناس جميعا؛ ~~ففرض لكل واحدة منهن اثني عشر ألف درهم. # ثم أنزل الناس بعد ذلك منازل؛ ففرض لكثير منهم ألفين وخمسمائة، ولآخرين ألفين ألفين. ~~ثم جعل ينزل الناس منازلهم حتى كان آخر عطاء فرضه ثلاثمائة درهم لم ينقص أحدا من ~~هذا، وفرض لكل طفل فطيم مائة درهم، فإذا ترعرع زاد عطاءه إلى مائتين، فإذا بلغ وضعه في ~~منزلة أمثاله. على أنه غير نظام العطاء بالقياس إلى الأطفال حين رأى امرأة تعجل ابنها ~~عن الفطام، فروعه ذلك ترويعا شديدا حتى صلى صلاة الصبح غداة تلك الليلة التي رأى ~~فيها هذه المرأة وطفلها، وما يستبين صوته من البكاء، فلما فرغ من صلاته قال: يا بؤسي ~~لعمر! كم قتل من أبناء المسلمين! ثم أمر المنادين فنادوا في الناس ألا لا تعجلوا ~~أبناءكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام، وكتب بذلك إلى عماله في الأقاليم؛ ~~ومعنى ذلك أن الطفل كان يأخذ وليه عطاءه منذ يولد ولا ينتظر به الفطام. وجعل للقيط ~~مائة درهم يأخذها وليه ويدخرها له، وجعل رضاعه ورزقه من بيت المال يصيب وليه حق ذلك ~~في كل شهر، فإذا ترعرع اللقيط زيد عطاؤه، وكان شأنه شأن أطفال المسلمين. # وقد فرض عمر لنساء أرامل عطاء، فجعل لصفية بنت عبد المطلب ألف درهم، ولأسماء بنت عميس ~~زوج أبي بكر ألف درهم، ولأم عبد الله بن مسعود ألف درهم. # وكان عمر يعطي الناس أعطياتهم بنفسه في المدينة، وكان يحمل ديوان القبائل القريبة من ~~المدينة والبعيدة عنها قليلا، فيسعى به إليها، ويعطي الناس، ويعطي النساء أعطياتهن في ~~أيديهن، ويأمر عماله أن يعطوا الناس على النظام الذي وضعه، لا يمنع العطاء إلا عن ~~الأرقاء ms100 الذين لم يعتقوا، وأي رقيق حرر فعطاؤه كعطاء مولاه. # هذا هو النظام الذي فرضه عمر للعطاء، رواه الرواة على نحو ما صورناه لك، ولا أشك في ~~أنه يحتاج إلى بعض التحقيق، ولكن النصوص تعوزنا مع الأسف الشديد. # 10 # ونظام العطاء هذا كما فرضه عمر جديد من جميع نواحيه، لا نعرف أن أمة من الأمم التي ~~سبقت العرب إلى الحضارة عرفته أو عرفت شيئا قريبا منه، وإنما نعرف أن بعض الأمم ~~القديمة كانت تستأجر الجنود للحرب ولا تحرمهم نصيبا من الغنائم قليلا أو كثيرا، ~~ونعرف أن بعض الحكومات القديمة كانت تقطع الجنود أجزاء من الأرض إذا تقدمت بهم السن ~~يعيشون من غلاتها؛ فأما أن تكفل الدولة رزق المسلمين جميعا على هذا النحو فلسنا ~~نعرفه في التاريخ القديم، وما أظن أن الحضارة الحديثة وفقت إليه. # وكل ما وصلت إليه الحضارة الحديثة في بعض البلاد، ووصلت إليه بأخرة، إنما هو التأمين ~~الاجتماعي الذي تؤخذ نفقاته من الناس لترد عليهم بعد ذلك، حين يحتاجون في بعض ~~الأمر إلى العلاج حين يمرضون، وإلى كفالة الحياة للشيوخ والضعفاء والعاجزين عن العمل ~~لكسب القوت، وتأمين العمال من أخطار العمل، وتأمين الذين يخدمون الدولة والهيئة ~~الاجتماعية على رزقهم حين تنقضي خدمتهم، فأما أن يكون لكل فرد من أفراد الأمة نصيب ~~مقسوم من خزانة الدولة فشيء لم يعرف إلا منذ عمر رحمه الله. # على أن سياسة عمر هذه لم تتصل بعد وفاته إلا شطرا من حياة عثمان، ثم عدل عن هذا ~~النظام حين أنكر الناس على عثمان كثرة ما كان يعطي بعض الناس، وقد دفعهم ذلك إلى أن ~~يلحوا على عثمان - رحمه الله - في إلغاء العطاء وقصره على الجند، ولم يستثنوا من ~~ذلك إلا الشيوخ من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. وذلك واضح؛ لأن أصحاب النبي شهدوا المشاهد ~~معه، وقاتلوا المرتدين، وشارك كثير منهم في الفتوح. # وقد اضطر عثمان إلى أن يستجيب للمعارضين، ويعلن في بعض خطبه إلغاء العطاء لغير أصحاب ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # والجند، وكان ms101 الذين اعترضوا على عثمان يقولون حين ألحوا عليه: إنما هذا ~~المال لمن قاتل عليه. وقد فصلنا ذلك في غير هذا الحديث. # 11 # على أن الحضارة الحديثة أتاحت لبعض الأمم أن تجعل الدولة للأطفال فيها رزقا منذ ~~يولدون، وذلك حين يقل عدد المواليد وتتعرض الأمة للنقصان والضعف عن الدفاع إذا دهمتها ~~الخطوب؛ فالدولة لا ترزق الأطفال لأن رزقهم واجب، وإنما ترزقهم وتشجع الناس على ~~الإكثار من الولد؛ لأنها محتاجة إلى الشباب الذين ينهضون بالخدمة العامة في فروع الحياة ~~على اختلافها، ويدافعون عن الوطن حين يتعرض للخطر، ولا كذلك ما فعل عمر رحمه الله، ~~إنما فرض العطاء للأطفال؛ لأنه كان يرى ذلك حقا لهم. # ظن أول الأمر أن حقهم يبدأ منذ يفطمون، فلما رأى أن بعض الناس يعجلون فطام ~~أطفالهم آذاه ذلك أشد الإيذاء، وأفزعه أعظم الفزع؛ ففرض للأطفال عطاءهم منذ يولدون ~~كما قدمنا آنفا. # ونظام اللقطاء عند عمر طريف أيضا، وما أعرف أن الدول الحديثة تعنى بهم على نحو ما ~~كان يعنى بهم عمر رحمه الله، وإنما تقوم بأمرهم جماعات منظمة، بعضها دينية، وبعضها ~~حرة تعينها الدولة، ولم تعرف الدول الحديثة المتحضرة أن لهؤلاء اللقطاء حقا معلوما ~~من خزانة الدولة، ينفق عليهم بعضه ويدخر لهم بعضه الآخر حتى إذا رشدوا وجدوا ~~أمامهم شيئا يتكئون عليه، كما كان عمر يقول ذلك إلى ما كان يفرض لهم من العطاء حين ~~يرشدون. # ولذلك ابتكر عمر لونا من النظام الاجتماعي قوامه تأمين الناس على حياتهم من بيت ~~المال، وكان عمر يؤمن إيمانا قويا لأنه لا يعطي الناس هذه الأعطيات تبرعا منه لهم ~~أو تفضلا منه عليهم، وإنما كان يرى أن لهم حقا من كل ما يجبى إلى بيت المال، سواء ~~أقل هذا الحق أم كثر، وكان يقول: والذي نفسي بيده ما من واحد من المسلمين إلا وله ~~في هذا المال حقه، أعطيه أو منعه. وكان يقول كذلك: والله لئن عشت ليأتين الراعي ~~حقه من هذا المال قبل أن يحمر وجهه في طلبه. يريد أنه كان ms102 حريصا على أن يصل العطاء ~~إلى أصحابه، من قرب منهم ومن بعد، دون أن يسعوا إليه ليطلبوه، فضلا عن أن يتكلفوا ~~الجهد في هذا السعي. # ومن الناس من ظن أن عمر حين أنزل الناس منازلهم من العطاء، فأكثر عطاء بعضهم وأقل ~~عطاء بعضهم الآخر، وجعل حقهم في بيت المال درجات بعضها فوق بعض؛ أنه كان يؤثر نظام ~~الطبقات. وهذا خطأ كل الخطأ، فلم يكن عمر يؤثر نظام الطبقات، ولا يفضل بعض الناس على ~~بعض، ولو قد فعل لخالف عن نظام الإسلام خلافا شنيعا، وقد كان عمر آخر من يجرؤ على ~~المخالفة عن أمر الله الذي جعل الناس سواء لا يتفاضلون إلا بالتقوى، والذي كان ينتصف من ~~الغني للفقير، ومن القوي للضعيف، ومن أقل الناس خطرا من العمال والأمراء؛ ليس هو الذي ~~يقال فيه إنه كان يؤثر نظام الطبقات، ولكن ما كان يرد إلى بيت المال من الخراج ~~والجزية والأخماس كان أقل من أن يسع المسلمين كلهم على سواء؛ فكان يفضل بعضهم على ~~بعض بالقدم في الإسلام وبالسابقة وحسن البلاء، وكان يفضل قرابة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ ~~لأنه كان يؤمن إيمانا عميقا بأن العرب إنما شرفت بالنبي، وبأن أقاربه الأدنين أحق ~~بالفضيلة من غيرهم، وكان يقدم الذين آسوا رسول الله بأنفسهم شاركوه فيما لقي من الشدة ~~والجهد والضيق، وقاتلوا أعداءه وأعداء الإسلام، على الذين كادوا للنبي وقاتلوه ولم ~~يستجيبوا للإسلام إلا كارهين، حين لم يكن لهم من الاستجابة بد، وكان مع ذلك يقول: لئن ~~كثر المال لأزيدن الناس في العطاء. وكان يقول أيضا: لئن كثر المال لألحقن آخر الناس ~~بأولهم. وكان يريد أن يجعل لكل مسلم أربعة آلاف درهم؛ ألفا لفرسه وبغله، وألفا ~~لسلاحه، وألفا لأهله، وألفا لنفقته. ولكن الموت أعجله عن ذلك، وكان يقول: لئن زاد ~~المال لأعدنه لهم عدا، فإن أعياني لأكيلنه لهم كيلا، فإن أعياني لأحسونه لهم ~~بغير حساب. # وما كان لعمر أن يسوي في العطاء بين من قاتل على الإسلام ناشرا له ومدافعا عنه، ~~ومن أقام ms103 هادئا في عافية لا يقاتل ولا يتعرض لخطر. وما كان له أن يسوي بين من عاشر ~~النبي وأبلى معه في سبيل الله وبين من لم يلق النبي وإنما أسلم بأخرة أو أسلم بعد وفاة ~~النبي، وما كان له كذلك أن يسوي بين الذين أقاموا على إسلامهم لم يخالفوا عنه ولم ~~يخرجوا منه وبين الذين أسلموا ثم كفروا ثم عادوا إلى الإسلام بقوة السيف ~~والسنان. # كل ذلك لم يكن عمر يستطيعه، والمال أقل من أن يسع الناس جميعا على السواء، وما ~~أراه كان يفعله لو كثر المال، وإنما كان يريد أن يجعل الناس سواء دون أن ينزل بأصحاب ~~السابقة والبلاء عن منازلهم. كان يرى تمييز هؤلاء حقا عليه؛ لأنهم أتقى الناس وأئمتهم ~~ومعلموهم؛ عنهم يؤخذ الدين، وبسيرتهم يقتدي عامة الناس. وحياة هؤلاء الأئمة من أصحاب ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # محدودة بآجالهم، فإذا اختارهم الله لجواره تمت المساواة بين الناس ولم ~~يميز أحد من أحد، ولم يفضل إنسان على إنسان. # ذلك كله لو حافظ الخلفاء بعد عمر على سياسته وعلى النظام الذي وضعه، فكيف ولم ينقض ~~على وفاة عمر إلا قليل من الوقت حتى ظهرت الأثرة، واستبق الناس إلى الغنى، وفضل ~~بعضهم على بعض في منازلهم من الخلفاء، ورأى الخلفاء أن من حقهم أن يأخذوا من بيت المال ~~ما شاءوا، يؤثرون به أنفسهم ويحبون به أحب الناس إليهم؟! # وقد أنكر شيء من ذلك على عثمان نفسه رحمه الله؛ أعطى مروان بن الحكم مرة فأسرف، ~~وبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فلم يقره، وإنما وثب فأخذ هذا المال من مروان وقسمه ~~بين الفقراء في المدينة، فلما جاء معاوية ظن أنه خليفة الله في الأرض، وأن مال الله ~~ماله يصنع به ما يشاء، ويضعه حيث أحب، وقد حارب عليا - رحمه الله - بالمال، فكان ~~يشتري بعض أصحابه بالجوائز الضخمة. ومعاوية قد لقي النبي وصحبه، فكيف بمن جاء بعده من ~~الخلفاء الذين لم يلقوا النبي ولم يصحبوه؟! أولئك هم الذين ميزوا بعض الناس من بعض، ms104 ~~وفضلوا بعض الناس على بعض، وجعلوا الناس طبقات. فأما عمر فلم يفكر في شيء من ذلك ولم ~~يمل إليه؛ كانت طبيعته تأبى عليه ذلك؛ لأنه كان أحرص الناس على الاقتداء بالنبي # صلى الله عليه وسلم # ما استطاع إلى الاقتداء به سبيلا، وكان أخوف الناس لله وأشدهم خشية لحسابه ، ~~وكان من أجل ذلك يكثر أن يقول: وددت لو أني خرجت منها كفافا لا علي ولا لي. فأخذ صفو ~~الدنيا وترك كدرها، كما كان يقول الحسن البصري رحمه الله. # 12 # ولم يكتف عمر بما فرض للمسلمين من العطاء وما ضمن لهم من الأمن على حياتهم، ولكن ~~المسلمين لم يعرفوا في عصر من عصورهم راعيا كان أرفق