######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.SuhufMukhtara.Hindawi20858508 #META# Tags: literature #META# ID: 20858508 #META# Title: صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلى صاحب العظمة«فؤاد الأول» سلطان مصر‏ # مقدمة‏ # التمثيل اليوناني‏ # حياة أيسكولوس‏ # المستجيرات‏ # الفرس‏ # السبعة يهاجمون طيبة‏ # بروميثيوس ديسموتيس‏ # أجاممنون‏ # المتقربون‏ # الأومينيديس‏ # حياة سوفوكليس‏ # أياس‏ # أنتيجونا‏ # إلكترا‏ # إلى صاحب العظمة«فؤاد الأول» سلطان مصر‏ # مقدمة‏ # التمثيل اليوناني‏ # حياة أيسكولوس‏ # المستجيرات‏ # الفرس‏ # السبعة يهاجمون طيبة‏ # بروميثيوس ديسموتيس‏ # أجاممنون‏ # المتقربون‏ # الأومينيديس‏ # حياة سوفوكليس‏ # أياس‏ # أنتيجونا‏ # إلكترا‏ # | صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان # | صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان # تأليف # طه حسين # | إلى صاحب العظمة«فؤاد الأول» سلطان مصر # مولاي # يحفظ التاريخ ما لعظمتك من أثر محمود في إنشاء الجامعة وإحيائها، وأحفظ أنا ما تفضلت ~~به من عطف علي وتشجيع لي على درس «الأدب القديم» وإذاعته. فمن الحق أن أرفع إلى ~~مقامك الجليل أول كتاب أنشره في «أدب اليونان». وأنا سعيد كل السعادة إن ارتاحت إليه ~~نفسك الكريمة، وانتفع به أبناء هذا الوطن العزيز. # طه حسين # القاهرة في 20 ديسمبر سنة 1920 # | مقدمة # 1 # لم أكد أبدأ في الجامعة المصرية درس التاريخ اليوناني في هذه السنة الدراسية، حتى رضي ~~قوم وسخط آخرون. وكان الذين رضوا أقل الناس عددا، والساخطون أكثرهم جمعا، وأضخمهم ~~جمهورا. # قالوا: ما لنا ولتاريخ اليونان ندرسه ونحفل به؟! ننفق فيه ما نملك من وقت، ونضيع في ~~سبيله ما عندنا من قوة وجهد. ونحن إلى إنفاق ذلك الوقت وهذه القوة والجهد في درس تاريخ ~~مصر خاصة والأمم الإسلامية عامة أشد ما نكون حاجة! # أليس كل الناس قد علم أن الأمة المصرية - على ضخامة سلطانها السابق - وتأثل مجدها ~~القديم، وعلى بعد صوتها في الحضارة، وجلال خطرها في المدنية: تجهل نفسها؟! وتجهلها ~~جهلا يوشك أن يكون تاما؟ # فهي لا تعلم من عصر الفراعنة إلا طرفا يسيرا، وهي لا تلم من عصر اليونان والرومان ~~في مصر بشيء ما! فأما عصر الفتح الإسلامي فلا تعلم منه إلا ما روى مؤرخو العرب، وهو ~~إلى التحقيق والتمحيص في حاجة شديدة! # قالوا: ولسنا نذكر شيئا عن حضارة الفاطميين في مصر، ولا عن سلطان المماليك وبعد ~~شأوهم في أنواع العلوم ms001 والفنون؛ فإن المصريين لا يعلمون من هذا كله إلا ما لا ينقع صدى ~~ولا يشفي غليلا! # أوليس من المعقول أن نعرف نفسنا قبل أن نعرف غيرنا؟! أوليس من الحق علينا - إذا ~~فرغنا من درس تاريخ مصر - أن ندرس تاريخ أشد الأمم إليها قربا، وأدناها منها مكانا، ~~وهي الأمم الإسلامية؟! # قالوا ذلك، وقالوا أكثر منه. ولم يكتفوا باللوم والتشنيع! بل أعرضوا عن الدرس، وجعل ~~كثير من الطلاب لا يحضرونه إلا وفاء بما عليهم للجامعة من حق، أو رغبة في تكريم ~~الأستاذ الذي تفضلوا عليه بشيء من الحب له. # ولست أشك في أنهم لم يخطئوا مكان الصواب، حين أعلنوا جهل مصر لنفسها، وحاجتها إلى ~~درس تاريخها، وميلها المعقول إلى درس تاريخ غيرها من الأمم الإسلامية. ولكن الخطأ كل ~~الخطأ هو اعتقادهم أن هذا مانع من درس تاريخ الأمم الأخرى، أو أن يكلف أستاذ بعينه أن ~~يدرس كل هذا التاريخ. # أمامهم الجامعة المصرية، وأمامهم وزارة المعارف يجب أن يطلبوا إليهما القيام بما هم ~~في حاجة إليه؛ فقد بعد عهد التعليم في مصر وكان من الحق على الذين يدبرونه ويقومون ~~عليه أن يسلكوا به سبيلا واضحة الأعلام، تنتهي بالمتعلمين إلى ما يجب أن يعلموه من درس ~~تاريخ أمتهم كما ينبغي. # وليس من العدل أن تقصر وزارة المعارف عن القيام بما عهد إليها، وتضعف الجامعة عن ~~الوفاء بما أنشئت من أجله؛ فيقع إثم هذا كله على أستاذ فرد، قد عني بمادة معينة من ~~مواد العلم، أعجبته وراقته، فتخصص فيها، وأراد أن ينشر منها في قومه ما وفق إلى ~~نشره. # لست أزعم أن الجامعة ووزارة المعارف لو عنيتا بدرس تاريخ مصر لبلغتا به حد الكمال. ~~ولكني أعتقد أن هذا التاريخ مجهول جهلا منكرا، وأنه ما ينبغي لبلد كمصر أن يصل من ~~جهل نفسه إلى هذا الحد، على كثرة ما ينفق في تحصيل العلم من مال، وما يبذل فيه من جهد، ~~وعلى جلال ما يسمو إليه من غاية، وما يحرص عليه من أمل في الاستقلال. # ولو أن ms002 الذين يقومون على نشر العلم في هذا البلد عرفوا كيف ينشرونه لما كنا من ~~الضعف والتقصير، ومن الجهل والغفلة، بحيث لا نزال مضطرين - إذا أردنا أن ندرس تاريخ ~~مصر - إلى أن نبعث الوفود إلى لندرا وباريس لدرس الآثار المصرية في مدارسهما ~~ومتاحفهما. # أليس في مصر من آثار المصريين القدماء، ومن آثار العرب المسلمين، بل ومن آثار اليونان ~~والرومان في مصر، ما يكفي لإنشاء مدرسة خاصة تقصر همها على درس هذه الآثار، وتخريج ~~الأساتذة والأخصائيين الذين يعهد إليهم بالتعليم وحفظ الآثار وتنظيمها؟! # أوليس من المخجل أن توفد أوروبا وفودها إلى مصر لدرس الآثار، حتى إذا عادت هذه ~~الوفود جلست مجالس الأساتذة في المدارس الأوروبية، وجلس المصريون منهم مجالس الطلب ~~والاستفادة؟! # مثل الذين أنكروا على أني لم أقم بدرس التاريخ المصري، مثل القائمين بأمر التعليم ~~في مصر يتركون ما يجب عليهم أن يعلموا، ويعنون بما يستطيعون أن يهملوا. ثم ينفقون ~~الأموال في إرسال الطلاب ليحصلوا في أوروبا ما كان يمكنهم أن يحصلوه في مصر، أو ينالهم ~~الإحجام فلا ينفقون. وتبقى الأمة جاهلة، لا يستطيع أشدها ذكاء وأنفذها بصيرة أن ~~يتحدث إلى أوروبي في تاريخها! كل يسيء الفهم، وكل يضع الشيء في غير موضعه، وكل ~~يلوم غير ملوم. # ولو أن هؤلاء المنكرين علي أنصفوا وتدبروا، لأخذوا عني راضين ما قدمت إليهم، ~~ولأنحوا بلومهم وتأنيبهم على الذين يستطيعون العمل، فلا يعملون، ويقدرون على الخير ثم ~~يقصرون عن طلبه، أو السعي إليه. # وبعد فما كان لأمة أن تعرض عن فن من فنون العلم لأنها لم تعلم غيره. إذن لقضي ~~عليها بالجهل الدائم والغفلة المتصلة. # فليس من الميسور أن ندرس فنون العلم كلها في يوم واحد، ولا بد من أن يبدأ بدرس ~~بعضها، وأن يتريث ببعضها الآخر. # فخليق بالناس أن يأخذوا ما قدم إليهم ويتعجلوا تحقيق ما أخر عنهم؛ فإن ~~إعراضهم عن تحصيل ما يمكن تحصيله لا يعقبهم إلا فوات نفع محقق من غير أن يجدي عليهم ~~الفوز بما يأملون. # 2 # يخيل إلي أن عدم الوقوف ms003 على تاريخ اليونان وحده هو السبب الحقيقي فيما لقي الناس به ~~هذا الدرس من فتور وإعراض، بل من تشنيع وإنكار. فلن ينفرك من الشيء ويرغبك عنه أكثر ~~من جهلك له. # ولو أن المصريين ألموا بتاريخ اليونان بعض الإلمام، لكلفوا بدرسه وتحصيله الكلف كله ~~لأمرين: # الأول: # أن فهم التاريخ المصري خاصة والتاريخ الإسلامي عامة، موقوف على فهم ~~التاريخ اليوناني. فما ينبغي لأحد أن ينسى ما كان للحضارة اليونانية ~~من التأثير الظاهر في حضارة العالم كله ومنه البلاد الإسلامية. ولم يكن ~~هذا التأثير مقصورا على الحياة العقلية والأدبية بل تناول الحياة ~~السياسية؛ فإن اليونان قد ملكوا الشرق أكثر من قرنين، فوضعوا فيه نظما ~~لم يكن له بها عهد، وجاء الرومان فلم يمحوا هذه النظم، بل شكلوها ~~تشكيلا ما، ثم جاء العرب فأخذوا ما وجدوا، ولم يزيدوا على أن عربوه. ~~ومن الميسور على كل مؤرخ متقن لعمله إذا درس تاريخ الأمم الإسلامية ~~أن يتميز النظم القديمة وما بينها وبين النظم الإسلامية من صلة. وإذا ~~كان درس التاريخ في رأي المؤرخين المحدثين عملا تحليليا قبل كل شيء، ~~أي إنه يلزم المؤرخ أن يرد كل شيء إلى أصوله التي ألفته وعملت في ~~تكوينه، فلا شك في أن مؤرخ الأمم الإسلامية - ولا سيما مصر - يجب عليه ~~أن يعرف تاريخ الأمة اليونانية ويتقنه لكي يستطيع أن يميز ما كان لها ~~من أثر في حياتها العقلية والاجتماعية والسياسية. # الثاني: # أن النهضة الحديثة في أوروبا إنما هي في معظم أمرها أثر من آثار ~~اليونان، فإذا كانت مصر الناهضة تحاول - وهذا حق عليها - أن تتعرف أصول ~~هذه النهضة وتتفهمها، لتختار منها ما يوافق طبيعتها ويلائم مزاجها؛ ~~فليس لها إلى ذلك من سبيل إلا درس تاريخ اليونان والرومان. فإنك لا ~~تكاد تتناول بالبحث التاريخي أصلا من أصول النهضة الحديثة الأوروبية ~~إلا اضطررت، إلى أن ترجع به إلى تاريخ هاتين الأمتين. # لا أذكر العلم والفن، فما أظن من الناس من ينكر أنهما يونانيان قبل ~~كل شيء. وإنما أذكر السياسة والحياة الاجتماعية. فما ms004 نشأت الآراء ~~الديمقراطية، بل والمذاهب الاشتراكية في أوروبا إلا حين انتشر هذا ~~التاريخ القديم فيها، وعرف الناس ديمقراطية اليونان وأرستقراطيتهم، ~~وحركة العمال والزراع الرومانيين وما أدت إليه من شرع غريب. # أوليس أول داع إلى الاشتراكية في أوروبا إبان الثورة الفرنسية قد ~~كان يسمي نفسه باسم زعيم هذه الحركة في روما «كيوس جراكوس»؟! أوليس ~~مصدر ما وقع فيه الثوار الفرنسيون من الخطأ - في كثير من الأحيان - ~~إنما هو محاولتهم تحقيق النظم الديمقراطية التي ألفها اليونان ~~والرومان من غير أن يفطنوا إلى ما بين فرنسا وروما وأثينا من ~~الفروق. # نريد أن ننهض نهضة سياسية، نريد أن ننزل الديمقراطية في بلادنا منزلة ~~حسنة ونحن نجهل الجهل كله أصول السياسة وقواعدها، كما نجهل الجهل كله ~~ضروب الديمقراطية ومذاهبها. فهل نستطيع أن نصل مع هذا إلى ما ~~نريد؟ # لا أدعو إلى أن يدرس تاريخ اليونان والرومان فحسب، وإنما أدعو إلى ~~أن تدرس أقسام التاريخ كلها. وإلى أن ينال كل قسم منها حظا موفورا ~~من العناية؛ فإن حياة النوع الإنساني في جميع العصور والأمكنة، حياة ~~واحدة موقوف بعضها على بعض، ومن الخطأ الفاحش أن نهمل طرفا منها في ~~حين نستطيع أن ندرسه ونعنى به. # لم أقل إلى الآن إلا ما يرغب في درس التاريخ اليوناني من الفائدة ~~العملية، وكنت أود لو استطعت أن أستغني عن هذا كله، وألا أرغب ~~الناس في درس قسم من أقسام التاريخ إلا بأنه قسم من أقسام العلم وأن ~~من الحق علينا أن ندرسه لأنه علم ليس غير؛ فإن الأمم التي بلغت من ~~الرقي مبلغا معقولا تخصص من مالها ووقتها وقوتها مقدارا غير ~~قليل، تنفقه في درس العلم ونشره، لا تبتغي من وراء ذلك فائدة عملية. ~~تلك منزلة يسوءني الاعتراف بأنا لم نصل إليها بعد، ويسرني أن يكون ~~وصولنا إليها غير بعيد. # 3 # إذا كان الجهل وحده هو الذي ينفرنا من تاريخ اليونان ويرغبنا عنه، فما أيسر ~~الطب لهذا الداء والتماس الدواء لشفاء هذه العلة! فليس للجهل دواء إلا العلم، كما أن ms005 ~~الجوع لا يشفيه إلا الأكل، وكما أن الظمأ لا ينقعه إلا الشرب. # ولأن تكون علتنا الجهل خير من أن تكون علتنا الغباء وعدم الاستعداد. لهذا أرى أن ~~ليس للراغبين في نشر العلم إلا أن يسعدوا ويستبشروا؛ فإن الحاجة إليهم شديدة، وعملهم ~~أشد الأعمال نفعا، وأسرعها إنتاجا. # وقد بلوت ذلك فأحسنت بلاءه، وجربته فحمدت تجربته. لقد كان الناس في أول عهدهم بدرس ~~التاريخ اليوناني ساخطين منكرين، يتثاقلون عن الدرس. فإذا خفوا إليه أغرقوا في النوم ~~والأستاذ مغرق في كلامه. يشكون ما بينهم وبين هذه المادة من تنافر، ويتمنون على ~~الأستاذ لو بدلهم منها مادة أيسر عليهم، وأحب إليهم، وأخلب لنفوسهم. # ولقد أعلن بعضهم أكثر من مرة أن الدرس يسئمهم فيملأهم سأما، ويملهم فيقتلهم ~~مللا. فما كنت أريد أن أشجعهم مرة، وألومهم أخرى، وأعرض عنهم في كثير من الأحيان، ~~وما هي إلا أن مضى على ذلك شهران أو ثلاثة، حتى أخذت أرى فيهم من بدأ يأنس لهذا الدرس ~~ويتحبب إليه. وأخذت أكلف بعضهم المحاضرات وإعداد الدروس في هذه المادة، فيجيبون راضين، ~~غير كارهين، ولا متمنعين، فأما من قرأ منهم لغة أوروبية، فقد كان يجيب إلى ذلك فرحا ~~نشيطا، وقد كان يعمل فيحسن العمل إحسانا إضافيا. # ولقد كنت أتخير لهم أصعب المسائل فلا يحجمون. ولقد كنت أتشدد عليهم في النقد ~~فلا يزيدهم ذلك إلا رغبة وإقداما؛ فأنا عنهم راض وفيهم آمل. # وأما الذين لم يحسنوا إلا العربية فقد أقدم بعضهم مجازفا، ونكل بعضهم معذورا؛ فإن ~~اللغة العربية مع الأسف معدمة كل الإعدام في هذه المادة، وليس يتاح لمن لم يعرف لغة ~~أوروبية أن يشفي نفسه من تاريخ اليونان أو الرومان. # هذا الجمهور الذي لم يعرف من اللغات الأوروبية ما يمكنه من إرضاء نفسه المتشوقة ~~إلى العلم، العاجزة عن تحصيله، هو أحق الناس بالعناية. فلئن كان من النافع أن يدرس ~~الناس اللغات الأجنبية فليس من الميسور أن يدرسوها جميعا، وليس من حقنا أن نطالب الناس ~~جميعا بذلك، وما رأينا غيرنا قد أرادهم على ذلك ms006 في بلد من البلاد. وإنما يجب علينا ~~نحن الذين قرءوا هذه اللغات، وألموا ببعض ما اشتملت عليه من علم أن نبيح لهم ~~حماها، وأن نكون الواسطة بينهم وبين استثمار كنوزها. فإن لم نفعل فقد أسأنا إلى ~~أمتنا، وإلى أنفسنا «وحسبك من شر سماعه». # 4 # ألممت بعض الإلمام بحياة اليونان والرومان وما بينهما وبين الشرق من صلة. وقضى علي ~~مكاني في الجامعة أن أفرغ لدرس هذا القسم من أقسام التاريخ، فأخذت في ذلك مستبشرا ~~مبتهجا، ولكني لم ألبث أن أحسست فتور الناس ونفورهم، ففترت أو كدت. ثم بدا لي، فرأيت ~~أن أمضي فيما أنا فيه، مقدما غير محجم، وأن أصبر على هذا الفتور صبرا جميلا، ~~فكانت العاقبة كما قدمت محمودة وكان الأثر مرضيا. # ثم رأيت أن الذين يختلفون إلى الجامعة مهما كثروا نفر قليل لا يكفي أن يعلموا فتعلم ~~الأمة، فخيل إلي أن الكتابة والنشر أوفق لتقريب هذه المادة من الجمهور وتحبيبها إلى ~~نفسه. فعزمت أن أنشر من هذه المادة ما قلت في الجامعة وما لم أقل، وأن أذيع كل ما من ~~شأنه أن يعطي قراء اللغة العربية صورة واضحة بعض الوضوح، حسنة بعض الحسن، من حياة ~~الأمة اليونانية. # أفعل ذلك لأني أراه واجبا علي للذين لم يمكنهم وقتهم من درس اللغات الأجنبية ~~وواجبا علي كذلك للغة العربية نفسها؛ فإن من الحق علينا أن نبذل ما نستطيع من قوة، ~~وننفق ما نملك من وقت، لنغني هذه اللغة ونكثر متاعها مما امتلأت به لغات أوروبا. ~~وليس يغفر لنا أن نعيش في هذا القرن مطالبين بكل ما تستمتع به الشعوب الأوروبية من ~~استقلال سياسي وعلمي، ثم نبقى عيالا على الأوروبيين في كل ما يغذو العقل والشعور من ~~علم وفلسفة، ومن أدب وفن جميل. # أليس من المخجل أن يجهل الجمهور الضخم من شبابنا ما اشتملت عليه آداب اليونان من ~~نظم ونثر، ومن تاريخ وفلسفة، مع أن فهم الآداب الحديثة التي أخذنا نميل إليها ~~ونشغف بها غير ميسور إذا لم نلم بهذه الآداب إلماما غير ms007 قليل؟! وكيف نحاول أن نفهم ~~«كرني» و«رسين» و«شكسبير» و«بيرن» و«جوت» وغيرهم من الشعراء والكتاب والفلاسفة إذا لم ~~نفهم شعراء اليونان وكتابهم وفلاسفتهم؟ # أليس مما لا بد منه أن نفهم إيفيجينيا # Iphiguénéia # لأوريبيديس # Euripidès # قبل أن نقرأ «إيفيجيني» ~~لرسين؟ # أليس يجب علينا أن نتقن تاريخ اليونان والرومان، وأن نستظهر دياناتهم وأساطيرهم، إذا ~~أردنا أن نقرأ كتب المحدثين فلا نتعثر في فهمها، ولا تقفنا في كل سطر عقبة، وفي كل ~~كلمة معضلة؟ # أضف إلى هذا أن من حقنا الحرص على أن يحسن ظن الناس بنا ورأيهم فينا. ولعمري ما كان ~~من مصادر حسن الظن وصدق الرأي إذا تحدثنا إلى الأوروبيين أن يشعروا بأن متاعنا من ~~العلم قليل، وحظنا من الأدب نذر يسير، لا نحسن الحديث إلا إذا لم يخرج عن مصر وشئونها، ~~فإذا تجاوزنا هذا إلى ما كان، أو ما هو كائن وراء البحر الأبيض بهتنا وأخذنا العي ~~والقصور. # كل هذه أسباب ألزمتني - ولا شك في أنها ستلزم غيري من الراغبين في نشر العلم بين هذه ~~الأمة - أن أحاول نشر تاريخ اليونان والرومان وآدابهم، في جمهورنا الذي لا يريد إلا أن ~~يتعلم لو وجد المعلمين. # وقد رأيت أن أبدأ من ذلك بنشر ما هو أيسر على الناس فهما، وألذ في النفوس موقعا، من ~~غير أن أطيل فأمل، أو أتعمق فأسئم. # 5 # بدأت بالاختيار من الشعر التمثيلي عند اليونان؛ فما أرى من فنون الأدب فنا أسهل من ~~التمثيل فهما، وألين منه ملمسا وألذ في النفوس موقعا. # وقد أخذت نفسي أن أقدم بين يدي هذه المختارات فصلا في نشأة التمثيل وتاريخه عند ~~اليونان. مقتصرا في هذا الجزء على التمثيل المحزن أو «التراجيديا»، فإذا فرغت من هذا ~~الفصل، وصفت ما عرف التاريخ الأدبي من حياة أيسكولوس # Aïschulos (Eschyle) # أول الشعراء الممثلين النابهين، ثم عرضت لما بقي ~~لنا من قصصه التمثيلية، فاخترت منها ما أعتقد أن في قراءته لذة وفائدة، معنيا بأن ~~ألخص ما يسبقه وما يليه، حتى إذا فرغ القارئ من قراءة ما اختار من ms008 قصة من القصص ~~كان قد ألم بموضوعها وما اشتملت عليه من حادثة. # فإذا انتهيت من أيسكولوس، ذكرت حياة سوفوكلس # Sophoclès # وصنعت بما بقي من آثاره مثل ما صنعت بآثار «أيسكولوس» ولكني ~~اضطررت إلى أن أجعل آخر هذا الجزء في منتصف قصص «سوفوكلس» رغبة عن الإطالة المملة ~~ورهبة من الإنفاق الفادح. # وأنا أرجو أن يروق هذا السفر لقرائنا، وأن يقع من نفوسهم موقعا يشجعني على أن ~~أمضي في نشر هذه الأجزاء، حتى إذا فرغت من التراجيديا في الجزء الثاني عرضت للكوميديا ~~في جزء ثالث ووددت - وليت هذا الود يغني - أن تكون هذه الصحف المختارة مشوقة للناس ~~إلى أن يقرءوا ما بقي من تمثيل اليونان كاملا غير مبتور، وأن يدعوهم ذلك إلى الرغبة ~~فيما تركوا من شعر قصصي، وما أعقبوا من شعر غنائي، ثم من تاريخ وفلسفة، إلى غير ذلك من ~~آثارهم العقلية والفنية. # إذن لحق لي أن أسعد وأغتبط، وأن أعتقد أني قد وفقت من خدمة اللغة العربية إلى بعض ~~ما كنت أريد. # طه حسين # القاهرة في 6 مايو سنة 1920 # | التمثيل اليوناني # مهده - نشأته وتاريخه # 1 # في آخر أغريقيا الوسطى حيث تماسها أغريقيا الجنوبية يتقدم في في البحر جزء ضيق صخري، ~~هو إلى الجدب والقحولة أقرب منه إلى الخصب والرخاء. يطيف به الماء من ثلاث جهاته، ~~وتكثر فيه التلال الجرد والوديان قد ملأتها صغار الحصى، هذا الجزء هو أتيكا، لا يعرف ~~التاريخ من أولية الحضارة في هذا الإقليم شيئا ذا خطر. وإنما تروي الأساطير وتؤيدها ~~المباحث العلمية عن اللغة والدين والناس، أنه كان مأوى لطوائف مختلفة الأجناس اليونانية ~~وغير اليونانية، نزحت إليه من الشمال والجنوب والشرق، وسلكت إليه طريق البر ~~والبحر. # فكلما أغار مغير على قسم من أقسام البلاد اليونانية وفر أمامه أهل هذا القسم، ~~لجأت طائفة منه قليلة أو كثيرة إلى هذا الإقليم، فأوت إليه، وتحصنت فيه، وعاشت به آمنة ~~مطمئنة. # كذلك لجأ إلى أتيكا عدد ضخم من قبائل بيوتيا حين أغار عليها التساليون. # وكذلك نزح إليها جمهور عظيم ms009 من أهل بلوبونسوس الشرقية والغربية حين احتلها الدوريون ~~والأيئوليون. # ومما لا شك فيه أن طوائف غير قليلة من الذين كانوا يسكنون الشاطئ الآسيوي لبحر إيجيا، ~~قد هاجروا إلى أتيكا في عصور مختلفة لم يحفظها التاريخ، عبروا البحر شيئا فشيئا ~~متمهلين غير متعجلين، لمكان الجزر المنبثة بين الشاطئين الأوروبي والآسيوي، فكانوا ~~كلما مروا بجزيرة نزلوها، واتخذوها مقاما. ثم نزح بعضهم، وبقي الآخرون. وتدل ~~الآثار التي استكشفت حديثا، على أن هذا القسم، من بلاد اليونان الوسطى، قد عرف حضارة ~~الأكويين في أرجوس ومسينا والمينيين في أوركومنيوس. # مهما يكن من شيء فقد كان أهل أتيكا يمثلون جميع الشعوب اليونانية حاشا الدوريين ~~الذين كانوا من قوة الشخصية وتماسك الجنسية، بحيث لم يكن من الميسور لهم أن يندمجوا ~~في غيرهم من الشعوب، ولم يكن من السهل على غيرهم من الأمم أن تهضمهم، فتمحو مميزاتهم ~~وخصائصهم وتقطع ما بينهم وبين جنسيتهم الأولى من صلة أو سبب. # كانت هذه الشعوب المختلفة حين تفد على أتيكا مضطرة إلى شيء من الجهاد لتجد لها في ~~هذا الإقليم الضيق منزلا تنزله، ومأمنا تستقر فيه. فإذا وصلت من ذلك إلى ما تريد، ~~فهي مضطرة إلى الجهد والجد، وإلى العناء والكد، لتستخرج عيشها من هذه الأرض غير ~~الغنية ولا الميسورة الاستثمار. # ومن هنا كان هذا الإقليم أشد الأقاليم اليونانية حثا لسكانه على العمل وحملا ~~لهم على الدأب فيه، والاستمرار عليه. # لم تكن أرضه لتجود بما فيها حتى يطلبه السكان فيلحوا في طلبه، فإذا جادت لم تجد ~~بأكثر مما يقيم الأود، ويوشك أن يسد الحاجة، ويكفي المسألة. # 2 # اختلاف أجناس السكان وتباين شعوبهم وافتراق منازلهم الأولى، كان سببا في أن كل شعب ~~من هذه الشعوب قد وفد على أتيكا وله من الصفات والمزايا ما ليس لغيره. # وجدب الأرض وضنها بما فيها، كان سببا في أن كل شعب قد اضطر إلى أن يجد ~~ويعمل، فيظهر ما امتاز به من مزايا وخصال. # وكان مكان هذه الشعوب بعضها من بعض في هذه الأرض غير السهلة ولا ms010 الخصبة، حاملا لها ~~على أن تتعاون وتتظاهر ويشد بعضها أزر بعض فما أسرع ما قام الأمن والوفاق بينها مقام ~~الخوف والافتراق. ومع هذا فهي لم تؤلف أمة واحدة متصلة الأجزاء، متماسكة القوى، ~~إلا بعد أن أقامت منتثرة متفرقة زمنا غير قليل. # سلكت إلى هذا سبيلا واضحة جلية، فأخذت هذه الطوائف تتعاون وتتناصر على حياتها ~~الاقتصادية لتستثمر الأرض من جهة، وعلى حياتها السياسية لتدفع عنها شر المغير من ~~جهة أخرى. فنشأت في أتيكا قبائل تصل بينها الحلف والمعاهدات. ثم أخذت هذه القبائل ~~تتقارب وتتدانى قليلا قليلا. وأخذت حياتها الاقتصادية والسياسية تتوحد وتتماس ~~أجزاؤها حتى أصبحت أقرب ما تكون إلى الوحدة، فظهرت في ذلك الوقت قرية من القرى امتازت ~~من غيرها بالثروة وشدة البأس، فما أسرع ما ضمت هذه القبائل وألفت منها شعبا واحدا، بل ~~مدينة واحدة وهي مدينة أثينا. # 3 # تعاونت طبيعة الأرض والإقليم وموقعها الجغرافي وطبيعة السكان، على أن تكون من ~~أهل أتيكا شعبا ممتازا كل الامتياز، من الشعوب اليونانية الأخرى، فمع أن هذا الشعب قد ~~كان يزعم نفسه يونيا، فقد كان يمتاز من اليونيين بصفات مقصورة عليه، لم يشاركه فيها ~~غيره من القبائل اليونية في آسيا. # ذلك لأن الشعب - كما قدمنا - كان يتألف من شعوب كثيرة أكثرها يوناني وأقلها آسيوي، ~~فجمع إليه خلاصة ما لهذه الشعوب من فضيلة، ولأن الأرض كانت كما قدمنا مجدبة من غير ~~أن تكون صحراء، فقد كانت تجري فيها غدران ضيقة ضئيلة، تجف إذا اشتد الحر ولكنها ~~كانت تبل الأرض. فتنبت فيها قليلا من القمح والشعير وشيئا من الكرم والتين والزيتون. ~~ولم تكن تخلو من المعدن وغيره من مصادر الثروة، فقد كانت فيها مناجم للفضة ومحاجر ~~للمرمر أغنت أهلها وفضلتهم على غيرهم أكثر من مرة، وكان الإقليم فيها معتدلا جافا ~~ليس هجيره بالمحرق ولا برده بالقارس. ليست بكثيرة السحاب، وليس لها بالضباب عهد، ~~فالهواء فيها خفيف شفاف، وضوء الشمس والقمر فيها مجلو بديع حين تسقط أشعته على ~~البحر أو على الصخور العارية المختلفة الألوان، ذلك ms011 إلى أن موقعها الجغرافي من البحر ~~كان يهيئها لتكون إقليما تجاريا بحريا قبل كل شيء. # ظل شعب أتيكا بمعزل من الحياة اليونانية المضطربة عصرا غير قليل لم يشترك فيما كان ~~يملؤها من حرب ونزاع، ومن خلاف وفرقة. بل أخذ يستحيل ويتطور شيئا فشيئا - إن صح هذا ~~التعبير - وقد تمت له هذه الاستحالة بأقل ما يمكن من ثورة وعنف، فانضمت قبائله ~~المختلفة، وكونت دولة واحدة من غير حرب، وعاشت هذه الدولة في ظل الملوك حينا، ثم في ~~ظل الأرستقراطية يقرب نظامها من النظام الملكي في أول الأمر، ثم يدنو من النظام ~~الجمهوري قليلا قليلا، حتى جاء «سولون» فأخذت الديمقراطية تظهر وتعلن وجودها وقدرتها ~~على الحياة. ثم قام «بيزستراتيدس» فاستأثر بالحكم وتبعه ابناه من بعده. وفي عصرهم أظهر ~~هذا الشعب أنه هو الشعب اليوناني الذي ستأوي إليه حضارة اليونان وقوتهم، فتجد عنده ~~مأوى أمينا ومعقلا حصينا. في هذا العصر جمعت الإلياس والأوديسيا ودونتا بعد أن ~~محصتا وبرئتا من الزيادة والاختلاف. وقبل اليونانيون كافة جمع أثينا وتمحيصها، ~~فكان ذلك أول اعتراف لها بالسلطان الأدبي والتفوق العقلي على اليونان جميعا. # زالت من أتيكا دولة الطغاة سنة عشر وخمسمائة قبل المسيح. وقامت فيها ديمقراطية ~~معتدلة منظمة لم يعهدها العالم القديم. # ولم يكد يمضي على هذه الديمقراطية عشرون سنة حتى أظهرت أنها نافعة مغنية، وأنها ~~إنما نشأت لتسلك بالإنسانية سبيلا جديدة؛ فقد كانت حروب الفرس التي كادت تلتهم اليونان ~~فتقضي على كل ما كان للإنسانية حينئذ من حياة عقلية لولا أن نهضت هذه الديمقراطية ~~الأثينية فأنقذت اليونان مرتين: مرة في مراثون سنة تسعين وأربعمائة، ومرة في سلامين سنة ~~ثمانين وأربعمائة. ثم لم تزل بالفرس حتى زعزعت عرشهم وأضعفت قوتهم، وخفضت كلمتهم. ~~وجعلتهم من الوهن والاضطراب بحيث استطاع الإسكندر أن يثل عرشهم. وبهذا الانتصار على ~~الفرس ظهرت أثينا واعترف اليونان لها بالسلطة والتفوق السياسي. فأصبحت زعيمة الإغريق ~~في كل شيء. ولن يستطيع الناس أن يقدروا هذه الزعامة قدرها، ويعرفوا ما قامت به للأدب ~~والفلسفة خاصة، وللحضارة المدنية ms012 عامة؛ من خدمة قد يعجز عن أن يصف خطرها ~~الواصفون . # 4 # كان ظفر أثينا في رد غارة الفرس عن بلاد اليونان أول عصر جديد لها في الحياة ~~السياسية. فقد عرف اليونان لها الزعامة كما قدمنا. وما أسرع ما ألفت مع جزر بحر ~~إيجيا وكثير من المستعمرات اليونانية في تراقيا جماعة متحالفة على حرب الفرس، متناصرة ~~على تحرير البحر وحماية التجارة اليونانية وإنقاذ سكان آسيا اليونان من سطوة الملك ~~الأعظم. وأصبحت أثينا عاصمة لهذا التحالف؛ فكانت بهذا ملتقى للوفود اليونانية من جميع ~~الشعوب على اختلاف أجناسها وملكاتها. وكل الناس يعرف أثر هذا الاختلاط بين الأجناس في ~~الحياة العقلية والأدبية. فليس من شك في أن أثينا مدينة له بشيء غير قليل من نهضتها ~~العامة التي بلغت أقصى ما كان يمكن أن تبلغه في القرن الخامس. # أضف إلى هذا أن أثينا أصبحت بعد الحروب الفارسية أعظم دولة بحرية، وأخذت أساطيلها ~~تنتشر في معظم البحر الأبيض المتوسط. فكانت تزور مصر وشواطئ آسيا الصغرى، وكانت تزور ~~البحر الأسود إلى أقصاه، ولم تقف عند هذا الحد، بل زاحمت أهل إيطاليا وصقليا فزارت ~~أساطيلها القسم الغربي من البحر الأبيض. ومن الواضح أثر هذه السياحات البحرية ~~والمعاملات التي كانت تصل بينها وبين غيرها من أمم الشرق والغرب المجاورة للبحر. فقد ~~كانت تقفها من العلم على شيء كثير في فنون مختلفة، كانت تعلمها المواقع ~~الجغرافية لهذه البلاد وترشدها إلى ما لأهلها من نظم اجتماعية وسياسية ودينية ~~واقتصادية. # وكانت تطلع الباحثين من أهلها على ما كان لهؤلاء الناس من حظ علمي قليل أو كثير، ~~وكان التجار والبحارة لا يكادون يعودون إلى أثينا حتى يتحدثوا بما شهدوا معجبين ~~الإعجاب كله. وكان فوز التجارة وامتداد السلطان السياسي يؤيد هذا الإعجاب ويضاعف ~~تأثيره، فتشتد الرغبة في السياحة وزيارة الأقطار المختلفة. ولولا ما كان يشغل الأثينيين ~~في ذلك الوقت من حرب أو استعداد لحرب ومن أعمال سياسية في المدينة يقتضيها النظام ~~الديمقراطي ولا سيما إذا أحبه الشعب وشغف به لأصبح الأثينيون وكلهم سندباد بحري. ms013 # 5 # هذا الفوز السياسي الذي أظهر أثينا وأعلى مكانتها بين أمم اليونان بعث في نفوس ~~الأثينيين شيئا غير قليل من الثقة بأنفسهم والإكبار لمكانتهم، فما كان يشك هذا الأثيني ~~الذي انتصر على الملك الأعظم فهزم جيوشه ودمر أسطوله ورده إلى آسيا تعسا ذليلا، ~~وحرر من ربقته شعوب اليونان الآسيوية، أنه يقصر عن شيء أو أن في هذه الحياة ما يعجزه ~~ويفوته. # ومتى نزلت هذه الثقة بالنفس من قلب الشعب منزلة حسنة من غير أن يفسدها الإسراف ~~والغلو، أو يحمل الإعجاب بها على الركون إليها والقعود عن العمل والإخلاد إلى ~~الاستمتاع بها، أقول متى نزلت هذه الثقة من قلب الشعب منزلة حسنة كانت مصدرا لأنواع ~~من الفوز والظفر لم يكن الشعب لينتظرها أو يطمع فيها. ولقد كان الشعب الأثيني في هذا ~~العصر على شدة ثقته بنفسه وشعوره بقوته مقدرا لهما حق التقدير غير مسرف في ذلك ولا ~~مغرق، يجرؤ ولكن بعد أن يتروى، ويقدم ولكن بعد أن يتدبر. فكان هذا سبيله إلى إتمام ما ~~بدأ من فوز وغلب. فأصبحت له السيطرة على تجارة البحر وعلى معظم جزره، وأصبحت تجبى ~~إليه أموال هذه الجزر فينفقها في تقوية أسطوله وبسط سلطان الجماعة المتحالفة. # هذه الثقة بالنفس لم تقتصر على الجهة السياسية والاقتصادية، بل تجاوزتها إلى الجهة ~~الأدبية والفنية والعقلية. فإذا كانت أثينا وطنا لأيسكولوس وسوفكليس وأوروبيديس من ~~الشعراء الممثلين، ولفدياس زعيم الفن الجميل ولسقراط مؤسس الفلسفة؛ فهي مدينة بهذا لذلك ~~المجد المؤثل الذي ملأ نفوس أبنائها ثقة وإقداما فاعتقدوا أنهم قادرون على كل شيء ~~ونظروا إلى ما حولهم من آثار الأدب والفن والفلسفة والسياسة، فرأوا أنه من الضعف ~~والوهن ومن القدم وطول العهد بحيث لم يكن بد من إزالته وإقامة الجديد ~~مقامه. # وقد حاولوا ذلك في السياسة فظفروا كل الظفر وحاولوه في غيرها فأفلحوا الفلاح كله، ~~ولولا هذه الثقة وهذا الإقدام لكان من الممكن ألا يفوز الأدب والعلم والفن بما وضع له ~~الأثينيون من دعامة ثابتة وأساس متين. # 6 # لم يكن بد من ms014 إيجاز ما قدمنا من الحياة الأثينية لنفهم كيف نشأ التمثيل فيها وارتقى، ~~وكيف استحال وانتقل من طور إلى طور حتى بلغ أقصى ما قدر له من الرقي في القرن ~~الخامس قبل المسيح. # مع أن النصوص التاريخية التي تشير إلى نشأة هذا الفن قليلة غامضة، فمن اليسير أن نتخذ ~~لنا من هذه النشأة صورة واضحة بعض الوضوح إذا أبحنا لأنفسنا شيئا من التدبر ~~والاستنباط. # الدين اليوناني هو الذي أهدى هذا الفن إلى الأمة اليونانية؛ فإن لكل إله من آلهة ~~اليونان حياة خاصة لقي فيها من ضروب الخير والشر ومن صنوف النعيم والبؤس ما حببه إلى ~~الشعب وأقام له في نفسه مكانة ما. وقد كان اليونان إذا عبدوا آلهتهم حرصوا كل الحرص ~~على أن يظهروا تأثرهم بما ملأ حياة الآلهة من خطوب فيفرحون لما نالهم من نعيم ~~ويحزنون لما أصابهم من شقاء، وكانوا لا يكتفون باستشعار الفرح والحزن في نفوسهم، بل ~~يظهرون ذلك إظهارا ويشتركون فيه اشتراكا. # وأوضح طريق تخيلوها لإظهار ما يسرهم أو يحزنهم من حياة الآلهة وما عرض لهم فيها من ~~خطب، إنما هي تمثيلهم هذه الحياة وما اشتملت عليه في أطوارها المختلفة. ذلك هو مصدر ~~كثير من الحفلات التي كان يقيمها اليونان لآلهتهم وأبطالهم من حين إلى حين. ومن هنا ~~نشأ فن التمثيل. # كانت الأساطير تحدث اليونان بأن أبلون مثلا حينما وصل إلى دلف قتل حية تسمى بيثون ~~رميا بالسهام، فكانوا إذا أرادوا إعلان مجد الإله وما كان له من فوز وظفر مثلوا هذه ~~الحادثة من حين إلى حين. وكانت الأساطير تحدثهم بأن أبلون بعد ظفره قد أعلن فرحه ~~وابتهاجه فجمع إليه القيان من آلهة الشعر والموسيقى بالقرب من أعين جارية وأشجار مورقة ~~في سفح البرناس، فأخذ يوقع على قيثارته وهن من حوله يتغنين ويرقصن ويلعبن ضروبا من ~~اللعب، فمثلوا ذلك وأقاموا من وقت لوقت حفلات موسيقية تسابق فيها المغنون والموقعون، ~~وقدرت الجوائز لمن فاز منهم بالسبق. على أن إلهين اثنين أثرا في نشأة التمثيل ~~أثرا خاصا: هما ديونوزوس ms015 إله الخمر ودمتير آلهة الخصب. كلاهما امتلأت حياته بكثير ~~من الخطوب المحزنة والسارة ، كلاهما مازج الشعب وخالطه في حياته اليومية، وكلاهما كان ~~في نفس الشعب رمزا لما ينال الطبيعة في فصول السنة على اختلافها من نضرة وبهجة حينا، ~~ومن ذوي وذبول حينا آخر. وكلاهما شغف اليونان بعبادته وتمثيل حياته في طور خاص من ~~أطوارهم السياسية والاجتماعية، هو طور النزاع العنيف بين طبقة الديمقراطية ~~والأرستقراطية الذي بدأ في أواخر القرن السابع وأوائل القرن السادس قبل المسيح. # في هذا العصر كان العقل اليوناني قد رقي رقيا ما، فظهرت حكمة الحكماء وأمثالهم ~~من جهة، وأحس الشعب وجوده وشخصيته من جهة أخرى، وأحس إلى جانبهما سوء حاله من كل وجه، ~~وحسن حال الأرستقراطية. فأخذ يطالب بحقه شيئا فشيئا، وكثيرا ما كان يدركه اليأس ~~والفشل لقوة الأرستقراطية والطغاة وتمكنهم من كل شيء، سواء أكانت قوة سياسية أم قوة ~~اجتماعية واقتصادية. فكان الشعب ينتهز فرصة هذه الحفلات الدينية ليلهو ويلعب ملتمسا في ~~هذا اللعب وذلك اللهو عزاء عما كان يملأ حياته من بؤس ويثقله من سوء حال، مستفيدا ~~مما كان يبيح الدين له من الإغراق في الأكل والشرب والاستمتاع بلذة الحياة المادية، ~~فكان يأكل فيسرف، ويشرب فيفرط وتأخذه نشوة هذا الإسراف والإفراط فيتغنى ويرقص، ثم لا ~~تكاد تتألف جماعاته للحفل بالإله وتمثيل حياته المحزنة أو السارة حتى يملكه السكر ~~ويأخذه شيء من الذهول فينسى حياته الحقيقية وما فيها من شقاء. # في هذه الحفلات التي كانت تقام إكراما لديونوزوس ودمتير عنى بعض الشعراء الغنائيين ~~بتناول بعض ما عرض لهما من صروف الحياة فنظم فيه الشعر، وكان يجمع إليه طائفة من الناس ~~يلقنهم الأبيات ملؤها الحزن والشكاة يرددونها من حين إلى حين، يقطعون بها ما كان ~~يلقى من شعر يبسط فيه ألم الإله أو لذته. وكان هؤلاء الناس الذي يسمون «الجوقة» في ~~حفلات ديونوزوس يرتدون جلود المعز # 1 # تمثيلا لرفاق هذا الإله. فسمي هذا الغناء غناء تراجيديا وكان أول مظهر ~~من مظاهر التمثيل. # 7 # ظهر هذا الغناء التراجيدي ms016 في شمالي بيلوبونيسوس آخر القرن السابع وأول القرن السادس ~~قبل المسيح. ويذكر مؤرخو الآداب اليونانية شاعرا من مدينة سيكيون يردون إليه فضل ~~اختراع هذا الفن، واسمه أبجنيس، ولكنهم لا يعرفون من أمره شيئا. ومما لا شك فيه أن هذا ~~الشاعر وغيره من شعراء بيلوبونيسوس لم يتجاوزوا بالتمثيل هذا الطور الذي وصفناه، ولم ~~يزيدوا على هذا الغناء التراجيدي شيئا؛ لهذا كانت أتيكا مهدا للتمثيل؛ فإنه قد ولد ~~فيها ونشأ وما زال يرقى ويستحيل شيئا فشيئا حتى وصل إلى ما وصل إليه من الرقي في ~~القرن الخامس قبل المسيح. # يعرف التاريخ الأدبي لليونان اسم شاعر ولد في قرية من قرى أتيكا نحو سنة ثمانين ~~وخمسمائة يقال له تسبيس، وقد أجمع رواة اليونان والرومان ومؤرخوهم على أنه هو الذي ~~اخترع التراجيديا وأذاعها في بلاد أتيكا جميعا. يقول هوراس الروماني إن تسبيس هذا كان ~~يتنقل بين قرى أتيكا ومعه فنه على عجلة يمثل في الأسواق والمجتمعات. فما أسرع ما ~~كلف الناس بهذا الفن الجديد ورغبوا فيه. وأول شيء أحدثه تسبيس في التمثيل، فغاير بينه ~~وبين الغناء التراجيدي، هو أنه أوجد مكان الشاعر الذي كان يقص حياة الإله أو البطل ~~شخصا يمثلهما. ولم يكن هذا الشخص يكتفي بأن يقيم نفسه مقام البطل أو الإله، بل كان ~~يحاول بقدر ما يستطيع أن يتخذ شكلهما، فكان يصبغ وجهه بشيء من الأصباغ، وربما أضاف ~~إلى لباسه شيئا ما يمثل بعض التمثيل ما كان يتصور اليونان من زي الآلهة ~~والأبطال. # ثم لم يكتف تسبيس بأن يكلف الجوقة استظهار أبيات من الشعر وترديدها من حين إلى حين، ~~وإنما أحدث بينها وبين الشخص الممثل شيئا من الحوار ساذجا في أول الأمر، ولكنه مصدر ~~رقي التمثيل. # كانت الجوقة تلقي السؤال من وقت إلى وقت على الشخص الممثل فيجيبها عليه ذاكرا ~~بعض أخبار القصة التي يراد تمثيلها، مضيفا إلى ذلك ما يتخذ من المهارة في حركات وجهه ~~ويديه وسائر جسمه، ليمثل البطل أو الإله، ومن هنا أصبحت التراجيديا كما كان يتصورها ~~تسبيس تنحل ms017 إلى ثلاثة أشياء: # الأول: # قصة يلقيها الشخص الممثل مبتدئا تارة، ومجيبا على أسئلة الجوقة ~~تارة أخرى. # الثاني: # ما تتغنى به الجوقة من شعر في الرثاء للبطل أو الإله أو في الإعجاب ~~بالطبيعة ومظاهرها، ومن مسائل تلقيها على الممثل. # الثالث: # ما يضيفه الممثل نفسه إلى أقواله من حركات جسمية أو نبرات في الصوت، ~~ليحسن تشخيص الإله أو البطل، ويزيد التأثير في نفس الجمهور. # 8 # اشتد كلف الجمهور بهذا الفن وبلغ من الشدة أن اعترفت به الحكومة السياسية، فأصبح ~~التمثيل المحزن من الحفلات التي تقيمها الحكومة في عيد ديونزوس إكراما له ~~وإجلالا. # ويقال إن من أهم الأسباب التي حملت الحكومة الأثينية على أن تعترف بالتمثيل وتضيفه ~~إلى البرنامج القانوني لعيد ديونزوس أن بزستراتيدس الطاغية بعد أن عاد من النفي سنة ~~أربع وثلاثين وأربعمائة أراد أن يكسب قلوب الشعب ويلهيه عما فقد من حرية سياسية، ~~فأهدى إليه فن التمثيل وقرر أن يتسابق فيه الشعراء قبل أن يئون أوان العيد. # وأحسب أن في هذا شيئا من المبالغة والإسراف؛ فإن درس تاريخ أثينا يعلمنا أن الحكومة ~~الأثينية ما كانت ترى الشعب يكلف بشيء من الأشياء كلفا عاما إلا اعترفت به ~~واتخذته لنفسها قانونا؛ فإن الحكومة الأثينية على اختلاف أشكالها السياسية كانت شديدة ~~الميل إلى النظام الديمقراطي وما يستتبع من الاعتراف بميول الشعب وأهوائه والإسراع إلى ~~تحقيقها في كثير من الأحيان. ومهما يكن من شيء فقد كان اعتراف بزستراتيدس بالتمثيل ~~مصدرا لحياته الحقيقية وحاميا له من التشتت والضياع، وحاملا إياه على أن ينمو ~~ويستحيل في هدوء ونظام حتى يبلغ أشده. # ليس من الميسور أن نعرف كيف استحال التمثيل منذ اعترفت به الحكومة إلى نحو سنة ثمانين ~~وأربعمائة قبل المسيح. ولكنا نعرف أنه قد ارتقى في هذا الأمد القصير رقيا ظاهرا. ~~فعدلت الجوقة عن أن ترتدي جلد المعز لتمثل رفاق ديونزوس. ومعنى هذا أن التراجيديا قد ~~تجاوزت حياة ديونزوس إلى