######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.WacdHaqq.Hindawi27513138 #META# Tags: literature #META# ID: 27513138 #META# Title: الوعد الحق #META# AuthorID: 59624258 #META# Author: طه حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الوعد الحق‏ # الوعد الحق‏ # | الوعد الحق # | الوعد الحق # تأليف # طه حسين # | الوعد الحق # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون ~~(صدق الله العظيم). # 1 # قال ياسر بن عامر لأخويه مالك والحارث: عودا إن شئتما إلى أرض اليمن، أو ~~اضربا إن شئتما في الأرض العريضة؛ فأما أنا فمقيم، قد أعجبتني هذه الأرض ~~فلست أعدل بها أرضا أخرى، ورضيت بهذه الدار فلست أبغي بها بديلا، وما ~~رحيلي عن أرض وجدت فيها الأمن بعد الخوف، والقوة بعد الضعف، والسعة بعد ~~الضيق. قال أخوه مالك: بل قل ما رحيلي عن أرض فيها هذه الفتاة السوداء التي ~~لا تملك من أمرها شيئا، ولكنها تملك من أمرك كل شيء. قال ياسر: فظنا بي ~~ما شئتما من الظنون، ولكني مقيم لن أبرح هذه الأرض، ولن أتحول عن هذه ~~الدار. # قال الحارث: بعدا لك من فتى يؤثر الغربة على قرب الدار، ومضر على قحطان، ~~وقريشا على عنس، ويحك؛ إنك لا تأمن أن تسام الخسف # 1 # وتحمل على ما تكره، ثم تلتمس العون فلا تجده، وتبتغي النصير ~~فلا يجيبك إلا من يخذلك ويعين عليك. # قال مالك: وإن فتاتك هذه السوداء لم تنجم # 2 # من أرض مكة ولم تنزل من سمائها، وإنما جلبت إليها فيما ~~يجلب إليها من الرقيق، وإن شئت وجدت أمثالها في كل منزل تنزل فيه، وإن ~~شئت احتلنا لك فيها حتى نخطفها وتعيش معها آمنا بين بني أبيك وذوي ~~مودتك. # قال ياسر: ضعا هذا الأمر كيف شئتما؛ فإني مقيم لن أبرح هذه الأرض، ولن ~~أتحول عن هذه الدار، ولن أجزي أبا حذيفة عن الحسنة بالسيئة، ولا عن ~~المعروف بالمنكر، ولن أرزأه شيئا في ماله وهو الذي قد آوانا وقرانا وأحسن مثوانا. # 3 # عودا إن شئتما إلى أرض اليمن، واضربا إن شئتما في الأرض ~~العريضة، فأما أنا ms001 فمقيم، وما أرى إلا أن لي في هذه الدار شأنا. # قال الحارث: شأن الرقيق الذي لا يستكره على الرق، وإنما يسعى إليه ~~سعيا، ويمعن فيه إمعانا! # 4 # فإن رفق القوم بك وآثروك بالخير فشأن الحليف الذي يعال ولا ~~يعول. # قال ياسر: عودا إن شئتما فإني مقيم. # قال الحارث لأخيه مالك: دعه، فما علمته إلا نكدا لا خير فيه. ~~••• # ورأى الصبح حين أسفر من الغد غلامين يخرجان من مكة يقودان راحلة قد وهبها ~~لهما أبو حذيفة بن المغيرة، ويسعى معهما أخوهما ياسر سعي المودع لا سعي ~~من أزمع الرحيل، # 5 # وكان هؤلاء الفتية الثلاثة قد خرجوا من دارهم بتهامة اليمن ~~يلتمسون أخا لهم فقدوه، فطوفوا في الأرض ما طوفوا، وبحثوا عن أخيهم ما ~~بحثوا، فلما استيأسوا منه عادوا إلى أرضهم، ومروا بمكة أثناء عودتهم، وقد ~~بلغ منهم الجهد، وأضناهم سفر غير قاصد. # 6 # فقال بعضهم لبعض: نأوي إلى هذه القرية فنلم ببيتها، ونسأل ~~آلهتها، ونصيب فيها حظا من راحة، ونسأل أهلها معونة على ما بقي لنا من ~~الطريق. # وأووا إلى مكة، وطافوا بالبيت، وسألوا الآلهة فلم يجدوا عندها شيئا، ثم ~~أقاموا في المسجد ينتظرون أن تغدو قريش إلى أنديتها. فيمر بهم، حين يرتفع ~~الضحى، أبو حذيفة بن المغيرة المخزومي، فيرى ما أصابهم من الضر، فيضمهم ~~إليه ويكرمهم، كما تعودت قريش أن تكرم الضيف. # وكان أبو حذيفة قد وكل بخدمة هؤلاء الضيف سمية بنت خياط، أمة سوداء، ~~في أول الشباب، عليها من الجمال نضرة قاتمة بعض الشيء، وفيها من الشباب ~~خفة ومرح ونشاط، وفي لسانها المستعرب عذوبة حسنة الموقع في الآذان ~~والقلوب. # فكانت تغدو على هؤلاء الفتية بطعامهم أول النهار، وتروح عليهم بطعامهم إذا ~~أقبل الليل، وتعمل في خدمتهم بين ذلك، وتتحدث إليهم، وتسمع منهم بين حين ~~وحين، وكأنها قد وقعت في نفس هذا الفتى فحببت إليه الإقامة بمكة. ومن ~~يدري؟! لعله أن يكون قد تحدث إليها في شيء من ذلك فأحس منها مثل ما أحس ~~من نفسه: ميل الغريب المستوحش إلى ms002 الغريب المستوحش. # وقد هم الفتى أن يحمل نفسه على ما تكره، ويعود مع أخويه إلى حيث ينتظرهما ~~أب شيخ حزين وأم شيخة ملتاعة، # 7 # ولكن الفتى لم يستطع أن يحمل نفسه على ما أراد. وحياة الناس ~~ليست رهنا بما يريدون، وليست مستجيبة لما يقدرون، وإنما هي أمور خفية ~~يجريها القضاء، لا يؤامر # 8 # فيها أحدا، ثم يكون لها في حياة الناس من الآثار ما لم يكن ~~ليخطر لهم على بال. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن الأخوين قد خرجا من مكة ~~يقودان راحلتهما ييممان # 9 # تهامة اليمن، فضاعا في الدنيا وفي التاريخ، ولم يعرف أحد عنهما ~~شيئا، كما لم يعرف أحد عن أخيهما الضائع وأبويهما الشيخين شيئا. # وعاد الفتى ياسر بعد أن ودعهما إلى مكة، فأقام فيها ضيفا على أبي حذيفة ~~أول الأمر، ثم حليفا لأبي حذيفة بعد ذلك، ثم زوجا لسمية أمته السوداء ~~تلك، ومنذ ذلك الوقت عرفته الدنيا وحفظه التاريخ. # 2 # وذلك أن أبا حذيفة انصرف من ناديه ذات يوم، فلقي وهو رائح إلى داره ياسرا ~~غير بعيد من المسجد، فقال له مبتسما: ما فعل أخواك يا فتى عنس؟ فقال ~~الفتى: آثرا # 10 # قرب الدار على بعدها، فعادا إلى قومهما. قال أبو حذيفة: ~~وآثرت بعد الدار على قربها، فأقمت في مكة! قال الفتى: بل آثرت هذا ~~الحرم الآمن على غيره من مواطن الخوف، وآثرت جوار هذا البيت العتيق على ما ~~في اليمن من ضلال وغي. # 11 # قال أبو حذيفة: وماذا تريد أن تصنع في مكة؟ قال الفتى: ألتمس ~~القوت من مصادره. قال أبو حذيفة: فإن القوت ميسر لك ما بقيت لي ~~جارا. قال الفتى: بأبي أنت من سيد كريم تزهى به مخزوم وتزدان به قريش ~~وتعز به البطحاء! إنك والله ما علمت لسخي النفس رضي السيرة، تحفظ ~~الضائع وتطعم الجائع، وتعطي السائل وتغني العائل، وتحمي الجار وتغيث الملهوف. # 12 # قال أبو حذيفة: حسبك يا فتى! لقد جزيت فأربيت، # 13 # وإني لأرى فيك ذكاء ولسنا. # 14 # فأنت جار ms003 لي ما أقمت في هذه القرية. قال الفتى: لا وعداك ذم، # 15 # ولكني أدعوك إلى خطة سواء بيني وبينك لا تشق عليك ولا تخفف ~~عني: تحميني مما تحمي منه نفسك وأهلك، وأكون حربا على من حاربت، وسلما ~~لمن سالمت، ووقاء # 16 # لك ولأهلك من العاديات ما استطعت إلى ذلك سبيلا. قال أبو ~~حذيفة: فهو الحلف إذن؟ قال الفتى: نعم، إن طابت نفسك به. قال أبو حذيفة: ~~فقد طابت به نفسي، واطمأن إليه قلبي! فإذا كان الغد فموعدنا المسجد. قال ~~الفتى: فإنك من المسجد غير بعيد، وما أحب أن نرجئ إلى غد ما نستطيع أن ~~نأتيه اليوم. قال أبو حذيفة: فهلم إذن. # وأخذ بيد الفتى، ورجع أدراجه خطوات، فلما بلغ المسجد قصد الكعبة. قال ~~الفتى: إلى أين تريد؟ قال أبو حذيفة: أريد أن أشهد الآلهة على حلفنا. قال ~~الفتى متضاحكا: فأشهد عليه قومك قبل أن يتفرقوا؛ فإن الآلهة مقيمة ~~حيث هي لا تريم. # 17 # قال أبو حذيفة: ما رأيت كاليوم فتى ذكيا أريبا. # 18 # ثم مضى به إلى أندية قريش، فجعل لا يمر بناد منها إلا قال: يا ~~معشر قريش، اشهدوا علي أني قد حالفت ياسر بن عامر هذا العنسي. وجعل لا ~~يقول ذلك لناد من أندية قريش إلا قالوا له: سعيت غير مذموم، وحالفت غير ~~ملوم. # فلما طوف به على أندية قريش كلها قصد به قصد الكعبة. قال الفتى: إلى أين ~~تريد؟ قال أبو حذيفة: إلى حيث أشهد الآلهة على حلفنا. قال الفتى متضاحكا: ~~ويحك أبا حذيفة! # 19 # أتظن أن الآلهة لم تسمعك وأنت تشهد الناس؟! فهي قد سمعت وشهدت ~~ورضيت، أم تراها لا تسمع إلا إذا دنوت منها كما يدنو الرجل من الرجل حين ~~يريد أن يناجيه؟! # قال أبو حذيفة: ما أرى إلا أني قد حالفت اليوم شيطانا! ويحك يا فتى عنس! ~~فإنا قد ألفنا أن نقف من آلهتنا موقف المتحدث إليها المناجي لها. # قال الفتى: فقف منها هذا الموقف حيث شئت؛ فإنها ينبغي أن تكون معك في كل ms004 ~~مكان. # قال أبو حذيفة، وقد أخذه شيء من وجوم، كأن الفتى قد رد إليه شيئا غاب ~~عنه، أو رده إلى شيء غاب عنه: فلا أقل من أن نطوف بالكعبة؛ ليتم لهذا ~~الحلف حقه من الحرمة والتقديس. # قال الفتى: أما هذا فنعم. ثم مضيا فطوفا بالكعبة ما شاء الله أن يطوفا ~~بها، وراحا # 20 # إلى دار أبي حذيفة حليفين، ولكن بينهما من الأمر أكثر مما يكون ~~بين الحليف والحليف. ~~••• # يقول أبو حذيفة للفتى في طريقهما إلى الدار: ويحك يا عنسي! إني لأرى فيك ~~استخفافا بآلهتنا وازورارا عنها. # 21 # أفتراك لم تنس آلهة عنس بعد، ولم ترد أن يخلص قلبك ~~لغيرها؟ # فيقول الفتى: بأبي أنت يا أبا حذيفة! والله ما ذكرت آلهة عنس قط؛ فأنساها ~~اليوم أو أستبقي ذكرها في قلبي! وما أعرف أني غدوت عليها مصبحا أو رحت ~~إليها ممسيا، أو آمنت لها بسلطان. # قال أبو حذيفة: فقد صبوت # 22 # إذن عن آلهة آبائك إلى إله النصارى أو اليهود؟ # قال الفتى: لقد لقيت أولئك وهؤلاء وسمعت منهم، ولم أفهم عنهم ولم أحاول ~~لأحاديثهم فهما. # قال أبو حذيفة: فليس لك إله إذن؟ # قال الفتى: لو كنت متخذا إلها لعبدت البحر الذي يروعني ويروعني، # 23 # أو الشمس التي تضيء لي أثناء النهار، أو النجوم التي تهديني ~~أثناء الليل، أو السحاب الذي يطعمني ويسقيني، ولكن شيئا من ذلك لا يبلغ ~~نفسي، ولا يتحدث إلى قلبي، ولا يثير حاجتي إلى العبادة والطاعة والإذعان. ~~فأنا حائر جائر عن القصد، # 24 # ألتمس الهدى فلا أجد إليه سبيلا، فأعيش مع الناس مشاركا لهم ~~في الدنيا مفارقا لهم في الدين. # قال أبو حذيفة: إن لك لشأنا يا فتى عنس. # قال الفتى: كغيري من الناس، إلا أني أفكر في هذا كثيرا ولا يفكرون فيه إلا ~~قليلا. ~~••• # وبلغا دار أبي حذيفة، فأنفقا فيها سائر النهار وشطرا من الليل يخوضان في ~~أحاديث الدين والدنيا وفي أحاديث تهامة ونجد والحجاز. # وقد وقع حب الفتى في قلب أبي حذيفة موقعا غريبا، حتى قال لنفسه ms005 ولأهله حين ~~خلا إلى أهله: ما أحببت غريبا قط كما أحببت هذا الفتى، ولو كنت متخذا ~~ولدا لاتخذته ولدا. # 3 # وأقام ياسر ما شاء الله أن يقيم ضيفا على حليفه أبي حذيفة، يغدو إلى ~~المسجد مصبحا فيقول لقريش ويسمع منهم، ويروح إلى الدار بعد أن تزول ~~الشمس، فلا يقيم فيها إلا ريثما يصيب شيئا من طعام وراحة، ثم يخرج فيمشي ~~في الأسواق، ويتعرف أمر الناس، ويلتمس أسباب الرزق؛ حتى إذا يسرت له ~~الوسائل للعمل والكسب أراد أن يتحول إلى دار له، وآذن # 25 # أبا حذيفة بذلك، فلم ير أبو حذيفة بذلك بأسا، ولكنه رأى ~~الفتى مترددا في نفسه، لا يقدم قلبه إلا ليحجم، وهو يجيل طرفه في الدار ~~فعل من يجد في التحول عنها مشقة وحزنا، قال أبو حذيفة: إني لأراك ~~مترددا محزونا يا فتى، وما أعرف أن داري قد ضاقت بك أو أن أحدا من ~~أهلها قد نالك بمكروه، فما يمنعك أن تقيم فيها كما أقمت إلى الآن، حتى ~~يتسع لك العيش وتتصل بك أسبابه متينة مطمئنة؟ # قال الفتى: لا والله يا أبا حذيفة ما أنكرتني دارك ولا أنكرتها، وما لقيت ~~من ضيافتك إلا خيرا، ولكن لي في دارك أربا # 26 # قد كنت أظن أني أستطيع السلو عنه، ثم تبين لي أن ليس لي إلى ~~هذا السلو سبيل. # قال أبو حذيفة وقد أخذه العجب: لك في هذه الدار أرب؟! وما عسى أن ~~يكون؟ # فأطرق الفتى قليلا، وغشيت وجهه سحابة رقيقة عمراء، # 27 # ثم رفع رأسه وكأنه قد أجمع أمره على شيء عظيم، وقال - وعلى ~~ثغره ابتسامة فيها كثير من الجراءة، وفيها كثير من الحياء: أمتك هذه ~~السوداء التي تسمونها سمية، قد وقع حبها في قلبي يا أبا حذيفة، ولا ~~والله ما كانت مني إليها ريبة في نظر أو حديث. # قال أبو حذيفة: فتريد أن أهبها لك؟ # قال الفتى: لا والله لا أرزؤك في مالك. # 28 # قال أبو حذيفة: فإنك لا ترزؤني في مالي شيئا، وإنما هي أمة والإماء في ms006 ~~الدار كثير. # قال ياسر: لا والله لا أرزؤك في مالك، وما آثرت الحلف على الجوار إلا ~~لتخف مئونتي عليك، وما أحب أن تقول مخزوم: أقام في الدار مقام الضيف، ثم ~~لم يتحول عنها كما أقبل عليها. # قال أبو حذيفة: فإن شئت زوجتك منها. # قال الفتى - وقد أغرق في ضحك متصل: هيهات يا أبا حذيفة! # 29 # أتريد أن ألد لك الإماء والعبيد؟! # قال أبو حذيفة - وقد ضرب على كتف الفتى بيده: ويلك! لقد عنيتني منذ اليوم، ~~تزوجها وما ولدت لك من ولد فهو حر. # قال ياسر: بأبي أنت من سيد كريم! ألم أقل إنك فخر مخزوم وزينة قريش وعز ~~البطحاء؟! # قال أبو حذيفة: حسبك؛ # 30 # فقد أسرفت في الثناء، أقبل علي إذا كان المساء فتزوج، ~~ثم تحول بأهلك إلى دارك الجديدة، وعسى ألا ترى فيها إلا خيرا. ~~••• # ولم يكد ياسر يتحول بسمية إلى داره حتى غفل عنه التاريخ دهرا طويلا، كما ~~تعود أن يغفل عن الدهماء # 31 # حين تحيا وحين تموت وحين تلم بها الأحداث وتختلف عليها ~~الخطوب. وماذا عسى أن يصنع التاريخ بفتى من عامة الناس ودهمائها، ليس له ~~خطر في مكة ولا مكانة في قريش، وإنما هو غلام أجنبي حليف، يعيش كأمثاله من ~~هذه الأخلاط التي كانت تعيش في مكة ساعية إلى رزقها أيسر السعي، تكسب ~~القوت ما وجدت إليه سبيلا، فإن أعياها كسبه وجدت حاجتها عند أحلافها من ~~سادة قريش. وهي مع ذلك آمنة على أنفسها وعلى ما أتيح لها من مال، لا يعدو ~~عليها عاد ولا يسعى إليها مكروه. # وكان التاريخ في ذلك الوقت، كما كان في أكثر الأوقات، أرستقراطيا لا يحفل ~~إلا بالسادة، ولا يلتفت إلا إلى القادة. وكان التاريخ في ذلك الوقت، كما ~~كان في أكثر الأوقات، ضنينا # 32 # بخيلا ومستكبرا متعاليا، يحفل بالسادة في تحفظ ويلتفت إلى ~~القادة في كثير من الاحتياط، لا يسجل من أمرهم إلا ما كان له شأن أو خطر. ~~وآية ذلك أنه لم يسجل من أمر قريش في تلك العصور ms007 إلا أطرافا يسيرة ضئيلة ~~لا تكاد تظهرنا من أمرهم على شيء؛ كأن التاريخ كان يراها أهون شأنا ~~وأيسر خطرا من أن يمنحها عنايته، وكأنه كان يرى قياصرة الروم وأكاسرة ~~الفرس وقادة أولئك وهؤلاء وسادتهم أحق بعنايته وأجدر برعايته وأحرى أن يقف ~~عندهم ويبلو # 33 # أعمالهم ويسجل أخبارهم. فأما سادة قريش وقادتها وذوو المكانة ~~في هذه الأحياء العربية التي لا تحسن كتابا ولا حسابا، ولا تسخر ~~الزمان والمكان لأمرها، وإنما تختلس حياتها من الزمان والمكان والأحداث ~~والخطوب اختلاسا، فلم يكونوا أحرياء # 34 # أن ينظر التاريخ إليهم إلا شزرا، # 35 # وأن يسجل من أمرهم إلا ما فيه تفكهة للأجيال المقبلة ~~وترويح عليها وتسلية لها عن بعض ما يشغلها من الهم، فكيف بالدهماء التي لا ~~تملك المال ولا تصرف التجارة ولا تقوم بأمر الآلهة ولا تدبر السلطان، وإنما ~~تتسقط حياتها تسقطا وتتلقطها تلقطا، وتعيش مما يلقي إليها الأغنياء ~~والسراة من الفتات. # 36 # وكان ياسر من هذه الدهماء؛ فلم يحفل به التاريخ، ولم يلتفت إليه، ولم يصحبه ~~في حياته الطويلة، ولم يسجل غدوه على التماس الرزق، ولا رواحه على أهله بما ~~اكتسب منه، حتى كان يوم أكره التاريخ فيه على أن يلتفت إلى الدهماء ~~أكثر مما يلتفت إلى السادة والقادة، وعلى أن يسجل من أمر ياسر وأمثاله من ~~عامة الناس أكثر مما يسجل من أمر حلفائه من بني مخزوم وأمثالهم من الملأ ~~والسادة في قريش. # في ذلك اليوم نظر التاريخ فإذا أحداث ضئيلة تحدث لا يكاد الناس يأبهون # 37 # لها ولا يعنون بها، ولكنها لا تكاد تحدث حتى تخفق لها ~~القلوب وتتفتح لها العقول وتضطرب لها الضمائر، وحتى تعرف الدهماء نفسها، ~~وتشعر بحقها، وتطمح إلى هذا الحق، وتسعى إليه جادة لا وانية # 38 # ولا فاترة، وحتى ينكر الملأ # 39 # من قريش كل شيء: يرون المستضعفين في الأرض وقد سمت نفوسهم ~~إلى أشياء لم تكن تسمو إليها، وطمعت قلوبهم في أشياء لم تكن تطمع فيها، ~~وانطلقت