برعيته من عمر؛ فقد كان حريصا ~~على ألا يكفل لهم الأمن وحده، وإنما يكفل لهم مع ذلك الدعة والراحة ما استطاع إلى ذلك ~~سبيلا. كان يعد الخيل والإبل ليحمل عليها في سبيل الله، كان يحمل الناس إلى الشام ~~وإلى العراق ليلحقوا بالجند، أو ليكتسبوا حياتهم هناك، وكان يحمل الحاج إلى مكة، وكان ~~إذا أراد أن يحمل رجلا على راحلة أعد له أداة سفره، فلم يعطه الراحلة وحدها وإنما ~~أعطاه كل ما يحتاج إليه. كان يفعل ذلك مما كان يبقى له من أموال الصدقة بعد أن يرد ~~أكثرها على فقراء العرب، ومما كان يرد إليه من أخماس الغنائم؛ إنفاذا لآية الصدقات من ~~سورة التوبة ولآية الغنائم من سورة الأنفال. # وكان لا يقف عند ذلك، وإنما كان يتفقد الناس في المدينة وما حولها، يقوم بحاجة ذوي ~~الحاجات منهم، يفعل ذلك بنفسه في النهار وفي الليل، ويأمر عماله أن يفعلوا ذلك، ويخاف ~~كل الخوف أن يقصر العمال في إنفاذ أمره، ولم يكن يخشى شيئا كما كان يخشى أن يكون ~~لأحد من أهل الأمصار حاجة لا يقوم بها عماله ولا يستطيع صاحب الحاجة أن يصل إليه ليقوم ~~بها وأن يسأله الله عن ذلك، وكان يقول: لو أن جملا هلك ضياعا على شاطئ الفرات لخشيت ~~أن يسألني الله عنه. وكان إذا ms105 أصاب الجرب بعيرا من إبل الصدقة وضع يده على موضع الداء ~~منه وقال: إني لأخشى أن يسألني الله عما بك. وكان يعد إبل الصدقة بنفسه، ورآه مرة من ~~رآه وقد وقف في حر الشمس يعد هذه الإبل، ومعه علي وعثمان؛ يقول لعلي، ويملي علي على ~~عثمان، فيكتب عثمان ما يملى عليه؛ فقال علي لعثمان: إن هذا لكما؛ قالت بنت شعيب ~~لأبيها في موسى: # يا أبت استأجره إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين ~~. # ويقول الرواة: إن عمر أول من عس في المدينة ليلا، فكان إذا تقدم الليل خرج فطوف ~~في المدينة مرة وحده، ومرة مع أحد مواليه، وله في هذا العسس طرائف تثير الابتسام وتثير ~~الإعجاب معا؛ كان يعس ليلة فسمع امرأة تقول: # هل من سبيل إلى خمر فأشربها # أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج؟! # فلما أصبح سأل عن نصر بن حجاج، فأنبئ بأنه رجل من سليم، فأمر بإحضاره، فلما نظر ~~إليه رأى رجلا من أحسن الناس وجها وأجملهم شعرا، فأمره أن يقص شعره، فلما عاد إليه ~~رآه قد ازداد حسنا، فأمره أن يعتم، فلما رآه بعد ذلك إذا العمامة قد زادته ~~جمالا، فأقسم عمر لا يساكنه هذا الرجل أبدا؛ فأمر له بما يصلحه وسيره إلى البصرة ~~جنديا. # وعس ليلة أخرى، فسمع نسوة يتحدثن ويتساءلن: أي أهل المدينة أصبح؟ قالت إحداهن: أبو ~~ذئب. فلما أصبح سأل عن أبي ذئب هذا، فقيل له: رجل من سليم. فدعا به، فلما رآه، رآه ~~رجلا جميلا، فقال: أنت ذئبهن؟! يعيدها ثلاثا، ثم أمره بمثل ما أمر به صاحبه؛ فلم ~~يزدد إلا حسنا؛ فأقسم لا يساكنه في بلد هو به، قال الرجل: فإن كنت مسيري فألحقني ~~بابن عمي، يريد نصر بن حجاج، فأمر له بما يصلحه، وألحقه بابن عمه في البصرة. # وعس ليلة أخرى حتى كاد يبلغ ظاهر المدينة، فرأى رجلا قد جلس منفردا أمام بيت له ~~وبين يديه مصباح، فاستأذن عمر، ثم دنا من الرجل، فسلم عليه، ثم سأله: ما جلوسك ها هنا ~~منفردا ms106 وقد تقدم الليل؟ ثم لم يلبث عمر أن سمع شكاة داخل البيت، وأنبأه الرجل أن ~~امرأته قد جاءها المخاض، وأنها وحدها، وأنه لا يقدر لها على شيء، فانصرف عمر عن الرجل ~~مسرعا حتى دخل على زوجه أم كلثوم، فقال لها: هل لك في خير ساقه الله إليك؟ قالت: وما ~~ذاك؟ قال: امرأة جاءها المخاض وليس لها من يعينها. فأسرعت زوجه فخرجت معه، حتى إذا بلغ ~~ذلك الرجل، دخلت أم كلثوم على المرأة، فما زالت تعينها حتى وضعت غلاما، قالت أم ~~كلثوم: يا أمير المؤمنين، بشر صاحبك بغلام. قال الرجل: أصلحك الله! لم لم تنبئني ~~بأنك أمير المؤمنين؟ وأصبح عمر، فأرسل إلى هذا الرجل وأهله ما يعينهم ويصلحهم. # وعس ليلة أخرى، فرأى رجلا من أهل المدينة جالسا على شراب له، فانصرف عنه وقد ~~عرفه، فلما أصبح دعاه، فقال له: أليس قد نهاك الله عن الخمر؟! قال الرجل: بلى. قال عمر: ~~فما شراب كنت جالسا عليه البارحة؟! قال الرجل: من أنبأك بذلك؟ قال عمر: أنا رأيتك. قال ~~الرجل: ألم ينهك الله عن التجسس يا أمير المؤمنين؟! فسكت عمر، واستغفر ~~الله. # ولم يكن عمر رفيقا بالمسلمين في المدينة وحدها، ولكنه كان رفيقا بالقريب منه ~~والبعيد عنه، حريصا على أن يعرف أمر المسلمين في الأمصار، ولا يقدم عليه قادم إلا سأله ~~عن الناس فأكثر السؤال، ثم لم يكن يكفيه أن يرفق بالمسلمين في حاضرهم الذي يعيشون فيه، ~~وإنما كان يفكر في مستقبل أيامهم وينصح لهم في أمرهم كله بعد أن يفارقهم إلى جوار ~~ربه. # قدم عليه يوما خالد بن عرفطة من العراق، فسأله عمن وراءه، فقال: يا أمير المؤمنين، ~~تركت من ورائي يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم؛ ما وطئ أحد القادسية إلا عطاؤه ~~ألفان أو خمس عشرة مائة، وما من مولود يولد إلا ألحق على مائة وجريبين كل شهر ~~ذكرا كان أو أنثى، وما يبلغ لنا ذكر إلا ألحق على خمسمائة أو ستمائة، فإذا خرج ~~هذا لأهل بيت منهم من يأكل ms107 الطعام ومنهم من لا يأكل الطعام، فما ظنك به؟! فإنه لينفقه ~~فيما ينبغي وفيما لا ينبغي. قال عمر: فالله المستعان، إنما هو حقهم أعطوه، وأنا أسعد ~~بأدائه إليهم منهم بأخذه، فلا تحمدني عليه، فإنه لو كان من مال الخطاب ما أعطيتموه، ~~ولكني قد علمت أن فيه فضلا فلا ينبغي أن أحبسه عنهم، فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ~~العريب ابتاع منه غنما فجعلها بسوادهم، ثم إذا خرج العطاء الثانية ابتاع الرأس فجعله ~~فيها، فإني - ويحك يا خالد بن عرفطة - أخاف عليكم أن يليكم بعدي ولاة لا يعد ~~العطاء في زمانهم مالا، فإن بقي أحد منهم أو أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه ~~فيتكئون عليه؛ فإن نصيحتي لك وأنت عندي جالس كنصيحتي لمن هو بأقصى ثغر من ثغور ~~المسلمين؛ وذلك لما طوقني الله من أمرهم؛ قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من مات غاشا ~~لرعيته لم يرح رائحة الجنة.» # وكان رفقه بالقريب والبعيد من المسلمين وفاء بما أعطى على نفسه من العهد يوم ولي ~~الخلافة، فقد أنبأ في خطبته التي خطبها بعد أن فرغ من دفن أبي بكر - رحمه الله - بأن ما ~~حضره من أمر المسلمين باشره بنفسه ولا يباشره أحد دونه، وما غاب عنه من أمرهم ولاه ~~أهل الأمانة والكفاية، فإن أحسن هؤلاء الولاة زادهم إحسانا وإن أساءوا نكل بهم، فلم ~~يغير طول خلافته من ذلك العهد شيئا. # وكتب يوما إلى بعض عماله أن أعط الناس أعطياتهم، فكتب إليه عامله ذاك: إنا ~~قد أعطيانهم وبقي شيء كثير. فكتب إليه عمر: إن هذا الفضل الذي بقي عندك إنما هو فيئهم ~~الذي أفاء الله عليهم ليس هو لعمر، ولا لآل عمر؛ فاقسمه بينهم. # 13 # وهذا الرفق، وهذا الحرص على أداء الحق إلى أهله، هما اللذان جعلاه شديدا كل الشدة ~~على ولاته؛ فكان لا يولي منهم أحدا إلا كتب ماله قبل أن يذهب إلى عمله، فإن رآه قد زاد ~~على هذا المال قاسمه هذه الزيادة، وقد رأيت تشديده في ms108 حساب خالد بن الوليد بعد عزله، ~~وقد قاسم جماعة من ولاته أموالهم بعد عزلهم، وكان شديد المراقبة لهم أثناء ولايتهم، ولم ~~تكن تأتيه شكوى من أحد من الرعية إلا حققها. # وكان يرسل بعض أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # لتحقيق ما يبلغه من شكاة الناس؛ أرسل محمد بن ~~مسلمة - رحمه الله - وأمره بالتفتيش الدقيق على عمرو بن العاص في مصر، وأرسله إلى ~~الكوفة حين بلغه أن واليها سعد بن أبي وقاص - رحمه الله - قد اتخذ لدار الإمارة بابا، ~~وكان عمر يتقدم إلى عماله دائما في ألا يتخذوا أبوابا لدورهم تمنع الناس من الدخول ~~إليهم في حاجاتهم، فلما بلغه أن سعدا قد اتخذ لقصر الإمارة بابا يريحه من ضوضاء السوق ~~أرسل محمد بن مسلمة، وأمره إذا بلغ الكوفة أن يعمد إلى هذا الباب فيحرقه قبل أن يكلم ~~سعدا أو يسمع منه؛ ففعل ذلك ابن مسلمة. # وزعم الرواة أن سعدا أراد أن يعطي بن مسلمة شيئا من مال فأبى عليه، وعاد إلى عمر ~~فأنبأه بما فعل. وشكا بعض الناس من سعد وغلوا في شكواهم، فأرسل محمد بن مسلمة مرة أخرى، ~~وأمره أن يسأل الناس مستقصيا عن سيرة سعد فيهم، فذهب محمد بن مسلمة إلى الكوفة، فسأل ~~الناس أفرادا وجماعات، فلم يسمع إلا ثناء على سعد إلا نفرا زعموا أنه لا يحسن يصلي؛ ~~فعزله عمر، فلما بلغ المدينة سأله عمر: كيف كنت تصلي؟ قال سعد: كنت أطيل في الأوليين ~~وأقصر في الأخريين. قال عمر: ذلك الظن بك يا أبا اسحاق. وقاسمه ماله مع ذلك، فلما طعن ~~أوصى الخليفة من بعده أن يولي سعدا فإنه لم يعزله عن عجز ولا عن خيانة. # وكان لا يمل من أن يقول لأهل المدينة ولمن ورد عليه من أهل الأمصار: إني لم أرسل ~~عمالي ليضربوا أبشار الناس ولا ليظلموهم، وإنما أرسلتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة ~~نبيهم، ويقسموا بينهم فيئهم، ويقيموا أمرهم كله على العدل. وكان كثيرا ما يتقدم إلى ~~عماله في ألا يضربوا المسلمين فيذلوهم، ولا يحرموهم فيكفروهم، ms109 ولا ينزلوهم الغياض ~~فيضيعوهم. وكان لا يرى أحدا من بعض جيوشه إلا سأله عن أمره كله وعن أمر الجند وعن سيرة ~~قوادهم فيهم، وكان يكره أن يطيل العرب مقامهم فيما يفتح عليهم من المدن مخافة أن ~~يتأثروا بهذه الحياة الحضرية التي لم يألفوها. # 14 # ورأى بعض أفراد الجيش الذي فتحت عليه المدائن، فلاحظ تغير ألوانهم، فسألهم عما ~~غير ألوانهم؛ فقالوا: وخامة البلاد وطعام لم نألفه. فكتب إلى سعد: إن العرب لا تصلح ~~إلا على ما تصلح عليه إبلها، فارتد لهم مكانا بريا بحريا؛ فأنزلهم به. # فيقول الرواة: إن سعدا أرسل من يرتاد له أرضا على ما وصف عمر، فجاءه رواده وقد ~~اختاروا له المكان الذي بنيت فيه مدينة الكوفة. # وبمثل ما أمر سعدا أمر عتبة بن غزوان - رحمه الله - فاختار له المكان الذي بنيت ~~فيه مدينة البصرة، وأنزل جنود المسلمين المحاربين للفرس في هاتين المدينتين على أن ~~تكونا معسكرين للمسلمين يقيم كل جند في معسكره، وتخرج من هذا المعسكر بعوث لحرب العدو، ~~ونظم أمر هذه البعوث تنظيما دقيقا؛ فكانت الجنود لا تجمر، والتجمير هو أن يغيب ~~الجندي عن معسكره أكثر من ستة أشهر. وكان هذا هو الذي حمل عمر على أن ينظم الأقاليم ~~أو الأمصار بلغة ذلك العصر، فجعل دولته أمصارا، وهي: الكوفة، والبصرة، والشام، ~~والجزيرة، والموصل، ومصر، واليمن، والبحرين. # وكان يرسل الوالي على كل مصر ويقسم الأمصار الكبيرة إلى الكور، فيكون أمر المصر ~~وما فيه من الكور إلى الوالي الذي أرسله، ويكون أمر الكور بكل مصر إلى واليه، يختار لها ~~العمال مستقلا بذلك أحيانا، وعن أمر عمر أحيانا أخرى، وكان عمال الكور يقيمون ~~الأحكام في كورهم، ويجبون ما يفرض على أرضها من خراج، وما يفرض على الذميين من ~~جزية. وقد نظم عمر أمر الجزية تنظيما دقيقا لا يخرج الولاة والعمال عنه، فجعل على ~~كل غني من الذميين ثمانية وأربعين درهما في كل عام، وعلى الرجل من أوساط الناس أربعة ~~وعشرين درهما، وعلى الفقير اثني عشر درهما، وقال: لا يعجز ms110 الرجل منهم درهم في كل ~~شهر. # وأكبر الظن أنه أجرى خراج الأرض على مثل ما كان يجري عليه في عهد الفرس والروم قبل ~~الفتح، فكان عمال الكور يجبون هذه الأموال، ويرسلونها إلى ولاة الأمصار، وكان ولاة ~~الأمصار يعطون منها الناس أعطياتهم، وينفقون منها فيما ينوبهم، ويرسلون ما بقي إلى عمر ~~كما يرسلون إليه أخماس الغنائم، ومن كل ما كان يصل إلى عمر من هذه الأموال ومما يبقى له ~~من أموال الصدقة كان يعطي الأعطيات وينفق فيما ينوبه من أمور المسلمين. # وعلى هذا النظام أقام عمر نظام الدولة التي فتحت عليه، وكان يجعل إلى جانب كل وال ~~رجلا آخر يتولى أمر بيت المال في المصر؛ فكان له إذن ولاة يقيمون للناس صلاتهم، ~~ويعطونهم أعطياتهم، ويدبرون لهم أمورهم، وعمال يقومون على بيت المال يتلقون ما يجبى ~~في الكور، ويعطون الوالي ما يؤدي منه إلى الناس أعطياتهم، وما يحتاج إليه من نفقة فيما ~~ينوبه، ثم يؤدون إلى عمر ما بقي من المال وحساب ما أنفق منه، فكان عمر إذن عالما ~~بموارد الدولة ومصادرها، لا يغيب عنها من أمر هذا المال شيء، وكان أصحاب بيوت الأموال ~~حراصا أشد الحرص على الدقة كل الدقة في أمر ما عندهم من الأموال وفي أداء حسابها إلى ~~أمير المؤمنين، بحيث يستطيع عمر أن يقف على كل شيء وأن يحاسب الولاة على ما أنفقوا وعلى ~~ما اكتسبوا. # وكان على ذلك يحج الناس في كل موسم ما عدا السنة الأولى لخلافته؛ فإنه ولى فيها عبد ~~الرحمن بن عوف - رحمه الله - الحج بالناس، وكان إذا خرج للحج تقدم إلى ولاته في أن ~~يوافوه كل على رأس من يحج من مصره، فكان ذلك يتيح لعمر أن يلقى الولاة ويلقى وفود ~~الرعية، فيسأل الولاة عن رعيتهم ويسأل الرعية عن ولاتهم، وكان يقص أفراد الرعية من ~~الولاة إذا ظلموهم أو مسوهم بأذى، وقد كلمه عمرو بن العاص في ذلك، وقال له: أتقص من ~~الوالي إذا أدب رجلا من رعيته؟! قال عمر: أجل، وما لي ms111 لا أفعل وقد رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقص من نفسه؟! # وكان كثيرا ما يقول للرعية: أيما رجل مسه عامله بأذى فليرفع ذلك إلي أقصصه من ~~واليه. # وكذلك أقام هذا الرجل العربي الذي لم يعرف الحضارات الأجنبية معرفة مفصلة ولا دقيقة ~~نظام الدولة على نحو يكفل منافع الناس، ويكفل لهم العدل والإنصاف، ملائما بين ما ~~أتيح له من الرأي في شئون الحكم للبلاد الأجنبية المفتوحة وبين أصول الإسلام، لا ~~ينحرف عنها قيد شعرة، ولا يمس مصالح الناس قليلا ولا كثيرا، وكان حريصا أشد الحرص ~~وأقواه على إنصاف المغلوبين الذين لم يدخلوا في الإسلام إنصافا كاملا، يأخذ منهم ~~الجزية والخراج بالقسط والمعروف، ثم يلح على ولاته من إنصافهم دائما مذكرا لهم بأنهم ~~ذمة الله ورسوله، قد أعطاهم المسلمون عهدا أن يؤدوا إليهم العدل والحق كله وأن يحموهم ~~من كل عاد عليهم إذا أدوا ما عليهم من الحقوق. # والله - عز وجل - يأمر المسلمين أن يفوا بالعهود إذا عاهدوا، فقال في سورة النحل: # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ~~إن الله يعلم ما تفعلون ~~. # ولم ينس عمر الذميين حين أوصى المسلمين بعد أن أحس الموت، فأوصاهم بأهل الذمة وألح ~~في وصيتهم. # على أن عمر لم يجعل إلى الولاة وحدهم إجراء العدل بين الناس، وإنما أرسل القضاة إلى ~~الأمصار ليجروا أحكام الله بين الناس، غير متأثرين إلا بكتاب الله وسنة رسوله، فإن ~~لم يجدوا في الكتاب ولا في السنة نصا اجتهدوا رأيهم وتحروا العدل ما استطاعوا إلى ذلك ~~سبيلا. ولم يكن القضاة يخضعون للولاة في شيء، وإنما كان عمر هو الذي يختارهم، فإذا ~~اختارهم وكلفهم أمر القضاء ليس لأحد عليهم سلطان إلا سلطان الله - عز وجل - بمقتضى ما ~~أوحى إلى نبيه من الكتاب وما ألهمه من السنن. # 15 # وأقبل عام الرمادة في أعقاب سنة ثماني عشرة بعد أن صدر الناس من الحج، فأصاب العرب في ~~الحجاز وتهامة ونجد جدب شديد، وانقطع عنهم الغيث ms112 وكان قوام حياتهم، واتصل ذلك تسعة ~~أشهر؛ فاسودت الأرض حتى صارت كالرماد؛ فسمي العام عام الرمادة من أجل ذلك. # وفي هذه المحنة التي امتحن بها المسلمون ظهرت شخصية عمر واضحة كأوضح ما تظهر ~~الشخصيات، ظهر حزمه ومضاؤه، وظهر بنوع خاص صبره على الكوارث واحتماله للشدائد وقيامه ~~على أمور الناس في جد؛ فقد اهتم لأمر المسلمين ما وسعه أن يهتم به، وشغل نفسه بهذا ~~الأمر نهاره وليله، فحصر تفكيره أو كاد يحصره فيه. # كان يجد في أمر الناس نهاره، فإذا صلى العشاء الآخرة دخل بيته، فصلى ما شاء الله له ~~أن يصلي ثم نام قليلا، ثم استيقظ قبل آخر الليل، فخرج يمشي حتى يأتي منازل الأعراب حول ~~المدينة، فيتفقد أمر هؤلاء الأعراب الذين أقبلوا من كل وجه حين اشتد عليهم الضيق، ~~فنزلوا حول المدينة يلتمسون الرزق. # وكان عمر يطوف في منازلهم في آخر الليل، فإن أحس من أهل بيت شكاة أو ضيقا بالجوع ~~أو الظمأ أو بالحاجة تعرض لهم أسرع إلى إصلاح ما يجدون. وكثيرا ما كان يخرج ومعه ~~مولى له - وهما يحملان الدقيق والزيت - فإن أحس جوعا في أهل بيت أعطاهم ما يصلحهم، ~~وربما صنع لهم طعامهم بنفسه، ثم إذا قضى من ذلك أربا عاد فصلى صلاة الفجر، ثم جد في ~~أمر الناس نهاره. # وقد اشتد الجدب على الناس فأرسل إلى عماله يستعجلهم إرسال الطعام والثياب، ويقول ~~بعض الرواة إنه كتب إلى عمرو بن العاص بمصر، ويروون نص ~~كتابه: # بسم الله الرحمن ~~الرحيم # من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاصي بن ~~العاصي # أما بعد؛ فتراني هالكا ومن قبلي وتعيش أنت ومن قبلك، فياغوثاه! يا غوثاه! يا ~~غوثاه! # ويروون أن عمرو بن العاص كتب إليه يستمهله وينبئه بأنه سيرسل إليه عيرا أولها في ~~المدينة وآخرها في مصر، يريد أنه يرسل إليه طعاما كثيرا. # ولكن رواة آخرين يقولون: إن مصر لم تكن قد فتحت عام الرمادة، وإنما فتحت سنة ~~عشرين، وإذن فلم يكتب عمر إلى ابن العاص بمصر ولم ترسل مصر ms113 إليه شيئا. # وابن سعد يكرر في روايته أن عمر قد كتب إلى عمرو بن العاص بمصر، وأن عمرا أرسل إليه ~~الطعام في البر والبحر. # ويقول ابن سعد: إن عمر بن الخطاب كان أول من حمل الطعام في البحر من مصر، وأرجح أنا ~~ما رواه ابن سعد عن الواقدي وشيوخه. # والشيء الذي ليس فيه شك أن ولاة عمر على الأمصار قد أرسلوا إليه طعاما كثيرا، ~~فكلف رجالا يستقبلون ما يأتي من الطعام حين يصل إلى جزيرة العرب، ثم يميلون به إلى ~~أهل البادية فينحرون لهم الإبل ويعطونهم الدقيق ويكسونهم العباء، يؤدون إلى كل حي ~~منهم بقدر حاجاتهم، وبحيث يستطيعون أن يفعلوا ذلك بكل من مروا بهم من أهل ~~البادية. # وكان عمر ينحر الجزر في كل يوم، ويرسل منادين ينادون في الناس أن من أراد أن يصيب من ~~الطعام فليأت، ومن أراد أن يأخذ حاجته وحاجة أهله فليفعل. # وكان له رجال يقومون على إنضاج اللحم، فإذا أتموا ذلك ثردوا للناس الثريد ووضعوا ~~عليه من الزيت بعد طبخه، فكان يأكل من طعام عمر في كل يوم ألوف كثيرة من الناس، وآخرون ~~كانوا يحملون منه ما يكفيهم ويكفي عيالهم. # وكان عمر لا يؤثر نفسه بشيء من الخير، وإنما يأكل مع الناس، وقد جاء وقت حرم عمر ~~فيه على نفسه اللحم والسمن واللبن، وفرض على نفسه الزيت يأكله مصبحا وممسيا ومعه شيء ~~من الخبز. # ويقال إنه أحس حر هذا الزيت، فقال لمولاه: اكسر عني حره بالنار، فطبخ له الزيت، ~~فكان أشد عليه، وكان بطنه يتقرقر عنه، فكان ينقر بطنه بإصبعه ويقول: تقرقر تقرقرك، فليس ~~لك عندنا إلا الزيت حتي يحيا الناس. # وربما تقرقر بطنه فنقره بإصبعه، وقال: لتمرنن على الزيت حتى يحيا الناس. # وكان شديدا على أهل بيته دائما، ولكن شدته عليهم زادت عام الرمادة، فكان لا يسمح ~~لأحد منهم بأن يوسع على نفسه في طعام أو شراب والناس من حولهم جياع، وكان شديد الغم لما ~~أصاب الناس، حتى كان أصحابه يخافون على حياته لشدة ms114 غمه واهتمامه بأمر المسلمين. # وقد تغير لون عمر فاسود بعد بياض لكثرة ما أكل من الزيت، ولكثرة ما أخذ نفسه به ~~من الجوع. # وكان كثيرا ما يسأل الله في خوف وجزع ألا يجعل هلاك أمة محمد على يديه. # ويقال إنه جلس ذات يوم على المنبر، فوعظ الناس ودعاهم إلى أن يتقوا الله ويصلحوا ~~قلوبهم، ثم أنبأهم بأن ما أصابهم من المحل إنما هو آية سخط الله! وما يدري أكان هذا ~~السخط على المسلمين من دونه أم كان عليه من دون المسلمين، أم كان سخطا قد عمهم جميعا. ~~وكان كثيرا ما يقول للناس: استغفروا ربكم ثم توبوا إليه. # ويقول ابن سعد: إن عمر خرج بالناس مستسقيا. ولكن ابن سعد كغيره من الرواة يخلط أمر ~~هذا الاستسقاء بشيئين. # أحدهما: لا أدري إلى أي حد يصح، وهو أن رجلا من أهل المدينة ذبح شاة لبنيه بعد إلحاح ~~منهم في ذلك عليه، فلم يجد إلا جلدا وعظما. فقال: وامحمداه! فرأى فيما يرى النائم ~~أنه بين يدي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأن النبي أمره أن يأتي عمر، فيقرأ عليه السلام، ويقول له: ~~الكيس الكيس. فلما أصبح الرجل فعل ما أمره النبي به. # فيقول ابن سعد عن شيوخه: إن عمر خرج وجلا، فجلس على المنبر وأقبل الناس عليه، ~~فسألهم: هل يأخذونه بشيء أم هل ينكرون من عمله شيئا؟ قال الناس: لا. قال عمر: فإن ~~فلانا أنبأني بكذا وكذا. فقال بعض الناس: إنما أمرك رسول الله أن تستسقي. فأزمع ~~الاستسقاء في يوم عينه وكتب به إلى عماله وأمرهم أن يصنعوا صنيعه في هذا ~~اليوم. # والشيء الثاني: أن عمر خرج في اليوم الذي اختاره للاستسقاء، وخرج الناس معه إلى ~~المصلى، فصلى بالناس صلاة الاستسقاء، ثم استغفر الله وعج إليه بالدعاء، وعج الناس معه، ~~ثم أخذ بيد العباس بن عبد المطلب، وقال وهو يبكي والناس من حوله يبكون: اللهم إنا ~~نستشفع إليك بعم نبيك. # قال الرواة جميعا: فما هي إلا أيام حتى أرسل الله الغيث. # ولست أدري إلى ms115 أي حد تثبت قصة الرجل الذي رأى النبي وتلقى منه رسالة أبلغها عمر، ~~ولكني أقطع بأن قصة التوسل بالعباس بن عبد المطلب كذبة تقرب بها الرواة إلى بني ~~العباس، وما كان عمر ليستشفع بأحد. # والأمر المحقق أن عمر قد استسقى، وأن الله قد أرسل الغيث بعد استسقائه بأيام قليلة أو ~~كثيرة، وأن عمر حين رأى الناس قد سقوا وكل بالأعراب رجالا يخرجونهم من المدينة، وكان ~~هو يشارك في إخراجهم إلى البادية بعد أن سقاهم الله وآمنهم من الجدب. # وقد وقف عمر الزكاة عام الرمادة فلم يرسل السعاة إلى القبائل، فلما كان من قابل أرسل ~~السعاة وأمرهم أن يأخذوا الصدقة مضاعفة، وأن يقسموا نصفها بين فقراء القبائل ويأتوه ~~ينصفها الآخر. # فكل هذا يصور لك عمر في أصدق صورة وأروعها، يصور لك شدة عنايته بالمسلمين ~~واهتمامه لأمرهم، وقيامه من دونهم يحميهم من الجوع، ويصور لك شدته على نفسه وأخذها ~~بما تكره، لا لأنه كان ضيق اليد ولكن لأنه كان يكره أن يشبع والناس جياع، وأن ينعم ~~والناس بائسون، ذلك على ما كان قد أخذ نفسه به أيام الخصب والسعة من الزهد في الدنيا ~~والانصراف عن طيباتها. # وفي ذلك العام كان عمر يكثر أن يقول كلمة تصور إيمانه بالعدل الخالص والمساواة ~~الكاملة بين الناس، كان يكثر أن يقول: نطعم ما وجدنا الطعام، فإذا لم نجد أدخلنا على كل ~~أهل بيت عدتهم فشاركوهم في طعامهم فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم. # ومعنى ذلك أنه كان يريد إذا عجز بيت المال عن إطعام الناس، أن يفرض على الأغنياء أن ~~يقاسموا الفقراء ما يجدون من الطعام حتى لا يشبع فريق من المسلمين ويجوع فريق ~~آخر. # وما أعرف أن المسلمين رأوا خليفة أو ملكا سار فيهم هذه السيرة أو سيرة تقاربها، بل ~~ما أعرف من أمة من الأمم قديمها وحديثها رأت ملكا أو أميرا يسير في الناس سيرة عمر ~~فيمن عاصره من المسلمين والذميين على السواء. # 16 # ولم يكن عمر في أثناء خلافته معنيا بشئون الناس يدبر ms116 لهم أمر دنياهم فحسب، ولكنه ~~كان معنيا بهم يعلمهم شئون دينهم في المدينة، يخرج بين وقت وآخر من بيته فيجلس على ~~المنبر، ويتسامع الناس بمجلسه ذاك في المدينة ما قرب منها وما بعد؛ فيسرعون إلى المسجد ~~مهتمين لذلك، فيعلمهم عمر من شئون دينهم ما شاء الله أن يعلمهم. # وكان رجلا يحب أن يكون علميا - كما يقال - فلم يكن يعلمهم الدين خالصا، وإنما ~~كان يعلمهم الدين ويبين لهم كيف يلائمون بينه وبين حياتهم اليومية، وكيف يطابقون بينه ~~وبين ما يأتون من الأمر وما يدعون، يفسر لهم آيات من القرآن الكريم تتصل بحياتهم ~~العامة، ويعظهم في أثناء ذلك، ويبين لهم كيف يؤدبون نفوسهم بأدب الدين فيؤثرون في القول ~~والعمل ما يرضي الله، يهتدون في ذلك بهدي القرآن وبهدي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وكان يرسل الأمراء إلى الأمصار على أن يقيموا للناس صلاتهم ويعلموهم شرائع دينهم، ~~ويمضوا فيهم بالعدل، ويسيروا فيهم سيرة صالحة ملائمة للدين أشد الملاءمة وأدقها، وربما ~~أرسل مع الأمراء رجالا من أصحاب النبي يقرئون الناس القرآن ويعظونهم ويعلمونهم ~~الدين. # ولم يكتف عمر بذلك وإنما كان يرعى شئون الدين كلها في دقة كما كان يرعى شئون الدنيا، ~~ورعايته هذه لشئون الدين قد حملته على أن يبتكر أشياء لم يكن للمسلمين بها عهد أيام ~~النبي ولا أيام أبي بكر، فهو الذي أخذ الناس بقيام رمضان بعد أن تصلي العشاء؛ فسن لهم ~~صلاة التراويح، لم يقصر هذا على الرجال وحدهم وإنما سنه للنساء أيضا، وجعل للرجال ~~قارئا يصلي بهم في صلاة التراويح هذه، وجعل للنساء قارئا يصلي بهن هذه الصلاة، وكتب ~~بذلك إلى الآفاق لتكون هذه الصلاة عامة بين المسلمين. # واشتد في عقاب الذين يشربون الخمر؛ ففرض لشرب الخمر حدا لم يكن معروفا قبله، فالله ~~حرم الخمر في القرآن الكريم، ولكنه لم يفرض على شاربها عقابا في الدنيا، وإنما ترك ذلك ~~لما ادخر للمخالفين عن أمره ونهيه من العقاب يوم القيامة. # ولم يحاول أبو بكر - رحمه الله - أن يزيد على ما كان ms117 النبي # صلى الله عليه وسلم # يفعله، ولكن عمر ~~رأى أن المسلمين ينساحون في الأرض ويمضون في الفتوح، وأشفق أن يغريهم بعدهم عن مركز ~~الخلافة بالتهاون في رعاية ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه. # ورأى المال يكثر في المدينة والرزق يتسع للناس، فأشفق أن يستجيب الناس لغرائزهم ~~وطبائعهم، وأن يعود بعضهم إلى ما كانوا فيه قبل الإسلام من شرب الخمر والإدمان عليها، ~~فاشتد في ذلك إلى أقصى غايات الشدة، وشاور المسلمين فيما يجب أن يفرض على شارب الخمر من ~~عقاب. # فيقول الرواة: إن عليا أشار عليه بأن يأخذ شارب الخمر بعقوبة القاذف فيضربه ثمانين ~~جلدة؛ لأنه إذا شرب سكر، وإذا سكر كان حريا أن يفتري. فأخذ عمر بهذا الرأي وأنفذه في ~~المدينة، وكتب إلى ولاته بإنفاذ هذا الرأي في الأمصار. # ويتحدث الرواة بأن نفرا من المسلمين الذين شاركوا في فتح الشام، ودخلوا دمشق فيمن ~~دخلها من الجند مع أبي عبيدة، فقد فتنتهم الحياة في دمشق فشربوا الخمر، فكتب فيهم أبو ~~عبيدة إلى عمر، فكان جواب عمر أن كلف أبا عبيدة سؤال هؤلاء النفر أمام جماعة المسلمين ~~في المسجد: أيرون الخمر حلالا أم حراما؟! فإن رأوها حلالا فليضرب أعناقهم؛ لأنهم ~~استحلوا ما حرم الله، وإن رأوها حراما أقام عليهم الحد فضرب كل واحد منهم ثمانين ~~جلدة. # ولم يكن الحد يقام على الناس سرا أو يستخفى به، وإنما كان يقام بمشهد من ~~المسلمين. # فلما سأل أبو عبيدة هؤلاء النفر عن الخمر: أيرونها حلالا أم حراما؟ قالوا: نراها ~~حراما؛ فأقام عليهم الحد بمشهد من المسلمين، وكان في هؤلاء النفر رجل من أشراف قريش ~~ومن الذين أسلموا قبل الفتح وفتنوا في دينهم، وهو أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فلما ~~أقيم عليه الحد انكسرت نفسه، واستخزى، فجلس في داره واحتجب عن الناس، فكتب أبو عبيدة ~~في شأنه إلى عمر، وطلب إليه أن يكتب إلى أبي جندل معزيا له عما أصابه وفاتحا له بابا ~~إلى الأمل. # قال الرواة: فكتب إليه عمر يعزيه ويعظه وينهاه ms118 عن القنوط من رحمة الله، ويذكره قول ~~الله عز وجل: # قل يا عبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم ~~. # فلما قرأ أبو جندل هذا الكتاب سري عنه وخرج للناس وشهد جماعة المسلمين. # وقصة عمر مع ابنه عبد الرحمن الأوسط أبي شحمة معروفة رائعة حقا، تصدق ما كان عمر ~~يوصف به من أنه لم يكن يخاف في الله لومة لائم؛ فالرواة يتحدثون أن ابنه هذا كان ~~بمصر، وأنه شرب الخمر مع صاحب له، ثم ندما، فأقبلا إلى عمرو بن العاص يطلبان إليه أن ~~يطهرهما بإقامة الحد عليهما، وكره عمرو أن يقيم الحد على ابن أمير المؤمنين بمشهد من ~~الناس فضربه في صحن داره. وبلغ ذلك عمر، ولم تكن أنباء الأمراء تخفى على عمر، فكتب إلى ~~عمرو يعنفه أشد التعنيف، ويأمره أن يرسل إليه ابنه على قتب؛ ليكون السفر أشق عليه. ~~فأطاع عمرو، وكتب إلى الخليفة يعتذر إليه، ويؤكد له أنه أقام الحد على ابنه حيث يقيم ~~الحدود في صحن داره، ولكن عمر لم يقبل منه، ولم يعتد بالحد الذي أقامه، وإنما انتظر ~~الفتى حتى إذا بلغ المدينة وجيء به إليه مريضا مكدودا، لم يحفل بمرضه ولا بما لقي في ~~سفره من العناء، وإنما أقام الحد عليه فورا بمحضر من جماعة المسلمين، وقد استغاثه ~~الفتى فلم يلتفت إليه، وقال له الفتى: إنك قاتلي. فلم يعبأ بما قال، وإنما مضى في ضرب ~~الفتى ضربا مبرحا. # فيقول الرواة: إنه حين رأى ابنه مشرفا على الموت لم يزد على أن قال له: إذا لقيت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فأنبئه أن أباك يقيم الحدود. # ومات ابنه فلم يظهر حزنا عليه. # ولم يكن عمر يكتفي بإقامة الحدود على الذين يشربون الخمر، وإنما كان يتتبع الذين ~~يبيعونها فيعاقبهم أشد العقاب، فيقال: إنه أحرق بيت رجل من ثقيف - يقال له رشيد - ونفى ~~الرجل إلى خيبر، فهرب إلى بلاد الروم وتنصر هناك. # وكان يتتبع أهل الريب ms119 جميعا لا أصحاب الخمر وحدهم، فيقال: إن صحيفة وقعت في يده وكان ~~فيها شعر لرجل من الجند المحاربين أوله: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا # فدى لك من أخي ثقة إزاري # وفي هذا الشعر يشكو ذلك الجندي من رجل من بني سليم - يقال له جعدة - تعود أن ~~يلم بنساء الجند المحاربين، فلما قرأ عمر الصحيفة أمر أن يبحث له عن جعدة السلمي ~~هذا، وأن يؤتى به، فلما جيء به ضربه مائة جلدة ونهاه أن يدخل على النساء اللاتي غاب ~~عنهن أزواجهن. # وكذلك كان عمر شديدا في دين الله منذ ولي الخلافة إلى أن توفي رحمه الله. # 17 # وليس على عمر - رحمه الله - بأس مما ابتكر من صلاة التراويح في رمضان، ومن إقامة الحد ~~على شرب الخمر، بل له في ذلك الفضل كل الفضل، وما أشك في أن الله قد رضي عن ذلك وادخر ~~من أجله لعمر مثوبة عظيمة، إلى ما كان قد أعد له من المثوبة على حسن بلائه في الإسلام، ~~وحسن صحبته للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وصدق نصحه لأبي بكر رحمه الله، ولعنايته بأمور المسلمين ~~وحدبه عليهم ورفقه بهم، وحسن الرعاية لفقرائهم وأغنيائهم على السواء، وما فتح للمسلمين ~~من أبواب لنشر الإسلام في آفاق واسعة لم يكن قد بلغها أيام النبي # صلى الله عليه وسلم # وأيام أبي ~~بكر. # إنما يكره الله من الأئمة أن يبتدعوا في سياسة الناس ما لا يلائم أصول الإسلام، وأن ~~يهملوا من أمور الدين قليلا أو كثيرا، وأن ينظروا إلى أنفسهم أكثر مما ينظرون إلى ~~رعيتهم من المسلمين والمعاهدين. # فكيف بعمر قد وفر للمسلمين الرخاء، وبلغ أقصى الرفق بالذميين، وكان شديد الحرص على أن ~~يحيا أولئك وهؤلاء حياة رضية، فيها سعة ويسر، دون أن يكون فيها سرف أو مخالفة عما أمر ~~الله. # والله - عز وجل - قد أمر نبيه # صلى الله عليه وسلم # بقيام الليل، فقال في سورة المزمل: # يا أيها المزمل * قم الليل إلا ~~قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * ~~أو زد عليه ورتل القرآن ms120 ترتيلا ~~. # فعمر لم يسن للمسلمين حين سن لهم صلاة التراويح في رمضان إلا قليلا مما طلب الله ~~إلى رسوله، فهو إذن ملائم للقرآن أشد الملاءمة وأقواها. # ويقول