غيرها من الموضوعات، وأصبحت قادرة على أن تمثل كل شيء من حياة ~~الآلهة والأبطال. بل هي لم ms018 تكتف بهذا، فتناولت الموضوعات المعاصرة، وحاولت تمثيل ~~الحياة اليونانية، أو على أقل تقدير ما يقع في هذه الحياة من الأحداث ذات الخطر. فمثل ~~فرنكوس الشاعر سنة خمس وتسعين وأربعمائة أمام الشعب الأثيني سقوط مدينة ميليه في يد ~~الفرس فأبكاه وأحزنه، وساء أثر هذه القصة في نفس الأثينيين فعاقبوا الشاعر الممثل؛ ~~لأنه لعب بين يدي الشعب ما يسوءه ويحزنه، ومثل سنة خمس وسبعين وأربعمائة قصة ~~الفينيقيين أظهر فيها ظفر أثينا على الفرس. # كانت هذه الاستحالة التي أشرنا إليها خطوة خرج بها التمثيل من طفولته إلى شبابه، ~~وفارق بها سذاجته الأولى، فأصبح غير مقصور على القيام بما كان يقوم به من واجب ديني ~~يقصد به إلى تعظيم الآلهة والأبطال وتسلية الجمهور، بل سما إلى غاية أخرى أشد من هذه ~~الغاية دقة وأجل خطرا وأبعد منالا، هي تمثيل الحياة الإنسانية وما يبعث العمل فيها من ~~عواطف مختلفة وميول متباينة وأهواء متناقضة. # فلم يكن الشاعر الممثل حين يضع قصة من القصص يقصد إلى سرد حوادث ملأت حياة بطل أو ~~إله، ولا إلى أن يسمع الجمهور ما يتلوه الممثل أو تتغنى به الجوقة من شعر جميل النظم ~~حسن الموقع وإنما كان يقصد إلى أن تكون قصته مرآة ناصعة تظهر فيها صورة من صور الحياة ~~القديمة أو الحديثة وما عمل في تكوين هذه الصورة من عاطفة أو هوى. وكان يريد أن يرى ~~الجمهور نفسه على مسرح التمثيل، فيشعر بما يزينه من فضيلة أو يشينه من عيب، وكان إلى ~~هذا وذاك يريد أن يبعث في نفس النظارة من العواطف ما تقوم عليه الحياة الاجتماعية ~~والسياسية من ثقة تحمل على الإقدام والجرأة والشغف بجلائل الأعمال، أو رحمة تدعو إلى ~~البر والإشفاق والأخذ بيد الضعفاء والبائسين، وكان فوق هذا كله يحرص على أن يمثل ~~للجمهور الجمال في أبدع مظاهره وأبهجها حتى لا ينحط ولا يفسد، والقضاء في أشد ما يكون ~~قسوة على الإنسان وعبثا به حتى لا يغتر ولا يطغى، إلى غير ذلك مما ستراه واضحا جليا ~~فيما سنترجم ms019 أو نلخص في هذا الكتاب. # 9 # هذا الرقي المعنوي الذي رقاه التمثيل في أمد قصير متأثرا بما أصاب الحياة الأثينية ~~من استحالة سياسية أو اجتماعية استلزم رقيا ماديا لم يكن منه بد. فبعد أن كان ~~الممثل فردا واحدا يمثل بطلا أو إلها لا يتكلف في تمثيله إياه إلا الشيء القليل ~~من تلوين الوجه والإضافة إلى الزي، أصبح في عصر أيسكولوس شخصين، ولم يكن بد من اتخاذ ~~الأزياء الخاصة لكل قصة، ومن اتخاذ النقب التي تمثل الوجوه المختلفة. فأما تعدد الأشخاص ~~فقد استلزم تنويعا في المحاورة قرب القصة إلى الحقيقة ودانى بينها وبين الواقع ونقل ~~المنفعة من حوار الجوقة والممثل إلى حوار الممثلين، فأصبح مكان الجوقة مكانا إضافيا ~~يزيد في جمال القصة وروائها من غير أن تكون رهينة به أو موقوفة عليه. ونحن مدينون لهذا ~~التعدد بأجمل ما اشتملت عليه القصص التمثيلية من حوار. وأما اتخاذ النقب وتغيير الزي ~~فيدلان على أن الممثلين قد أصبحوا محققين أكثر منهم مخيلين؛ أي إنهم كانوا يحاولون ~~أن يخلبوا الجمهور ما استطاعوا أو يحملوه على أن يعتقد أنه إنما يرى شيئا واقعا ~~محققا لا متوهما ولا مخيلا، وذلك بالعدول عن الإسراف في الخيال من جهة والاستعانة ~~بالآلات المادية من جهة أخرى. # وبعد أن كان التمثيل بدويا ينتقل من مكان إلى مكان ويطوف أنحاء أتيكا في المواسم ~~والأعياد أصبح حضريا مستقرا فأقيمت له الملاعب ونظمت حفلاته تنظيما لا بد من ~~الإلمام به. # 10 # يدل ما قدمناه على أن حفلات التمثيل كانت دينية قبل كل شيء؛ أي إن اليونان كانوا ~~يعبدون آلهتهم حين يمثلون أو يشهدون التمثيل، ولم تكن هذه الصفة الدينية لتمنعهم أن ~~يلهوا ويلعبوا، أو أن يلذوا ويطربوا، فقد كانت ديانتهم سمحة سهلة حظها من الشعر ~~عظيم، فكانوا يقاسمون آلهتهم لذاتهم وآلامهم، وربما انفردوا دونهم بالحظ الأعظم ~~منها، فقلما كانوا يضحون للآلهة إلا أكلوا معظم ضحاياهم ولم يقدموا إليهم منها إلا ~~الشيء القليل. # هذه الصفة الدينية التي حملت الحكومة على الاعتراف بالتمثيل حملتها على العناية ms020 ~~بتدبيره والإنفاق عليه، فكان التمثيل في حقيقة الأمر إجلالا وتكرمة ترفعهما الدولة في ~~كل سنة إلى الإله. # كعادة اليونان في جميع حفلاتهم اتخذت المسابقة قاعدة لتنظيم التمثيل. فكان الشعراء ~~الممثلون يقدمون إلى رئيس معين من رؤساء الحكومة هو الأركنتوس الذي كان يعطي اسمه ~~للسنة ما كان يريد أن يمثل من قصة. ولم يكن بد لكل شاعر يريد أن يشترك في هذه ~~المسابقة من أن يقدم قصصا ثلاثا وقصة رابعة قصيرة يحافظ فيها على النظام التمثيلي ~~القديم: من ارتداء الجوقة جلود المعز ومن حرية التعبير واستعمال ألفاظ وجمل وحركات قد ~~لا تبيحها الآداب العامة. # فإذا قدم الشعراء ما لديهم إلى هذا الأركنتوس اختار منهم ثلاثة هم الذين توضع قصصهم ~~موضع البحث والانتحال. ودفع لهؤلاء الشعراء أجرا يتفق معهم عليه بعد مساومة ~~ومشادة، والدولة هي التي كانت تدفع هذا الأجر. وكانت العادة أن تنتخب كل قبيلة فردا ~~من سراتها وأغنيائها ليقوم بما بقي من تنظيم حفلة التمثيل. يكلف ذلك ثلاثة في كل ~~عام. # فكان كل فرد من هؤلاء الأفراد يكلف تنظيم التمثيل لواحد من الشعراء، فيختار الجوقة ~~ويختار لها المعلمين والملقنين ويكسوها ويشتري ما تحتاج إليه من آلة، ينفق على هذا كله ~~من ماله، حتى إذا ما جاء ميعاد التمثيل ازدحم الناس في الملعب ولم يكن بد من أن يشهد ~~التمثيل جميع أفراد الشعب على اختلاف طبقاتهم، فمن منعه فقره وإعدامه من ذلك فعلى ~~الدولة أن ترزقه أجر دخوله إلى الملعب. # كان هذا الملعب في أثينا قد أقيم على منحدر تل صغير نحتت في صخره مجالس للناس ~~مدرجة في شكل نصف دائرة. وقد خصصت صفوفهم الثلاثة السفلى لمن أريد تشريفهم: يجلس في ~~أولها القسس والكهنة محيطين بقسس ديونوزوس الذي كان يقام التمثيل إكراما له. هذا ~~المدرج كان يسميه اليونان «ثيانرون» أي «موضع النظر». # دون هذا المدرج كانت تنبسط أرض سهلة ممهدة في شكل نصف دائرة أيضا، كان اليونان ~~يسمونها أركسترا أي «موضع الرقص» وفي وسط هذه الأرض كانت تقوم مائدة الآلهة تطوف ms021 بها ~~الجوقة راقصة متغنية محاورة، ثم يرتفع فيما دون هذا المرقص أمام النظارة حائط هو الذي ~~يسمى المنظر ، عليه يمثل ما كان يراد تمثيله من الصور والمناظر. وأمام هذا الحائط ~~يمتد مرتفع ضيق مستطيل كان يقوم عليه الممثلون يصلون إليه من باب قد شق في وسط ~~الحائط. # يفد الناس إلى الملعب منذ آخر الليل ويبدأ في التمثيل مطلع الشمس فتدخل الجوقة صفوفا ~~يتقدمها رئيسها، ثم يظهر الممثل، وكان في أول الأمر واحدا كما قدمنا، ثم أصبح اثنين ثم ~~ثلاثة، ولم يتجاوز الممثلون هذا العدد. وكان من الحق على الشاعر مهما كثرت أشخاص قصته ~~أن يقسمها بين هؤلاء الممثلين، فكان أحدهم ربما مثل شخصا أو شخصين أو أكثر من ذلك وكان ~~يمثل الرجل والمرأة لا يتغير في هذا إلا الزي؛ فإن المرأة لم يكن يسمح لها أن تشترك في ~~التمثيل. # يظهر الممثل وقد اتخذ من الأزياء ما يلائم مكانه من القصة، وكانت العناية شديدة بأن ~~يمثل هذا الزي صاحبه جليلا وقورا، تراه الأعين فتهابه ويشعر الناس حين يرونه بكل ما ~~يملأ قلوبهم من جلال الأبطال. # كان ممثل التراجيديا يتخذ نعالا عالية ترفع قامته وتباعد ما بينه وبين الأرض، ~~وثيابا ضافية فضفاضة، ونقابا يرسم صورة الشخص الذي يريد أن يمثله. ومع أن هذا النقاب ~~كان يحول بين الممثل وبين ما كان يود أن يظهر الجمهور عليه من حركات وجهه وتشكله ~~بما يلائم أحواله المختلفة من الأشكال المتباينة، فقد كان يستطيع بواسطة اللحظات ونبرات ~~الصوت وحركات اليدين وسائر أعضاء الجسم أن يبلغ من نفوس النظارة ما يريد من ~~تأثير. # مثل الشعراء أنفسهم في أول الأمر ما كتبوا من قصص ولكن ما كاد التمثيل يرقى بعض الرقي ~~حتى ظهرت طائفة الممثلين تخصصت لهذا الفن وارتاح لذلك الشعراء، فكانوا يتقسمون فيما ~~بينهم آثار الشعراء فيدرسونها ويأخذون أنفسهم بتمثيلها وتفسيرها، يتقاضون على ذلك أجرا ~~من الدولة. وما زالت هذه الطائفة ترقى ويتميز أفراد منها بالإجادة في الفن حتى أحرزوا ~~في الجمهور مكانة عالية، واضطر الشعراء إلى ms022 أن يحسبوا لهم حسابا حين ينظمون ~~قصصهم، وكثيرا ما أنشأ الشاعر قصة من القصص ليلعبها بين يدي الجمهور ممثل ~~بعينه. # يبدأ التمثيل كما قلنا مطلع الشمس ويستمر النهار كله، ثم يعود فيبدأ من غد ومن بعد ~~غد؛ ثلاثة أيام، لكل شاعر يوم، وفي كل يوم ثلاث قصص إلى القصة الصغيرة الستيرية التي ~~أشرنا إليها آنفا. فإذا تم التمثيل انتخب الرئيس الذي وكل إليه تنظيمه قضاة عشرة لا ~~يستشير في انتخابهم إلا القداح. ثم حلف هؤلاء القضاة ليحكمن عادلين غير جائرين ~~ولا متبعين للهوى. فمن حكموا له بالأولية فهو الفائز الظافر، ثم يأتي بعده الثاني الذي ~~يليه إجادة وإتقانا، أما الثالث فمقهور مغلوب لا حظ له من المكافأة. # وليس معنى اختصاص هؤلاء القضاة بالحكم أن صوت الجمهور لم يكن ذا قيمة ولا خطر؛ فإن ~~القضاة أنفسهم كانوا من هذا الجمهور يتأثرون بما يتأثر به، وما كان أشد تأثر الجمهور ~~الأثيني، وما كان أسرعه إلى إظهار ما يشعر وأعنفه في إظهاره، فكان يصفق ويصيح مشجعا ~~حين يعجب ويسر، وكان يصفر ويصيح مزريا ساخرا حين لا يروقه ما يرى أو ما يسمع. وكثيرا ~~ما حصب الممثل وكثيرا ما طرده. ومن هنا أصاب التمثيل في أثينا كثيرا من الأحيان ما ~~أصاب السياسة من تنافس في كسب الجمهور واستباق إلى اشترائه وابتغاء رضاه. # تظفر القصة من القصص، فلا يكون هذا الظفر ولا ما استتبع من جائزة موقوفين على ~~الشاعر وحده، أو الممثل وحده، أو عليهما معا. وإنما هو حظ مقسوم بينهما وبين هذا ~~الذي علم الجوقة وأنفق عليها. ولا يكاد يعلن هذا الظفر حتى يخلده أثر مادي ما تنقش عليه ~~نتيجة المسابقة وأسماء الفائزين، وهذه الآثار نفسها هي التي استخدمها مؤرخو الآداب في ~~العصور اليونانية حين حاولوا إنشاء تاريخ التمثيل والممثلين. # 11 # أشرنا إلى أن التراجيديا إنما تولدت من الشعر الغنائي حين كان يتناول تمجيد ~~ديونوزوس، وذكر حياته وما ملأها من لذات وآلام، وإلى أنها كانت وما زالت نوعا من ~~العبادة لهذا الإله. فكان من ms023 الطبعي إذن أن يكون موضوعها دائما حياة هذا الإله أو ~~غيره من الآلهة. وقد بدأت كذلك. ولكنها لم تكد تتكون وترقى بعض الرقي حتى تركت ~~الآلهة جانبا وبحثت عن أبطال العصور الأولى الذين تغنى بهم الشعر القصصي، فاتخذت ~~منهم لقصصها موضوعا. فهذا العدول عن موضوعها الطبعي خليق أن يعلل ويبحث عن سببه. وليس ~~من العسير الاهتداء إلى هذا السبب والوقوف عليه؛ ذلك أن الآلهة على قربهم من البشر في ~~تصور اليونان كانوا لا يزالون آلهة يخالفون البشر في طبيعتهم وحياتهم وما يملؤها من ~~عمل وما يجري فيها من خير ومن شر. فلم يكن من الميسور اتخاذهم موضوعا للقصص التمثيلية ~~ولا إلى أن يجد الشاعر في حياتهم ما لا بد منه لجمال القصة من درس العواطف وتحليلها ~~ووضعها موضع النقد والإنكار. فإذا لاحظنا إلى هذا أن التمثيل إنما نشأ عند اليونان في ~~العصر الذي ارتقى فيه العقل وأخذت فيه الفلسفة تمد ظلها على كل شيء وتتناول أجزاء هذا ~~العالم بالبحث والتمحيص. عرفنا أن الآلهة لم يكونوا يصلحون موضوعا للتمثيل لبعد ~~ما بينهم وبين الحقيقة الواقعة، ولما في وضعهم موضع البحث والنقد من خطر على مكانتهم ~~الدينية أن تتزعزع، وعلى سلطانهم أن يظهر باطله فيزول، ولأن إظهارهم على مسارح التمثيل ~~يتحاورون فيما بينهم أو يحاورون الناس لم يكن يخلو من غرابة لا يسيغها العقل ولا تطمئن ~~إليها النفوس. # ولقد حاول «أيسكولوس» تمثيل الآلهة في قصة سيراها القارئ في هذا السفر وفي قصة ~~أخرى هي الأمنيدس ولكنه لم يعد إلى ذلك كأنه آنس من الجمهور شيئا غير قليل من الدهش ~~لما يرى والقصور عن فهمه وتذوقه. فآثر أن يجعل الآلهة من قصصه بمكان المشرف عليها من ~~كثب المدبر لما يقع فيها من حادثة. ومضى على سنته غيره من الشعراء. # جل الآلهة عن أن يكونوا موضوعا للتراجيديا وقصرت الحوادث المعاصرة للشعراء عن هذا ~~أيضا. فإنا لا نرى فيما بقي من آثار الشعراء الممثلين ولا فيما حفظ التاريخ الأدبي ~~من عنوانات قصصهم الدارسة ما يؤذن ms024 بأنهم مثلوا حياة الأمة اليونانية المعاصرة لهم ~~إلا مرات معدودة، فشلوا في بعضها وحفظتهم ظروف خاصة من الفشل في بعضها الآخر. فقد ~~مثل فرنكوس سنة خمس وتسعين وأربعمائة بين يدي الأثينيين سقوط ميليه في يد الفرس ~~فأبكى الشعب وأحزنه، ولكنه لم يلبث أن عوقب على ذلك، ثم مثل سنة خمس وسبعين ~~وأربعمائة قصة الفينيقيين، ومثل أيسكولوس سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة قصة الفرس، فظفر ~~كل الظفر لا لشيء إلا لأن الأثينيين خاصة واليونانانيين عامة كانوا في هذا الوقت سكارى ~~بما نالوا على الملك الأعظم من تفوق وانتصار. # فإذا أردنا أن نعرف سبب هذا الإعراض عن الحوادث المعاصرة وجدناه يكاد ينحصر في شيئين: ~~الأول أن الحوادث كانت تملأ النفوس وتؤثر في القلوب بمجرد وقوعها؛ فلم يكن اليونان في ~~حاجة إلى قوة الشعراء وبراعتهم ليستقصوا كل ما كان فيها من جمال وروعة أو من خير وشر، ~~والثاني أن التراجيديا كانت عملا دينيا قبل كل شيء، فلم يكن بد من أن يمت ~~موضوعها إلى الدين بسبب، ومن الظاهر أن هذه الحوادث لم تكن من الدين في شيء. # مكان التراجيديا من الدين وحرص اليونان على سننهم الموروثة - لا يغيرونها مهما ظهر من ~~فسادها - حالا بين الشعراء وبين اختراع الموضوعات الطريفة لقصصهم التمثيلية. وقد حاول ~~بعضهم ذلك فلم يفلح ولم ينل إعجاب الشعب ولا رضاه. # إذن فقد اضطر الشعراء إلى أن لا يتخذوا موضوعات قصصهم إلا من أبطال العصور الأولى ~~الذين نوهت بهم الإلياس والأوديسا وغيرهما من قصائد الشعر القصصي. ولم يكن كل هؤلاء ~~الأبطال ليصلحوا موضوعا للتمثيل، فاختار الشعراء من بينهم من هو أشد إلى الحياة ~~الواقعة قربا وأدنى منها مكانا لما أصابه من سعادة أو شقاء ومن نعيم أو بؤس ولما ~~امتاز به من قوة لا تقطع ما بينه وبين الإنسانية من صلة أو ضعف يقربه من الناس ولا ~~يبعده من الآلهة. فمثلوا أجاممنون وكلوتيمنسترا # 2 # وإيلكترا # 3 # وأوريستيس # 4 # وأويديبوس # 5 # وأنتيجونا # 6 # إلى غيرهم. ولقد حاول سفوكليس تمثيل هيراقل فلم ينل من ms025 الإجادة والإتقان ~~والقدرة على تحريك القلوب ما نال حين مثل غيره من الأبطال؛ لأن هيراقل كان إلى الآلهة ~~أقرب منه إلى الناس. # انحصر موضوع التراجيديا في أبطال العصور الأولى وكان من المنتظر أن يشق ذلك على ~~الشعراء ويجهدهم وينتهي بهم إلى التقصير؛ لأن هؤلاء الأبطال قد تناولهم الشعر القصصي ~~أكثر من مرة في عصور مختلفة. فوصف حياتهم وصفا دقيقا وأظهر ما كان يبعثهم على العمل ~~من شهوة عنيفة أو هوى قوي، ومن عاطفة دقيقة أو شعور عميق، ولكن الشعراء الممثلين لم ~~يعجزهم ذلك عن الإجادة، بل عن الإبداع والإعجاز، فما كادوا يتناولون هؤلاء الأبطال حتى ~~أحسنوا تمثيلهم وأبدعوا في تصوير نفوسهم واتخذوا منها مرآة صافية وضعوها أمام النوع ~~الإنساني، فرأى كل فرد من أفراده في هذه المرآة نفسه وما يزينها من فضيلة أو يعيبها ~~من نقص، ولم يقف نبوغهم عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى إظهار الحياة اليونانية الأولى، في ~~صورة من المجد جميلة خلابة ملأت قلوب الجمهور إعجابا وفخرا، وبعثت فيها عاطفة ~~الإقدام على كل جليل، والإعراض عن كل دنيء لا يلائم نفسا عزيزة ولا يليق بقلب ~~ذكي. # فهذا كله ينتهي بنا إلى قضيتين ليس فيهما شك؛ الأولى: أن الشعراء القصصين قد بذروا في ~~النفس اليونانية بذورا كانت من القوة والاستعداد للحياة والنمو والإنتاج بحيث يعجز ~~الزمان عن إفنائها وإبلائها؛ فقد أثمرت هذا الشعر القصصي وأثمرت غير قليل من الشعر ~~الغنائي وأثمرت الشعر التمثيلي عند اليونان والرومان، ولا ينبغي أن ننسى أنها أثمرت ~~أجمل ما يزدان به التمثيل الفرنسي في القرن السابع عشر، وهي على هذا كله جديدة رائعة ~~خلابة للنفوس، أخاذة بمجامع القلوب، وأثمرت إلى هذا كله حظا موفورا من الفن ~~القديم والحديث، بين تصوير ونقش، وحفر وبناء. # الثانية: أن شعراء اليونان كانوا من النبوغ وقوة البصيرة ونفاذها ومن ذكاء القلب وحدة ~~الخاطر، بحيث استطاعوا أن يتناولوا هذه الموضوعات التي طال عليها العهد وتداولها غيرهم ~~من الشعراء، فيجددوها ويكسوها روعة طريفة وبهجة لم يكن لها بها عهد، حتى ms026 لكأنها آية ~~مبتكرة، أو بدع في الأدب جديد، فإذا أضفت إلى هذا أن هؤلاء الشعراء على تعاصرهم كانوا ~~يتناولون الموضوع المعين الذي قدم وطال عهده فيمثله كل واحد منهم تمثيلا خاصا يعطيه ~~شكلين مختلفين وصورتين من الجمال تتباينان وتتباعدان، وكلتاهما تملك القلب وتستهوي ~~النفس وتملأ الجمهور إعجابا يخرجه عن وقاره، وينسيه حياته وما يملأها من حوادث ~~وخطوب، عرفنا السر في أن الأدب اليوناني قد كان ولا يزال أحسن صورة وصلت إليها ~~الإنسانية في تمثيل الجمال. # 12 # على أن هذا كله لا يكفي ليعطي القارئ من التراجيديا صورة واضحة جلية تمكنه من ~~أن يقدم على قراءتها ملما بها بعض الإلمام، متصورا لها بعض التصور، فلا بد من أن ~~نشير بشيء من الإيجاز إلى تأليفها، والأجزاء التي كانت تكونها، وما اتخذ الشعراء ~~الممثلون في إنشائها من قاعدة وأصل. # هبك في الملعب تنتظر ابتداء التمثيل، فأول ما تشهد من ذلك غالبا إنما هو قدوم الجوقة ~~ولكن هذا ليس أول القصة، إنما أولها شيء تمهيدي يلخص فيه موضوع القصة، ويشار فيه إشارة ~~خفية - ولكنها كافية لإعداد النظارة - إلى ما سيقع أمامهم من حادثة. هذا القسم الأول ~~يسميه اليونان برولوجوس # 7 # أي مقدمة ينطق به واحد أحيانا، # 8 # وربما كان حوارا بين اثنين # 9 # وربما أعرض عنه الشاعر إعراضا تاما وبدأ قصته بالجوقة تتغنى بما يشير ~~إلى ما في القصة إشارة ما. فإذا فرغ هذا التمهيد تغنت الجوقة بمقطوعة شديدة الطول في ~~أكثر الأحيان، بينها وبين موضوع القصة صلة ما، ولكنها تشتمل على شيء كثير غير ذلك وهذه ~~المقطوعة أقرب إلى الشعر الغنائي منها إلى الشعر التمثيلي، سيرى القارئ منها نماذج ~~مختلفة فيما سيقرأ من هذا الكتاب وهي تسمى عند اليونان بارودوس # 10 # ومعناه الغناء في مكان معين. فإذا فرغت الجوقة من غنائها بدأت حوادث القصة ~~تمثل بالفعل بين يدي الجمهور في قطع من الحوار أو القصص تختلف طولا وقصرا، ويفصل ~~بعضها عن بعض قطع تتغنى بها الجوقة. فأما هذه الحوار أو هذه القصص فيسميها ms027 اليونان إيبيزوديون # 11 # ومعناها الفصل تقريبا. وأما ما يفصل بينها من أغاني الجوقة فتسمى ستاسيمون. # 12 # فإذا مثلت القصة فآخر فصل من فصولها أو آخر قطعة من قطعها التمثيلية تسمى إجزودوس # 13 # أي خاتمة أو نتيجة أو ما نحو ذلك. # هذه هي الأجزاء التي تتألف منها عادة قصة تمثيلية، فأما عدد الإيبيزوديون أو الفصول ~~فلم يكن معينا ولا محدودا في القرن الخامس، ولكن عصر الإسكندريين لم يتجاوز به الخمسة ~~فأصبح هذا قانونا أثبته هوراس في فنه الشعري، كأنه شيء لا يجوز خلافه. ومن هنا نلاحظ ~~أن القصة التمثيلية كانت تقوم على شيئين متناقضين، وكان هذا التناقض نفسه مصدر جمالها ~~وما فيها من روعة. هذان الشيئان هما الوحدة من جهة والاختلاف من جهة. فأما الاختلاف ~~فقد لاحظناه فيما يتعاقب على سمع الجمهور من غناء وحوار وقصص؛ ذلك إلى اختلاف ما يشتمل ~~عليه كل من هذه الأجزاء الثلاثة من معنى، وما يصحبه من حركة، وما يمثله من حادث. وأما ~~الوحدة فهي وحدة الموضوع ووحدة الغرض من كل هذه الأجزاء المختلفة، فقد كان الشاعر يتخير ~~بطلا من أبطال اليونان ويتخير من صفات هذا البطل صفة معينة يحاول إظهارها في أوضح ~~مظاهرها وأشدها تأثيرا في نفسه فيسلك إلى هذا الإظهار طرقا مختلفة متباينة ولكنها ~~تنتهي كلها إلى غاية واحدة، هي وضع هذه الصفة من صفات البطل الموضع الذي قصد إليه. ~~وهناك وحدتان أخريان كان الأدباء في القرن السابع عشر والثامن عشر يزعمون أنهما ~~تكونان مع هذه الوحدة التي أشرنا إليها قاعدة مقدسة من قواعد التمثيل، هما وحدة ~~المكان بحيث يجب أن تقع حوادث القصة كلها في مكان واحد، وبحيث لا يصح أن يمثل ~~المسرح إلا مكانا بعينه، ووحدة الزمان بحيث لا يتجاوز الوقت الذي تقع فيه حوادث القصة ~~يوما واحدا. ولكن درس ما بقي من القصص وما ترك أرستطاليس من القواعد التي وضعها ~~للتراجيديا، يدل على أن الشعراء قد ألفوا ملاحظة هاتين الوحدتين من غير أن يلتزموها. ~~فقد انتقل مسرح التمثيل من دلف إلى ms028 أثينا في الأمنيديس، ومثلت قصة أجاممنون في وقت ~~واحد وصول خبر الانتصار بواسطة الإشارات النارية إلى أرجوس، ثم وصول الملك وجيشه إلى ~~هذه المدينة، ثم مقتل الملك. ولا شك في أن هذه الحوادث إذا لم يستغرق تمثيلها إلا ~~ساعات؛ فإن وقوعها يستغرق أياما. # هذه هي أصول التراجيديا ونظمها العامة قد ألممنا بهذا إلماما. فأما تفصيل ما فيها ~~من جمال فني فقد آثرنا ألا نعرض له؛ لأن فهمه يستلزم أن يكون القارئ قد ألم بها ~~وقرأها، فخير أن نترك لما ترجمنا ولخصنا في هذا الكتاب دلالة القراء عليه، وأن نأخذ في ~~ذكر ما يعرف التاريخ من حياة أقدم الشعراء الممثلين المعروفين عهدا وهو ~~أيسكولوس. # | حياة أيسكولوس # 1 # لا يعرف التاريخ الأدبي من حياة أيسكولوس إلا شيئا قليلا؛ لأنه على جلال خطره وشدة ~~أثره في الحياة الأدبية اليونانية قد عاش في عصر قلت فيه العناية بتدوين التاريخ ~~عامة وحياة الأفراد خاصة. ذلك إلى ما أصاب آثار هذا العصر اليوناني من ضياع وفساد ~~جعلاها إلى الظلمة والجهل أقرب منها إلى النور والعلم. # ولد أيسكولوس بن أوفريون «بمدينة أيلوزيس» في أتيكا سنة خمس وعشرين أو أربع وعشرين ~~وخمسمائة قبل المسيح. ولسنا نعرف من طفولته شيئا ما. # ولكن من المحقق أنه تأثر في صباه أشد التأثر بشيئين؛ أحدهما: أخلاق أسرته التي كانت ~~أرستقراطية، تحافظ على منزلتها القديمة من العز والشرف وتكره أن تتبذل فترضى عن هذه ~~الديمقراطية التي أخذت تسود وتمد ظلها في أتيكا أواخر القرن السادس. والثاني: هذه ~~الحياة الدينية القوية التي كانت تملأ مدينة أيلوزيس وتنزلها من بلاد أتيكا خاصة ومن ~~بلاد اليونان عامة منزل المكان المقدس، يحج الناس إليه من كل وجه لتكريم دمتير إلهة ~~الطبيعة الحية الخصبة التي تكفل للإنسان حياته المادية وما فيها من لذة وراحة، ومن ~~طمأنينة وهدوء. # كانت دمتير أشد آلهة اليونان شبها لديونزوس كما قدمنا. فكلاهما امتلأت حياته باللذة ~~والألم، وكلاهما كانت لذته رمزا لخصب الطبيعة وجمالها، وألمه آية لما ينالها من جفاف ~~وذبول في بعض فصول ms029 السنة، وكلاهما أقيمت له حفلات امتزج فيها الحزن بالسرور، واللذة ~~بالألم. ووجد فيها الجمهور مفرجا لكربه ومسليا لهمه، وفرصة يألم فيها، فيعلن ~~تأثره بما كان يملأ حياته من شقاء، فينسى ما كان يثقله من بؤس وسوء حال. # وكل ما بين الإلهين من الفرق أن دمتير كانت أنثى فدخل في أعيادها شيء من الألغاز ~~والتكتم غير قليل. أما ديونزوس فكان لا يتستر ولا يستخفي؛ ومن هنا كانت آثاره في ~~الحياة اليونانية أظهر وأوضح، وكان منها التمثيل، بينما انحصرت آثار دمتير في حياة ~~العقل والعاطفة فأوجدت - وحدها أو بمعونة ديونزوس - في نفوس اليونان، هذا الهيام ~~الديني الذي يحمل الإنسان على أن ينسى حياته المادية ووجوده الخاص، ليفنى في إلهه ~~وقتا قليلا أو كثيرا. # ومهما يكن من شيء فقد كان أهل أيلوزيس في جميع العصور اليونانية إلى أواخر القرن ~~الخامس ديانين متورعين، يكرهون الإثم وينفرون منه، ويحبون التقى ويرغبون فيه، وقد ~~ظهر أثر هذه الديانة والورع في حياة أيسكولوس وعمله، فتراه في جميع آثاره الأدبية ~~محبا للآلهة، معظما لهم، مؤثرا لطاعتهم، منكرا للخروج عليهم، وسنرى بعد حين ~~أن قصصه التمثيلية تقوم على الدين قبل كل شيء، كما أن مكان أسرته من الأرستقراطية قد ~~جعله أنفا أبيا في حياته الخاصة والعامة، وصانه أن ينزل بنفسه إلى حيث يعنى بما كان ~~يجري حوله من الأعمال السياسية، فيطلب العمل في حكومة الجمهورية، وقد قدمنا في المقالة ~~السابقة أن الأرستقراطية الأثينية كانت تمتاز بالاعتدال والهدوء وكانت قلما تلجأ ~~إلى العنف والشدة في حربها للديمقراطية، فهذا هو الذي منع شاعرنا أن يعلن سخطه على ~~حكومة الشعب وازدراءه لها، وحمله على أن يكتفي باجتناب الأعمال العامة، والانكباب على ~~فنه يجوده ويرقيه، ويقرب ما بينه وبين الكمال. # هناك مؤثر ثالث عمل في تكوين النفس الشعرية لأيسكولوس، هو الشعر الغنائي الذي كان ~~قد بلغ في هذا العصر أقصى ما كان يمكن أن يبلغه من رقي ورقة، وقدرة على التأثير في ~~النفوس والأخذ بمجامع القلوب، والذي كان قد انتشر انتشارا لم يعهده ms030 اليونان من قبل في ~~جميع طبقات الجمهور اليوناني. # كان هذا الشعر قد وصل إلى أقصى أمد من تمثيل عواطف النفس وإثارة كمينها، واستطاع ~~أن يرسم حياة الشعور اليوناني وما فيها من دقيق وجليل ، فتغنى بالحب وما يبعث في ~~النفس من رقة ولطف، ومن رحمة وإشفاق، وافتخر بمآثر اليونان وحسن بلائهم في ~~حياتهم الماضية والحاضرة، ومدح فأحسن المدح، ورثى فأجاد الرثاء. ومجد الآلهة فبرأهم ~~من أكثر ما كانت تضيف إليهم الأشعار القصصية من صفات وخصال لم تكن تلائم العصر ~~الحديث، وأنزلهم من القلوب منزلة عزيزة مطهرة بعض التطهير من آثار الشهوات والأهواء ~~المادية، ووصف الطبيعة فجلاها للحس جميلة خلابة تستهوي النفوس وتفتن القلوب. وأبرزها ~~للعقل متقنة منظمة تسترعي الفكر وتدعو إلى التروية والتفكير، فأعد النفس اليونانية ~~لشيئين أحدهما التأمل المتصل المتنوع الذي نشأت عنه الفلسفة. والآخر التقليد والمحاكاة ~~اللذان نشأ عنهما التمثيل. # وكان شاعرنا قد روى من هذا الشعر حظا موفورا، وضرب فيه بسهم فبكى ووصف وغنى ~~الجمال، ثم رأى تسبيس وتمثيله المتنقل فأعجبه هذا الفن الناشئ وراقه فما أسرع ما كلف به ~~وأقبل عليه. # فما كاد يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره حتى تقدم إلى المسابقة في التمثيل وكأن ~~هذا الفن إنما نشأ ليشغف به هذا الشاعر فيتناوله ويهبه من قوته ونبوغه ما يمنحه ~~حياته ويعطيه شخصيته وحظه الصحيح من الوجود. # كانت بعد ذلك الحروب الميدية فاشترك أيسكولوس في وقعة مارثون من غير شك - يشهد بذلك ~~ما أمر أيسكولوس أن يكتب على قبره - واشترك كذلك في وقعة سلامين وبلاتيه وغيرهما من ~~المواقع التي كانت سنة ثمانين وأربعمائة فيما يروي المؤرخون. # ويقال إن أخاه كونايجايروس # Kunaïgueïros # قد أبلى في ~~سلامين بلاء حسنا. # ومهما يكن من شيء فإن انتصار اليونان على الفرس قد ملأ نفوس هذا الشعب إعجابا ~~وفخرا وإقداما وجرأة كما قدمنا في المقالة السابقة، ولا سيما نفوس الأثينيين الذين ~~كانوا زعماء هذه الحرب وملاك هذا النصر؛ فأقدموا على كل شيء، وكانوا لا يحاولون أمرا ~~إلا وظفروا منه بالغاية، وقد ظهر أثر ms031 هذا الإعجاب والإقدام في الشعراء الممثلين ~~أنفسهم فمثلوا هذا النصر مرتين وحفظ التاريخ تمثيل أيسكولوس في قصة الفرس سنة اثنتين ~~وسبعين وأربعمائة. # كانت حياة أيسكولوس خصبة كثيرة الغنى، فقد روى مؤرخوه أنه انتصر في المسابقة ~~التمثيلية ثلاث عشرة مرة. فإذا لاحظنا أن الشاعر الممثل كان يجب عليه أن يقدم للامتحان ~~ثلاث قصص تراجيدية وقصة ستيرية عرفنا أن الجمهور قد أعجب من آثار أيسكولوس باثنتين ~~وخمسين قصة وليس هذا بالشيء القليل. # على أن حياة أيسكولوس لم تخل من فشل أحزنه ونغص عليه ما كان يجنيه من فوز، فقد ~~ظهر له في آخر أمده خصم شاب سابقه فسبقه سنة ثمان وستين وأربعمائة وهو سوفوكليس. ثم ~~لم يلبث أيسكولوس أن انتصر سنة سبع وستين وأربعمائة وكان آخر ظفره الفني سنة ثمان ~~وخمسين وأربعمائة، ثم ارتحل بعد ذلك إلى صقلية فمات فيها سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وقد ~~اختلف الرواة في سبب رحلته إلى صقلية فزعم بعضهم أنه حنق على سوفوكليس ولم يستطع صبرا ~~على تفوقه وزعم الآخرون أن الشعب قضى عليه بالنفي لأنه أفشى أسرار الآلهة. # كلتا الروايتين يمكن أن تكون صحيحة. ولكن التاريخ لا يؤيد واحدة منهما. بل نحن نعلم ~~أن أيسكولوس قد سابق خصمه فسبقه أكثر من مرة، وأنه إنما سافر من أثينا سفرته الأخيرة ~~«لأنه ارتحل إلى صقلية مرتين» بعد أن انتصر سنة ثمان وخمسين. ولو أن الشعب كان قد قضى ~~عليه بالنفي لحفظ لنا التاريخ الصحيح شيئا من قضيته. وليس أيسكولوس بالرجل الذي ينسى ~~ما كان بينه وبين الشعب من صلة. ونحن نرجح مع الباحثين المحدثين أنه إنما ارتحل إلى ~~صقلية مجيبا لدعوة هيرون طاغية سوراكوزا # 1 # الذي كان يدعو إلى قصره نوابغ اليونان في كل فن، ليزين بهم قصره ~~ومدينته. # 2 # لم يبتدع أيسكولوس فن التمثيل ولم يخترع التراجيديا. ولكنه أعطاها شكلها الحقيقي ~~وصورتها الأخيرة. ورسم لها الطريق التي لم يكن بد من أن تسلكها لتبلغ ما قدر لها ~~من الكمال. وسلك بها معظم هذه الطريق. فصح أن يسمى ms032 أبا التراجيديا، كما سمي ~~هردوت أبا التاريخ. # لم تكن التراجيديا قبله إلا نوعا من الغناء تقوم به الجوقة أو الممثل الذي أضافه ~~تسبيس أو كلاهما. فلم يكتف أيسكولوس بهذا الغناء يصحبه شيء من القصص. بل أضاف إليهما ~~شيئا من الحركة. فأصبحت التراجيديا بذلك حقيقة هي أقرب إلى ما يحدث بين أيدي الناس ~~منها إلى التاريخ والأساطير. وقد استلزم هذا الجزء الثالث أن يتعدد الممثل فأصبح ~~اثنين ثم ثلاثة كما قدمنا، وأن يرتقي تدبير المنظر وتنظيمه بحيث يستطيع أن يعاون ~~الممثلين على أن يحاكوا الحقيقة ويخيلوها إلى الناس، فأقدم أيسكولوس على ذلك غير ~~متردد ولا هياب، ثم لم يكد يقدم حتى أمده خياله وقدرته على الإبداع والابتكار ~~بما جعل دار التمثيل من الرقي الآلي بحيث استطاعت أن تسع ما كتب هو وكتب غيره من ~~القصص التمثيلية. # أضف إلى هذا ما قدمنا من عنايته بلباس الممثلين وأحذيتهم وقلانسهم ونقبهم مما صبغ ~~التراجيديا صبغتها المعروفة، وكان مصدر الرقي هذا القسم المادي من أقسام التمثيل. فأما ~~الوجهة الأدبية خاصة فليس من شك في أن أيسكولوس هو الذي بلغ بها من الرقي إلى ما ~~نعلم، وأن خصمه سوفوكليس ومن بعده أوربيديس إنما سلكا سبيله واقتفيا أثره، وكانا له ~~مقلدين، وإن امتاز كل منهما بميزته الخاصة التي سنراها في هذا الجزء وفي الذي ~~يليه. # حاول أيسكولوس أن يمثل بين أيدي الناس صورة من صور الحياة الإنسانية لم يكد ~~يتجاوزها إلى غيرها، وهي هذه الصورة التي يظهر فيها الإنسان متنازعا بين إرادته وبين ~~إرادة أخرى أشد منها قوة وأعظم بأسا وأضخم سلطانا، وهي إرادة الآلهة أو إرادة القضاء ~~إن صحت هذه العبارة. # في هذه الحرب العنيفة التي تقع كل يوم بين هذه الإرادة الضعيفة تنكر ضعفها ولا تعترف ~~به، بل تمضي فيما تحاول مغرورة مفتونة بما يظهر لها من قدرة وبين تلك الإرادة الهادئة ~~المطمئنة لا تضطرب ولا تجيش وإنما تقدر فينفذ ما قدرت، وتقضي فيتم ما قضت، قد علمت ذلك ~~واستيقنته، فهي تنظر ساخرة مرة ومشفقة ms033 مرة أخرى إلى الإنسان يمانعها ويدافعها ~~من غير أن ينفعه ذلك أو يغني عنه شيئا. # أقول في هذه الحرب العنيفة بين هاتين الإرادتين تظهر الحياة الإنسانية في صور مختلفة ~~من السطوة والجلال، ومن الكبرياء والغطرسة، ثم من الضعف والضآلة، ومن الخمود ~~والاستسلام. # وكل هذه الصور صحيحة واقعة في كل وقت وفي كل قطر وفي كل طور من أطوار الحياة ~~العاقلة، ليست بالمنتحلة ولا المتكلفة، وقد ألفها الناس واطمأنوا إليها وأصبحوا ~~لا ينكرونها. بل أصبحوا لا يشعرون بها، ولا يقدرون لها وجودا. فإذا استطاع ~~الشاعر أن يستعين بما أوتي من نبوغ على أن يمثل لهم هذه الصور تمثيلا يملك قلوبهم ~~ويستهوي نفوسهم حتى يلمسوا بأيديهم ما في قوتهم من وهن وما في كبريائهم من غرور، فقد ~~سلك بهم إلى الكمال الخلقي سواء السبيل. ذلك إلى ما يشتمل عليه هذا التمثيل من جمال ~~وروعة فيهما للنفوس فتنة ولذة، وذلك هو الذي حاله أيسكولوس فوفق منه إلى كل ما كان ~~يريد. # وفق إلى ذلك من غير أن يكلف الجمهور الذي يشهد تمثيله أو يقرأ قصصه عناء البحث ~~والكد في حل المعضلات الفلسفية. بل من غير أن يحاول حل هذه المعضلات؛ فلن ترى قصة من ~~قصصه تتعرض لتحديد ما بين القضاء والحرية الإنسانية من صلة، أو للتوفيق بينهما، أو ~~لتفسير هذه الحركة حركة الإنسان في هذه الحياة ممانعة أو موافقة لهذه القوة القاهرة ~~التي تدير العالم وتسيطر عليه. # لم يحاول شيئا من هذا، وإنما استعان الحقيقة الواقعة واتخذ منها طريقة للإقناع ~~لا تثبت أمام منطق الفلاسفة ولكنها قادرة كل القدرة على أن تصل إلى القلوب فتحملها ~~على الاطمئنان والرضى. # انظر إلى قصة الفرس كيف ابتدأها بالجوقة تتغنى مجد فارس وعظمتها، ولكنها تشفق من ~~شر تتوقعه، من غير أن تتحقق كنهه. ثم كيف تقبل أم الملك متولهة مشفقة لحلم رأته، ~~وكيف تشعر الملكة والجوقة بالشر وتحاولان اتقاءه واسترضاء الآلهة. وما هي إلا أن يأتي ~~الرسول فينبئ بما دهم الفرس من كارثة وما أصابهم من هزيمة. ms034 # هنالك يصعقهما الخبر فتعولان وتشكوان وترثيان لمن مات وتألمان للأحياء ثم تشعران ~~بالحاجة إلى تعرف سبب هذه الهزيمة والتعزي عنها فتستشيران طيف دارا: هذا الملك ~~العظيم الذي قضى وجاور آلهة الجحيم فألم من الغيب بطرف. # ينبئهما هذا الطيف بأن مصدر نكبة الفرس إنما هو طغيان الملك الأعظم وعناده للآلهة ~~وخروجه عن أمرهم. ثم يقبل هذا الملك نفسه خانعا ذليلا فيشتد بينه وبين الجوقة حوار ~~ملؤه الحزن والألم يختمه الإذعان للقضاء والاطمئنان إليه. # ذلك دأب الشاعر فيما بقي لنا من آثاره التمثيلية يظهر الإنسان في أول قصته عنيدا ~~قد ملأه الكبر وأعماه الغرور عن مواضع ضعفه ثم لا يزال بهذا العناد ينميه ويضاعفه حتى ~~يبلغ به أقصاه. فإذا انتهى ببطله من الرفعة إلى هذه المنزلة أخذ ينحط به قليلا ~~قليلا، حتى ينتهي به إلى الحضيض. # انظر إلى الجمهور الأثيني يشهد هذه القصص مرة في كل عام يسحره أولها فيمتلئ إعجابا ~~ويزداد إعظاما لنفسه، ثم يفجؤه آخرها فيصغر ويرى ما قدر للإنسان في هذه الحياة من ~~قوة لن تكون عاملة منتجة إلا إذا قصد صاحبها في استخدامها وتجنب بها الإغراق ~~والإسراف. # انظر إلى هذا كله، ثم اقرأ تاريخ الأثينيين في القرن الخامس تجده ممثلا فيه ~~تمثيلا صحيحا؛ إقدام شديد ولكن ملؤه القصد والتؤدة، فإذا أسرفوا أو طغوا لم تلبث ~~عاقبة ذلك أن تحيق بهم وتردهم من الحزم والأناة إلى ما كانوا قد تعودوه. # كانت نفس أيسكولوس ساذجة لا تألف التعقيد ولا تميل إلى التعمق، وإنما تأخذ الأشياء ~~كما تجدها في الخارج لا تغيرها ولا تحورها. فلم يكن إبداعه في التمثيل ناشئا من ~~تناوله للأشياء بزيادة فيها أو نقص منها. وإنما كان مصدره صفة نفسية أخرى، أثرها في ~~الحياة الشعرية عظيم. هذه الصفة هي شدة التأثر بالأشياء وتحويلها بمجرد الشعور بها ~~إلى صور ليست بالغريبة، ولكنها قادرة على استهواء النفوس وامتلاك القلوب، لا تكاد ~~تلقى إلى الجمهور حتى تخرجه عن طوره المألوف، وتملك عليه حسه وشعوره وتجعله يعيش ~~مع الشاعر في عالم جديد ms035 من الصور يراها بعين الشاعر، ويحسها بحسه، ويتأثر بها كما كان ~~يتاثر بها الشاعر نفسه. # فما كان أيسكولوس يكاد يبدأ تمثيل قصة من قصصه حتى يستأثر بالجمهور وينقله من حياة ~~إلى حياة، وحتى يشعر هذا الجمهور بأنه في بيئة لم يألفها، وأنه يتقدم في طريق ليس له ~~بها علم. فلا بد من أن يقفو أثر الشاعر ويتبعه فيها خطوة خطوة حتى يصل إلى الأمل الذي ~~تنتهي إليه القصة؛ ذلك على أن هذه الطرق ليست بالمعوجة ولا المتعرجة، ولا بذات ~~الثنايا والمضايق. # كان أيسكولوس يبدأ قصته بقطعة من الحوار أو الغناء تشير إلى موضوعها إشارة ليست ~~بالخفية كل الخفاء ولا بالواضحة كل الوضوح، فتقف الجمهور موقف الحيرة والدهش؛ لأنها ~~تنبئه بأن حادثا مجهولا - ولكنه ذو خطر - يوشك أن يقع ثم ينتقل به وقد أعد نفسه لما ~~يريد وهيأها لقبول ما سيمثل من هذا الموقف إلى موقف آخر أدنى إلى الوضوح ولكنه لا ~~يكشف عما اشتملت عليه القصة، وما يزال ينتقل به متمهلا من مرحلة إلى مرحلة وقد ملك ~~عليه نفسه وشعوره، واستأثر بما لديه من تنبه والتفات، حتى ينتهي به إلى ما كان يريد ~~أن يجلو بين يديه من فكرة أو صورة كانت في أول القصة ضئيلة شديدة الغموض فما زالت تعظم ~~وتتضح حتى أصبحت في آخر القصة عظيمة كالعالم مشرقة كالشمس تغمر الجمهور وتحيط به وتكرهه ~~على أن لا ينظر إلا إليها ولا يفكر إلا فيها. # ثم لم يكن أيسكولوس على سذاجته وقصده ليسلك بجمهوره كل هذه الطريق من غير أن يريحه ~~ويروح عنه من حين إلى حين، على ألا ينسيه موضوع القصة ونمو حوادثها، فكان يضع في ~~أثنائها هذه المقطوعات الغنائية تتغنى بها الجوقة غير مهملة موضوع القصة، ولكنها غير ~~ملحة فيه تضيف إليه من وصف الطبعية ومحاسنها، ومن تحليل النفس الإنسانية ودقائقها، ~~بل ومن تكهن بما عسى أن تنتهي به القصة ما ينفس عن الجمهور ويحمله هو أيضا على أن ~~يقاسم الجوقة إعجابها وتأملها وتنبؤها، فهو حين يسمع ms036 المقطوعات معلق بين ما مضى من ~~القصة وما هو آت منها. وإنه لكذلك إذ يأتي أحد الممثلين فيذود عنه هذه الراحة ويقوده ~~في طريقه إلى حيث كان يريد الشاعر. # فإذا أردت أن تعرف علام كانت تشتمل هذه الطريق دهشت؛ لأنك لا ترى فيها شيئا ينكره ~~الحس أو ينبو عنه العقل، وإنما كلها صور قد ألفناها منفردة وليس هناك من جديد إلا هذا ~~التأليف الذي جمع بينها وقرن بعضها إلى بعض، وربما استعان أيسكولوس بما له من قوة ~~التصور وشدة التأثر بالصور على أن يدرك الفرق بين صورتين متناقضتين أشد التناقض ~~متباعدتين أشد التباعد فيمثل هاتين الصورتين أحسن تمثيل، ويحمل الجمهور بمهارته وقوة ~~نبوغه على أن يشعر بهذا الفرق والتناقض كأنه يلمسه وأن يتأثر به أشد ما يمكن من ~~التأثر. # انظر إليه في أجاممنون كيف مثل أجاممنون ملكا عظيم القوة ضخم السلطان، قد قاد ~~اليونان إلى النصر وقهر بهم مدينة قوية منيعة، ثم أقبل على عجلته ظافرا تحفه ~~الجلالة والمهابة، تتبعه ابنة الملك أسيرة ذليلة، فبهرت هذه الصورة جمهور النظارة ثم ~~دخل الملك قصره يمشي على بساط أرجواني قد بعد ما بينه وبين البشر، وقرب ما بينه وبين ~~الآلهة، وما هو إلا أمد قصير حتى يعود الملك إلى هذا الجمهور، ولكن مهابة أخرى ~~تحفه وتحيط به هي مهابة الموت: جثة هامدة قد لفت في ثوب مضرج بالدماء ~~وإلى جانبه امرأة كانت منذ حين تتملقه وتتلطف له وتهدي إليه من الثناء باقات حسنة ~~التنسيق بديعة التنظيم، وهي الآن تمقته وتزدريه، بل تلعنه وتستنزل عليه السخط، والجوقة ~~بينهما تتردد بين الغضب والخوف. # أليس في هاتين الصورتين ما يكفي ليبهر الجمهور، فيملأه إعجابا بما تمثل الصورة ~~الأولى من جلال وعزة، ثم يروعه فيملأه ذعرا وإشفاقا لما صار إليه هذا الجلال في أمد ~~قصير. # لم يكن أيسكولوس يحب الانتقال الفجائي من نقيض إلى نقيض وإنما كان يهيئ النفوس إلى ~~هذا الانتقال ويسلك بها طريقه رويدا رويدا كما قدمنا، فيجمع بذلك بين ما كان يحرص ~~عليه ms037 من التأثير القوي في نفس الجمهور وعدم مفاجأته بالمتناقضات حتى لا يناله ~~الإنكار ولا يحول الدهش بينه وبين الفهم والاستفادة مما يقع بين يديه. # قراءة آثار أيسكولوس في أصلها اليوناني لازمة كل اللزوم لنشعر بقوته الفنية وقدرته ~~النادرة على اختيار الألفاظ والتنسيق بينها. فهناك صور لا بد من التلطف وإتقان الحيلة ~~لنقلها إلى لغة أخرى. ثم هي إذا نقلت مع شدة الاحتياط والحرص على الأمانة في النقل ~~فقدت شيئا غير قليل من جمالها الفطري، ولم يشعر به قارئ الترجمة. # أضف إلى هذا أن قصص أيسكولوس إنما تنقل نثرا وهي في اليونانية شعر. وللشعر ~~اليوناني كغيره من كل شعر في اللغات الأخرى جمال خاص، مصدره الألفاظ الشعرية والوزن، ~~وما بين الأبيات والمقطوعات من صلة. وكل هذا شيء ليس من سبيل إلى أن ينقل من لغة إلى ~~لغة. فكما أن مطولة امرئ القيس يمكن أن تترجم إلى الفرنسية فيؤدي المترجم معناها ~~أحسن الأداء ويتخير لذلك أجمل الألفاظ والأساليب الشعرية في اللغة الفرنسية. ولكنه يعجز ~~عن أن يشعر القارئ الفرنسي بما لهذه القصيدة من جمال شعري عربي؛ فإن نقل أيسكولوس ~~وغيره من الشعراء الممثلين في العصر القديم والحديث، لن يستطيع أن ينقل من آثارهم إلا ~~جزءا من جمالها الفني، ربما كان أقل أجزائها بهجة وروعة. # لذلك لا ينبغي أن يتخذ قراء التراجم ما يقرءون من الشعر المنقول مقياسا لجمال ~~هذا الشعر، ولا أن يحكموا عليه بما تبعث هذه الترجمة في نفوسهم من أثر حسن أو سيئ؛ فإن ~~هذا الحكم باطل من أصله، وما كان غرض الناقلين للشعر من لغة إلى لغة أن ينقلوا إلى ~~قرائهم منه صورة حقيقية. وإنما ينبغي أن يكون الغرض تمكين هؤلاء القراء من أن يلموا ~~به بعض الإلمام وحمل من أتيح لهم الوقت والقوة على أن يتعرفوه ويجدوا في أن يستقوه ~~من منبعه. # 3 # تأثر أيسكولوس فيما كتب بالشعر القصصي، فاختار منه موضوعات قصصه من غير أن يتكلف ~~الاختراع أو إحداث خلق جديد، وكان يقول إنه يكتفي بما سقط ms038 من مائدة هوميروس. # وقد قدمنا تعليل ذلك. ولكن هناك وجها آخر من وجوه تأثير الشعر القصصي في فن ~~أيسكولوس، ولا بد من الإشارة إليه، نريد تأثيره في تشكيل أشخاص قصصه التمثيلية. # فقد كان هذا الشعر لا يحفل بتفصيل ما لأبطاله من خلق ووصف ما يبعثهم على العمل من ~~عاطفة، وإنما كان يجتزئ بجملة أو بعض جملة يشخص بها البطل من أبطاله، أو الإله من ~~آلهته تشخيصا قويا لا يحتمل الشك ولا يقبل التردد. وأمثال هذه الجمل وأجزاء الجمل ~~كثيرة منتثرة في الإلياس والأوديسا فقد كان يكفي لتشخيص أوديسيوس وصفه بأنه يعدل ذوس ~~حيطة وحذرا، فلا ترى هذا البطل في كتاب من كتب هاتين القصيدتين إلا رأيته في جميع ~~أعماله وأقواله، بل في تحدثه إلى نفسه ومناجاته إياها إلا حذرا رشيدا، لا ينطق ~~بكلمة، ولا تصدر عنه حركة، ولا تجول في نفسه فكرة، إلا قد قدرها وحسب لها ~~حسابا. # كذلك فعل أيسكولوس في قصصه، فلم يحاول أن يطيل حوار الممثلين أو غناء الجوقة فيما من ~~شأنه أن يصف أخلاق أشخاصه أو يحلل عواطفهم. وإنما كان يكتفي بأن ينطق أحد الممثلين ~~بجملة تخلق شخصه وتضيف إليه كل ما يتصف به من صفته. # فإذا خلق البطل من أبطاله بخطة جرى بها قلمه، فهذا البطل مشبه لنفسه في جميع أجزاء ~~القصة، لا تنقصه صفة من صفاته الأولى، ولا تعرض له صفة جديدة لم تكن له من قبل. # انظر إليه في بروميثيوس مغلولا: كيف مثل بطله في أول القصة عنيدا قوي الشكيمة لا ~~يذعن ولا يخضع، ثم انظر إلى هذا البطل في جميع أجزاء القصة كيف احتفظ بهذه الخصلة، ~~فلم ينزل عنها قيد شعرة على كثرة ما ألحت عليه الجوقة في ذلك، وعلى شدة ما فدحه من ~~حادث وما نابه من خطب. # إنه ليشكو ويألم. ولكن شكاته وألمه لا يصدران عنه إلا ليصفا ما يملأ نفسه من إصرار ~~على العناد، ومضي في الصبر والاحتمال، ومقاومة كبير الآلهة. ثم لا يزال كذلك حتى ~~تصعقه الصاعقة وتلتهمه ms039 الأرض. # تجد مثل ذلك في جميع ما بقي من آثاره الفنية على اختلاف موضوعاتها وتباين ما تشتمل ~~عليه من الحوادث. # وخصلة أخرى قد امتاز بها أيسكولوس هي إتقانه الإتقان كله وصف القوة والشدة وما ~~إليهما من إباء النفس ومضاء العزم، وكل ما هو عظيم يخيل إلى من قرأه أن نبوغه قد حاول ~~هذا الإتقان فوفق إليه، وظفر به، وقصر عن ما سواه. فهو لا يجيد وصف الضعف، ولا ~~يحسن تمثيله، حتى إنك لتجد النساء اللاتي مثلن في قصصه قد امتزن بقوة نادرة ~~وإباء غريب، وحتى إنه ليمثلهن قويات في ضعفهن. فإذا أبى عليه الموضوع ومكانهن من القصة ~~أن يصفهن بالقوة وشدة البأس، وضع مكان هاتين الصفتين ما يقوم مقامهما من يقين يشد ~~عزمهن ويعينهن على احتمال النازلة والثبات لها. # اقرأ قصة المستجيرات تجد الجوقة من فتيات ذليلات قد لجأن إلى مدينة أرجوس يطلبن ~~إليها الجوار ويلتمسن منها الحماية. ليس لهن قوة ولا عون إلا ثقتهن بالآلهة واعتمادهن ~~على حق الضيف. ولكن تلك الثقة وهذا الاعتماد قد ملآ قلبهن ثباتا فهن يلزمن تمثال الإله ~~ضارعات لاجئات تساقط دموعهن، وترتفع أصواتهن بالبكاء والعويل. ولكنهن مزمعات ألا ~~يذعن أو يصيبهن الموت. # انظر إليهن وقد أقبل رسول العدو يدعوهن إلى الإذعان والخضوع، وينذرهن عاقبة ~~العصيان والعناد، فلا ينال منهن شيئا، وما يزلن به مترحمات مرة، متفجعات مرة ~~أخرى، ومنذرات مرة ثالثة، حتى يأتي ملك أرجوس فيحميهن ويأمر أن ينقلن إلى حين ~~يأمن العاديات. # على أن ما ترك أيسكولوس من الآثار لم يخل من مقطوعة تمثل الضعف والاستسلام، فتهز ~~القلب رحمة وإشفاقا، وأكثر ما يكون ذلك في المقطوعات الغنائية، فسيعرض للقارئ في «قصة ~~السبعة» يهاجمون طيبة قطعة تتغنى بها الجوقة وقد حمل إليها الأخوان قتيلين، وما ~~نحسب أن قلبا من قلوب الناس يستطيع ألا يرق لها. # 4 # لم يكن أيسكولوس ذا فلسفة محدودة أو مبينة الأصول، ولم يكن مفكرا يرسم لنفسه الخطة ~~فلا يتجاوزها، ولا يحيد عنها. أي إن قصصه التمثيلية إنما تنشأ عن مذهب ms040 في الفلسفة معين ~~أو رأي في الفن محدود، وإنما نشأت عن قلب الشاعر وما كان يملؤه من إيمان وتقى. ~~فكانت صورة حقيقية لهذه النفس الورعة الديانة تحب الآلهة وتخشاهم، وترغب في ~~إرضائهم وتفزع من سخطهم. ومع هذا فإن تحليل ما بقي من آثار أيسكولوس يدلنا على أن ~~هناك فكرة أو أفكارا، وبعبارة أخرى أصح وأدنى إلى الحق عاطفة أو عواطف كانت تدبر ~~حياته كلها. وعنا صدرت آثاره العملية والفنية من غير استثناء. # فإذا أردنا أن نتعرف هذه العواطف، فأول ما يلقانا منها عاطفة الاستسلام للقضاء ~~والركون إليه في كل شيء. ولعل من النافع أن نوجز صورة هذا القضاء الذي كان يفزع منه ~~أيسكولوس ويفزع إليه، والذي ترك أعظم أثر في حياته العملية وشعره التمثيلي. # ترك أعظم أثر في حياته العملية: فحمله على أن يشهد مدة ثمانين سنة ما كان يحدث في ~~بلاد اليونان عامة، وفي وطنه خاصة من تغير الأمور واستحالة الحال، وقيام الديمقراطية ~~مقام الأرستقراطية، وانقباض هذه عن العمل من غير أن ينكر ذلك أو يحاول إصلاحه. بل انصرف ~~عن هذا كله إلى شعره التمثيلي، وآثر أن يضن بشرفه القديم وكرامة نفسه على التبذل ~~ومحاولة الجهاد. # وترك أعظم أثر في شعره التمثيلي. فلسنا نقرأ قصة من قصصه إلا رأينا فيها أن يدا خفية ~~ولكنها قوية كل القوة تدبر كل شيء، لا يعرض لها منازع أو ممانع إلا ردته ذليلا ~~مقهورا. # هذا أيضا أثر من آثار الشعر القصصي بل أثر من حياة اليونان في العصور الأولى، فقد ~~كانوا يعتقدون - ومثل الشعر القصصي ذلك أعظم تمثيل - أن هناك قوة قاهرة لا يأمن بطشها ~~الناس ولا الآلهة أنفسهم، يرسم كل شيء، فيجري كل شيء في الأرض والسماء كما رسمت، وهذه ~~القوة القاهرة هي القضاء. # لم يكن الناس والآلهة، بل لم تكن حركات هذا العالم إلا آلات تنفذ ما رسم هذا القضاء، ~~ولم يكن الناس يعلمون مما قدر شيئا. حاشى أفرادا قد اختصوا بذلك تتفاوت قواهم في ~~العلم به، فكان للناس كهنتهم، وللآلهة ms041 عرافوهم، فلما ارتقى العقل اليوناني إبان القرن ~~السادس، وأخذ الفلاسفة يفكرون وينقضون ما أقامت العصور الأولى من بناء ديني فتهاون ~~الجمهور بأمر القضاء كما تهاون بغيره من أمور الدين، ولم يبق لهذه الآثار القديمة ملجأ ~~أمين ولا حصن منيع إلا في نفوس الأرستقراطية. وقد كان من هذه الأرستقراطية أيسكولوس ~~فامتاز بما امتازت به من محافظة على القديم ونفور من الجديد، وأعانته رقة نفسه وقوة ~~عواطفه على أن يغلو في ذلك ويستمسك به ويتخذه لحياته ملاكا ولحياة العالم ~~نظاما. # فإذا أردت أن تدرس قصة من قصصه، فأول ما ينبغي الالتفات إليه هو أثر القضاء في تكوين ~~القصة وتدبير ما يقع فيها من عمل، وما يجري فيها من حركة. # إلى جانب هذه القوة القاهرة أقام أيسكولوس قوة أخرى هي إرادة الآلهة. # لهذه القوة ما شاءت من حياة الناس والعالم على ألا تمانع القضاء، وعلى الناس أن ~~يدينوا لها ويذعنوا لما قضت به. وإلى جانب هاتين القوتين قوة ثالثة ليست قليلة ~~الخطر، هي إرادة الناس وما يبعث نفوسم على العمل من شهوة وهوى. # وليست هناك قصة من قصص أيسكولوس إلا تنحل بطبيعتها إلى نزاع وممانعة بين هذه القوى ~~الثلاث، أو بين اثنتين منهما. تجد ذلك قد صور صورا مختلفة ووصف أوصافا ~~متباينة. ولكنه بعينه لا يتغير ولا يتبدل، وإن تغايرت الصور وتباينت الصفات. # 5 # يختلف الرواة في عدد ما أنشأ أيسكولوس من القصص التمثيلية فيعد له بعضهم خمسا وسبعين ~~ويرقى بها بعضهم إلى تسعين ويتوسط المحدثون فيبلغون بها نحو الثمانين. # وقد حفظت الآثار التاريخية طائفة غير قليلة من أسماء هذه القصص تربو على سبعين. ~~ومهما يكن من شيء فقد قدمنا أنه فاز ثلاث عشرة مرة؛ أي إن اثنتين وخمسين قصة من آثاره ~~التمثيلية ظفرت برضى الجمهور وإعجابه. # ولم يبق من هذه الآثار على كثرتها إلا سبع قصص كاملة، أصاب نصوصها شيء غير قليل من ~~الفساد، ومقطوعات كثيرة من قصص أخرى قد استأثر بها الفناء، وتدل القصص الباقية وأسماء ~~القصص الضائعة على أن الشاعر ms042 قد طلب موضوعات تمثيله إلى الشعر القصصي كما قدمنا واكتفى ~~بما سقط عن مائدة هوميروس فاستقى من الإلياس والأوديسيا والغناء القبرصي، ومن أبناء ~~طيبة وأرجوس، ومن قصص السفينة أرجو، ومن قصص عودة أبطال تروادة إلى أوطانهم، ومما كان ~~يحفظ الشعر القصصي والغنائي من حياة ديونوزوس وأنبائه، واستقى أيضا من شعر أزيودوس في ~~أخبار الآلهة ولم يحاول تمثيل حياة اليونان الحديثة فيما يظهر إلا مرتين: الأولى تمثيله ~~هزيمة الفرس، والثانية تمثيله إقامة مدينة أتنا في صقلية. # وقد اختلف الباحثون المحدثون في الطريقة التي كان يصل إليها أيسكولوس بها بين قصصه ~~التمثيلية. فقد قدمنا أن نظام المسابقة التراجيدية كان يلزم الشاعر أن يقدم في كل سنة ~~يريد فيه السباق ثلاث قصص تراجيدية وقصة ستيرية، وكانت هذه القصص الأربع تسمى ~~رباعية # Tétralogie # كما كانت القصص التراجيدية ~~الثلاث قبل أن تضاف إليها القصة الستيرية تسمى ثلاثية # Trilogie ~~. # فهل كانت هذه الرباعيات والثلاثيات متصلة تتناول موضوعا واحدا تتقسمه فيما بينها، ~~فتلم كل قصة منها بجزء من أجزائه؟ أم هل كانت منفصلة، تلم كل واحدة منها بموضوع ~~خاص؟ # ليس من سبيل إلى الشك في أنها قد وجدت متصلة؛ لأن طبيعة الفن كانت تقتضي ذلك؛ إذ ~~كان موضوع التمثيل في أول أمره حياة ديونوزوس، فكان من المعقول أن تتناول كل قصة جزءا ~~من أجزائها. ولأن التاريخ قد حفظ لنا ثلاثية متصلة من ثلاثيات أيسكولوس: هي الأوريستيا ~~تتألف من أجاممنون والكوويفوروي، والأومينيديس كما سيرى القارئ، وحفظ لنا أيضا قصصا ~~منفردة، لا شك في أن شقيقتيها قد ضاعتا كقصة «السبعة يهاجمون طيبة» فقد كانت من غير شك ~~آخر ثلاثية تمثل ما ألم بأسرة أويديبوس من خطب: أولها قصة لايوس، والثانية ~~أويديبوس، والثالثة السبعة يهاجمون طيبة. إلى غير هذا من القصص والأسماء الباقية التي ~~تدل على ذلك دلالة واضحة. # ولكنه قد حفظ لنا إلى هذا قصصا أخرى يظهر أنها كانت منفصلة كالفرس، فليس في أسماء ~~القصص الباقية ما يدل على أنها قد كان يسبقها أو يلحقها قصة تتصل بها، فمن ms043 الراجح إذن ~~أن يكون أيسكولوس قد اصطنع الطريقتين فأنشأ الثلاثيات والرباعيات متصلة ومنفصلة. # أقدم ما حفظ التاريخ من قصص أيسكولوس، قصة المستجيرات، وهي جليلة الخطر من وجهين: # الأول: # أنها تمثل بعض التمثيل ما كان بين مصر وبلاد اليونان في عصر ~~الأساطير من صلة. # كان لدناووس خمسون ابنة، ولأخيه أجبتوس خمسون ابنا، فيخطب الأبناء ~~بنات عمهم، ويأبى الأب وبناته هذا الزواج الذي لا يرضاه الدين فيهربون ~~من مصر إلى أرجوس مستجيرين بملكها وشعبها، ويتبعهم أبناء أجبتوس. أما ~~ملك أرجوس فيتردد في إجارتهم ثم يقدم عليها بعد أن يستشير الشعب ~~فيأمره بها. # الثاني: # أنها تعطينا صورة من التمثيل في أول أطواره حين كان حظ العمل فيه ~~قليلا، وحظ الغناء فيه موفورا، فقد رأينا من هذا التلخيص الموجز أن ~~ليس في القصة حادث ذو خطر، وإنما كل ما فيها هو بكاء الجوقة وغناؤها ~~متضرعة إلى الآلهة، متوسلة إلى الملك، ممانعة لرسول ~~المصريين. # مثل أيسكولوس قصة الفرس سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وهي القصة التاريخية الوحيدة ~~التي بقيت لنا من آثاره، والشبه بينها وبين المستجيرات شديد لكثرة حظها من ~~الغناء وقلة نصيبها من العمل، ولكن القصص فيها كثير، وهو يقوم مقام العمل، قد أتقنه ~~الشاعر وأجاد فيه، حتى إن السامع ليرى ما اشتمل عليه أنه يقع بين يديه، وفي هذه القصة ~~اختراع بديع لأيسكولوس هو محاولته إظهار طيف دارا وإنطاقه على حافة قبره، وقد استخدم ~~هذا مرة ثانية فأظهر طيف كلوتيمنستر محاورة لآلهة الانتقام بمعبد أبلون في قصة ~~الأومبنيديس. # تمثل هذه القصة انهزام الفرس سنة ثمانين وأربعمائة وعودة الملك الأعظم ذليلا ~~إلى وطنه، ومحاسبة الجوقة إياه على ما أهلك من رجال وما أضاع من مال. # القصة الثالثة هي قصة السبعة يهاجمون طيبة، وهي تمثل مدينة طيبة قد حصرها العدو وأحاط ~~بها، وأخذ أهلها يستعدون للدفاع ثم ما كان من الهجوم ومن قتل ابني أويديبوس كل منهما ~~قضى على صاحبه. وقد مثلت هذه القصة سنة سبع وستين وأربعمائة. # ثم مثلت بعدها في سنة غير معروفة قصة ms044 بروميثيوس مغلولا، وهي تمثل ما كان من عقاب ~~كبير الآلهة لبروميثيوس لأنه سرق النار وأهداها إلى الناس. فيظهر في أول القصة مشدودا ~~إلى صخرة، ولا يزال كذلك إلى آخرها. وقد أشرنا آنفا إلى ما في هذه القصة من جمال، ~~ويظهر أن قصتين أخريين كانتا تتلوانها وهما بروميثيوس مفكوكا وبروميثيوس يحمل ~~النار. # في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة مثل أيسكولوس رباعية ضاعت قصتها الستيرية وهي ~~الأورستيا. # القصة الأولى منها هي أجاممنون تمثل عودة الملك ظافرا من تروادة وما كان من اغتيال ~~زوجه وعشيقها إياه. # القصة الثانية هي الكوويفوروي وموضوعها أورستيس بن أجامنون يعود من نفيه وينتقم لأبيه ~~فيقتل أمه كلوتيمنسترا وعشيقها إيجستوس. # القصة الثالثة قصة الأومينيديس تمثل أورستيس هاربا بين يدي آلهة الانتقام بعد أن قتل ~~أمه لاجئا إلى أبلون في دلف، ثم إلى أثينا في مدينتها حيث يقاضى ويبرأ وتظفر أثينا ~~بحمل آلهة الانتقام على أن يصبحن آلهة نعمة ورحمة لأهل أتيكا. # والآن وقد ألممنا بحياة أيسكولوس وفنه وآثاره فلنأخذ فيما قصدنا إليه من تلخيص آثاره ~~وترجمة ما نختاره منها. # | المستجيرات # في شرق بوليبونيسوس في القسم الذي يسمى أرجوليس نهر يقال له أيناكوس، كانت له ابنة تسمى ~~أيو، وكانت كاهنة للإلهة هيرا، فكلف بها ذوس كبير الآلهة، وحنقت لذلك زوجة هيرا، ومسخت ~~كاهنتها بقرة بيضاء، وكلفت حراسة هذه البقرة أرجوس بن الأرض، له مائة عين مبصرة، فأرسل ~~ذوس إلى هذا الحارس رسوله هرمس فقتله. # أرسلت هيرا إلى هذه البقرة قمعة # 1 # لزمتها فأضاعت رشدها، وحملتها على أن تهيم في الأرض، فما زالت تطوف الآفاق حتى ~~وصلت إلى مصر، فمسها ذوس، فرد إليها عقلها وصورتها الأولى وأولدها أيبافوس. # كان من نسل أيبافوس هذا إجبتوس له خمسون ابنا، ودناووس له خمسون ابنة، فخطب الأولون بنات ~~عمهم وأبى دناووس هذا الزواج. # وهذا الإباء هو موضوع قصة المستجيرات. ولسنا نعلم كيف أتم أيسكولوس هذه القصة، ولكن ~~الأساطير تحدثنا بأن دناووس قد رضي هذا الزواج، وأعطى كل واحدة من بناته سكينا ~~وأمرها أن تقتل زوجها، فكلهن ms045 فعلن إلا واحدة هي أيبرنسترا. أشفقت على زوجها فهربت معه. ~~وعاقب الآلهة بنات دناووس على إثمهن بأن ينفقن حياتهن الخالدة في الجحيم، وقد وكلن بأن ~~يصببن الماء في دن لا قعر له فلا يمتلئ أبدا. # أيكبتيديس (المستجيرات) # الأشخاص: # الجوقة تتألف من بنات دناووس وهن خمسون عذراء - دناووس - ملك أرجوس - حاشية ~~الملك - رسول. # تقع القصة بالقرب من أرجوس على ساحل البحر. ويمثل المسرح غابة وكثيبا تقوم عليه تماثيل ~~الآلهة الذين كانوا يرأسون تصارع الشباب. # الفصل الأول # المنظر الأول # الجوقة ~~: # أي إله المستجيرين، انظر إلينا نظرة معونة وإشفاق. لقد جرت بنا السفن من ~~تلك المصاب الرملية: مصاب النيل بجوار سوريا. هاربات لا يبعثنا على الهرب ~~ذنب اقترفناه. فقضي علينا بالنفي. وإنما أبينا أن نذعن لهذه السلسلة ~~الممقوتة، سلسلة الزواج يصل بيننا وبين ابن إجيبتوس. # إن دناووس أبانا ليقوم مقام المشير الناصح والرئيس المشفق، لقد وزن ~~آلامنا، فرأى الهرب السريع إلى ما وراء البحر أخفها وزنا وأيسرها ~~احتمالا. وها نحن أولاء نقبل على ساحل أرجوس حيث نزعم مفاخرات أن قد ~~نشأت أسرتنا من هذه البقرة الهائمة التي مسحها ذوس ولاطفها فجعلها ~~ولودا ناتقا. في أي بلد أشد علينا إشفاقا ولنا رحمة نستطيع أن نقدم ~~هذا السلاح؛ سلاح المستجيرات؟ هذه الأغصان المقدسة تزينها الشرائط. أيتها ~~المدينة! أيتها الأرض! أيتها الينابيع الصافية! # أي آلهة السماء! أيها الآلهة المخوفة، آلهة الجحيم ولا سيما ذوس إله ~~النجاة هذا الذي يحمي العدل! املئوا قلوب أهل هذه البلاد عطفا وحنانا ~~على نساء مستجيرات! وادفعوا في البحر جماعة أبناء إجيبتوس قد هاجروا من ~~أوطانهم على سفن ما أشد طاعتها للمقاذيف قبل أن تطأ أقدامهم هذا الساحل ~~الرملي. لتحط بهم الزوبعة العاصفة يملؤها البرق الخاطف، والصواعق المهلكة، ~~والرياح يضطرب لها البحر، فترتفع أمواجه مرغية مزبدة، ولتوقع بهم قبل ~~أن يغضبوا بنات عمهم ويكرهوهن على زواج يحظره القانون. # أي أيبافوس! أيها السليل الإلهي، سليل تلك البقرة كانت ترعى كلأ المروج ~~فما كاد يمسها ذوس حتى ولدته. إن اسمك لآية على قوة القضاء! ms046 إن اسمك ليدل ~~على شرف مولدك، إنا لندعوك اليوم. # لأعلنن أصلي في هذا المكان الخصب عرفته أمك وأقامت به، ولأثبتن ما ~~بيني وبينها من صلة ذاكرة ما ألم بها من خطب وما لقيت من شقاء، لأملأن ~~نفس ساكنه دهشا وإنكارا، ولكنه إن أصغى إلي واستمع لي لا بد مقتنع ~~بصحة ما أقول. # رب كاهن في هذه الغابة قد أثرت فيه شكاتي المحزنة، فخيل إليه أنه يسمع ~~صوت تلك الزوج النكدة زوج الخائن # 2 # تيرايوس وصوت فيلوميلا يتبعها البازي. # لقد طردت هذه الزوج من تلك الرياض والعيون التي ألفتها واطمأنت إليها؛ ~~فهي تتنهد تنهدات ملؤها الحسرة، وتبكي آخرة ابنها الذي تقدم ملاطفا أمه ~~فلقي الموت الذعاف بين ذراعيها. # كذلك استعير هذا الغناء المحزن - غناء البونيين - أنا التي نشأت على ~~شواطئ النيل، أخمس خدي لأسيلين، وصدري تحتبس فيه الزفرات، وأقطع شعوري ~~حزنا وولها. ولقد لجأت إلى هذا المكان مفارقة على كره هذا الإقليم ~~الصافي - إقليم النيل - ولست آمن مع ذلك أولئك الذين يحنقهم هربي. # أيها الآلهة الذين منحونا الوجود! اسمعوا لنا، وأقروا العدل في نصابه! لا ~~تأذنوا أن يكون هذا الزواج الذي تكرهه القوانين، إنكم لتكرهون الظلم فلا ~~تقدروا لي إلا زواجا مباحا، أليس يجد الضعيف الذي أذلته الحرب وتبعته ~~شرورها، مأوى إلى هذه المائدة المقدسة يحميها جلال الآلهة! # أي ذوس! لتكن إرادتك، ولتظهر للناس أن إرادة ذوس لغامضة لا تستكنها ~~البصائر النافذة. إنها لتضيء كل شيء حتى الظلمة الحالكة. ولكن ما قدر للناس ~~يحيط به الخفاء دائما. # إن ما قدره ذوس لنافذ لا يدركه الفشل، وإن المسالك المتعرجة الخفية التي ~~تسلكها قدرته المنتهية كلها إلى الغاية. # إنه ليرى من أعلى أسواره السماوية مواضع المجرمين الفجرة، فيرميهم ~~بصاعقته. لن يترك القوة تطغى ممانعة للآلهة من غير أن ينكل بها وينالها ~~بالعقاب؛ يسهر على هذا كله، علمه الذي لا يعدله علم في قصره المقدس. # فلينظر إلى ظلم الناس، لينظر إلى أين ترمي نفسها، لتكرهنا على هذا ~~الزواج، هذه الشبيبة يملؤها الغضب ويغلي في ms047 عروقها الدم، هذا الجيل لا تكبح ~~جماحه شكيمة قد أساءت شهوته النصح له وبعثه على اقتراف الإثم باعث لا ~~قبل له باتقائه، فهو يذعن للجريمة التي تخلبه وتضطره إلى أن يأتي ما ~~لا بد من أن يندم عليه. # إني لأقترب من الشر الذي ينذرني، فأبعث من أعماق صدري صرخات عاليات ~~يقطعها الدموع من حين إلى حين ... ويلاه! ويلاه! إن نبرات صوتي لتصور ~~ما أحس من ألم. إني لأتغنى على نفسي أغاني الموت، أي أرض أبيس # 3 # كوني علي مشفقة وبي رفيقة! اعرفي صوتي، وإن كان غريبا ... إني ~~لأدعوك ضارعة إليك عائذة بك، وإني لأقبلك ألف مرة، انظري إلى هذه الثياب ~~والنقب الممزقة. # لئن حسنت آخرتي، لئن نجوت من الموت أي آلهة السماء، ليتضوعن على موائدكم ~~نشر الطيب، ويلاه! ويلاه! ... إني لفي شك مؤلم! ... # أي ملجأ يعصمني من الزوبعة؟ # أي أرض أبيس كوني علي مشفقة ولي رفيقة! اعرفي صوتي وإن كان غريبا! ... ~~إني لأدعوك ضارعة إليك عائذة بك، وإني لأقبلك ألف مرة، انظري إلى هذه ~~الثياب والنقب الممزقة. # لقد حملتني المقاذيف وهذا البيت من الخشب يجلله النسيج ويقيني عادية ~~الموج إلى هذا المكان من غير أن ألقى شر العاصفة، فلست أتهم الآلهة في شيء، ~~أيها الأب الخالد الذي يرى كل شيء لتصحبني حمايتك إلى آخر الطريق ... قدر ~~(وا حسرتاه! ... وا حسرتاه!) أن ينجو بنات نبيلات لأم جليلة من أزواج ~~مجرمين! # أيتها العذراء الطاهرة من بنات ذوس # 4 # أنت التي لن تحول بين عينها المبصرة وبين العالم غشاوة ما، ~~انظري إلي وتقبلي دعائي. # أيتها العذراء الخالدة! تولي حماية العذراء من الغضب والاضطهاد، ~~قدري (وا حسرتاه! ... وا حسرتاه!) أن ينجو بنات نبيلات لأم جليلة من أزواج ~~مجرمين. # لئن تركتني آلهة أولمبوس فليقودنني حبل محتوم إلى طريق واضحة إلى حيث ~~أجد لي مأمنا في هذا المنزل المظلم الذي ينزله المردة السود منذ صعقتهم ~~الصاعقة، في هذا المكان أقدم هذه الأغصان إلى هذا الذي يضيف الأشقياء ~~جميعا إلى إله الموتى. # 5 # أي ذوس! إن سخط ms048 الآلهة ليتبع أيو غير وان ولا مقصر، إني لأعرف ضربات ~~زوجك الخالدة، إن نفثاتها التي يملأها السخط والعداء لتبعث الزوبعة ولكن ~~أين تضع عدلك إذا أصممت أذنك، فلم تسمع لصلاتنا مطرحا، هذا الذي أنت ~~أبوه، هذا الذي ينتمي إلى البقرة التي كانت إليك حبيبة وعليك عزيزة . اسمع ~~من أعلى السماء إلى أصواتنا تتضرع إليك. ~~(ثم يأتي دوناووس، فينصح لهؤلاء العذارى أن يلزمن مائدة ~~الآلهة وتماثيلهم، وأن يطلبن إليهم الحماية لأنه يرى جيشا يقترب.) # الفصل الثاني # يأتي الملك وحاشيته فيدهش لمكان الجوقة وغرابة أزيائها ويسألها أمرها بعد أن يتعرف ~~إليها فتزعم له أنها أرجية الأصل ويداخله الشك في ذلك فتنبئه بحقيقة الأمر في هذا ~~الحوار. # الجوقة ~~: # أليس قد زعموا أنه في هذه الأرض - أرض أرجوس - قد ولدت قديما أيو كاهنة ~~هيرا، هذه الكاهنة التي - كما بعد بذلك الصيت ... # 6 # الملك ~~: # ضمت ذوس بين ذراعيها مع أنها امرأة فانية. # الجوقة ~~: # ولكن ما لبثت هيرا أن استكشفت حبهما. # الملك ~~: # من غير شك قد وخزتها الغيرة؛ فماذا فعلت؟ # الجوقة ~~: # مسخت خصمها بقرة. # الملك ~~: # فأصبح ذوس عاجزا عن أن يقترب منها! # الجوقة ~~: # زعموا أن ذوس استحال إلى ثور. # الملك ~~: # إذن فزوجه الماكرة العنيدة! # الجوقة ~~: # وكلت حراسة البقرة إلى حارس لا يفوته شيء. # الملك ~~: # ماذا تسمين هذا الراعي الحذر؟ # الجوقة ~~: # أرجوس ابن الأرض قتله هرميس. # الملك ~~: # ثم ماذا لقيت هذه البقرة التعسة من ألم؟ # الجوقة ~~: # لزمتها حشرة تجن للدغتها الثيرة، ونسميها على شواطئ النيل قمعة. # الملك ~~: # فأكرهتها على أن تفر من هذا المكان! # الجوقة ~~: # لقد صدقت ووافقت روايتك روايتي. # الملك ~~: # وبالقرب من ممفيس في كانوب. # الجوقة ~~: # مسها ذوس فجعلها أما ... # الملك ~~: # وكان هذا الطفل الإلهي قد ولدته البقرة ... # الجوقة ~~: # كان إيبافوس الذي يدل اسمه على مولده ومنه ولدت ليبيا التي كان حظها أعظم ~~أقسام الأرض الثلاثة. # الملك ~~: # ومن ذا الذي ولدته ليبيا هذه؟ # الجوقة ~~: # بيلوس الذي كان له ولدان: أحدهما أبي هذا الذي تراه. # الملك ~~: # أبوك؟ ما اسم هذا الرجل الحكيم؟ # الجوقة ~~: # دناووس؛ لأخيه خمسون ابنا، ms049 يسمى إجبتوس. والآن وقد عرفت قصتي ونسبي فعليك أن ~~تحمي الأرجيين الذين يمتون إليك بسبب متين. ~~(ثم يسأل الملك الجوقة عما أفزعها من مصر فتنبئه به، وعما ~~تريد منه، فتسأله الجوار، ويتردد الملك بين أن يجيرهن فيعرض مدينته للحرب أو ~~يردهن فيغضب إله الجوار، ثم يتم رأيه على أن يستشير الشعب، فيبعث دناووس إلى ~~المدينة ضارعا مستجيرا، ويلحق به بعد أن ينصح للجوقة أن تأوي إلى غابة بجوار ~~المسرح فتفعل وتتغنى قصة أيو متضرعة إلى ذوس أن يكون لها نصيرا.) # الفصل الثالث # يأتي دناووس فينبئ بناته بأن الشعب قد انتصر لهن ومنحهن الجوار، فيرتفع غناؤهن ~~بالدعاء لهذا الشعب والثناء عليه. # الفصل الرابع # ينبئ دناووس بناته بأنه يرى السفن مقبلة، وأنه طائر إلى المدينة فمستنفر أهلها، ~~فتشفق الجوقة وتهلع، ويبذل لها دناووس ما استطاع من تشجيع وتثبيت، ثم ينصرف وتتغنى ~~الجوقة خائفة متولهة مستجيرة بالملك تارة وبالآلهة تارة أخرى، وإنها لكذلك إذ ينزل ~~شخص من إحدى السفن ويتقدم إليها فتتلقاه مستنزلة عليه السخط. # الفصل الخامس # يأتي الرسول ومعه بعض الجند، فيأمر الجوقة أن تتبعه إلى السفن حيث تنتظرها سادتها، ~~فتأبى عليه ذلك منذرة له مستجيرة منه، وإنها لتمانعه وتشاده إذ يأتي الملك ~~فيعلن عزمه على حمايتها، ويلوم الرسول على ما قدم إليها من إهانة، ثم يأمر أن توضع ~~الجوقة بمأمن داخل المدينة، وينصح دناووس لبناته بإيثار العفة والفضيلة، ثم يتقدم ~~الأسطول، فتتردد الجوقة في أمرها فبعضها يرى الخضوع، وبعضها يرى المقاومة، وتنتهي القصة ~~هنا، ولا شك في أن قصتين أخريين كانتا تمثلان ما تم من أمر بنات دناووس ولكنهما ~~فقدتا. # | الفرس # الأشخاص # الجوقة: # تتألف من شيوخ يشرفهم المولد والكفاية الخاصة. وهم الذين كانوا يسمونهم ~~الأمناء. # أتوسا: # أرملة دارا وأم أكزرسس. # رسول. # روح دارا. # أكزرسس: # ملك الفرس بن دارا. # تقع القصة في سوس، ويمثل المسرح قصر الملك، ويرى من ناحية قبر دارا. # سافر جيش الفرس يقوده الملك الأعظم أكزرسس لحرب اليونان وهي الحملة الميدية الثانية. ~~فانهزم الفرس هزيمة منكرة في البر والبحر، ms050 وعاد الملك الأعظم إلى وطنه ذليلا مهينا. ~~وهذه القصة تمثل عودته، وقد مثلت في أثينا بعد الحرب بثماني سنين، وكان المؤلف قد اشترك ~~في الحرب، ويقال إنه قد أحسن فيها البلاء. # الفصل الأول # تتغنى الجوقة بما يملأ قلبها من فخر بما أرسلت فارس من جيش ضخم لسحق اليونان. ثم ~~تتخوف سوء العاقبة؛ لأن عهدها بالجيش بعيد، وقد انقطعت الأنباء، فهي لا تعرف من أمره ~~خيرا ولا شرا. # الفصل الثاني # المنظر الأول # تقبل أتوسا أم الملك فتفضي إلى الجوقة بما يداخلها من الخوف على ولدها، وأنها قد ~~رأت حلما ملأ قلبها رعبا، وتسألها المشورة. فتشير عليها الجوقة بأن تقدم الضحايا ~~والقرابين إلى الآلهة، وإلى دارا خاصة، ليصرف عن الملك وأسرته كل أذى وضيم، فتذعن ~~لمشورتها، وتهم بالانصراف، ثم يبدو لها فتسألها. # أتوسا ~~: # أين تقوم أثينا؟ # 1 # الجوقة ~~: # بعيدا من هذا المكان حيث يغرب الكوكب الذي نعبده. # أتوسا ~~: # وهذه هي المدينة التي يحرص ابني على تدميرها! # الجوقة ~~: # إن تدميرها يبسط سلطانه على بلاد اليونان كلها. # أتوسا ~~: # إذن فجيش الأثينيين كثير العدد؟ # الجوقة ~~: # كثير ما أوقع بالميديين من شر. # أتوسا ~~: # ألهم من مصادر الخير ثروة كافية. # الجوقة ~~: # لهم كنوز الأرض، مناجم الفضة. # أتوسا ~~: # أيتخذون السهام والقسي لهم سلاحا؟ # الجوقة ~~: # كلا، إنما يقاتلون بالرمح والدرقة، لا تزول أقدامهم. # أتوسا ~~: # من ذا الذي يقودهم؟ ومن سيد جيشهم؟ # الجوقة ~~: # ليسوا أرقاء ولا رعية. # أتوسا ~~: # وكيف يجرءون على أن ينتظروا العدو يقبل فينقض عليهم؟ # الجوقة ~~: # كما انتظروا أقوى جيوش دارا فقضوا عليها. # أتوسا ~~: # آه! أي طيرة لأمهات جنودنا! # الجوقة ~~: # ولكن يخيل إلي أنك ستقفين من أمرهم على النبأ اليقين عما قليل فإن ~~هذا الإسراع الذي أراه ينبئني بأن رسول الملك قادم، فسينبئنا بانتصاره أو ~~بانهزامه. # المنظر الثاني # يقبل رسول الملك فينبئ بهزيمة الفرس وفناء الجيش ولكنه ينبئ بأن الملك حي ~~فتبتهج أتوسا بحياة ابنها ولا تحفل بهلاك من هلك. ثم تسأل الرسول أن يقص عليها الموقعة. # 2 # الرسول ~~: # أيتها الملكة، إن شيطانا حاسدا، وروحا شريرا قد فعل ms051 كل شيء، # 3 # لقد كان جندي أثيني قد أقبل فأنبأ الملك بأن جيش اليونان قد ~~ملأه الهلع، فهو لا ينتظر إلا ظلمة الليل، ليركب السفن ويلتمس نجاته في ~~الهرب. فما كاد يسمع الملك هذا النبأ حتى حرص على تدمير الجيش غير خائف ~~خيانة اليونان ولا حسد الآلهة، # 4 # فيأمر زعماء جيشه أن يتربصوا، حتى إذا أقبل الليل فغمر الأرض ~~بظلمته، وتكشفت عنها أشعة الشمس، انقسم الأسطول فبعضه يقفل المضيق بثلاثة ~~خطوط من السفن وبعضه يحيط بجزيرة أجكس. فإذا أمن اليونان الهزيمة وأفلتت ~~سفنهم، فإن كل رئيس فاقد حياته جزاء على ذلك. بهذا أمر الملك وقد ملأته ~~الثقة، من غير أن يعرف ما أعدت له الآلهة. # أطاع الجند وقرب البحارة مقاذيفهم من جسور السفن. فلما أقبل الليل، ~~وأطفأت الشمس أشعتها، أخذ كل من الجند والبحارة مكانه، دعي كل إلى ~~موقفه وتصطف السفن كما أمر الملك، ومضى الليل وإن الأسطول - كما رتبه ~~أمراؤه - ليسهر على حفظ الطريق. يمضي الوقت ولا يحاول أحد من اليونان ~~هربا. # ولكن الفجر ذا العجلة المضيئة، # 5 # ما كاد ينشر بهجته على الأرض حتى سمعنا من قبلهم أصواتا عالية ~~موسيقية، تدل على فرح ونشاط، وغناء حماسة وحرب، تردده أصدية الصخور. ~~فيملك الرعب جماعة الفرس، قد خدعت فيما كانت تنظر. وما كان النشيد الذي ~~كانت تتغناه جيوش اليونان آية هزيمة، إنما كان تشجيعا وتحريضا. وقد كان ~~صوت البوق يضاعف شجاعتهم ثم يصدر الأمر. فما هي إلا أن تقع المقاذيف ~~القاطعة على الأمواج الملحة فتضطرب. وإنهم لعلى مرأى منا، يتقدم جناحهم ~~الأيمن في نظام حسن ويتبعه سائر الجيش. ولقد كنا نسمع ألف صوت يصيح: ~~«هلموا يا أبناء اليونان، خلصوا وطنكم، خلصوا نساءكم، وأبناءكم، ومعابد ~~آلهتكم، وقبور أجدادكم؛ فإن موقعة واحدة لمظهرة ما أعد لهم ~~القضاء.» # فلا يجيب الفرس على هذه الصرخة إلا بالغمغمة: وما كان لنا أن نتقي ~~المعركة. هذه المقدمات النحاسية مقدمات السفن تصطدم، تبدأ الصدمة سفينة ~~يونانية فتحطم سفينة فينيقية. ثم يختلط كل شيء. فيثبت أسطولنا لأول شدة، ms052 ~~ولكن سفننا وقد كثر عددها وضاق بها المكان، لا تستطع أن يعين بعضها بعضا، ~~فتصطدم مناقيرها الحديدية وتتحطم مقاذيفها، وقد أحاط بها اليونان المهرة ~~في أعمال البحر، فيوقعون بها من كل ناحية، ويجعلون عاليها سافلها، ~~ويستخفي البحر تحت الشظايا وجثث الموتى، وتغطي الجيف الساحل والصخور وقد ~~أخذ الأسطول كله يفر غير منتظم . وهؤلاء بحارتنا الأشقياء، كأنهم الحيتان أو ~~غيرها من وحوش البحر، قد أخذت في الشراك فتعمل في رءوسهم بقايا المقاذيف ~~والمقاعد. وقد امتلأ الساحل صراخا وأنينا. حتى يقبل الليل فيخفينا عن ~~أعين المنتصر. # عشرة أيام كاملة # 6 # لا تكفي لوصف ما فقدنا ولكن حسبكم أن تعلموا أن الدهر لم يعهد ~~قط عددا من الناس كهذا العدد قد هلك في يوم واحد. # أتوسا ~~: # يا للسماء! أي طوفان من الآلام يغمر فارس وآسيا جميعا! # الرسول ~~: # ثقي بأنك لا تعلمين نصف هذه الآلام؛ فإن ما تبع ذلك من الشقاء أجل ~~مما سمعت خطرا. # أتوسا ~~: # وأي خيبة أشد علينا قسوة مما نالنا؟ أوضح، أي شقاء قد ناء ~~بجيشنا؟ # الرسول ~~: # لقد هلكت شر هلاك من غير مجد ولا فخر، خيرة فارس تلك الشبيبة التي ~~امتازت بالشجاعة والإقدام، وبالنبالة والشرف، وبالحرص على نصر الملك ~~والإخلاص له. # أتوسا ~~: # ماذا أسمع أيها الأصدقاء، أي ضربة قاضية! كيف فقدت زهرة فارس ~~الحياة؟ # الرسول ~~: # توجد بإزاء سلامين جزيرة سيئة الأثر في سفننا # 7 # حيث تسمع أغاني الإله بان # 8 # هنالك أرسل أكزرسس شباب الفرس ليضعوا أيديهم في يد من التجأ ~~إليها من اليونان إذا انهزموا، وليعينوا من اضطر إليها من الفرس. لقد ~~كان سيئ القراءة في المستقبل، فما كادت السماء تمنح اليونان الانتصار ~~البحري حتى نزلوا إلى هذه الجزيرة، مسلحين بكل شيء، فأحاطوا بهم من غير ~~أن يتركوا لهم منفذا، وبدءوا فأرسلوا عليهم وابلا من الأحجار والسهام، ثم ~~انقضوا جميعا في وقت واحد عليهم، فأعملوا فيهم السيف، ولم يتركوا منهم ~~واحدا إلا نحروه. وكان أكزرسس قد قام على ربوة بالساحل ليشمل نظره الجيش ~~كله، فهو يرى هذا القتل والذبح ms053 فيمزق ثيابه، ويصيح صيحة ملؤها اليأس، وما ~~هي إلا أن يأمر بالهرب ويسرع هو فيفر، لا يلوي على شيء. هذا هو الشقاء الذي ~~ستبكينه أيضا. # أتوسا ~~: # يا لك من قضاء لنا عدو! لقد خدعت الفرس فأحسنت خديعتهم! إن عقاب أثينا ~~ليكلف ابني ثمنا غاليا! لم يكن يكفي هلاك من هلك من زعمائنا في مراثون! ~~لقد كان مما لا بد منه أن يحمل ابني هذه الحملة، واثقا بأنه سيثأر لهم ~~فيجر علينا هذه المصائب التي لا تحصى، ولكن إلي أين لجأت السفن التي ~~ظفرت بالفرار؟ ألك بذلك علم؟ # الرسول ~~: # لقد هرب كل زعيم في غير نظام إلى حيث حملته الريح، فأما الجيش البري فقد ~~هلك بعضه في بيوتنا ظمأ وجوعا، ومضت بقية الجيش في هربها لا تملك من ~~الوقت ما تستريح فيه، فعبرت بلاد الفوكيين والدوريين وما جاورها من بلاد ~~خليج ماليه، تلك التي يرويها نهر سبركوس بمائه العذب. ومن هنا عبرنا - ~~محرومين كل شيء، يعبث بنا الظمأ والجوع - بلاد الأكويين وأرض تساليا، حيث ~~هلك أكثرنا، ثم عبرنا منيزيا: مقدونيا وسواحل أكسيوس، ومستنقعات بلبيه ~~وجبال بنجيه وأيدونيا، وهنا أذنت السماء أن يشتد برد الليل اشتدادا لم ~~تعرف له سابقة، فيجمد ماء سترمون. فما كدنا نشهد هذه النعمة التي لم ~~نكن ننتظرها حتى عبد الأرض والسماء منا الملحد والديان. وبعد صلاة ~~طويلة خاشعة تقدم الجيش على الجليد فنجا كل من استطاع أن يعبر النهر قبل أن ~~يمد إله النهار أشعته. ولكن قرصه المشتعل لم يكد يخترق بنيرانه أحشاء ~~المياه حتى تمزق الجليد، فترامى جنودنا بعضهم على بعض، سعيد من أسرع إليه ~~الموت! فأما الذين استطاعوا أن ينجوا من هذا الخطر فقد عبروا طراقيا في ~~جهد ومشقة ثم عادوا إلى أوطانهم. ليطولن أسف فارس على زهرة هذه الدولة، ~~لقد صدقتكم الخبر، ولكني أعربت عن كثير من الشر الذي أنزلته بنا ~~الآلهة فناء بنا. ~~(ثم تتفجع الملكة والجوقة لما ألم بالفرس وتعلن الملكة ~~أنها فاعلة ما عزمت عليه من تقريب القرين واسترضاء الآلهة، وتطلب ms054 إلى الجوقة ~~العناية بتعزية الملك وتسليته إذا عاد.) # المنظر الثالث # الجوقة ~~: # أي ذوس! لقد قضيت على هذا الجيش الضخم، جيش فارس، إنك لتغمر بالحزن ~~مدينتي سوس واكبتان. ما أكثر هؤلاء النساء قد وصل بينهن الألم! سيمددن ~~أيديهن الضعاف إلى النقب فيمزقنها وقد غمرت وجوههن الدموع، زوجات تفيض ~~قلوبهن حنانا، قد قضي عليهن منذ اليوم أن يسكبن دموعا لا تغيض، ~~سيسألن فرشهن الوثيرة التي قد شهدت ما ذقن من لذة حلوة عند أزواجهن ~~الذين لم يكادوا يقاسمونهن الحياة حتى غالهم الموت فملأ قلوبنا لذلك ~~أسفا. # إن آسيا كلها لتئن وقد نزح عنها سكانها، لقد سلبها أكزرسس أبناءها، ~~أكزرسس أضاعهم. أكزرسس أسلم كل شيء من غير روية ولا أناة إلى سفن ~~ضعيفة! ماذا ينفعنا اليوم أن قد ملك علينا دارا وأن قد كان يعبد في سوس ~~ولا يستطيع قاهر أن يقهره! # وا حسرتاه! لقد مضت سفن سود ذات أجنحة بما كان لنا من مشاة وبحارة ... لقد ~~أضاعتهم السفن ... لقد خانتهم السفن عند اللقاء! ... يا للآلهة! ... لقد أهلكتهم ~~أيدي الأيونيين! ... لقد خبرنا أن ملكنا لم يفلت من أيديهم إلا بشق ~~النفس، بعد أن عبر سهول تراقيا وحقولها يجللها الجليد! # ضحايا الموت وا لهفتاه! ... قد تركوا قهرا ... آه يا للآلهة ... على سواحل ~~سيكريه! أعولى آسيا، مزقي صدرك، لترتفع صيحة آلامك إلى السماء: ارفعي ~~صوتك المحزن وصراخك المؤلم. لعبة الأمواج # 9 # يا للهول! ... قد أصبحوا طعاما لأولئك السكان البكم، سكان ~~الأمواج الملحة. لا بيت إلا وله سيد يبكيه! يستعبر الأب وقد أصبح من غير ~~ولد، ويشكو الشيخ وطأة القضاء. كل شيء يبعث في نفوسهم الألم ~~والحسرة. # لن تطول طاعة آسيا لفارس. لن يطول أداء الإتاوة قد فرضها سيد قاهر، ولن ~~يطول بقاء هذا العرش، كان يعبده الناس راكعين. لقد ذوى سلطان ملوكنا: لا ~~شكيمة تمنع لغط اللاغط: لقد انقطعت تلك السلسلة التي كانت تغل الشعوب، ~~وتحطم ذلك النير الذي كان يذلها: لقد هلك الفرس! لقد رووا بدمائهم ~~ربى جزيرة أجكس. # الفصل الثالث # ثم تقدم أتوسا ms055 وقد حملت من العسل واللبن ومن الزهر والفاكهة ما تتقرب به إلى الآلهة ~~والموتى، فتتفجع وتتفجع الجوقة لما أصاب الفرس. ثم تتغنى الجوقة داعية روح دارا أن يصعد ~~من الجحيم لتسأله وتستشيره. # الفصل الرابع # يظهر ظل دارا على حافة القبر فيسأل الجوقة عما أصاب الفرس فلا تستطيع أن تجيبه، ~~وتنبئه بذلك زوجة أتوسا، فيأسف ويلهف ويتحدث بأن مصدر هذا الرزء إنما هو كان من عقد ~~الجسر على البسفور؛ فقد أهان الفرس بذلك إلها إذ قيدوا حركة البحر. ومن شأنها أن تكون ~~مطلقة. ثم ينعي على ابنه طيشه ونزقه وطمعه في قهر أثينا التي لا تقهر. ويعلن أن ~~سلطان الفرس قد تزعزعت أركانه، وخليق بهم أن يحتفظوا بما بقي في أيديهم إن استطاعوا إلى ~~ذلك سبيلا. # الفصل الخامس # يقبل الملك الأعظم أكزرسس منهزما، فتلقاه الجوقة معولة متوجعة وتسأله لائمة مرة ~~وراثية أخرى عمن أهلك من جيش فارس وزعمائها وما أضاع من مجدها وسؤددها. فيجيبها ~~نادما معتذرا، متوجعا متفجعا، وتقاسمه الجوقة كل ذلك. ~~••• # ربما لم تقع هذه القصة من نفسنا موقعها من نفس اليونان، ولكن ينبغي ألا ننسى أن جمال ~~هذه القصة إنما هو فيما تمثل من ظفر مدينة صغيرة ضئيلة الجيش كأثينا على أضخم ~~دولة وأعظم سلطان في الأرض يومئذ كدولة الفرس وسلطانهم. وأن الذين شهدوا تمثيلها هم ~~أنفسهم الذين دحروا الفرس وأجلوهم عن بلاد اليونان، فهم إنما كانوا يرون مجدهم ~~قائما بين أيديهم ويشهدون ذل الفرس الذين أذلوهم قبلا. على أن في القصة أنواعا من ~~الجمال الفني، ليس من الميسور نقلها إلى غير اللغة اليونانية. ومن هنا قل المختار ~~منها في هذا السفر. # | السبعة يهاجمون طيبة # كان لايوس ملك طيبة رجلا غير معقب، فشكى ذلك إلى أبلون وتنبأ له الإله بأنه مقتول بيد ~~ابنه، ثم ولدت له امرأته غلاما فأمر أن يطرح على قمة جبل خشاة أن يتحقق ما تنبأ به ~~الإله، ولكن راعيا من رعاة كرنثوس التقط الطفل وحمله إلى ملك المدينة فترباه وسماه أوديبوس ~~- أي ذو القدمين المتورمتين؛ ms056 لأنه كان كذلك حين التقط - فلما شب الغلام سمع الناس يتحدثون ~~في القصر بأنه ليس من الأسرة، فذهب يسأل أبلون عن ذلك فتنبأ له الإله بأنه قاتل أباه ~~ومتزوج أمه. # أشفق الغلام أن يتحقق الوحي؛ فلم يعد إلى كرنثوس بل مضى إلى طيبة، وإنه لفي طريقه إليها ~~إذ عرض له ملكها لايوس على عجلة فشاجره سائقها وضربه الملك بسوطه، فأغضبه ذلك فقتل الملك ~~ومضى حتى بلغ طيبة، فإذا أهلها في محنة شديدة وبلاء عظيم قد ظهر لهم حيوان يسميه اليونان ~~اسفنكس له وجه العذراء وصدرها وجسم الأسد وذيله وبراثنه، وله جناحان كجناحي الطائر، فأقام ~~على صخرة وأخذ يسأل من عرض له من أهل المدينة عن شيء يمشي على أربع في الصباح وعلى اثنين ~~إذا زالت الشمس وعلى ثلاث إذا أمسى المساء؟ فمن لم يحسن الإجابة على هذا السؤال افترسه ~~وأتى عليه، وقد عظم شره في المدينة حتى أعلن كريون الذي كان يقوم على المدينة بعد لايوس أن ~~من انتصر على هذا الحيوان فله عرش المدينة وهو زوج ملكتها جوكاست. # ذهب أوديبوس وأجاب عن السؤال بأن هذا الشيء هو الإنسان يزحف على يديه ورجليه طفلا، ويمشي ~~على رجليه شابا، فإذا شاخ انطوى على العصى فاغتم الوحش لهذا الجواب الرشيد ورمى بنفسه من ~~أعلى الصخرة فهلك. # صار عرش طيبة إلى أوديبوس وصارت إليه ملكتها أيضا، فولدت له ابنين: أيتيوكليس وبولينيس، ~~وابنتين أنتيجونا واسمينا، وتم بذلك وحي أبلون فقتل أوديبوس أباه وتزوج أمه ولكنه لم يكن ~~يعلم من هذا شيئا. # أرسل الآلهة وباء الطاعون على طيبة، واستشار الملك أبلون فأمر أن يطرد من المدينة قاتل ~~لايوس، فأخذ أوديبوس يبحث عن هذا القاتل حتى أخبره الكاهن تريزياس بأنه هو، ففقأ عينيه وخرج ~~هائما على وجهه تقوده ابنته أنتيجونا ولعن ابنيه لأنهما لم يصحباه. أما جوكاست فقد قتلت ~~نفسها خنقا. # اختلف بعد ذلك إيتيوكليس وبولينيس أيهما يكون له العرش فآل أمر الملك إلى إيتيوكليس وخرج ~~بولينيس من المدينة مغاضبا لأخيه حتى وصل إلى أرجوس فتزوج ms057 ابنة ملكها أدرست وعاد معه إلى ~~وطنه محاربا، فطال الحصار وانهزم الأرجيون بعد أن قتل بولينيس وإيتيوكليس كل بيد ~~صاحبه. # وهذه الحرب هي التي تمثل آخرها هذه القصة التي ستعرض للقارئ. # ولا شك في أن قصتين أخريين كانتا تسبقانها: الأولى كانت تمثل مقتل لايوس، والثانية حياة ~~أوديبوس. ولقد كانت هذه الأسطورة خصبة تناولها الشعراء الممثلون جميعا فأجادوا تمثيل ~~أجزائها المختلفة كما سيرى القارئ في هذا الجزء وما يليه. # عاد الملك إلى كريون فأمر أن يدفن إيتيوكليس وأن يترك بولينيس بالعراء، ولكن أنتيجونا ~~دفنت أخاها فدفنت حية، وكان سيمون بن كريون يحبها فذهب إلى قبرها وقتل نفسه فيه وعرفت ~~أمه ذلك فقتلت نفسها، وترك سوفكليس في قصة ستعرض للقارئ كريون قد فقد رشده أمام هذه ~~الخطوب فهو لا يدري ماذا يصنع بل لا يستطيع أن يفكر. # السبعة يهاجمون طيبة # الأشخاص: # أتيكلس ملك طيبة - الجوقة تتألف من عذارى - جاسوس من طيبة ورجل آخر من طيبة - ~~أنتيجونا واسمينا أختا الملك - رسول - وستة من رؤساء جند طيبة لا يتكلمون - ~~ورجال آخرون من طيبة. # وتقع القصة في طيبة ويمثل المسرح معبدا وميدانا عاما. # الفصل الأول # المنظر الأول ~~(أتيكلس - الجوقة - ورجال من طيبة) # يا أبناء كادموس، إن زعيم الدولة وهو جالس على مقدمة السفينة قد أخذ دفتها بيده. ~~يجب عليه أن يحدق بعينيه وأن يرشد أعوانه إلى ما يلائم أحوالهم؛ فإنا إن ننتصر ~~شكرتم ذلك للآلهة وإن تدور علينا الدائرة - وليكفنا الآلهة شر ذلك - فأنا وحدي ~~المأخوذ به في طيبة. إذن يصبح أتيكلس موضوع لغط الناس وتأنيبهم فليعفنا كبير ~~الآلهة الذي نعتمد عليه ونتقي به شر أعدائنا هذه النكبة، فليدع كل منكم اليوم - ~~سواء في ذلك من لم يبلغ شبابه ومن تجاوزه - ما له من حول وقوة وليدافع عن وطنه، ~~وليحط معابد آلهته التي توشك أن تدمر، وليحم أبناءه وأمه ومرضعه الحنون، ~~وهذه الأرض التي كنا نزحف عليها حين خرجنا من المهد، فاحتملت ثقل طفولتنا، ~~وغذتنا لنسكنها وندافع عنها حين تدعو إلى ذلكم الحاجة. لقد أظهرت ms058 الآلهة ميلها ~~إلينا حتى الآن. ولزم النصر جانبنا في أكثر الأحيان على طول الحصار. # أما اليوم فهذا الكاهن الماهر في فنه من غير أن يحتاج إلى تحريق الضحايا يسأل ~~الطير ويفهم منطقها، هذا الذي لا يخطئ فيما تنبأ به ينبئنا بأن الأكويين قد ~~أزمعوا أشد هجماتهم على طيبة وأعدوها. فسابقوا إذن إلى أبواب المدينة ومقدمات ~~الأسوار . أسرعوا طيروا وقد اتخذتم ما وقع في أيديكم من سلاح واملئوا مواطن ~~الدفاع، قفوا على أعالي البروج، واحموا خارج المدينة، اثبتوا في أماكنكم، لا ~~تخيفنكم كثرة المهاجمين؛ فإن الآلهة معنا. وقد بثثت الجواسيس في معسكر العدو، ~~وأرجو ألا يكون ذلك عبثا، وأن تعينني أبناؤهم على أن أتقي مكر الأعداء. ~~••• # ثم يأتي جاسوس فينبئ بأن الأعداء قد أزمعوا الهجوم وانقسموا سبع فرق تهاجم أبواب ~~المدينة السبعة، وعلى رأس كل فرقة بطل من أبطالهم، وقد أقسموا ليدمرن ~~المدينة أو ليموتن. ويتوسل أتيكلس إلى كبير الآلهة أن يحمي المدينة شر ~~المغيرين وينصرف. فتبقى الجوقة متلهفة متوجعة تتوقع الأهوال وتستعين بالآلهة على ~~اتقائها. # الفصل الثاني # المنظر الأول # يقول أتيكلس وقد ملأه السخط على الجوقة لأنها أكثرت العويل والنواح، وهو يخشى ~~أن يطمع ذلك أعداء المدينة ويفزع حماتها، وتعتذر الجوقة بما ملأ قلبها من ~~خوف وهلع حين سمعت ضجيج الجيش وصرير السلاح، فيلح الملك عليها في أن تسكن ~~وتهدأ، وتكتفي بأن تعد الآلهة نحر الضحايا وتقديم القربان إن سلمت ~~المدينة من هذه الهجمة، وينطلق. # المنظر الثاني # الجوقة ~~: # إني لمطيعة ولكن قلبي مضطرب؛ فإن صورة العدو يحيط بأسوارنا لا تفارقني ~~وهي تملأ نفسي هلعا وفرقا، كأني الحمامة قد اتخذت لها عشا واهنا، ~~فهي تخشى على صغارها جولة حية عادية. جيش بل شعب يزحف على أسوارنا، إلى أي ~~حال أنا صائرة. إن السماء لتمطر الأحجار من كل صوب على جنودنا. أي أبناء ~~ذوس! يا معشر الآلهة! أقبلوا جميعا، واحموا مدينة كادموس وشعبه. أي بلد ~~أشد إلى أنفسكم حبا تسكنون إن تركتم هذه الأرض الخصبة نهبا للعدو؟ ~~وماء درسية # 1 # أشد مياه ms059 العيون عذوبة وأحسنها شفاء للنفس قد أهداها إلى الناس ~~بنات «تيتيس» # 2 # وهذا الإله الذي يضم الأرض بين ذراعيه. # 3 # أي معشر الآلهة قد أخذوا أنفسهم بحماية هذه المدينة. باعدوا بيننا وبين ~~الخوف الذي يفل القوى ويوهن العزائم، وضاعفوا مجد الطيبين. اسمعوا إلى ~~أناتنا المحزنة، أنقذوا طيبة، اتخذوها لكم مقاما أبد الدهر. ماذا؟! طيبة ~~هذه المدينة القديمة تمحى من الأرض، وقد أصبحت نهبا للسيف والنار؟ ~~أتتركها الآلهة - من غير شرف - عرضة لتخريب الأكويين؟! هذه الأمهات. آه ~~يا للسماء ...! وهؤلاء العذارى يسقن كالقطعان إلى الرق وقد حسرن ~~النقاب وقصصن الشعور، وترتفع أصوات الأسرى المتفجعات في هذه الأسوار مقفرة! ~~إنها لصورة تضطرب لها نفسي. أيتها العذارى الفتيات. أيتها الزهرات النضرات. ~~أي حظ سيئ! قبل أن يحين قطافكن قد أقبلت يد أجنبية، فهي تعبث بكن، تريد أن ~~تنقلكن إلى أرض العدو؟! أجل! إن الموت لأقل قسوة من هذا مائة مرة. آه ... إن ~~مدينة يدخلها العدو عنوة لتقاسي من ألوان الشقاء. يعبث بها الرق والموت ~~واللهب، يسترها الدخان، وينطلق فيها إيديس # 4 # مدمرا، يملؤها فزعا، ويستحيي نساءها. زئير من كل ناحية، وقد ~~أحاط شرك الموت بكل شيء. ينحر الرجل صاحبه، يصرخ الطفل القتيل صرخات غير ~~متمايزة على صدر أمه الدامي. نهب يصاحب التخريب. يظهر بعض الجند لبعضهم ~~ما احتوت أيديهم من غنائم. يحث بعضهم بعضا على النهب. يدعو بعضهم بعضا من ~~غير أن يريد قسمة ما في يده أو النزول عنه. أين السبيل إلى تصوير هذه ~~الصورة؟ لا تكاد تخطو خطوة حتى ترى الأرض مكللة بأنواع الثمر. # أيتها الأسر النكدة المشئومة! أترين بين أيديكن ثمرات الأرض مطرحة ~~ممتهنة؟ عذارى قد كن ينتظرن من الحياة حظا آخر! فأصبحن مكرهات على ~~أن يقمن مقام الأرقاء في سرير جندي سعيد وعدو ظافر، ليحمني ليل ~~الموت من أن أرى هذا المنظر المشئوم. # الفصل الثالث # بينما تتساءل الجوقة عن عاقبة الموقعة، يقبل جاسوس طيبة من ناحية ويقبل الملك ~~ومعه نفر من كل رؤساء الجنود من ناحية أخرى. فينبئه الجاسوس ms060 بأسماء الأبطال الذين ~~اختارهم الاقتراع لمهاجمة أبواب المدينة. وهو كلما سمي بطلا اختار الملك لمقاومته ~~بطلا من أبطال طيبة حتى يصل إلى البطل السابع. # الجاسوس ~~: # أما الرئيس السابع الذي يهاجم سابع الأبواب فلا بد من تسميته: هو أخوك. أي ~~سخط يستنزل على المدينة! قصاراه أن يرقى أعلى بروجنا وأن يعلن نفسه ~~ملكا، وأن يتغنى نشيد الانتصار، وأن يلحقك فيعطيك الموت أو يأخذه من يدك، ~~وأن ينتقم منك لنفسه يبغي يضع من قدرك يستشهد على ذلك آلهة وطنه. وقد مثل على ~~درقته تمثيلا حسنا؛ صورتان جديدتان: مقاتل قد اتخذ من الذهب، وامرأة قد أخذت ~~بيده تقوده في جلالة وعظمة، قائلة: أنا العدالة، لأردن هذا الرجل إلى ~~وطنه، ولأعيدن إليه ملكه وتراث آبائه. # تلك هي علائم هؤلاء الرؤساء. فانظر من تختار للقاء أخيك. فلن تستطيع أن ~~تتهمني - فيما بلغتك - بنقص أو قصور. أنت زعيم هذه الدولة. فعليك الآن أن تدبر ~~شئونها. # أيتيوكليس ~~: # يا لك من أسرة أعمتها السماء، ومقتتها الآلهة! أسرة أوديب التعسة! أسرة ~~شقية! اليوم يتم ما تنبأ به أبونا. ولكن من الحق علي الآن أن أحبس الشكاة ~~وأكفكف الدموع؛ فلا ينبغي أن تكون مصدرا للأنين والعويل. أما أنت يا بلنيس، ~~فقد أحسن من اختارك أشد الإحسان. وسنرى عما قريب أي نفع تجر عليك علائمك، سنرى ~~أيعيدك إلى طيبة هذا الشعار الوقح، قد نقش بالذهب على درقتك؟ لقد كان من ~~الميسور أن يعيدك إليها، لو أن العدالة - ابنة ذوس - هي التي تملأ قلبك، وتحرك ~~ذراعيك. ولكنها لم تنزل إلى تشريفك بنظرة من نظراتها حين ولدتك أمك، وحين كنت ~~صبيا، وحين كنت شابا وحين نبت الشعر في عارضيك. أتظن أنها تقاتل إلى جانبك ~~لتدمير وطنك؟ لقد وصلت ما بينك وبين جريء لا يدفعه عن الشر دافع، # 5 # أتظن أنك قادر مع ذلك على أن تقيم العدل؟ إن جريمتك لتملؤني ثقة ~~بالفوز، أنا الذي سيلقاك؟ ومن ذا أستطيع أن أختار غيري؟ ملك بإزاء ملك، أخ ~~بإزاء أخ، خصم بإزاء خصم، إن مكاني لمعروف. ms061 أسرعوا، احملوا إلي سلاحي، ~~احملوا إلي رمحي ودرعي ... ~~(ثم يشتد الحوار بينه وبين الجوقة، تريد هذه أن تثنيه عن قتال ~~أخيه ويأبى إلا أن يمضي ما عزم، فينصرف وتبقى الجوقة متغنية بآلام هذه الأسرة وما ~~كتب عليها من الشقاء.) # الفصل الرابع # يقبل رجل من أهل طيبة فينبئ الجوقة بأن المدينة قد انتصرت على أعدائها وسلمت من ~~أذاهم. ولكن أتيكلس وأخاه بولينيس قد قتلا جميعا كل بيد صاحبه، فتبكي الجوقة وتعول ~~راثية لهذين التعسين ثم تأتي أختاهما: أنتيجونا، واسمينا، وقد حملت جثة القتيلين. ~~فتنقسم الجوقة إلى قسمين يتجاوبان، وكل يلطم وجهه باكيا معولا. # أنتيجونا ~~: # أيها الشقيان! لقد اقتسمتما ما أرسلت علينا السماء من شقاء. فلم يصبح حظكما ~~من نعيم الدنيا ونفائسها إلا قبرا. # اسمينا ~~: # يا لك من بيت موفور الحظ من الآلام! الآن ترفع آلهة الانتقام أصوت الانتصار، ~~لقد استخفت بين يديها أسرة لايوس. وإن آية الانتقام لقائمة بالباب الذي قتل ~~أمامه الأخوان. لقد انتصر عليهما القضاء فهو الآن راض مطمئن. # أنتيجونا ~~: # إنك لتعطي الضربة القاضية حين تتلقاها ... # اسمينا ~~: # إنك لتلقي الموت حين تعطيه ... # أنتيجونا ~~: # سيفك يسلبه الحياة ... # اسمينا ~~: # سيفه يعطيك الموت ... # أنتيجونا ~~: # شقي حين انتصرت ... # اسمينا ~~: # شقي حين هزمت ... # أنتيجونا ~~: # انهمري أيتها الدموع ... # اسمينا ~~: # انسجمي أيتها العبرات # أنتيجونا ~~: # لقد خر المنتصر صريعا، وا حسرتاه! إن ألمك ليملأ نفسي اضطرابا ... # اسمينا ~~: # إن قلبي ليئن ويزفر ... # أنتيجونا ~~: # يا لك من أخ تعس! ... # اسمينا ~~: # يا لك من أخ شقي! ... # أنتيجونا ~~: # إن أعز الأيدي عليك هي التي حرمتك الحياة ... # اسمينا ~~: # لقد اخترقت برمحك أعز الصدور عليك ... # أنتيجونا ~~: # إن ذكر ذلك لمؤلم ... # اسمينا ~~: # إن منظره لأليم ... # أنتيجونا ~~: # يؤلمنا نحن خاصة، نحن موضع اليأس! ... # اسمينا ~~: # إننا لأختان شقيتان، هذان أخوانا! ... # أنتيجونا ~~: # أيها القضاء الذي لا يرد، أيها المقسم الجائر للحظوظ! أيها الظل المخوف: ظل ~~أوديب! أي أرنيس السوداء! # 6 # إن سلطانك لعظيم! ... # اسمينا ~~(وقد نظرت إلى بولينيس) ~~: # أي منظر تقدمه إلي بعد عودتك! ... # أنتيجونا ~~: # إن انتصاره لم يضع حدا لغيبته ... # اسمينا ~~: # إن عودته قد كلفته الحياة ms062 ... # أنتيجونا ~~: # قد كلفته الحياة من غير شك ... # اسمينا ~~: # ولكنه قد سلب أخاه حياته. # أنتيجونا ~~: # يا لك من أسرة تعسة! ... # اسمينا ~~: ~~: أسرة قد أثقلتها المحن ~~(ثم توجه القول إلى ~~أبولينيس) # ينبئ بها اسمك # أنتيجونا ~~: # لا نفرغ من البكاء من شقاء إلى شقاء! ... # اسمينا ~~: # إن ذكر ذلك لمؤلم. # أنتيجونا ~~: # إن منظره لأليم ... # اسمينا ~~: # أيها القضاء الذي لا يرد، أيها المقسم الجائر للحظوظ! أيها الظل المخوف: ظل ~~أوديب! أي أرنيس السوداء! إن سلطانك لعظيم! # أنتيجونا ~~(وقد نظرت إلى بولينيس) ~~: # لقد علمتك التجربة ذلك هنا. # اسمينا ~~(وقد نظرت إلى أيتيوكليس) ~~: # لم تكن أشد بطئا منه في العلم بذلك. # أنتيجونا ~~: # كان يقودك إلى طيبة ... # اسمينا ~~: # كان يسلمك لقتال أخيك. # أنتيجونا ~~: # أي مصدر الألم! ... # اسمينا ~~: # منظر فظيع. # أنتيجونا ~~: # وا حسرتاه! إن مصابنا فيهما لجلل! ... # اسمينا ~~: # وا حسرتاه! أي مصيبة ألمت بهذا البيت، بهذا البلد، ولا سيما بي! ~~... # أنتيجونا ~~: # وا حسرتاه! وا حسرتاه إن مصابي لأجل ... # اسمينا ~~: # أي أيتيوكليس، أنت مصدر آلامنا الفظيعة! ... # أنتيجونا ~~: # أي أشد الأخوة شقاء وسوء حال! # اسمينا ~~: # لقد أعماكما الانتقام ... # أنتيجونا ~~: # أين نقيم قبرهما؟ # اسمينا ~~: # في أشرف الأمكنة ... # أنتيجونا ~~: # وا حسرتاه! ليتبوآ قبر أبيهما ... # الفصل الخامس # ثم يأتي رسول فيعلن أن مجلس الشيوخ قد أمر أن يدفن أيتيوكليس؛ لأنه مات مدافعا عن ~~المدينة، وأن يترك بولينيس غير مقبور؛ لأنه مات عدوا لوطنه. فتعلن أنتيجونا أنها ~~مخالفة هذا الأمر ودافنة أخاها مهما لقيت في سبيل ذلك من عناء. ويحاول الرسول ~~والجوقة أن يعدلوا بها عن هذا العزم فلا يفلحوا. # | بروميثيوس ديسموتيس # بروميثيوس مغلولا # الأشخاص # القوة. # القسر. # أفيستوس. # بروميثيوس. # الجوقة: # تتألف من العذارى. # أكيانوس. # أيو. # هرميس. # تقع القصة في سيتيا. # الفصل الأول # سرق الإله بروميثيوس النار من السماء وأهداها إلى الناس. فهداهم بذلك إلى جميع ~~الصنائع والفنون، وسخط عليه بذلك كبير الآلهة ذوس، فأمر ابنه أفيستوس إله النار أن ~~يصلبه إلى صخرة في سيتيا عقابا له. يتردد أفيستوس فترغمه القوة على أن يصدع بأمر أبيه، ~~وتحذره عاقبة الخلاف والإبطاء، فيطيع ويبقى بروميثيوس وحده مصلوبا يتفجع ms063 ~~ويتوجع. # المنظر الأول ~~(بروميثيوس والجوقة) # الجوقة ~~: # لا بأس عليك، إنما نحن آلهة أصدقاء، قد حملتنا إلى هذه القمة أجنحة ~~خفاف. لم يسمح لنا أبونا بهذا السفر إلا بعد مشقة، وقد أعاننا الهواء على ~~اجتياز ما يحول بيننا وبينك من أمد بعيد. لقد بلغ دوي المطرقة أعماق ~~الأغوار البحرية حيث نقيم؟ فما كدنا نسمعه حتى كفكفنا عاطفة الحياء ولم ~~يخجلنا أن نظهر حافيات ، فامتطينا عجلة ذات جناحين. # بروميثيوس ~~: # أي بنات تتيس الولود، وهذا الإله تحيط أمواجه الضخمة بأقطار الأرض ~~جميعها، ألقين أعينكن، انظرن بأي سلسلة قد شددت إلى قمة هذه الصخرة، ~~حيث قضى علي أن أسكن منذ اليوم منزلا لن يحسدني عليه حاسد. # الجوقة ~~: # إني لأرى ذلك يا بروميثيوس، وإن سحابا من الفزع تملؤه الدموع لينتشر ~~أمام عيني حين أحدق في هذا الجسم، وقد أذلته هذه السلسلة من الماس. إن سادة محدثين # 1 # ليحكمون في أولمبوس، وإن ذوس ليملي فيه ظالما قوانين جديدة، ~~وقد استخفى بين يديه من كان لهم البطش والسلطان قديما. # بروميثيوس ~~: # ما له حين أثقلني بهذه الأغلال التي لا تحل، لم يقذف بي تحت الأرض في ~~أعماق مستقر الموتى، في هوة ترتار! # 2 # إذن لكنت على أقل تقدير بنجوة من هذه النظرات المهينة: نظرات ~~الآلهة والناس! كلا، يجب أن أكون لعبة محزنة في يد الريح، وأن يتمتع أعدائي ~~بما أنا فيه من عذاب. # الجوقة ~~: # ايه! أي إله بلغ من القسوة أن يستمتع بمنظر كهذا؟! وأي إله غير ذوس لا ~~يرثي لآلامك؟ أما هو فإن قلبه القاسي المحنق الذي لا يعرف اللين يستبد بأهل ~~السماء، ولن يعدل عن ذلك حتى يرضي قسوته، وليس من سبيل إلى زعزعة عرشه ~~الذي قد ثبتت أركانه الآن أشد الثبات. # بروميثيوس ~~: # لئن أثقلتني الآن هذه الأغلال المخجلة؛ فإن هذا الأمير يسود على الآلهة ~~الخالدين، سيضطر إلى معونتي وسيتوسل في أن يعرف عدوه الجديد الذي ~~سينزع منه صولجانه. وسيحرمه ما يحيط به من شرف ولكنه سيبذل عبثا ما يملك ~~من قوة الخداع والإقناع، وسينذرني عبثا ms064 بما استطاع أن يعد لي من عذاب، فلن ~~أبيح له هذا السر حتى يفك أغلالي ويصلح ما فرط به في ذاتي من إساءة. # الجوقة ~~: # لقد عهدتك شديد الجرأة دائما! يبلغ بك الشقاء أقصاه، فلا تذعن. لقد تعود ~~لسانك ألا يخشى شيئا. إن الهلع ليملك قلبي، وإني لأرتعد إشفاقا عليك. ~~ما آخر آلامك؟ إن نفس ابن كرونوس # 3 # لمقفلة ليس إلى استطلاعها من سبيل، وإن قلبه لقاس لا ~~يلين. # بروميثيوس ~~: # قد أعلم أن ذوس شديد الصلابة، وأن إرادته وحدها هي العدل فيما يرى. ولكن ~~كوارث غير منتظرة ستلين هذه النفس الصلبة. وإن غضبه الذي لا سبيل إلى ~~الكسر من حدته الآن لمفلول. ولتحملنه رغبة تعدل رغبتي قوة على أن يسعى ~~إليه حريصا على معونتي وصداقتي. # الجوقة ~~: # ولكن لأي إهانة قضى عليك ذوس هذا القضاء الوحشي؟ ما خطيئتك؟ تكلم إن كان ~~الكلام لا يؤذيك. # بروميثيوس ~~: # وا حسرتاه! يؤلمني أن أقولها، ويؤلمني أن أكتمها، وكلا الأمرين لي مصدر ~~عذاب. انفجر الحقد # 4 # بين الآلهة، وانقسم بعضهم على بعض. فبعضهم كان يريد طرد كرونوس ~~ودفع الصولجان إلى ذوس، وبعضهم كان يريد إبعاد هذا عن العرش أبد الدهر. ~~قدمت أصدق نصحي عبثا إلى المردة أبناء الأرض والسماء. فقد كانت جرأتهم ~~الحمقاء تزدري المكر والحيلة، كانوا يعتقدون أن قوتهم وحدها ستصل بهم إلى ~~النصر من غير مشقة. أما أنا فقد كانت تميس # 5 # والأرض نفسها التي يعبدها الناس بأسماء مختلفة تنبأت لي: أن ~~ليس في القوة والقسر غناء في هذه الحرب التي كانت تهيأ؟ وأن الحيلة ~~وحدها تقود إلى الانتصار. فلما أنبأتهم بهذا الوحي لم يتنزلوا إلى أن ~~يستمعوا لي إلا متكلفين. فرأيت من الحكمة مع هذا الشك أن أنضم إلى أمي، ~~وأن أنصر ذوس الذي كان يلح علي في ذلك. فاستطاع - بمعونتي وبما قدمت إليه ~~من نصح - أن يقذف بكرونوس القديم وأنصاره في هوي ترتار العميقة ~~المظلمة. هذا هو الجزاء المهين الذي يجزيني به طاغية السماء من هذه اليد ~~البيضاء وتلك رذيلة الظلم خيانة الأصدقاء ms065 وعقوق المعروف. ولكني منبئكن ~~بما تسألن من سبب عذابي. ما كاد يجلس على عرش أبيه مهديا إلى الآلهة ~~ضروب الشرف والمكافأة، حتى اجتهد في تثبيت سلطانه. وبدلا من أن يرعى حق ~~الإنسان الشقي أراد القضاء عليه وأن يستبدل منه جيلا آخر. فلم يظهر أحد ~~خلافه إلا أنا، فقد اجترأت على ذلك، استطعت وحدي أن أحمي أبناء الإنسان من ~~أن تصعقهم الصاعقة فيتركوا الأرض إلى حيث يعمرون دار الجحيم. # هذا سبب ما ألقى من الأذى، هذا هو الذي يحملني على ما أنا فيه من ألم ~~شديد احتماله، فظيع النظر إليه. أشفقت على الناس، فلم يشفق علي أحد. ~~أعامل بغير رحمة ولكن عذابي نفسه هو الخزي المسجل على ظالمي. # الجوقة ~~: # آه يا بروميثيوس! أي قلب من الصخر أو الحديد لا يرق لآلامك! ليتني لم ~~أرها، فقد ملأت قلبي لوعة وحزنا. # بروميثيوس ~~: # ربما رق لي الأصدقاء. # الجوقة ~~: # ولكن أهذا كل ما جنيت؟ # بروميثيوس ~~: # أصبح الناس بفضلي لا يرغبون في الموت. # الجوقة ~~: # بأي دواء حلت بينهم وبين اليأس؟ # بروميثيوس ~~: # وضعت في قلوبهم الأمل الأعمى. # الجوقة ~~: # ما أنفس ما آثرتهم به! # بروميثيوس ~~: # وفوق هذا، فقد منحتهم النار السماوية. # الجوقة ~~: # النار! ماذا؟ أيملك الناس هذا الكنز اللامع! # بروميثيوس ~~: # أجل وسيهديهم هذا الأستاذ إلى كثير من الفنون. # الجوقة ~~: # إذن فهذه هي الجريمة التي يجزيك منها ذوس، هذه الإهانة القاسية! ولكن ألا ~~خلاص لك؟ ألا حد لألمك؟ # بروميثيوس ~~: # لن يكون لها حد إلا الذي يريده ذوس. # الجوق ~~: # وهل يريد أن يضع لها حدا؟ هل لك في ذلك من أمل؟ آه! بروميثيوس! لقد ~~خرجت على ذوس ولكن لومك على هذا الخروج لا يسر قلبي وهو لقلبي محزن ~~فلندع هذا الحديث، ولنبحث عن الوسائل التي تعجل إنقاذك. # بروميثيوس ~~: # أيسر على من قام بالساحل أن يهدي الموعظة والنصيحة إلى من تعبث به ~~العاصفة! لقد أهنت ذوس. إني لأعلم هذا، لقد أردت إهانته، وما أنا لإنكار ~~هذا بمحاول. أردت أن أعين الناس فأهلكت نفسي. ولكني لم أكن أعتقد أني سأقضي ~~حياتي مشدودا ms066 إلى هذا الصخر على قمة هذا الجبل القفر. أما أنتن فلا ~~تقنعن بالرثاء لما أنا فيه الآن من سوء الحال. اهبطن على مقربة مني، ~~أقبلن أنبئكن بما يدخر لي القضاء. لا تأبين ذلك علي، اشفقن على ~~شقي منكود. وا حسرتاه! إن الشقاء ليحلق علينا ويوشك أن ينزل بنا ~~جميعا. # الجوقة ~~: # يسير عليك أن تقنعنا بذلك يا بروميثيوس! سنهبط بأقدام مسرعة من هذه ~~العجلة، وسنترك هذا المستقر الهوائي مستقر الطير إلى حيث ندنو من هذا الصخر ~~الوعر فنتعرف آلامك. ~~(ثم يهبطن من عجلتهن ذات الجناحين.) # الفصل الثاني # يأتي أكيانوس ممتطيا حيوانا ذا جناحين ليزور بروميثيوس، ولينصح له بأن ينزل عن شيء ~~من كبريائه، وينبئه بأنه صاعد إلى السماء فشافع فيه إلى ذوس. ولكن بروميثيوس يحذره ~~عاقبة ذلك. وينصح له بالعدول عنه، فينتصح ويعود أدراجه، وتتغنى الجوقة بآلام بروميثيوس ~~وإشفاق الناس والآلهة عليه. # الفصل الثالث # يذكر بروميثيوس للجوقة فضله على الناس وأنه قد هداهم إلى الصنائع والفنون وعلمهم ~~المنطق وزجر الطير وتأويل الأحلام، وذلل لهم الطبيعة فأصبحوا لها مالكين. وهداهم إلى ~~الطب فأصبحوا بمأمن من عاديات الأسقام والعلل. فكان جزاؤه على هذا كله ما يلقى من ~~عذاب، فترثى له الجوقة وتود لو قرب خلاصه، فينبئها بأن القضاء قد كتب له عذابا ~~أليما طويلا، وأنه لن يستطيع ولن يستطيع ذوس نفسه أن يفر من القضاء، فتسأله الجوقة: ~~أللقضاء على كبير الآلهة سلطان؟ فيجيبها أن نعم! فتود لو عرفت ما قدر لذوس فيأبى ~~أن ينبئها به، ويقول إن خلاصه موقوف على الاحتفاظ بهذا السر. فتغني الجوقة خوفها من ~~كبير الآلهة وإشفاقها من سلطانه وبطشه ورغبتها في ألا تخرج عليه. ورثاءها لبروميثيوس ~~الذي ألقى بنفسه إلى التهلكة حبا في الناس وإيثارا لهم. # الفصل الرابع # أحب ذوس إيو # Io # ابنة إناكوس فحنقت عليها هيرا زوجته ~~فمسختها بقرة، وأفقدتها الرشد # 6 # فهي تهيم على وجهها تضرب في آفاق الأرض حتى تمر بالصخرة التي شد إليها ~~بروميثيوس، فتسأله عن أمره فينبئها به، ثم تسألها الجوقة عن أمرها فتقصه ms067 عليها، ثم ~~تتمنى هي على بروميثيوس أن يتنبأ لها بما ستلقاه من ألم، فيحدثها بذلك مفصلا، ويذكر ~~لها أنها ستصل إلى مصر بعد أن تجوب أقطار البر والبحر، وهنالك يمسحها ذوس بيده فتسترد ~~صورتها الأولى، وتستعيد ما كان لها من جمال وعقل، ثم يتصل الحب بينها وبين كبير ~~الآلهة، وينتج هذا الحب نسل يكون منه من يخلص بروميثيوس من سجنه، ويعرض ذوس لخطر ~~عظيم. فتسأله إيو والجوقة عن اسم هذا المخلص له المهدد لذوس فيأبى أن يجيب، ويسمع كبير ~~الآلهة كل هذه النجوى فيرسل رسوله - هرمس - ليسأل بروميثيوس عن هذا الإله الذي سيزعزع ~~عرشه. # الفصل الخامس # المنظر الأول ~~(بروميثيوس - الجوقة - هرمس) # هرمس ~~: # إليك أيها الماكر الحول، المملوء حقدا وسخطا، الجاني على الآلهة، الذي ~~اختص بالشرف أبناء الإنسان، أنت الذي اختلس النار السماوية، إليك أسوق ~~الحديث. يأمرك أبي أن تعلن: ما هذا الزواج الذي يروقك أن تتحدث عنه، والذي ~~سيقضي على سلطانه؟ تحدث من غير إلغاز، يجب أن ترفع النقاب عن كل شيء. أي ~~بروميثيوس، لا تضطرني إلى أن أعود إليك برسالة أخرى ... فأنت تعلم أنك لا ~~تستطيع أن تقهر ذوس. # بروميثيوس ~~: # بأي حديث وقح يملؤه الكبر قد نطقت! إنه لحديث من كان للآلهة عبدا. ~~أيها السادة الجدد في دولة جديدة! تحسبون أنكم تسكنون قصورا لن ينالها ~~الضيم. ألم أر طاغيتين # 7 # قد هويا؟ وسأرى سقوط الثالث. ليكونن هذا السقوط أسرع من ~~سابقيه وأشد خزيا، أتظن إذن أنني أخشى هذا الإله الجديد أو أفرق ~~منه؟ شديد ما بيني وبين ذلك من البعد. انطلق، عد غير مبطئ من حيث ~~أتيت! فلن تطلع من سري على شيء. # هرمس ~~: # ألا تزال حريصا على هذا الكبر الذي جلب عليك ما أنت فيه من ~~الشقاء! # بروميثيوس ~~: # ثق بأني لن أرضى رفك بديلا من عذابي. إني لأوثر، أجل إني لأوثر أن أظل ~~مشدودا إلى هذا الصخر على أن أكون الرسول الأمين لأبيك. كذلك يجب أن نهين ~~من أساء إلينا. # هرمس ~~: # آه! لعل آلامك تلذ لك وتملؤك سرورا ms068 وغبطة. # بروميثيوس ~~: # تملأني لذة وغبطة! آه، وددت لو أصاب أعدائي وأنت أولهم ما أنا فيه من ~~سرور ونعيم. # هرمس ~~: # ماذا؟ أتتهمني بسوء حالك؟ # بروميثيوس ~~: # ليس لي إلا كلمة واحدة. إني لأبغض الآلهة جميعا الذين أثقلتهم إحسانا ~~فيثقلونني مساءة. # هرمس ~~: # لقد اضطرب عقلك، إني لأرى ذلك، إن ألمك لفوق ما تطيق. # بروميثيوس ~~: # وددت لو طال بي هذا الألم، إن كان بغض الأعداء ألما. # هرمس ~~: # إنك لثقيل الظل في النعمة! # بروميثيوس ~~(وقد تنهد ألما) ~~: # وا حسرتاه! # هرمس ~~: # هذه كلمة لا يعرفها ذوس. # بروميثيوس ~~: # سيعلمه الزمن إياها؛ فإن الزمن ينضج كل شيء. # هرمس ~~: # ومع ذلك فهو لم ينضج حكمتك. # بروميثيوس ~~: # لا؛ فإني لن أحدثك بما تشاء، أيها العبد الدنيء. # هرمس ~~: # إذن فلست تريد أن تنبئني بما يريد أبي. # بروميثيوس ~~: # إني لمدين لأبيك بشيء كثير! ومن الحق علي أن أرضيه. # هرمس ~~: # إنك لتسخر مني، إنك لتعاملني معاملة الطفل. # بروميثيوس ~~: # أولست طفلا، وأشد من الطفل سذاجة، إذا كنت تعلل نفسك بأن تقف من سري ~~على شيء؟ ليس هناك عذاب ولا مكر يستطيع أن يقهرني على أن أبيح هذا السر ~~لذوس قبل أن تحطم هذه الأغلال المشئومة. لقد قلت فلتسقط الآن صاعقته يستطير ~~شررها، ولتضطرب الطبيعة، ولتنبعث من جوف الأرض نارها الملتظية فتخالط ~~البرد الناصع، فلن أذعن لشيء، ولن أسمي له ذلك الذي سينزله عن ~~عرشه. # هرمس ~~: # انظر، أينفعك هذا الإصرار. # بروميثيوس ~~: # لقد رأيت كل شيء، ولقد صح عزمي على ما أريد منذ زمن طويل. # هرمس ~~: # أحمق! اجترئ، اجترئ مرة على أن تتعلم الحكمة من آلامك. # بروميثيوس ~~: # عبثا تثقل علي فأنا أصم كأمواج البحر، لا تحسبن أني سأشفق ~~مما قدر لي ذوس، وسأصير من الضعف والهلع بمنزلة المرأة، فأبسط إليه يدي ~~ضارعا متوسلا في أن ينقذني من هذه الأغلال، أنا بعيد من ذلك. # هرمس ~~: # أرى أن كل ما أقوله لك غير منتج. فرجائي لا يستطيع أن يمسك أو يكسر من ~~حدتك؛ فأنت كالجواد الجموح لم يستأنس، تعض الشكيمة ولا تنقاد ~~للجام. ولكنك تبذل عبثا ما تبذل ms069 من سخط وغضب؛ فقوتك دون ما تحاول. فلا ~~أشد ضعفا ووهنا من كبر الأحمق. لئن لم أستطع أن أقنعك فمثل لنفسك على أقل ~~تقدير هذه العاصفة التي لا سبيل إلى اتقائها، هذه الزوبعة القاصفة، ~~زوبعة الآلام التي ستنزل بك؛ فإن ذوس سيحطم هذه الصخرة الوعرة بصاعقته ~~ورعده، وسيواري جسمك تحت شظايا الصخر. فإذا مضت عليك الحقب الطوال عدت إلى ~~الظهور، ولكن ما أسرع ما يقبل هذا النسر الشره نسر ذوس ، كلب ذو جناحين ~~يمزق جسمك تمزيقا، نهم تغذوه طوال الدهر مادة سوداء دامية هي كبدك، لا ~~تؤمل لهذا العذاب آخرة، إلا أن يضع بعض الآلهة نفسه موضعك، ويرضى النزول ~~إلى حيث يقيم أدويسيوس ذلك الإله الخفي في هوى ترتار المظلمة. والآن فتدبر، ~~وراجع نفسك؛ فإني لا أقدم إليك نذيرا باطلا. لقد سبق بذلك القضاء؛ فإن فم ~~ذوس لا يعرف اللغو ولا الكذب، لا ينطق بشيء إلا حققه. تأمل وتدبر، ثق ~~بأن الإصرار لا يعدل الحكمة. # الجوقة ~~: # يود هرمس لو نزلت عن كبريائك واصطنعت الحكمة، وإن رأيه لرشيد فخليق ~~بك أن تتبعه، إن من الخزي أن يصر الحكيم على خطته. # بروميثيوس ~~: # لم ينبئني بشيء جديد، وما أيسر أن يلقى عدو أذى عدوه. فلتصعقني بعد ~~ذلك الصاعقة. ليرعد الرعد ولتشهر في الفضاء حرب الرياح القاصفة ولتزعزع ~~عواصفها الأرض وأصولها، وليجمع هبوبها العنيف بين أمواج البحر ونجوم ~~السماء، ولينفق ذوس ما ملك من قوة عنيفة قاهرة ليقذف بي في أعماق ترتار ~~المظلم؛ فأنا على رغم ذلك كله حي لن ينال مني الفناء. # هرمس ~~: # أليس هذا الكلام كلام أحمق مفتون؟ ألم يبلغ من الهذيان أقصاه؟ ولو أن ~~الحظ أعانه، فإلى أي حد ينتهي به الغضب؟ ولكن من الحق عليكن أنتن اللاتي ~~يرثين لآلامه أن ترحلن عن هذا المكان؛ فإن قصف الرعد المفزع قد يوقع ~~الاضطراب بعقولكن. # الجوقة ~~: # آه! قدم إلينا من النصح ما نستطيع أن نسمع له؛ فإن آذاننا لا تستطيع ~~أن تصغي لما تقول. إنك لتدعوني إلى الخزي. كلا، لأقاسمنه آلامه. فقد علمت ms070 ~~أن أبغض الخيانة، إنها لأشد الرذائل في نفسي مقتا. # هرمس ~~: # اذكرن على أقل تقدير ما قدمت من نذير، فإذا أصابكن ما سينزل به من شقاء ~~فلا تلمن القدر في ذلكن، لا تزعمن أن ذوس قد أخذكن على غرة، ولا تتهمن إلا ~~أنفسكن؛ فإنكن لن تقعن في أشراك الشقاء من غير أن يكون قد سبق إليكن النصح ~~والإرشاد. ~~(ثم يذهب هرمس وتتبعه العذارى.) # المنظر الثاني # بروميثيوس ~~(وحده) ~~: # أجل، ليس هذا بنذير باطل، إن الأرض لتضطرب، ولقد زأرت الأصدية الصم، ~~أصدية الرعد، وإن الصاعقة لتلمع ثناياها الملتظية، وإن ركاما من التراب ~~ليصعد في السماء، ولقد أطلقت الرياح فيشهر بعضها على بعضها الحرب، وإن ~~أمواج البحر لتكاد تمس السماء. إلي يبعث ذوس هذه العاصفة المروعة ... ~~أي أمي الجليلة وأنت أيها الأثير # ether # الإلهي يحيط بالضوء المشترك، انظر: ماذا قضى به علي ظلما من ~~العذاب. # | أجاممنون # الأشخاص # رقيب: # قد أقيم على أعلى القصر يرقب العلامات. # الجوقة: # تتألف من الشيوخ ذوي المكانة في المدينة. # كلوتيمنسترا. # رسول. # أجاممنون. # كسندر. # إيجستوس. # تقع القصة في أرجوس أمام قصر أجاممنون. # إيجستوس ~~: # وعد أجاممنون زوجته كلوتيمنسترا قبل سفره إلى تروادة أن يسارع فينبئها بالنصر ~~حين يدخل المدينة؛ بأن يشعل نارا بعيدة اللهب لتدل على ذلك من يليه فيفعلون فعله، ~~وما يزال لهيب النار يدل بلدا بعد بلد حتى يصل إلى أرجوس. فتعلم كلوتيمنسترا بأن ~~المدينة قد أخذت. # الفصل الأول # المنظر الأول # فيبدأ الفصل الأول بالرقيب قد أقامته كلوتيمنسترا يترقب هذا الضوء. فهو يشكو طول ~~مقامه وما يعاني من سهر الليل، وإنه لكذلك إذ يلمح الضوء فيسر؛ لأن حريته قد عادت ~~إليه، ولأن ملكه قد انتصر، ويسرع فيحمل النبأ إلى كلوتيمنسترا. # المنظر الثاني # الجوقة ~~: # مضت عشرة أعوام منذ قاد من هذا المكان ألف سفينة مسلحة هذان الخصمان ~~المخوفان، خصما بريام: أجاممنون وأخوه مينالاووس ابنا أثريه. هذان الخصمان ~~لا يقهران، قد شرفهما ذوس بالصولجان والعرش. # يصيحان بأورستيس كأنهما صقران قد ملأهما الحزن على فرخيهما، فهما يحلقان ~~ويصفقان بجناحيهما دون عشهما، قد قاما ms071 عليه يحفظانه ويحوطانه، فلم يجد ~~عليهما ذلك شيئا. فما هي إلا أن غضب بعض الآلهة - بان وأبلون أو ذوس - ~~لهما فأرسل آلهة الانتقام تثأر من المغير الظالم. كذلك يبعث هذا الإله ~~القوي إله الضيافة ابن أثريه عدوا للإسكندر، كذلك يريد أن يحتمل اليونان ~~في امرأة لعوب ألوان الألم وصروف الجهاد حيث تجثو الركب على الصعيد، وتنقصف ~~الرماح لأول هجمة. أما الآن فقد سبق السيف العذل وليبلغن الكتاب أجله. ~~فلن يفل غضب الآلهة - آلهة الانتقام - صراخ ولا بكاء ولا قربان. # أما نحن الذين حرمتهم السن شرف المرافقة لهذا الجيش، فقد بقينا هنا ~~مسندين إلى العصا ضعفنا الذي هو أشبه شيء بالطفولة، فإذا كان الطفل ~~تحييه قوة جديدة يشبه الشيخ فلا يستطيع أن يقوم بأعمال أورستيس؛ فإن الشيخ ~~قد انحسر عنه شعره كأنه الشجرة اليابسة الجرداء لا يمشي إلا منطويا ~~على العصا، ليس له ما يميزه من الطفل. إنما هو طيف يهيم تحت الضوء. # أما أنت يا ابنة تندار - أيتها الملكة ملكة أرجوس - فما يحملك على أن ~~تأمري بهذه الضحايا الكثيرة، ما حاجتك إليها، ما رغبتك فيها، أي نبأ ذي خطب ~~قد انتهى إليك؟ إن العرف لينتشر على معابد الآلهة، آلهة البيت، وآلهة ~~السماء والأرض والجحيم، ترتفع أضواء المصابيح إلى السماء، يمد ضوءها الهين ~~زيت نقي، وتحمل أنواع القربان من القصر. أعفينا من هذا القلق الذي يحملنا ~~أحيانا على ألا ننتظر إلا الشر، وأحيانا على أن نستبشر فيذود الأمل ~~عن نفوسنا اليأس والحزن. # إني لأستطيع أن أذكر الآن سفر جيشنا يملأه الوعيد وسوء النذير، لنغن ~~- إن ثقتي بالسماء لتدعوني إلى ذلك، وإن سني لتمكنني منه - على أي طيرة ~~فظيعة مضى الملكان وفي أيديهما سلاح الانتقام، تتبعهما زهرة اليونان ~~وزعماؤهم متحدين قد أزمعوا قهر تروادة. # لهذين الملكين، ملكي السفن، ظهر بالقرب من قصريهما الضخمين ملكان من ملوك ~~الطير: أحدهما أبيض، والآخر أسود، قد أخذا يمزقان بمخالبهما أرنبا حبلى ~~لم يؤمنها الهرب، وازدردا أجنتها. لنتغن، لنتغن أشعارا ملؤها الشؤم، ~~ولكن ليكذب ما اشتملت عليه ms072 من طيرة! # عرف الكاهن الجليل # 1 # كاهن الجيش في هذين الصقرين المفترسين، ابني أثريه وغيرهم من ~~زعماء اليونان. فيملكه الطرب، ويصيح: لتؤخذن مدينة بريام بعد أن يطول ~~حصارها، ولتصبحن ثروتها المتراكمة منذ أمد بعيد نهبا للظافر. فعسى ألا ~~يحطم غضب الآلهة هذا الحديد قد اتخذ لقهر التراوديين! إن أرتميس لساخطة على ~~هذا البيت؛ فإن كلاب أبيها ذوات الأجنحة قد مزقت فيه أما تعسة ومزقت ~~أجنتها وقد كانت توشك أن تولد، فمقصف هذين النسرين إليها بغيض. ~~لنتغن، لنتغن أشعارا ملؤها الشؤم، ولكن ليكذب ما اشتملت عليه ~~من طيرة! # إن أرتميس لتحمي ضعاف الطير لا تستطيع أن تنهض، وسكان الغابات لم تفارق ~~بعد ثدي أمهاتها. أجل، إن نبأ هذين النسرين لسعيد، ولكنه لا يخلو من ~~خطر. أيها الإله ذو السهام، أي أبلون! امنع اختك أن تبعث الريح مضادة لسفن ~~اليونان، وأن تضع العقاب لها في سبيل سفرها، أنها لشديدة الحرص على أن تظفر ~~بضحية وحشية لا يصحبها لهو ولا قصف، ضحية هي مصدر خلاف وانشقاق، هي إهانة ~~للطبيعة، للزواج المقدس. في أعماق قصر من القصور يغلي بغض مخوف شديد الخطر، ~~فيه تذكر فتاة # 2 # في حاجة إلى الثأر. ذلك هو الحظ السعيد السيئ في وقت واحد، ~~تنبأ به كلكاس لملكينا حين ظهر هذان النسران. فليملأنا رجاؤه وخوفه. ~~لنتغن، لنتغن أشعارا مملؤها الشؤم ولكن ليكذب ما اشتملت عليه ~~من طيرة # أي ذوس! كائنا من كنت # 3 # إن يعجبك هذا الدعاء فأنا داعيك به! عبثا أبحث عمن يستنقذ ~~نفسي من همومها، فلن أجد غيرك لي ملجأ. # لقد كان المتكبر تملؤه الجرأة يزدري كل شيء. يظهر بعد أن لم يكن ~~شيئا، فما هي إلا أن يظهر حتى يجد له قاهرا فيزول. ولكن من يتغنى نشيد ~~النصر فرحا مبتهجا مشرفا به ذوس فهو ظافر بكل ما أراد. # ذوس هو الذي يسن للناس سنة الرشد والحذر، يعاقبنا فيؤدبنا عقابه، ~~يعاقبنا أيقاظا ورقودا، أليس ينبعث الندم في قلوبنا أثناء النوم. وسواء ~~أرضينا أم كرهنا فإن الحكمة بالغة إلينا: ms073 هذه الحكمة يهديها الآلهة إلى ~~الناس فتثبت مشرفة علينا لا تضطرب ولا تزول. # كذلك أذعن رئيس السفن للقضاء، غير متهم كاهنه، بينما كانت الأحداث ~~والمصائب تنوء بالأكويين على ساحل أوليس # 4 # بأعين كلكاس. لقد كانت الريح تهب عنيفة من فم أسترمون فتعوق ~~السفن عن الإقلاع حاملة إلى الجند الجوع والغرق والفرقة، غير معفية أداة ~~ولا سفينة جاهدة في إذبال زهرة اليونان، مكرهة إياهم على راحة ما كانوا ~~يعرفون لها أمدا. فما هي إلا أن يعرض الكاهن باسم أرتميس دواء أشد شرا ~~وأنكر نكرا من هذه الزوبعة، سمعه الملكان فحطما صولجانهما وذرفا دموعا ~~غزارا. وأخذ كبيرهما يصيح: يا لك من قضاء شديد القسوة! أأعصي؟ أأنحر ~~ابنتي، زينة بيتي، أؤدنس يد الأب بدم ابنته مسفوكا على المذبح؟ إلى أي ~~الأمرين يجب المضي؟ أأدع أسطولي وأتخلف عن حلفائي؟ إنهم ليصيحون، ~~يطلبون ضحية تسكن الريح، وا حسرتاه! إنهم ليستطيعون أن يفعلوا ذلك غير ~~آثمين. إنهم إنما يطلبون النصر. # على أنه يذعن لحكم القضاء، قد غير قلبه رأي فظيع مجرم ملؤه الإثم، كذلك ~~يجرؤ الإنسان فيسرع إلى ما يبعثه على الندم، كذلك تخدعه تلك المشيرة تشير ~~بالخزي، جنون مشئوم سيئ العاقبة. يجرؤ على أن يقتل ابنته بيده ليطير إلى ~~الحرب وليثأر لامرأة مخطوفة، يتخذ من هذه التضحية فألا لسفره، والزعماء ~~السفاحون لا تمسهم الرحمة لصلاة الأب وبكائه، ولا ينالهم إشفاق على ابنته. ~~يدعو الآلهة، ويأمر القسس - وهو أبوها - أن تحمل قهرا إلى المذبح كما ~~تحمل الضحايا، مائلة الرأس تزينه «الشرائط» قد أقفل فمها العذب، يخشون ~~ما عسى أن يبعث من لعنات، فتخرسها كلمة ممقوتة. ولكن بينما يروي دمها ~~الأرض، تنبعث نظراتها فتخترق قلب ناحرها وتملؤه إشفاقا. حسناء كأنها آية ~~من آيات الفن، يخيل إلى من رآها أنها تتكلم، تذكر بتلك المقاصف التي كانت ~~تزينها بأغانيها العذاب، حين كان صوت هذه العذراء الطاهرة يملأ حياة ~~أبيها السعيد جمالا وبهجة. # ليس من يعلم ليس من يستطيع أن يقول، ماذا عسى أن تأتي به حوادث الدهر. إن ~~فن ms074 كلكاس ليس عبثا، وإن العدل ليحملنا على أن نتنبأ بما هو كائن بعد الذي ~~قد كان. إن اتقاء ما ليس إلى اتقائه سبيل لخطل، إن في ذلك لتعجلا إلى ~~الحزن. ليصدقن مستقبل الأمر كل التصديق ما جاء به الوحي. ليكن هذا المستقبل ~~مملوءا بالخير لهذه التي تدنو! ~~(تظهر ~~كلوتيمنسترا) # فهي وحدها التي تقوم الآن على هذه ~~الدولة! # الفصل الثاني # المنظر الأول # تقدم كلوتيمنسترا فتسألها الجوقة عن أسباب سرورها وهذه الضحايا التي تقدمها إلى ~~الآلهة. فتعلن كلوتيمنسترا انتصار اليونان وسقوط تروادة، فتشك الجوقة وتؤكد ~~كلوتيمنسترا خبرها وتصف كيف وصل إليها. وتود لو قصد اليونان في انتصارهم ولم ~~يسرفوا في إهانة المغلوبين وازدراء آلهتهم. ليأمنوا شر البطر والطغيان. # المنظر الثاني # ثم تتغنى الجوقة بانتصار اليونان وشكر الآلهة والنعي على باريس حين اختطف ~~هيلانة، وعلى هيلانة حين تبعته. # إن أرييس الذي يحمل الناس على أن يستبدل الجثث من الذهب، ويحمل ميزان النصر ~~والهزيمة في الموقعة، لا يرد من تروادة على هذه الأسر المحزونة إلا بقايا مؤلمة، قد ~~جمعت بعد التحريق: إناء يملؤه التراب. إن هذه الأسر لتئن ذاكرة مهارة أبنائها في ~~الحرب وموتهم المجيد، ولأجل من ماتوا في سبيل امرأة أجنبية، ومن يدري لعلهم يسرون ~~السخط والحنق، ولكن ليس من شك في أن سخطهم واقع على أبناء أتريه. إن شبابا غضا ~~قد وجد قبره تحت أسوار تروادة، إن الأرض المغلوبة لتدفن المنتصر. إن سخط الشعب ~~الشديد الثقل، وإن اللعن الذي ينبعث من فمه لمستتبع أثره دائما. إن شعورا مظلما ~~يملأ قلبي وينذرني بسوء العاقبة. لن يفلت من أيدي الآلهة من أسرف في سفك ~~الدماء. # وما يكاد يمضي الزمن حتى تمحو هذه الآلهة السود آلهة الانتقام ذلك المجد المؤثل ~~أقامه صاحبه على الظلم والجور. ليست الحياة الخاملة شيئا يذكر، ولكن المجد يلام ~~فيه صاحبه، عبء ثقيل يدني ما بيننا وبين الصاعقة. ألا فلنؤثر الخير الذي لا يبعث ~~على الحسد. # لا أريد أن أدمر المدن، ولا أن أكون أسيرا يخضع لسيده. # ما أسرع ما انتشر ms075 هذا الخبر السعيد في أرجوس، حملته إلينا أضواء النار، من يدري ~~أنها حق، من يدري: لعل الآلهة يخدعوننا؟ أي طفل، أي أحمق يؤمن بنبأ علامة كهذه حتى ~~إذا كذب الخبر تعرض للخجل وتكلم لغة غير التي يتحدثها الآن؟ لقد قضي علينا ~~أن نذعن لامرأة، فلنهنئها بظاهر هذا النبأ؛ فإن المرأة سريعة إلى التصديق ~~والاقتناع، وما أسرع ما تزول هذه الانتصارات التي تتحدث بها. # الفصل الثالث # تعلن كلوتيمنسترا إلى الجوقة أنها ترى رسولا مقدما، ولا تشك في أنه يحمل النبأ ~~السعيد، ويقدم هذا الرسول فيحيي وطنه ويعلن انتصاره، ويشكر الآلهة، ثم تبتهج الجوقة ~~وكلوتيمنسترا، وتظهر هذه حبها للملك وأمانتها له وأنها منصرفة إلى إعداد استقباله بما ~~هو أهل له من كرامة وإجلال. # ثم ينكر الرسول على الملكة إعجابها بنفسها وتسأله الجوقة عن منلووس فينبئها بأنه قد ~~استخفى؛ لأن زوبعة عرضت للأسطول ففرقت سفنه. # وتتغنى الجوقة سوء حظ منلووس وما ألم بتروادة من الشقاء وما يعرض للإنسان في ~~حياته من تبدل الحال وتقلبها. # الفصل الرابع # يقدم أجاممنون على عجلة ومعه أسيرته كسندرا. فتتلقاه الجوقة بالتهنئة ويجيبها ~~محييا وطنه شاكرا آلهته معلنا أنه مثبت ما وجد من خير ومستأصل ما وجد من شر. # المنظر الأول ~~(الأشخاص السابقون وكلوتيمنسترا) # كلوتيمنسترا ~~: # أي معشر المواطنين، أي شيوخ أرجوس، لن يمنعني الحياء أن أظهر بين يديكم ~~شدة ما يملأ قلبي من حب؛ فإن من الأوقات ما يتجاوز فيه الحياء عن قوانينه ~~المألوفة. فاسمحوا لي أن أذكر بنفسي ما تحملت من ألم أثناء غيبة زوجي أمام ~~تروادة، لا أذكر ذلك كبرا ولا افتخارا. أي ألم ثقيل الحمل تعانيه ~~امرأة قد غاب عنها زوجها تطرقها من حين إلى حين أنباء مشئومة، ثم لا تلبث ~~أن تخلفها أنباء أشد منها شؤما. # وا لهفتاه! فلو أنه تلقى من الضربات والطعنات أثناء الحرب ما حملت إلينا ~~الأنباء، لما أصبح جسمه الآن إلا جراحة. # ولو أنه مات مرة كما حملت إلينا الأنباء، لكان له أن يفخر بأنه ادرع ~~أكثر من ثلاثة أدراع قبل ms076 أن يهبط إلى الجحيم، كأنه جريون # 5 # ذو الأجسام الثلاثة. كثيرا ما حطمت أيد أجنبية - بالرغم مني - ~~تلك الآلات: آلات الموت التي كنت أعدها لأتخلص بها من الحياة حينما كانت ~~تبلغني هذه الأنباء. # إن نبأ منها قد منعني أن أحمل إليكم أورستيس: ثمرة حبنا كما كان يجب ~~علي أن أفعل. لا تدهشوا لذلك؛ فإني قد وكلته إلى عناية ضيفكم الأمين: ~~استرفيوس الفوكي. وقد حملني على أن أتوقع خطرا مزدوجا أثناء ما كنتم ~~تتعرضون له من الحوادث أمام تروادة؛ فإن الشعب الثائر كان يستطيع أن يخلع ~~طاعة شيوخه، وقد ألف الناس أن ينحوا بالألم والعذاب على التعسين، أقول ~~ذلك لا منتحلة له ولا متهمة فيه. أما أنا فإن دموعي قد نضبت إلى آخر قطرة ~~من قطراتها، وإن عيني لتحملان آثار تلكم الليالي الطوال، قضيتها باكية ~~ناحبة، أنتظر من غير غناء ما كان قد وعدني زوجي من علامة تنبئني بالنصر. ~~فإذا أخذني النعاس فإن حركة تأتيها أخف الحشرات كانت كافية لإيقاظي من نوم ~~مثل لي الحلم فيه أشد وأطول ما كان يستطيع تمثيله من خطر. أما الآن فقد ~~نسيت كل هذه الآلام. إنما مكان زوجي مني مكان الكلب الأمين من قطيعه، ~~والبحار الماهر من سفينته، والدعامة القوية من قصر مشيد تشده وتثبته، ~~والولد الوحيد من أبيه، ومنظر الأرض من الملاح اليائس، أو ظهور النهار ~~المضيء بعد الزوبعة المظلمة، والينبوع العذب من المسافر أضناه الصدى. أي ~~فرح يملكني حين أراه قد أفلت من كل هذه الأخطار! أجل إنه لخليق بكل ما ~~قدمت من صفة: ليعفه الجسد، فقد تألمت غير قليل. أما الآن أيها الزوج ~~العزيز! فانزل عن عجلتك، ولكن أيها الملك لا تدنس بالتراب القدم التي سحقت ~~تروادة. # أيها الخدم، ما لكم تتريثون في تنفيذ أمري؟! ما لكم تتريثون في مد هذا ~~البساط؟! ليستر الأرجوان موضع قدميه، ليدخل محفوفا بالإجلال هذا القصر، ~~حيث لم نكن ننتظر أن نراه. فأما ما بقي بعد هذا؛ فإن عنايتي تعينها عناية ~~الآلهة ستنفذ ما سبق به القضاء. ms077 ~~(فيجيبها أجاممنون منكرا عليها كثرة هذا المدح كارها أن ~~يمشي على الأرجوان، وتلح عليه في ذلك، فيطيع ويوصيها بأسيرته، وتصلي ~~كلوتيمنسترا إلى ذوس، تسأله أن يتم ما أراد.) # الفصل الثالث # وتتغنى الجوقة ما يملأ قلبها من خوف وتوقع للشر برغم ما ترى من انتصار الجيش ~~وعودته. # الفصل الرابع # المنظر الأول # تأتي كلوتيمنسترا فتدعو كسندرا - أسيرة أجاممنون - أن تنزل عن عجلتها وأن تدخل ~~القصر، وتنصح لها بالرضى والطاعة، وتعدها اللطف وحسن المثوى. وتنصح لها الجوقة أن ~~تسمع وتطيع، ولكن كسندرا لا تجيب. فتنصرف الملكة. # المنظر الثاني # ثم تدعو الجوقة كسندرا إلى الطاعة، فتصيح هذه مستصرخة أبلون، ذاكرة ما وقع في هذا ~~القصر من جريمة، متنبئة مع شيء من الألغاز، بما سيقترف فيه من إثم، فلا تفهمها ~~الجوقة. # كسندرا ~~: # يا للسماء! يا للسماء! ماذا أرى؟! أهذه أشراك الجحيم؟ ... أي أشراك؟ ... ~~القاتل، هي الزوج بنفسها! ... أي آلهة الانتقام، لا يرتوين من دماء بيلبس # 6 # تمتعن بهذه الضحية الدامية. # الجوقة ~~: # ما هؤلاء الآلهة، تدعينهن إلى الفرح والمتعة؟ إن حديثك ليملؤني فزعا ~~... وإن دمي ليضطرب ويتقلص من عروقي متجها وجه القلب كأنما أصابتني ضربة ~~مهلكة، وكأنما أغمضت عيناي أبد الدهر، إني لأرى نذير سوء ~~قريب. # كسندرا ~~: # انظروا ... انظروا ... حولوا بين الثور والبقرة ... إنها لتفجؤه وقد التف في ~~ثوب مشئوم ... إنها لتضربه ... إنه ليسقط في حمامه ... في إناء المكر ~~والموت. # الجوقة ~~: # لا أزعم أني أحسن تأويل الوحي، ولكن يخيل إلي أني أرى شرا ~~مستطيرا. ويلاه! متى أعلن الوحي إلى الناس خيرا؟ إن هذا الفن قديم: فن ~~الكهنة ما استطاع أن يحمل إلينا قط إلا الفزع والهلع. # كسندرا ~~: # يا لك من شقي! ما آخرتك التعسة؟ فقد أستطيع أن أمزج بها هنا شقائي. يا ~~للآلهة! إلى أين تسوقون هذه التعسة كسندرا؟ إلى أين؟ ... إذا لم يكن إلى ~~الموت. # الجوقة ~~: # أي إله، وأي جنون ينقلك من حال إلى حال؟ إنك لتتغنين على نفسك غناء ~~مضطربا. كذلك تفعل فيلوميلا الحنون، لا يرويها البكاء في شكاة محزنة، تئن ~~على أتيس، وتغذو ms078 حياتها علقما وصابا. # كسندرا ~~: # إن حظ فيلوميلا من القضاء لسعيد، لقد منحها الآلهة جناحين، حياتها حلوة ~~بريئة من الألم، أما أنا فسيقطع حياتي خنجر حاد. # الجوقة ~~: # أمن قبل الآلهة جاءك هذا الفزع الفجائي، وهذا الاضطراب غير النافع؟ ~~لم هذا الغناء؟ وهذه الصيحات المخيفة، غير المنتظمة، وهذه الصرخات ~~الحادة؟ من ذا الذي يفتح لك باب التنبؤ بهذا الوحي المشئوم؟ # كسندرا ~~: # أي زواج باريس، زواج مشئوم على أسرته جميعا، أي نهر اسكمندر، كان يروي ~~وطنه! لقد رأى شاطئاك طفولتي تنمو وتتقدم، عما قريب سأعلن وحيي على شواطئ كوستيت # 7 # والأكرون. # 8 ~~(ثم تتغنى الجوقة بما فهمت من هذا الوحي وما تتوقع من سوء، ~~وتنبئها كسندرا بما سبق في أرجوس من الجرائم وبأنها قد كانت موضع حب أبلون كلف ~~بما فمنته فمنحها الوحي، ثم أبت عليه فهو عليها ساخط.) # كسندرا ~~: # يا للسماء! يا للألم! ... إني لأضطرب من جديد، إني لأشعر بهبوط الوحي ... ~~أترون في هذا القصر هؤلاء الأطفال # 9 # كأنهم أشباح الليل؟ ... يقتلون بأيدي من يجب أن يكرموهم ... إن ~~هؤلاء القتلة ليحملون في أيديهم لحمهم وقلوبهم وأمعاءهم! ... غذاء ممقوت ... ~~لقد ذاقه أبوهم ... لقد قام ليثأر لهم أسد، ولكنه أسد جبان، لقد دنس سرير ~~الزواج، وما كان ينتظر بعد ذلك إلا عودة سيدي - لا بد لي من أن أتعود هذا ~~الاسم ما دام قد قضي علي بالرق - إن زعيم اليونان، ومدمر تروادة ليجهل ~~ما يعد له هذا الوحش المستأنس، يتلقاه بالملق والابتسام ... إن امرأة لتجرؤ ~~عليه ... تجرؤ على أن تقتل رجلا! ... كيف أسميها؟ حية ذات رأسين، أوسكولا # 10 # تسكن الصخور، وتلقى البحارة بكل شر، أم من أمهات الجحيم، ~~ماذا تنفخ في أسرتها من بغض لا يهدأ! يا لها من فاجرة! ... إنها لتصيح فرحا ~~كأنها انتصرت انتصارا عظيما! يخيل إلي أنها تعود ظافرة ... سواء علي ~~أصدقتموني أم كذبتموني، إن ما أنبأت به لواقع، بهذا سبق القضاء، وإنكم له ~~لشاهدون وعما قريب ستدعونني متولهين: النبية الصادقة. # الجوقة ~~: # لقد عرفت هذا الغذاء الفظيع، غذاء ثويستيس وإني لأضطرب ms079 له. لقد ملكني ~~الخوف حين سمعت قصتها الصادقة، ولقد سمعت بقية ما قالت ولكني لم أستطع ~~فهمه. # كسندرا ~~: # سترون أني أعلن إليكم هذا، سترون موت أجاممنون. # الجوقة ~~: # ماذا تقولين أيتها الشقية؟ احبسي هذه الألفاظ. # كسندرا ~~: # ليس لهذا الشقاء من دواء. # الجوقة ~~: # أجل، حين يحم به القضاء، ولكنها ترجو ألا يكون. # كسندرا ~~: # إنكم هنا لتتمنون. وإنهم هناك ليعدون الموت. # الجوقة ~~: # ومن ذا الذي يهيئ هذه الجريمة؟ # كسندرا ~~: # إذا لم تصغوا إلى ما تنبأت به؟ # الجوقة ~~: # لم أهتد إلى مقترف الجريمة. # كسندرا ~~: # ومع هذا فقد تحدثت إليكم لغتكم ... # الجوقة ~~: # ولكن لغات الوحي غامضة. # كسندرا ~~: # يا للآلهة! أي نار تلتهمني! يا لأبلون إله لوكييون! # 11 # أي كسندرا يا لك من شقية! لقد اقترنت اللبؤة إلى ذئب في غيبة ~~أسد كريم، وهي الآن تريد أن تنحرني. إنها لتتلمس لها من ذلك عذرا، ستتخذني ~~لغضبها علة، تزعم وهي تحد خنجرها أنها إنما تقتل زوجها؛ لأنه قادني إلى هذا ~~القصر. وماذا عسى أن أصنع بهذا الصولجان وهذا التاج، أأكون ضحكة أعدائي؟ ~~أيتها الزينة الباطلة لتتحطمي قبل أن أموت، هذا كل ما أنا مدينة لك ~~به. # اذهبي فزيني أشقياء آخرين. إلي أبلون، هلم فاسترد هذا الثوب ثوب ~~النبوة. لقد رأيتني فيه موضع الهزء الظالم من العدو والصديق، أعامل ~~معاملة الساحرات، وأدعى شقية، مشعوذة غرثى، لقد لقيت كل ألم. أما اليوم ~~أيها الإله، إله الوحي، فإلى أي موت تسوق نبيتك؟ لقد نحر أبي على مذبح ~~الآلهة، أما أنا فسأذبح على أدنأ عرش. على أن الآلهة لن يتركوا موتي من ~~غير أن يثأروا له. عما قريب سيعود ذلك الذي يوقع بها العقاب، ابن قاتل لأمه، # 12 # منتقم لأبيه، يعاني الآن آلام النفي، طريد في غير هذه الأرض، ~~ولكنه سيعود ليتم شقاء هذه الأسرة، ليردنه إلى داره ما يستنزل أبوه ~~المحتضر على المجرمين من سخط. علام آسف هنا وأنا غريبة نازح؟ لقد رأيت ما ~~كتب القضاء على تروادة، وإن الذي أعده القضاء لمن انتصر عليها لجور من ~~السماء. ألا فلنستقبل ms080 الموت، فقد أقسم به الآلهة علينا قسما منكرا لا حنث ~~فيه. أي أبواب الجحيم، ألا فلتفتحي؛ فإني أدعوك. لعل ضربة واحدة ترزقني ~~الموت! لعل دمي يسيل أمواجا، ولعل عيني تغمضان من غير ألم. ~~(ثم تعجب الجوقة بها وترثي لها، وتستنزل هي السخط على ~~قاتليها وتنبئ بقتل أجاممنون، وتسرع إلى القصر مقدمة نفسها إلى القتلة لأنها ~~قد وثقت بأن ليس لها مفر من الموت.) ~~(وتتغنى الجوقة شقاء الإنسان وما يلقى أبناء أترية من سوء ~~العاقبة.) ~~(وإنها لفي ذلك؛ إذ تسمع صوت أجاممنون، وقد عمل فيه سلاح ~~القتلة. فتفزع لذلك وتتساءل أتدعو الشعب إلى الثورة، أم تفزع لنصر الملك؟ ~~ولكنها تضيع الوقت بالتردد والاستشارة.) # المنظر الخامس ~~(الجوقة - كلوتيمنسترا) # كلوتيمنسترا ~~: # إلى الآن لم أكن أتكلم إلا لغة تناسب حالي، أما الآن فلن أخجل من أن ~~أستبدل من هذه اللغة لغة أخرى. لقد كنت أريد أن أنتقم من عدو، كنت أزعمه ~~علي عزيزا، فوجب علي أن أحتال، لأوقعه في الشرك. لم أعد هذا ~~العمل اليوم، وإنما هو قديم، كبغضي لهذا العدو، لقد حان حين الانتقام. ~~لقد وصل العدو إلى حيث كنت أنتظره، ولقد كان كل شيء مهيأ، لا أجحد ما ~~فعلت، لقد كان من العجز بحيث لم يستطع أن يهرب، أو أن يدافع عن نفسه، لقد ~~لففته في حلة فاخرة، كما يؤخذ السمك في شبكة ليس له منها مخرج، لقد ~~ضربته ضربتين، ولقد أن أنتين، ثم انحنت به ركبتاه، فخر صريعا، ثم ~~تقدمت إلى آلهة الجحيم بضربة ثالثة، قذفت به إلى حيث تقيم الظلال. لقد ~~لطخني دمه، كأنه ندى الموت، استمتعت به كما تستمتع الأرض بقطر السماء، ~~حين توشك حباتها أن تنبت. هذا ما فعلت، ليرضكم ذلكم أيها الشيوخ أو يسخطكم؛ ~~فأنا به راضية فاخرة. وددت لو قدمت إلى الآلهة القربان على جسمه! إذن ~~لفعلت ولكنت عادلة. لقد شرب هذا الجبار القاسي - عند عودته إلى القصر - هذه ~~الكأس التي كان قد ملأها إثما وجورا. ~~(تنكر عليها الجوقة ما عملت وما قالت، فتجيبها فاخرة غير ms081 ~~حافلة فتنذرها الجوقة بالنفي والسخط.) # كلوتيمنسترا ~~: # تقضون علي بالنفي، وبلعن الأرجين، وسخط الشعب، من غير أن تنطقوا بكلمة ~~قضاء على هذا المجرم الذي ضحى بابنتي وثمرة حبي ليهدئ الريح العاصفة، غير ~~مفرق بينها وبين أي ضحية تؤخذ من المرعى؟ ألم يكن من الحق عليكم أن ~~تقضوا عليه بالنفي لتعاقبوه على إثم كهذا؟ ولكنكم إنما تقضون علي وحدي ~~وتظلمونني. أنذروا فإني قابلة نذيركم، فإذا استطعتم أن تقهروني فأنا خاضعة ~~مطيعة، وإن أبت عليكم السماء، فستعلمون ولكن بعد أن سبق السيف العذل، كيف ~~تقصدون وتأخذون أنفسكم بالاعتدال. # الجوقة ~~: # إنك فيما تدبرين وفي ما تنطقين لتحقرين كل شيء لا تسعين إلا إلى القتل، ~~إن الدم لينبجس من عينيك الملتهبتين، لتموتن عقابا على ما جنيت من ~~موت. # كلوتيمنسترا ~~: # لتسمعن هذا القسم: أقسم بهذا الانتقام ثأرت به لابنتي، أقسم بالجحيم ~~وآلهة الانتقام الذين تقربت إليهم بهذا الوحشي لا سلكت سبيل الخوف، ما حفظ ~~لي الحب - إيجستوس - هذا النجم يضيء في قصري، إنه لدرقتي، منه أستمد ~~شجاعتي. # إليكموه صريعا في التراب، هذا الذي أبكاني غير قليل، عشيق كرزييس، وإلى ~~جانبه الأسيرة، تلك النبية تلهمها الآلهة، عشيقته الحنون، كانت تقاسمه ~~السرير في سفينته، بأعين البحارة! لقد لقيا ما كانا يستأهلان من جزاء، أحبب ~~إلي بأن أراه كما هو الآن! وتحت قدميه تلك التي أحبها أشد الحب، هذه ~~الإوزة التي تغنت موتها فأحسنت التغني، هذه التي قادها إلى القصر لتتم له ~~ما يمنحه سرير زوجه من لذة ناقصة! ~~(ثم تتغنى الجوقة سوء عاقبة أجاممنون، ويشتد الحوار بينها ~~وبين كلوتيمنسترا، تلك تلوم، وهذه تتقي اللوم، وتتنبأ الجوقة بأن المجرم ~~لاقى جزاء ما صنع، ويأتي إيجستوس فيشتد الجدال بينه وبين الجوقة حتى يهم أن ~~يأمر بالقبض عليها، ولكن كلوتيمنسترا تنصح لها بالانصراف، وتشير على إيجستوس ~~بالحلم والأناة.) # | المتقربون # الأشخاص # أورستيس. # بولاديس. # الجوقة: # تتألف من آباء. # إلكترا: # بواب. # كلوتيمنسترا. # جوليس: # مرضع أورستيس. # إيجستوس. # ضابط من القصر. # أرجيون. # تقع القصة في أرجيوس بين قصر أجاممنون وقبره. # أورستيس واقف إلى قبر أبيه يدعوه ms082 ويستعين الآلهة على الانتقام له فيرى نساء قد أقبلن ~~يحملن أنواعا من القربان، ويعرف فيهن أخته إلكترا فيستحفي ومعه بلاد، ليعلم علمهن. # الفصل الأول # المنظر الأول ~~(الجوقة وإلكترا) # إلكترا ~~: # قد أمرني سادة هذا القصر؛ فأنا أحمل القربان، تتوالى الضربات التي أنال ~~بها صدري، تسيل الدماء من خدي وقد تركت أظافري فيهما آثار الخمش. تغذي ~~الزفرات قلبي، وتعلن هذه الثياب الممزقة، وهذا النقاب الممزقة على صدري ~~العاري ما يملأ نفسي من ألم. # لقد زارت آلهة الفزع - ابنة الحلم ذات الشعور المنتثرة - مستقر النساء من ~~هذا القصر منذرة بالانتقام، فملأته خوفا وهولا، وقطعت هذا الصمت ~~المطلق، صمت الليل بالصياح والعويل. وأعلن الكهنة عن الآلهة أن نفوس الموتى ~~قد ملأها السخط، فهي تتحفز للإيقاع بالقتلة. # أيتها الأرض، أيتها الأرض، إنما تتقدم إليك هذه الزوج (وهل أستطيع أن ~~أنطق بهذا الاسم) إنما تتقدم إليك هذه الزوج بما أحمل من قربان لتتقي شر ~~هذا النذير! قربان لا نفع فيه. فكيف تغسل ما سفكت من دم؟! يا لك من بيت ~~تعس! ... ومستقر منكود! لن تشرق لك الشمس! إن الظلمة لتحيط بك منذ قضى ~~سيدي. # لقد قضى هذا الملك القوي لا يقهر، تملك جلالته القلوب، إن الخوف اليوم ~~لسائد متحكم. # إن السعيد في هذه الأرض لإله أو أكثر قوة من إله. ولكن العدل لا يلبث أن ~~يوقع بالمجرم. يوقع به عنوة، في ضوء النهار، أو في الأصيل أو دون أستار ~~الليل. لقد شربت الأرض الخصبة كثيرا من الدماء، فما أسرع ما نبت فيها ~~الانتقام، وعما قريب ستتفتح أزهاره. إن الجريمة لمقترفها ينبوع آلام لا ~~تقدر قسوتها، لا رحمة لمن ازدرى هذا المكان المقدس، مكان الزواج، فلو ~~اجتمعت أنهار الأرض كلها على أن تغسل هذا الدم المسفوك - دم الزوج الشهيد - ~~لما استطاعت أن تمحوه. # أما أنا فقد قضى علي الآلهة أن أعيش، يحيط بي ما ألم بوطني من نكال ~~ودمار، بعد أن نزعت من قصر أبي وأكرهت على حياة الأرقاء، ~~فعلي أن أكظم ما يملأ قلبي من بغض، ms083 وأن أحتمل ما يأمر به الطغاة من عدل ~~أو جور. فإذا خلوت إلى نفسي، واستسلمت لما يملكني من حب الانتقام، ملكتني ~~هذه العبرات أذرفها على موت أبي. # الفصل الثاني # تستشير إلكترا الجوقة فيما عسى أن تطلب إلى أبيها وإلى الآلهة حين تقدم القربان. ~~فتشير عليها بالدعاء لنفسها وأخيها وأصدقائها، واستنزال السخط على كلوتيمنسترا ~~وإيجستوس، وطلب التعجيل في الانتقام. # إلكترا ~~: # أي هرمس السفلي، إني لضارعة إليك في أن تنبئني بأن دعائي قد تقبله آلهة ~~الجحيم - الذين يسودون حيث يقيم أبي - قبولا حسنا، وإن قد قبلته الأرض نفسها، ~~هذه التي تلد وتغذو ثم لا تلبث أن ترد كل شيء. أي ابني إني أدعوك حين أصب هذا ~~الشراب، أقدمه إلى الموتى، ألق علي وعلى أورستيس نظرة رحمة وإشفاق، ردنا إلى ~~قصرك. فنحن الآن طريدان، قد خانتنا تلك التي منحتنا الحياة. # لقد أعطت سريرك إيجستوس شريكها في قتلك. إني لأمة وإن أورستيس لطريد ~~معدم، بينما يهنأ المجرم وحده بآثار مجدك وجهدك في لذة دائمة وصفو غير ~~مقطوع. قد أورستيس إلى هذا المكان وقدر له النصر. اسمع صوتي، وا أبتاه! ~~هبني قلبا أعف من قلب أمي، ويدين أطهر من يديها، ذلك ما أسألك لولدك. # أما أعداؤك، فاظهر لهم مسلحا منتقما. تعال أذقهم الموت، كما أذاقوك إياه. ~~ذلك ما أتمناه عليك، فتقبله وأصغ إليه. ليعنك على ذلك آلهة الأرض ~~والانتقام. فتقبل مع هذه الدعوات، ما أصب على قبرك من شراب. ~~(ثم تسقي القبر وتلتفت إلى الجوقة) # أما أنتن ~~فأسمعن أنينكن، كما جرت العادة. ~~(فتتغنى الجوقة ألمها وتسقي القبر بدموعها ولا تلبث إلكترا ~~أن تلاحظ خصلة من الشعر تشبه شعرها فيتقسمها الخوف والرجاء لأنها ترى فيها شعر ~~أورستيس.) ~~(ثم يقبل أورستيس وبولاديس ويتعرف إلى إلكترا والجوقة ~~فتعرفانه، فيشكون جميعا ويبكون وينذرون ويحذرون ويستنزلون سخط الآلهة ~~والموتى على القتلة، ويستعينونهم على الانتقام. ويسأل أورستيس عن مصدر هذا ~~القربان فتنبئه الجوقة بأن أمه رأت فيما يرى النائم كأنها ولدت حية، فلما أرادت ~~إرضاعها، رضعت لبنا ودما، فهي خائفة حذرة ms084 تتقي بهذا القربان ما ينذرها من شر. ~~فيعلن أورستيس أنه هذه الحية وأن هذا الحلم واقع من غير شك. ثم يدبرون ~~أمرهم، فيوحي أورستيس إلى أخته أن تذهب إلى القصر فتخدع الناس وتعلم علمهم، ~~وإلى الجوقة أن تصلي وتدعو الآلهة، بينما يطرق هو وصاحبه باب القصر كأنهما ~~غريبان يحملان إلى كلوتيمنسترا موت ابنها.) ~~(ثم ينصرفون وتبقى الجوقة فتتغنى الحب وسوء آثاره؛ فهو الذي ~~يحمل الإنسان على اقتراف الجرائم وتضرب لذلك الأمثال وتتعجل الانتقام.) # الفصل الثالث # يطرق أورستيس باب القصر سائلا عن سيده، فتأتيه كلوتيمنسترا فيزعم لها أنه غريب أقبل ~~من فكيس ينبئ بموت أورستيس، ويريد أن يعلم أيجب نقل رماده إلى أرجوس أم تركه حيث هو، ~~فتظهر إلكترا الجزع وتخفي كلوتيمنسترا السرور. ثم تأمر الخدم أن يضيفوا الغريبين. ~~وبينا تتغنى الجوقة راجية معونة الآلهة ممنية نفسها بالانتقام تقبل جوليس مرضع ~~أورستيس فتنبئ بأنها قد أرسلت في طلب إيجستوس، وتنصح لها الجوقة أن تحمل هذا الطاغية ~~على أن يجيء وحيدا لا حرس له. فتطيع وتتمنى الجوقة على الآلهة النصر والثأر للقتيل ~~المظلوم. # الفصل الرابع # يقبل إيجستوس فيعلن ما بلغه من موت أورستيس ويدخل إلى القصر، فما أسرع ما يسمع صراخه ~~وقد ناله سيف أورستيس ويخرج من القصر عبد يتوجع معلنا موت سيده، طارقا باب مستقر ~~النساء، داعيا كلوتيمنسترا ومنذرا لها بالخطر. # كلوتيمنسترا ~~: # ماذا؟ ما مصدر هذا الصياح؟ # العبد ~~: # إن الذين زعموا لنا موتهم، قد قتلوا الأحياء. # كلوتيمنسترا ~~: # يا للآلهة! إني لا أفهم هذا اللغز. إن المكر ليغتالنا بعد أن أعاننا قديما ... ~~علي بالسلاح ... ما دمت مضطرة للدفاع عن نفسي، فلنر لمن النصر. # المنظر الاول ~~(الجوقة - كلوتيمنسترا - أورستيس وفي يده السيف) # أورستيس ~~: # إني لأبحث عنك، فقد نال إيجستوس جزاءه. # كلوتيمنسترا ~~: # ويلاه! إني لشقية! أيها العزيز إيجستوس، ها أنت ذا قد قضيت! # أورستيس ~~: # أكنت تحبينه؟ إذن فسيضمكما قبر واحد، ظلي أمينة له إلى الموت ~~(ثم يمسكها ويحاول قتلها) ~~. # كلوتيمنسترا ~~: # أمسك يا بني! اذكر حرمة هذا الصدر الذي استرحت إليه أكثر من مرة، والذي ms085 ~~تناولت منه غذاءك. # أورستيس ~~(وقد أمسك والتفت إلى بولاديس) ~~: # أي بولاديس ماذا أصنع؟ أأستطيع أن أقتل أمي من غير أن ترتعد ~~فرائصي! # بولاديس ~~: # أين وحي بوثو # 1 # وأين ما قدمت من إيمان! لا تخش عدوا إلا الآلهة. # بولاديس ~~(بعد صمت) ~~: # إنك لظافر، وإن نصحك لرشيد ... ~~(ثم يتحدث إلى ~~كلوتيمنسترا وقد أخذ بيدها) # اتبعيني؛ لأنحرنك إلى جانبه ~~(ويشير إلى حيث يظن أن إيجستوس قد ~~قتل) # لقد آثرته حيا على أبي، فليجمع الموت بينك وبينه، ~~أنت التي خادنت هذا الخائن، وعادت زوجها! ... # كلوتيمنسترا ~~: # لقد غذوت طفولتك ، فاستبق شيخوختي. # أورستيس ~~: # لقد قتلت أبي، أفأستطيع أن أحيا إلى جانبك؟ # كلوتيمنسترا ~~: # إن القضاء يا بني، قد فعل كل شيء. # أورستيس ~~: # إن القضاء أيضا هو الذي سيعطيك الموت. # كلوتيمنسترا ~~: # يا بني احذر أن تلعنك أمك. # أورستيس ~~: # أمي؟ ... أنت التي تركتني نهب الشقاء. # كلوتيمنسترا ~~: # لم أتركك إلا إلى صديق أمين. # أورستيس ~~: # لقد بعتني، وأنا ابن رجل حر. # كلوتيمنسترا ~~: # وأين الثمن الذي تتقاضينه؟ # أورستيس ~~: # الثمن! يخجلني أن أذكره ... # كلوتيمنسترا ~~: # اذكره، ولكن اذكر أيضا خيانة أبيك. # أورستيس ~~: # أكان لك محبوبة في هذا القصر، إن تتهمني بطلا بعدت بينك وبينه ~~الشقة. # كلوتيمنسترا ~~: # أي بني، إن غياب الرجل عن زوجه لمؤلم لها. # أورستيس ~~: # ولكن الزوج الغائب لا يعمل إلا لها. # كلوتيمنسترا ~~: # أي بني، إذن فأنت تريد أن تقتل أمك. # أورستيس ~~: # لست قاتلك، وإنما تقتلين نفسك. # كلوتيمنسترا ~~: # فكر في ذلك؛ فإن كلابا مفترسة ستنتقم لهذه الأم. # أورستيس ~~: # ألا تنتقم هذه الكلاب لهذا الأب إن نسيته؟ # كلوتيمنسترا ~~: # عبثا ما أذرف من الدمع على حافة القبر ... # أورستيس ~~: # إن آخرة أبي قد استتبعت آخرتك. # كلوتيمنسترا ~~: # ويلاه! لقد ولدت وغذوت هذه الحية! أيها الحلم ما كنت إلا حقا! # أورستيس ~~: # لقد قتلت زوجا، فسيقتلك ابن. ~~(ثم يجرها خارج المسرح. وتتغنى الجوقة إشفاقها على ~~أورستيس من انتقام الآلهة.) ~~(تفتح أبواب القصر، ويظهر جسم كلوتيمنسترا وإيجستوس ~~صريعين، ويأتي أورستيس ويحضر الخدم الثوب الذي ظهر فيه أجاممنون ~~قتيلا.) # الفصل الخامس # تتغنى الجوقة الظفر والانتصار، ويعلن أورستيس سروره ثم يأمر أن ms086 يبسط ثوب أجاممنون ~~فيألم الناس له، وينظر هو مرة إلى الثوب ومرة إلى أمه فيأخذه الاضطراب ويشعر بشيء من ~~الذهول، وإنه ليتساءل أأحسن في الانتقام لأبيه، أم أساء في قتل أمه إذ يأخذه الجنون. ~~فيرى كلابا مفترسة تطوقها الحيات، قد أقبلت عليه، وهي آلهة الانتقام فيخرج هائما ~~على وجهه. # | الأومينيديس # الصافحات # الأشخاص # كاهنة دلف. # أبلون. # أورستيس. # الجوقة: # تتالف من آلهة الانتقام. # روح كلوتيمنسترا. # أثينا. # أعضاء الأريوباجيتيس # 1 ~~. # وأهل أثينا: # نساء وشيوخا وأطفالا. # يقع الفصل الأول والثاني من القصة في دلف، ثم تقع بقية القصة في أثينا بمعبد أثينا أولا ~~ثم على تل أريس. # الفصل الأول ~~(يمثل المسرح مدخل دلف) # في المنظر الأول تظهر كاهنة أبلون مصلية متقدمة بالدعاء إلى الآلهة جميعا وإلى أبلون ~~خاصة ذاكرة مزاياه وفضائله، ثم تدخل المعبد لتستشير الإله، ولا تلبث أن تخرج منه فزعة ~~مضطربة؛ لأنها رأت أورستيس قد لزم المذبح مستجيرا، ومن حوله آلهة الانتقام في أشكال ~~نساء سود مريعات، قد أخذهن النوم. # المنظر الثاني ~~(أورستيس وآلهة الانتقام نائمات وأبلون) # أبلون ~~(إلى أورستيس) ~~: # لن أتركك أبدا، لأحمينك، قربت مني أو بعدت، وليشعرن أعداؤك آثار غضبي. ~~أترى إلى هؤلاء الجريئات، قد غلبهن النوم وكدهن الإعياء، هؤلاء النساء ~~المتقدمات في السن بنات بغيضات لا يقربهن الناس ولا الآلهة ولا الحيوان، ~~ولدن ليكن مصدر الشر، مقتتهن الأرض والسماء فهن يسكن الظلم ~~وأعماق ترتاد، اهرب وانتهز الفرصة، وإلا طاردتك في كل مكان، في الأرض ~~والسماء، وعلى أمواج البحر، أسرع فاتق هذا العذاب. أسرع إلى مدينة بلاس # 2 # والتزم هذه الصورة القديمة، صورة الآلهة. هناك نجد قضاة، وهناك ~~أدافع عنك فأنقذك أبد الدهر من هذه الآلام. علي ذلك فأنا الذي أمرك أن ~~تقتل أمك. # أورستيس ~~: # أي أبلون القوي، إنك لتعلم أن يدي حين ضربت لم تكن جائرة، فكر إذن في ~~أن لا تتركني، فلي في سلطانك ومعونتك الكفاية. # أبلون ~~: # اذكر ما قلت لك ولا تخش شيئا. وأنت، أيها الأخ، ابن ذوس، فتول حراسته. ~~كن عند ما يدل عليه اسمك، هرمس ms087 القائد، وفد هذا الجار الذي لجأ إلي. إن ~~ذوس نفسه ليعرف حق المستجيرين، هذا الحق الذي أقامه القدر حماية ~~للناس. ~~(ثم يخرجون.) # الفصل الثاني # المنظر الأول # ظل كلوتيمنسترا قد ظهرت فيه آثار الضربات التي نالتها من أورستيس، وآلهة ~~الانتقام نائمات. # الظل ~~: # أتنمن، أي آلهة الانتقام؟ أهذا عملكن؟ أتنمن بينما أهيم على وجهي ~~بين الموتى أعير ما اقترفت من قتل وقد أعرضتن عن الثأر لي. ثقن ~~بأنهم يعاقبونني على ذلكن عقابا قاسيا، أما أنا فقد عوملت أقصى معاملة من ~~أعز الناس علي، فلم أجد من الناس ولا من الآلهة من يغضب لي. لتنظر ~~أرواحكم إلى هذه الجراحات؛ فإن الروح مبصر أثناء النوم، أعمى أثناء ~~اليقظة. كم سقيتكن شرابا لا نبيذ فيه، قربانا ليس بالفخم، ولكنه ~~محبب إليكن؟ ولم دعوتكن إلى مقاصف ليلية بالقرب من ناري المقدسة ~~حين لا تدعى آلهة أخرى؟ إنكن لتطؤن بالأقدام اليوم ما قدمت إليكن من ~~كرامة. يفوتكن المجرم هاربا كما يلفت الظبي من صائده، لقد فر من ~~الشرك وهو الآن يزدريكن. اسمعن إلى هذه الشكاة يرفعها إليكن ظلي، أيتها ~~الآلهة، آلهة الجحيم، استيقظن. إن التي تدعوكن في الحلم هي كلوتيمنسترا ... ~~(وهنا يسمع غطيط) # أتنمن؟! ... ومع ~~هذا فهو يبتعد. وآلهة كلوتيمنسترا وحدهن لا يصغين إلى جارتهن! ~~(يسمع غطيط من جديد) ~~. # آه! ما أكثر ما تنمن، وما أقل ما تعطفن علي! أيفلت من أيديكن ~~قاتل أمه أورستيس ~~(وهنا تصيح الجوقة صيحات ~~مختلفة) ~~. # إنكن لتصحن نائمات، أما آن لكن أن تستيقظن، أقضي عليكن ألا ~~تعملن إلا شرا ~~(تصيح الجوقة من جديد) # إن النوم والإعياء قد اتفقا على أن يخمدا حياتكن المهلكة. # الجوقة ~~(وهي لا تزال نائمة) ~~: # قف! قف! قف! ... احذر. # الظل ~~: # إنكن لتتبعنه في الحلم، كحيوان الصيد، قد شغلته فريسته، إنكن لتصحن ~~صيحات غير متمايزة. ماذا تعملن؟ اهببن، واقهرن التعب، واعرفن ما سيكلفكن ~~النوم. ليخترق هذا اللوم العدل إلى أنفسكن؛ فإن اللوم محرض الحكيم ... لا ~~تبعثن في الهواء من غير نفع ولا جدوى أنفاسكن الدموية، وهذه النيران ~~الملتهبة تتصاعد من ms088 أحشائكن ... اتبعن المجرم، ليستهلكه عذاب جديد. ~~(تستيقظ الجوقة ويستخفي الظل.) ~~(ثم تستيقظ الجوقة فتأسف وتندم وتلقي على أبلون تبعة ما كان ~~من إفلات أورستيس، ويأتي أبلون فيطردهن من معبده مدافعا عن أورستيس، ويشتد ~~بينه وبينهن الحوار حتى ينصرفن.) # الفصل الثالث # يتغير المسرح فيمثل من جهة معبد أثينا ومن الجهة الأخرى الأريوباج وتل أريس. # يظهر أورستيس معانقا تمثال الآلهة لاجئا إليها، وتأتي آلهة الانتقام، فتنذره ~~وتهدده، فيدافع عن نفسه ويعتصم بأبلون وأثينا. وتتغنى الجوقة حرصها على الانتقام ~~وقدرتها عليه وأن ليس من الجناة والمجرمين من يستطيع أن يفلت منها. # الفصل الرابع # الجوقة وأورستيس بحيث كان في الفصل الماضي. وتأتي أثينا على عجلة تمشي في الهواء. ~~فتسأل عن هذا الجمع وهذا الغريب يعانق تمثالها. فتذكر الجوقة لها القصة وأنها تريد ~~الانتقام لكلوتيمنسترا وأنها ترضى بالآلهة حكمة فتسأل أثينا أورستيس عن شأنه، فيقصه ~~عليها ويزعم أنه لم يقتل أمه إلا انتقاما لأبيه، على أنه قد قدم من الضحايا ما يغسل ~~يده من هذا الدم. # فتشعر الآلهة صعوبة القضية، وأنها وحدها لا تستطيع الفصل فيها؛ إذ هي لا تريد أن تسلم ~~جارها إلى من يريد به الشر، ولا أن ترد رجاء المنتقمات، فيملأن الأرض شرا ووباء. ~~فتعلن أنها مؤلفة من أهل أثينا مجلسا يحكم في هذه القضية حكما عدلا. وتطلب إلى ~~كلا الخصمين أن يعد أدلته وشهوده. وتتغنى الجوقة حرصها على الانتقام وخوفها أن يفلت ~~منه المجرمون، فتفسد الأرض وتنقطع الصلات بين الناس. # الفصل الخامس # المسرح على تل أريس حيث كان يجتمع الأريوباج، وتعود أثينا يتبعها الشيوخ الذين ~~يؤلفون مجلس الحكم ويتبعها شعب الأثينيين رجالا ونساء. والصائح الذي يقوم في ~~المجالس العامة. # المنظر الأول ~~(أثينا - أعضاء الأريوباج - الأومينيديس - أورستيس - الشعب - ~~الصائح العام) # يجلس القضاة وترأسهم أثينا. # تأمر أثينا الصائح أن يحتفظ بالنظام ويد الشعب إلى حضور النجوى، ويأتي أبلون ~~فتسأله الجوقة فيما جاء، فينبئ بأنه أقبل يحمي جاره ويطلب إلى أثينا البدء في ~~المقاضاة. # أثينا ~~: # علي بالقضية ~~(إلى الأومينيديس) # لكن الكلمة. فللمدعي أن يبدأ ms089 بالكلام وأن يعلن دعواه. # الجوقة ~~: # نحن كثيرات، ولكننا سنوجز في القول ~~(إلى ~~أورستيس) # أما أنت فأجب على ما يلقى عليك من مسألة، أحق أنك ~~قتلت أمك؟ # أورستيس ~~: # قتلتها، لا أنكر ذلك ولا أجحده. # الجوقة ~~: # إنا لننتصر. هذا مصارعنا قد خر لأول مرة. # أورستيس ~~: # إنكن لتسرعن إلى الفخر، قبل أن يدركه الإعياء. # الجوقة ~~: # أجب أيضا! كيف قتلتها؟ ... # أورستيس ~~: # طعنتها هذه اليد بخنجر في صدرها. # الجوقة ~~: # من نصح لك بذلك؟ ومن الذي حثك عليه؟ ... # أورستيس ~~: # وحي أبلون، هذا الذي أستشهده. # الجوقة ~~: # وحي أبلون! ... أيأمر الإله النبي قتل الأمهات ! # أورستيس ~~: # أجل، وما لي أن أتهم في ذلكن الحظ. # الجوقة ~~: # لتغيرن لهجتك، حين ينالك عدل هؤلاء القضاة. # أورستيس ~~: # أنا آمن مطمئن؛ فإن أبي يدافع عني من أعماق قبره. # الجوقة ~~: # أي قاتل أمه، أتعتمد على الموتى! # أورستيس ~~: # لقد دنست نفسها بجريمتين. # الجوقة ~~: # كيف أثبت ذلك أمام القضاة. # أورستيس ~~: # لقد قتلت زوجها وأبي. # الجوقة ~~: # لقد كفر موتها عن كل شيء، أما أنت فلا زلت حيا. # أورستيس ~~: # فهل تبغننها بالانتقام أثناء حياتها؟ # الجوقة ~~: # إن الذي قتلته لم يكن من دمها. # أورستيس ~~: # وهل أنا إذن من دم أمي؟ # الجوقة ~~: # ماذا؟ ألست من دم تلك التي غذتك أحشاءها أيها المجرم؟! أتجحد دم ~~أمك؟! # أورستيس ~~: # أي أبلون، اشهد، وأعلن إلى القضاء، ألم أقتلها عدلا؟ لا أستطيع أن أنكر ~~أني قاتلها، ولكن أترى هذا عدلا أم جورا، أجب فإن جوابك يكون دفاعا ~~عني. # أبلون ~~: # أيها المجلس المقدس، مجلس الحكم، ترأسه أثينا، لأعلنن إليك الحق ~~وما كان الإله النبي ليكذب. # ما أوحيت قط من عرشي إلى رجل أو امرأة أو مدينة إلا ما ألهمني إياه كبير ~~الآلهة، فانظروا مقدار شهادتي. أطيعوا إرادة أبي؛ فليس من قسم ما يفوقه ~~أو يعلو عليه. # الجوقة ~~: # إذن فأنت تزعم أن ذوس قد أوحى إليك أن تأمر أورستيس بأن لا يحفل بحقوق ~~أمه؟ # أبلون ~~: # من غير شك، وهل يقرن قتل امرأة إلى اغتيال بطل لم ينل صولجانه إلا من ~~يد ذوس، قد نحرته امرأته، لم تضربه ضربات ms090 شريفة كضربات الأمزون - فإن من ~~الحق أن تعرف ذلك أثينا والقضاة الذين اختارتهم - وإنما اغتالته عائدا من ~~الحرب حيث انتصر أكثر من مرة، اغتالته بعد أن تلتقه لقاء ملؤه المكر ~~والخديعة، اغتالته في حمامه، متورطا في هذا الثوب - لا منفذ فيه - الذي ~~كانت أعدته لذلك خصيصا، هذه آخرة هذا الرجل العظيم الذي قاد ألف سفينة، ~~إنما قصصتها لتمتلئ قلوب القضاة سخطا على قاتله. # الجوقة ~~: # إذن فأنت تزعم أن ذوس يؤثر تشريف الآباء، ومع هذا فقد غل أباه كرتوس. ~~أليست سيرته تناقض قولك؟ أيها القضاة الذين يسمعون لنا، إنما ~~أشهدكم. # أبلون ~~: # أيتها الوحوش البغيضة تمقتها الآلهة! ... إن من اليسير أن يخرج المرء من ~~أغلاله ألف طريقة تسلك إلى هذا، ولكن الرجل إذا هلك وشربت الأرض دمه، فليس ~~استرجاعه بميسور. إن أبي لم يخلق شيئا يقي شر الموت، وهو مع هذا كله يملك ~~أمر هذا العالم، فيستطيع أن يقلبه رأسا على عقب. # الجوقة ~~: # انظر إلى جورك حين تدافع عن هذا المجرم. # أيسكن في أرجوس منزل أبيه، بعد أن سفك دم أمه، هذا الدم الذي أحياه؟ من ~~أي معبد عام يستطيع أن يقترب؟ وأي جماعة تسمح له أن يشاركها في التقرب ~~إلى الآلهة؟ # أبلون ~~: # اسمعوا لما سأقول واعرفوا ما فيه من حق. ليست المرأة خالقة ابنها، وإنما ~~هي تغذو الحبة تبذر في أحشائها. # إن الأب هو الذي يخلق، أما المرأة فإنما تقبل الثمرة كأنها مؤتمن غريب، ~~وهي تحتفظ بها إن رضي بذلك الآلهة. فأما دليل ما أزعم، فهو أن الرجل يستطيع ~~أن يكون أبا من غير أن تكون هناك صلة بينه وبين امرأة، وآية هذا ابنة إله ~~ألمبوس، هذه التي لم تنشأ في ظلمة الرحم. وأي إلهة كانت تستطيع أن تأتي ~~بولد يدانيها كمالا؟ أي بلاس، لأبذلن ما استطعت من قوة في تعظيم شعبك ~~ومدينتك. لقد بعثت إلى معبدك هذا الضارع المستجير ليكون أبد الدهر لمدينتك ~~صديقا وفيا. أيتها الآلهة، اتخذي منه ومن ذريته حلفاء مخلصين ... ليكن هذا ~~الاتحاد أبديا ولتعرف حقه الأجيال ms091 المقبلة. # أثينا ~~: # حسب الخصمين كلاما. ليعط كل قاض صوته بما يوحي به إليه العدل. # الجوقة ~~: # لقد استخدمت كل ما أملك من سلاح، فلننظر ما عاقبة المعركة. # أثينا ~~: # كيف أستطيع هنا أن أبرأ من كل لوم؟ # الجوقة ~~: # يا معشر الأثينيين، لقد سمعتم كل شيء، فارعوا أيمانكم حين تقضون. ~~(ثم تأمر أثينا أن يكون هذا المجلس الذي أنشأته خالدا في ~~أثينا، يعدل في عقاب المجرمين. ثم تدعو إلى أن يعطي كل صوته، عادلا ~~منصفا.) # الجوقة ~~: # احذروا أن تخالفوا أمر آلهة الجحيم، هذه نصيحتي لكم. # أبلون ~~: # أما أنا فآمركم أن تجلوا وحي ذوس وأبلون وألا تجعلوه عبثا. ~~(ثم يشتد الحوار بين الجوقة وأبلون، كل ينذر صاحبه حتى تعلن ~~الجوقة أنها تنتظر الحكم؛ فإن لم يرضها فويل للأثينيين من غضبها.) ~~(فتعلن أثينا أنها لا تحفل بهذا الوعيد وأنها ترى براءة ~~أورستيس فإذا استوت أصوات القضاة رجحت صوت مبرئيه؛ ذلك لأنها ليس لها أم، فهي ~~تؤثر إكرام الآباء ولا تحفل بالأمهات.) ~~(وتأمر بعد الأصوات، فتتساوى ويبرأ أورستيس، فيعلن شكره ~~للآلهة وشعبها وأن الحرب والعداء لن يسودا بين أثينا وأرجوس، ثم ينصرف.) ~~(فيطول الحوار بين الجوقة وبين أثينا، تألم الجوقة وتنذر، ~~فتتلطف لها أثينا وترغبها، فلا تزداد إلا سخطا. هنالك تنصح لها أثينا أن تعدل ~~عما أزمعت من الكيد للأثينيين، على أن تقام لها معابد الإجلال والكرامة ~~فترضى. ويتغنى النساء مجد أثينا واسترضاء آلهة الانتقام.) # | حياة سوفوكليس # 1 # ليست الصورة الأدبية التي حفظها التاريخ لسوفوكليس بمباينة كل المباينة، ولا بموافقة ~~كل الموافقة، لما قدمنا من صورة أيسكولوس؛ فبين الرجلين من التشابه في بعض الصفات ما ~~يخيل إليك أن ليس بينهما من فرق، وبينهما من التباعد ما يخيل إليك أن ليس بينهما من ~~صلة. وحياة الرجلين والظروف الخاصة التي أحاطت بهما هي مصدر هذا الاختلاف والاتفاق ~~الشديدين كما سيظهر لك بعد حين. # ولد سوفوكليس بن سوفيلوس في قرية «كولونا» بالقرب من أثينا سنة سبع أو خمس وتسعين ~~وأربعمائة قبل المسيح. ولسنا نعرف من حياته الأولى شيئا كثيرا، ms092 ولكن إلمامنا بما كان ~~يسلك الأثينيون إلى تربية أبنائهم في هذا العصر من طريق، ونصوصا قليلة حفظها التاريخ ~~يدلنا بعض الدلالة على نشأة سوفوكليس، وقد روى مؤرخوه أنه كان حسن الصورة جميل الخلق ~~رشيق الحركة خفيفها ظريفها متأنقا في كل شيء، وتدلنا آثاره الأدبية على أنه قد جمع إلى ~~هذه الصفات رجاحة العقل وشدة التؤدة والرزانة، وشيئا غير قليل من الاحتفاظ بالعادات ~~الموروثة والآثار الدينية، فكان محبا للآلهة يجلهم ويتقيهم وينزلهم من نفسة ~~منزلة ملؤها الكرامة، فإذا أردنا أن نعرف مصدر هذه الحياة التي التأمت فيها هذه الصفات ~~المتباينة والخصال المتناقضة عرفنا أن سوفوكليس قد خضع منذ طفولته لمؤثرين ~~مختلفين كل الاختلاف: الأول حياة القرى، والثاني حياة المدينة؛ فقد ولد في «كولونا» ~~وهي قرية كان لها ما لغيرها من قرى أتيكا في هذا العصر من التمسك بالقديم والحرص على ~~العادات الموروثة وعدم الكلف بالحياة اللينة والعيش السهل، فنشأ في أول أمره نشأة قروية ~~خشنة بعض الخشونة، ولكنه لم يلبث أن انتقل إلى المدينة فتأثر بما فيها من لين العيش ~~ونعومته ومن خفض الحياة وسهولتها ولا سيما في هذا الوقت الذي كانت قد وصلت فيه أثينا ~~إلى شيء من الرقي المادي والمعنوي لم تعهده من قبل. # فهذان النوعان المختلفان من حياة القرية والمدينة تعاونا على أن يكسباه جسما ~~قويا متين البنية ولكنه رشيق الحركة، وعقلا راجحا ولكنه مع ذلك سريع التنقل إلى ~~الموضوعات المختلفة، لا يكاد يلم بموضوع حتى يأخذ منه خلاصته كالنحلة تنتقل في ~~الرياض من زهرة إلى زهرة فتجتني رحيقها عذبا سائغا؛ ومن هنا جمع سوفوكليس في حياته ~~المادية بين القوة والرشاقة، وفي حياته المعنوية بين الجد والفكاهة، فأصبح أحسن مثال ~~لهذه الأرستقراطية الأدبية التي عاشت في أثينا إبان القرن الخامس قبل المسيح، فصورت ~~الحياة اليونانية صورة خاصة عرفت في اصطلاح العلماء والأدباء باسم التأتك أو ~~الحياة الأتيكية. # هذه الحياة الأتيكية هي المثل الأعلى لحياة الأمة اليونانية في كل شيء، نقول لحياة ~~الأمة اليونانية؛ لأنها لم تقتصر على أهل ms093 أتيكا بل تجاوزتهم إلى غيرهم من يونان أوروبا ~~وآسيا وأفريقيا، ونقول إنها كانت المثل الأعلى للحياة اليونانية في كل شيء؛ لأنها لم ~~تتناول لونا واحدا من ألوان الحياة، بل تناولت الحياة في جميع فروعها، سواء في ذلك ~~الفلسفة والسياسة والعلم والأدب والفن والاجتماع، فقد كانت أتيكا في القرن الخامس ~~مركزا ينبعث منه الضوء فيشرق على جميع أجزاء العالم اليوناني، ومعملا - إن صحت هذه ~~العبارة - تأخذ فيه نتائج العقل والشعور اليونانيين صورها الحقيقة. فما كان يظهر في ~~جزء من أجزاء البلاد اليونانية عالم أو فيلسوف أو أديب إلا أحس الحاجة إلى أن يرحل إلى ~~أثينا، ليعرض بضاعته على أهلها وينال رضاهم وإعجابهم، وما هي إلا أن ينزل هذه المدينة ~~حتى يتأثر بها ويصطبغ بصبغتها ويصبح أثيني العقل والشعور واللغة، بل أثينيا في زيه ~~ونظام حياته الخاصة، ولعل أصح تعبير عن هذه الاستحالة التي تناله إنما هو التعبير ~~اليوناني؛ فقد كانوا يقولون أتك فلان أي اتخذ ما لبلاد أتيكا من عادة ونظام. # تأثر أيسكولوس بما كان لدميتير في أولوزيس من أثر ديني، فنشأ ورعا ديانا كما قدمنا. ~~أما سوفوكليس فلم تكن القرية التي ولد فيها من شدة التمسك بالدين والحرص على ~~الاحتفاظ به بمكان أولوزيس، ولكنها لم تكن من التهاون به والإعراض عنه بمكان المدن ~~المتحضرة، فنشأ سوفوكليس مقتصدا في دينه، لا معرضا عنه، ولا مسرفا فيه، وسنرى أثر ~~ذلك في حياته الشعرية. # كان أيسكولوس سليل أسرة أرستقراطية تكره الديمقراطية وتنفر منها وإن لم تجهد في ~~ممانعتها وإشهار الحرب عليها. فتأثر بما لهذه الأسرة من عقيدة وخطة سياسيتين، ولم نعرف ~~أنه عني بالأمور السياسية أو اشترك في أعمال الجمهورية ذات الخطر. أما سوفوكليس فلم ~~يكن أرستقراطيا ولم يكن من سفلة الناس، وإنما نشأ في أسرة من أسر هذه الطبقات الوسطى ~~التي تقوم بين الأرستقراطية والدهماء مقام الصلة، فتجمع إليها ما لهاتين الطبقتين من ~~فضيلة؛ لذلك لم يكن سوفوكليس متشددا ولا متعصبا لرأي سياسي إنما كان معتدلا في ~~السياسة، ليس بالديمقراطي المسرف ولا ms094 بالأرستقراطي المتعنت. ولئن كان فنه قد استأثر ~~بأكثر وقته فذلك لم يمنعه من أن يبذل فضل ذكائه وحياته العملية للجمهورية؛ فقد انتخب ~~مرتين «ستراتيجوس» أي قائدا من قواد الجيش فقبل الانتخاب ولم يسخط عليه مواطنوه. لم ~~يكن سوفوكليس ذا مطامع سياسية ولكنه لم يكن يهمل السياسة كل الإهمال، ولقد فشل الجيش ~~الأثيني في حملته على سقليا فشلا منكرا حمل الأثينيين على أن يحاولوا تغيير نظامهم ~~السياسي، فانتخب سوفوكليس عضوا في الجماعة التي وكل إليها هذا التغيير، ولكنه لم ~~يلبث أن استقال حين رأى ميل هذه الجماعة إلى الاستبداد بالحكم دون الشعب؛ فهذا يبين لنا ~~مقدار ما كان عليه من توسط في الرأي وبعد عن الإسراف والإفراط. # كان أيسكولوس من هذه الجماعة الأتيكية التي كانت تشهد استحالة أتيكا ساخطة غير راضية، ~~والتي كانت معجبة كل الإعجاب بالقديم قاصدة كل القصد في الرضى عن الحديث، والتي حاربت ~~الفرس فقهرتهم، وكانت تود بعد ذلك لو أعاد لها هذا الانتصار ما كان لها من عزة ~~وسلطان، ولكنها لم تظفر بما كانت تريد فظلت هادئة تتربص الفرص وتتريث مترقبة حوادث ~~الأيام. أما سوفوكليس فقد نشأ إبان هذه الاستحالة فلم يتأثر تأثرا شديدا بآراء ~~شيوخ أتيكا ومحافظيها، وإنما كان شابا يملأه مجد أمته إعجابا وفخرا فيضيف هذا كله ~~إلى هذه الحياة الجديدة التي تناولت كل شيء فغيرته وبدلته ودانت ما بينه وبين الكمال. ~~أتراه بعد انتصار أثينا في «سلامين» شابا لم يتجاوز السابعة عشرة قد رأس طائفة من ~~الشباب يتغنون ويوقعون في حفل أقامه الأثينيون شكرا للآلهة على ما منحوهم من فوز، ~~فهو يتيه ويختال ويظهر من براعته في التوقيع، ورشاقته في الحركة، ومن حسن زيه ~~وجمال منظره ما ينبئ بمكانته في الحياة الأثينية بعد حين، أترى بعد ذلك أنه يمكن أن ~~يميل عن نصر هذا الحديث الذي ملأ شبابه كبرا وإعجابا، والذي استبقى له في شيخوخته من ~~الذكرى ما لم يكن لينساه. # لم نعرف كيف نشأ أيسكولوس؛ لأن نظم التربية في القرن السادس ليست بالواضحة ms095 ولا ~~الجلية، ولكنا نعرف أن سوفوكليس لم يكد يتجاوز سن الطفولة حتى روى الشعر القصصي ~~والغنائي وتعرف ما فيهما من جمال، وحتى اختلف إلى أساتذة الموسيقى فأحسن الأخذ عنهم، ~~وأظهر براعته الفنية أكثر من مرة وأنه تردد إلى أماكن الألعاب الرياضية واشترك فيها، ~~فأكسبته من قوة الجسم وجمال الخلق ورشاقة الحركة ما أشرنا إليه آنفا. فهو إذن مدين ~~بحياته المعنوية للأدب والموسيقى وبحياته المادية للألعاب الرياضية. لم يختلف سوفوكليس ~~إلى دروس الفلاسفة ولم يعن بحل المعضلات الفلسفية، ومع ذلك فقد كان فيلسوفا؛ أي إنه ~~يفهم الحياة الإنسانية فهما خاصا معقولا لاءم فيه بين إرادة الإنسان وإرادة القضاء، ~~ولكن هذه الفلسفة ليس لها مصدر إلا الذوق الذي اكتسبه من درس الشعر القديم، وإلا تجربته ~~الشخصية التي كانت تجد من الحياة العامة والخاصة في أثينا حينئذ موضوعا حسنا للبحث ~~والتمرين. هناك شيء لا بد من الإشارة إليه إذا أردنا أن نستقصي المؤثرات التي عملت في ~~تكوين الآثار التمثيلية لسوفوكليس، هو هذه الجماعة الأثينية التي عاشرها الشاعر في جميع ~~أطوار حياته منذ بلغ رشده، ولم يظفر بمعاشرتها أيسكولوس إلا بعد أن تقدمت سنه. كانت ~~هذه الجماعة تمثل أرقى طبقة مفكرة في العالم اليوناني، بل في العالم كله حينئذ، ~~وماذا ترى في جماعة كانت تتألف من سيمون وبيركليس وهيرودوت وفيدياس وألكمين وغيرهم من ~~زعماء السياسة والأدب والفن. أولئك الذين ازدانت بهم أثينا وبلغت بهم أقصى ما قدر ~~لها أن تبلغ من مجد ورقي في كل شيء. كانت هذه الجماعة محبة للحياة كلفة ~~بلذاتها تستمع بها غير مسرفة ولا مغرقة. وكان أحب شيء إليها أن تجتمع إلى الطعام ~~والشراب متجاذبة أعذب الحديث وأطيبه، متنقلة من جد إلى هزل متحاورة متناظرة في أطرف ~~الموضوعات وأظرفها، وفي أشدها للنفوس استهواء وأحسنها في القلوب موقعا، فما أشد تأثير ~~هذه الاجتماعات في ترقية الحوار وتهذيبه وجعله من الرقة والدقة بحيث يلائم هذه ~~العقول التي كانت تفهم فتسرع في الفهم، وتتعمق فيه، وتعبر عما تريد فتنتقي أشد ~~العبارات دلالة عليه، ms096 مجتزئة في كثير من الأحيان بالإيماء والإشارة، محملة للجملة ~~الصغيرة أكبر المعاني وأدقها، متفننة في ذلك التفنن كله! # كل هذا تراه واضحا جليا فيما اشتملت عليه قصص سوفوكليس من حوار أو جدال. أضف إلى ~~هذا أن مدينة أثينا في القرن الخامس كانت ملتقى الوفود اليونانية من كل أوب، وأن ~~جماعتها السياسية والقضائية كانت تدرس أجل الموضوعات خطرا مقلبة إياها على ~~جميع وجوهها يتناظر فيها الخطباء وزعماء القول لا يريدون إظهار مهارتهم أو الإعجاب بما ~~كان لهم من قدرة أو تفوق، إنما يريدون المنفعة والإصلاح. فكانت هذه الحركة ~~البرلمانية والقضائية من أشد الأشياء تأثيرا في تحسين المنطق وترقيته من جهة وفي أخذ ~~الخطباء والمحاورين بالقصد والأناة فيما يقولون ويفكرون من جهة أخرى. وأضف إلى هذا وذاك ~~أن العين لم تكن تقع من أثينا إلا على ما يملؤها جمالا وبهجة، فكما أن الخطباء ~~والفلاسفة كانوا يتسابقون إلى الإجادة والاستئثار بنفوس الجمهور، وكما أن القواد ~~وزعماء السياسة كانوا يتنافسون في رفع شأن المدينة وبسط سلطانها، فقد كان زعماء الفن ~~الجميل يبذلون أقصى ما يملكون من جهد في تزيين المدينة وتجميلها والملائمة بين منظرها ~~المادي وجلالها الأدبي والسياسي. فاستحالت المدينة إلى معرض من معارض الفن الجميل لا ~~تخطو فيها خطوة إلا رأيت بناء فخما أو تمثالا جميلا، وكانت أثينا في ذلك الوقت غنية ~~موسرة وزعماؤها أجوادا لا يبخلون بفضل مالهم بل بصميم مالهم على تشجيع المهرة من ~~الفنيين، فقام في هذا العصر «البرتينون» وغيره من المعابد ذات الصوت الطائر وصنع فيه ~~هذا التمثال المشهور، تمثال أثينا أقامه «فيدياس» من الذهب والعاج إلى غير ذلك مما ~~لسنا في حاجة إلى ذكره الآن. # فإذا كان الشاعر من ذكاء القلب ورقة الطبع ونفاذ البصيرة بمكان «سوفوكليس» ثم عاش ~~في عصر كهذا العصر لا تسمع الأذن فيه إلا جميلا ولا تقع العين فيه إلا على جميل، ولا ~~تستشعر النفس فيه إلا مجدا وعظمة وإلا رفعة وفخارا، فليس من شك في أنه بالغ من ~~النبوغ في شعره والوصول بفنه ms097 من الكمال درجة رفيعة إلى حيث بلغ سوفوكليس. # يذكر المؤرخون أن سوفوكليس كان هين الأخلاق حسن العشرة لطيف الحديث، متحببا إلى ~~الناس متألفا لهم، وأنه لم يكن يبخل على نفسه بشيء من اللهو والدعابة؛ فقد كان يرى ~~أن يستمتع بما في الحياة من لذة وأن يأخذ ما أعطته الأيام من طيبة من غير أن ~~يسترسل في ذلك فيفسد نفسه ويضيع وقته. # على أن هذه الحياة لم تخل من سحابة هم غشيتها فنغصت صفوها بعض التنغيص، ~~وعملت في تكوين الرجل وتكميل خلقه. فمثل الحياة تملؤها اللذة لا يشوبها ألم، والفرح لا ~~يعترضه حزن مثل الطعام لا ملح فيه، تعافه النفس وتنفر منه. # لم يكتف سوفوكليس بالحياة المنزلية المشروعة، فمع أنه كان زوجا ناصحا وأبا ~~شفيقا، كلف بامرأة من «سيكيون» وعاشرها فكان له منها ابن سماه «أرستون» وكان لأرستون ~~هذا ابن هو سوفوكليس الشاب، مثل قصة لجده بعد موته. # بين هذا الولد غير المشروع وإخوته، كانت خطوب وإحن تألم لها الشاعر، ويقال ~~إنها وقفته بين أيدي القضاة، ومهما يكن من شيء فإن ما امتلأت به حياة سوفوكليس من ~~لذة وألم، ومن خير وشر، لم تشغله عن فنه ولم تمنعه من إتقانه والإجادة فيه، فيروي ~~المؤرخون أنه كان يقدم إلى المسابقة أربع قصص في كل سنتين. بدأ في ذلك قبل أن يتجاوز ~~الثامنة والعشرين فانتصر على أيسكولوس سنة ثمان وستين وأربعمائة، ويقول الرواة إنه ~~انتصر عشرين مرة؛ أي إن ثمانين قصة من قصصه قد راقت الجمهور. ويقولون إنه لم ينهزم ~~قط فكان إما سابقا أو لاحقا، فأما الصف الثالث فلم يعرف مرارة الانحطاط إليه. ظل ~~كذلك لا يبطره الانتصاره ولا توئسه الهزيمة ولا تناله الغيرة إذا تفوق عليه أحد من ~~خصومه إلى أن مات سنة خمس وأربعمائة من غير أن يفارق وطنه إلا جادا في خدمته؛ فقد ~~طلب إليه كثير من طغاة المدن اليونانية أن يرحل إليه فأبى ذلك لأنه كان يحب أثينا، ولأن ~~أثينا كانت تحبه. فأما حبه إياها فكل ما قدمناه ms098 يدل عليه دلالة واضحة، وأما حبها ~~إياه فحسبك دليلا عليه أنه لم يكد يفارق هوى الحياة حتى اتخذت له المدينة معبدا ~~وعبدته، وقدمت إليه الضحايا والقربان في كل سنة، كما كان يفعل اليونان بأبطالهم. # فلننظر الآن إلى آثاره الأدبية لنرى ما بينها وبين هذه الحياة من صلة. # 2 # كان التمثيل قد بلغ من الرقي درجة عظيمة كما قدمنا قبل أن يحاوله سوفوكليس؛ فقد ~~رأينا كيف نشأ وكيف منحه «تسبيس» صورته الأولى، وكيف أكمل أيسكولوس هذه الصورة، ورأينا ~~معظم ما اخترع أيسكولوس في التراجيديا من اختراعات مادية أو معنوية وصلت بها من ~~الرقي إلى حيث نراها فيما ترجمنا ولخصنا من آثار هذا الشاعر. إذن فقد وجد سوفوكليس ~~أمامه طريقا ممهدا وخططا مرسومة لم يكن له أن يتجاوزها أو يعدل عنها، فلم ينفق من ~~نبوغه شيئا كثيرا في هذه المعدات التي ليس منها بد ليوجد فن من الفنون، والتي ~~تحرم صاحبها في كثير من الأحيان لذة الاستمتاع بآثاره والشعور بأن الناس يضيفون إليه ~~ما اشتملت عليه من جمال. فمهما أتقن البناء ووضع الأساس وأقام الدعائم لقصر ضخم بديع؛ ~~فإن إعجاب الجمهور منصرف عنه إلى هذا الذي أتم بناءه ومنحه من الزينة والتحسين ما يملأ ~~النفوس بهجة والقلوب روعة. # لم ينفق سوفوكليس شيئا من نبوغه في وضع أساس التمثيل وإقامة دعائمه، وإنما أنفقه ~~كله في ترقيته وتحسينه، وسلك به طريق الاستحالة والانتقال من طور إلى طور، ومع ~~هذا فقد أبى مؤرخوه إلا أن يضيفوا إليه اختراعات أساسية لا شك في أن حظ الإسراف منها ~~كثير. # فقد زعموا أنه أول من عدل عن الرباعية المتصلة، فقدم إلى المسابقة رباعية منفصلة، ~~وفي الحق أنا لا نعرف لسوفوكليس رباعية متصلة كما نعرف لأيسكولوس، ولكن مما لا شك ~~فيه أنه ليس مبتدع الرباعية المنفصلة؛ فقد سبقه إليها أيسكولوس كما قدمنا، وإنما رأى ~~سوفوكليس أمامه طريقين من طرق التمثيل، طريق الوصل بين القصص والفصل بينها فآثر أن يسلك ~~أيسرهما وهي الثانية، وأحسن كل الإحسان لأنه حرر الفن من ms099 قيود كانت تقف الشاعر ~~مواقف لا تخلو من حرج كثير. # وزعموا أنه أول من جعل عدد الممثلين ثلاثة، وكان أيسكولوس قد جعله اثنين، ولا شك في ~~أن هذا أيضا متكلف مبالغ فيه؛ فقد رأينا أن أيسكولوس قد قسم غير قصة بين ثلاثة من ~~الممثلين، وإنما عدل سوفوكليس كل العدول عن القصة الثنائية التي لا يلعبها إلا اثنان. ~~وكان أيسكولوس يشعر بشيء من الضيق والوحشة في تقسيم قصته بين الممثلين الثلاثة، أما ~~سوفوكليس فقد أحسن الانتفاع بهذه البدعة واستخدمها في ترقية الحوار ووضع أشخاص القصة ~~مواضع ثابتة رحبة ليست بالضيقة ولا بالمضطربة، فاستطاع كل شخص من أشخاص القصة أن ~~يحسن الإعراب عما في نفسه، وأن يجلي أخلاق البطل واضحة لا يشوبها الغموض ولا يحول ~~بينها وبين الوضوح الشديد ضيق المقام. # وزعموا وربما كان هذا حقا أنه زاد عدد الجوقة، فجعل أعضاءها خمسة عشر وقد كانوا ~~اثني عشر. وأنه مع ذلك قد جعل خطرها في التراجيديا غير جليل فأصبحت التراجيديا أقرب إلى ~~التمثيل منها إلى الغناء. ولكنا قد قدمنا أن طبيعة الفن كانت تستلزم هذه ~~الاستحالة، وأن عمل الجوقة أخذ يقل ويتضاءل شيئا فشيئا منذ أيام تسبيس، ورأينا ~~هذه الاستحالة ظاهرة في قصص أيسكولوس؛ فالمستجيرات وهي أقدم ما بقي لنا من آثاره توشك ~~ألا تكون إلا غناء، والفرس وهي أحدث منها يعظم فيها حظ الغناء ولكن حظ التمثيل ~~فيها غير قليل، ثم ما يزال التمثيل ينمو والغناء يتضاءل، حتى إذا نشأ سوفوكليس وجد هذا ~~القانون قد أصبح لا سبيل إلى تغييره فأحسن الأخذ به والاستفادة منه كما سنرى. # يظهر أن ليس من شك في أن سوفوكليس قد أحدث في التمثيل شيئا ماديا لم يكن ~~مألوفا من قبل، ولكنه كان شديد الإفادة؛ لأنه أعان الجمهور على الفهم وقارب بين ~~التمثيل وبين الحقيقة الواقعة، وهو أنه صور على الحائط الذي كان يقوم دون المسرح كل ~~ما كانت تشتمل عليه القصة من منظر. فهذه هي الاختراعات التي تنسب إلى سوفوكليس، وسواء ~~أصحت هذه النسبة أم ms100 لم تصح فلا شك في أن سوفوكليس قد كان أمهر في استعمال هذه البدع من ~~أيسكولوس وأنه قد أحسن الانتفاع بها في ترقية التمثيل. # 3 # على أن نبوغ سوفوكليس لم يظهر أثره في هذه الترقية المادية للتمثيل، وإنما يظهر ~~واضحا جليا في ترقيته المعنوية؛ فليس من سبيل إلى الشك في أن سوفوكليس قد غير ~~معنى التراجيديا وغايتها تغييرا باعد ما بينها وبين الصورة التي كانت في نفس ~~أيسكولوس. # وأول ما نشهده من ذلك هو الفرق بين القاعدة التي اتخذها سوفوكليس والتي اتخذها ~~أيسكولوس للتمثيل. فبينما كان أيسكولوس يرمي دائما إلى تمثيل ضعف الإنسان أمام قوة ~~الآلهة أو قوة القضاء، وبينما كان يحاول أن يظهر إرادة الإنسان ضئيلة واهنة سيئة النظر ~~في المستقبل يملكها الغرور فيحملها على ممانعة القوة القاهرة واعتراض الإرادة التي ليس ~~إلى اعتراضها من سبيل، فتفعل ثم لا تلبث أن تلقى جزاء هذا التهور والإسراف اللذين ليس ~~لهما مصدر إلا الغرور، وبينما كان هذا التصور نفسه للحياة الإنسانية يحمله على أن ~~يجعل للآلهة أو للقضاء في القصة مركزا ذا خطر، وأن يجعل مركز الإنسان دونه بحيث تصبح ~~القصة كأن الغرض الحقيقي منها إنما هو تمثيل هذه القوة القاهرة وعبثها بالإنسان، نقول ~~بينما كانت هذه حال أيسكولوس كان سوفوكليس قد اتخذ من الناس والآلهة صورة أخرى، فما ~~كاد يلاحظ هذه الصورة في إنشاء قصصه التمثيلية حتى ظهر الفرق جليا بين الرجلين، ~~وأصبحنا نرى أن كلا منهما إنما يمثل عصرا خاصا، له ما ليس لصاحبه من حياة العقل ~~والشعور. # كان سوفوكليس ابن هذا العصر الحديث الذي رقي فيه العقل اليوناني والشعور اليوناني، ~~وأصبح فيه الإنسان يشعر أشد الشعور بوجوده ويعترف أشد الاعتراف بشخصيته ويود لو ~~أكره كل شيء على أن يعترف بهذه الشخصية ويشعر بذلك الوجود. # نشأ هذا كله عما كان من الاستحالة الاجتماعية والاقتصادية اللتين غيرتا ما كان ~~لليونان من نظام سياسي، وجعلتا الحرية حظا شائعا بين أفراد الشعب جميعا سواء منهم ~~الفقير المعدم والغني المثري، وسواء منهم الشريف ms101 الرفيع والسوقي الوضيع. # فكر كل إنسان وعمل كل إنسان وأحس كل إنسان بأن لتفكيره ثمرة ولعمله نتيجة فعرف أنه ~~شيء يذكر واعتقد أنه موجود لا ينبغي لأحد أن يهمله أو يفكر لوجوده من خطر أو قيمة، ~~ونشأ عن ذلك اعتقاده أن له إرادة حرة تستطيع أن تمانع فتفوز في الممانعة، وأن تنازع ~~فتنتصر في النزاع. # على هذا الأصل الذي هو إلى السياسة أقرب منه إلى الفلسفة قامت قصص سوفوكليس؛ فهو يرى ~~أن الإرادة الإنسانية تملك من الحرية ما يمكنها من العمل، ومن هنا كانت آثاره الفنية ~~اعترافا بالشخصية الإنسانية وتحريرا لها من ربقة القضاء الذي كان قد سيطر على الأمة ~~اليونانية منذ عصورها الأولى، فقد رأينا في حياة أيسكولوس أن الشعر القصصي يدلنا على أن ~~اليونان كانوا يرون الآلهة الخالدين لعبة في يد قوة قاهرة لا مرد لما أمرت به ولا ~~محيد عما قصدت إليه، وهي قوة القضاء وأن ما كان يعتقد الإنسان لنفسه من قوة أو حرية ~~إنما هو غرور باطل وانخداع بظواهر الأشياء، ورأينا أن أيسكولوس لم يجحد هذه القضية بل ~~آمن بها وأصر عليها، ولكنه لطفها بعض التلطيف فمثل الإنسان عاملا بعض العمل، ~~مريدا بعض الإرادة، ولم يحاول التوفيق بين هذه الحرية الإنسانية وبين قوة القضاء؛ ~~لأنه لم يسأل نفسه عن معنى هذه الحرية ولا عن ما يمكنه أن يكون بينها وبين قوة القضاء ~~من توفيق. # أما سوفوكليس فإنه لم يحاول التوفيق أيضا ولم يجرؤ على أن يظهر الإنسان ممانعا ~~للآلهة متفوقا عليهم؛ لأنه لم يكن يعتقد ذلك من جهة، ولأنه لو اجترأ عليه لأسخط ~~الجمهور من جهة أخرى. ولكنه جعل التمثيل إنسانيا؛ أي إن ما تشتمل عليه القصة ~~التمثيلية ليس حربا بين هذه الإرادة الإلهية وبين إرادة الإنسان وإنما هي حرب بين ~~إرادتين إنسانيتين. ومن هنا أصبح مكان الآلهة في قصص سوفوكليس غير ذي خطر؛ فقد كنا ~~نراهم في الشعر القصصي يخالطون الناس ويداخلونهم في كل شيء، ثم رأيناهم في شعر أيسكولوس ~~يشرفون على أعمالهم من ms102 كثب ثم نراهم في شعر سوفوكليس يدبرون الحياة الإنسانية من ~~بعيد. # ليست لذة تمثيل سوفوكليس فيما نرى من عظمة الآلهة وشدة بطشهم وافتنانهم في إرغام ~~الإنسان على أن يذعن له، وإنما هي فيما نشهد من الممانعة الشديدة والحرب العنيفة بين ~~إرادتين إنسانيتين قد أصرت كل منهما على ما عزمت فهي لا تعدل عنه ولا تميل، وما ~~تزالان تتمانعان وتتشادان حتى يبلغ النزاع أقصاه، وهنا يفصل بينهما الآلهة فصلا يظهر ~~ما لهم من قوة وبأس. # انظر إليه في أنتيجونا كيف مثل إرادتها قوية شديدة الحرص على ما صممت عليه من دفن ~~بولينيس لا يصرفها عن ذلك صارف، تلح عليها أختها فتردها ردا عنيفا وتنصح لها ~~الجوقة فلا تحفل بنصحها، وينذرها الملك فتحتقره وتزدريه، ثم يقضي عليها بالموت فتلقى ~~ذلك ثابتة غير مضطربة في رأيها ولا متحولة عنه. وكيف مثل كريون معتزا بسلطان الملك ~~والقانون يريد أن يأمر فيطاع، فقد أزمع ألا يدفن بولينيس وأعلن أن دافنه مقتول، ثم ~~يظهر له أن بولينيس قد دفن وأن بنت أويديبوس هي التي دفنته، وأن أهل المدينة كلهم ~~لهم أنصار وأن ابنه يحبها ويكلف بها ولا يستطيع أن يستمتع بعدها بالحياة فلا يحوله ذلك ~~عما أصدر من أمر. بل انظر إليه يزدري الجوقة حين تنصح له بالقصد ويهين الكاهن حين ~~يعلن إليه أمر الآلهة. كلا الخصمين مصر عنيد وكلاهما يلقى ثمرة إصراره ~~وعناده. # يخيل إلى الجمهور أن الآلهة هم الذين عاقبوا كريون على ما قدم إليهم من إهانة، ولكن ~~المتأمل في القصة يرى أن هذه العقوبة لم تكن إلا نتيجة منطقية لما كان من إصراره ~~وإعراضه عن اللين. يعلن إليه ابنه أنه قاتل نفسه إن قتلت أنتيجونا، فلا يحفل بذلك، ~~ويمضي ابنه يائسا قد أزمع الموت. ثم يندم كريون لأنه لم يسمع لنصيحة الكاهن، فيحاول أن ~~يخلص أنتيجونا ولكن «سبق السيف العذل»، قد ماتت أنتيجونا والتزمها ابنه يعانقها مرة ~~ويقبلها مرة أخرى، ثم يقتل نفسه فيمتزج دمه بدم من أحب، وأبوه شاهد قد ملكه الذهول ms103 ~~وكاد يجن جنونا. حتى إذا عاد إلى القصر وجد الخبر قد سبقه إليه ووجد زوجه قد قتلت ~~نفسها بأسا لموت ابنها، فينوء به الحزن ويتركه سوفوكليس أمامنا متولها أبله لا ~~يعرف ماذا يصنع ولا يدري كيف يقول. # تغيير معنى التراجيديا ووجهتها، غير اللذة التي يشعر بها النظارة أو القارئ. فقد كان ~~الحوار عند أيسكولوس يبهرنا بما اشتمل عليه من جلال وضخامة، أما عند سوفوكليس فهو ~~يخلبنا لدقته ولطف مأخذه. # شعورنا وحده هو الذي كان يتأثر في أكثر الأحيان بحوار أيسكولوس. كنا نحس كأن ~~شيئا ضخما يبهظنا. أما عند سوفوكليس فلم يفقد الشعور شيئا من لذته، وقد أخذ ~~العقل من هذه اللذة بنصيب. ليس من سبيل إلى أن ننكر حين تقرأ سوفوكليس أن الكاتب قد ~~كان يتأثر بحياة هذا العصر الذي أخذت تظهر فيه الفلسفة، ولا سيما فلسفة السوفسطائيين. ~~هذه الفلسفة التي كان قوامها الافتنان في المحاورة والاجتهاد في الأخذ بتلابيب ~~المحاور والتضييق عليه من غير أن يظهر في ذلك تعنت أو تكلف. # يشعر قارئ سوفوكليس بأنه يعيش في عصر سقراط، حوار مرن مقنع دقيق، مع أنه يخيل إليك ~~أن الذين يتجاذبونه لا يجهدون أنفسهم ولا يتعمقون في البحث. كل ما بين سقراط وسوفوكليس ~~من الفرق هو أن سوفوكليس لم يكن يتخذ الفلسفة لحواره موضوعا ولم يكن يتكلف لغة ~~الفلاسفة، إنما كان يتخذ موضوعا لحواره ما للنفس الإنسانية من خلق أو هوى، وكان ~~يتكلم هذه اللغة الذي ألفها الجمهور باختلافه إلى ملاعب التمثيل. # أخذت التراجيديا بفضل سوفوكليس صورة جديدة. فقدت شيئا من هذا الجلال الذي كان يميز ~~قصص أيسكولوس، ولكنها بذلك نفسه قرب ما بينها وبين الناس، واكتسبت شيئا - من الدقة ~~والتلطف في تحليل العواطف والميول - لم يكن لها من قبل. وليس من الغلو القول بأن ~~سوفوكليس هو أول من وضع التمثيل البسوكولوجي. # فلم يقصد إلى إظهار سلطان الآلهة وضعف الإنسان، وإنما أراد قبل كل شيء أن يظهر النفس ~~الإنسانية واضحة جلية إبان ما يعترضها في الحياة من خطوب، فتراها مطمئنة ms104 هادئة، ~~ثم تراها وقد أخذت تضطرب وتجيش، ثم تراها وقد لقيت الخطب ثابتة مزمعة احتماله، وهي ~~في جميع هذه المواطن تحسن الإعراب عما ينبعث فيها من عاطفة، أو يبعثها على العمل من ~~ميل وهوى. # 4 # يمكن أن نقول إن أشخاص سوفوكليس يمثلون عصره، ويمكن أن نقول إنهم لا يمثلونه. ~~فقد تأثر سوفوكليس بشيئين متباينين؛ الأول: الشعر القصصي الذي استعار منه موضوعاته ~~والذي كان يمثل عصر الأبطال، والثاني: هذه الحياة الحديثة، حياة القرن الخامس قبل ~~المسيح. # وقد عمل هذان المؤثران معا في تكوين قصصه. ففي أشخاصه شيء غير قليل من جلال ~~الأبطال، ولكنهم خاضعون لما امتاز به أثيني القرن الخامس من رشاقة الحركة وخفة الروح، ~~وشيء من الهزء والسخرية حتى بأشد الأشياء جلالا وأقربها من الدين منزلة. كأن ~~سوفوكليس قد أراد أن يمثل أبناء عصره منزهين من نقائصهم، تزينهم فضائل الأبطال ~~أو كأنه أراد أن يمثل الأبطال تزينهم خصال عصورهم الأولى من غير أن يبعد ما بينهم وبين ~~الناس. # في أشخاصه قوة وعزة وفيهم صلابة وعنف، ولكنهم مع ذلك يلينون ويضعفون وينالهم الألم ~~والإعياء. # لم يحسن أيسكولوس كما قدمنا تمثيل المرأة؛ لأنه كان لا يميل إلا إلى القوة ولا ~~يعجب إلا بالقوة، ولأن الضعف وما امتاز به النساء من سرعة الحركة والانتقال من طور ~~إلى طور، ومن شدة التأثر بالأشياء لم يكن لينال نفسه القوية الخشنة. أما سوفوكليس ~~فقد كان حضريا مترفا، وكان غزلا يحب المداعبة، وكان قد عاش في عصر لين ويسر، ~~واستمتع من لذات الحياة بشيء غير قليل فبلا أخلاق الناس، ولم يقف في تمثيله ~~عندما رسم الشعر القصصي، وإنما استعان الحياة الواقعة على تصوير أشخاصه. فكانوا إلى ~~الحقيقة أقرب منهم إلى الخيال. # أصرت أنتيجونا على دفن أخيها ورضيت الموت، ولكن ذلك لم يمنعها أن تجزع وأن تبكي ~~شبابها وأن يمتلئ قلبها حسرة لهذا الموت، يتعجلها قبل أن تبلو الحياة وتذوق لذة ~~الزواج. # أزمع أياس قتل نفسه، وعدل عن كل ما قدمت إليه زوجه من نصح واستعطاف، وأرهف السيف ms105 ~~وأثبته في الأرض، ولكن ذلك لم يمنعه أن يذكر وطنه وأمه وأباه، وأن يحيي الشمس ~~والبحر والهواء. # ذلك دأب الشاعر في جميع أشخاصه يصفهم من الفضيلة بما يحتمله النوع الإنساني لا ~~يداني بينهم وبين الآلهة، وقد قدمنا أنه فشل حين أراد أن يمثل هيراقل؛ لأنه حين جعل ~~هيراقل إنسانا كغيره من الناس، أفسد صورته الجميلة التي كان قد صوره بها الشعر ~~القصصي. # هناك أشخاص آخرون يملئونك إعجابا بهم ورضى عنهم، هم الأشخاص الذين ليس لهم في ~~القصة أثر عظيم. لم يتكلف سوفوكليس أن يحليهم بصفات الأبطال وإنما مد يده فتناولهم ~~من حوله وأتى بهم في الملعب؛ فهم يمثلون أبناء أثينا أحسن تمثيل. # انظر إلى هذا الحارس أقبل يخبر كريون بأن بولينيس قد دفن، فهو يسلك إلى ذلك طرقا ~~معوجة كثيرة الثنايا، يريد أن يشوق الملك إلى ما سيقص عليه من غير أن يحرم نفسه ~~شيئا من الهزء به: # مولاي! لا أقول لك إني قد طرت إلى هذا المكان سريع الخطا؛ فإن الخواطر ~~المختلفة التي كانت تملأ نفسي في هذه الطريق قد اضطرتني إلى أن أرجع أدراجي ~~أكثر من مرة. فقد كان قلبي يحدثني مرة قائلا: أيها الشقي! ما بالك تسرع إلى ما ~~ينتظرك من العقاب؟! ومرة أخرى: أيها التعس! ماذا يقف بك؟! لو أن كريون علم هذا ~~النبأ من غيرك فأي عذاب قد قدر لك؟ وأنا في هذا الاضطراب والتردد لم أكن ~~أتقدم إلا بطيئا؛ فإن أقصر الطرق يطيله مثل هذا التردد. وبعد فقد أكرهت نفسي ~~وأقدمت. سأتكلم وإن كنت لا أستطيع أن أشرح لك شيئا؛ فإني قد جئت وأنا واثق أني ~~لن ألقى إلا ما قدره لي القضاء. # كريون ~~: # ما مصدر هذا الاضطراب الذي أراك فيه؟ # الحارس ~~: # سأتكلم عما يتعلق بي، فلست أنا مقترف الذنب، ومن الجور أن أعاقب على ما ~~لا أقترف. # كريون ~~: # إنك لحسن السعي إلى غايتك، وإنك لتحسن الحيطة والاحتراس، ولكن يخيل إلي ~~أنك تحمل إلي نبأ جديدا. # الحارس ~~: # ليس من اليسير أن يسرع المخبر إذا ms106 كان يحمل نبأ سيئا. # كريون ~~: # وبعد، فأدل بما عندك ثم انصرف إذا أديت رسالتك. # الحارس ~~: # لك الطاعة، قد دفنت الجثة، ووريت في التراب، وأقيمت الواجبات ~~العادية، واستخفى من أقامها. # اقرأ ذلك وتعرف صورة الرجل أو الشاب من عامة أثينا في القرن الخامس تجدها مطابقة كل ~~المطابقة لما قرأت. هؤلاء الأشخاص كثيرون في قصص سوفوكليس، ومع أنهم يكسبون هذه القصص ~~فائدة تاريخية فقد كانت لهم فائدة أخرى هي أنهم كانوا ينفسون عن الجمهور ويريحونه وقتا ~~ما من تتبع القصة وما فيها من جد. # فقد رأينا في هذا الفصل الموجز ما بين سوفوكليس وأيكسولوس من وجوه التشابه ~~والافتراق، وكل ما قدمناه ينتهي بنا إلى نتيجة واحدة هي أن الفرق بين الرجلين ليس ~~إلا فرقا بين عصرين مختلفين لأمة واحدة، ثانيهما استمرار لأولهما وإن امتاز منه ~~بخصال خاصة وصفات اقتضتها الاستحالة والانتقال. # 5 # أشرنا إلى أن حياة سوفوكليس كانت خصبة منتجة، فكثرت آثاره التمثيلية، وقد رأينا أنه ~~قد فاز في ثمانين قصة، ويذكر المؤرخون الإسكندريون أن مجموع قصصه تبلغ ثلاثا وعشرين ~~ومئة قصة، ويرى المحدثون أن ليس في هذا شيء من المبالغة كثير. ومهما يكن من شيء ~~فلم يبق لنا من آثاره إلا قصص سبع أقدمها أياس، مثل فيها الشاعر قتل أياس نفسه، بعد ~~ما أصابه من الجنون الذي مثل له قطعان الغنم والبقر كأنها جيش اليونان فأنحى عليها ~~ضربا بالسيف. وهذه القصة على قدم عهدها، وعلى أنها تمثل الشاعر مبتدئا لم يتوثق من ~~الفن ولم تثبت قدمه فيه، تشتمل على آيات من البلاغة خليقة بالإعجاب. # ثم مثل «أنتيجونا» وهي ما كان من دفن أنتيجونا لأخيها بولينيس برغم أمر الملك وما كان ~~من القضاء عليها أن تدفن حية، وليس من شك في أنه قد تأثر فيها بأيسكولوس ~~ولكنه فاقه في تصوير عواطف المرأة والتقريب بينها وبين الحقيقة. # ذلك شأنه في «إلكترا» التي تمثل ما كان من انتقام أورستيس لأبيه وقتله أمه ~~كلوتيمنسترا، ولكن الشخص الأول في هذه القصة إنما هو إلكترا؛ لأنها هي ms107 التي كانت تشهد ~~فجور أمها وانتصار قاتل أبيها، فتألم لذلك ويشتد حرصها على الانتقام. # وأعظم قصص سوفوكليس حظا من الجمال إنما هي «أويديبوس ملكا» وقد قدمنا تلخيص موضوعه ~~في مقدمة «السبعة يهاجمون طيبة». # وأشدها ضعفا هي «التراكينيات» مثل فيها غيرة ديجانيرا؛ لأن زوجها هيراقل أحب ~~غيرها، وإهداءها إليه ثوبا مسموما لبسه فمات بعد ألم شديد. # ثم مثل «فيلوكتيتيس» وهو بطل من أبطال الإلياس. كان يملك سهام هيراقل فأصابه سهم منها ~~في ساقه وعجز اليونان عن مداواته، فتركوه في جزيرة مقفرة، ثم يحتاجون إليه فيحتالون ~~في رده إلى معسكرهم أمام تروادة. # وآخر قصة من قصصه هي «أويديبسوس في كولونا» لعبها الممثلون بعد موته، وهي تمثل ~~أويديبسوس بائسا يعيش من المسألة، بالقرب من أثينا، وما كان من تضييف هذه المدينة ~~له. # ولنأخذ الآن في تلخيص قصصه وترجمة ما نختاره منها، فذلك أوضح طريق تنتهي بنا إلى ما ~~كان له من نبوغ. # | أياس # كان أياس بن تيلامون ملك سلامين بطلا من أبطال اليونان أمام تروادة، حارب فأحسن البلاء ~~وظفر على الترواديين في مشاهد عظيمة، وحمى اليونانيين جميعا بعد أن انهزم زعماؤهم ~~وأبطالهم، فما زال يدافع عنهم حتى أقبل أخيل فرد أعداءهم منهزمين. فلما كان مقتل أخيل ~~جعل اليونان سلاحه جائزة لأعظم أبطالهم شأنا وأجلهم خطرا ففاز بها أوديسيوس، وغضب لذلك ~~أياس، فذهب عقله وأنحى بسيفه على ما كان في حظائر اليونان من ماشية، فلما عاد إليه صوابه ~~استخزى لما فعل فقتل نفسه، وقد رويت هذه الأسطورة في قصيدة قصصية أنشئت تكملة ~~للإلياس واسمها الإلياس الصغيرة. # الأشخاص # أياس. # أثينا. # أوديسيوس. # توكروس: # أخو أياس. # تكمسا: # زوج أياس. # مينيلاووس. # أجاممنون. # رسول. # الجوقة: # تتألف من أهل سلامين. # تقع القصة في معسكر اليونان بإزاء تروادة أمام خيمة أياس. # الفصل الأول # أوديسيوس واقف بإزاء خيمة أياس كأنه يرقبه ويبحث عما أحدث من عمل، فتظهر له ~~الإلهة أثينا وتنبئه بأنها عالمة بما هو فيه، وأن أياس قد كان يريد اغتيال رؤساء الجيش ~~فحالت هي بينه وبين ذلك بأن سلبته عقله ms108 وخيلت له الماشية كأنها ملوك اليونان وأبطالهم، ~~فأعمل فيها السيف وقاد طائفة منها إلى خيمته فهو يعذبها ضربا بالسوط. ثم تأمر أوديسيوس ~~أن ينتظر غير خائف ولا وجل؛ لأنها مظهرة له أياس أبله مجنونا، وتدعوه فيظهر ~~ويعلن أنه قتل جماعة اليونان وقاد بعضهم إلى العذاب، وأنه لم يقتل أوديسيوس وإنما ~~شده إلى أحد أعمدة الخيمة ليمزق جسمه بالسياط، ثم يعود إلى خيمته. # المنظر الأول ~~(أثينا وأوديسيوس) # أثينا ~~: # أي أوديسيوس، أرأيت إلى أي حد تبلغ قوة الآلهة، وأي رجل بين اليونان كان ~~يستطيع أن يدبر الأمر على خير مما دبرته؟ وأي رجل كان يستطيع ان ينفذ ~~الأمر في إبانه؟ # أوديسيوس ~~: # وا لهفتاه! ما عرفت هذا الرجل قط، إن أياس لعدوي ولكني آسى لشقائه، ~~وأحزن لما أصابه من ذل. وإني حين أرى آخرته لأفكر في آخرتي، فأرى أنا ~~جميعا أثناء هذه الحياة لسنا إلا أشباحا وظلالا باطلة. # أثينا ~~: # إذن فلتملأ قلوبكم هذه الحقيقة، ولتحذروا أن تهينوا الآلهة بألفاظ ملؤها ~~الكبر والغطرسة، وأن يأخذكم الإعجاب والتيه لما يهبكم الحظ من قوة ~~وثروة. إن يوما واحدا ليكفي ليهدم الآلهة ويقيموا ما عمل الناس. إن ~~الفضيلة لترضي الآلهة وإن الفجور ليملؤهم سخطا. ~~(ثم تتغنى الجوقة ما شاع من أمر أياس، وأن ذلك قد ساء أثره ~~في جيش اليونان، وتدعو أياس إلى أن يظهر فينفي هذا الزور ويقطع ألسنة ~~المرجفين.) # الفصل الثاني # تأتي تكمسا فتقص على الجوقة ما قدمنا من جنون أياس، وما كان من قتله الماشية، فتثق ~~الجوقة بأن الخبر صحيح وتشفق من سخط اليونان، وتود لو استطاعت أن تنجو إلى وطنها ~~لتأمن شرهم، ثم تخبرها تكمسا بأن أياس قد استرد رشده، فتهدأ وتطمئن، ولكنها تجزع حين ~~تعلم أن أثر الندم في نفس البطل شديد، وأنه يضمر أمرا منكرا، وإنهم لفي ذلك إذ ~~يسمع صوت أياس متولها يدعو ابنه وأخاه. # المنظر الأول ~~(أياس - تكمسا - الجوقة) # أياس ~~: # أيها الأصدقاء الأعزاء، الذين صحبوني فيما أبليت من بلاء، ووفوا ~~لمودتي، انظروا إلى هذه الأمواج من الدم تحيط بي ms109 وتحصرني من كل ~~وجه. # الجوقة ~~: # ويحك! أيتها الأميرة ما أنبأتنا إلا بالحق، إن كل ما نراه ليثبت لنا ~~جنونه. # أياس ~~: # أي هؤلاء الذين أحسنوا إعمال المقاذيف واعانوني على كل ما حاولت، ما أرى ~~غيركم قادرا على معونتي. اضربوا واسلبوني الحياة. # الجوقة ~~: # قف، واكفف عن هذه الألفاظ يملؤها الشر، لا تضف شقاء إلى شقاء، ولا ~~تبلغ بسوء حالنا أقصاه. # أياس ~~: # أترون إلى هذا المقاتل الجريء الكريم حسن البلاء في الموقعة، ألم يثبت ~~شجاعته وشدة بأسه حين أعمل سيفه في تلك الماشية البريئة! لأي احتقار ولأي ~~سخرية مهينة قد عرض نفسه منذ اليوم ؟ # تكمسا ~~: # أيها الزوج العزيز، أي أياس، إني لضارعة إليك في أن تكف عن هذا ~~الحديث؟ # أياس ~~: # اهربوا، دعوا هذا المكان ... آه! يا للآلهة! آه! آه! # الجوقة ~~: # إني لأعزم عليك باسم الآلهة ألا تبلغ بك الصلابة أقصاها وأن تعود إلى ~~رشدك. # أياس ~~: # إني لشقي؟ لقد أعملت هذا السيف الخائن، فأظهرت قوة ذراعيه في البقر ~~والكباش، وسفكت دما يزري بي أبد الدهر. # الجوقة ~~: # لم يملأك اليأس على شيء مضى؟ ليس من سبيل إلى استدراك ما فات. # أياس ~~: # أي هذا الذي ليس يخفى على مكره شيء، أي مصدر كل شقاء، أي عار الجيش أي ~~ابن لاهرتيس، بأي ضحك مهين تعلن فرحك! # الجوقة ~~: # إن الآلهة وحدهم هم الذين يتصرفون في ضحكنا وبكائنا. # أياس ~~: # ما له لا يعرض لي في هذه الحال التي أنا فيها! أقسم ... # الجوقة ~~: # دع هذا النذير يملؤه الكبر، ألا ترى إلى ما أنت فيه من شقاء؟! # أياس ~~: # أي أبا أجدادي، أي ذوس، وددت لو هلكت بعد أن نحرت هذا الخائن ونحرت معه ~~أبناء أتريوس! # تكمسا ~~: # إذا كنت تتمنى هلاكك فتمن هلاكي أيضا. فهل من سبيل إلى أن أحيى ~~بعدك؟ # أياس ~~: # أيتها الظلمة الحالكة التي هي ضوئي، أي ظلمة الجحيم، استقبلي ساكنا ~~جديدا، استقبليني. لقد أصبحت منذ اليوم غير أهل لأن أرى الناس والآلهة، ~~لقد أصبحت حياتي غير نافعة. إن هذه الآلهة المخوفة ابنة ذوس لتتبعني ~~بسخطها، وإن غضبها لينوء بي. ms110 أين أهرب؟ أين أستخفي؟ أين أستقر؟ وقد ذهب ~~مجدي كما تذهب حياة الحيوانات الدنيئة، وقد أصبحت ضحية تضاف إلى هذه ~~الضحايا التي ضحى بها الجنون، وقد تأهب جيش اليونان لينقض علي ~~بأسره. ~~(ثم يطول الحوار بينه وبين الجوقة وتكمسا، تريدان أن ~~تحولا بينه وبين الموت ويأبى إلا أن يفارق الحياة، فيوصي بأن يطلب إلى أخيه ~~توكروس حماية زوجه وابنه وردهما إلى وطنه.) # الجوقة ~~: # إني لأضطرب لهذا الشعور العنيف، وإن هذه الألفاظ يملؤها الخطر لتملأ ~~قلبي فزعا. # تكمسا ~~: # أيها العزيز أياس، أي مولاي، على أي عمل ذي خطر أنت مقدم. # أياس ~~: # لا تحاولي أن تتعرفيه، لا تسأليني إن الصمت لفضيلة. # تكمسا ~~: # يا لليأس، إني لأعزم عليك بحق الآلهة وبحق ابنك ألا تتركنا. # أياس ~~: # إن صلواتك علي لثقيلة، ألا تعلمين أني أصبحت غير مدين للآلهة ~~بشيء؟ # تكمسا ~~: # دع هذا الحديث المهلك. # أياس ~~: # لن أسمع لشيء. # تكمسا ~~: # ماذا! ألا أستطيع أن أمس قلبك! # أياس ~~: # لقد أسرفت. # تكمسا ~~: # انظر إلى ما يملأ قلبي من خوف أيها الزوج العزيز. # أياس ~~: # نحوها عني. # تكمسا ~~: # باسم الآلهة دع قلبك يلن. # أياس ~~: # أبلغت إذن من الحمق أن تمني نفسك بتغيير خلقي؟ ~~(ثم تتغنى الجوقة سوء حالها وسوء حال أياس، وما سيصيب أباه ~~من الحزن حين يصل إليه هذا النبأ السيئ، وإنها لكذلك إذ يأتي أياس ومعه زوجه ~~فيعلن أنه قد عدل عن رأيه، وأنه لن يقتل نفسه ولن يصر على خلاف أجاممنون، وأنه ~~ذاهب إلى البحر ليستحم وباحث عن عزلة يستريح فيها ويخفي فيها سيفه الذي أهداه ~~إليه هكتور فكان مصدر شقائه ومحنته. ويطلب إلى الجوقة أن تكلف أخاه توكروس ~~العناية به وبها مشيرا بذلك من طرف خفي لي أنه لا يذهب ليستحم، وإنما يذهب ~~ليبحث عن الموت. ولكن الجوقة لا تفهم، فتتغنى ما نالها من سرور وبهجة، ويخيل ~~إليها أن قد منحها الفرح أجنحة فهي توشك أن تطير وترقص داعية «بان وأبلون» ~~ليعيناها على ذلك ويشاركاها فيه.) # الفصل الثالث # يأتي رسول من قبل توكروس ينبئ بأنه قد ms111 عاد من غارة كان يشنها على العدو، وأنه أرسله ~~ليمسك أخاه في خيمته، فقد أعلن الكاهن كلكاس أن أياس إن خرج اليوم من خيمته فهو قاتل ~~نفسه، وتأمر تكمسا الجوقة أن تتفرق فيذهب بعضها إلى الشرق، وبعضها إلى الغرب باحثا عن ~~أياس، وتعلن أنها ذاهبة من جهة أخرى ويتفرقون. # الفصل الرابع # المنظر الأول # أياس ~~(وحده) ~~: # إذا لم أكن قد أخطأت فإن هذا السيف القاطع قد رق حداه وأصبح لا ~~يصيب إلا قتل. يا لك من هدية مهلكة أهداها إلي هكتور هذا التروادي الذي ~~كنت أختصه من بين أعدائنا بأشد المقت والبغض . هذا هو سيفه المحتوم قد ~~أرهفت حديه، وغرزته في أرض تروادة. لقد أثبته في الأرض، فهو الآن ~~قادر على أن يمنحني من غير عناء هذا الموت السريع الذي أطلبه وأرغب فيه. ~~لقد فعلت كل ما كنت أستطيع أن أفعل، أما الآن فإن عليك يا ذوس أن تتم ~~ما بقي وأن تمنحني معونتك. لا أطلب إليك شيئا ذا خطر، أوصل إلى توكروس هذا ~~النبأ المحزن، نبأ موتي، وليكن هو أول من يأتي ليواري جسم صديق قد ألقى ~~بنفسه على سيفه الدامي. ليحذر كل الحذر أن يسبقه إلى هذا الجسم أحد الأعداء ~~فيطرحه طعمة للكلاب وسباع الطير. أي ذوس، هذي هي صلاتي، ولكني إنما أضرع ~~إلى هرميس هذا الذي يقود الموتى في دار الجحيم، ألا يكاد هذا السيف يخترق ~~جسمي حتى يمهد لي إلى الجحيم مهبطا سهلا هينا! إنما أدعو هؤلاء العذارى ~~المعينات لا تغمض أعينهن عن البائسين، ادعو آلهة الانتقام القاسيات ~~المسرعات لينظرن إلى هذا الموت الذي ألقاه في شقاء وسوء حال، بيد ابني ~~أتريوس. لعلهن ينلن هذين الرجلين الشريرين بسخطهن فيعدلن بين إثمهما ~~وما يلقيان من عقاب! # إنهن ليريدني أسلب نفسي الحياة بيدي، فلعل هذين الرجلين يسلكان هذه ~~الطريق التي أسلكها، فيمزق كل منهما صدره ويجود بنفسه أمام أعز الناس عليه ~~وأحبهم إليه. أقبلن إذن أيتها الآلهة المنتقمة، أسرعن لا تبقين على شيء، ~~سلطن غضبكن على هذا الجيش كله. ms112 وأنت أيتها الشمس تقود عجلتها على قبة ~~السماء، إذا بلغت مسقط رأسي حيث رأيت الضوء لأول مرة فأمسكي لجامك الذهبي، ~~وألقي إلى أبي الذي قد أثقلته السن وإلى أمي التعسة ما لقيت من بؤس وما ~~ادخر القضاء. يا لها من شقية! بأي أنين سيمتلئ بيتها حين يبلغها هذا ~~النبأ! ولكن ماذا أصنع؟ لندع هذا البكاء لا يجدي شيئا ولنسرع إلى إتمام ما ~~بدأنا. يا للموت! يا للموت! أقبل الآن، زرني! لأساكننك هنا ولأحادثنك ~~عما قليل. أيها الضوء اللامع، ضوء النهار، أيها النور المشرق، أيتها الشمس، ~~إني لأراك، إني لأناجيك لآخر مرة ! أيتها الأسوار المقدسة، أسوار سلامين ~~وطني، أيتها المنازل العزيزة، منازل أجدادي، أيتها المدينة الكريمة مدينة ~~أثينا، أيها الأصدقاء الذين قاسموني الغذاء، أيتها العيون والأنهار والحقول ~~تحيط بتروادة، إليكم أهدي التحية. أي هذان اللذان منحاني الحياة، في ذمة ~~الآلهة: هذه آخر كلمة يوجهها إليكما أياس، فلن ينطق بعدها في دار ~~الجحيم. ~~(ثم يقتل نفسه.) ~~••• ~~(ثم يقبل نصف الجوقة من جهة ونصفها من جهة أخرى آسفا لما ~~لقي من عناء من غير أن يستكشف شيئا. وتقبل تكمسا فترى زوجها صريعا فتصيح ~~وتجيبها الجوقة، وتبكيان أياس وتعولان لسوء حالهما. ويأتي توكروس فيتفجع ويتوجع ~~ناعيا أخاه متخونا إياه ساخطا على هذا السيف الذي أهداه هكتور إلى أياس ~~فأهدى إليه به الموت، كما أن أياس أهدى إلى هكتور حمالة واتخذها أخيل آلة ~~لتعذيبه شده بها إلى عجلته، وأخذه يجره جريحا حتى مات، وإنه ليألم ويشكو إذ ~~يقبل مينيلاووس.) # المنظر الخامس ~~(مينيلاووس - توكروس - الجوقة) # مينيلاووس ~~: # إليك أسوق الحديث، دع هذا الجسم ولا تقدم إليه كرامة ما. # توكروس ~~: # ومن ذا الذي ألهمك هذا الحديث الباطل؟ # مينيلاووس ~~: # ألهمتني إياه إرادتي وإرادة زعيم الجيش. # توكروس ~~: # أليس يمكنني أن أعرف لهذا مصدرا. # مينيلاووس ~~: # لقد كنا نخدع أنفسنا بأنا قد اصطحبنا إلى هذا المكان صديقا يدافع عن ~~اليونان ويحمي حوزتهم، فلم نجد فيه إلا عدوا أشد علينا خطرا من أهل ~~تروادة، عدوا قد أقسم ليهلكن الجيش كله ودب إليه يوقع ms113 به في ~~ظلمة الليل وينحره تهدئة لغضبه، ولولا أن أحد الآلهة قد أخمد سخطه ~~للقينا هذا الحتف الذي لقيه الآن؛ إذن لهلكنا جميعا ولتمتع هو بالحياة. ~~ولكن إلها قد حول عنا ضرباته وأصاب بها القطعان والرعاة. فليس هنا من ~~رجل مهما بلغت قوته يستطيع أن يمنحه القبر بعد هذه الجريمة المنكرة، ~~ليظلن جسمه طريحا بالساحل نهبا لطير هذه البحار. فكفكف إذن من هذا ~~الكبر، تظهره وتباهي به، فلئن عجزنا عن أن نخضعه حيا فنحن الآن قادرون ~~على أن نحتكم فيه ميتا. ولتكرهنك أيدينا على أن تنزل لنا عنه. ما أذكر أنه ~~أذعن في حياته لأمر وجهته إليه، وكذلك خلق الأشرار، يأبون الطاعة لمن ~~له عليهم السلطان وعلو المكانة. وكيف تضمن سلطة القوانين وسيطرتها إذا ~~لم يحملها الخوف؟ وكيف تحسن قيادة الجيش إذا لم يكن زعيمه موضع المهابة ~~والإجلال؟ كل امرئ مهما نبه شأنه وعزت مكانته يجب أن يعرف أن أقل ~~هفوة يهفوها ربما أهلكته. تعلم أن لا أمن لمن قادته الرهبة والإجلال. تعلم ~~أن دولة يستطيع كل امرئ فيها أن يعلن كبرياءه وصلفه من غير أن يخشى عقوبة، ~~هاوية من رفعتها لا محالة. فلتحتفظ إذن بشيء من الخوف ليس منه بد ~~لسلامتنا وعافية الدولة. ولا يمن أحد نفسه بأن يذل ويسعد ظالما من غير أن ~~يلقى جزاء هذا الظلم من ألم وعذاب؛ فإن الجريمة والعقوبة متوازنتان ~~دائما، كلتاهما تعدل الأخرى. لقد كان أياس عنيفا تياها، فقد آن لي ~~الآن أن أتكبر، وإني لأحظر عليك أن تتخذ له قبرا مخافة أن تهوي أنت إلى ~~قبرك. # الجوقة ~~: # أي مينيلاووس! إنك لتضع قواعد ملؤها الحكمة، فلا تكن فاجرا ولا تجحد ~~حقوق الموتى. # توكروس ~~: # يا أهل سلامين، لن يدهشني منذ اليوم أن أرى رجلا خاملا ليس بالنبيل ولا ~~بذي النسب يخطئ أو يسقط في الإسراف، حين أرى الآن من يزعمون لأنفسهم ~~النبالة والشرف ينطقون بمثل هذا الحديث. ولكن لنبدأ حيث بدأت، تزعم أنك ~~إنما قدت هذا البطل ليكون مدافعا عن اليونان! ألم يكن إذن ms114 مالكا لأمره ~~حين أبحر معكم؟ وكيف تزعم لنفسك السلطان على جيش قد جمعه من بلاده؟ لقد ~~أقبلت إلى هذا المكان وأنت ملك سبرتا لا ملكنا. وما كان لك من الحق عليه ~~شيء كما أنه لم يكن له عليك من الحق شيء. إنك لتطيع زعيما، وإن لك لطائفة ~~من الجيش تذعن لأمرك، وما أرى أن الجيش كله خاضع لك، وما أرى أن أياس ~~مدين لك بالطاعة، فأعلن سلطانك على الذين يعترفون به، أعلنه فيما شئت من ~~عبارة وقحة، فأما أياس فمهما أبرقت وأرعدت، ومهما شاركك في ذلك من زعماء ~~الجيش؛ فأنا أعلم كيف أواريه وكيف أقوم له بالواجب الديني، لا أخشى وعيدا ~~ولا نذيرا، فما حمل السلاح لينتقم لزوجك كغيره من مأجوريكم وإنما اصطلى ~~نار الحرب ليبر بيمين كان قد حلفها. ما عمل شيئا من أجلك، لقد كان يعتقد ~~أن الناس ليسوا بذوي خطر، والآن فأسرع إلى القائد وإلى أبطاله فادعهم ~~فمهما كنت ومهما فعلت فلن تظفر مني بشيء. # مينيلاووس ~~: # ما أشد بغضي لهذه الجرأة الشديدة، تخالطها هذه الدناءة الشديدة. # توكروس ~~: # ربما ظهرت الصراحة مظهر الإهانة، وإن كان العدل يعينها ويؤيدها. # مينيلاووس ~~: # إن هذا لكبر عظيم لا يحسن بمن لا يجيد الحرب إلا بالقوس. # توكروس ~~: # ليست إجادة الرمي فنا دنيئا. # مينيلاووس ~~: # إلى أي حد تصل بك الغطرسة لو أحسنت حمل الدرقة. # توكروس ~~: # إني لأستطيع على خفة سلاحي أن أثبت لك وإن ثقل سلاحك. # مينيلاووس ~~: # إن لسانك ليحسن التعبير عما يملأ قلبك من كبرياء. # توكروس ~~: # لنا أن نكبر إذا كان العدل لنا نصيرا. # مينيلاووس ~~: # أمن العدل أن ينتصر قاتلي. # توكروس ~~: # قاتلك! إن هذا لعجيب. أنت ميت ومع ذلك فما زلت حيا. # مينيلاووس ~~: # لقد حفظ حياتي أحد الآلهة حين كدت أقضي بيد أياس. # توكروس ~~: # حسن! فاشكر ذلك للآلهة الذين أنت مدين لهم بالحياة. # مينيلاووس ~~: # وكيف أستطيع أن أزدري قوانين الآلهة الخالدين. # توكروس ~~: # حين تعترض دون القيام بواجب الموتى. # مينيلاووس ~~: # لقد كان هؤلاء الموتى أعدائي، فمن الحق علي أن أحول بينهم وبين ~~التكريم. # توكروس ms115 ~~: # ومتى كان أياس عدوا لك؟ # مينيلاووس ~~: # كان يضمر لي من البغض ما يعدل حقدي عليه، إنك لتعلم ذلك. # توكروس ~~: # لقد علم الناس جميعا أنك اختلست فوزه. # مينيلاووس ~~: # ذلك خطأ القضاة، لا خطئي. # توكروس ~~: # إن هناك لخيانات أخرى تستطيع أن تقوم بها سرا. # مينيلاووس ~~: # ربما كلفت هذه الألفاظ بعض الناس ثمنا غاليا. # توكروس ~~: # لئن استلزمت بعض الشر فمن الهين أن يجزي بمثله. # مينيلاووس ~~: # ليس لي إلا كلمة واحدة: احذر أن تواري أياس. # توكروس ~~: # ليس لي إلا جواب واحد: لأوارينه. # مينيلاووس ~~: # لقد رأيت رجلا عضب اللسان، يشجع البحارة على أن يقلعوا أثناء العاصفة ، ~~فما هي إلا أن اشتد قصف الزوبعة حتى خفت صوته. وحتى التف في ثوبه، واستلقى ~~على ظهره، فالبحارة يطئونه بأقدامهم، ذلك شأنك، لغط كثير، وسفه عظيم، وجرأة ~~لا حد لها، ولكن هذا كله سيخمد حين تناله أيسر ريح تبعثها سحابة ~~هينة. # توكروس ~~: # أما أنا فقد رأيت مجنونا يهين جيرانه في آلامهم، فيقول له رجل يشبهني، ~~حظه من الشجاعة قليل كحظي: أيها الرجل، احذر أن تهين الموتى، وإلا فثق أن ~~العقوبة نازلة بك. هذه هي النصيحة كان يهديها إلى هذا الرجل الدنيء الذي ~~تراه عيناي الآن، والذي يخيل إلي أنه ليس إلا إياك. أترى في هذا شيئا من ~~الخفاء؟ # مينيلاووس ~~: # لأمضين؛ فإني أستخزي أن يراني الناس أعاتب باللسان حين أستطيع أن أستخدم ~~القوة. # توكروس ~~: # إمض إذن فأشد من ذلك خزيا أن أسمع لمجنون ينفق وقته في لغو ~~الحديث. ~~(ثم تحث الجوقة توكروس على أن يسرع بمواراة أخيه قبل أن ~~تحول قوة اليونان بينه وبين ذلك، ويأتي ابن أياس وزوجه فيأمرهما توكروس أن ~~يلتزما الجثة، ويأمر الجوقة أن تحرسها حتى يعود، ويمضي باحثا عما لا بد منه ~~لدفن أياس. وتتغنى الجوقة سخطها على الحرب ومن اخترعها، وأسفها على ما تعاني من ~~بعد عن الوطن وفراق لما فيه من لذة.) # الفصل الخامس # يأتي توكروس وأجاممنون فيشتد بينهما حوار كالذي ترجمناه آنفا، ثم يأتي أودسيوس فينصح ~~لأجاممنون أن يسمح بدفن أياس، ويعترف بأنه ms116 بعد أخيل أشجع اليونان وأكرمهم، وأن حرمانه ~~شرف القبر انتهاك لحرمة الآلهة. # أجاممنون ~~: # ماذا! أأنت الذي يعنيه علي! # أودسيوس ~~: # لقد كنت أبغضه حين كنت أستطيع البغض. # أجاممنون ~~: # أليس من الحق عليك أن تهينه ميتا كما أفعل؟ # أودسيوس ~~: # يا أتريوس، لا يغرنك ما لك عليه الآن من فضل غير مشرف. # أجاممنون ~~: # ليس من اليسير على الملوك أن يتبعوا العدل دائما. # أودسيوس ~~: # من اليسير عليهم أن يسمعوا لنصح الأصدقاء. # أجاممنون ~~: # إن من حق الرعية المخلصة أن تطيع ذا السلطان. # أودسيوس ~~: # قف، أليس من الحكم أن تذعن لنصيحة الأصدقاء؟ # أجاممنون ~~: # أتذكر حال هذا الذي تريد أن تكرمه الآن. # أودسيوس ~~: # لقد كان عدوي، ولكنه كان كريما. # أجاممنون ~~: # ماذا تزعم؟ أتزعم إجلال عدو قد مات! # أودسيوس ~~: # إن فضيلته لأشد قوة من بغضي. # أجاممنون ~~: # لقد رأيت رجلا شديد الميل إلى أن يتغير رأيه. # أودسيوس ~~: # إن من الناس من هم أصدقاؤك اليوم وأعداؤك غدا. # أجاممنون ~~: # أتود أن يكون لك مثل هؤلاء الأصدقاء؟ # أودسيوس ~~: # لا أريد أن يكون لي صديق لا يلين. # أجاممنون ~~: # لتكونن سببا في أن ينظر إلينا اليونان نظرهم إلى الجبناء. # أودسيوس ~~: # كلا، بل نظرهم إلى من يؤثر العدل. # أجاممنون ~~: # إذن فأنت تريد أن أدع هذا الجسم يوارى. # أودسيوس ~~: # من غير شك، ما دام يجب أن أهبط أنا إلى القبر. # أجاممنون ~~: # كذلك لا يعمل الإنسان إلا ذاكرا منفعته. # أودسيوس ~~: # وأي منفعة يجب أن أذكر إذا لم أذكر منفعتي أولا؟ # أجاممنون ~~: # سيقولون إن مواراته أثر من آثارك لا من آثاري. # أودسيوس ~~: # لتنالن من الشرف بمقدار عملك. # أجاممنون ~~: # إذن، فثق بأن ليس هناك ما لا تستطيع أن تناله مني. ولكن أياس سيظل لي عدوا ~~في الجحيم كما كان على الأرض. لك أن تفعل ما تريد. ~~(ثم تشكر الجوقة وتوكروس أودسيوس على صنيعه، ويود هذا لو ~~شاركهم في إقامة القبر لأياس ولكن توكروس يأبى مخافة أن يؤذي أخاه، فينصرف أودسيوس ~~ويأخذ توكروس ومن معه في مواراة القتيل.) # | أنتيجونا # الأشخاص # أنتيجونا، اسمينا: # ابنتا أويديبوس # كريون: # ملك طيبة. # أوروديس: # زوج كريون. ms117 # هيمون: # ابن كريون. # تيريزياس: # الكاهن. # رسول. # حارس. # عبد. # الجوقة: # تتالف من شيوخ طيبة. # تقع القصة في طيبة، في مدخل القصر. # الفصل الأول # المنظر الأول ~~(أنتيجونا واسمينا) # أنتيجونا ~~: # أيتها العزيزة اسمينا، أيتها الأخت العزيزة، تعرفين عدد الآلام ومقدار ~~الشقاء الذي أورثناه أويديبوس، والذي أراد ذوس أن ينغص به حياتنا كلها. ~~لقد كان يخيل أن لم يكن من الآلام والمصائب ما يبلغ مبلغ ما لقينا قسوة ~~وخزيا، ولكن أتعلمين أن الملك قد نشر في المدينة كلها أمرا جديدا؟ أسمعت ~~به أم لا تزالين تجهلين المخازي التي يعدها أعداؤنا لمن هم علينا ~~أعزاء؟ # اسمينا ~~: # وا لهفتاه! أيتها العزيزة أنتيجونا لم يصل إلي عن أحبائنا وما أضمر ~~لهم القضاء خبر حسن أو سيئ منذ حرمنا في يوم واحد أخوينا، وقد ~~جادا بنفسهما معا في أثر ضربتين تبادلاهما، ولم أعلم بخير ولا بشر منذ ~~استخفى جيش الأرجيين في ظلمة الليلة البارحة. # أنتيجونا ~~: # لقد كنت أعلم ذلك، ولأجل أن أنبئك النبأ ولأتحدث معك بمعزل عن راء أو ~~سامع دعوتك إلى الخروج من القصر. # اسمينا ~~: # ماذا تريدين أن تنبئيني؟ يخيل إلي أن أمرا ذا بال قد شغلك واستولى ~~عليك. # أنتيجونا ~~: # ماذا؟ ألم يمنح كريون أحد أخوينا ما حرمه على الآخر من شرف القبر؟ لقد ~~وفى بحق العدل والقانون - كما يذيعه أبناء طيبة - فأمر أن يوارى ~~أيثبوكليس في التراب، وأن يؤدى إليه من الواجبات الدينية ما يسر نفوس ~~الموتى، بينما أعلن الأمر ألا يدفن الشقي بولينيس ولا يبكى، وأن يترك - ~~من غير أن يقبر أو تؤدى إليه فروض الدين - نهبا لسباع الطير التي ~~تتأهب لافتراسه. هذا ما أنبئت أن كريون ذا القلب الكريم سيعلنه إليك ~~وإلي أجل إلي أنا. سيأتي هنا ليثبت أمره من يجهله، وهو أمر ليس بذي ~~الخطر القليل؛ فإن من خالفه أو حاول الخروج عليه فهو واثق بأنه سيلقى أقصى ~~أنواع العذاب وسط المدينة وبمشهد من مواطنيه. هذا ما يعدون لك، وعما ~~قريب ستظهرين أنك خليقة بهذا الدم الطاهر الذي منحك نعمة الوجود. # اسمينا ~~: # وا ms118 حسرتاه! إني لشقية تعسة! ماذا عسى أن أوثر بعد أمر كهذا؟ أأذعن له ~~أم أنبو عليه. # أنتيجونا ~~: # روي، أتريدين أن نعمل معا. # اسمينا ~~: # إلى أي خطر تريدين أن تلقي بنفسك، وماذا تديرين في خلدك. # أنتيجونا ~~: # روي، أتعينينني على أن ندفن هذه الجثة. # اسمينا ~~: # أتزعمين مواراة من قد حظر على الناس هنا أن يخصوه برحمة أو ~~إشفاق؟ # أنتيجونا ~~: # أريد أن أواري أخي وأخاك، أجل هو أخوك وإن جحدت ذلك وأنكرته، وكذلك لن ~~يلومني الناس لأني تركته غير مقبور. # اسمينا ~~: # ماذا! أي أنتيجونا التعسة! أتقدمين على ذلك رغم أمر كريون! # أنتيجونا ~~: # أله الحق أن يقطع ما يصل بيني وبين ذوي. # اسمينا ~~: # آه! تدبري أيتها الأخت، إن أبانا وقد أثقله العار والبغض قد قضى أن فقأ ~~عينيه بيده معاقبا نفسه على ما اقترف من إثم حين عرفه، وإنه لم يكد ~~يفعل ذلك حتى استعانت هذه الملكة التي قضى عليها الشقاء المضاعف أن ترى ~~نفسها في وقت واحد أما وزوجا حبلا مشئوما يستنقذها من آلام الحياة، ~~ثم إن أخوين تعسين قد قتل كل منهما صاحبه وقضى عليهما موت واحد في يوم ~~واحد. والآن وقد مكثنا وحيدتين في أسرتنا فانظري أي آخرة سيئة تنتظرنا، ~~إذا اجترأنا خارجتين على القانون أن نخالف أمر السلطان ذي القوة والبأس. ~~فكري في أنه ليس للنساء أن ينصبن الحرب للرجال، وأن الذين يأمرون أشد ~~منا قوة وأن علينا أن نذعن لما يريدون ولو أنه كان أشق علينا وأعظم في ~~نفوسنا أثرا. أما أنا فسأتوسل ما استطعت إلى الموتى أن يغفروا خطيئتي ولئن ~~خنعت للقوة فأنا مطيعة لمن بيدهم السلطان؛ فإن من الخطل أن يعرض الإنسان ~~لما لا يستطيع إنفاذه. # أنتيجونا ~~: # لن ألح عليك بعد، ولئن أردت الآن أن تشاركيني فيما أريد أن أفعل ~~فأنا لهذه الشركة رافضة، افعلي ما تؤثرين. أما أنا فموارية أخي، فإذا أديت ~~هذا الواجب فما أجمل بي أن أموت، ولئن مت فإنما أنا صديقة لحقت بصديقها ~~سأؤدي واجبا عدلا ملؤه التقوى؛ لأن الوقت الذي سأروق فيه ms119 إلى الموتى أطول ~~من الوقت الذي سأروق فيه إلى الأحياء، فسأكون قرينته أبد الدهر، أما أنت ~~فإن شئت فازدري ما يجل الآلهة. # اسمينا ~~: # بعيد ما بيني وبين هذا الازدراء، ولكني أضعف قوة من أن أخرج على ~~الدولة. # أنتيجونا ~~: # اتخذي لك من هذه المعذرة وقاية، بينما أحاول أنا تأدية الواجب، وإقامة ~~القبر لهذا الأخ العزيز. # اسمينا ~~: # لهف نفسي عليك أيتها الأخت الشقية! إن فرائصي لترتعد إشفاقا ~~عليك! # أنتيجونا ~~: # لا تشفقي على حياتي، واجتهدي في المحافظة على حياتك. # اسمينا ~~: # ولكن على أقل تقدير لا تبيحي سرك لأحد، اكتميه على الناس كما ~~سأكتمه أنا أيضا. # أنتيجونا ~~: # كلا، كلا، سارعي إلى إفشائه، إنك لتسيئين إلي بكتمانه أكثر مما ~~تسيئين إلي بإذاعته. # اسمينا ~~: # إنك لتسرفين في العناية بجسم هامد. # أنتيجونا ~~: # ولكني أعلم أن ذلك يروق من أريد أن أرضيهم. # اسمينا ~~: # نعم، إذا استطعت تنفيذ ما تريدين، ولكنك تحاولين محالا. # أنتيجونا ~~: # لا بأس، سأقف حيث تنتهي قواي. # اسمينا ~~: # خير لك أن تبدئي بأن لا تحاولي ما لا تستطعين. # أنتيجونا ~~: # كلما حاولت سلوك هذه الطريق بعثت سخطي عليك واستوجبت من أخيك عداءه ~~العدل. دعيني وما أحاول؛ ألق ما يضمر لي القدر، فليس من المصائب والآلام ~~ما يحول بيني وبين ما أطلب من موت ماجد. # اسمينا ~~: # دونك وما تريدين ما دمت عليه حريصة، ولكن لا تنسي حين تقدمين على هذا ~~الخطل أنك لا تزالين عزيزة على أصدقائك. # المنظر الثاني # الجوقة ~~(وقد دخلت الملعب) ~~: # أي أشعة الشمس النقية، وعين النهار المبصرة، ها أنت تلك تعودين إلى ~~الإشراق يجلوك ضوء شديد البهجة والرواء، على طيبة ذات الأبواب السبعة. ~~تمشين فوق ينابيع ديركا وتحملين على الهرب والفرار في ضجيج وعجيج، هذا ~~الأرجي تحميه درقة لامعة. أدرستوس هذا الذي أقبل في عدد وعدة يحصر ~~أسوارنا. لقد كان يشتعل غيرة وحماسة منتصرا لمزاعم بولينيس، لقد طار ~~يمشي ممزقا الهواء بصراخه كالنسر ينقض على فريسته، وقد بسط جناحيه ~~يجلوهما بياض البرد. يتبعه جمع ضخم من السلاح والخوذ. وقف إلى أسوارنا وقد ~~أحاطت به أسنته ms120 عطاشا إلى دمائنا. لقد كان يخيل إلى من يراه أنه يوشك أن ~~يلتهم أبواب المدينة. ولكنه اختفى قبل أن تنقع دماؤنا غلته، وقبل أن تحيط ~~نيرانه الملتهبة ببروجنا ومعاقلنا؛ لأن أريس صديق الثعبان الذي كان يهاجمه ~~هذا العدو قد ملأ أذنيه بما أحدث من ضوضاء. إن ذوس ليمقت الغطرسة ~~والكبرياء، لقد رأى أمواج الأرجيين تسعى إلينا حثيثة وقد زهاهم صرير ~~أسلحتهم الذهبية. فأرسل على أحدهم صاعقته الملتهبة حين كان يمني نفسه أن ~~يتغنى على أسوارنا نشيد الانتصار. انظر إلى هذا البطل في يده جذوة من النار ~~وقد خر صعقا، هذا الذي كان قد كان منذ حين مقداما شديد الجرأة كأنه ~~الزوبعة القاصفة. ما أسرع ما تغير كل شيء وما أسرع ما ألقى أريس ذو ~~القوة والبطش مقاتلا في ميمنتنا على صفوف أعدائنا ما كانوا قد أعدوا من ~~شر ووبال. # لقد ترك الزعماء السبعة الذين كانوا يحاربون مثلهم من زعماء طيبة لنا ~~أسلحتهم اللامعة، لنرفعها آية مجد وعز إلى ذوس منتصرا، ولم يبق إلا ~~هذان الشقيان منحهما الحياة دم واحد فأمضى كل منهما رمحه في صدر صاحبه، ~~وكان لهما من الموت مورد واحد. ولكن النصر الذي يخلد الأسماء قد زار طيبة ~~فأنزل فيها الفرح والسرور، منزل الحزن والألم. إذن فدعوا عنكم ذكرى الحرب ~~يا معشر أبناء طيبة! ولنذهب إلى معابد الآلهة فنقيلها طوال الليل وليقم دين ~~ذوس بعد أن أمدنا جميعا بنشوته من ألعابنا مقام الرئيس. ولكن هذا ~~كريون بن مينيوكيوس ملكنا الجديد الذي دولته أمورنا نعمة الآلهة، إنه ليقبل ~~وكأنه يدبر في خلده أمرا ذا خطر؛ فإن أمرا منه قد جمعنا الآن ليؤلف منا ~~مجلس شوراه من جماعة الشيوخ. # المنظر الثالث ~~(كريون والجوقة) # كريون ~~: # أيها الشيوخ، لقد أنقذ الآلهة من الغرق هذه المدينة التي كانت تكتنفها ~~زوبعة قاصفة، وقد أردت أن أجمعكم هنا خاصة دون بقية المواطنين؛ لأني أعلم ~~مقدار ما تضمرون وتعلنون من الإجلال لصولجان لايوس، وأعلم أيضا مقدار ما ~~احتفظتم به من الوفاء لأويدبيوس في حياته ولأبنائه من ms121 بعده. أما الآن وقد ~~قضى كل من الغالب والمغلوب على صاحبه فقتل الرجلان وقضي عليهما ~~قضاء واحد فأنا صاحب الملك بحق الوراثة. # ليس من سبيل إلى أن تعرف نفس الرجل وذكاؤه وأخلاقه إذا لم يجلس مجلس ~~الحكم، ولم يوكل إليه تدبير الدولة وحماية قوانينها. أما أنا فأعتقد ~~وقد اعتقدت دائما أن ذلك الرجل الذي يكلف الحكومة وحماية القوانين فلا ~~يقف نفسه على النصح للدولة وتضحية كل شيء في سبيلها، بل يمنعه الخوف من ~~ذلكم، أعتقد أن هذا الرجل شرير ممقوت؛ ولا أستطيع إلا أن أزدري ذلكم الذي ~~يؤثر منفعة الصديق على منفعة الوطن. يشهد علي بذلكم ذوس الذي يحيط بكل ~~شيء، لن أخفي ما يحدق بالمدينة من خطر أو يهدد راحة مواطني، ولن يكون ~~صديقا لي من هو للدولة عدو؛ فإني واثق كل الثقة أن سلامتنا في سلامة ~~الدولة، وأن وجود الأصدقاء ميسور إذا جرت سفينة المدينة آمنة هادئة. # على هذه القاعدة أريد أن أرفع شأن الدولة وأوفر عليها أسباب النعيم، ~~ومن هذه القاعدة نشأ ما أصدرت من الأمر في شأن ابني أوديبوس أريد أن ~~يقبر أيتيوكليس الذي امتاز بالشجاعة والإقدام ووقف بيننا موقف المدافع عن ~~وطنه، وأن تقام له الواجبات الدينية التي تؤدى إلى نفوس عظماء الرجال، ~~أما يولينيس الذي خرج من وطنه طريدا فعاد إليه ومعه جيش من العدو ليدمره ~~ويحرق أسواره وآلهته، وليجعلنا أرقاء، ولينقع غلته من دمائنا؛ فقد ~~أمرت أن لا يدفن ولا يبكى، وأن يكون جسمه بالعراء فريسة للكلاب وسباع ~~الطير، ذلكم ما أريد وما آمر به. فلن تنال الجرائم مني من المكافأة ~~والجزاء ما هو موقوف على الفضيلة، فمن أبلى في خدمة وطنه بلاء حسنا فله ~~مني الشرف وحسن المكافأة حيا وميتا. # الجوقة ~~: # يا ابن مينيوكيوس! ما أحسن ما ادخرت لعدو الدولة وصديقها من جزاء! إنك ~~لتملك تدبير القوانين وإنا على اختلاف طبقاتنا لخاضعون لها أثناء الحياة ~~وبعد الموت. # كريون ~~: # إذن فاحرصوا على تنفيذ ما أمرت به. # الجوقة ~~: # كلف هذا الواجب من هم أشد ms122 منا قوة وأكثر شبابا. # كريون ~~: # قد كلفت من يجب عليهم حراسة جسم بولينيس وهم الآن يقومون ~~بعملهم. # الجوقة ~~: # إذن فماذا تريد منا؟ # كريون ~~: # أن لا ترقوا ولا تلينوا لمن يخرج عن أمري. # الجوقة ~~: # ليس بين الناس من فقد الرشد، إلى حيث يسعى إلى الموت. # كريون ~~: # هذا في الحق جزاء المخالفين، ولكن الأمل يذكيه حب المال كثيرا ما ساق ~~الناس إلى الموت. # المنظر الرابع ~~(كريون - حارس والجوقة) # الحارس ~~: # لا أقول لك إني قد طرت إلى هذا المكان سريع الخطى؛ فإن الخواطر ~~المختلفة التي كانت تملأ نفسي في هذه الطريق قد اضطرتني إلى أن أرجع ~~أدراجي أكثر من مرة. # فقد كان قلبي يحدثني مرة قائلا: أيها الشقي! ما بالك تسرع إلى ما ~~ينتظرك من العقاب؟ ومرة أخرى: أيها التعس! ماذا يقف بك؟ لو أن كريون علم ~~هذا النبأ من غيرك فأي عذاب قد قدر لك؟! وأنا في هذا الاضطراب والتردد لم ~~أكن أتقدم إلا بطيئا؛ فإن أقصر الطرق يطيله مثل هذا التردد، وبعد فقد ~~أكرهت نفسي وأتيت. # سأتكلم وإن كنت لا أستطيع أن أشرح لك شيئا؛ فإني قد جئت وأنا واثق أني ~~لن ألقى إلا ما قدره لي القضاء. # كريون ~~: # ما مصدر هذا الاضطراب الذي أراك فيه. # الحارس ~~: # سأتكلم عما يتعلق بي فلست أنا مقترف الذنب. ومن الجور أن أعاقب على ما ~~لم أقترف. # كريون ~~: # إنك لحسن السعي إلى غايتك، وإنك لتحسن الحيطة والاحتراس، ولكن يخيل ~~لي أنك تحمل إلي نبأ جديدا. # الحارس ~~: # ليس من اليسير أن يسرع المخبر إذا كان يحمل نبأ سيئا. # كريون ~~: # وبعد فأدل بما عندك ثم انصرف إذا أديت رسالتك. # الحارس ~~: # لك الطاعة، قد دفنت الجثة، وووريت في التراب، وأقيمت الواجبات ~~العادية، واستخفى من أقامها. # كريون ~~: # ماذا تقول؟ وأي الناس استطاع أن يجرؤ على هذا؟ # الحارس ~~: # لا أدري، فلم يظهر لنا أن الأرض في هذا المكان قد احتفرت أو عملت فيها ~~الفئوس، لقد كانت كما هي مستوية يابسة. ويخيل إلينا أنها لم تتأثر بمرور ~~عجلة ما. وعلى كل ms123 حال فلم نجد أثرا ما يدل على مقترف الجريمة. لم يكد ~~ينبئنا بذلك الحارس الذي كانت عليه النوبة مطلع الفجر، حتى رأينا فيه ~~معجزة ليس إلى تصورها من سبيل. قد اختفى الجسم ولم يكن مدفونا إنما كان ~~يواريه بعض التراب، كأنما أراد المجرم أن يتقي الخطيئة ليس غير. ولم يكن ~~يظهر من الآثار ما يدل على أن الكلاب الجياع أو السباع المفترسة قد أقبلت ~~تتخذ هذا الجسم نهبا. لم نكد نعلم بذلك حتى أخذ بعضنا يهين الآخر، ~~كل يتهم صاحبه. لقد كنا نقتتل، ولم يكن بيننا من يستطيع أن يمنعنا من ~~ذلك، كلنا كان مجرما، ومع ذلك فليس منا من يظهر أنه مجرم، أو من كان ~~يمكن اتهامه بذلك من غير شك. # لقد كنا جميعا مستعدين لأن نأخذ الحديد الملتهب بين أيدينا، وأن نمشي ~~على النار وأن نقسم بالآلهة أنا لا نعرف من أمر هذه الجريمة شيئا، لم ~~نشعر بإعدادها، ولم نشهد تنفيذها. فلما أيسنا من استكشاف أي شيء عرض أحدنا ~~علينا رأيه جمدت له الدماء في عروقنا هلعا وغضت له أبصارنا، فقد كنا لا ~~نستطيع إنكاره ولا نستطيع تنفيذه من غير أن نتعرض للهلكة. كان هذا الرأي ~~ألا نخفي عليك شيئا وأن نفضي عليك بكل ما جرى. أجمعنا على قبول هذا ~~الرأي، ووقع اختيار الحظ علي أنا الشقي التعس، لأحمل إليك هذا النبأ ~~السعيد. كذلك أجدني هنا الآن على كره مني وعلى كره منك أيضا، فليس مما ~~يبعث على الرضى والاستبشار حمل الأنباء السيئة. # الجوقة ~~: # مولاي! إني لأسأل نفسي حائرا، أليس هذا الأمر عمل الآلهة؟! # كريون ~~(للجوقة) ~~: # دعوا هذا اللغو الذي يثير غضبي، ولا يدل إلا على تقدم سنكم وضعف ~~قواكم العقلية. ومن ذا الذي يستطيع أن يسمعكم تقولون إن الآلهة قد نزلوا ~~إلى العناية بهذا الميت؟ أتظنون إذن أن الآلهة قد حرصوا على أن يشرفوه ~~تشريف الأخيار، فواروه وهو الشقي الآثم الذي جاء ليحرق صورهم ~~وتماثيلهم، ويدمر أرضهم وقوانينهم؟ أرأيتم قط أن الآلهة شرفوا مجرما؟ ~~كلا، كلا ولكن ms124 هذا عمل الساخطين الذين يهزون رءوسهم سرا وينالونني ~~بالذم، والذين لا يذعنون لحكمي إلا كارهين، ولا يضمرون لي إلا ~~العداوة والبغضاء. هؤلاء هم الذين واروا هذا المجرم رغبة في المكافأة، ~~ذلك شيء لأ أشك فيه؛ فإن المال أشد ما اخترعه الإنسان خطرا. المال يدمر ~~المدن ويفني الدول، ويفسد الطبائع الخيرة فيجعلها شريرة آثمة، هو الذي ~~ألهم الناس كل خيانة، وحملهم على كل جور، ولكن الذين باعوا أنفسهم واقترفوا ~~هذا الإثم إنما أعدوا لأنفسهم عذابا أليما عهدهم به غير بعيد. # أجل إذا كان من الحق أني لا أزال أكبر ذوس وأجله فثقوا - وأنا ~~مقسم لكم بهذا - أنكم إذا لم تستكشفوا المجرم ولم تقودوه بين يدي، ~~فالموت وحده لا يكفي لعقابكم. يجب أن تصلحوا ما قدمتم إلي من الإساءة ~~معلقين في الهواء أحياء. # سترون إلى أي حد يجب أن تمتد منافعكم، وإلى أي حد يجب أن ينتهي ~~شرهكم، فقد أرى أن المنفعة غير المشروعة تضيع أكثر الناس. # الحارس ~~: # أيتاح لي أن أتكلم أيضا؟ أم يجب علي أن أعود أدراجي؟ # كريون ~~: # ألم تعلم بعد أن كلامك يؤذيني أشد الإيذاء؟ # الحارس ~~: # أيؤذي كلامي أذنك أم قلبك؟ # كريون ~~: # ماذا! أتسأل أين مقر حزني؟ # الحارس ~~: # قد جرح المجرم قلبك، أما أنا فلم أسئ إلا إلى أذنيك. # كريون ~~: # إنك لراغ ثقيل. # الحارس ~~: # ولكني بريء من الإثم. # كريون ~~: # إنك لتستطيع أن تبذل حياتك في سبيل المال. # الحارس ~~: # إن الظن لإثم عظيم إذا لم يقم على أساس متين. # كريون ~~: # انثر بيننا الآن فرائد الحكم، ولكن ثق بأنكم إذا لم تقودوا لي المجرم ~~فستعلمون أن الربح غير المشروع يستتبع العذاب الشديد. # الحارس ~~: # لعل الآلهة تمكننا من استكشافه! ~~(يكلم ~~نفسه) # ولكن سواء أستكشف أم لم يستكشف - فإن المصادفة وحدها ~~صاحبة الكلمة في ذلك - فلست أخشى أن تراني هنا. لقد نجوت رغم مخاوفي، وما ~~كنت آمل النجاة فلأشكر ذلك للآلهة. # الجوقة ~~: # لقد ملئ العالم بالمعجزات، ولكن لا أشد إعجازا من الإنسان. هو الذي ~~يستعين الهواء القاصف على أن يطير بعد أن اتخذ ms125 للسفن أجنحة فيعبر البحر ~~الملتطم وهو يبيض من حوله. هو الذي يستخدم الخيل والمحراث ليمزق في كل سنة ~~جوف الأرض. هذه الإلهة الجليلة التي لا تعيي ولا ينالها الفساد. هو الإنسان ~~حول يوقع في ثنايا شباكه أنواع الطير الهوج وأنواع الحيوان المفترس، ~~وبنات البحر. يذلل بمهارته أشد سكان الغابات وحشية ويستخدم لسلطانه ~~السوابق ذات الأعراف العراض، وثيرة الجبال تأبى على من يريد تذليلها. تعلم ~~المنطق، وعرف مذاهب الريح، أدرك سلطان القوانين على المدن، عرف كيف يقي ~~مساكنه سهام البرد والرطوبة، سير كل شيء بتجربته، ووجد من الحيل ما ~~يتقي به أحداث الزمان، واستكشف ما يحول بينه وبين أشد العلل قسوة ~~وأعظمها فتكا، الموت وحده هو العلة التي لم يستطع أن يجد عنها محيصا. على ~~أن مهارته وافتنانه في الحيلة لا تطيعان أمله دائما، فهما إن أعانتاه على ~~إدراك الخير فقد توقعانه في الشر. خليق بالشرف والكرامة في وطنه هذا ~~الرجل وحده الذي يجل قوانين بلده وعدل الآلهة المقدس، فمن جرؤ على ~~مخالفتها والخروج عليها فليس من وطنه في شيء. وددت لو لم تجمع بيني وبينه ~~دار، ولم تصل بيني وبينه صلة، ولكن أي معجزة أشهد! كيف أستطيع أن أناقض ~~عيني ولا أعرف أنتيجونا؟ فتاة شقية لأب منكود! ماذا! أأنت الذي خالفت عن ~~أمر الملك! أنت التي جنيت هذه الجناية الحمقاء! أنت التي تقاد! # الفصل الثاني # المنظر الأول ~~(أنتيجونا - الحارس والجوقة) # يبتدأ الفصل الثاني وقد أقبل الحارس يقود أنتيجونا، وجاء كريون فسأله عن أمرها ~~فينبئه الحارس أنها هي التي اقترفت الإثم، وأنها قد اقترفته مرتين؛ فقد كان الحرس ~~قد نبشوا عن جسم بولينيس ما كان يواريه من التراب، فأعادت أنتيجونا مواراته، وأخذت ~~وهي تصب عليه بعض الخمر - كما يقضي به الواجب الديني - فيدور بين كريون وأنتيجونا ~~هذا الحديث: # كريون ~~: # ماذا! أتظلين مطرقة إلى الأرض من غير أن تنكري ما تؤخذين به! # أنتيجونا ~~: # كلا، بل أنا أعترف به وأنا أبعد الناس من إنكاره. # كريون ~~(إلى الحارس) ~~: # انصرف واذهب حيث شئت فلا بأس ms126 عليك ~~(إلى ~~أنتيجونا) # أما أنت فأجيبيني من غير محاولة، أتعلمين أني قد ~~كنت حظرت مواراة بولينيس. # أنتيجونا ~~: # نعم، أعلم ذلك، وهل كان يمكن أن أجهله؟ وقد أعلن إلى الناس ~~كافة؟ # كريون ~~: # وكيف جرؤت على مخالفة هذا الأمر؟ # أنتيجونا ~~: # ذلك لأنه لم يصدر عن ذوس، ولا عن العدل مواطن آلهة الجحيم، ولا عن غيرهما ~~من الآلهة الذين يشرعون للناس قوانينهم، وما أرى أن أوامرك قد بلغت من ~~القوة بحيث تجعل القوانين التي تصدر عن رجل أحق بالطاعة والإذعان، من ~~القوانين التي تصدر عن الآلهة الخالدين، تلك القوانين التي لم تكتب والتي ~~ليس إلى محوها من سبيل. # لم توجد هذه القوانين منذ اليوم، ولا منذ أمس، هي خالدة أبدية وليس من ~~يستطيع أن يعلم متى وجدت. ألم يكن من الحق علي إذن أن أذعن لأمر ~~الآلهة من غير أن أخشى أحدا من الناس؟ قد كنت أعلم أني ميتة، وهل كان يمكن ~~أن أجهل ذلك حتى لو لم تنطق به؟ لئن كان موتي سابقا لأوانه فما أرى في ذلك ~~إلا خيرا. # ومن ذا الذي يعيش من الآلام في مثل هذه الهوة التي أعيش فيها ثم لا يرى ~~الموت سعادة وخيرا، فأنت ترى أني لا أرى هذه الآخرة كأنها عقوبة، ولقد كنت ~~أتعرض لما هو أشد لنفسي إيذاء لو أني تركت بالعراء أخا حملته الأحشاء ~~التي حملتني. # ذلك وحده هو الذي كان يجعلني نهب اليأس والقنوط، أما ما دونه فما كان ~~ليحزنني أو يؤثر في، فإذا قضيت بعد ذلك على ما فعلت بأنه نتيجة جنون، ~~فمثل هذا القضاء لا يصدر إلا عن أحمق مأفون. # الجوقة ~~: # إن أخلاق أوديبوس لتظهر واضحة في هذا الأخلاق شدة لا تعرف اللين وعزة لا ~~ينال منها الشقاء. # كريون ~~(للجوقة) ~~: # ثقوا بأن هذه الأنفس الأنفة سريعة الإنكسار. ألا ترون إلى الحديد على ~~شدته وصلابته كيف تعمل فيه النار فتلينه وتثنيه. أليست أقل شكيمة تكفي ~~لتذليل أشد الجياد إباء وشموسا؟ مثل هذا الكبر لا يحسن بمن كان عبدا ~~لذوي قرابته. قليل ms127 ما فعلت من مخالفة القانون فهي تجرؤ على معارضتي وتضيف ~~إلى هذه الإهانة إهانة أخرى فتعجب بما فعلت. إذن فمن الحق علي أن لا أكون ~~رجلا وأن تكون هي لو أني تركتها تستمتع بما انتحلت من السلطان من غير أن ~~تلقى في ذلك ما هي أهل له من العقاب ... نعم ستلقى ما هي أهل له من العذاب ~~ولو وصلت بينها وبين إلهنا المقدس - ذوس حامي الأسرة - أوثق الصلات، ستلقاه ~~هي وأختها، فلا شك في أن أختها قد قاسمتها ما اقترفت من إثم. فعلي بها. ~~لقد رأيتها منذ حين وإنها لتكاد تفقد الرشد. إن قلبا يدير الجريمة في ~~الخفاء، ينم على نفسه من غير عناء. ما أشد بغضي لهؤلاء الذين يؤخذون وهم ~~يقترفون الإثم فيحاولون تزيينه وتنميقه. # أنتيجونا ~~: # أتتمنى أكثر من موتي. # كريون ~~: # لا! تقر عيني حين أشهد مفارقتك لهذه الحياة. # أنتيجونا ~~: # فما يمنعك من أن تأمر بها، وما ينفعك هذا الكلام الذي لا طائل فيه، والذي ~~يزيد سخطي، كما أن كلامي لا يستطيع أن يرضيك؟ وأي مجد أحب إلي من أني قد ~~واريت أخي؟ وأي مدح لا يهديه إلي السامعون لو لم يعقد ألسنتهم الخوف؟ ألا ~~إن أكبر مزايا الظلم أن يستطيع أن يقول ويفعل ما يريد من غير أن يخشى ~~عقوبة. # كريون ~~: # أتظنين أنك أبعد نظرا من أهل طيبة جميعا؟ # أنتيجونا ~~: # إنهم يرون رأيي، ولكنهم يلتزمون الصمت بين يديك. # كريون ~~: # ألا يخزيك إذن أن تسلكي سبيلا غير التي سلكوها؟ # أنتيجونا ~~: # ليس هناك ما يحمل على الخزي إذا شرف الإنسان من يصل الدم بينهم ~~وبينه. # كريون ~~: # ماذا! أليس أخاك أيضا هذا الذي مات في سبيل وطنه! # أنتيجونا ~~: # هو أخي لأبي وأمي. # كريون ~~: # فأي شرف آثم قدمت إليه؟ # أنتيجونا ~~: # ليست هذه الشهادة هي التي أنتظرها منه. # كريون ~~: # إنك تسوين بينه وبين المجرم. # أنتيجونا ~~: # إن بولينيس أخو أيتيوكليس لا عبده. # كريون ~~: # لقد جاء يدمر وطنه بينما قاتل الآخر للدفاع عنه. # أنتيجونا ~~: # سواء علي ذلك؛ فإن أديس هو الذي يأمرني بتشريفهما جميعا. # كريون ms128 ~~: # ماذا! أيأمرك أديس بالتسوية بين الجريمة والفضيلة؟ # أنتيجونا ~~: # ومن يدري، أيقبل الموتى تمييزك بين الأشياء! # كريون ~~: # إن أعداءنا لن يصبحوا أصدقاءنا بعد الموت؟ # أنتيجونا ~~: # ولدت لأحب لا لأبغض. # كريون ~~: # هذا حسن، اذهبي إلى الجحيم فأحبي من شئت. أما أنا فلن أذعن لسلطان امرأة ~~ما حييت. # الجوقة ~~: # أرى اسمينا الحنون مشفقة على أختها، قد انهمرت دموعها أمام باب القصر، ~~قد ستر عينيها سحاب من الألم فغير وجهها فهو مصبوغ بالدم، تنهل دموعها على ~~خديها الأسيلين. # المنظر الثالث ~~(اسمينا والأشخاص السابقون) # كريون ~~: # أقبلي، أنت التي تزحف كالثعبان محاولة من وراء ستار أن تنقع غلتها بدمي. ~~ما كنت أعلم أني أطعم في بيتي عدوين خطرين على دولتي، أقبلي ~~ونبئيني: أشاطرت أختك دفن بولينيس أم تقسمين أنك لم تعلمي بهذا ~~الأمر. # اسمينا ~~: # هذا الأمر! لقد أخذت بحظي منه ولئن سمحت لي أختي بأن أقول الحق، فعلي ~~أن آخذ نصيبي من الذنب. # أنتيجونا ~~: # العدل يحظره عليك، لقد سألتك المعونة فأبيتها، وقمت بما قمت به ~~منفردة. # اسمينا ~~: # ولكني حين أراك شقية لا أتردد في أن أشاركك في الشقاء. # أنتيجونا ~~: # لقد علم الجحيم وسكانه من قام بهذا العمل، لا أستطيع أن أحب من لا ~~تتجاوز محبته الكلام. # اسمينا ~~: # لا تحرميني أيتها الأخت شرف الموت معك. وإني قد قمت لأفي بالواجب ~~الديني. # أنتيجونا ~~: # إياك أن تموتي معي، وأن تنتحلي لنفسك شرفا لم تأخذي منه بنصيب، موتي ~~وحدي يجب أن يكفي. # اسمينا ~~: # كيف أن أستطيع أن أحب الحياة إذا فرق الدهر بيني وبينك. # أنتيجونا ~~: # اطلبي ذلك إلى كريون؛ فأنت له شديدة الإخلاص! # اسمينا ~~: # لم تؤذينني بهذه السخرية المرة، وما نفعها؟ # أنتيجونا ~~: # لم أسمح لنفسي بذلك إلا راغمة متألمة. # اسمينا ~~: # ماذا عسى أن أفعل الآن لأنفعك؟ # أنتيجونا ~~: # احتفظي بحياتك فلست أحسدك عليها. # اسمينا ~~: # إني لشقية تعسة! ماذا! أليس لي أن أقاسمك ما قدره القضاء. # أنتيجونا ~~: # قد آثرت الحياة وآثرت أنا الموت. # اسمينا ~~: # لقد كنت أنبأتك بهذا كله. # أنتيجونا ~~: # تعجبين بما في كلامك من حكمة وأنا أعجب بما في كلامي من ms129 غناء. # اسمينا ~~: # آه! لقد استوى حظنا من الجريمة. # أنتيجونا ~~: # طيبي نفسا بالحياة، لقد ماتت نفسي منذ أمد بعيد وأصبحت لا تنفع إلا ~~الموتى. # كريون ~~: # لست أخشى أن أقول إن هاتين الأختين لمأفونتان. إحداهما كانته دائما ~~والأخرى قد بدأت تكونه منذ الآن. # الفصل الثالث # المنظر الأول # كانت أنتيجونا خطيبة هيمون بن كريون، فلما علم هيمون بما أصاب خطيبته أقبل إلى ~~أبيه فيتلقاه هذا بشيء من اللطف والبشاشة، وبكثير من النصح يدعوه إلى أن يعدل عن ~~حب أنتيجونا؛ لأنها منذ خالفت القانون قد أصبحت غير أهل لأن تكون زوجا. وترى ~~الجوقة أن الملك قد تكلم فأحسن الكلام، ثم يجيب هيمون أباه فينصح له بالعدول عن ~~قتل أنتيجونا؛ لأن الشعب يرى رأيها وإن كان يخشى أن يجهر بذلك، وترى الجوقة أن ~~هيمون قد أحسن النصيحة أيضا، وتدعو الأب وابنه إلى أن يتفقا وأن يذعن كلاهما لرأي ~~صاحبه إن ظهرت فيه الحكمة. # كريون ~~: # كيف! الآن وقد بلغت هذه السن يجب أن أتلقى دروس الحكمة من هذا الغلام ~~الحدث! # هيمون ~~: # ما شبابي؟ لا تنظر إلى سني، ولكن انظر إلى نصيحتي. # كريون ~~: # بم تنصح لي! بأن أشرف من يخرج عن القانون! # هيمون ~~: # لم أدعك إلى تشريف الأشرار. # كريون ~~: # أليست أنتيجونا أهلا لهذا الوصف؟ # هيمون ~~: # ليس هذا ما يقوله أهل طيبة. # كريون ~~: # ألأهل طيبة أن يملوا علي ما أصدر من أمر؟ # هيمون ~~: # لا تنس أنك بعرشك حديث العهد. # كريون ~~: # وأي الناس غيري يستطيع أن يملك في هذه المدينة؟ # هيمون ~~: # ولكن الدولة لم تخلق لرجل واحد. # كريون ~~: # أليست الدولة لمن يحكم؟ # هيمون ~~: # نعم، هذا حسن، ولكن البلد إذا كان خاليا مقفرا فعلى من تحكم؟ # كريون ~~: # أرى أنه يجاهد في سبيل امرأة. # هيمون ~~: # إن أعجبك هذا الاسم؟ فإني إنما أجاهد في سبيل منفعتك. # كريون ~~: # شقي! أتجرؤ على أن تتهم أباك! # هيمون ~~: # حين أراه يقترف الظلم. # كريون ~~: # أمن الظلم أن أحتفظ بحقي؟ # هيمون ~~: # إن من سوء الاحتفاظ بالحق أن توطأ بالأقدام قوانين الآلهة. # كريون ~~: # أي خائن! يصلح لأن تملكه امرأة! ms130 # هيمون ~~: # لئن تراني على الأقل وقد قهرتني شهوة مخجلة. # كريون ~~: # لا تتكلم إلا دفاعا عنها. # هيمون ~~: # بل دفاعا عنك وعن نفسي وعن آلهة الجحيم. # كريون ~~: # لن أسمح عوض بأن تكون لك زوجا، إنها ستموت. # هيمون ~~: # لئن ماتت، فليتبعن موتها موت آخر. # كريون ~~: # كيف! أتبلغ بك الجرأة أن تهددني؟! # هيمون ~~: # أأهددك حين أحارب فيك عواطف ظالمة؟! # كريون ~~: # سأعلمك أن تكون أشد عدلا في عواطفك وميولك. # هيمون ~~: # لو لم تكن أبي لقلت إن عواطفك تضاد العقل. # كريون ~~: # أيها العبد الدنيء تملكه امرأة، لا تثقل علي بلغطك. # هيمون ~~: # تريد أن تتكلم من غير أن تسمع شيئا. # كريون ~~: # قد يكون ذلك ولكني أقسم بأولمبوس إنك لن تثقل علي بإنكارك من غير أن ~~تلقى في سبيل ذلك ما تستحق من جزاء ~~(إلى ~~حرسه) # لتقد هذه المرأة البغيضة ولتجد بنفسها في أسرع ~~وقت بأعين حبيبها. # هيمون ~~: # لن تجود بنفسها بين يدي، لا تظن ذلك، ولكن عينيك لن ترياني بعد. ~~لأتركنك نهبا لما يملكك من غيظ مع أصدقائك الذين يتملقون لك. ~~(وينصرف هيمون مغضبا حنقا، فتحذر الجوقة كريون عاقبة هذا ~~السخط، ولكن هذا لا يعبأ بالتحذير. ويعلن أنه قد قضى بأن تقبر أنتيجونا حية في ~~غار بعيد عن المدينة حتى لا يقع إثم موتها على طيبة، ثم تتغنى الجوقة بما للحب ~~على الناس والآلهة من سلطان، وتعلن أسفها على ما أعد لأنتيجونا من ~~العذاب.) # المنظر الرابع ~~(الجوقة وأنتيجونا) # أنتيجونا ~~: # أي مواطني! انظروا إلى أنتيجونا تبدأ سفرها الأخير وتلقي على كوكب ~~النهار آخر نظرة من نظراتها، ويلاه لن أرى هذا الكوكب منذ الآن! # إن إله الجحيم الذي يقبر كل شيء سيقودني حية إلى شاطئ الأكرون قبل أن ~~أخضع لقوانين الزواج، وقبل أن أسمع أناشيد الزفاف تغني لي. ويلاه، إنما إلى ~~الأكرون سيكون زفافي. # الجوقة ~~: # أي ثناء وأي مجد ستحملين حين تلجين دار الموتى، أنت التي تهبط إلى ~~دار أديس حية حرة لم تصبها علة مهلكة ولم يقض عليها حد ~~الحسام. # أنتيجونا ~~: # أعلم كيف احتملت ابنة تنتلوس شر ما ms131 قدر لها القضاء، إذا اكتنفتها في ~~أرجاء فريجيا وعلى قمة جبل سبيل صخرة شاهقة تلين من حولها لين اللبلاب. وإن ~~البرد الأبدي فيما يزعمون يتوج رأسها الذي يخيل إلى من رآه أنه ينهل ~~انهلال السيل، وقد تنهمر على وجهها عبرات لن ترقأ. لقد ادخر لي القضاء ~~ما ادخر لها، ولقد أعد لي سرير كسريرها الأبدي. ~~(ثم يستمر الحوار بينها وبين الجوقة فهي تعزيها، وهي تلج ~~في البكاء والعويل ذاكرة أباها وأمها وأخويها وما ألم بهم جميعا من الخطوب، ~~حتى يأتي كريون فيحث الحرس على التعجيل بدفنها حية.) # المنظر الخامس ~~(كريون - أنتيجونا والجوقة) # أنتيجونا ~~: # يا للقبر! يا لسرير العرس! يا لك من منزل تحت الأرض لن أبرحه أبد الدهر، ~~فيك سألقى من استقبلتهم يرسفونني في مقر الموتى من أسرتي، سأهبط إلى الجحيم ~~قبل أن يحل الأجل الذي كتبه لي القضاء، وإني لآخر أسرتي وأشقاها، ولكني ~~أهبط وإني لمملوءة أملا أن يكون محضري مصدر سروري لأبي وقرة عين لك ~~يا أماه! ولك أيها الأخ العزيز أيضا؛ فإن يدي لم تهمل بعد موتك ما كان يجب ~~من عناية بك وسقي لثراك، وتقريب إلى نفسك. فانظر أي بولينيس العزيز! ماذا ~~ألقى من جزاء على القيام بواجبي، ولكن قلوب أصحاب الفضيلة لن تبخل علي ~~بإعجابها بي ورضاها عني. وفي الحق أني لو كنت أما فقدت ولدها، أو كنت ~~زوجا فقدت زوجها، لما فعلت ما فعلت مخالفة إرادة الوطن! ولوجدت من العزاء ~~ما يحول بيني وبين اقتراف هذا الإثم؛ فإن الزوج إذا فقد سهل أن يخلفه ~~غيره، وإن المولود قد يعزي عن المفقود، ولكن إذا استأثر القبر بمن منحنا ~~الحياة فليس من الميسور التعزي عن الإخوان. # لذلك أيها العزيز بولينيس آثرتك على كل شيء، جرؤت على كل شيء، ولم أخش ~~أن أقف من كريون موقف العاصية. ادن إذن، وضمني إليك، تقبل أختك التي ~~تهبط إلى مقر الموتى وحيدة لا صديق لها، لم تبل حلاوة الزواج، ولا حنان ~~الزوج، ولا لذة الأمومة. أي ذنب جنيت إذن على ms132 الآلهة؟ ولكن وا حسرتاه! ~~إني لتعسة شقية، ما ينفعني أن أرفع نظري إلى السماء؟ وأي معونة أستطيع أن ~~أسأل، وقد لقيت على ما قدمت من التقوى جزاء الآثمين؟ لئن رضي الآلهة عن من ~~قضوا علي بهذا العقاب؛ فأنا معترفة بأني مجرمة غافرة لهم ما سألقى من ~~عذاب. ولكن إذا كانوا ظالمين مجرمين، فليصرف الآلهة عنهم كل سوء، وليكن ما ~~أحتمل من ألم مكفرا عن سيئاتهم. # الجوقة ~~(لكريون) ~~: # ما زالت أنتيجونا نهب ما يملأ نفسها من الغضب. # كريون ~~: # ويل للذين يقودونها مع هذا البطء. # أنتيجونا ~~: # ويلتاه! إذن فهذا آخر قضاء علي بالموت . # كريون ~~: # لا تخدعي نفسك بالإفلات منه. # أنتيجونا ~~(يقودها الحرس) ~~: # يا لأسوار طيبة! يا لوطني! يا لآلهة مدينتي! لقد نفذ القضاء إنهم ~~ليقودونني، انظروا إلى ملكتكم وحيدة مخذولة، ماذا يثقلها من إهانة! ومن أي ~~يد ينالها السوء؛ لأنها قامت بما يجب عليها من التقوى! # الفصل الرابع # يأتي برزياس كاهن طيبة فينصح لكريون أن يعدل عن عقاب أنتيجونا، ويحذره سوء العاقبة ~~وينذره بما أنبأته به كهانته من الوبال إن لم يسمع كريون. ولكن هذا يسخر منه ثم ينكر ~~عليه ثم يهدده. فينصرف برزياس مغضبا وقد أنذر وأعذر. # فيتشاور كريون والجوقة، ويقر الرأي على أن يسمع الملك لأمر الكاهن فينصرف كريون ~~ليستنقذ أنتيجونا ولكن «سبق السيف العذل». # الفصل الخامس # المنظر الأول # يقبل رسول فينبئ الجوقة بأن هيمون قد مات وإنه ليقص عليها ذلك إذ تخرج أوروديس ~~زوج كريون من القصر. # المنظر الثاني ~~(أوروديس - الرسول والجوقة) # أوروديس ~~: # أي مواطني، لقد سمعت صوتكم وإني لخارجة من القصر أحمل صلواتي إلى معبد ~~بلاس، أفتح الباب فإذا النبأ السيئ - بأن بعض الشقاء قد ألم بمنزلي - ~~يمس أذني، يملكني الخوف فأسقط بين وصائفي، كأنما أغمي علي. ماذا كنتم ~~تقولون؟ أعيدوه علي. قد احتملت من الآلام ما يجعلني من القوة بحيث أستطيع ~~أن أستمع. # الرسول ~~: # أي سيدتي العزيزة، سأقص عليك ما شهدت غير مخف للحقيقة، وما ينفعني أن ~~أخفف من وقعها، فلئن فعلت فما أسرع ما يظهر كذبي، ms133 إن الحقيقة خالدة. لقد ~~تبعت الملك إلى وسط الحقل، حيث كانت جثة بولينيس نهبا للكلاب. نتقدم ~~بالصلاة إلى برسفونية وأديس، نتوسل إليهما أن يرفعا عنا سخطهما، نصب ~~على بولينيس الماء المقدس، نجمع ما بقي من جثته على بعض الأغصان الحديثة ~~العهد بأصولها، ونستخدم أرض هذا الحقل، لنتخذ له قبرا في شكل الهرم، فلما ~~فرغنا من ذلك مضينا نحو الصخرة التي اتخذ فيها للأميرة سرير العرس ~~يقرنها إلى الموت. # وما هي إلا أن يسمع أحدنا من هذا القبر المهمل صدى أنين يتردد عن بعد، ~~فيقص ذلك على الملك الذي لا يكاد يقترب من القبر حتى يتميز بنفسه صوت هذه ~~الشكاة من غير أن يعرف لها مصدرا. ثم يصرخ صرخة مؤلمة: شقي! أحق ما كنت ~~أتوقع من شر؟! ألست أسعى إلى شر الآلام وأشقها احتمالا؟ لقد سمعت صوت ~~ابني. أسرعوا، طيروا إلى قبر أنتيجونا، ارفعوا الحجر الذي يسده، ادخلوا ~~فوجته، أنبئوني، أأسمع صوت ابني حقا أم خدعني بعض الآلهة. # ننفذ أمر سيدنا الواله، نرى أنتيجونا معلقة في قبة هذا الغار، وقد اتخذت ~~من منطقتها حبلا إدارته حول عنقها. وكان هيمون يضمها بين ذراعيه، باكيا ~~حبه، منكرا قسوة أبيه، ناعيا حبيبته. فيقبل كريون وقد هاله هذا ~~المنظر، فهو يصرخ صراخا مزعجا، ويبعث من صدره أنينا أليما: «ولداه! ~~ماذا تصنع؟ أين تترك عقلك يهيم؟ في أي يأس تسترسل؟ اخرج يا بني، اخرج فأنا ~~الذي يتضرع إليك.» ولكن هيمون يستل سيفه ذا الحدين، وقد ألقى على أبيه نظرة ~~ملؤها الغضب والحنق، من غير أن يجيبه. فيهرب كريون ويتقي ضربته، ثم يحول ~~الشقي غضبه إلى نفسه، فيغمد سيفه في صدره وقد احتفظ بحبه، فهو يضم أنتيجونا ~~بين ذراعيه يتمشى فيهما الفناء، يلقي آخر أنفاسه، ويصبغ بدمه الذي يخرج مع ~~زفراته خدي حبيبته الممتقعين. # وكذلك اجتمع هذان الزوجان في مقر الموتى، قد اضطجع كل منهما إلى جانب ~~صاحبه ليعلما بني الإنسان أن الحمق أشد الرذائل عليهم خطرا. ~~(تنصرف أوروديس من غير أن تنطق بكلمة فتخشى الجوقة والرسول ms134 ~~عاقبة هذا الصمت، ثم يقبل كريون وهو يحمل جثة ابنه، وإنه ليتفجع ويتوجع إذ ~~يقبل من القصر عبد فينبئه بأن زوجه قد قتلت نفسها. وتنتهي القصة بما ينطق به ~~كريون من شكاة وأسى، ومن حزن وألم.) # | إلكترا # الأشخاص # أورستيس: # ابن أجاممنون. # بولاديس. # مربي أورستيس. # إلكترا: # بنت أجاممنون. # كروزوتيميس: # بنت أجاممنون. # كلوتيمنسترا: # زوج أجاممنون. # إيجستوس: # عشيق كلوتيمنسترا. # والجوقة: # مؤلفة من بنات موكينا # تقع القصة أمام قصر الملك في موكينا. # عاد أجاممنون من حرب تروادة ظافرا منتصرا، فأتمرت به زوجه كلوتيمنسترا وعشيقها ~~إيجستوس وقتلاه في حفل أقيم لاستقباله في عقر بيته وأمام النار المقدسة، وتمكنت ابنته ~~إلكترا من إنقاذ أخيها الطفل أورستيس فهرب به مربيه، وما زال يتعهده ويعنى بصباه وشبابه، ~~حتى بلغ أشده وعاد ليثأر لأبيه. # الفصل الأول # المنظر الأول # الفجر بازغ يبعث أضواءه قليلا فيمحو بها ظلمة الليل شيئا فشيئا، وقد أخذ ~~أورستيس وبولاديس ومربيه يدبرون أمرهم بينهم، ويدبرون ما أزمعوا من الانتقام. فيأمر ~~أورستيس مربيه أن يذهب إلى القصر فيخالط أهله، ويداخلهم ويبلو من أمرهم ما هم في ~~حاجة إلى بلائه، بينما يذهب هو وصديقه إلى قبر أبيه فيقدمان إليه الضحية ~~والقربان، ثم يعودان بعد ذلك وقد حملا علبة من النحاس يزعمان أنها تشتمل ما بقي من ~~رماد أورستيس الذي صرع في حفلة سباق، فأحرق جسمه وحملت بقيته إلى أهله، وإنهم ~~ليتأهبون للمضي في ما دبروا إذ تقبل إلكترا ولكنها لا تراهم فيحاول أورستيس ~~أن يقف ليسمع شيئا من حديثها، ولكن مربيه يأبى عليه ذلك، فينصرفون. # المنظر الثاني ~~(إلكترا وحدها) # أي ضوء النهار النقي، أيها الفضاء الواسع من الهواء يحيط بالأرض، كم سمعتماني ~~أبعث الصراخ المحزن، والعويل المؤلم، وأضرب بيدي صدري الدامي حين تنجلي ظلمة الليل! ~~وكم رآني سريري ترويه دموعي أثناء الليل في هذا المنزل النكد أبكي ما أعد القضاء ~~لهذا الأب الشقي الذي أعفاه أريس هذا الإله السفاح في ميدان القتال، وغالته أمي ~~يعينها عشيقها إيجستوس، فقضت عليه بفأس دام كما ينحي الحاطب في الغابة على شجرة ms135 ~~البلوط! أنا وحدي يا أبتاه في هذا المكان، أئن لموتك هذا الموت الشنيع الوحشي! ~~على أني لن أضع حدا لما أبعث من أنين، ولا لما أسكب من دموع، ما رأيت نجوم الليل ~~تجري في أفلاكها، وضوء النهار يلمع في آفاق السماء، سيتردد صدى آلامي أمام قصر أبي ~~كشكاة فيلوميلا، لم تنقطع منذ حرمت أطفالها. # أي مقام برسفونيه وأديس، أي هرمس السفلي وأنتن يا بنات الآلهة أيتها الموكلات ~~بتعذيب الأشقياء، أيتها الآلهة المخوفة، آلهة اللعن والسخط ألقوا أعينكم على هذه ~~الضحايا التي سفكت دماؤها مع هذه القسوة. انظروا إلى هذه الجريمة المشتركة ~~مصدرها الحب الفاجر، أقبلوا، أعينونا، اثأروا لموت أب شقي، ابعثوا إلي أخي، فلن ~~أستطيع منذ اليوم أن أحمل وحدي ثقل هذه الآلام التي تنوء بي. # ثم تقبل الجوقة مؤلفة من فتيات موكينا، فيدور بينها وبين إلكترا حوار طويل ~~تحاول الجوقة تعزيتها، فتعلن إلكترا أن ليس إلى العزاء من سبيل. # الجوقة ~~: # احذري أن يسمع صوتك؛ ألا ترين إلى أي حال بلغت وفي أي هوة قذف بك؟ ~~لقد جمعت لنفسك شقاء إلى شقاء ولقد جرت عليك صلابتك آلاما جديدة، إنك ~~لتعاندين من هم أشد منك قوة، وما هذا من الرشد في شيء. # إلكترا ~~: # نعم، أعلم أن حالي شديد السوء، وأعلم مقدار شدتي وصلابتي، ولكني على رغم ~~هذا كله لن أقصر عما أنا فيه من استنزال السخط واللعنة على المجرمين ما ~~تنفست، ومن ذا الذي أيتها الصديقات العزيزات - أين هذا القلب - يشعر بما ~~أنا فيه ثم يحاول تعزيتي؟ دعن، لا تحاولن هذا العزاء، لن يكون لسخطي حد، ~~وسيكون أنيني أبديا خالدا كآلامي. # الجوقة ~~: # ولكن قلبي وحده هو الذي يعزيك، كما يفعل قلب الأم الحنون، احذري أن ~~تستتبع شكاتك هذه شكاة جديدة. # إلكترا ~~: # وأي حد أستطيع أن أضع لما أنا فيه من يأس وقنوط؟ كيف أستطيع من غير ~~أن أضيع شرفي في أن أنسى من حرمنيه الموت؟ أي الناس اتخذوا لأنفسهم هذه ~~السيرة؟ لو أن بين الناس من يسلك هذا المسلك فأنا أود ms136 أن لا أنزل من ~~قلوبهم منزل الرضى والكرامة. كما أني أود أن يدفعني ويزدريني كل ~~محب للخير، أنا كفكفت في قلبي غلواء هذه العواطف الشريفة، عواطف ~~الألم يبعثها الحرص على تشريف الموتى. ألا فليهلك أبد الدهر بين الناس ~~الرشد والتقوى، إذا كان حظ من فارق الحياة أن يبقى مهملا منسيا كأنه ~~تراب غير حساس وإذا لم يلق المجرمون جزاء ما اقترفوا من إثم. # الجوقة ~~: # ولكن منفعتك ومنفعتي يا ابنتي هما اللتان جاءتا بي إلى هذا المكان؛ فإن ~~كنت مخطئة فيما وجهت إليك من نصح، فلتكن لك الكلمة ونحن لما ترين ~~مذعنات . # إلكترا ~~: # يخجلني أيتها الصديقات العزيزات أن أسترسل أمامكن في هذا الألم الذي لا ~~حد له، ولكن عاطفة أشد مني قوة تقهرني على ذلكن؛ فلا تلمنني فيه. وأي ~~ابنة وفية تسلك مسلكا آخر بعد هذه النازلة التي نزلت بأبي والتي لا يزيدها ~~مر النهار وكر الليل إلا قوة؛ فهي لا ينمحي منظرها أمام عيني بل ~~يتمثل من حين إلى حين فظيعا مريعا. أليست أمي التي منحتني الحياة قد ~~أصبحت أشد الناس لي عداء؟ ألم أصر من سوء الحال إلى حيث أعيش في قصري ~~مع الذين قتلوا أبي، وقضوا عليه بالموت؟ أنا لهم خاضعة، منهم وحدهم أنتظر ~~ما ينالني من خير وشر. أي حياة تظنن أني أستطيع أن أحيى حين أرى إيجستوس ~~يجلس على عرش أبي، ويلبس ثيابه، ويقوم بالواجبات الدينية للآلهة في المقام ~~الذي قتله فيه! وحين أرى هذا المجرم الآثم يقاسم أمي المجرمة سرير أبي، إن ~~استطعت أن أسمي أما تلك التي ترتاح إلى صدر شريكها في الإثم؟ إلى أي حد ~~من الجرأة يجب أن تكون هذه المرأة قد وصلت حتى يتصل الحب بينها وبين هذا ~~المجرم الفاجر؟ إنها لتسخر من انتقام الآلهة وكأنها تعجب بما اقترفت، فإذا ~~أقبل اليوم الذي خدعت فيه أبي وقتلته من كل شهر، أقامت حفلات الرقص وقدمت ~~إلى الآلهة الحفظة الضحايا والقرابين. وأنا الشقية التعسة أبكي وأنتحب لهذه ~~المناظر، وأفني قواي وحيدة. أئن لهذا ms137 المقصف الوحشي الذي سموه مقصف ~~أجاممنون، ولو أني استطعت أن أسترسل كما أشاء إلى هذه الراحة الحلوة، راحة ~~سكب الدموع! ولكني لا أكاد أفعل حتى أسمع هذه المرأة التي لا حظ لها من ~~كبر النفس إلا في ألفاظها تنحي علي باللوم وتثقلني مسبة وازدراء، ~~تدعوني موضع بغضها ومرمى انتقامها السماوي وتسألني: أأنت الوحيدة التي فقدت ~~أباها؟ ألم يشعر غيرك من الناس ألما ولا حزنا؟ ... ليهلكنك اليأس ولا أرقأت ~~آلهة الجحيم عبراتك. # كذلكن يتناولني لسانها بالمسبة. ولكنها لا تكاد تسمع بقرب عودة أورستيس ~~حتى تفقد رشدها، ولا تملك من صوابها شيئا، تبحث عني وتصيح بي: إذن فهذا ~~ما أعددت لي! هذا عملك، أنت التي وضعت أورستيس بنجوة من سلطاني حين ~~أخفيته! ثقي بأنك ستلقين على ذلك عقابا عدلا. ويصخب هذه الكلمات صراخ ~~وعجيج، وإلى جانبها عشيقها يزيد غيظها حدة والتهابا، هذا الجبان، هذا ~~المجرم، هذا الذي ملأ يديه دعارة وفجورا، هذا الذي لا يحسن الحرب إلا مع ~~النساء. وأنا أنتظر أورستيس يستنقذني من كل هذه الإهانة وأموت، منتظرة! ما ~~زال يؤخر عودته حتى قضى علي ما أؤمل وما أملت. في هذه الحال التي وصلت ~~إليها لا أستطيع أن أحتفظ بقصد ولا تقوى؛ فإن الشعر إذا بلغ أقصاه ~~اضطرنا إلى أن نذعن له ونسترسل فيه. ~~(وتقبل بعد ذلك أختها كروزتيميس وهي تحمل قربانا إلى ~~أبيها من قبل قاتلته كلوتيمنسترا، فتحاول من غير طائل إقناع أختها بالعدول ~~عما هي فيه من نحيب وعناد لأولي البأس والسلطان، وتسألها إلكترا عما تحمل ~~فتجيبها بأن أمها قد رأت فيما يرى النائم أن أجاممنون قد عاد إلى الحياة وأظل ~~سلطانه مملكته القديمة، فأشفقت من هذا الحلم وأرسلت إلى قبر القتيل هذا ~~القربان.) ~~(فتنهاها إلكترا عن أن تقدم إلى أبيها قربان أمها المجرمة، ~~وتنصح لها أن تقدم مكانه خصلا من شعرهما فتأتمر كروزوتيميس بهذا الأمر، ~~وتستبشر الجوقة بهذا الحلم الذي ينبئ بأن أوان الانتقام قد آن.) # الفصل الثاني # المنظر الأول ~~(كلوتيمنسترا - إلكترا والجوقة) # تبدأ كلوتيمنسترا بلوم ابنتها الكبرى ms138 لأنها انتهزت غياب إيجستوس فخرجت من القصر ~~معولة تنثر لومها وسخطها على أمها، ثم تحاول أن تدافع عن نفسها وتزعم أنها لم تقتل ~~زوجها إلا انتقاما لابنتها إيفيجينيا التي ضحى بها أجاممنون للآلهة قبل سفره إلى ~~تروادة ليجعلوا هذا السفر له ميسورا. فقد كان يستطيع أن يرق لابنته ولأمها، ولكنه ~~بلغ من القسوة والاستهانة بعواطف الأمهات أن ذبح ابنته غير مشفق ولا راحم، وما له ~~لا يفعل ذلك وهو لم يقاس من الألم في منحها الحياة ما قاسته أمها. # ألم يكن من الحق أن يضحي مينيلاووس بأحد أبنائه، إذا لم يكن بد من التضحية؛ فإن ~~اليونان لم يشهروا هذه الحرب إلا انتقاما له ودفاعا عنه، ثم يدور بين كلوتيمنسترا ~~وإلكترا هذا الحديث: # إلكترا ~~: # سأتكلم إذن، لقد قتلت أبي، ذلك شيء تعترفين به. ولكن سواء أكان موته ~~عدلا أم ظلما، هل يوجد اعتراف أشد من هذا نكرا. # ومع ذلك فلست أخفي عليك ما أرى، إن العدل لم يدفعك إلى قتل أبي وإنما ~~اندفعت إلى ذلك مفتونة بحب هذا المجرم الذي تعيشين معه. سلي أرتيميس على من ~~أرادت أن تنزل سخطها، حين وقفت حركة الريح في أوليس وإن شئت فأنا منبئتك ~~بذلك؛ إذ ليس من الميسور أن تسمعيه من فم الإلهة. حدثت أن أبي بينما كان ~~يلهو في غابة مقدسة من غابات الإلهة، طارد وعلا أرقش طويل القرنين، ثم ~~أصابه فقتله، وأسكره النصر فنطق بما لا يحسن النطق به. # سخطت لذلك ابنة لاتونا، وحبست اليونان على الساحل، حتى ضحى لها أبي ~~بابنته وفلذة كبده، ندما واستغفارا. # هذا هو السبب الحقيقي لهذه التضحية، قد كان انقطع بالجيش الرجاء أن يذهب ~~إلى تروادة أو أن يعود إلى وطنه. # ولقد مانع أبي زمنا طويلا، ثم أكرهته الحاجة فضحى بابنته استرضاء ~~للآلهة لا تلطفا لمينيلاووس. ولو أني مالأتك على أنه قد ضحى بابنته لمنفعة ~~أخيه فهل كان لك من أجل ذلك أن تنحريه بيدك؟ من ذا الذي منحك هذا الحق؟ ~~احذري حين أقمت بين الناس هذا ms139 الحق وسننت لهم هذه السنة أن تكوني قد ~~أعددت لنفسك ما يحملك يوما ما على الندم والحسرة؛ فإن الدم إذ لم يغسله ~~إلا الدم، فدمك أول دم يجب أن يسفحه العدل. ولكن لا تنسي وهن ما ~~تنتحلين من معذرة. تنزلي فأنبئيني ما بالك قد اطرحت كل حياء، واستخففت ~~بكل خجل، فقاسمت سريرك هذا الشريك الذي أعانك على قتل أبي؟ ما بالك تحرصين ~~على هذه الصلة المنكرة، وتطرحين أولادك الطاهرين الذين منحك إياهم زواج ~~مقدس، كيف أستطيع أن أرضى عن مثل هذه الجنايات؟ أتقولين أيضا أنك إنما ~~تثأرين لابنتك؟ فإنك لن تستطيعي من غير خزي أن تنطقي بمثل هذا الجواب. وفي ~~الحق أن من أشرف الأعمال أن تقترن المرأة إلى عدوها لتثأر لابنتها. ولكن ~~حسبي لوما فإني إن لم أكف حملتك على أن تملئي الأرض صراخا بأنا نعق ~~أمنا. على أني لم أر فيك أما وإنما أرى فيك طاغية ظالمة؛ فأنا أقاسي ~~أنواع العذاب، وألقى منك ومن عشيقك ألوان الألم، بينما أخي أورستيس الذي لم ~~ينج إلا بعد مشقة يحتمل ثقل النفي وذله. # هذا الذي ما زلت تتهمينني بأني إنما ربيته لينزل بك العقاب يوما ما. ثقي ~~بأني لو ملكت عقابك لما أحجمت عنه. والآن فانطلقي وأعلني إلى الناس جميعا ~~أني قد فطرت على الشر والغضب والحمق؛ فإن ذلك إن يكن حقا فلن أضع قدر ~~الدم الذي ورثته عنك. ~~(ثم يشتد الأخذ والرد بينهما حتى تهدد كلوتيمنسترا ابنتها ~~بالعذاب حين يعود إيجستوس، وتنصرف إلكترا فتتقدم كلوتيمنسترا إلى أبلون بالصلاة ~~راجية منه أن يقيها شر الحلم الذي أفزعها وأن ينزل سخطه على أعدائها.) ~~(ثم يقبل مربي أورستيس فينبئ كلوتيمنسترا بمحضر من إلكترا ~~والجوقة بأن أورستيس قد مات، ويقص عليهم موته، فتتفجع إلكترا ولا تدري ~~كلوتيمنسترا في أول الأمر أتحزن لفقد ابنها أم تفرح لنجاتها منه، ثم يملكها ~~الفرح فتنصرف مع المربي وتبقى إلكترا متفجعة متوجعة، تعزيها الجوقة وترثي ~~لها.) # الفصل الثالث # رأت كروزوتيميس قبر أبيها مكللا بالزهر، وقد علقت فيه خصل من ms140 الشعر، فتقبل فرحة ~~مسرورة تعلن إلى إلكترا عودة أورستيس لأنها واثقة بأنه وحده الذي قرب هذا القربان إلى ~~أجاممنون. ولكن إلكترا تنبئها بموت أخيها، فتعول وتنتحب، ثم تطلب إليها إلكترا المعونة ~~على قتل إيجستوس فتأبى فزعا وفرقا وتنصرف تاركة إلكترا وقد صممت على أن تنتقم وحدها ~~لأبيها، وأخذت الجوقة تغني ما أصابها من ألم وما امتازت به من شجاعة ووفاء. # الفصل الرابع # يقبل أورستيس ومعه نفر من الناس يحملون علبة زعموا أنها تشتمل رماد أورستيس، فيسألون ~~عن بيت إيجستوس، ويخبرون بأنهم أمامه، ثم ينبئون إلكترا بأنهم إنما أقبلوا يحملون ما ~~بقي من أورستيس في هذه العلبة فتتمنى عليهم أن يدفعوها إليها لتبكي هذا الفقيد العزيز ~~فيفعلون. # إلكترا ~~(وقد أخذت العلبة) ~~: # أيتها البقية الأخيرة لمن آثرت بحبي على الناس جميعا، أيها العزيز أورستيس! ~~لشد ما بين هذه الحال التي أراك فيها الآن، وبين ما قد كنت عقدت بك من الآمال ~~من فرق! # لست الآن إلا رمادا باطلا أحمله بين ذراعي، وإن كنت حين أبعدتك من هذا ~~القصر - أي بني العزيز - لمملوءا قوة ونشاطا، آه! ما لي لم أفقد الحياة قبل ~~أن أنقذتك من الموت وبعثت بك إلى أرض غريبة! # إذن لمت في هذا اليوم النكد ولكنك كنت تظفر بالمواراة في قبر أبيك. أما اليوم ~~فقد قضيت بعيدا من وطنك، ومن ذراعي اختك، هاربا منفيا، إني لشقية! لم ~~تصب يداي على جسمك الماء المقدس! ولم أجمع بعد تحريقك ما بقي من رمادك، لقد ~~قامت بهذا الواجب أيد أجنبية. # يا لك من شقي تعود إلى ذراعي وإنك لخفيف الوزن في علبة ضئيلة تعسة ...! إلى أي ~~حال صار ما بذلت من العناية بطفولتك، تلك العناية التي تعودتها، والتي كنت ~~أحتمل في سبيلها هذه المشقة الحلوة؟ فما كنت في ذلك الوقت أعز على قلب أمك منك ~~على قلبي؛ لذلك لم أعتمد على أحد في تغذيتك، لقد أخذت نفسي بذلك، وما كنت تدعو ~~أختك إلا إياي. وا حسرتاه! لقد اختفى كل شيء معك في يوم واحد. ms141 ولقد قضى موتك ~~كأنه الصاعقة على كل ما أحب وآمل. # لقد قضى أبي، ولقد قضيت، وهأنا تلك أموت. # ينتصر أعداؤنا، هذه الأم، هذه الضرة، تثمل فرحا، ومع ذلك فكم وعدتني رسائلك ~~السرية بأنك ستعود لتنزل بها العقاب! ولكن إلها عدوا لك ولي قد حرمنا هذا ~~الانتقام، هو الذي بعث إلي مكان هذا الوجه الذي كنت أحبه وأوثره، والذي كانت ~~صورته مرتسمة في نفسي بهذا الظل الذي لا وزن له وهذا الرماد الذي لا غناء فيه. ~~ويلي عليك! أيها التعس أورستيس! أي عودة مشئومة ادخر لك هذا الإله! أأنت ~~أيها الأخ العزيز ، أأنت الذي يعود في هذه الحال ليحرمني الحياة، ولينزعها مني! ~~استقبلني إذن مستقرك الأخير، أضف ظلا إلى ظل لنستطيع أن نعيش معا أبد ~~الدهر. # لقد كنت أحب أن أقاسمك الحياة ما تمتعت عيناك بضوء النهار، أما الآن فلا ~~أتمنى إلا الموت لأقاسمك ظلمة القبر؛ فليس الموتى بأشقياء. # الجوقة ~~: # فكري أي ألكترا، فكري في أن أباك لم يكن خالدا، وأن أخاك لم يكنه أيضا، ~~خففي من ألمك، واقصدي في أنينك؛ فإن الموت ضريبة لا بد أن نؤديها يوما ~~ما. # أورستيس ~~(لنفسه) ~~: # ويلاه! ماذا أقول لها؟ بم أستطيع أن أخاطبها في هذا الاضطراب الذي يملكني؟ ~~لن أستطيع بعد أن أملك هذا الجأش المضطرب. # إلكترا ~~: # أي ألم ينالك، ومن أين هذا الكلام الذي أسمعه؟ # أورستيس ~~: # ماذا! أهذه إلكترا التي أرى، أهذه إلكترا ذات الصوت البعيد! # إلكترا ~~: # نعم هي إلكترا، في حال شديد السوء. # أورستيس ~~: # يا لك من حظ منكود! # إلكترا ~~: # أيها الغريب، ما لك ترثي لشقائي؟ # أورستيس ~~: # أيتها الأميرة التعسة! إلى أي ذل وامتهان قد صارت حالك! # إلكترا ~~: # ومع ذلك فهذا حظي، هذا هو الحظ السيئ الذي ادخره القضاء لإلكترا. # أورستيس ~~: # أي حياة مؤلمة تحبين، لا زوج ولا عون! # إلكترا ~~: # لم تنظر إلي أيها الغريب متنهدا محزونا؟ # أورستيس ~~: # لم أكن أعلم مقدار شقائي. # إلكترا ~~: # وكيف استطعت أن تعرفه؟ # أورستيس ~~: # حين رأيت الآلام التي تنوء بك. # إلكترا ~~: # ومع ذلك فأنت لا ترى منها ms142 إلا شيئا قليلا. # أورستيس ~~: # أيمكن أن أرى أشد منها سوءا؟ # إلكترا ~~: # من غير شك، حين أمضي أيامي مع القتلة. # أورستيس ~~: # القتلة! قتلة من؟ ... وبأي فظاعة ستنبئينني؟ # إلكترا ~~: # قتلة أبي، وقد قضت علي الضرورة أن أكون لهم قنا. # أورستيس ~~: # وأي الناس استطاع أن يقهرك على ذلك؟ # إلكترا ~~: # أم لا تستحق هذا الاسم. # أورستيس ~~: # وأي طريق سلكت إلى ذلك؟ القسر أم العذاب اليومي؟ # إلكترا ~~: # العذاب، القسر وكل ألم متخيل. # أورستيس ~~: # ولا صديق لك يحميك ويعينك! # إلكترا ~~: # لا، لم يكن لي إلا صديق واحد، هو الذي تحمل إلي رماده. # أورستيس ~~: # أيتها الأميرة البائسة، إن منظرك ليثير إشفاقي. # إلكترا ~~: # وا حسرتاه! أنت وحدك بين الناس جميعا نالك الإشفاق مما أنا فيه. # أورستيس ~~: # لذلك أنا وحدي الذي أتى ليقاسمك آلامك. # إلكترا ~~: # من أين؟ ماذا! أيصل الدم بيننا وبينك؟ # أورستيس ~~: # أنبئك بذلك إن أمنت هؤلاء اللاتي يسمعن حديثنا. # إلكترا ~~: # ثق بأنك آمن، فالصلة بيني وبينهن متينة. # أورستيس ~~: # دعي هذه العلبة، فسأنبئك بكل شيء. # إلكترا ~~: # أيها الغريب، باسم الآلهة لا تنزعها مني. # أورستيس ~~: # اسمعي لي، فلن تندمي على ذلك. # إلكترا ~~: # آه! لا تحرمني أعز شيء علي. # أورستيس ~~: # لن أسمح بأن تحفظيها. # إلكترا ~~: # ما أشقاني أيها العزيز أورستيس! أأحرم رمادك. # أورستيس ~~: # دعي هذه اللهجة المحزنة، فليس لحزنك من أساس. # إلكترا ~~: # ماذا! أليس لحزني من أساس حين أبكي أخا فقد الحياة. # أورستيس ~~: # ليس لك منذ الآن أن تنطقي بمثل هذه الألفاظ. # إلكترا ~~: # ألست إذن كفأ لأن أبكي هذا الظل؟ # أورستيس ~~: # أنت كفء لكل شيء ولكن ليس ... # إلكترا ~~: # ألست أحمل في يدي رماد أورستيس! # أورستيس ~~: # ليس رماد أورستيس، وليس له منه إلا الاسم. # إلكترا ~~: # في أي مكان توجد بقية هذا التعس؟ # أورستيس ~~: # لا بقية له: فليس للأحياء من قبر. # إلكترا ~~: # آه، يا للآلهة! ماذا قلت؟ # أورستيس ~~: # الحق. # إلكترا ~~: # أهو حي. # أورستيس ~~: # إن كنته. # إلكترا ~~: # ماذا! أيمكن أن تكون أورستيس! # أورستيس ~~: # ألقي عينيك على خاتم أبي، ثم انظري أتشكين بعد ذلك. # إلكترا ~~: # يا لك من ضوء عزيز طوال الدهر! # أورستيس ~~: # آه! ms143 عزيز جدا، من غير شك. # إلكترا ~~: # أيها الصوت الحلو، هأنت ذا قد أتيت. # أورستيس ~~: # هو بعينه. # إلكترا ~~: # أأنت أورستيس الذي أقبل. # أورستيس ~~: # وددت لو تملكين كل ما تشتهين، كما تملكينني اليوم. ~~(ثم تعلن إلكترا فرحها واستبشارها، وتشاركها الجوقة، ويحذرهن ~~أورستيس عاقبة ذلك، ويأتي مربيه فيضيف تحذيرا إلى تحذير، ويحث أورستيس على انتهاز ~~الفرصة؛ لأن كلوتيمنسترا وحدها، فينصرفون بعد أن ترفع إلكترا صلاتها إلى أبلون أن ~~يقدر لها ولأخيها الفوز، وتتغنى الجوقة بقرب الانتقام.) # ويشتمل الفصل الخامس على موت كلوتيمنسترا وإيجستوس بيد أورستيس وظفر إلكترا والجوقة ~~بأخذ الثأر. ms144