المحدثون: إن النبي # صلى الله عليه وسلم # قام ليلة في المسجد، وتسامع الناس بذلك؛ فجعلوا ~~يسرعون إلى المسجد ليشهدوا مع النبي صلاته تلك، فلما كان من غد قام النبي في المسجد ~~قيامه البارحة فكثر الناس، ثم ما زالوا يكثرون بعد ذلك حتى اكتظ بهم المسجد، فلما رأى ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # منهم ذلك لم يخرج للناس في الليل بعد صلاة العشاء واكتفى بالقيام في ~~بيته، فلما سأله الناس عن ذلك قال: «خشيت أن تفرض عليكم وألا تطيقوا ذلك.» # فعمر إذن لم يزد على أن عاد إلى شيء ضئيل من سنة النبي # صلى الله عليه وسلم # في رمضان، والله - عز ~~وجل - قد حرم الخمر في القرآن واشتد في تحريمها، واستجاب الناس لله والنبي حين تلي ~~عليهم ما في القرآن من تحريم الخمر، ولكنهم بعد وفاة النبي، وبعيد العهد قليلا ~~بهذه الوفاة، جعل بعضهم يستجيب لغريزته، وجعل الناس يتعللون بالعلل والمعاذير التي لا ~~تستقيم، فأي بأس على عمر أن يقوم دونهم ليمنعهم من معصية الله، والخلاف عن أمره ما ~~استطاع إلى ذلك سبيلا؟! ومن حق الإمام أن يؤدب الرعية إذا انحرفت عن الدين قليلا أو ~~كثيرا، وعمر مع ذلك لم يستبد بفرض هذا الحد، وإنما استشار فيه أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # من ~~المهاجرين والأنصار، فلم ينكروا عليه ذلك، وأشار عليه علي - رحمه الله - بضرب شارب ~~الخمر ثمانين، كما رأيت آنفا. # وقصة أبي محجن الثقفي معروفة، حين قال شعرا يذكر فيه الخمر وحبه لها وحرصه على أن ~~يذوقها حيا وميتا، وكان في هذا الشعر: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة # تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني بالفلاة فإنني # أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # وكان في القادسية حين قال هذا الشعر، فلما سمع سعد بن أبي وقاص - رحمه الله - هذا ~~الشعر وضع ms121 رجليه في القيد وحبسه في القصر، ثم كانت وقعة شديدة من وقعات القادسية، فطلب ~~أبو محجن إلى سعد أن يطلقه ليشهد الوقعة، فأبى عليه سعد وزجره، فلما كان بعد قليل طلب ~~إلى سلمى بنت خصفة - زوج سعد - أن تضع عنه قيده وتعيره فرسا لسعد - تسمى البلقاء ~~- وأعطاها عهدا على نفسه على أن يعود بعد انتهاء الموقعة إن سلم فيضع رجليه في القيد، ~~فأبت سلمى وكرهت أن تخالف عن أمر زوجها، فسكت أبو محجن ساعة، ثم أنشد هذه ~~الأبيات: # كفى حزنا أن تردي الخيل # 2 # بالقنا # وأترك مشدودا علي وثاقيا # إذا قمت عناني الحديد وأغلقت # مصارع دون قد تصم المناديا # وقد كنت ذا مال كثير وإخوة # فقد تركوني واحدا لا أخا ليا # ولله عهد لا أخيس # 3 # بعهده # لئن فرجت ألا أزور الحوانيا # فلما سمعت هذا الشعر سلمى رقت له وقبلت عهده وأطلقته، وأعارته البلقاء، فخرج وشهد ~~القتال وأبلى فيه أحسن البلاء. # قال الرواة: وكان سعد يرى فرسه في الميدان فيعجب لذلك، فلما انتهت الوقعة عاد أبو ~~محجن فرد الفرس ووضع رجليه في القيد، وأنبأت سلمى بذلك سعدا، فعفا عنه، وأعطى أبو محجن ~~لله عهدا ألا يذكر الخمر في شعر بعد. # ولم أذكر هذه القصة لأقف عند بطولة أبي محجن وحسن بلائه، فقد كان أمثاله من المسلمين ~~كثيرين في تلك الحرب، وإنما أذكرها لأن سعدا حبس هذا الشاعر لذكره الخمر على ذلك النحو ~~في شعره. # وأكبر الظن أن أبا محجن لم يشرب خمرا في تلك الموقعة، وإنما ذكر عهده في الجاهلية ~~فأحس حنينا إلى الخمر، فقال ما قال، وكره ذلك سعد مخافة أن يؤثر شعره هذا في غيره ~~من المسلمين في موقف لم يكن موقف حنين إلى الخمر أو غير الخمر، وإنما كان موقف حرب أي ~~حرب. # فلم يكن بد لعمر إذن من أن يعاقب على شرب الخمر وعلى بيعها، وأمير المؤمنين بعد ذلك ~~مكلف أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعمد إلى التعذير إذا لم يكن من التعذير ~~بد. # لم ms122 يقف عمر عندما قدمنا من العناية بالدين والرعاية له، ولكنه تجاوز ذلك إلى أشياء ~~أخرى، فمن عنايته بالدين ورعايته له أنه أنشأ نظام القضاء وعممه في الأمصار، ولم يجعل ~~للمدينة قاضيا، وإنما كان هو الذي يقضي في شئون المختصمين، وكان إذا جاءه الخصمان برك ~~على ركبتيه، وقال: اللهم أعني عليهما؛ فإن كلا منهما يريدني عن ديني . # وهو أيضا عمم نظام المعلمين يرسلهم إلى الأمصار ليقرئوا الناس القرآن ويعلموهم ~~شرائع دينهم، ولم يكن عمر في ذلك مبتكرا؛ فقد كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يرسل بعض أصحابه إلى ~~القبائل بعد إسلامها ليقرئوهم القرآن ويعلموهم أصول الدين، ولكن فضل عمر في أنه عمم ~~هذا النظام وأرسل المعلمين إلى الأمصار؛ ليزيدوا المسلمين علما بدينهم ويعظوهم ~~ويقرئوهم القرآن. # وهدم عمر مسجد النبي # صلى الله عليه وسلم # ووسع رقعته، لما كثر الناس في المدينة، وألقى فيه الحصى ~~ليكون ذلك أرفق بالناس، وكان المسلمون إذا فرغوا من صلاتهم نفضوا أيديهم وأزالوا التراب ~~عن جباههم، فألقى عمر الحصا في المسجد ليجنبهم ذلك. # وهو رد المقام في المسجد الحرام إلى مكانه الآن، وكان قبل ذلك ملصقا بالبيت، وكان ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # يريد أن يفعل ذلك، ولكنه رأى أن قريشا حديثة عهد بالإسلام فلم يفعل، ~~فأتم عمر ما أراده النبي. # وكان عمر إذا عرضت له المشكلة نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه حلا لهذه المشكلة قضى ~~به غير متردد، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن وجد فيها الحل ~~قضى به غير متردد أيضا، وإن لم يجد اجتهد رأيه وقضى بما فيه مصلحة للمسلمين، وكان ~~كثيرا ما يستشير أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # عسى أن يكون عند بعضهم حديث من سنة النبي، أو ~~عسى أن يشير عليه بعضهم برأي فيه الخير والنصح للمسلمين، وكان يأمر الولاة والقضاة أن ~~يصنعوا صنيعه، وألا يجتهد أحد منهم رأيه إلا بعد أن يستقصي القرآن والسنة، ولا يجد ~~فيهما ما يقضي به؛ ms123 هنالك يجتهد ويستشير. # وكان عمر يتحرج من رواية الحديث عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وربما كان عنده بعض الحديث ~~فأعرض عن روايته مخافة أن يزيد فيه أو ينقص منه، وكان إذا جاءه الرجل بالحديث عن النبي ~~لم يقبله منه إلا إذا جاءه برجل آخر يروي هذا الحديث كما رواه. # وربما جاءه الرجل بالحديث فأمره أن يأتي برجل آخر أو يوجعه ضربا، وكان يكره أن يكثر ~~الناس الحديث عن النبي، وينذر المكثرين بالعقوبة، وقد أنذر أبا هريرة بالضرب والنفي إلى ~~بلاده التي جاء منها؛ لأنه كان يكثر الحديث، فلما نهاه عمر كف عن رواية الحديث ولم يعد ~~إليها إلا بعد وفاة عمر. # وكان عمر أول من أخذ الدرة يؤدب بها الناس إن جاروا عن القصد قليلا أو كثيرا، لا ~~يفرق في ذلك بين كبار الصحابة وغيرهم من الناس. وقد ضرب سعد بن أبي وقاص بالدرة حين جلس ~~يوما يقسم بين المسلمين مالا، وأقبل سعد وجعل يزاحم الناس حتى وصل إليه، فعلاه بالدرة ~~وقال: إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأردت أن أعلمك أن سلطان الله لن ~~يهابك. # وكان يأخذ الدرة ويمشي في المدينة وفي سوقها خاصة ليرى كيف يبيع الناس وكيف يشترون، ~~فإن رأى من أحد شيئا يكرهه ضربه بالدرة. # ورأى مرة رجلا يزحم الطريق، فضربه بالدرة، وقال: أمط عن الطريق. فلما حال الحول ~~وأقبل موسم الحج لقي عمر ذلك الرجل، فقال له: تريد الحج؟ قال الرجل: نعم يا أمير ~~المؤمنين. فأعطاه نفقة حجه، ثم قال له: أتدري لم أعطيتك هذا؟ قال الرجل: لا. قال عمر: ~~إنما ذلك بالضربة التي ضربتك في الطريق. قال الرجل: والله يا أمير المؤمنين ما ذكرتها ~~إلا حين ذكرتني بها. # وقد هم عمر أن يكتب السنة؛ فاستخار الله في ذلك شهرا ثم عدل عنه، وقال: ذكرت ~~قوما كتبوا كتابا فأقبلوا عليه ونسوا كتاب الله. وإذا دل هذا على شيء فإنما يدل بنحو ~~خاص على تردد عمر في رواية الحديث، فكيف بكتابة ما حفظ ms124 هو، وما حفظ الناس من حديث ~~النبي؟! وكل هذا يصور احتياط عمر للدين وشدة حرصه على ألا يعرضه لشيء من الشك أو ~~الخطأ. # 18 # على أن خلافة عمر كلها قد قامت على الدين في إجمالها وتفصيلها، فلم يعرف المسلمون بعد ~~عمر خليفة أو ملكا كان يحضر نفسه ذكر الله في كل وقت من أوقات حياته، وكان أول ما يفكر ~~في شيء إنما يفكر في ملاءمته - رضى الله - وبعده عن سخطه، وما أعرف أن عمر قضى ساعة من ~~حياته يقظا لم يشعر فيها بالخوف من الله حين كان يقوم على قول أو عمل، فلم تكن خلافته ~~وحدها قائمة على الدين، وإنما كانت حياته الخاصة أيضا قائمة على ذكر الله والخوف من ~~عذابه، وقد رأيت فيما مضى أنه قال مرة لمن طلب إليه الرفق بنفسه فيما يطعم أو يلبس: ~~سمعت الله - عز وجل - يقول لقوم نعموا بحياتهم الدنيا: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في ~~الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون ~~. # وهو من أجل هذا فرض على نفسه أضيق الحياة، مع أنه لم يكن فقيرا، ومع أن المسلمين ~~جعلوه في حل من أن يأخذ من بيت المال حاجته، وهو لم يفعل ذلك بخلا أو ضنا على نفسه ~~بما كانت تقتضيه الحياة الراضية من المال، وإنما فعله إيثارا لما عند الله في الآخرة ~~على ما في الدنيا من ألوان المتاع. # ومن أجل ذلك أيضا كان لا يولي عاملا من عماله على الأمصار إلا راعى في توليته ~~رضى الله أولا، ومصلحة المسلمين بعد ذلك. # وكان يختار لولاية الأمصار أولي القوة والكفاية، وإن كانوا من الذين أسلموا بأخرة، ~~ويترك الأكابر من أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما كلم في ذلك قال: أكره أن أدنسهم ~~بالعمل. # وهو لم يقل هذا إلا إيثارا للرد الحسن، فأما حقيقة الأمر فهو أنه كان يخاف على أكابر ~~أصحاب النبي من أن يفتتنوا أو يفتنوا الناس؛ ولذلك لم يولهم الأمصار، إذا استثنينا ms125 ~~سعدا حين ولاه حرب الفرس، وأبا عبيدة حين ولاه حرب الشام. # وإنما كان يمنعهم أيضا من الخروج إلى الأمصار مخافة الفتنة عليهم والافتتان بهم، بل ~~كان يمنع قريشا من الانتشار في الأرض مخافة أن تفتنهم الحياة الدنيا. # وقال يوما في بعض خطبه: ألا وإن قريشا يريدون أن يجعلوا مال الله دولة بينهم، أما ~~وابن الخطاب حي فلا ، ألا وإني قائم لهم بحرة المدينة، فآخذ بحجزهم أن يتهافتوا في ~~النار. # وكان بعض أكابر الصحابة يستأذنونه في الخروج للمشاركة في الجهاد، فيأبى عليهم ويقول ~~لمن يستأذنه في ذلك: قد كان لك من الغزو مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما يجزئك. وولى مرة عمار ~~بن ياسر على الكوفة، فشكا أهل الكوفة منه، وكان أهل الكوفة كثيرا ما يشكون من ولاتهم ~~حتى أتعبوا عمر، ولكنهم حين شكوا من عمار رحمه الله، قالوا: إنه لا يعرف ما يلي. فدعاه ~~عمر وسأله عما يلي، فلم يحسن الجواب، فعزله، ثم سأله ذات يوم: أساءك حين عزلتك؟ قال ~~عمار: أما إذ قلت ذلك، فقد ساءني حين وليتني وساءني حين عزلتني. فقال عمر - ما معناه: ~~أردت أن أحقق قول الله عز وجل: # ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم ~~الوارثين ~~. # ومن أجل ذكره لله وخوفه من عذابه ونصحه للمسلمين كان يراقب ولاته أشد المراقبة، ولا ~~يكاد يبلغه شيء من أمرهم يثير في نفسه شكا إلا أرسل من فوره من يحقق ما بلغه ويصلحه، ~~إن كان قد وقع، وربما دعاه ذلك إلى عزل الوالي. # وكان كثيرا ما يردد أنه يخشى أن يظلم بعض ولاته أحدا من الرعية ولا يستطيع المظلوم ~~أن يرفع إليه شكاته، وكان يؤمن بأن أي ظلم يقع من ولاته ثم لا يجد هو في إصلاحه فهو ~~الظالم. # وكان كثيرا ما يقول للرعية إذا رآهم في المدينة أو في موسم الحج: إني لم أرسل عمالي ~~عليكم ليظلموكم أو يضربوا أبشاركم، وإنما أرسلتهم ليعلموكم دينكم ويقسموا فيئكم بينكم، ~~وكان لا يمل التشديد على ms126 ولاته في إنصاف الرعية والرفق بالذميين وحمايتهم من كل ما ~~يسوءهم. # وكان شديد الحرص على صيانة مال المسلمين يصونه من نفسه أولا فلا يأخذ منه إلا قوته ~~وقوت أهله وكسوته حلة في الشتاء وحلة في القيظ، ويصونه من عماله فيراقبهم في إنفاق ~~المال أشد المراقبة وأضيقها، وقد رأيت ما فعله بخالد بن الوليد، والقاعدة التي وضعها ~~لنفسه ، فكان لا يولي عاملا إلا كتب ماله قبل أن يذهب إلى مصره، فإذا عاد معزولا ~~حاسبه، فإن وجد في ماله زيادة غير مقبولة قاسمه ماله. وقد رأيت أنه قاسم سعد بن أبي ~~وقاص حين عزله عن الكوفة، وقاسم أبا هريرة حين عزله عن البحرين، وقاسم غيرهما من ولاته ~~الذين لم يرض عن كسبهم وسيرتهم في المال. # وإذا كان عمر قد عرف بالعدل وضرب به المثل فيه، فإن هذا العدل ليس إلا مظهرا من ~~مظاهر خوفه من الله، وإحضاره نفسه حساب الله عز وجل، وتحرجه من أن يصنع أشياء، لا لشيء ~~إلا لأنه يكره أن يسأله الله عنها يوم القيامة، فلم يكن عمر مثلا في العدل وحده، وإنما ~~كان مثلا في رعاية الدين في جميع أمره صغيره وكبيره. # ومن أجل هذا هابه الناس، حتى يقال بعد وفاته: لدرة عمر أهيب من سيفكم! # 19 # وقد حج عمر سنة ثلاث وعشرين، كما كان يفعل خلافته كلها، إلا السنة التي استخلف ~~فيها؛ فإنه ولى عبد الرحمن بن عوف أمر الحج ذلك العام، وقد أخرج معه للحج أزواج ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ويقال: إنه بعد أن صدر عن الحج جمع في مكان خارج مكة كومة من الحصى، ثم ~~استلقى ووضع رأسه على ذلك الحصى وشبك بين رجليه، وقال: اللهم كبرت سني، ورق عظمي، ~~وخشيت الانتشار من رعيتي؛ فاقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم. # فلما بلغ المدينة لقيه ذات يوم غلام أعجمي للمغيرة بن شعبة، يقال له فيروز ويكنى ~~بأبي لؤلؤة، وكان من سبي نهاوند، فقال له الغلام: إن سيدي المغيرة يفرض علي ضريبة لا ~~أطيقها. قال عمر: ms127 كم يفرض عليك؟ قال الغلام: أربعة دراهم في كل يوم. قال عمر: وماذا ~~تعمل؟ قال الغلام: أنا نجار، حداد، نقاش. قال عمر: ما خراجك بكثير. # فانصرف الغلام مغضبا، ولقيه عمر مرة أخرى وهو في نفر من أصحابه، فدعاه وقال له: ~~بلغني أنك تقول: إنك تستطيع أن تصنع رحى تطحن بالريح! قال الغلام: نعم. قال عمر: فاعمل ~~لنا رحى . قال الغلام: لأعملن لك رحى يتحدث بها أهل الأمصار. فلما انصرف الغلام قال عمر ~~لمن كان معه: أوعدني العبد آنفا. أو قال له بعض من كان معه: أوعدك الغلام آنفا يا ~~أمير المؤمنين. # وخرج عمر ذات صباح حين أذن لصلاة الفجر، وكان لا يبدأ الصلاة إلا بعد أن يأمر ~~الناس بأن يسووا صفوفهم، وكان ينظر في الصف الذي يليه، فإن رأى رجلا متقدما مسه ~~بالدرة ليرجع إلى مكانه من الصف، فلما فعل ذلك واستقبل صلاته طعنه أبو لؤلؤة ثلاث ~~طعنات، وكان مختبئا في بعض زوايا المسجد. # قال الرواة: فلما أحس عمر حر الطعنة بسط يده، وقال: أدركوا الكلب فقد قتلني. ثم سقط ~~إلى الأرض ودمه ينزف؛ فماج الناس، وجعل الغلام يطعن من وليه منهم حتى طعن اثني عشر ~~رجلا غير عمر وألقى عليه رجل ثوبا، فلما عرف الغلام أنه مأخوذ قتل نفسه بخنجره، ~~وأقبل بعض الناس فحملوا عمر إلى داره وهو يقول: وكان أمر الله قدرا مقدورا. # ويقول بعض الرواة: إن عمر حين طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه للصلاة. # ويقول آخرون: إن الناس ماجوا ساعة بعد مصرع عمر، حتى قال قائل: الصلاة عباد الله، فقد ~~طلعت الشمس. فقدموا عبد الرحمن بن عوف، فصلى بهم، وقرأ بأقصر سورتين في القرآن «والعصر» ~~و«إنا أعطيناك الكوثر». # قال الرواة: وأخذت عمر غشية، فلما طالت قال بعض من حضره: فزعوه بالصلاة. فقالوا: ~~الصلاة يا أمير المؤمنين. فأفاق على هذا الدعاء، وقال: الصلاة، نعم ها الله، لا حظ في ~~الإسلام لمن ترك الصلاة، ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى وإن جرحه ليثعب # 4 # دما، ثم قال: ms128 ادعوا لي طبيبا. فلما جاء الطبيب سأله: أي الشراب أحب إليك؟ ~~قال: النبيذ. فسقاه نبيذا، فخرج من بعض جرحه، فاشتبه الناس فيه، وقال بعضهم: هذا صديد ~~الدم، فسقوه لبنا، فخرج اللبن من جرحه لم يتغير لونه، فقال الطبيب: اعهد يا أمير ~~المؤمنين، فما أراك تمسي. # ويقول الرواة: إن عمر أمر ابن عباس أن يخرج فينظر من قتله؛ فخرج ابن عباس فجال في ~~الناس ثم عاد، فقال: قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة! قال عمر: الحمد لله الذي لم ~~يجعل قتلي بيد رجل يحاجني عند الله بسجدة سجدها له. يريد أن قاتله لم يكن ~~مسلما. # ثم قال عمر لابن عباس: اخرج فسل الناس: أكان هذا عن ملأ منه؟ فخرج، ثم عاد إليه، ~~فأنبأه بأن الناس يقولون: والله ما علمنا، ولوددنا أن الله يزيد في عمره من ~~أعمارنا. # ثم قال عمر لابنه عبد الله: اذهب إلى عائشة أم المؤمين فقل لها: إن عمر يستأذنك في أن ~~يدفن مع صاحبيه، فذهب عبد الله بن عمر حتى دخل على عائشة، فوجدها قاعدة تبكي، فلما ~~أبلغها ما قال عمر قالت: لقد كنت اخترته لنفسي ولأوثرنه به اليوم. وعاد عبد الله فأبلغ ~~أباه أن عائشة قد أذنت له فيما أراد؛ فحمد الله عمر وقال: لقد كان هذا أهم شيء ~~إلي. # ثم سئل أن يستخلف، فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من ~~هو خير مني. يريد أن النبي # صلى الله عليه وسلم # لم يستخلف أحدا، وأن أبا بكر - رحمه الله - قد ~~استخلفه هو. # ثم جعل أمر الخلافة شورى بين هؤلاء الستة: علي، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن ~~أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله. وأمر من يدعوهم إليه، فلما جاءوا ~~أمرهم أن يجتمعوا ويختاروا من بينهم رجلا، وأمر أن يحضرهم ابنه عبد الله، وابن عمه ~~سعيد بن زيد بن عمرو على ألا يكون لهما في الأمر شيء. # ثم قال لعلي: يا علي، قد يعرف الناس ms129 لك صهرك وقرابتك من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وما أتاك ~~الله من العلم والفقه، فإن وليت من أمر الناس شيئا فاتق الله. # وقال لعثمان: قد عرف القوم لك سنك وصهرك من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وشرفك، فإن وليت من ~~أمر الناس شيئا فاتق الله، ولا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس. # ثم قال لهم: قوموا عني. فلما قاموا قال: لئن ولوها الأجلح ليحملنهم على الطريق. يريد ~~عليا، فقال له عبد الله ابنه: فما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ فقال: أكره أن أحملها ~~حيا وميتا. # ثم أمر أن يدعى له أبو طلحة الأنصاري، فلما جاء أمره في أن يكون في خمسين رجلا من ~~الأنصار، وأن يجمع هؤلاء الستة في بيت، ويقوم فيمن معه على بابهم حتى يختاروا رجلا ~~منهم، وأجلهم في هذا ثلاثا. # وزعم بعض الرواة أنه أمر أبا طلحة إن أمضوا ثلاثة أيام ولم يختاروا منهم خليفة أن ~~يضرب أعناقهم. # وما أحسب أن هذا يصح، فقد كان عمر أحرص على دماء المسلمين من أن يأمر بقتل ستة من ~~كبار ذوي السابقة من المهاجرين، الذين بشرهم النبي # صلى الله عليه وسلم # بالجنة ومات وهو عنهم ~~راض. # وقد فصلت القول في الشورى في غير هذا الموضع. # وأمر أن يصلي بالناس صهيب أثناء الأيام الثلاثة التي يتشاور فيها الستة، ثم أمر ~~ابنه عبد الله أن يحسب دينه لبيت المال، فحسبه فإذا هو ستة وثمانون ألف درهم، فقال: ~~إذا أنا مت فأدها من مال آل عمر، فإن لم يف بها فسل فيها بني عدي، فإن لم تجد عندهم ~~ما يفي بها فسل في قريش ولا تعدها. وأمر عبد الله أن يضمن هذا المقدار فضمنه. # وأعتقد أنا أن في هذا الدين كل ما أخذ عمر لنفسه من بيت المال لقوته وقوت أهله ~~ولكسوته ولبعض تجارته، وأعتقد ذلك لأن أبا بكر أمر في مرضه الذي مات فيه أن يؤدى من ~~ماله إلى بيت المال كل ما أخذ منه لقوته وكسوته، وأعتقد أن ms130 عمر حرص كل الحرص على أن ~~يصنع صنيع أبي بكر، وهو الذي كان يقول دائما، ولا سيما بعد أن طعن: وددت لو أخرج ~~منها كفافا لا علي ولا لي. # وقد أشهد ابن عمر على نفسه بهذا المال وأداه إلى عثمان، بل قبل أن يمضي الأسبوع على ~~دفن أبيه. # وكان بعد أن فرغ من تدبير أمور المسلمين لا يفكر في شيء إلا فيما ينتظره من حساب الله ~~عز وجل، وكان يقول: لو أن عندي ما في الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع. # ويقال: إنه أوصى ابنه إذا هو أحس أن أباه قد شارف الموت أن يجعل ركبتيه في صلبه، وأن ~~يضع يده اليمنى على جبينه ويده اليسرى على ذقنه، فإذا مات فليغمضه. وأمره بالقصد في ~~كفنه، فإنه إن يكن له عند الله خير أعطاه ما هو خير منه، وإن يكن له عند الله غير ذلك ~~سلبه فأسرع في سلبه، وأمره ألا يجعل في حنوطه مسكا، وألا تتبعه امرأة، وأن يسرعوا في ~~المشي إذا حملوه إلى قبره، فإن كان له عند الله خير قدموه إلى ما هو خير له، وإن يكن ~~غير ذلك وضعوا عن رقابهم شرا كانوا يحملونه، وأمره ألا يوسعوا في حفرته لأن بيت عائشة ~~ضيق، ولأنه إن لم يكن له عند الله خير وسع له في قبره مد بصره، وإن يكن غير ذلك ~~ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ونهى ابنه أن يزكوه بعد موته بما ليس فيه، فإن ~~الله هو أعلم به. # ويقول الرواة: إن الناس جعلوا يدخلون عليه أرسالا فيثنون عليه، فقال لهم حين كثر ذلك ~~منهم: «أبالإمارة تغبطونني؟ لقد صحبت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فتوفي وهو عني راض، وصحبت ~~أبا بكر - رحمه الله - فكنت سامعا مطيعا حتى توفي وهو عني راض، وأصبحت لا أخاف ~~إلا إمارتكم هذه.» # ويقال: إن وفد العراق - وكانت الوفود قد صحبته بعد الحج إلى المدينة قبل أن ترجع إلى ~~الأمصار - سأله الوصية، فأوصاهم بتقوى الله أولا، وبالمهاجرين من ms131 أصحاب رسول الله؛ ~~فإنهم ينقصون والناس يزيدون، وبالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، وبالأعراب فإنهم ~~مادة الإسلام، وبالمعاهدين من المغلوبين؛ فإن لهم ذمة الله وذمة رسوله وذمة المسلمين، ~~ثم قال لهم: قوموا عني. # قال الرواة: ولما أحس عمر أن الموت منه قريب أمر ابنه عبد الله، وكان رأس عمر في ~~حجره، أن يضع خده على الأرض، فقال عبد الله : وهل فخذي والأرض إلا سواء؟ فأعاد عليه عمر ~~أمره أن يضع خده على الأرض، فأعاد عليه عبد الله جوابه، فقال له في الثانية أو في ~~الثالثة: ضع خدي على الأرض لا أم لك. فلما وضع عبد الله خده على الأرض جعل يقول: ليتني ~~لم أخلق! ليت أمي لم تلدني! ليتني لم أك شيئا! ليتني كنت نسيا منسيا! ثم جعل ~~يقول بعد هذه الكلمات: ويلي! ويل أمي إن لم يغفر الله لي! وما زال يكرر هذه الكلمة حتى ~~مات رحمه الله. # 20 # وبوفاة عمر رحمه الله، ختم أروع فصل في تاريخ الإسلام والمسلمين، منذ وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى آخر الدهر، فلم يعرف المسلمون، وما أراهم سيعرفون في يوم من الأيام خليفة ~~يشبه عمر من قريب أو من بعيد، فقد رأيت أنه كان - رحمه الله - أزهد خلفاء المسلمين ~~وملوكهم في الدنيا وأشدهم لها ازدراء وأعظمهم منها نفورا. # ومن الحق أنه كان يتجر في خلافته ويثمر ماله، ولكنه لم يفعل ذلك حبا في المال ولا ~~إيثارا للغنى، وإنما فعله أداء لما لأهله وولديه عليه من الحق، وقد رأيت أنه لم ينتفع ~~بشيء من ماله لنفسه، وأنه أدى منه كل ما أخذ من بيت المال لقوته وكسوته، فخرج من الدنيا ~~وليس في الأرض مسلم يتعلق عليه بشيء أو ينكر من أمره شيئا، وهو قد أوصى إلى حفصة أم ~~المؤمنين، فإذا ماتت فللأكابر من ولده، ولم يعرف المسلمون خليفة أو ملكا أتاح الله له ~~مثل ما أتاح لعمر من الفتح. # فقد رأيت أنه فتح بلاد الفرس كلها، وفتح الشام والجزيرة ومصر وبرقة، ولم يستطع ms132 خليفة ~~بعده أن يزيد على ذلك إلا ما كان من فتح إفريقية أيام عثمان رحمه الله، ومن المضي في ~~هذا الفتح إلى المحيط، ومن فتح الأندلس أيام بني أمية. # ولم يعرف المسلمون خليفة أو ملكا بعد عمر جعل بيت المال ملكا للمسلمين ينفق منه على ~~الجيوش المحاربة، ويعين منه من احتاج إلى المعونة، ويوفر ما يبقى منه ليشيعه بين ~~المسلمين رجالهم ونسائهم وأطفالهم، يأخذون منه أعطياتهم في كل عام، تسعى إليهم هذه ~~الأعطيات دون أن يتكلفوا مشقة في طلبها سواء، في ذلك منهم القريب والبعيد، وقد رأيت أنه ~~كان يحمل بنفسه المال إلى البادية القريبة من المدينة فيعطيه للناس في أيديهم، وقد رأيت ~~لذلك أنه في عام الرمادة كان يحمل الطعام على ظهره ويسعى به إلى الأعراب النازلين حول ~~المدينة، وربما طبخه لهم بنفسه، ولم يعرف المسلمون ملكا أو خليفة بعده عني بحماية ~~الذميين والرفق بهم في أمرهم كله كما عني بهم عمر. # ثم لم يعرف المسلمون خليفة أو ملكا بعده عني بأمر الدين وإقامة الحدود وتأديب ~~الناس في الصغير والكبير من أعمالهم، وعلم المسلمين دينهم رفيقا بهم حريصا على أن ~~تستقيم لهم أمور دنياهم، وعلى أن يجنبهم ما يؤخذون به في آخرتهم ما استطاع إلى ذلك ~~سبيلا. # فعل هذا كله حتى بلغ منه ما لم يبلغ الخلفاء والملوك في الإسلام وفي الأرض التي لم ~~تسلم، فلسنا نعرف اليوم بلدا يوفر فيه الرزق على الناس من بيت المال أو من خزائن ~~الدولة دون أن يمنعهم ذلك من العمل لأنفسهم وللناس، ومن التزيد في الكسب والتوسع في ~~الغنى. # ولم يكن عمر يعرف قانونا إلا القرآن الكريم ~~والسنة الشريفة، ولم تكن له شرطة يستعين بها على حفظ الأمن والنظام، ولكنه ساس المسلمين ~~على نحو جعلهم جميعا شرطة له في المدينة وشرطة لولاته في الأمصار، فليس غريبا وعمر هو ~~الذي فعل هذا كله وأكثر من هذا كله أن تكون الفاجعة بموته عظيمة والخطب له جليلا، وأن ~~يقول رجل مثل أبي طلحة الأنصاري رحمه ms133 الله: «ما في العرب بيت إلا دخل عليه النقص بموت ~~عمر.» # وليس غريبا أن يقول غيره: والله إن بيتا من بيوت المسلمين لم يدخله الحزن لموت عمر ~~لبيت سوء. # ويقول الرواة: إن سعيد بن زيد بن عمرو - وهو ابن عم عمر - بكى حين مات عمر، فقيل له: ~~فيم تبكي؟ قال: أبكي على الإسلام؛ فإنه قد وهى بموت عمر. # ويقال : إن حذيفة بن اليمان كان يقول: إن الإسلام كان حصنا يدخل الناس فيه ولا يخرجون ~~منه، فلما توفي عمر انثلم الحصن، فالناس يخرجون منه ولا يدخلون فيه. # وقد أجمع الرواة أن عليا - رحمه الله - لما سمع الصيحة بموت عمر دخل عليه فوجده ~~سجي بثوب، فرفع الثوب عن وجهه، وقال: صلى الله عليك، والله ما على الأرض أحد أحب ~~إلي أن ألقى الله بمثل صحيفته من هذا المسجى. # وما أعرف رجلا من أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار إلا حزن أشد الحزن لموت عمر، ~~حتى قال ابن مسعود رحمه الله: والله إني لأظن العضاه قد وجدت لموت عمر. # وكان ابن مسعود إذا ذكر عمر أمامه بكى حتى تساقط دموعه على الحصى. # وما أحب أن أختم هذا الفصل بشيء أبلغ من قول عثمان رحمه الله: إن عمر كان يمنع رحمه ~~تقربا إلى الله، وأنا أصل رحمي تقربا إلى الله، ومن لنا بمثل عمر؟! يقولها ~~ثلاثا. # وما أعرف أصدق من قول الشاعر الذي رثاه، والذي تحدث الرواة أنه من الجن، وما أرى إلا ~~أنه مزرد بن ضرار أخو الشماخ الشاعر المعروف: # جزى الله خيرا من إمام وباركت # يد الله في هذا الأديم الممزق # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها # بوائق في أكمامها لم تفتق # فمن يجر أو يركب جناحي نعامة # ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق # أبعد قتيل في المدينة أظلمت # له الأرض تهتز العضاه بأسوق # وما كنت أخشى أن تكون وفاته # بكفي سبنتى # 5 # أزرق العين مطرق # 21 # وصدق الشاعر، فقد كان مقتل عمر غريبا كل الغرابة، غلام أعجمي من سبي نهاوند، يملكه ~~المغيرة بن شعبة، ms134 ويعيش في المدينة ليعمل فيها نقاشا، نجارا، حدادا، صانعا للأرحية، ~~يشكو إلى عمر ارتفاع ضريبته. ويرى عمر أن ضريبته لا إسراف فيها، فيأمره أن يؤدي إلى ~~مولاه ما فرض عليه، ثم يكتب سرا إلى المغيرة يتقدم إليه أن يرفق بغلامه في الضريبة، ~~فيأتي هذا الغلام فيختبئ في ناحية من نواحي المسجد، حتى إذا تقدم عمر للصلاة أهوى إليه ~~الغلام، فقتله. # لم يرع للمسجد حرمة لأنه لم يكن مسلما، ولم يحسب حسابا لجماعة المسلمين، لأنه ~~كان مصمما على أن يقضي أمره وإن مات في سبيله. # كل هذا لا يخلو من غرابة ولا سيما إذا فكرنا في عدل عمر بين المسلمين، ورفقه بغير ~~المسلمين من الذميين والأسارى، ولكن حول قتل عمر أشياء تدعو إلى التفكير. # فالرواة يقولون: إن هذا الغلام الفارسي كان إذا لقي الصبيان من سبي الفرس مسح على ~~رءوسهم، وقال: إن العرب أكلت كبدي. فليس الأمر إذن أمر الضريبة الذي فرضها المغيرة على ~~هذا الغلام، وإنما هو أمر فارسي موتور قد فتحت بلاده وقتل من قومه الكثيرون، فهو ~~ثائر لوطنه وثائر لهؤلاء الأسارى الذين انتشروا في الأرض الإسلامية كلها، وهو يرى أن ~~العرب قد أكلت كبده بما فعلت بوطنه من الأفاعيل، وهو لم يكن وحيدا في المدينة، وإنما ~~كان معه في المدينة رجال آخرون موتورون، منهم الفارسي كالهرمزان الذي كان ملكا من ملوك ~~الفرس، أو كبيرا من كبرائهم والذي جد في مقاومة المسلمين ما استطاع، وأفلت منهم في ~~غير موطن حتى أسر في آخر الأمر وأرسل إلى عمر. وكان عمر حريصا على قتله، ولكنه ~~خادع عمر حتى أمنه، أمنه عمر ساعة من نهار، فمكر حتى جعله أمانا دائما، أظهر الظمأ ~~فدعى له بالشراب، فقال لعمر: إني أخشى أن تقتلني وأنا أشرب. فقال له عمر: لا بأس عليك. ~~فرد القدح ولم يشرب، وقال لعمر: قد أمنتني. قال عمر: لم أؤمنك. قال من حضر من ~~المسلمين: بل أمنته يا أمير المؤمنين. فقد قلت له: لا بأس عليك. فقد انخدع المسلمون ~~وانخدع معهم ms135 عمر لهذا الفارسي، ولا غرابة في ذلك، فالحر يخدع أحيانا فينخدع، وليس ~~شيء أسهل في الإسلام من الأمان يعطى لغير المسلم، يعطيه رجل من عامة المسلمين لرجل من ~~المحاربين فيجري أمانه ويلتزمه قائد الجيش كما يلتزمه لخليفة وجماعة المسلمين، ويعطيه ~~العبد المسلم للمحارب أو المحاربين، فيصح أمانه ملزما للجيش وقائده وللخليفة وجماعة ~~المسلمين. # وذلك لقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.» وقد أسلم ~~الهرمزان، فعصم دمه بالإسلام، ولم يجعل لأحد عليه سبيلا، وأقام في المدينة. # ورجل آخر كان يقيم في المدينة لم يكن فارسيا، وإنما كان عربيا من أهل الحيرة وكان ~~مسيحيا، وكان بينه وبين سعد بن أبي وقاص صلة. # يقول ابن سعد: إنها كانت صلة الظئر. # 6 # كأن امرأة جفينة كانت مرضعا لبعض ولد سعد، وكان سعد هو ~~الذي جاء به إلى المدينة حين عزله عمر عن الكوفة. # ورجل رابع كان يقيم بالمدينة، ولكنه كان غريب الأطوار، عرف كيف يخدع كثيرا من ~~المسلمين ومنهم عمر، وهو كعب الأحبار. وكان كعب يهوديا من أهل اليمن زعم أنه سأل ~~عليا - رحمه الله - عن النبي حين ذهب علي إلى اليمن مرسلا من رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فلما أنبأه علي بصفة النبي عرف هذه الصفة مما كان يجد بزعمه في التواراة، ولم يأت ~~المدينة أيام النبي، وإنما أقام على يهوديته في اليمن، وزعم هو بعد ذلك للمسلمين أنه ~~أسلم ودعا إلى الإسلام في اليمن، وقد أقبل إلى المدينة أيام عمر، فأقام فيها مولى ~~للعباس بن عبد المطلب رحمه الله، وكان بارعا في الكذب على المسلمين يزعم أنه يجد ~~صفاتهم في التوراة، وربما زعم لهم أنه يجد صفاتهم في الكتب، وكان المسلمون يعجبون ~~بذلك ويعجبون له. ولم يلبث أن كذب على عمر نفسه، فزعم له أن يجد صفته في التوراة، فعجب ~~عمر وقال: تجد اسم عمر في التوراة؟! قال كعب: لا أجد اسمك وإنما أجد صفتك. # وقد صحب عمر حين سافر إلى الشام ليتم فتح بيت المقدس، ms136 ويقال: إنه هو الذي دل عمر على ~~مكان الصخرة، وكانت قد استخفت لكثرة ما كان الناس يلقون عليها من الكناسة، فأمر عمر ~~فأزيل عنها ما كان عليها وأقام المسجد، وسأل أين يضع القبلة، فقال له كعب: اجعلها إلى ~~الصخرة. فقال له عمر: ضاهيت اليهودية يا كعب! وجعل القبلة إلى المسجد الحرام. # وعاد إلى المدينة في صحبة عمر، وفي ذات يوم أنبأ عمر أنه سيموت شهيدا، قال عمر: ~~أنى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب؟! ولكن كعبا أصر على ذلك، فيقال إن ~~عمر قال: يأتي بها الله أنى شاء. # ودخل عمر يوما على زوجه أم كلثوم بنت علي فوجدها تبكي، فلما سألها عن بكائها قالت: ~~هذا اليهودي كعب الأحبار يقول إنك في النار، فلما خرج عمر ورأى كعبا هم أن يسأله، ~~فبشره كعب بالجنة، فقال عمر: ما شاء الله! مرة في الجنة ومرة في النار، ما هذا؟! قال ~~كعب: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، والله إني لأراك في التوراة - أو قال: في الكتب - ~~قائما على باب جهنم تمنع المسلمين أن يتهافتوا فيها. # وجاءه آخر الأمر ذات يوم، فقال له: إنك مقتول بعد ثلاث. فلم يحفل عمر بما قال، فلما ~~كان من الغد قال له: ذهب يوم وبقي يومان. فلم يلتفت عمر إليه، فلما كان من غد جاءه، ~~فقال له: مضى يومان وبقي يوم. فلم يأبه عمر له. والغريب أنه لم يسأله عن مصدر علمه ~~بذلك، ولم يسأله أحد من المسلمين عن مصدر علمه ذلك بعد مقتل عمر، وأشد من ذلك غرابة أن ~~الرواة يزعمون أنه دخل على عمر بعد أن طعن، فقال له: # الحق ~~من ربك فلا تكونن من الممترين ~~. # ألم أقل لك إنك تموت شهيدا؟! فكنت تقول: أنى لي الشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة ~~العرب؟! فسكت عنه عمر أيضا. # وإذا كان كل ما روي عن كعب بشأن موت عمر صحيحا، فلست أشك في أنه كان على علم بما ~~دبر أبو لؤلؤة أو بما دبر الذين اشتركوا مع أبي ms137 لؤلؤة في الإعداد لهذه ~~الجريمة. # وقد قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إنه رأى أبا لؤلؤة والهرمزان وجفينة ~~يتناجون؛ فلما رأوه قاموا، فسقط بينهم خنجر له طرفان ونصابه في وسطه، فسألهم عبد الرحمن ~~بن أبي بكر: ما تصنعون بهذا الخنجر؟ قالوا: نقطع به اللحم! # وسمع عبيد الله بن عمر مقالة عبد الرحمن، فقال له: أنت رأيتهم؟ قال: نعم. ونظر القوم ~~في الخنجر الذي قتل به عمر فإذا هو كما وصف عبد الرحمن. هنالك ثار عبيد الله بن عمر ~~فأسرع إلى سيفه فتقلده، ومضى لا يلوي على شيء حتى أتى الهرمزان، فقال له: قم معي ~~وانظر إلى فرس لي، فقام الهرمزان وتأخر عنه عبيد الله شيئا، ثم علاه بالسيف. # ويقول الرواة: إن الهرمزان حين أحس حر السيف قال: لا إله إلا الله. ولست أدري أي ~~الرواة كان معه حين ذاك، ومضى عبيد الله حتى أتى جفينة فقتله، ولما أحس جفينة حر السيف ~~صلب بين عينيه، فيما زعم الرواة، وأكبر الظن أنهم رووا ذلك عن عبيد الله بأخرة، ومضى ~~عبيد الله حتى أتى بيت أبي لؤلؤة، فقتل صبية كانت له تزعم أنها مسلمة. # وكان أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # تسامعوا بأمر عبيد الله فأرسلوا من جاءهم به، ولولا ذلك ~~لاستعرض بسيفه من كان في المدينة من الأعاجم. # وما زال عمرو بن العاص بعبيد الله حتى أخذ منه سيفه، وقام إليه سعد بن أبي وقاص، ~~فساوره مساورة عنيفة، وفعل مثل ذلك عثمان بن عفان، وكان يقول له: قتلت رجلا يصلي ~~ورجلا له ذمة رسول الله، ما في الحق تركك. # ويقال: إن أصحاب النبي سجنوا عبيد الله، فلما استخلف عثمان استشار فيه المسلمين، ~~فقال: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام فتقا. فأشار بعضهم بقتله، وخالف بعضهم، ~~وقال: لعلكم تريدون أن تلحقوا بعمر ابنه، فدخل عمرو بن العاص في الأمر، وقال لعثمان: إن ~~هذا الأمر قد كان قبل أن يكون لك سلطان على المسلمين، فلا تعرض له، فعفا عنه عثمان وأدى ms138 ~~دية الرجلين والصبية، فيما يقول الرواة. # وقد فصلنا في غير هذا الموضع ما كان من أمر عبيد الله بعد أن استخلف عثمان، فلا ~~نعود إليه هنا، وإنما نذكر أن العفو عن عبيد الله كان مما أخذ به عثمان حين أنكر الناس ~~بعض أمره. # وكان علي من الذين رأوا قتله، فلما استخلف علي فر عبيد الله، فلحق بمعاوية وقتل ~~في موقعة من مواقع صفين، وكذلك تعدى عبيد الله حدود الإسلام حين ثأر لنفسه بيده، وكان ~~الحق أن ينتظر حتى إذا اختار أهل الشورى خليفة للمسلمين عرض عليه قضيته وأتى بالبينة، ~~على أن الهرمزان وجفينة وصبية أبي لؤلؤة قد أعدوا لقتل عمر، فإن ثبت ذلك عند الخليفة ~~كان من حق الخليفة أن يقصه منهم بالقتل أو بما بدا له من العقوبة. # ولكن عبيد الله أخذته حمية الجاهلية الأولى، فقتل من قتل معتديا غير متثبت ولا صادر ~~عن حكم الإمام، فكانت عاقبة ذلك وبالا عليه وفرقة بين المسلمين. # 22 # ويزعم الرواة أن النبي # صلى الله عليه وسلم # رأى على عمر قميصا، فقال له: أجديد قميصك أم لبيس؟ ~~قال عمر: بل هو لبيس يا رسول الله. # فقال له النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: البس جديدا وعش حميدا ومت شهيدا، وليعطك الله قرة عين في ~~الدنيا والآخرة. # فمن أجل ذلك كان عمر يسأل الله الشهادة في سبيله ووفاة في بلد نبيه، فلما سئل: كيف ~~يعطيه الله الشهادة ويميته في بلد النبي؟! قال: الله يأتي بها أنى شاء. وقد استجاب ~~الله له، فمات شهيدا في مدينة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~؛ قتله رجل مجوسي من العجم، وقتله في أحب ~~الأوقات إلى الله - عز وجل - وهو الوقت الذي تؤدى فيه صلاة الفجر، والله ~~- عز وجل - يقول لنبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، من سورة الإسراء: # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق ~~الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا ~~. # وقتله المجوسي وقد كبر عمر لصلاة الفجر، فلا شك في أن الله - عز وجل - قد استجاب ~~لنبيه، إن صح ms139 الحديث الذي رويناه آنفا، واستجاب لعمر دعاءه الذي كان يدعو به كما ~~روينا، وقد سقط عمر وهو يقول كلمة من القرآن: # وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا ~~. # وقد أتيح له أن يحقق شيئا كان يهتم له أشد الاهتمام، وهو أن يدفن مع أخويه: رسول ~~الله، وأبي بكر. وكان قد استأذن عائشة في ذلك قبل أن يطعن، فلما أوصى بما أوصى به من ~~أمر المسلمين وفرغ لنفسه قال لابنه عبد الله: اذهب إلى عائشة أم المؤمنين وقل لها: إن ~~عمر - ولا تقل: أمير المؤمنين. فإني لست لهم الآن بأمير - يستأذن في أن يدفن مع ~~أخويه. وقال لابنه: إنها كانت قد أذنت قبل ذلك، لكني أخشى أن يكون ذلك لمكان السلطان. ~~فذهب عبد الله وعاد إليه بإذنها فأرضاه ذلك كل الرضى. # وكان عمر شديد الكره للبكاء عليه، سمع حفصة أم المؤمنين تعول، فقال لابنه عبد الله: ~~أجلسني؛ فليس لي صبر على ما أسمع. ثم قال لها: إني أحرج عليك بما لي عليك من الحق إن ~~تندبيني، فأما عينك فلن أملكها. يريد أنه لا يمنعها من البكاء؛ لأنه لا يستطيع ~~ذلك. # وسمع صهيبا يعول، فقال له: أما سمعت قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: إن الميت يعذب ببكاء ~~أهله عليه؟! # وكانت عائشة - رحمها الله - تنكر هذا الحديث، وتقول: إن عمر أخطأ، وإنما رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # قوما يبكون على هالك لهم، فقال: إنهم ليبكون وإن صاحبهم ليعذب. وكان قد ~~اجترم ما عرضه للعذاب، وأمر عمر أن يقوم عنه كل من كان يبكي بحضرته. # وزعم الرواة أنه حين أحس الموت، أوصى ابنه عبد الله، فقال له: يا بني، عليك بخصال ~~الإيمان. قال: وما هن يا أبت؟ قال: الصوم في شدة أيام الصيف، وقتل الأعداء بالسيف، ~~والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ~~ردغة الخبال. قال: وما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر. # وتوفي - رحمه الله - من غده، فقد طعن يوم الأربعاء وتوفي يوم الخميس على ~~اختلاف من ms140 الرواة في ذلك، فمنهم من يقول: إنه توفي بعد ثلاث من طعنته. وأكبر الظن ~~أنه توفي من غده. # وأنفق أهل الشورى بعد دفنه ثلاثة أيام يتشاورون، وكان عمر قد بلغ من السن نحو ستين ~~عاما، وإن اختلف الرواة في سنه اختلافا كثيرا. # ومهما يكن من شيء، فقد مات عمر مرضيا عنه من الله ورسوله وأجيال المسلمين على ~~تتابعها واختلافها لا يختلفون في حبه والثناء عليه، إلا ما كان من غلاة الشيعة. # والحمد لله الذي اتاح للإسلام عمر مثلا أعلى للعدل والاستقامة في الحكم، والتفوق في ~~أمره كله على من جاء ومن يجيء بعده من الخلفاء والملوك. # 23 # ولم يخل موت عمر حين توفي من نفع للمسلمين بإثبات حكم ديني له خطره، وقد روى ~~الرواة هذا الأمر ملحين كأنهم عجبوا له، وكأنهم أحسوا شيئا من غرابته؛ ذلك أن عمر ~~غسل وكفن وكان المسلمون يعلمون أن الشهداء لا يغسلون ولا يكفنون وإنما ~~يدفنون كهيئتهم حين يقتلون. # وقد أبى النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يغسل شهداء أحد، بل قال بشأن حمزة رحمه الله: لولا أن تجزع ~~صفية - وهي أخت حمزة - لتركته نهبا لسباع الطير. # وقد دفن شهداء أحد دون أن يسعى لهم في الكفن: لف حمزة - رحمه الله - في برد ~~كان عليه، فكان إن بلغ رأسه لم يبلغ رجليه، وإن بلغ رجليه لم يبلغ رأسه، فأتموا ستر ~~جسمه بشيء من ورق الشجر، وكذلك فعل بعثمان بن مظعون رحمه الله. # ويقول الرواة: إن عمار بن ياسر كان يقول في صفين: لا تغسلوني فإني مخاصم. وسمع ~~المسلمون له فلم يغسلوه، وإنما دفنوه كهيئته ساعة قتل. # ولم يكن غسل عمر وتكفينه إلا عن أمره، فهو قد أمر بالقصد في كفنه، وأمر بألا يجعل ~~في حنوطه مسكا، فدل ذلك على أن الشهداء إنما يدفنون على هيئتهم ساعة يقتلون، إذا ~~استشهدوا في ميدان القتال، فأما إذا استشهد المسلم لأن عاديا أثيما عدا عليه ~~فقتله، فإنما يجهز كما يجهز غيره من الموتى، فيغسل ويكفن ويصلى عليه. ~~وكذلك كانت ms141 حياة عمر وموته مصدر نفع للمسلمين. ms142