ألسنتهم بأشياء لم تكن تنطلق بها، ويرون الرقيق وقد ms008 طمحوا إلى ~~الحرية واشتاقوا إليها وهاموا بها، وجعلوا يتحدثون فيها بينهم كأنهم ليسوا ~~أقل من سادتهم استحقاقا للحياة، ولا استئهالا # 40 # للكرامة، ولا ارتفاعا عما ينقص، ولا تنزها عما يشين # 41 # كل قد خلق جسمه من تراب، وكل يصير جسمه إلى تراب، لا ~~تتمايز أجسامهم حين تولد، ولا تتمايز أجسامهم حين تموت، وإنما تتمايز ~~نفوسهم وقلوبهم وضمائرهم بين ذلك، بما تقدم من الخير، وما تتجنب من الشر، ~~وبما تتقي من الإثم، وما تصطنع من البر والمعروف. ثم يتحدثون بأن نفوسهم ~~وقلوبهم وضمائرهم تتمايز بعد الموت بما تلقى من جزاء أعمالها؛ فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره، وممن يعمل مثقال ذرة شرا يره. ثم يتحدثون فيما ~~بينهم بأن حرية الحر لا تفضله على غيره من الناس إلا إذا آمن واتقى وعمل ~~عملا صالحا ولم يؤذ الناس بيده ولا بلسانه ولا بقلبه، وأن رق الرقيق ~~لا يخسه # 42 # عن غيره من الناس ما دام يؤمن ويتقي ويحسن في القول والعمل، ~~ويبرئ قلبه من الإثم وضميره من السوء، ويتحدثون فيما بينهم بأن الحرية ~~والرق، والغنى والفقر، والقوة والضعف أعراض تعرض وتزول، ليس من شأنها أن ~~تميز بعض الناس من بعض، ولا أن تسود # 43 # بعضهم على بعض، ولا أن تحكم بعضهم في بعض. وإنما يمتاز الناس ~~بالخير والمعروف والتقوى، ويسود الناس بالسلطان الذي لا يأتيهم من مولد ولا ~~من ثراء، وإنما يأتيهم من رضا الناس عنهم وثقة الناس بهم وإيمان الناس لهم، ~~ويحكم الناس بأمر يأتيهم من السماء قد فصل لهم الخير والشر، وبين ~~لهم العرف والنكر، وميز لهم الحلال والحرام، لا بهذه التقاليد التي ~~توارثوها عن آبائهم، ولا بهذه السنن التي حفظوها عن قديمهم. # بهذا كله كان الرقيق والمستضعفون في الأرض يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا أو ~~خلا بعضهم إلى بعض. وبهذا كله جعل الرقيق والمستضعفون في الأرض يتسامعون، ~~ثم يتداعون ثم يتواصون، وبهذا كله روع الملأ من قريش ذات يوم، فثار ~~ثائره، وفار فائره، وأجمع أمره أن يطفئ هذه الجذوة قبل ms009 أن ينتشر لهبها فلا ~~يبقي ولا يذر، # 44 # ونظر التاريخ ذات يوم إلى مكة فرأى فيها هذه الأحداث الصغار ~~الكبار، وسمع فيها هذه الأحاديث التي كانت تهمس بها الأفواه وتصيح بها ~~الضمائر والقلوب والنفوس. ورأى التاريخ فيما رأى ياسرا، ذلك الفتى قد ~~تقدمت به وبزوجه السن، وقد مات حليفه أبو حذيفة، وقد رزق من سمية ~~ثلاثة أبناء، قتل أحدهم في خطوب مجهولة، وبقي الآخران يعيشان كما كان ~~أبوهما يعيش. # ويجب أن نسجل أن التاريخ لم يبحث عن ياسر ولا عن بنيه، وإنما أقبل ذات ~~يوم على مكة؛ ليرى بعض ما يجري فيها من الأحداث، فلم يكد يبلغ المسجد حتى ~~رأى أندية قريش هائجة مائجة تتحدث عن محمد وعن دعوته، وعمن تبعه من ~~المستضعفين والرقيق، وقد تذكر دار الأرقم ابن أبي الأرقم التي اتخذها ~~محمد لنفسه ولأصحابه ناديا ينشر منه دعوته هذه الرائعة المروعة، فتحول ~~التاريخ عن هذه الأندية الصاخبة إلى دار ابن أبي الأرقم ليرى محمدا ~~وأصحابه ويسمع منهم. ولم يكد يبلغ هذه الدار حتى رأى على بابها رجلين: ~~أحدهما أسود طوال ترتفع قامته في السماء، والآخر أصهب ربعة، # 45 # وهما يتحاوران، يقول الأسود لصاحبه الأصهب: ما تصنع ~~هنا؟ # فيقول له الأصهب: وأنت ماذا تصنع؟ # فيجيب الأسود: أريد أن أدخل على محمد؛ فأسمع منه وأعلم علمه. # فيقول الأصهب: وأنا أيضا أريد ذلك. ثم يدخل الرجلان فيسمعان ويسلمان، ~~ويعرف التاريخ أن الأسود الطوال هو عمار بن ياسر، وأن الأصهب الربعة هو ~~صهيب بن سنان، ومنذ ذلك الوقت يذكر التاريخ ياسرا، ذاك الفتى العنسي، ~~ويتتبع خطوات ابنه عمار. # 4 # أصبح ياسر ذاهلا واجما مشرد اللب، قد أنكر نفسه وأنكرته زوجه سمية؛ ~~فقد تعود أن يفيق من نومه قبل أن تنشر الشمس ضوءها على بطحاء مكة ~~وجبالها، فلا يريح ولا يستريح، وإنما يضطرب في الدار ذاهبا جائيا، كثير ~~الحركة موفور النشاط، يتحدث إلى نفسه بصوت مرتفع حتى يوقظ النائمين من أهله ~~وولده، وهم ينكرون نشاطه وحديثه في أنفسهم، وربما أنكروا حركته ونشاطه ~~بألسنتهم، ms010 وطلبوا إليه شيئا من سكون وسكوت، فكان يعبث بهم ويسخر منهم، ~~ويلح عليهم بحديثه وحركته، ويؤنبهم # 46 # مداعبا لهم حتى يصدهم عن النوم أو يصد عنهم النوم. # وكانت زوجه سمية أشد أهل الدار ضيقا بهذه الحركة وإنكارا لهذا النشاط، ~~فلم يكن شيء أحب إليها من أن تستأخر في نومها ما وسعها ذلك، كأنها كانت ~~تتصور ما ينتظرها في الدار من عمل ستجد فيه من الجهد ما يضنيها ويشق عليها، ~~فكانت تحب أن ترجئ ذلك ما وجدت إلى إرجائه سبيلا. ولكن الشيخ الثرثار ~~المكثار النشيط لم يكن يكره شيئا كما كان يكره أن يستيقظ والناس من حوله ~~نيام، فلم يكن يستقر له قرار ولا يهدأ له بال حتى يثور أهل الدار ~~جميعا من نومهم، ويأخذوا معه في حديثه الذي لا ينقضي، يسمعون له كثيرا ~~ويقولون له قليلا. # وكانت أحاديث ياسر مختلفة أشد الاختلاف، تروع بغرابتها وطرافتها وإثارتها ~~للشوق إلى الاستزادة والرغبة في الاستطلاع؛ فقد كان ياسر لا ينفك يروي ~~غرائب الأخبار وطرائف الأحداث عن موطنه ذلك البعيد في تهامة اليمن، وعن ~~أسفاره تلك الكثيرة في تجارة مخزوم إلى الشام حينا، وإلى العراق حينا، ~~وإلى ما وراء الشام والعراق أحيانا. # ولم يكن أحد أعلم من ياسر بمناقب قريش ومثالبها، # 47 # ولم يكن أحد أشد منه تعلقا بالتحدث عن سادة قريش وقادتها، ~~يثني عليهم، ولا يعفيهم من نقده اللاذع # 48 # الذي كان يصادف هوى في نفوس السامعين له من أهله وبنيه. وأي ~~شيء أحب إلى دهماء الناس من التحدث عن السادة والقادة بما يسر وما يسوء، ~~وبما يرضي وما يسخط! وكان ياسر إذا أخذ في الحديث عن قريش أمعن فيه، ~~واستهوى أفئدة سامعيه. # واستيقنت سمية أنه لن يخرج من الدار إلا حين يرتفع الضحى وتوشك الشمس أن ~~تزول، ولكنه أفاق من نومه ذلك اليوم فلم يثر من مضجعه، ولم يتحرك لسانه ~~في فمه، وإنما ظل مستلقيا مكانه لا ينشط ولا يقول، ولا يدعو غيره إلى نشاط ~~أو قول. وأخذت سمية حظها من نوم ms011 الصباح كما لم تتعود أن تأخذه قط، ~~ولكنها مع ذلك أنكرت هدوء هذا الذي لم يتعود هدوءا، وصمت هذا الذي لم ~~يألف صمتا، فتقبل عليه وقد تكلف وجهها الابتسام والرضا، وأضمر قلبها ~~العبوس والخوف، فتسأله ما خطبه؟ وهل يجد شيئا يكرهه؟ فيجيبها بصوت خافت: ~~ليس بي بأس، ولست أجد ما أكره. # قالت سمية: فما لك لا تملأ الدار علينا ضجيجا وعجيجا؟ # قال ياسر، وقد جعل صوته يمتلئ ويقوى شيئا فشيئا: ويحك يا سمية! كيف ~~السبيل إلى إرضائك؟! إن أنشط قلت: هلا خليت بيني وبين النوم؟! وإن ~~أسكن قلت: هلا ملأت الدار علينا ضجيجا وعجيجا؟! # 49 # أما إني لم أهدأ حبا في الهدوء، ولم أسكن إيثارا للسكون، ~~وإنما رأيت رؤيا روعتني عن النشاط والقول. # قالت سمية وقد ثاب # 50 # الأمن إلى قلبها، وصرح وجهها الأسود المتجعد عن رضا لا تكلف ~~فيه، قالت وهي متضاحكة: فهلا رأيت من آخر كل ليلة رؤيا تروعك وتشغلك ~~عن النشاط والقول؟! ذلك أجدر أن يتيح لي من الراحة والدعة ما أنا في حاجة ~~إليه. # قال ياسر - وقد هم ثغره أن يبتسم ووجهه أن يشرق ولكن الروع لم يلبث أن ~~رده إلى الجد والصرامة - قال: ويحك يا سمية! إنها رؤيا ليست كالرؤى، وما ~~أرى إلا أن لها شأنا! فما أكثر ما عرضت لي الأحلام! وما أكثر ما انصرفت ~~عني حين أفيق! ولكن هذه الرؤيا قد تركت في قلبي وعقلي وأمام عيني صورة ~~ملحة لا تريد أن تريم. # 51 # قالت: فقص رؤياك، لعل حديثك عنها أن يريحك منها. # قال ياسر: هيهات! ثم استوى جالسا في بطء، وأخذ يقص رؤياه مستأنيا، ولم يكد ~~يمضي في حديثه قليلا حتى روعت زوجه، وهمت أن تكفه عن الحديث لولا ~~بقية من شجاعة وفضل من حياء. # قال ياسر: لن أقص عليك رؤيا، ولكني سأصف لك صورة رأيتها نائما وما زلت ~~أراها يقظان: واد ليس بالمسرف في السعة ولا بالمسرف في الضيق، وإنما هو ~~وسط بين ذلك، يأخذ جانبيه جبلان عظيمان يرقى إليهما الطرف ms012 ولكنه لا يبلغ ~~أعلاهما، وقد تشقق الجبلان عن فجوات عميقة أراها ولا أحصيها، والنار من ~~هذه الفجوات يسعى بعضها إلى بعض، حتى تلتقي وحتى يسيل بها الوادي كما يسيل ~~بالماء، وفي أقصى هذا الوادي من أمامي مروج خضر تجري فيها مياه عذاب ~~لا تبلغها هذه النار، وإنما تقف قبل أن تنتهي إليها، وأنت قائمة في هذه ~~المروج الخضر قد رد عليك شبابك وأشرق وجهك حتى كأنه الشمس، وأنت تبتسمين ~~لي وتدعينني باللحظ واللفظ، وتشيرين إلي بالبنان، ومن ورائي عمار يحثني ~~على أن أقتحم النار، ويقول في صوت يشيع فيه الحنان: أقدم يا أبت، فليس ~~عليك بأس، إنما هي لفحة أو لفحات # 52 # ومن ورائها هذه الرياض الخضر! وسمية قد رد عليها شبابها، ~~وشبابك ينتظرك إلى جانبها ليرد عليك. وأنا أسمع دعاءك، فأهم أن أقتحم ~~النار، ولكن لفحها يوقظني، ثم يضرب الشيخ جبهته بيده صائحا: ويلاه! إني ~~لأجد مس النار. # قالت سمية، وقد أقبلت عليه مرتاعة ملتاعة: ويحك! لا بأس عليك، قم فأصب ~~شيئا من طعام، ثم اخرج فاقصص رؤياك هذه المروعة على بعض كهاننا، لعلهم ~~أن يجدوا لها تأويلا. # ولم يقبل المساء من ذلك اليوم حتى كانت رؤيا ياسر قد عبرت نفسها، وحتى ~~وجد ياسر مس النار. # 5 # أقبل ياسر يسعى إلى المسجد، حتى إذا بلغ نادي بني مخزوم ألقى التحية وجلس، ~~ولكنه لاحظ أن وجوه القوم لم تهش له، وأن أصواتهم لم ترتفع بالسلام ~~عليه، وإنما رد بعضهم عليه تحية فاترة، ومضى بعضهم في حديثه كأنه لم يلق ~~إلى هذا الطارئ بالا، فأسر ياسر في نفسه بعض الموجدة، # 53 # ولكنه لم يطل عندها الوقوف؛ فهو يعلم أن في مخزوم صلفا # 54 # وأنفة وكبرياء، ولولا وفاؤه بحلفه لمكان أبي حذيفة من قلبه، ~~لتحول عن مخزوم إلى حي آخر من أحياء قريش، ولكنه وفى لأبي حذيفة بعد موته ~~كما وفى له أثناء حياته، ولم يكن له من هذا الوفاء بد؛ فأبو حذيفة قد ~~حفظه بعد ضيعة، وآمنه من خوف، وزوجه سمية ms013 أحب الناس إليه وآثرهم عنده، ~~وأعتق له ولده منها قبل أن يولدوا، ثم لم يمت حتى رد إلى سمية حريتها، ~~فأصبحت دار ياسر دار حرية كاملة، بعد أن كانت دارا نصفها حر ونصفها ~~رقيق. # وكان ياسر قد أقبل على نادي مخزوم وفي نفسه أن يقص عليهم رؤياه تلك التي ~~أهمته وروعته، يطرفهم بها من جهة، ويلتمس عندهم لها تأويلا من جهة ~~أخرى، فلما رأى منهم الفتور والإعراض أمسك لسانه في فمه، وجلس صامتا لا ~~يقول شيئا. وكانت مخزوم قد عودت ياسرا ألا تراه في ناد من أنديتها أو ~~دار من دورها إلا داعبته وأثارت نشاطه للحديث، ولكنها تلقته في هذا ~~الضحى فاترة عنه تكاد تنكره، لا تسأله حديثا ولا تسوق إليه حديثا، ~~ولولا أنه تعود أن يستأني # 55 # بهؤلاء المستكبرين حتى يثوبوا إليه، فيعبث بكبريائهم ويسمعهم ~~ما لم يكونوا يحبون أن يسمعوا؛ لانصرف عنهم إلى ناد آخر من أندية ~~قريش، ولكنه أقام صامتا مستانيا يدير في نفسه الانتقام من هذا الفتور. ~~على أنه لم ينتظر طويلا قبل أن يساق إليه الحديث؛ فهذا عمرو بن هشام ~~يسأله فجأة: ما أخرك اليوم عنا يا ياسر؟ # قال ياسر مداعبا: فقد كنت في حاجة إلى إني # 56 # يا أبا الحكم؟ # قال عمرو بن هشام، وهو يكتم الغيظ في نفسه: أجل، كنت في حاجة إليك لأسألك ~~عن شيء عمي # 57 # علي من أمرك. # قال ياسر: وما ذاك؟ # قال عمرو بن هشام: ذاك أني لم أرك قط تقرب # 58 # إلى آلهتنا، ولم أسمعك قد تذكرها بخير. # قال ياسر متضاحكا: فهل سمعتني قط أذكر آلهتكم بسوء؟ وهل رأيتني قط آتي من ~~الأمر ما يؤذيها؟ # قال عمرو بن هشام: فهي إذن آلهتنا نحن، وليست منك ولست منها في شيء! # قال ياسر: وما تريد إلى ذاك؟ # قال عمرو بن هشام، وقد ظهر الغضب في وجهه وفي صوته جميعا: أريد أن أعرف من ~~هو معنا ومن هو علينا؛ فقد آن لكل من أقام بمكة أن يصرح عن ذات نفسه، ~~وأن ms014 يبدي دخيلة ضميره، ولقد عفونا لأحلافنا عن كثير، ولكنا لن نعفو لهم منذ ~~الآن عن شيء. # قال ياسر: أمسك عليك نفسك أبا الحكم! فإنك لم تر مني ولم ير قومك مني ~~سوءا منذ حالفت عمك أبا حذيفة على أن أكون سلما لمن سالمتم وحربا على ~~من حاربتم، وإني لأسمع الآن منك حديثا لم أسمع مثله منذ أويت # 59 # إلى حرمكم هذا. # قال عمرو بن هشام، وقد اندفع في ضحك يصور الغيظ أكثر مما يصور الرضا: ~~فأنت حرب على ابنك عمار إذن منذ اليوم؟! # قال ياسر: أبن أبا الحكم؛ فإني لا أفهم عنك منذ اليوم شيئا. # قال عمرو بن هشام: ألم تعلم أن ابنك قد صبأ # 60 # أمس وآمن لمحمد وأصحابه؟! هنالك صعق ياسر، فانعقد لسانه ~~واصفر وجهه، وجعل جبينه يتفصد # 61 # عرقا، وهنالك جعل سادة مخزوم يتقارضون نظرات سراعا فيها من ~~العجب أكثر مما فيها من السؤال، وهم عمرو بن هشام أن يتكلم، فقال له ~~عمه الوليد بن المغيرة: حسبك يا ابن أخي! ارفق بهذا الشيخ؛ فإنك قد ترى ما ~~نزل به، وليس عليه من جرائر # 62 # ابنه شيء، فقد جاوز ابنه سن الأربعين. ~~••• # وجعل السادة من مخزوم يعيدون على عمرو بن هشام مقالة الوليد، وجعل رشد ~~ياسر يثوب إليه في أثناء ذلك قليلا قليلا. فلما آنس من القوم صمتا قال ~~لعمرو بن هشام: بئس ما لقيت به حليفك يا أبا الحكم! إني لم أر عمارا ~~أمس، ولم أره اليوم، ولم أعرف ما كان من أمره منذ فارقته، وإنك لتضع العنف ~~في غير موضعه وتلوم غير ملوم، فهلا عنفت بالأرقم بن أبي الأرقم، ~~وهو مثلك سيد من سادات مخزوم، وهو قد صبأ قبل أن يصبأ عمار - إن كان عمار ~~قد صبأ - وهو قد جعل داره ناديا لمحمد يلقى فيها أصحابه، وينشر منها ~~دعوته، ويذكر فيها آلهتكم بما تكرهون؟! ولكنك خفت الأرقم بن أبي الأرقم؛ ~~لأن بني أبيه يقومون دونه # 63 # إن أردته بمكروه، فأما حليف عمك أبي حذيفة فليس هناك! ms015 فلو قد ~~كان أبو حذيفة حيا لفكرت وقدرت قبل أن تلقاني هذا اللقاء. قال ذلك ونهض ~~متثاقلا حزينا منكسر النفس؛ فمضى إلى داره، وترك بني مخزوم ~~يتلاومون. # 6 # ولم يكد يبلغ داره ويلج من بابها حتى أنكر من الدار ومن أهلها كل شيء؛ ~~فقد رأى زوجه سمية فرحة مرحة، قد أشرق وجهها على رغم ظلمته، وابتسم ~~ثغرها وهي تلقاه مبتهجة النفس منبسطة الأسارير، فلا يكاد يدنو منها حتى تثب ~~إليه وتتعلق به، تلقي إليه في صوت مبتهج تشيع فيه الغبطة وتفيض منه ~~البهجة: أبشر ياسر؛ فقد جاءنا عمار بخير الدنيا والآخرة! # قال ياسر دهشا: الآخرة! ما الآخرة؟! ماذا تقولين؟! إني لأعيش عيشة منكرة ~~منذ اليوم، تروعني أحلام الليل، ولا أفهم ما يقال لي أثناء ~~النهار. # قال عمار: أبشر يا أبت؛ فقد جئتك بخير الدنيا والآخرة. # قال ياسر: أمفصح أنت عما تريد؟ ألم أحدث أنك قد صبأت؟! ويلك! # 64 # ماذا جنيت على أبويك؟! # قال عمار، وهو يتضاحك رفيقا بأبيه: بل قل: ماذا جنيت لأبويك؟ فقد جنيت ~~لكما خير الدنيا والآخرة، لقد حدثك من حدثك بأني صبأت، فإني لم أصبؤ، ~~وإنما أسلمت لله الذي خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم، وأرسل ~~إلينا محمدا يهدينا سبلنا ويبصرنا بأمرنا، ويخرجنا من الظلمات إلى ~~النور، ومن الجهالة والضلالة والغي إلى الحكمة والهدى والرشد، ويبشر من ~~آمن واتقى بأن له رضا الله عنه ما عاش، وبأن له رضا الله عنه ومثوبته له ~~بعد أن يموت، وينذر من كذب وعصى بأن عليه لعنة الله حيا، وبأن له نار ~~جهنم يصلاها # 65 # خالدا فيها بعد أن يموت. ~~••• # وسمع الشيخ هذا كله مصغيا له، وكأن كلمات ابنه كانت تنفذ إلى قلبه دون أن ~~تمر بأذنيه، وقد جعل وجهه يشرق شيئا فشيئا حتى استحال كله نورا، وجعلت ~~قوته تذهب عنه شيئا فشيئا حتى تهالك وكاد ينهار، لولا أن أسرع إليه ابنه ~~وامرأته فأسنداه وأجلساه، وأقبلا عليه يرفقان به ويتلطفان له، يمسح عمار ~~رأسه وتمر سمية يدها على وجهه، والشيخ واجم ms016 لا يتحرك لسانه في فمه ~~إلا بهذه الكلمات: فهو ذاك إذن! فهو ذاك إذن! # قال عمار في صوت حلو: ماذا تقول يا أبت؟! # قال ياسر - وقد احتبست في حلقه عبرة لم يبن صوته منها إلا بعد جهد، ~~وقد جعلت عيناه تسحان على وجهه دموعا غزارا - قال ياسر: هو ذاك إذن! ~~لقد أذكرتني يا بني حديثا كان بيني وبين أبي حذيفة حين ألممت بمكة ولم أكد ~~أجاوز العشرين. أراد أن يحالفني عند آلهته فأبيت عليه، فلما سألني عن ذلك ~~ذكرت له أني لو كنت متخذا إلها لعبدت البحر الذي يخيفني، أو الشمس التي ~~تضيء لي، أو النجوم التي تهديني، ولكن شيئا من ذلك لا يبلغ قلبي ولا يتحدث ~~إلى نفسي ولا يثير فيها رغبا ولا رهبا. فقد أنبأك محمد إذن بأن لهذه ~~الآيات كلها خالقا فطرها ودبر أمرها، هو ذاك إذن! ثم أطرق الشيخ ~~إطراقة طويلة، ثم رفع رأسه والدموع تنهل من عينيه غزارا وهو يقول: هو ~~ذاك إذن! ومن أجل هذا آثرت بعد الدار على قربها، واخترت أن أكون ~~حليفا لبني مخزوم على أن أكون عزيزا في بني عنس، وتركت أخوي ~~يعودان إلى تهامة، وأقمت أنا في هذه البطحاء. ثم يتحول إلى سمية، فيمسح ~~رأسها بيده، وهو يقول: وكان حبك هو الذي دعاني إلى انتظار هذه الساعة. ثم ~~يعود إلى إطراقه، ثم يرفع رأسه وقد كفت عيناه عن البكاء، وجعلت قطرات ~~من دمعه تتلألأ في لحيته، وهو يقول لابنه عمار: متى تصحبنا إلى محمد ~~لنسمع منه كلمة الحق؟ # قال عمار: هلم الآن إن شئتما. # وأقبل المساء من ذلك اليوم، وإذا أبو جهل عمرو بن هشام قد أقبل في فتية من ~~أحرار مخزوم ورقيقها، فوضعوا عمارا وأبويه في الحديد، وأشعلوا في دار ياسر ~~النار. يقول ياسر لسمية والقوم يعتلونهم # 66 # إلى حيث يحبسون: انظري سمية، هذا أول النار التي عرضتها ~~علي الأحلام. # فيقول عمار: ومن ورائها جنة فيها نعيم ورضوان للذين صدقوا محمدا، ~~واستجابوا لما دعاهم إليه. # 7 # واجتمع الملأ من ms017 قريش في المسجد حين ارتفع الضحى من الغد، فلم يتحدثوا في ~~تجارة ولا بيع، وإنما تحدثوا في هذا الحدث العظيم الذي ابتكره فتى مخزوم في ~~هذا البلد الآمن الذي ليس لأهله عهد بتحريق الدور على أهلها، ووضع الرجال ~~والنساء في الحديد وإذاقتهم ألوانا من العذاب، مع أنهم لم يقتلوا ولم ~~يسرقوا ولم يقترفوا من الآثام والذنوب ما تعودت قريش أن تنكره وتعاقب ~~عليه. # يقول الوليد بن المغيرة لأبي جهل عمرو بن هشام: ويحك يا ابن أخي! لقد ~~أحدثت في هذا الحرم الآمن ما ليس لقريش به عهد، لم تؤامرنا فيما صنعت، ولم ~~تصدر عن ذوي أحلامنا # 67 # ولا عن أولي الرأي من قومك، وإنما اتبعت هواك، واستخفك ~~الغرور، وتبعك السفهاء من فتياننا والمحمقون من رقيقنا، وإني لأخشى أن ~~يكون لهذا الحدث الذي أحدثته ما بعده؛ فإن لهذا الحرم في نفوس العرب ~~مكانته؛ يأمنون فيه من خوف، ويطعمون فيه من جوع، ويلتمسون فيه ما لا ~~يجدون في غيره من الدعة والسعة والطمأنينة والرخاء. فكيف إذا تسامعت العرب ~~بأن الذين يأوون إلى هذا الحرم ويستظلون بظل هذا البيت لا يجدون دعة ولا ~~سعة ولا ينعمون بأمن ولا عافية، وإنما تحرق عليهم دورهم، ويوضعون في ~~الحديد، ويسامون سوء العذاب؟! وكيف إذا تسامعت العرب بأن فتيان قريش ~~وسفهاءها قد بغوا وطغوا، وأصبحوا لا يحفلون بالملأ ولا بذوي الأحلام والرأي ~~من قومهم، وإنما يركبون رءوسهم، ويستجيبون لشهواتهم، ويتبعون أهواءهم، لا ~~يحفظون للجار عهدا، ولا يرعون للاجئ حرمة؟! أما إني مشير على مخزوم بأن ~~تطلق هؤلاء الأسارى وبأن تنصفهم منك ومن أصحابك. # قال أبو جهل عمرو بن هشام وقد انتفخ سحره # 68 # وورم أنفه وصعد الدم إلى وجهه، وجعلت عيناه تقدحان شررا: ~~هيهات! لا واللات والعزى لا تصلون إلى هؤلاء الأسارى وقائم هذا السيف في ~~هذه اليد، وإني لأعلم أني أحدثت في هذا الحرم ما لا عهد لأهله به، ولكنك ~~تعلم يا عم أن محمدا قد سبقني فأحدث في هذا الحرم ما لا عهد لأهله ~~به. ms018 # قال الوليد في رفق: ويحك يا ابن أخي! فإن محمدا لم يحرق دارا، ولم يعنف ~~بأحد، ولم يضع أحدا في الحديد. # قال أبو جهل: بل هو فعل شرا من ذلك، إنه أفسد علينا الرقيق، وأفسد علينا الدهماء، # 69 # يغريهم بآلهتنا، ثم لا يكفيه ذلك فيغريهم بأموالنا ومرافقنا، ~~ويطمعهم في مراتبنا ومنازلنا التي توارثناها، ثم لم نخلد إليها، وإنما نبذل ~~في الاحتفاظ بها ما نملك من قوة وجهد، ألم تر إلى هؤلاء الرقيق الذين ~~اتبعوا محمدا يزعمون أنهم رجال أمثالنا، وأن لهم مثل ما لنا من الحق، ~~وأن عليهم مثل ما علينا من التبعات، وأنهم أكرم منا عند الله منزلة وأرفع ~~منا عنده مكانة؛ لأنهم يخلصون له قلوبهم، ويؤمنون به وحده لا يشركون معه ~~اللات والعزى ومناة وهبل؟! فهم أولو ~~الرأي والحلم، ونحن السفهاء والمحمقون! ويحك يا عم! إنكم إن تتركوا محمدا ~~وأصحابه ينشرون دعوتهم هذه في أرض مكة لا تزيدوا على أن تجعلوا عاليها ~~سافلها، وعلى أن تضيعوا ما أورثكم آباؤكم من العز والمجد ومن الثراء ~~والسلطان. وأيهما شر، أن تتسامع العرب بأن الحلماء من أهل مكة يزجرون ~~السفهاء ويردونهم إلى القصد، أم أن تتسامع العرب بأن الرقيق من أهل مكة قد ~~أصبحوا سادة، وبأن السادة قد أصبحوا رقيقا، وبأن الآلهة التي يحجون ~~إليها من أقصى الأرض قد أصبحت هزؤا وسخرية؟! لا والله، لا تصلون إلى هؤلاء ~~الأسارى وقائم هذا السيف في هذه اليد. # قال أمية بن خلف: وصلتك رحم يا أبا الحكم! والله لقد سعيت فأحسنت السعي ~~أمس، ولقد قلت فأحسنت القول اليوم، وإن أمر محمد وأصحابه لشوكة في جنب هذا ~~الحي من قريش، ولن يستقيم لهذا الحي أمره حتى تنزع من جنبه هذه الشوكة، ~~ولو قد بلا عمك من رقيقه وأحلافه مثل ما بلوت أنا من بعض أتباعي لما ~~اشتط عليك في القول، ولما ألح عليك باللوم منذ اليوم، وإن الذي صنعت ~~بأساراك من أحلاف مخزوم ورقيقها أمس قد صنعت مثله بقوم من أحلاف جمح ~~ورقيقها. ولا والله ms019 يا معشر قريش ما لكم من أمركم خيرة، وإنما هي الحرب ~~المنكرة قد حملت إليكم ونصبت عليكم في عقر داركم، # 70 # فإن أردتم أن يصبح مالكم نهبا لعبيدكم وإمائكم والطارئين ~~عليكم من أوشاب العرب وأخلاط الناس، وإن أردتم أن يفقد هذا البيت حرمته، ~~وتفقد هذه الآلهة ذكرها الطائر في الآفاق، وتصد العرب عن الحج إليكم ~~واللياذ بكم، وتصبحوا أحدوثة في الأفواه وسمرا للسامرين، فخلوا بين ~~محمد وأصحابه وما يريدون، وإن أردتم أن تمسكوا عليكم أموالكم، وتحفظوا على ~~الآلهة سلطانها، وتكفلوا لهذا الحرم ذكره بين الناس، فشدوا على أيديكم، # 71 # وردوا على أنفسكم فضل أحلامكم، واستقبلوا أمركم بالحزم ~~والجد، وكفوا هؤلاء السفهاء عما أمعنوا فيه من الفساد. # قال أبو سفيان صخر بن حرب: أما إني لا آمن أن أمضي بتجارتكم غدا إلى ~~الشام أو إلى اليمن، وأن أعود إلى هذا البلد بعد أشهر فأرى أصحاب الأموال ~~وقد شردوا وأزيلوا عن أماكنهم. يا معشر قريش إن التجارة خير، وإن فيها ~~لربحا وسعة، ولكن التجارة ليست مربحة إذا لم يحم ظهرها، ويحكم! ~~إنكم تصانعون العرب لتحموا طريق تجارتكم إلى الشام واليمن، فكيف إذا ~~عجزتم عن حماية تجارتكم في مستقرها؟! أما إني لن أبرح الأرض بتجارتكم حتى ~~أعلم أنكم ستحمون ظهري، وأني سأعود إلى مكة فأرى أهلي كما تركتهم آمنين ~~وادعين لم يرزءوا # 72 # في أنفسهم ولا في أموالهم. # قال الوليد بن المغيرة متضاحكا: ويحكم! كأنما أطرت بما قلت لابن أخي ~~طائرا كان في صدوركم! # 73 # ها أنتم هؤلاء قد أفسد الخوف عليكم أمركم، وأخرجكم الذعر عن ~~أطواركم، فأكبرتم من أمر هذه العصبة صغيرا، وعظمتم من شأنها حقيرا، ~~إنهم ما علمت لوادعون يتحدثون بأحاديثهم فيما بينهم، لم يبادوكم ~~بشر، ولم يرزءوكم في مالكم قليلا ولا كثيرا. # قال أبو سفيان: فتريد أن ننظرهم # 74 # حتى يفعلوا؟ # قال أبو جهل: فإني أريد أن أستأصل هذا الشر قبل أن يستفحل، امض أبا سفيان ~~بتجارتنا حيث شئت، فإن علي أن أحمي ظهرك، وأن أحفظ لك مكة كما تحب ms020 أن ~~تكون. # قال عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش، كلكم قال فأحسن القول، إنا والله ما نرضى ~~أن تسفه أحلامنا ولا أن تعاب آلهتنا ولا أن تتعرض أموالنا لشر، ولكن ~~لنا في القصد والعافية ما يغنينا عن العنف والبطش، فلنؤدب سفهاء # 75 # قومنا بالأناة واللين، ولنأخذ الرقيق والأحلاف بالشدة ~~والعنف، فإنا إن نفعل ذلك نقر السلم في ذات بيننا، ونجعل من الرقيق ~~والأحلاف مثلا وعبرة ونكالا. # قال أبو جهل: وهل فعلت غير هذا؟! إني واللات والعزى لو أطعت نفسي لقتلت ~~الأرقم بن أبي الأرقم، ولحرقت داره على من فيها، ولوجدت في ذلك شفاء ~~لنفسي أي شفاء! ولكني أوثر العافية في مخزوم، وأتخذ من هؤلاء الأخلاط ~~والمستضعفين نكالا للصابئين # 76 # من قريش. # قال الوليد بن المغيرة وهو ينهض متثاقلا ويضحك ساخرا: بئس والله ما تصنع ~~يا ابن أخي! إنما يقيس القوي قوته إلى الأضراب والنظراء، # 77 # فأما أن يقيسها إلى الأحلاف والرقيق والمستضعفين من الناس فهذا ~~والله الجبن والخرق، # 78 # ولكن لا رأي لمن لا يطاع. ~~••• # وتفرقت قريش فذهب أكثر الملأ إلى دورهم إلا أبا جهل، فإنه ذهب في عصبة ~~من الفتية والرقيق، فاستخرج أساراه من محبسهم ذاك الذي أنفقوا فيه الليل، ~~ومضى يدفعهم أمامه يتعجل خطوهم، وأنى للمقيد أن يسرع الخطو؟! ولكن ~~أبا جهل وأصحابه كانوا يخزونهم بالرماح والخناجر وخزا # 79 # يؤذي ويدمي ويشق، ولكنه لا يبلغ الأنفس، وربما ألهبوهم ~~ضربا بالسياط، وربما جذبوا لحية ياسر وعمار وشعر سمية وهم يتضاحكون ~~ويتصايحون، والناس ينثالون # 80 # عليهم من كل بيت وينضمون إليهم من كل وجه، وكأن الأسارى قد ~~تحدثت نفوسهم وسكتت ألسنتهم، فأجمعوا ألا يرفعوا صوتهم بشكاة وألا يظهروا ~~ألما ولا ضجرا. # ومضوا كذلك، حتى إذا بلغوا مكانا في البطحاء وقف أبو جهل ووقف الناس معه، ~~ثم تقدم حتى دنا من ياسر، فقال له ساخرا منه: أباق أنت على حلفك لمخزوم ~~كما حدثتنا أمس؟ # قال ياسر: فإنك قد أخرجتنا من هذا الحلف حين بغيت علينا، # 81 # فألقيت عنا عبئه ووزره. # 82 ms021 # قال أبو جهل: فقد برئت من حلفنا إذن؟ # قال ياسر: كما أبرأ من الشر والنكر وما يخزي الرجل الكريم. ولم يمهله أبو ~~جهل، وإنما ضرب وجهه حتى أدماه، وضرب القوم في وجه عمار وسمية حتى ~~أدموهما، ثم تقدم # 83 # أبو جهل إلى أصحابه أن يطرحوا هؤلاء الأسارى أرضا، ففعلوا. ثم ~~تقدم إليهم أن يأخذوهم بمكاوي النار # 84 # في جنوبهم وصدورهم، ففعلوا. ثم تقدم إليهم أن يضعوا على صدورهم ~~الحجارة الثقال، ففعلوا. ثم تقدم إليهم أن يصبوا على وجوههم قرب ~~الماء، ففعلوا. وأبو جهل ينتظر متحرق النفس أن يسمع من أحدهم صيحة أو أنة ~~أو شكاة، ولكن نفوس الأسارى قد تحدث بعضها إلى بعض وفهم بعضها عن بعض، ~~فعقدوا ألسنتهم وعمروا قلوبهم بذكر الله، وخلوا بين القوم وبين أجسامهم ~~يصنعون بها ما يريدون. # وعبث أبو جهل وأصحابه بأجسام هؤلاء الثلاثة حتى ملوا العبث وضاقوا به، ~~فتفرقوا عنهم بعد أن وكلوا بها حراسا يحفظونهم على حالهم تلك حتى ~~يعودوا إليهم حين تجنح الشمس إلى الغروب. # 8 # قال حرب بن أمية لعبد الله بن جدعان: ما رأيت كغلامك الرومي هذا ذكاء ~~قلب، ونفاذ بصيرة، وبراعة في التجارة، ومهارة في تثمير المال. # قال عبد الله بن جدعان: أما إذا قلت هذا فإني لا أدري أعربي هو سبته # 85 # الروم صبيا حين أغارت على أرض الفرس كما يقول، أم رومي هو ~~سبته العرب حين أغارت مع الفرس على أرض الروم كما يقول الكلبيون الذين ~~باعوه لي عام أول في الشام. # قال حرب بن أمية: إن فيه حمرة لا تعرفها العرب، وإن لسانه يرتضخ لهجة ~~رومية طالما سمعت مثلها في كثير من أهل الشام، فليكن عربيا أو ليكن ~~روميا فليس لذلك شيء من الخطر، ولكني لم أر مثله قط ذكاء قلب ونفاذ ~~بصيرة وحسن نظر في التجارة وتثمير المال، لقد رأيته في رحلتنا تلك إلى ~~اليمن وحين عبرنا البحر إلى بلاد الحبشة شيطانا من الجن يتنسم # 86 # مصادر الربح وموارد الكسب، وينبئنا غير مكذب بأنا إن ms022 ذهبنا ~~إلى هذا الوجه أو أقمنا في هذه القرية بعنا كأحسن ما يكون البيع، وشرينا ~~كأحسن ما يكون الشراء، ولست أدري كيف تنسم ريح الربح في بلاد النجاشي، ~~فاتصل برجال أمثاله لا يحسنون لغتنا ولكنهم يتعاطون فيما بينهم رطانة ~~رومية، فباعهم كل ما كان معنا، واشترى منهم ما لم نكن نطمع في شرائه ولا ~~نقدر على حمله، واحتال حتى أعادنا إلى مكة في السفن التي تمخر البحر لا على ~~ظهور الإبل التي تسبح في البر، وأشد من ذلك وأدنى غرابة من ذلك إلى العجب ~~أنه ألقى في روع # 87 # أولئك الناس أنهم يستطيعون إن شاءوا أن يرسلوا رسلا منهم ~~يحملون ما يحتاجون إليه من المال؛ ليشتروا منا إذا بلغنا أرضنا ما يملئون ~~به سفنهم حتى لا تعود إلى مستقرها فارغة، فأغنانا في موسم واحد عن رحلتين، ~~بل عن أكثر من رحلتين. # قال عبد الله بن جدعان: إنه ما علمت لغلام صنع # 88 # ميمون النقيبة، ولقد استكرهت على شرائه، ولكني لم أر منه ~~إلا خيرا. # وخلا عبد الله بن جدعان مساء ذلك اليوم إلى غلامه ذاك الرومي الذي ~~سبته العرب، أو العربي الذي سبته الروم، فقال له: لقد أحسنت البلاء يا ~~صهيب في رحلتك هذه إلى اليمن وأرض الحبشة، ولو لم يثن عليك حرب بن ~~أمية لأثني عليك هذا المال الكثير الذي رجعت به إلي، فهل كان لك بالتجارة ~~من عهد؟ # قال صهيب: هيهات! ما أعلم أني بعت أو اشتريت قبل رحلتي هذه إلا ما يبيع ~~الناس ويشترون من حاجتهم التي تصلح أمرهم في كل يوم. # قال عبد الله بن جدعان: فهي الفطرة إذن؟ # قال صهيب: هو ذاك. وأطرق عبد الله بن جدعان ساعة، وهم صهيب أن ينصرف، ~~ولكن سيده استبقاه بالإشارة، فأقام ينتظر أن يرفع سيده إليه رأسه وأن يصدر ~~إليه أمره. وطال إطراق السيد حتى مل الغلام أو كاد، ولكن عبد الله بن ~~جدعان يرفع رأسه ويبسم للغلام، ويقول في تحفظ وهدوء: أضائق أنت بالرق يا ~~صهيب؟ قال صهيب: ms023 ومن ذا الذي لا يضيق بالرق، ولا يتمنى أن يكون ~~حرا؟! # قال عبد الله بن جدعان: فإني أريد أن أرد عليك حريتك، وأن أملكك أمر نفسك، # 89 # ولكن بعد أن أعرضك لمحنة ذات خطر. # قال صهيب: فأمسك عليك حريتك هذه التي تريد أن تردها علي؛ فإن الحرية لا ~~تباع ولا تشترى. # قال عبد الله بن جدعان: ويحك يا صهيب! ماذا تقول؟! لقد اشتريتك من بني كلب، ~~واشتراك بنو كلب من الروم أو من العرب لا أدري. # قال صهيب: فإنك لم تشترني، وإن بني كلب لم يشتروني من نفسي، وإنما عدا علي ~~العادون فباعوني من بني كلب، وباعني بنو كلب منك على كره مني لا عن رضا ~~ولا عن اختيار، فأنتم ترونني عبدا قنا وأنا أراني رجلا حرا، وأنتم ~~تتسلطون على جسمي بما تملكون من قوة ومال وسلطان، ولكنكم لا تجدون لأنفسكم ~~على نفسي سبيلا. # قال عبد الله بن جدعان: فما أكثر الرقيق الذين يكاتبون # 90 # على أنفسهم، ويشترون حريتهم بالأموال والأعمال! # قال صهيب: هم وما يصنعون، أما أنا فلن أكاتب ولن أشتري حريتي بمال أو عمل؛ ~~لأني ما زلت أراني حرا في نفسي. # قال عبد الله بن جدعان: صدق حرب بن أمية، إنك لذكي القلب، جريء الجنان، ~~ولكني أريد ... # قال صهيب: تريد أن تمتحنني؟! فإن سلطانك علي يبيح لك أن تعرضني لما شئت ~~من محنة، فمرني بما شئت فستراني عند ما تحب، ولكن لا تعدني شيئا، فإني ~~لا أكره شيئا كما أكره الأماني والوعود. # وهم عبد الله بن جدعان أن يرد عليه رجع حديثه، ولكن صهيبا لم ~~يمهله، وإنما قال له متعجلا: وهل لك في أن أخفف عنك بعض هذا العبء الذي ~~ينوء بك، # 91 # وأن أفصح لك عما يضيق به صدرك ولا ينطلق به لسان؟ # قال عبد الله بن جدعان: وإنك لتعلم دخائل الصدور؟! # قال صهيب: لقد نجحت في رحلتي إلى اليمن وأرض النجاشي، وجلبت إليك مالا ~~كثيرا، فأنت تود لو أرسلتني في تجارتك إلى الشام وأرض قيصر، وتظن ms024 أني ~~سأجلب لك منها أكثر مما جلبت لك في رحلة الشتاء، وأنت تأمنني على مالك ~~وتجارتك لا تخاف أن يصيبك فيهما ضير، ولكنك لا تأمنني على نفسي، وإنما ~~تقدر أني قد نشأت حرا في بلاد الروم، وأني خليق إن رأيت هذه الأرض أن ~~أقيم بها وألا أعود إليك، وعسى أن أحتجز فيها ما استودعتني من تجارة ~~ومال. # قال عبد الله بن جدعان: أما هذا فلا، إنك عندي أمين على المال ~~والتجارة. # قال صهيب: أولست تراني بعض مالك؟! فأمني على نفسي كما تأمنني على ما ~~سترسل معي في العروض، # 92 # وبعد فأرح نفسك من هذا العناء، وانهض في تهيئة تجارتك إلى أرض ~~قيصر، فسأرحل عنك، وسأعود إليك بمال لا عهد لك بمثله، فأنا أعلم الناس بما ~~يحب الروم وما يكرهون، وليس لي في بلاد الروم أرب، # 93 # وليس لي بالإقامة فيها كلف، فقد علمت منذ آخر الصبا وأول ~~الشباب أن بلاد الروم ليست لي بدار، وقد علمت منذ آخر الصبا وأول الشباب أن ~~لي في قريتك هذه أربا أي أرب، ولولا ذلك لما قمت معك، ولما أذعنت ~~لسلطانك، وأي شيء أيسر على مثلي من أن يفوتكم إن شاء الفوت، ولستم بذوي ~~حرس ولا بأصحاب شرط؟! ولو قد شئت لخادعتكم فخدعتكم حتى أخرج من حرمكم ~~هذا، ثم تطلبونني ما وسعكم الطلب فلا تجدون إلي سبيلا، ولو قد أدركتموني ~~لم تقدروا علي. # قال عبد الله بن جدعان: لك في قريتنا هذه أرب؟! أي أرب؟! وما ذاك؟ # قال صهيب: لو عرفته لأنبأتك به، ولكنني نبئت منذ آخر الصبا وأول الشباب ~~أن محياي ومماتي في أرضكم هذه، أعيش في حرمكم هذا شطرا من عمري، وأعيش في ~~حرم آخر شطره الذي يبقى لي، وأموت وأدفن في أرض الحجاز. # قال عبد الله بن جدعان: ويحك يا صهيب! إنك لتحدثني بالأحاجي # 94 # منذ اليوم، وإني لا أعرف في بلاد العرب حرما غير هذا ~~الحرم. # قال صهيب: وأنا لا أعرف في بلاد العرب حرما غير هذا الحرم، ولكني أحدثك ms025 بما ~~نبئت به في آخر الصبا وأول الشباب، وهو حديث سمعته من قس في بلاد ~~الروم، فلم أفهمه ولم ألق إليه بالا حتى رأيتني أباع ذات يوم من بني ~~كلب، وسمعت سادتي يتحدث بعضهم إلى بعض ~~بأنهم يبيعونني بثمن ربيح حين يفد عليهم الوافدون من سكان الحرم من قريش، ~~ولو قد شئت أن أفلت من بني كلب لما أعياني الإفلات، ولكني أردت أن أمتحن ~~نبوءة القس فألفيتها صادقة إلى الآن، وما أرى إلا أنها ستصدق حتى تبلغ ~~مداها، فأرسلني في تجارتك حيث شئت، فإني ناصح لك وعائد إليك، واردد ~~إلي حريتي إن أحببت، فإني مقيم في أرضكم هذه لا أريم، وأخرجني منها إن ~~أردت حين يصبح الصبح، فإني راجع إليها حين يمسي المساء فمقيم فيها حتى يكون ~~ما لا بد من أن يكون. # قال عبد الله بن جدعان: ما رأيت كاليوم مغامرا مقامرا! # قال صهيب: هو ذاك. # قال عبد الله بن جدعان: فاصحبني إلى المسجد، فإني أريد أن أشهد قريشا على ~~أنك حر. # قال صهيب: حسبك أن تشهد نفسك وتشهدني على أني حر، فليس لي في شهادة ~~غيرنا على حريتي أرب. وأصبح عبد الله بن جدعان، فتحدث في أندية قريش بأنه ~~قد أعتق غلامه الرومي صهيبا وحالفه، وجعله أمينا على ماله كله وعلى ~~تجارته في رحلتي الشتاء والصيف، فسمعت قريش ولم تنكر لما تحدث إليها به ~~حرب بن أمية مما كان لهذا الفتى من حسن البلاء في تجارة مولاه. ~~••• # وأنفق صهيب زهرة شبابه تاجرا لعبد الله بن جدعان، يثمر ماله وينشر ~~تجارته، فيبعد بها طورا في أرض النجاشي وطورا في أرض قيصر وتارة في ~~أرض كسرى، حتى أصبح عبد الله بن جدعان أكثر قريش مالا وأوسعها ثراء ~~وأعظمها عطاء وأسخاها يدا، وحتى قصد إليه الشعراء يبيعونه الثناء بالمال ~~الكثير. # وكان عبد الله بن جدعان كلما سمع ثناء الناس عليه وأرضاه ذلك قال لصهيب: ~~وإنما لك شطر هذا الثناء، فأنت الذي أتاح لي أسبابه ويسر لي وسائله. ~~وكان عبد الله بن ms026 جدعان ربما سأل صهيبا بين حين وحين: ألا يزال لك في ~~أرضنا هذه أرب؟ # فيجيب صهيب: أرب، أي أرب! # يقول عبد الله بن جدعان: فهل تبينت أربك # 95 # يا صهيب؟ # فيقول صهيب: لو تبينته لما أخفيته عليك. ~~••• # وأدرك الموت عبد الله بن جدعان ذات يوم، وخلصت لصهيب نفسه كلها، وكثر ماله، ~~وكان خليقا إن شاء أن يتحول إلى أرض قيصر حيث نشأ، أو إلى أرض كسرى في ~~العراق حيث ولد، ولكنه أقام بمكة لا يبرحها، وجعل يثمر ماله مقتصدا ~~في هذا التثمير، لا يغدو في التجارة ولا يبعد في الأرض، وجعل يحيي سنة عبد ~~الله بن جدعان؛ فيطعم الجائع ويغني العائل ويعين المحتاج . وجعلت قريش تطمئن ~~إليه وتثق به وتأنس إلى حديثه ذاك الذي لا يكاد يبين، حتى أصبح ذات يوم، ~~فسمع قريشا تتحدث في أنديتها عن دار الأرقم بن أبي الأرقم، ومن كان يجتمع ~~فيها من الناس حول محمد بن عبد الله، وما كان يتلى فيها من القرآن، وما ~~كان يدار فيها من الحديث، فيحس صهيب في نفسه كأن أربه ذاك الذي رافقه منذ ~~آخر الصبا وأول الشباب إلى آخر الشباب وأول الكهولة، قد جعل يدنو منه ~~قليلا قليلا، وقد أخذت نفسه تنازعه إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، ~~فيصدها ويردها ويستمسك بالبقايا # 96 # على ما كان بينه وبين سادة قريش من المودة والإلف، ولكن شوقه ~~إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم يملأ عليه يقظة النهار ونوم الليل، حتى أصبح ~~ذات يوم وقد أخذ نفسه بما تكره، وخرج من داره يريد أن يمضي إلى المسجد، ~~ولكنه يمضي ويمضي، ثم لا يبلغ المسجد، وإنما يجد نفسه أما دار الأرقم، ويرى ~~غير بعيد منه عمار بن ياسر، فيكون بينهما ما قدمت من حديث، ويدخلان ~~ويستمعان ويسلمان ويقيمان مع أصحابهما، حتى إذا أقبل المساء خرجوا ~~جميعا مستخفين. # وافتقدت قريش صهيبا يومها ذاك، ثم افتقدته من غد، ثم تحسس أبو جهل أخباره، ~~ثم أقبل ذات يوم وهو لا يمسك نفسه من الغضب، فلما ms027 رأته قريش قال قائلها: ~~ثارت ثورة أبي الحكم. ووقف أبو جهل على نادي قومه فاتكأ على قوسه، ثم قال ~~في صوت المحنق # 97 # المغيظ: اعلموا يا معشر قريش أن صهيبا قد صبأ، وأنه يشارك آل ~~ياسر في عذابهم منذ اليوم. # 9 # لم تشهد خثعم يوما كذلك اليوم الذي انتصرت فيه على عدو غير محارب، والذي ~~ملأت فيه أيديها من الغنيمة، لم تتكلف في ذلك عناء، ولم تبل فيه بلاء، ~~ولم تبذل فيه جهدا ولم تلق فيه كيدا، وإنما كان الرجل منها يمد يده إلى ~~ما يليه من المال ثم يردها وقد أصابت منه ما تريد وفوق ما تريد، كأنما ~~أنهبت مال النجاشي إنهابا، وأمرت أن تأخذ منه حتى ترضى، ولم تكن ~~ترضى بالقليل، ولا تقنع باليسير، ولو قد استطاعت لاحتوت في ذلك اليوم مال ~~النجاشي كله، فقد كان جيش أبرهة يعود منهزما عن مكة، قد فقد حوله ~~وطوله وقوته في غير حرب، وحمل أميره عليلا منهوكا يتراءى له ~~الموت فيفظعه ويفزعه، ثم تتراءى له الحياة فترد إليه شيئا من روح ~~وراحة، وبطانته مشغولة به جازعة عليه، تأمل وجه النهار وتيأس آخره، ~~والجند الذين أعفاهم الموت وأبقت عليهم الطير الأبابيل # 98 # يسعون متخاذلين متضائلين يتحاملون على سوق # 99 # لا تكاد تحملهم، قد بلغ الجهد من أجسامهم، وعبث اليأس بنفوسهم، ~~فهم ظلال تسوق المال، إلا أنها ظلال تخاف ولا تخيف. ~~••• # وكانت خثعم قد رأت جيش أبرهة وهو يسعى إلى مكة في قوة أي قوة وعدة أي عدة ~~ونشاط أي نشاط. فأما كرامها وذوو أحلامها فتنحوا لأبرهة عن طريقه، # 100 # وكرهوا مقاومته وأنكروا مساومته، ورأوا أنه مقدم على إثم ~~عظيم، فربئوا بأنفسهم عن المشاركة فيه. وأما سفاؤهم وذوو الطيش والنزق منهم ~~فتفرقوا شيعا واختلفوا أحزابا؛ فمنهم من قاوم حتى أعيته المقاومة ~~فاستكان، ومنهم من ساوم فباع نفسه وأقبل على الإثم مستخفا به غير حافل ~~بعواقبه، ومنهم من تنحى عن الطريق ولم يبعد، وإنما أقام رصدا # 101 # يرقب الجيش ويتربص به الدوائر وينتهز منه ms028 الغفلات، يقتل ~~هنا ويخطف هناك، ويلوذ بين ذلك بشعاف الجبال وشعابها، # 102 # حتى اضطغن # 103 # عليهم أبرهة في نفسه وأقسم ليؤدبنهم منصرفه عن مكة أدبا ~~تتسامع العرب به، فتعرف للنجاشي هيبته وسلطانه، ولكن أبرهة لم يدخل مكة ولم ~~يمسس بيتها بسوء، ولم ينصرف عن مكة انصراف المنتصر ولا انصراف المخفق، ~~وإنما انصرف عنها انصراف المنهزم المخذول الذي فعل الدهر به الأفاعيل، وإن ~~لم ير جيشا محاربا ولا عدوا مناوئا، وإنما رأى طيرا أبابيل ترميه ~~وترمي جيشه بحجارة من سجيل، فتجعله وتجعل جيشه كعصف مأكول، # 104 # وقد أسرع ذوو خاصته به إلى اليمن، وقد نهكته العلة حتى أشرف ~~على الموت، ومروا في طريقهم بخثعم فلم يبطشوا بها ولم يصبوا عليها عقابا ~~ولا عذابا، إنما بطشت بهم خثعم فصبت عليهم العقاب والعذاب، ولم يخلصوا ~~منها إلا بشق الأنفس، ومضوا يحملون عليهم بين الموت والحياة، فلم يبلغوا ~~به صنعاء إلا وقد انشق صدره عن قلبه، وأدركه الموت بعد أن برحت به العلة ~~تبريحا. # في ذلك اليوم ملأت خثعم أيديها من ذائب النجاشي وجامده، فأخذت من الذهب ~~والفضة، وأخذت من الإبل والخيل ما أغل عليها حين باعته مالا كثيرا، ~~وأخذت فيما أخذت نساء وفتيات من حسان الحبشة وكرائمهم كن يصحبن الجيش ~~يرين في صحبته لذة وبهجة ومتاعا، ويرى آباؤهن وأزواجهن في استصحابهن ~~تفريجا عنهن وتسلية لهن، وإمتاعا لأنفسهم باستصحاب هؤلاء الحسان في هذا ~~السفر الذي لن يجدوا فيه مشقة ولن يتكلفوا فيه جهدا، وإنما هو تسلية ~~للنفوس وتسرية للهموم وتأديب لهذه الفئة الجاهلة الغليظة من أهل البادية ~~بهدم ذلك البيت الذي يكبرونه # 105 # ويعكفون عليه، ويرون أنه وحده خليق بالإكبار، وأنه وحده جدير ~~بالتقديس. ~~••• # سفر قاصد # 106 # ممتع يجب أن تكمل فيه للرجال لذات أجسامهم وبهجة قلوبهم ~~وقرة عيونهم. ومن أجل هذا استصحب قادة الجيش وأمراؤه زوجاتهم وبناتهم ~~يمتعنهم بالحب والرحمة، ويؤنسنهم بالود والحنان، واستصحبوا القيان مغنيات ~~وعازفات وراقصات يزدن بهجة السفر بهجة وجمال الرحلة جمالا. ولم يخطر لهم ~~أنهم إنما كانوا يستصحبون الحرائر ms029 والإماء ليجعلوهن نهبا لأولئك العرب ~~الجفاة الغلاظ البادين في طريقهم إلى البيت، ولأولئك العرب الجفاة الغلاظ ~~الحاضرين من حول البيت. # 107 # ويخرج سحيم بن سهيل الخثعمي مع الخارجين ويعدو مع العادين، ويملأ يديه ~~كما ملأ بنو أبيه أيديهم ذهبا وفضة ونعما وعرضا، ولكنه يرى فيما يرى ~~ناقة تسعى يقودها حبشي غليظ جهم، يظهر عليه فضل من قوة وبأس، ولكنه متخاذل ~~متواكل قد نهكه الجهد # 108 # وأضنته العلة، فهو يسعى مذعنا لأمر سادته. ولو استجاب لنفسه ~~لاستراح في هذا الجانب أو ذاك من جوانب الطريق، ولترك هذه الناقة تقود ~~نفسها وتسعى إلى حيث تريد أو إلى حيث يريد لها القضاء. وينظر سحيم بن ~~سهيل فيرى على هذه الناقة هودجا # 109 # نفيسا قد ألقيت عليه أستار من الحرير المطرز بالذهب المرصع ~~بشيء من الجوهر، فيستهويه ما يرى، ويسرع إلى العبد ورمحه يضطرب في يده، ~~فلا يكاد العبد يراه حتى يحول إليه زمام الناقة ويسعى بها بين يديه ~~مستسلما صاغرا ذليلا. # قال سحيم بن سهيل للعبد: لمن تكون هذه الناقة؟ ولمن يكون هذا ~~الهودج؟ # قال العبد في لهجة عربية كدرة لا تكاد تبين: إنها ابنة أخت الأمير. # قال سحيم بن سهيل لنفسه وهو يدفع العبد والناقة إلى بيته: حسبي من الغنيمة ~~هذا العبد وهذه الناقة وما تحمل من متاع نفيس، فأما ربة الهودج فليست مني ~~ولست منها في شيء، ولأطرفن بها سيدا من سادات قريش. # ويسعى والعبد يسعى بالناقة بين يديه، حتى إذا بلغ مضارب الحي أومأ # 110 # إلى العبد فأناخ الناقة، ووقف غير بعيد مطرقا إلى الأرض كأنما ~~يلتمس فيها شيئا. ولكن سحيما يومئ إليه فينزل الهودج عن مستقره على ظهر ~~الراحلة، ويتنحى فيقف غير بعيد مطرقا إلى الأرض كأنما يلتمس فيها ~~شيئا، ويدنو سحيم من الهودج مترفقا، ويرفع أحد أستاره متلطفا، ثم يمد ~~بصره في الهودج، ثم يرده إلى نفسه وقد امتلأ وجهه ابتساما وإشراقا وهو ~~يقول: حمامة رشيقة أنيقة ورب البيت! ذلك أنه رأى فتاة رائعة الحسن على ~~سمرة بشرتها، ms030 بارعة الجمال، فاتنة اللحظ، ليست بالطويلة ولا ~~بالبدينة، وإنما هي ضئيلة نحيلة، قد ملأها الذعر وملكها الروع، ولكنها ~~على ذلك جلدة # 111 # متماسكة، يصدها الحياء والوقار عن أن تظهر ما يملأ قلبها من ~~جزع وهلع ومن توله والتياع، # 112 # ويمد سحيم بن سهيل نظره إلى الفتاة، ثم يرده إلى نفسه ووجهه ~~يزداد إشراقا وابتساما، ولسانه لا يزيد على أن يقول: حمامة رشيقة ~~أنيقة ورب البيت! ثم يخرج الفتاة من هودجها حفيا بها # 113 # متلطفا لها يقول: لا تراعي، لا تراعي يا ابنتي، فلن أريد ~~بك سوءا، ولن يمسك مني شيء تكرهينه. ثم يأخذ بيدها ويسعى بها مستأنيا، # 114 # والفتاة تطيعه، وكيف لها بغير الطاعة؟! حتى إذا دخل بها إلى ~~أهله قال لامرأته في صوت حازم صارم: استوصي بهذه الحمامة خيرا؛ فإن دار ~~خثعم ليست لها بدار، وإنما مكانها عند سيد من سادات قريش. ثم يخرج فيحرز ~~الهودج والناقة والعبد، ويعدو ليدرك الناهبين من بني أبيه عسى أن يصيب من ~~الغنيمة فوق ما أصاب. # ولم يمض شهر بعد ذلك اليوم حتى كان سحيم بن سهيل عند خلف بن وهب ~~الجمحي في ضيعة له بالسراة، قد أقبل ومعه أميرته تلك الفتاة الحبشية ~~حتى أناخ عند دار خلف، وتلقاه أهل الدار كما تعود العرب وكما تعودت ~~قريش أن تتلقى ضيفها، ولكنه لم يكد يفرغ من تحيته حتى قال: لو تعلم بماذا ~~أقبلت عليك يا سيد جمح! # قال خلف: بالخير، وما أقبلت قط إلا بخير. # قال سحيم: أقبلت عليك بابنة أخت الأمير، ذلك الذي أقبل غازيا للبيت فرده ~~رب البيت مخذولا مدحورا. # 115 # قال خلف: ابنة أخت أبرهة؟ # قال سحيم: نعم؛ ابنة أخت أبرهة. # قال خلف: ما اسمها؟ # قال سحيم: ما أدري، ولكن لم أكد أرى جسمها الضئيل الرشيق الجميل حتى سميتها ~~حمامة، وحتى رأيت أنها لا تصلح لأحد من خثعم ولا أحد من العرب إلا أن يكون ~~سيدا من سادات قريش حماة البيت وسدنة # 116 # الآلهة، وأنت تعلم ما بيني وبينك من الحلف ms031 والود ~~القديم. # وهم خلف أن يسأله عما يريد لها من ثمن، ولكن سحيما قال له عجلا: مهلا ~~أبا أمية، إني لم آتك بهذه الأميرة تاجرا، وإنما أتيتك بها مطرفا لك هدية ~~الصديق إلى الصديق. # قال خلف: وصلتك رحم! وأظهر الرضا والاستبشار والشكر، وعرف في دخيلة ~~نفسه أن هدايا الأعراب تقبل وتجزى بخير منها. ثم أمر بالفتاة فحولت ~~إلى حيث أهله، لم ينظر إليها ولم يحفل بالنظر إليها، ثم تحدث إلى سحيم ~~فيما يتحدث فيه المضيف إلى الضيف ساعة، ثم أطرق إطراقة طويلة، ووقع في نفس ~~سحيم أن طرفته لم تبلغ من نفس صديقه ما كان يريد، ولكن خلفا يرفع رأسه ~~ويقول: هل تعلم يا سحيم أنك لم تسد إلي معروفا كهذا المعروف الذي ~~أسديته إلي منذ اليوم؟ إنا لم نقاتل أبرهة، ولم نذد عن البيت ، وإنما ~~أمرنا أن نتفرق عنه وأنت نترك حمايته لربه، وقد حمى صاحب البيت بيته ورد ~~عنا أبرهة وفيله وأحباشه، ونحن ننظر إلى ذلك من قمم الجبال ومن ثنايا الطرق ~~التي أوينا إليها وتفرقنا فيها، فلما ارتد عنا العدو ثبنا # 117 # إلى مكة وعدنا إلى بيوتنا، وفي نفوس كثيرة منا حسرات؛ لأنا لم ~~نؤد لهذا البيت حقه علينا من الذود عنه والقيام دونه، # 118 # فأنت حين تحمل إلي هذه الأميرة إنما تتيح لي أن أشفي نفسي، ~~فورب هذه البنية # 119 # التي لم أذد عنها لأذلن أميرتك هذه الحبشية ذلا لم تعرفه ~~الحبشيات بعد، وأول ذلك أنها لن تدخل مكة ولن تطأ أرض الحرم، فقد رد ~~صاحب الحرم هذا الرجس # 120 # عن أرضه وبيته. # قال سحيم: ويحك أبا أمية! لو عرفت أنك ستلقى هذ الحمامة الرشيقة الأنيقة ~~هذا اللقاء السيئ لآثرت بها نفسي. # قال خلف متضاحكا: هيهات! إنما هو أمر قد دبره من هو أعظم منك ومني ~~سلطانا، إن هذه الأميرة يجب أن تستذل قريبا من هذا الحرم الذي أراد ~~قومها أن يستذلوه، وإنها ما عاشت لن تعرف الحرية ولن تلد الأحرار. # قال سحيم: فأنت إذن تربأ ms032 بنفسك عنها، # 121 # فارددها إلي. # قال خلف وقد أغرق في الضحك: هيهات! إني أربأ بك أنت عنها أيضا، فقد قلت ~~إنها ما عشت لن تلد الأحرار، إن لي في هذه الضيعة إبلا وشاء يرعاها غلمان ~~لي، فيهم الأسود والأصفر، فسترعى معهم هذه الإبل والشاء. # وهم سحيم أن يراجع صديقه في بعض ما قال، ولكن خلفا حول الحديث، وشغل ~~صاحبه عنه بأنباء اليمن وأحداث تهامة والحجاز. ~~••• # ودخل خلف على أهله بعد أن عشى الناس وتقدم الليل، فألفى امرأته محزونة ~~كئيبا، فلما سألها عن أمرها لم ترد عليه جوابا، وإنما قالت له في ~~لهجة حزينة: ماذا تريد أن تصنع بهذه الفتاة الحبشية الحسناء التي جلبها لك ~~سحيم؟ # قال خلف، وكأنه أراد أن يثير في نفسها شيئا من غيظ: استوصي بها خيرا ~~أم أمية؛ فإنها ابنة أخت الأمير صاحب الفيل! # قالت أم أمية ، وقد أجهشت بالبكاء: لم يبق إلا أن نرفق بالذين غزوا دارنا ~~وأرادوا أن يستبيحوا الحرم وأن يهدموا البيت! هنالك أقبل خلف على ~~امرأته، فمسح رأسها وهو يقول: لا عليك أم أمية! # 122 # فما أردت إلا إلى الدعابة، إن هذه الفتاة لم تعرف في حياتها ~~إلى الآن إلا العزة والكرامة، وإني قد أقسمت حين أهداها إلي سحيم ~~ألا ترى منذ اليوم إلا الذلة والهون، إني لم أبل # 123 # في حماية الحرم شيئا من بلاء، فلا أقل من أن أذل الحبشة ~~في أميرتهم هذه. # قالت أم أمية: فاجعلها لي خادما إذن. # قال خلف، وهو يضحك: هيهات! ليست خدمتك ذلة لها أم أمية. # قالت أم أمية: اجعلها لي خادما وسترى كيف أذيقها الذل. # قال خلف: قد فعلت، على أن تقيم في ضيعتنا هذه بالسراة، وعلى ألا تطأ الحرم ~~ولا تدخل مكة؛ فإن رب هذا البيت قد رد هؤلاء الناس عن الحرم، وما أريد أن ~~أخالف عن أمره ولا أن أوطئها الحرم، حتى ولو كانت أمة خادما، ولكني ~~سأرعيها الإبل والشاء فيمن يرعى الإبل والشاء من عبيدنا وإمائنا. # قالت أم أمية: ما أجدرك أن ms033 تسود في قريش! # وكان لخلف غلام من مولدي الحبشة يقال له رباح قد نيف على العشرين، ~~وكان ذكيا صناع اليد، حازم الرأي، قد أرضى سيده حتى أعتقه وجعله قيما # 124 # على ضيعته تلك في السراة. فلما أصبح خلف دعا إليه مولاه، وقال ~~وهو يبتسم: إيه يا رباح! هذه أميرة من أمرائكم قد جلبت إلينا أمس، ~~وقد علمت ما كان من قومك، وإني قد أزمعت # 125 # أن أرعيها الإبل والشاء، فهل أكلها إليك لتذيقها من الذل ~~والهون ما أرى أنها أهل له؟! # قال رباح: وما يمنعك من ذلك وقد رأيت صنعي بغلمانك على اختلاف أجناسهم؟ ألست ~~آخذهم بالحزم والصرامة حتى أحملهم على الجادة # 126 # في خدمتك؟ # قال خلف: هو ذاك، فخذ هذه الفتاة فألبسها ثياب الرعيان وأرسلها مع ~~أمثالها. # قال رباح: فإني لا أرى لها في هذا إذلالا ولا امتهانا، ولكن عندي خطة ~~أعرضها عليك عسى أن تبلغ بها ما تريد. # قال خلف: هات. # قال رباح: فإني لست من أمراء الحبشة ولا من سادتها، وإنما أنا من دهمائها، # 127 # وفي من الزنج عرق، ولو لم أجلب إلى بلادكم هذه لما طمعت ~~أن أكون خادما في قصر هذه الأميرة. # قال خلف، وقد ابتسم قلبه وثغره: فأنت تريد أن تتخذها لنفسك زوجا. # قال رباح: إن كنت إنما تريد إذلالها وامتهانها وإذلال سادة الحبشة وقادتها ~~فاجعلها زوجا لغلام زنجي من غلمانك. # قال خلف: قد فعلت، فكن لها زوجا منذ الآن، وإذا ارتفع الضحى فاضمم أهلك ~~إليك. # وكان الزنجي في خطته هذه ماهرا ماكرا، ولعله لم يمكر بسيده قبل يومه ذاك ~~ولم يكذب عليه، فقد عرف من شأن الأميرة ما عرف، واستبان له أن سيده يريد أن ~~يسومها الخسف، # 128 # وشق عليه ذلك، وقدر في نفسه أن يعمل ما استطاع لصيانتها مما ~~يدبر لها من الهوان، فلم يهتد إلا إلى هذه الخطة. فلما رأى أن الأميرة ~~قد أصبحت له زوجا طابت نفسه واطمأن قلبه ورضي ضميره، وعرف أنه سيضمها ~~إليه، وسيتخذها لنفسه صنما يخلص له ms034 الحب، ويؤثره بالود، ويقدم له من ~~آيات الإكبار والإجلال ما يستطيع مثله أن يقدم لمثلها في هذه الحال السيئة ~~التي هما فيها، وعسى الأيام أن تحدث بعد ذلك أمرا. # وضم رباح زوجه الأميرة إليه، فأسكنها داره الفقيرة الحقيرة، وجد في ~~إكرامها والرفق بها، واختصها بكل ما استطاع أن يخصها به من المحبة والمودة ~~والتوقير، يغدو عليها بما تحب، ويروح عليها بما تحب، ويجنبها ما تكره # 129 # أثناء النهار، فإذا كان الليل وآن له أن يأوي إلى مضجعه ألقى ~~وسادة من وراء باب البيت ورمى نفسه عليها، وأنفق الليل نائما أو يقظان ~~يعنى بزوجه ويسهر عليها، لا يمسها ولا يدنو منها. # وقد أقبلت الفتاة على زوجها مذعنة مستكينة، # 130 # فلما رأت إكباره لها ورفقه بها اطمأنت إليه وأنست به واحتفظت ~~بمكانتها منه، فجعلت تتحدث إليه حديث السيد إلى العبد، ولكن في شيء من ~~التواضع والأناة وحسن التأتي، وجعل هو كلما رأى منها رفقا به وعطفا عليه ~~ازداد لها حبا واشتد إكباره لها وتوقيره لمكانتها، وأنفقا على ذلك أشهرا ~~وأشهرا، والفتى حفي # 131 # بزوجه، لا يدع شيئا يقدر عليه إلا أتاه ليجنبها ما تكره، ~~وليجعل الرق أخف عليها حملا، ولييسر لها الصبر على محنتها، ولكن أمور ~~الناس تجري على غير ما يقدرون ويدبرون. # فقد أزمع الفتى في نفسه أن يسير مع هذه الفتاة سيرة الخادم المهين مع السيدة ~~الكريمة المستعلية التي تملك من أمره كل شيء، وأزمع في نفسه أن هذا الزواج ~~ليس إلا خداعا لهذا السيد العربي الذي أراد أن يهين أميرة من أميرات ~~الحبشة، وأي بأس عليه في أن ينصح لسيده ما وسعته النصيحة، ويخلص في خدمته ~~ما وجد إلى الإخلاص فيها سبيلا، ويقوم على ماله أحسن قيام وأرفقه؛ يدبره ~~ويثمره كأحسن ما يكون التدبير والتثمير، لا يستثني من ذلك كله إلا هذه ~~الفتاة، فإنه لا ينصح فيها لمولاه، ولا يطيع فيها أمره، وإنما ينصح فيها ~~لنفسه وقومه، فيؤثرها بالحب ويختصها بالإكبار والكرامة؛ رعاية لمنزلتها في ~~بلادها تلك البعيدة النائية. ms035 # هي زوجه عند خلف وأضرابه من سادة قريش، وهي زوجه عند هؤلاء الغلمان الذين ~~يسوسهم بالحزم ويأخذهم بالعنف، ولكنها مولاته وأميرته فيما بينها وبينه ~~وفيما بينه وبين نفسه. # أضمر الفتى ذلك في قلبه، وفهمت عنه الفتاة ما أضمر، فقبلته راضية، واطمأنت ~~إليه مغتبطة، واعتقدته في ضميرها مخلصة، وسارت معه سيرة الأميرة لا سيرة ~~الزوج، ولكنه يغدو عليها بالطاعة والرضا، ويروح عليها بالطاعة والرضا، يقوم دونها # 132 # ما أضاء النهار، ويسهر عليها ما أظلم الليل، وهي ترى ذلك لها ~~حقا أول الأمر، ثم تفكر وتقدر فتعلم أنها أمة # 133 # ليس لها حق على أحد، وإنما لسادتها عليها الحق كل الحق، ~~ولهذا الغلام عليها نصيب من حق سادتها، فهم قد جعلوها له زوجا، وجعلوا له ~~عليها حقا. # تفكر الفتاة في هذا فتنأى عنه بجانبها أول الأمر، ثم تعاود التفكير فيه ~~وتعاود النأي عنه، ثم يتصل تفكيرها فيه، ويتصل بر الفتى لها ورفقه بها ~~وإيثاره إياها بالطيب من نفسه وبالطيب من الحياة، إن كان في حياة الرقيق ~~شيء من الطيبات، وإذا الفتاة تجد في نفسها عطفا على هذا الفتى، ثم ميلا ~~إليه، ثم احتياجا إلى مكانه منها، ثم وحشة حين يغيب عنها فيطيل ~~الغياب. # وتمضي أيام وأسابيع والفتى ماض في حبه الخالص وبره الصادق، والفتاة ماضية ~~في هذا الاضطراب القلق المقلق، ثم تحس الفتاة حاجتها إلى أن تأنس إلى الفتى ~~أكثر مما أنست إليه، وإلى أن يأنس الفتى إليها أكثر مما أنس أثناء هذه ~~الشهور الطوال، تود له استطاعت أن تلغي ما بينها وبينه من الكلفة، وأن ~~تتحدث إليه ويتحدث إليها حديث الرفيق إلى الرفيق، ولكنها لا تجد الوسيلة ~~إلى ذلك قريبة ولا ميسرة، فقلبها يبسم للفتى، وثغرها يريد أن يبتسم فيرده ~~عن الابتسام فضل من حياء، ولكنها مع ذلك تلحظ الفتى حين يقبل عليها أو ~~حين يتحدث إليها في بعض الأمر لحظا فيه شيء من دعة ورفق وأنس، ويبلغ لحظها ~~من الفتى أعماق نفسه فيملؤها غبطة وفرحا ورضا، ثم لا يزيد على ms036 ~~ذلك. # فلم يحدث الفتى نفسه بأمل قريب أو بعيد، ولم يخطر الفتى على باله أن من ~~الممكن أن تلغى المسافات والآماد بينه وبين أميرته، أو ينظر إليها ذات ~~صباح أو ذات مساء نظرة الطامع أو الطامح، وإنما هي بالقياس إليه أميرة قد ~~استقرت على عرش يمكن أن يرقى إليه الطرف ولا يمكن أن ترقى إليه النفس، ~~فضلا عن أن ترقى إليه القدمان. وكذلك أصبح الأمر بين هذين الرفيقين أمرا ~~عجبا؛ هما زوجان أمام الأحرار والرقيق، وهما زوجان أمام العرف الذي اصطلح ~~الناس عليه، ولكن الفتى يكبر الفتاة عن أن تكون له زوجا، والفتاة لا ~~تكبر نفسها عن ذلك، ولا تتمنى شيئا غيره، ولا تجد السبيل إليه، حتى ~~استحالت الصلة بينهما إلى شيء غير مألوف، فالفتاة عاشقة وامقة، # 134 # ولكن الفتى يرى نفسه أقل من العشق وأصغر من الوموق. وربما ~~ضاقت الفتاة بهذه الصلة التي جعلت تنكرها، وربما وجدت # 135 # على الفتى وظنت به الغرور والكبرياء، وإن لم يجد الفتى في نفسه ~~إلا التواضع والهوان. ولولا حرص الفتى على أن يكون رفيقا رقيقا، وحرص ~~الفتاة على أن تكون عارفة للجميل شاكرة للنعمة مقرة بالمعروف، لجاز أن ~~يفسد الأمر بينهما. والفساد لا يسرع إلى شيء كما يسرع إلى صلة المحبين ~~حين يبلغ بينهما أقصاه، وحين تثور الصعاب وتقوم العقاب # 136 # بينه وبين غايته. فقد جعل صدر الفتاة يضيق، وجعل السأم يسعى ~~إلى نفسها، وجعلت لا تحس شيئا إلا أنكرته، وجعلت تشعر أن خلقها يريد أن ~~يسوء، وأحس الفتى منها بعض ذلك، فغلا في الرفق، # 137 # وأمعن في التلطف، واشتد ضيق الفتاة بذلك حتى قال له ذات يوم: ~~إنك لتغلو في الرفق بي والتلطف إلي، وإنك لتريد الإحسان فتخطئه إلى ~~الإساءة، وإنك لتعلم أني محتاجة منك إلى شيء غير هذا التلطف ~~والترفق. # قال الفتى في تواضع وتضاؤل: وما ذاك؟ # قالت الفتاة في سخرية مرة لاذعة تمزق القلب: إنك لتعلم أنك حر وأني ~~... # قال الفتى: مهلا! إني حديث عهد بالحرية، فقد كنت قنا # 138 ms037 # منذ عامين. # قالت: قنا منذ عامين، وقد ردت إليك الحرية وانحط عنك الرق، # 139 # فأنت أرفع مني مكانا وأحسن مني حالا، فما تواضعك وتضاؤلك ~~وإمعانك في العناية بما مضى من الدهر، وأنت خليق - لا أقول بأن تستكبر ~~وتستعلي - وإنما أقول بأن تذكر ما نحن عليه اليوم، وما يمكن أن نصير إليه ~~غدا، إنك لتذكر أني كنت أميرة، وتحفظ لي حق الإمرة، ولكنك أجدر أن تذكر ~~أن الإمرة قد مضت مع الأيام التي مضت، وأني قد صرت إلى الرق حين عدت أنت ~~إلى الحرية، وأنت بعد هذا كله قد اتخذتني زوجا. # قال الفتى: إنما اتخذتك زوجا لأرد عنك ما يراد بك من سوء. # قالت الفتاة: فقد فعلت، وإني لذلك لشاكرة، ولكنك اتخذتني لنفسك زوجا، ~~فليكن الأمر بيننا كما يكون بين الأزواج. هنالك انهلت # 140 # دموع غزار من عيني الفتى، ولم يعرف أكانت دموع الحزن أم دموع ~~السرور. وهنالك صعد الدم إلى وجه الفتاة فأسبغ عليه حمرة قانية لم تعرف ~~أكانت حمرة الخجل أم حمرة الابتهاج بأنها قد اقتحمت ما كان بينها وبين ~~زوجها وشقيق نفسها من العقاب. # أقبل خلف ذات يوم فألم بضيعته في السراة، وعرف من أمرها ما كان يريد أن ~~يعرف، وسمع من قيمه رباح ما كان يحب أن يسمع، ورضي عما رأى وما سمع وما ~~عرف، فأمور الضيعة تجري على خير ما كان يحب: مال كثير، وغلة غزيرة، وأمانة ~~من رباح لا يرقى إليها الشك. وقد بلغ الرضا من نفس خلف أن تمنى أن ~~يحسن إلى قيمه وأن يكافئه على ما بذل من جهد، فأهدى إليه إبلا وشاء، ~~وفضلا مما تغله # 141 # الضيعة من ثمر الأرض، وتلقى منه شكره للجميل، فاغتبطت نفسه ~~واطمأن قلبه، وهم القيم أن ينصرف راضيا موفورا، ولكن خلفا يستوقفه ~~ويسأله في دعابة حلوة: إيه يا رباح! أيكما العقيم؟ فقد مضى دهر منذ أملكتك ~~تلك الحمامة الحبشية ولم أر لكما ولدا. فوجم القيم شيئا، وهم أن يتكلم ~~ولكن الحياء عقد لسانه، فغض بصره وأطرق إلى ms038 الأرض، وألح عليه خلف في ~~السؤال وأعاد إليه مقالته متضاحكا: إيه يا رباح! أيكما العقيم؟ # قال رباح وقد عاد إليه شيء من جراءة وشيء من حفاظ: # 142 # وما يعنيك أن نعقم أو أن يكون لنا الولد؟ # قال خلف: على رسلك # 143 # يا رباح! إن تكن حرا فإن حمامتك أمة. # قال رباح مغضبا: فأنت إذن زوجتنيها لتستغلها وتستغلني كما تستغل الإبل ~~والشاء! # قال خلف: إنك لغضوب يا رباح، إني لم أرد أن أسوءك، وإنما أردت أن أرفق بك ~~وأن أعرف بعض أمرك. # قال رباح: فاعرف إذن من أمري ما تحب. ثم ضرب بيده على جبهته وهو يقول: ~~ويلاه! لقد أنسيت أنها أمة، وأن ابنها سيكون قنا مثلها. # قال خلف: وإن لها لابنا يا رباح؟ # قال رباح: نعم، ولو أطاعتني نفسي، ولو أطاعتني هي لوأدته # 144 # كما تئدون بناتكم، فليس مما يسر ولا يرضي أن يعرف الرجل أنه ~~يستفحل كما تستفحل الإبل. # قال خلف، وقد بدا في صوته شيء من الأسى: ويحك يا رباح! إنك لتشق على نفسك ~~وتشق علي في غير طائل، وايم الله ما أردت استغلالك ولا استفحالك! وإنك ~~لتذكر كيف تقدمت إليك أن ترعي هذه الفتاة مع رعياننا، فتمنيت علي ~~أن أجعلها لك زوجا، وزعمت لي أن ذلك أبلغ فيما كنت أريد لها من الذل، فما ~~خطبك؟ وماذا عرض لك؟ ... # هنالك ثابت إلى رباح نفسه، وذكر احتياله في صيانة الأميرة مما كان يراد ~~بها من سوء، وذكر أنه لم يخدع مولاه ولم يكذب عليه قط إلا هذه المرة، وحرص ~~على أن يخفي خداعه وكذبه مخافة أن يصيبه ويصيب زوجه بعض الشر، فقال وهو ~~يتكلف ضحكا خير منه البكاء: وماذا تريد أن أقول لك؟ لقد وقعت في نفسي، ~~فأحببتها. # قال خلف: أحببتها وكنت تريد أن تذلها؟! # قال رباح: أميرة صارت إلى الرق وزوجت من عبد لم يكن ليطمع في خدمتها، ~~فاحتملت ذلك مذعنة # 145 # له، ثم راضية عنه، ثم سعيدة به، فكيف تريد أن أذلها أو ~~أهينها؟! # قال خلف في ms039 صوته الحزين: هو ذاك، هو ذاك! قد ألغى الرق ما كان بينكما من ~~تفاوت الدرجة واختلاف المنزلة. # قال رباح متضاحكا: أليس غريبا أن يكون الرق هو الذي يسوي بين الناس، ~~ويلغي ما بينهم من تفاوت الدرجة واختلاف المنزلة، وأن تكون الحرية هي ~~التي تفرق بين الناس، فتجعل منهم الغني والفقير والقادر والعاجز والقوي ~~والضعيف والسيد والمسود؟ متى ينقضي هذا الليل؟ ومتى يسفر عن الصبح المشرق ~~الجميل؟ # قال خلف: ويحك! ماذا تقول؟! أي ليل وأي صبح؟! # قال رباح: الليل هو هذا الدهر الذي نعيش فيه والذي يسوي فيه الرق بين ~~الأرقاء، وتفرق فيه الحرية بين الأحرار والعبيد، ويتمايز الناس فيه ~~بأعمالهم وبلائهم، لا بمنازلهم وحظوظهم من الثراء. # قال خلف، وقد أغرق في الضحك: لقد تكهنت يا رباح منذ اليوم، دع ليلك المظلم ~~وصبحك المشرق، وحدثني عن صبيك هذا الذي كنت تريد أن تئده منذ حين، ما اسمه؟ ~~وما شكله؟ # قال رباح: إنك لتسخر من ليلي وصبحي، وإن ليلي لمنجل، وعسى أن ندرك انجلاءه، ~~وإن صبحي لمسفر وعسى أن ندرك إسفاره؛ فإن لم ندركه نحن فسيدركه ابنك أمية ~~وسيدركه ابني بلال. # فهز خلف رأسه ورفع كتفيه، وقال: حسبك يا رباح، تحدث بهذا إلى غيري، أما ~~أنا فإني زائد في عطائك لمكان هذا الصبي من أسرتك، ولولا أن قسما عظيما ~~قد سبق مني لرددت إلى زوجك حريتها ولجعلت ابنك حرا مثلك، ولكنك تعلم أنها ~~أقبلت غازية لنا مستخفة بنا منتهكة لحرماتنا # 146 # فأمسك عليك أهلك، # 147 # وعيشا سعيدين بصبيكما، فلن يمسكم ما حييت سوء، ولكني أقدر ~~لكم على أكثر من ذلك. # قال رباح وهو يهز رأسه ساخرا: أقبلت لكم غازية! أقبلت لكم غازية! وماذا ~~كانت تعرف من أمر الغزو؟! لقد كانت فتاة غافلة لا تكاد تعقل نفسها، ولكن ~~الكبار يأثمون فيؤخذ الصغار بآثامهم. # قال خلف: ما رأيت كاليوم حكيما، انصرف الآن عني واستقبل حياتك سعيدا ~~موفورا، ولا تذع حكمتك هذه في الناس، فيصيبك منها بعض ما تكره. # وعاش رباح وحمامة ما شاء الله ms040 أن يعيشا، قد رضيا من الحياة بما قسم لهما، ~~وفرغ لابنيهما بلال وأخيه - الذي نسي التاريخ اسمه وذكر بعض أمره - ~~ينشئانهما كما تعود أمثالهما تنشئة أبنائهم في منزلة وسط بين منزلة ~~الأحرار ومنزلة الرقيق. ثم انصرفا عن هذه الدنيا، وتركا فيها هذين الغلامين ~~يعملان في ضيعة خلف، ويسعيان في خدمة جمح كلها. # وعاش خلف ما شاء الله أن يعيش، ثم انصرف عن هذه الدنيا وترك ابنه أمية فتى ~~قويا جلدا، وارثا مع إخوته لما ترك من العروض والأرض ومن النعم ~~والرقيق. # لم يشهد رباح ولم تشهد حمامة ولم يشهد خلف انحسار الليل المظلم، وإسفار ~~الصبح المشرق، وإنما رأى بلال إسفار الصبح فامتلأ قلبه به نورا، ورأى أمية ~~إسفار الصبح؛ فامتلأ قلبه به ظلمة. # وآل # 148 # أمر بلال إلى أن أصبح من أحب الناس إلى النبي وآثرهم عنده، وآل ~~أمر أمية إلى أن أصبح من أبغض الناس إلى النبي حتى قتل يوم بدر، وأورث ~~بغضه وعداءه للنبي أخاه أبيا؛ ذلك الذي هم أن يقتل النبي يوم أحد، ولكن ~~النبي يمسه برمحه فيفتح له باب الموت. # ويقبل أمية ذات يوم ليشهد ما كان أبو جهل يصب على آل ياسر من العذاب، فيقف ~~ثم ينظر ثم يرى ثم يهز رأسه ثم يقول لأبي جهل: إذا كان الغد فأقبل على دار ~~جمح لترى كيف نعذب الصابئين من مستضعفينا، وكيف نعذب زعيمهم ~~بلالا؟! # 10 # شد ما تعنفون الصبي وتشتطون عليه! # 149 # ما رأيت كاليوم رجالا قساة القلوب، جفاة الطباع، غلاظ ~~الأكباد! ... # قالت ذلك أم أنمار، ثم ألقت بنفسها بين أولئك الرهط # 150 # من أعراب بني عامر، فجعلت تدفع في صدر أحدهم بقبضة يدها ~~اليمنى، وتجذب ثوب أحدهم الآخر بيدها اليسرى، تريد أن تردهما عن ذلك ~~الصبي الذي ألحوا عليه صفعا وتأنيبا، # 151 # وكان أولئك الرهط من بني عامر قد أقبلوا من نجد يسوقون بين ~~أيديهم مطايا تحمل تجارة من حب العراق، فلما باعوا تجارتهم وباعوا ~~الرواحل التي كانت تحمل هذه التجارة، أرادوا أن يبيعوا غلامهم ms041 ذاك، فعرضوه ~~هنا وهناك، ولكنهم لم يجدوا طالبا له ولا راغبا فيه، فأحفظت # 152 # عليه نفوسهم وقست عليه قلوبهم، وهموا أن ينصرفوا به ليعرضوه ~~على من يمرون بهم من أحياء العرب، لعلهم أن يجدوا له مشتريا. ولكن الغلام ~~أظهر شيئا من التمنع والتأبي؛ كانت نفسه تكره أن ينقلب معهم لكثرة ما ~~صبوا عليه من الأذى وما نالوه به من المساءة، فلما أظهر الامتناع عليهم ~~جدوا في تأديبه وتأنيبه، وأدركتهم أم أنمار الخزاعية وهم يصنعون به هذا ~~الصنيع، فرق له قلبها، ورحمته مما كان يلقى من الضر، فاندفعت تردهم ~~عنه وتحميه. # قال أحد أولئك الرهط من بني عامر لأم أنمار: ما أنت وذاك؟! ما رأينا كاليوم ~~امرأة سوء! ولو كنت في غير هذا الحرم لمسك منا بعض ما تكرهين. # قالت أم أنمار، وقد أخذ الغضب يسكت عنها وأخذ الابتسام يسعى في وجهها ~~المتجعد: ولكني في هذا الحرم؛ فلن تصل إلي أيديكم، ألا تستحيون من ~~أجسامكم هذه الطوال العراض؟! ومن لحاكم هذه التي وخطها # 153 # الشيب؟ ومن لممكم # 154 # هذه التي ترسلونها على أكتافكم أن تبطشوا بهذا الصبي النحيف ~~الضعيف؟! # قال أحد العامريين: لو أهمك من طعامه ومؤنته ما يهمنا لما رحمته ولا ~~رفقت به! إنه والله لغلام سوء، يكلفنا من المئونة ما يكلفنا ثم لا ~~يغني عنا شيئا، ثم لا يكفيه ذلك حتى يخالف عن أمرنا ويأبى أن يتبعنا، ~~كأنما أعجبته هذه القرية مع أنه لم يعجب من أهلها أحدا. # قالت أم أنمار: فإنه قد أعجبني. # قال العامري: فأدي إلينا ثمنه ثم خذيه، لا باركت الآلهة فيه. وكانت بينهم ~~وبين أم أنمار مساومة طالت والتوت، وكثر فيها الأخذ والرد والجذب والشد، ~~وانتهت بشراء أم أنمار للغلام بثمن بخس دراهم معدودة. وانصرف العامريون وقد ~~ألقوا عن أنفسهم عبئا ثقيلا، وعادت أم أنمار إلى دارها في حي بني زهرة ~~تجر بيدها هذا الغلام الضئيل النحيل الذي مسه الضر وبلغ منه الجهد وكاد ~~يقتله الجوع، وكانت كلما مرت بجماعة من رجال بني زهرة أو ms042 نسائهم قال لها ~~أولئك أو هؤلاء: ويحك أم أنمار! ما هذا الطفل الذي تجرينه؟! فتجيب: وما ~~أنتم وذاك؟! غلام اشتريته لأؤمنه من خوف، وأطعمه من جوع، وأتخذه لي خادما، ~~ولابني رفيقا. ~~••• # وبلغت أم أنمار بالغلام دارها فأطعمته وسقته وكسته حتى رضي، وحتى ظهر في ~~وجهه البائس الحزين شيء من رضا وأمن وابتسام. ثم آخت بينه وبين ابنها عبد ~~العزى وتركتهما يلعبان، وانصرفت لشأنها، فطوفت في دور كثيرة من دور مكة ~~ومعها أداتها التي كانت تكسب بها قوتها وقوت ابنها، وكانت خاتنة، وكانت ~~تقول في نفسها منذ ذلك اليوم: ويحك أم أنمار! قد كنت تعولين نفسك وصبيا ~~واحدا، فأصبحت تعولين نفسك وصبيين! ثم تقول لنفسها: لا تراعي أم أنمار، ~~فإن هذا الصبي متى استرد شيئا من قوة وتقدمت به السن شيئا فقد ينفعك ~~ويغل عليك # 155 # من المال ما يقيم أوده # 156 # ويعينك على نائبات الأيام. # وكانت أم أنمار هذه امرأة خزاعية قد ألمت بمكة، وتزوجت من بعض أحلاف ~~زهرة فيها، وعاشت تسعى بأداتها في دور قريش، وكان الشباب قد انصرم عنها، ~~وجعلت الشيخوخة تسعى إليها مبطئة ، وكانت كثيرة الصمت، إلا أن تثار إلى ~~الكلام، وهناك لا تجد إلى السكوت ولا يجد إليها السكوت سبيلا. # فلما عادت مساء ذلك اليوم وجدت ابنها وغلامها قد تصرفا في فنون اللعب حتى ~~أدركهما بعض الجهد، فأطعمتهما وسقتهما، ثم أخذت تتحدث إلى الغلام في دعة ~~ورفق. قالت له: ما اسمك يا بني؟ قال الغلام: خباب. # قالت أم أنمار: خباب ابن من؟ # قال الغلام: خباب بن الأرت. ولكنه لم ينطق الراء كما ينطقها الصبية حين ~~يكمل خلقهم وتستقيم ألسنتهم، وإنما انحرف بها بين شيء إلى اللام ~~والياء. # قالت أم أنمار: خباب بن الأرت! من أي أحياء العرب أنت يا بني؟ # قال الغلام: أحياء العرب! أحياء العرب! لا أدري. # قالت أم أنمار: أأعجمي أنت؟ # قال الصبي: أعجمي؟ أعجمي! لا أدري. # قالت أم أنمار: وما اسم أمك يا بني؟ هنالك انتحب الصبي حتى رق له قلب ~~العجوز، فكفت ms043 عن سؤاله، وجعلت ترفق به وتكفكف دمعه حتى ثاب إليه شيء من ~~طمأنينة وهدوء، ثم آوته إلى مضجعه، وما زالت تلطف به حتى أسلمته إلى النوم، ~~وقد أرجأت تعرف قصته إلى غد أو بعد غد. # وقد حاولت أم أنمار من الغد ومن بعد الغد أن تستوفي قصة الصبي، فعرفت منه ~~بعد لأي وبعد نحيب وشهيق وبعد رفق كثير به وعطف كثير عليه، أن هؤلاء ~~الرهط من بني عامر أصابوا أسرته على غرة والحي خلوف، # 157 # فقاومهم أبوه ما استطاع، ولكنهم قتلوه على أعين امرأته وابنته ~~الفتاة أسماء وابنه هذا الصبي، ثم استاقوا ماله وسبوا أهله، # 158 # وباعوا أمه في حي من أحياء العرب، وباعوا أخته في حي آخر من ~~أحياء العرب، وأقبلوا به بمال أبيه، فباعوا المال في غير جهد، وكسد الصبي ~~في أيديهم # 159 # حتى اشترته أم أنمار. ومنذ ذلك الوقت لم تسر أم أنمار مع هذا ~~الصبي سيرة السيدة مع العبد، وإنما سارت معه سيرة الأم مع ابنها، ومضت ~~الشهور والأعوام، وأنسي الفتى أو كاد ينسى أنه غلام أم أنمار، واستيقن ~~الفتى أو كاد يستيقن أنه ابنها وأخو ابنها عبد العزى، وشب وقد وطن نفسه # 160 # على أنه تميمي حليف لبني زهرة، ولما استطاع العمل أسلمته أم ~~أنمار إلى رجل قين # 161 # تعلم عنده صناعة الحديد والسلاح ولم ينيف على العشرين من ~~عمره حتى كان قد كسب لأمه ولنفسه شيئا من مال، واشتغل بحانوت يتخذ فيه ~~صناعة الحديد والسلاح. # وقد نشأ الغلام نشأة أمثاله من هؤلاء الأخلاط الذين يجلبون إلى مكة أو ~~تلقي آباءهم إليها الأقدار. نشأ غلاما لا يحس ثقل الرق، ولكنه لا يذوق ~~حلاوة الحرية، وإنما هو شيء بين ذلك، ليس كامل الرق وليس كامل الحرية، يرى ~~من حوله شيوخا سادة وشبابا مترفين، ويرى من حوله شيوخا أذلة ~~مستضعفين وشبابا تطمح نفوسهم وتقصر أيديهم وهممهم وأسبابهم عن بلوغ ما ~~يطمحون إليه. وقد استقر في نفوس الشيوخ المستضعفين إذعان للقدر واستسلام ~~للقضاء، وأظهروا لساداتهم الإكبار وأضمروا لهم ms044 البغض والشنآن، # 162 # واستقر في نفوس الشباب الطامحين غيظ لا تطفأ ناره، وحسد لا ~~تكسر حدته، # 163 # يرون أنهم ليسوا أقل من الشباب المترفين ذكاء قلوب، وجلاء ~~عقول، ونفاذ بصائر، # 164 # ولكنهم أقل منهم مالا وأضعف منهم قوة وأقصر منهم يدا، قد ~~أمسكتهم الحياة في حال لا تلائمهم ولا يلائمونها، وحيل بينهم وبين الرقي ~~إلى خير منها، وقضي عليهم أن يظلوا أتباعا، يحيون أتباعا ويموتون ~~أتباعا، لا أمل لهم في سعة ولا في دعة # 165 # ولا في مجد ولا في ارتقاء، فهم كالجياد المشدودة التي تعلك # 166 # شكائمها، ويكاد المرح والنشاط يخرجها من جلودها. وكان هؤلاء ~~الشباب إذا خلا بعضهم إلى بعض تحدثوا في حالتهم تلك فنونا من الأحاديث، ~~كانت تنتهي بهم دائما إلى الحسرة الدفينة والغيظ المكظوم، كانوا يقلبون ~~وجوههم فيما حولهم من القرى الحاضرة، ومن أحياء العرب البادية، فتتقطع بهم ~~الآمال، ويردون إلى العجز واليأس، يرون أن الحياة في مكة خير ما يمكن ~~أن يتاح لهم ولأمثالهم من ضروب العيش. في مكة الأمن والسلم، والقوت ~~يكسب في غير مشقة شاقة ولا جهد عسير، وليس في مكة مغامرة بالنفس ولا ~~بالمال. وفي مكة الموسم الذي يجلب إليها وإلى ما حولها قبائل العرب ~~وتجارتها من كل فج؛ فالحياة فيها وادعة خصبة، ولكنها على ذلك مغلقة إلا ~~على الذين يتيح لهم الغنى والمولد وشرف النسب أن يفتحوا أبوابها، ~~ويخرجوا منها إلى آفاق الأرض البعيدة، ثم يعودون وقد ملئوا أيديهم ~~بالمال، ومتعوا أنفسهم بالرحلة والتنقل في الأقطار. ولكن خبابا يلقى ~~صديقا له ذات يوم، فلا يكاد يتحدث إليه ببعض ما كان يدور بينهما من حديث ~~حتى يرى منه ازورارا # 167 # عن اليأس وانحرافا عن الحزن وتعلقا بأمل مشرق بعيد. يقول ~~خباب لصاحبه: ما خطبك؟ إني لأرى من شأنك شيئا لم أعهده، وما أنكرت من ~~صديقي أحدا كما أنكرك منذ اليوم. فلا يجيبه صديقه بما تعود أن يجيبه ~~بمثله من رجع الحديث، وإنما يتلو عليه: # اقرأ ~~باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان ~~من ms045 علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * ~~علم الإنسان ما لم يعلم * كلا ~~إن الإنسان ليطغى * أن رآه ~~استغنى * إن إلى ربك ~~الرجعى ~~. # 168 # فلا يكاد خباب يسمع هذا الكلام حتى تجري في بدنه رعدة تصطك لها أسنانه وركبتاه، # 169 # ويتركه صاحبه ساعة، حتى إذا هدأت رعدته وثاب إليه أمنه واستقر ~~جسمه، قال لصاحبه: ويحك! أعد علي ما قلت؛ فإني أجد له في قلبي ~~حرا ولا يكاد عقلي يفهمه. ويعيد عليه صاحبه تلك الآيات مرة ومرة. # وإذا خباب يرد على صاحبه فيتلو: # كلا إن ~~الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى ~~* إن إلى ربك الرجعى ~~. ~~ما هذا القول؟ إنه ليس من عندك، أين سمعته؟ أو ممن سمعته؟ وهل لي إلى أن ~~أسمع مثله من سبيل؟ # قال صاحبه: نعم، إن شئت فاصحبني إلى الأمين؛ فإنه يتلو علينا هذا القول الذي ~~يتنزل عليه من السماء. # ويقبل أبو جهل ذات صباح على نادي قومه في المسجد، فيقول وهو يضحك ملء شدقيه # 170 # ويضرب فخذه بيده: يا معشر قريش، اغدوا إن شئتم على منظر عجب، ~~إن ابن الخاتنة قد صبأ، وإنا محرقوه بالنار قبل أن ينتصف ~~النهار. # 11 # أقبل مسعود بن غافل مع الحجيج من هذيل، فنزل في مكة على عبد بن الحارث ~~بن زهرة بن كلاب، وكان بينهما صهر، فأقام مسعود عند أصهاره حتى انقضى ~~الموسم، فلما هم بالرجوع إلى موطنه من أرض هذيل قال لمضيفه: ألست ترى أن ~~عهدك بأرض هذيل بعيد، وأن لك عندنا ابنة لها عليك بعض الحق، وأن لابنتك هذه ~~ابنة ليس حقها عليك بأقل من حق أمها؟ # قال عبد بن الحارث: صدقت، إن عهدي بأرض هذيل لبعيد، وإن لابنتي هاتين ~~علي لحقا عظيما، ولكنك تعلم أن تلك الحرب قد أفسدت ما بيننا وبين قيس ~~من الأسباب. ومع أن تلك الحرب قد وضعت أوزارها # 171 # وجعلت أمورنا تستقيم قليلا قليلا، فإن قريشا لا تطرق نجدا ~~إلا متحفظة محتاطة. # قال مسعود: ماذا تقول؟ إنكم معشر قريش أهل الحرم وحماة البيت، يأمن فيكم ms046 ~~الخائف، ويأوي إليكم الضائع، ويجد الملهوف عندكم معونة وغوثا، فما ينبغي ~~أن تكون الأرض كلها إلا حرما لكم تأمنون فيه من خوف، ولا تعدو عليكم فيه العاديات. # 172 # قال عبد بن الحارث: قد يكون ذلك كما قلت، ولكنك رأيت قيسا تغزونا في أرضنا، ~~لا ترجو لبيتنا ولا لحرمنا وقارا # 173 # فمن يؤمن قريشيا أن تغوله من قيس وأحلافه غائلة؟ # 174 # قال مسعود وقد أحفظه # 175 # ما سمع: وإنك أنت لتقول ذلك ولك في هذيل صهر، وتقول ذلك ~~وابنتاك عندي؟! # قال عبد: وصلتك رحم! فإني لا أخاف شيئا في أرض هذيل، ولا يخاف غيري شيئا ~~في أرض هذيل، ولكننا لا نبلغ أرضكم حتى نمر بحي من أحياء قيس أو ~~أحلافها. # قال مسعود: ويحك! فإن شئت فاجعل بينك وبيني حلفا يحميك من العاديات في كل ~~أرض تصل إليها يد هذيل، ويحميني من الغوائل في كل أرض تبلغها يد ~~قريش. # قال عبد: قد فعلت. ~~••• # ولم يعد مسعود إلى أرض هذيل وحده، وإنما ذهب معه إليها حليفه وذو صهره عبد ~~بن الحارث بن زهرة بن كلاب، فزار عنده ابنته هند، وقد مات عنها زوجها ~~ابن عبد ود، وزار بنتها أم عبد، وقبل طفلها الصغير عبد الله بن ~~مسعود. وأقام ما أقام في أرض هذيل، ثم انحدر إلى مكة فلم يطل فيها مقامه ~~حتى أدركه الموت، ونشأ الصبي الهذلي من قبل آبائه، القرشي من قبل أمه ~~في أرض هذيل نشأة أمثاله من أهل البادية: حياة أدنى إلى الشظف # 176 # منها إلى اللين، وأقرب إلى العسر منها إلى اليسر، ولا يكاد ~~الصبي يبلغ أول الشباب حتى يفقد أباه، وحتى تضيق به سبل العيش في أرض نجد، ~~فيهبط مكة ليأوي إلى أخواله من بني زهرة، ويقيم ما شاء الله أن يقيم ~~عزيزا بأخواله وبالحلف الذي كان بينهم وبين أبيه. # ولم يكن الشباب من أهل مكة يألفون حياة البطالة والترف إلا أن يكونوا من ~~أبناء السادة والأغنياء، وإنما كان سبيل الفتى من أوساط الناس في قريش ~~وأحلافها إذا ms047 بلغ السن التي يستطيع أن يكسب فيها القوت أن يسعى على رزقه ~~كما يستطيع، لا يرى بذلك بأسا ولا يجد فيه جناحا # 177 # وإنما البأس كل البأس والجناح كل الجناح أن يعيش الفتى كلا # 178 # على آبائه أو أخواله. # وقد سعى عبد الله بن مسعود على رزقه، والتمس القوت من مصادره، فعرض نفسه على ~~كثير من الناس، وجرب كثيرا من فنون العمل، ولكن شيئا واحدا راقه ~~وأعجبه ولاءم طبيعته الهادئة ونفسه الراضية وقلبه المطمئن السليم، فأصبح ~~راعيا لعقبة بن أبي معيط، يرعى عليه غنمات له في ظاهر مكة، يغدو بها مع ~~الصبح ويروح بها مع الليل، وينفق نهاره معها راضيا وادعا، قد خلا إلى ~~نفسه، فأمن غائلة الناس وأمن الناس غوائله. # وإنه لفي غنيماته تلك ذات يوم، وإذا رجلان يقفان عليه، وقد ظهر على وجهيهما ~~شيء من خوف أخذ يذهب شيئا فشيئا، فيستريح الرجلان ساعة مما أدركهما من ~~الجهد، وكأنهما قد اضطرا إلى كثير من العدو أمام قوم كانوا يجدون في ~~آثارهم، وينظر الفتى إليهما صامتا لا يقول لهما شيئا. وما الذي يعنيه من ~~أمرهما، وهو إنما خلا إلى غنيماته تلك ليصرف نفسه عن أمر الناس ويصرف الناس ~~عن أمره؟! ولكن أحد الرجلين يسأله، فيقول: يا غلام، هل عندك من لبن تسقينا ~~فإنا ظماء؟ # قال الغلام: إني مؤتمن، ولن أسقيكما، ولو كانت هذه الغنيمات لي لما بخلت ~~عليكما بما ينقع الغلة ويبل الصدى. # 179 # فينظر أحد الرجلين إلى صاحبه نظرة مطمئنة كأنه يقول له: لقد أصاب الغلام ~~وآثر البر. ثم يحول الرجل نظره المطمئن إلى الغلام ويقول: فهل عندك من جذعة # 180 # لم ينز عليها الفحل؟ # قال الغلام: أما هذا فنعم. ثم يمضي غير بعيد ويعود ومعه شاة، فيعتقلها الرجل ~~ذو النظر المطمئن، ثم يمسح على ضرعها ويدعو بكلام يسمعه الغلام ولا يعقله، ~~وينظر الغلام فإذا الضرع قد حفل، وإذا الرجل الآخر يأتي صاحبه بصخرة ~~متقعرة فيحلب فيها ويسقيه، ثم يسقي الغلام، ثم يشرب هو، ثم يقول للضرع: اقلص. # 181 ms048 # فيعود الضرع كعهده قبل أن تعتقل الشاة. # هنالك يبهت # 182 # الفتى فينعقد لسانه فلا يقول شيئا، وإنما يقف واجما ذاهلا ~~يردد طرفه الحائر بين الرجلين. ويظل الفتى كذلك، وقد انصرف عنه ذو النظر ~~المطمئن وصاحبه ومضيا مستأنيين لا ينظران إليه ولا يقولان له شيئا، ولم ~~يدر الفتى أطال وقوفه ذلك الحائر أم قصر، ولم يدر الفتى ماذا صنع ولا ~~فيم فكر بقية يومه، وإنما يرى نفسه حين تنصرف الشمس إلى مغربها مجررة ~~أذيالها تلك الشاحبة التي تتعلق بأعالي الربى ورءوس الجبال ريثما تسحبها ~~الشمس أو يمحوها الليل - يرى نفسه في تلك الساعة رائحا إلى مكة وبين يديه ~~غنيماته يهش # 183 # عليها بعصاه دون أن يفكر فيها أو يحفل بها، وقد امتلأت نفسه ~~بخاطر يحسه ولا يتبينه، ثم يرى نفسه وقد آوى الغنيمات إلى حظيرتها، وأقبل ~~يسعى هادئا مطمئن الخطو ذاهل النفس مع ذلك مشرد العقل يلتمس عقبة بن ~~أبي معيط، فيراه قد جلس في صحن داره ومن حوله بنوه وبعض ذوي قرابته، فيسعى ~~الفتى حتى يقف منه غير بعيد، ثم يقول: أي أبا الوليد، أغد # 184 # مع غنيماتك غيري من رقيقك وأحلافك؛ فإني عن رعيها راغب منذ ~~اليوم. # قال عقبة: ويحك يا فتى هذيل! ماذا أنكرت منا أو منها؟! # قال الفتى: لم أنكر منكم ولا منها شيئا، ولكني رغبت عن رعي الغنم. ثم ولى ~~لا يسمع لما كان يقال له، ولا يحفل # 185 # بما كان يظن به، ولم يعد إلى بيته، وإنما عاد إلى ذلك ~~المكان الذي كان يرعى فيه غنيماته، واستحضر في نفسه ذينك الرجلين يعروهما ~~بعض الروع # 186 # ويثوب إليهما الهدوء قليلا قليلا، ويستسقيانه فيأبى عليهما. ~~واستحضر في نفسه الشاة الجذعة التي لا عهد لضرعها باللبن، ثم رأى ضرعها يحفل، # 187 # ورأى اللبن يشخب منه في تلك الصخرة الجوفاء. ثم استحضر ذوق ذلك ~~اللبن الذي شربه، فلم يذكر أنه شرب مثله قط، وحاول أن يذكر ذلك الكلام الذي ~~دعا به الرجل ذو النظر المطمئن وهو يمسح ضرع الشاة ms049 فلم يذكر منه شيئا؛ ~~فهاله ذلك، ورابه من نفسه كلها ريب، # 188 # فلم يحرص قط على شيء حرصه على أن يحفظ ذلك الكلام، وكان عهده ~~بنفسه ألا يسمع شيئا إلا استقر في قلبه كأنه نقش فيه نقشا، فيقول ~~الفتى لنفسه: إن لهذا الرجل ذي النظر المطمئن وصاحبه وكلامه لشأنا. # وقد طال مكث الفتى بهذا المكان ساكتا ساكنا يدير طرفه من حوله، ثم يقلب ~~طرفه في السماء لا يكاد يفكر في شيء، أو لا يكاد يحقق شيئا مما يفكر فيه، ~~وإنما يرى في نفسه أول الأمر، ثم من حوله بعد ذلك، صورة الرجل المطمئن ~~معتقلا شاته تلك ماسحا ضرعها متكلما بذلك الكلام الذي سمعه ولم يعقله، ~~والذي يحاول أن يذكره فلا يجد إلى ذكره سبيلا. # وينصرف الفتى عن مكانه ذاك حين تقدم الليل، ولكنه لا يعود إلى مكة، وإنما ~~يهيم فيما حوله من الأرض مستأنسا إلى وحشته حريصا على وحدته، لا يحس ~~جهدا ولا تعبا ولا حاجة إلى النوم، ولا يحس ظمأ ولا جوعا، وإنما يجد في ~~فمه ذوق اللبن، ويرى في عينه صورة ذلك الرجل المطمئن الوادع، ويسمع في ~~أذنيه صوت ذلك الرجل ممتلئا عذبا يجري بكلامه ذاك الذي لا يذكره كما يجري ~~الينبوع الرقيق الصافي بالعذب الزلال. وأنفق الفتى ليلته تلك لم يظله سقف ~~ولم يئوه مضجع، حتى إذا تجلت شمس النهار عاد إلى مكة حين يغدو منها ~~الرعيان. ولم يستقر قراره حتى عرف ذلك الرجل المطمئن وصاحبه، ومكانهما ~~فيسعى حتى يجد محمدا رسول الله، فإذا دنا منه ألقى النبي إليه نظرة ~~مطمئنة، وابتسم له، والفتى يدنو منه حتى يبلغه، ثم يجلس بين يديه، ثم يقول ~~له في صوت رقيق يضطرب اضطرابا خفيا: علمني من هذا الكلام الذي سمعته منك ~~أمس. # قال النبي مبتسما له: إنك غلام معلم. ومنذ ذلك الوقت، استقر في نفس ~~الفتى أنه لم يخلق لنفسه ولا لأهله ولا لغنيمات عقبة بن أبي معيط، وإنما ~~خلق ليلزم محمدا هذا الأمين، فيسمع منه ويحفظ عنه ويدعو بدعوته. ms050 # وكان الفتى خفيفا نحيفا، دقيق الجسم سريع الحركة عظيم النشاط، فلم يكد ~~يلزم رسول الله أياما ويسمع منه ويحفظ ما قال حتى رأته قريش في أنحاء مكة ~~متنقلا بذكر محمد وكلامه يذيعه في كل وجه، ويفشيه في كل مجلس، ويتحدث به ~~في كل مكان. وكان لخفته وسرعته مصدر عناء لقريش، تراه في هذا المكان فلا ~~تكاد تهم به حتى تنظر فإذا هو قد استخفى وانتقل إلى مكان آخر، لا يدرون ~~كيف انتقل إليه، فكان المتتبعون للنبي وأصحابه يرون هذا الفتى في كل مكان، ~~ولا يكادون يظفرون به مع ذلك في أي مكان! حتى قال أبو جهل ذات يوم: ما ضقت ~~بأحد من أصحاب محمد كما أضيق بهذا الفتى الهذلي، أراه في كل وجه مذيعا ~~دعوة محمد، مفسدا بها قلوب الناس، ولا أجد لي عليه سبيلا، ولو قد ظفرت به ~~لما أبقيت عليه. # 189 # قال عتبة بن أبي ربيعة: مهلا أبا الحكم، لا تبطش بهذا الفتى الهذلي؛ فإن ~~زهرة لن تسلمه، وإنك إن تنله بسوء تؤلب هذيلا كلها # 190 # على قريش وتقطع عليها طريقا لا تحرص على شيء كما تحرص على ~~أمنه وسلمه. # قال أبو جهل: هو ذاك، ولكن أقسم مع ذلك لأذيقن هذا الفتى بعض ما يكره إن ~~قدرت عليه. ولم يقدر عليه أبو جهل إلا بأخرة حين أذن النبي لأصحابه في ~~الهجرة إلى أرض الحبشة. مر أبو جهل ذات يوم غير بعيد من المسجد، فرأى رهطا ~~من الناس قد تحلقوا # 191 # حول رجل ضئيل نحيل، وخيل إليه من بعيد أنه يقول لهم وأنهم ~~يسمعون له، فاستأنى # 192 # أبو جهل في مشيته، وضاءل من شخصه، وتمسح بالجدران، ومضى كذلك ~~مستخفيا أو كالمستخفي، حتى فجأ القوم، فوقف منهم غير بعيد، يراهم ولا ~~يرونه، وتسمع لصوت ذلك الرجل الضئيل النحيل، فإذا صوت عذب يتلو كلاما ~~عذبا، فيصغي أبو جهل بنفسه كلها ليسمع ما يجري به هذا الصوت العذب من هذا ~~الكلام العذب، وإذا ابن مسعود يتلو على من حوله هذه الآيات الروائع ms051 من سورة ~~الفرقان: # وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما * والذين يبيتون لربهم ~~سجدا وقياما * والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها ~~كان غراما * إنها ساءت مستقرا ~~ومقاما * والذين إذا أنفقوا لم ~~يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق ~~أثاما * يضاعف له العذاب يوم ~~القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما * ومن تاب وعمل صالحا ~~فإنه يتوب إلى الله متابا * ~~والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما ~~. # وكان أبو جهل يسمع لهذا الذكر فيخفق له قلبه وتخشع له نفسه، ولو قد أرسل ~~طبعه على سجيته لقال كما سمع بعض أولئك الرهط يقول لعبد الله بن مسعود في ~~صوت تحتبس فيه الزفرات: إني والله لأحب أن أكون من هؤلاء. ولكن أبا جهل لا ~~يرسل طبعه على سجيته، وإنما يدعو حسده وكبرياءه وأنفته، ثم ينصب على ~~أولئك الرهط كما ينصب الصقر على فريسته وهو يصيح: بؤسا لكم من رهط سوء! ~~ما رأيت كاليوم جراءة، إنكم لتجتمعون حول هذا الرجل وتستمعون له وليست ~~أندية قريش منكم ببعيد، فما يمنعكم أن تقتحموا علينا المسجد وأن تتحلقوا ~~فيه؟! ولم يكد أولئك الرهط يرون ذلك الشخص البشع، ويسمعون ذلك الصوت المنكر ~~حتى تفرقوا سراعا. وظل ابن مسعود قائما مكانه لا يريم، # 193 # فيدنو منه أبو جهل مغضبا وهو يقول: ويلك يا ابن أم عبد! ما ~~تزال تفسد علينا أحلافنا ورقيقنا، وما أراك منتهيا حتى تصيبك مني بائقة. # 194 # وهم ابن مسعود أن يرد عليه مقالته، ولكن أبا جهل لا يمهله، وإنما يعلوه ~~بالقوس فيشجه، وقد أخذ الدم يتحدر على وجهه، ولكنه لم يحفل بذلك، وإنما ~~يسرع في خفة إلى أبي جهل وهو يقول: فأما إذا فعلت ما فعلت فخذها وأنا فتى ~~هذيل! ثم ms052 يدفع في صدر أبي جهل بإحدى يديه ويلطم وجهه بيده الأخرى، ثم ينصرف ~~عنه مستأنيا متمهلا، ويتركه قائما واجما قد أخذه الذهول. لم يكن ~~يقدر أن حليفا من أحلاف قريش يستطيع أن يدفع في صدره ويلطم حر وجهه، ~~ثم تثوب إلى أبي جهل نفسه، فيصيح بابن مسعود: لن تفلت بها يا راعي ~~الغنم. # قال ابن مسعود: ولن تفلت بما فعلت يا عدو الله. # ويمضي كلا الرجلين إلى أصحابه، فأما ابن مسعود فيلقى رهطا من أصحاب النبي، ~~فيقول لهم وعلى ثغره ابتسامة وفي عينيه دمعتان تترقرقان: لا مقام لي بمكة ~~منذ اليوم؛ فقد لطمت وجه أبي جهل، والله إني بالهجرة لفرح، وإني بها ~~لمحزون: فيها ثواب الله ومغفرته، وفيها فراق رسول الله دهرا لا أدري أيقصر ~~أم يطول. وأما أبو جهل، فيعود إلى نادي قومه وقد انكسرت نفسه واستخذى ~~ضميره، ولكنه على ذلك يظهر الغضب والكبرياء ويقول لأهل ناديه: ويحكم يا ~~بني مخزوم! إن كانت لكم بقية من عزة فأمكنوني من ابن أم عبد؛ فإنه قد أتى ~~إلي ذنبا لا يغسله إلا دمه. ويلتمس القوم عبد الله بن مسعود في مكة وما ~~حولها فلا يظفرون به ولا يقدرون عليه، ولا يرى أبو جهل خصمه إلا يوم ~~بدر. # 12 # أقبل سلام بن حبير القرظي من الشام - كعهده في كل عام - بتجارة عظيمة ~~فيها فنون من العروض وضروب من المتاع، بعضه مما تخرج الشام، وبعضه مما يصنع ~~أهل الجزيرة، وبعضه مما تحمله الروم إلى دمشق وبصرى وتبيعه من قوافل العرب ~~واليهود ليحملوه إلى الأرض البعيدة التي لا تصل إليها يد قيصر ولا يبلغها ~~سلطانه في نجد والحجاز وفي تهامة واليمن. ولم يكد سلام بن حبير يستقر في ~~بني قريظة ويريح نفسه من سفر شاق طويل حتى عرض متاعه ذاك المختلف للناس، ~~فأقبل عليه أهل يثرب من الأوس والخزرج، وأقبل عليه من حول يثرب من يهود ~~ينظرون ويشترون. ولم تمض أيام حتى كان سلام بن حبير قد باع تجارته وأفاد ~~منها مالا كثيرا، ولولا ms053 هذا الصبي الذي عرضه سلام على العرب فرغبوا ~~عنه، وعلى اليهود فزهدوا فيه، لرضيت نفس سلام كل الرضا، ولأنفق الأشهر ~~المقبلة مطمئنا مغتبطا مجولا في أحياء يثرب مرسلا رقيقه وأحلافه ~~فيما حول يثرب من أحياء العرب واليهود وفي أعماق البادية، يجلبون له من ~~المتاع الذي يحمله إلى الشام متى أقبل فصل الرحلة إلى الشام. ولكن هذا ~~الصبي كان غصة # 195 # في حلقه وحسرة في قلبه، قد اشتراه في بصرى من بعض الكلبيين ~~بثمن بخس زهيد، وقدر في نفسه أنه سيبيعه من بعض أهل يثرب، فيربح في ثمنه ~~ذاك الذي أداه مثليه أو أمثاله. ولكن أهل يثرب من العرب واليهود لم ~~يعهدوا سلاما جالبا للرقيق أو متجرا فيه، فلما رأوه يعرض عليهم ~~هذا الصبي، ويلح في عرضه ويرغب في شرائه؛ أنكروا منه ذلك وظنوا به ~~الظنون. وقال قائلهم: إنما اشترى سلام هذا الغلام لنفسه، فلا نأمن أن ~~يكون قد رأى فيه من العيب أو الآفة ما زهده فيه، فهو يبيعنا ما ليس له ~~فيه أرب. وكان الصبي بادي السقم، ظاهر الضر، كأنه قد لقي من الذين ~~اتجروا فيه شرا ونكرا، ولم يكن يحسن العربية، بل لم يكن يستطيع أن ~~يفصح عن ذات نفسه، ولم يكن يحسن الرومية، بل لم يكن ينطق منها حرفا، ~~وإنما كان إذا كلمه سيده أو غير سيده من الناس التوى لسانه بألفاظ فارسية ~~لا يفهمها عنه أحد. # وكان سلام يزعم للناس أن هذا الصبي ذكي الفؤاد، صناع اليد، # 196 # موفور النشاط إذا صلحت حاله ووجد من الطعام ما يقيم أوده. وكان ~~يزعم لهم أنه سليل أسرة فارسية شريفة أقبلت من إضطخر حتى استقرت في ~~الأبلة فملكت أرضا واسعة وزارعت فيها النبط، وملكت تجارة عريضة كانت ~~تصرفها في أطراف العراق، فإذا سئل من أنباء هذه الأسرة عن أكثر من ذلك ~~لم يحر جوابا، # 197 # وإنما يقول: زعم لي من باعني هذا الصبي أن العرب اختطفوه حين ~~أغاروا مع الروم على الأبلة، فباعوه من بني كلب، وتعرض به بنو ms054 كلب في ~~بصرى يريدون أن يبيعوه لبعض تجار العرب أو اليهود، وقد رأيته فرق له ~~قلبي ومالت إليه نفسي، وقدرت أن سيكون له شأن أي شأن، فاشتريته فيما ~~اشتريت من المتاع والعروض ... # هنالك كان الناس يقولون له: فلم لا تمسكه عليك # 198 # إذن؟! # فيقول: إن ما أنفقت من المال فيه أحب إلي وآثر عندي منه، وماذا أصنع بصبي ~~لا أحسن القيام عليه ولا يحسن هو أن يقوم على نفسه، وليس لي أهل أكله ~~إليهم؟! والصبي مع ذلك ذكي القلب، صناع اليد، موفور النشاط إن صلحت حاله ~~وأصاب من الطعام ما يقيم أوده. انظروا إلى عينيه كيف تدوران ولا تكادان ~~تستقران على شيء، إنه سريع الحس يخطف ما يرى دون أن يثبته، # 199 # وانظروا إليهما كيف تتوقدان كأنهما جذوتان، ولكن الناس كانوا ~~يسمعون ويضحكون وينصرفون، ويتركون سلاما وفي قلبه حسرة على ما أنفق من ~~مال وعلى ما كان يرجو من ربح. # وتمر ثبيتة بنت يعار الأوسية بسلام ذات ضحى وهو يعرض صبيه هذا في بعض ~~أسواق يثرب، فلا تكاد تنظر إلى الصبي حتى ترحمه، ثم لا تكاد تطيل النظر ~~إليه حتى تقع في قلبها الرغبة في شرائه. # قالت ثبيتة: ما اسم صبيك هذا يا ابن حبير؟ # قال سلام: زعم من باعه لي من بني كلب أن اسمه سالم. # قالت: سالم ابن من؟ # قال سلام: لا أدري، ولكني اشتريته من كلبي يسمى معقلا ، وزعم لي ~~أن أسرته أسرة شريفة أقبلت ... # قالت ثبيتة: أقبلت من إصطخر فنزلت الأبلة، وزارعت النبط، وصرفت تجارتها في ~~أطراف العراق، قد حفظنا ذلك عن ظهر قلب؛ فإني له مشترية، فبكم تبيعه ~~مني؟ # قال سلام وقد ابتسم قلبه ورضيت نفسه، ولكنه استبقى في وجهه الجد والحزم: ~~فإني لا أريد إلا ما أديت من ثمن وما أنفقت عليه منذ اشتريته. وتتصل ~~المساومة بينها وبينه، وتعود إلى دارها بالصبي، وقد ربح اليهودي فأحسن ~~الربح، وربحت هي بشراء هذا الصبي ربحا لا يقوم بالدراهم ولا ~~بالدنانير. # ذلك أنها لم تشتره متجرة ولا ms055 مبتغية كسبا، وإنما آثرت بشرائه الخير والبر ~~والمعروف، لم ترد إلى شيء آخر. # وكانت تقول لنفسها في نفسها وهي عائدة بالصبي إلى دارها: بعدا لهذه ~~الحياة التي لا يرحم الإنسان فيها الإنسان، # 200 # ولا يرأف القوي فيها بالضعيف، ولا ترق فيها القلوب للأم ~~حين تفقد صبيها، وللصبي حين ينشأ لا يعرف لنفسه أما ولا أبا ولا فصيلة ~~يأوي إليها. # وكانت تقول لنفسها في نفسها وهي عائدة بالصبي إلى دارها: لو أن لي صبيا ~~مثله فعدا عليه العادون ومضوا به في غير مذهب من الأرض # 201 # كيف كنت ألقى ذلك؟ وكيف كنت أحتمله أو أصبر عليه؟ وهل كنت أسلو ~~عن صبي آخر الدهر؟! هيهات! لو كان لي صبي مثله وعدا عليه العادون، ~~وذهبوا به في غير مذهب من الأرض لذكرته مصبحة وممسية، ولذكرته يقظى ~~ونائمة، ولتبعته نفسي وذهبت في تصور حاله المذاهب، ولما اطمأننت للعيش ~~ولا نعمت بالحياة ولا استمتعت بطيبات هذه الدنيا. وكانت ترى أم الصبي وقد ~~انتزع منها ابنها وهي تشهد انتزاعه، أو اختطف ابنها وهي لا ترى ~~اختطافه، وكانت ترى توله # 202 # تلك الأم وتفجعها وحسرتها التي لا تخمد ولوعتها التي لا تنطفئ ~~ودموعها التي لا تغيض. # وكانت تقول لنفسها في نفسها وهي عائدة بالصبي إلى دارها: هذا غلام قد ~~اختطف من ملك كسرى، لم يستطع جند كسرى أن يحموه ولا أن يردوا عنه ~~العاديات، فكيف بنا نحن في يثرب، هذه المدينة الخائفة التي يحيط بها اليهود ~~والأغراب من جميع أقطارها، والتي يسل بعض أهلها السيف على بعض، والتي ~~لا يأمن أهلها أن تدور عليهم دائرة، أو تنوبهم نائبة، أو يلم بهم خطب من ~~الخطوب؟! فلما بلغت الدار واستقرت فيها، وعنيت بالصبي حتى أمن بعد خوف، ~~وأنس بعد وحشة، وطعم بعد جوع، قالت لنفسها في نفسها: هيهات أن أتخذ الأزواج ~~أو أن يكون لي من الولد من يصيبه مثل ما أصاب هذا الصبي، ومن أذوق فيه من ~~الحزن والثكل مثل ما ذاقت في هذا الصبي أمه تلك الفارسية ms056 ونساء أمثالها ~~كثير! ولو استجابت الحياة لثبيتة لأنفقت أيامها معنية بهذا الصبي الفارسي، ~~ولاتخذته لنفسها ولدا أو شيئا يشبه الولد، ولكن الناس يقدرون ويدبرون، ~~والأيام تجري على غير ما قدروا ودبروا. # فقد عنيت ثبيتة بسالم حتى ربا جسمه ونما عقله، وأصبح غلاما ذكي ~~القلب، سريع الحس، حديد اللسان، كما قدر اليهودي - أو أكثر مما قدر - ~~وكانت ثبيتة له محبة وبه مغتبطة وعنه راضية، وقد خطبها الرجال من الأوس ~~والخزرج ومن أشراف البادية حول يثرب، فامتنعت عليهم، واعتلت على أهلها في ~~ذلك حتى أعيتهم، ولكن وفد قريش يمرون بيثرب منصرفهم من الشام ذات عام، ~~فيمكثون فيها أياما، ويسمع أبو حذيفة هشيم بن عتبة بن ربيعة بحديث ثبيتة ~~هذه وقصة غلامها ذاك، فيعجبه ما يسمع، ثم يحب أن يتزيد من أخبارها ~~فيلم بقومها، ويقول لهم ويسمع منهم، فتقع ثبيتة من نفسه موقعا حسنا، ~~مع أنه لم يرها ولم يسمع لها، وإنما سمع عنها فرضي. وإذا هو يخطب هذه ~~الفتاة الأبية، فتمتنع عليه أول الأمر، حتى إذا علمت بمكانه من قريش ~~وبأنه من أشرافها وذوي المنزلة الرفيعة فيها، وبأنه من أصحاب البيت وأهل ~~الحرم الذي رد عنه أصحاب الفيل، والذي لا يعدو عليه إلا الفجرة الآثمون، ~~شكت يوما ويوما، ثم أصبحت مستجيبة لخطبة هذا المكي. # ويعود أبو حذيفة بأهله وبسالم إلى مكة في وفد قريش، فلا يكاد يستقر فيها حتى ~~ينكر من أمرها بعض الشيء. لقد أصبح فغدا على أندية قريش، ثم أمسى فراح إلى ~~أندية قريش، ولكنه يعرف من أمر هذه الأندية كثيرا، وينكر من أمرها كثيرا، ~~تريد نفسه أن تطمئن وأن تأمن وأن ترضى، كما تعودت من قبل، ولكنها لا ~~تجد إلى الطمأنينة ولا إلى الأمن ولا إلى الرضا سبيلا. يحس أبو حذيفة كأن ~~شيئا ينقص هذه الأندية، وكأن حدثا قد حدث في مكة لا يدري أيسير هو أم ~~خطير، ولكن شيئا قد حدث فتغير من أمر قومه تغييرا يحسه ولا يحققه. ثم ~~يتلمس بعض صديقه في أندية قريش فلا يجدهم، ms057 يسأل: أين عثمان بن عفان الأموي؟ ~~وأين طلحة بن عبيد الله التيمي؟ وأين فلان وفلان من ذوي مودته؟ فلا يجيبه ~~قومه بالتصريح، وإنما يؤثر بعضهم الصمت، ويذهب بعضهم مذهب التورية، ~~ويلوي بعضهم ألسنتهم بأحاديث لا تفصح ولا تبين. # ويرى أبو حذيفة ويسمع، فيبعد الأمد بينه وبين الطمأنينة والأمن والرضا، ثم ~~يصبح ذات يوم وقد انجلت له بصيرته، ووضح له وجه الحزم من أمره. إن صديقه ~~أولئك بمكة لم يفارقوها ولم يبرحوا أرض الحرم، فما له يسأل عنهم ولا يلم ~~بهم؟! ولا يكاد هذا الخاطر يخطر له حتى يقصد قصد فلان أو فلان من أولئك ~~الصديق. # وقد ألم بعثمان بن عفان وكان له خليلا على ما كان بينهما من تفاوت في ~~السن، كان عثمان قد تخطى الأربعين أو كاد، وكان أبو حذيفة لم يبلغ ~~الثلاثين بعد، ولكن الود كان بينهما قديما متينا، زادته الصحبة في ~~الأسفار قوة وأيدا، فلما بلغ أبو حذيفة دار عثمان ودخل عليه تلقاه صديقه ~~بما تعود أن يتلقاه به من البشر والبشاشة ومن الرفق واللين، ولكن أبا ~~حذيفة آنس من صديقه على ذلك كله شيئا من تحفظ واحتشام. # قال أبو حذيفة: لقد التمستك # 203 # أبا عمرو في أندية قريش منذ عاد الوفد إلى مكة فلم أجدك، فما ~~عسى أن يكون قد حبسك عن قومك؟ # قال عثمان: لم أنشط لهذه الأندية، ولا لما يدور فيها من حديث. # قال أبو حذيفة: فهل أنكرت من قومك شيئا؟ وهنا سكت عثمان ولم يجب. فأعاد ~~عليه أبو حذيفة مقالته، فأمعن عثمان في الصمت. # قال أبو حذيفة: إن لك أبا عمرو لشأنا ولا واللات والعزى، ولكن عثمان لم ~~يكد يسمع قسمه هذا حتى لوى وجهه. # 204 # وينظر أبو حذيفة فإذا وجه صاحبه قد اربد وظهر فيه غضب لم يألفه منه قط. ~~قال أبو حذيفة: ويحك أبا عمرو! إنك لتعرف ما بينك وبيني من الود، وإنك ~~لي لخليل وفي أمين، فأظهرني على ذات نفسك. # قال عثمان في صوت وادع لين: فإن شئت أن تستبقي ms058 ما بيننا من الود فلا تذكر ~~اللات والعزى وهذه الآلهة التي لا تغني عنكم شيئا. # هنالك وجم # 205 # أبو حذيفة وجمة قصيرة، ثم قال: ويحك أبا عمرو! فإنك إذن قد ~~صبأت؟ # قال عثمان في صوت أشد دعة وأعظم لينا: لم أصبؤ أبا حذيفة، وإنما اهتديت؛ ~~إنك فتى حازم رشيد لم تتقدم بك السن بعد، ولكن رأيت الدنيا وطوفت في ~~أقطار الأرض وبلوت أخبار الناس وجربت الأحداث والخطوب، أفترى من الرشد أن ~~يؤمن مثلك ومثلي لأنصاب # 206 # من خشب وصخر صورها الناس بأيديهم، ويستطيع من شاء منهم أن ~~يجعلها جذاذا؟ # 207 # قال أبو حذيفة: ما أراك أبا عمرو إلا رشيدا، ولكني لم أفكر في هذه الأشياء ~~قط، وإنما وجدت قومنا يعبدون هذه الأنصاب فصنعت صنيعهم. # قال عثمان: وإذا أسفر الهدى وحصحص الحق؟ # 208 # قال أبو حذيفة: فقد وجب علينا أن نهتدي ونتبع الحق، متى تستصحبني إلى ~~محمد؟ # قال عثمان: الآن إن شئت. # وأمسى أبو حذيفة مسلما، ودخل بإسلامه على ثبيتة، فلم تكد تسمع له حتى آمنت ~~بمحمد وما جاء به. وسمع الغلام سالم حديثهما فمالت إليه نفسه، وإذا هو يؤمن ~~كما آمنا، ولم يتقدم الليل حتى زادت بيوت الإسلام في مكة بيتا. # وتمضي أيام قليلة وإذا ثبيتة تعلم أن محمدا يدعو إلى إعتاق الرقيق، ويعد ~~الذين يفكون الرقاب مغفرة من الله ورحمة ورضوانا، فتدعو إليها غلامها ~~ذاك الفارسي وتقول له: اذهب سالم؛ فإني قد سيبتك لله عز وجل، فوال من ~~شئت . # قال سالم لأبي حذيفة: فهل لك في أن تكون لي وليا؟ # قال أبو حذيفة: هيهات! لن أتخذك مولى، وإنما أنت ابن لي منذ اليوم. # 13 # دخل عبد الله بن سهيل بن عمرو على أخته سهلة بنت سهيل زائرا عند ~~زوجها أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، فرأى منها إقبالا عليه أكثر مما ~~تعود أن يرى منها منذ حين، ووقع ذلك من نفسه موقعا حسنا، فجعل يحدث ~~أخته بما شاء من أحاديث قومه، يريد أن يسرها ويفكهها؛ يعبث بالشيوخ وذوي ~~الأسنان ms059 من قريش طورا، ويتندر بمرح الشباب من قريش طورا آخر، وأخته ~~تسمع له فتضحك وتعجب، وتهم أن تشاركه في بعض حديثه وأن تذكر معه أيام ~~الصبا، ولكنها لا تلبث أن تكف نفسها عن ذلك وأن تؤثر الصمت، وتدعوه إلى أن ~~يقول. وقد لاحظ عبد الله أن أخته على نشاطها له وإقبالها عليه ربما عرض لها ~~شيء من ذهول بين حين وحين، كأنما كانت تغيب عنه ثم تثوب إليه. # وقد أنكر الفتى من أخته نشاطها وذهولها جميعا، ولكنه أسر ذلك في نفسه ولم ~~يبده لها، ومضى فيما كان يسوق من حديث ضاحكا مضحكا، حتى إذا أنفق ~~معها ساعة غير قصيرة هم أن ينصرف، وقامت أخته تريد أن تسعى معه مشيعة إلى ~~فناء الدار، ولكن عبد الله ينحني على أخته يريد أن يضمها إليه وأن ~~يقبلها، فتذعر سهلة وتتراجع شيئا، وينظر إليها عبد الله في شيء من ~~حيرة ودهش، وتنظر هي إلى عبد الله في دهش وحيرة، ثم يعود عبد الله إلى ~~مكانه فيجلس، وتظل سهلة قائمة واجمة كأنها لا تدري ماذا تصنع ولا تعرف كيف ~~تقول. # قال عبد الله بعد هنيهة: إن أمرك لعجيب منذ اليوم يا سهلة، أليس قد أزمعتم ~~الهجرة من غد؟! # قالت سهلة وقد ظهر عليها الروع: أي هجرة؟! هنالك أغرق عبد الله في الضحك، ثم ~~قال: ما رأيت كاليوم فتاة غرة # 209 # تريد أن تمكر بأخيها، إن هجرة أصحاب محمد إلى أرض الحبشة ليست ~~سرا مكتوما، وإنما هو حديث الناس في مجالسهم وحديث الملأ # 210 # من قريش في أنديتهم، وإن قريشا لو شاءت لأخذت على أصحاب محمد ~~طرق هجرتهم، # 211 # ولكنها لا تشاء، ولعلها لا تكره هذه الهجرة، فقد جعلت قريش ~~تسأم محمدا وأصحابه، وتسأم الكيد لهم والمكر بهم والإلحاح على المستضعفين ~~منهم بالفتنة والعذاب، وقد فرحت قريش بهجرتهم هذه، وقال الملأ منها شر ~~يصرف عنا وراحة تهدى إلينا، وإن أعين قريش ليقظة ساهرة على محمد ونفر ~~من أصحابه، فهؤلاء رهائن قريش لا تخلي بينهم وبين الطريق ms060 إن أرادوا أن ~~يدفعوا أنفسهم إلى الطريق، فأما المستضعفون وأشباه المستضعفين فليس لقريش ~~فيهم أرب. # وكانت سهلة تسمع لهذا الحديث وآيات الروع والحزن والرضا تختلف على وجهها، ~~وهي مع ذلك قائمة تسمع من أخيها ولا ترد عليه جوابا. # قال عبد الله: وقد ظننت إذن وظن زوجك أن قريشا عنكما غافلة، هيهات! إن ~~عتبة والوليد بن عتبة ليعلمان من أمر أبي حذيفة مثل ما يعلم سهيل وعبد ~~الله من أمر سهلة، وإن قريشا لتعلم من أمركما مثل ما يعلم أبواكما، ولكن ~~قريشا لا تحبسكما؛ لأن لها في أبويكما وأخويكما أربا، ولكننا نحن لا ~~نحبسكما أيضا؛ لأنا نؤثركما بالحب في أعماق نفوسنا ودخائل قلوبنا، ونكره ~~لكما حياة التستر والاستخفاء هذه التي تحتملانها في مشقة أي مشقة، وعناء أي ~~عناء، ولا نضيق بأن تجدا في هجرتكما هذه أمنا بعد خوف وفرجا بعد حرج، ~~ولولا أن تقول قريش: ضعف سهيل فلم يطق على فراق ابنته صبرا لما زرتك ~~الآن وحدي ولزارك أبوك فنظر إليك قبل فراق ليس يدري ولست تدرين أيطول أم ~~يقصر، ولكنه يرى كما أنك ترين أوله، ولا يعرف كما أنك لا تعرفين آخره، وليس ~~يعنيني ما تقول قريش في، وعسى أن أجد في مقت قريش لي رضا، وفي استخفافها ~~بي حبورا. أسمعت الآن عني؟ # قالت سهلة: ألم تر أنك منذ دخلت علي إنما تتحدث وحدك وأنا أسمع ولا أرد ~~عليك؟! # قال عبد الله: بلى! وهذا بعض ما أثار في نفسي ما ترين من العجب، ولكني لم ~~أفهم هذا الذعر الذي اشتمل عليك حين أردت أن أضمك وأن أقبلك ~~مودعا. # قالت سهلة ولم تستطع أن تمنع ابتسامة حلوة ارتسمت على ثغرها وضحكة عذبة جرت ~~في صوتها: فإنك مشرك، وما أحب مس المشركين. # قال عبد الله وقد ظهر في وجهه الحزم: أوقد بلغ بكم حب محمد والاستجابة ~~لدينه أن تصدوا عن إخوانكم؟! # قالت سهلة، وقد زالت ابتسامتها عن ثغرها وجرى في صوتها حزم صارم لم يثبت له ~~قلب الفتى وإنما اتصل له خفقانه: ms061 لو قد أحببت محمدا واستجبت لدينه لعرفت ~~أن الصد عن الإخوان والآباء في سبيله ليس شيئا، تعلم # 212 # يا أخي أنا نحب الله ورسوله أكثر مما نحب آباءنا وأمهاتنا ~~وإخواننا، وأكثر مما نحب الدنيا كلها وما فيها من كل شيء، وأكثر مما نحب ~~أنفسنا، ولقد حدثتني آنفا بأن قريشا راضية عن هجرتنا، فتعلم أنا نحن ~~عنها غير راضين، ولولا أن أذن لنا فيها محمد ودعانا إليها لآثرنا الفتنة ~~والعذاب والموت قريبا منه على الدعة والسعة والراحة والروح والأمن والرضا ~~بعيدا عنه في أي قطر من أقطار الأرض. # قال عبد الله، وقد أطرق مفكرا: هو ذاك إذن! محمد أحب إليكم من آبائكم ~~وأمهاتكم وإخوانكم ومن الدنيا كلها ومما فيها من كل شيء! ومحمد أحب إليكم ~~من أنفسكم! # قالت سهلة: ولو قد أحببت محمدا كما نحبه لعرف قلبك الحب الذي يعطي ولا ~~يريد أن يأخذ، والذي لا يبتغي لنفسه ثمنا من لذة الجسم أو نعيم ~~النفس. # ويدخل أبو حذيفة فيرى عبد الله مطرقا مغرقا في التفكير، ويرى امرأته سهلة ~~قائمة تنظر إليه نظرات حازمة قوية، ولكن فيها شيئا من أمل وشيئا من حنان. ~~فينظر أبو حذيفة إلى امرأته، ثم ينظر إلى عبد الله، ثم يقول في صوت عميق: ~~هل تنبئينني يا سهلة بأن الله قد أنزل السكينة على قلب أخيك؟ # وهمت سهلة أن تجيب، ولكن عبد الله يرفع رأسه ويسبق أخته إلى الحديث ~~فيقول: السكينة! السكينة! ... ما عسى أن تكون هذه السكينة؟ # إن لكم لألفاظا تديرونها في أفواهكم وتقرعون بها آذاننا، ولكنا لا نحصل ~~لها معنى، هذه تزعم أنكم تحبون محمدا أكثر مما تحبون آباءكم وإخوانكم ~~وأنفسكم، وأنت تسألها هل أنزل الله على قلبي السكينة، ما عسى أن تكون هذه ~~السكينة؟! وما عسى أن يكون محمد قد صنع بقلوبكم حتى استأثر بها من دون ~~آبائكم وإخوانكم وأنفسكم؟! # قال أبو حذيفة في صوت رفيق: لم يصنع محمد بقلوبنا إلا أنه نقاها من الغي، ~~وجلاها من الضلال، واستنزل عليها السكينة التي ملأتها أمنا ورضا ms062 وثقة ~~وأملا، وحالت بينها وبين الخوف والشك والقنوط، ثم يتلو قول الله عز وجل: # إن الذين لا يرجون لقاءنا ~~ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين ~~هم عن آياتنا غافلون * أولئك ~~مأواهم النار بما كانوا يكسبون ~~، ولا يكاد ~~الفتى يسمع هاتين الآيتين حتى تأخذه رعدة عنيفة ويتفصد # 213 # جبينه عرقا، ويمضي أبو حذيفة في تلاوته، فيقرأ: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم ~~الأنهار في جنات النعيم * دعواهم ~~فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين ~~. ~~••• # ولا يبلغ أبو حذيفة آخر هذه الآيات حتى يهدأ روع الفتى ويثوب إلى قلبه ~~الأمن، وينظر إلى أبي حذيفة مبتسما، ويقول في صوت تشيع فيه دعابة حلوة: ~~ويحك! إني أحس كأن سكينتكم هذه تسعى إلى قلبي، أذاهب أنت بي أبا حذيفة ~~إلى محمد لأتلقاها منه؟ # وأمسى عبد الله مسلما قد عاد إلى أخته، وجلس إليها وإلى أبي حذيفة، ~~وسالم يسمع منهم القرآن. تقول له سهلة حين منصرفه عنها حين تقدم الليل: ~~أمهاجر أنت معنا يا أخي؟ # قال عبد الله: عزيز علي أن تنأى بكم الدار، ولكني لم أسمع من رسول الله ~~القرآن وحديثه إلا اليوم، وإني لأوثر أن ألزمه ما وسعني لزومه، فاذهبوا ~~راشدين. # وأصبح أبو حذيفة فانطلق بامرأته وابنه سالم فيمن انطلق إلى أرض الحبشة من ~~المسلمين، حتى إذا كانت الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة كان عبد الله بن ~~سهيل أحد المشاركين فيها، وقد جلس سهيل في داره محزونا كئيبا، وافتقدته ~~قريش حين رأت تخلفه عن أنديتها أياما، فأقبل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ~~ربيعة وأبو جهل عمرو بن هشام فاستأذنوا عليه، ولو قد أطاع نفسه لمنعهم ~~الإذن، ولكن للسادة من قريش حقوقا لا يلتوى بها، فيدخل القوم على سهيل ~~ولا يكادون يتحدثون إليه حتى يروا حزنه وضيق صدره. # يقول عتبة بن ربيعة: ويحك أبا عبد الله! لقد هاجر ابني فما ساءتني هجرته، ~~فيقول سهيل: وهل جر علينا الشر كله إلا ابنك؟! لم يكفه أن ms063 يصبئ ~~ابنتي حتى أصبأ أخاها وانصرف بهما جميعا إلى أرض النجاشي. # قال أبو جهل: لو عرفت قريش كيف تؤدب سفهاءها لما أصابكما ما تريان، ولو ~~استجابت لي قريش لاجتثثت الشجرة من أصلها. # 214 # فيقول شيبة بن ربيعة: على رسلك # 215 # أبا الحكم! أما هذه فلم يأت إبانها # 216 # بعد. # وما زال القوم بسهيل حتى يخرجوه ويردوه إلى ما ألف منهم وألفوا منه، ~~ويمضي من الأيام والأشهر ما شاء الله أن يمضي، وهؤلاء نفر من مهاجرة الحبشة ~~يعودون إلى مكة، منهم من يعلن عودته ومنهم من يستخفي بها، وعاد في هؤلاء ~~النفر عبد الله بن سهيل؛ فيلقاه أبوه أحسن لقاء، ويتحدث إليه حديث البشاشة ~~والبشر، والفتى متحفظ متأثم، كأنه يرى في الاستماع لحديث أبيه بأسا، ولكن ~~سهيلا يضرب إحدى يديه بالأخرى، فما هي إلا أن يستجيب له أعبد شداد ~~يحيطون بعبد الله، فيوثقونه، ثم يحملونه سجينا إلى أعماق الدار، ومنذ ~~اليوم يذيقه أبوه من الفتنة شيئا عظيما. # 14 # لم تعرف مكة في تاريخها الطويل القديم يوما كذلك اليوم المشهود، وإن كانت ~~قد عرفت بعده أياما مشهودة ليست أقل منه شدة ونكرا. # كانت بلدا آمنا، لا يعرف أهله كيدا ولا مكرا ولا بغضا ولا عداء، وإنما ~~يستقبلون أمورهم راضين عنها مبتهجين بها مطمئنين إليها، يكون بينهم التنافس ~~في المال والاستباق إلى المجد، ولكنهم على ذلك لا يبغي بعضهم على بعض، ولا ~~يبطش بعضهم ببعض، وإنما تجري أمورهم على الدعة والإسماح، وأقصى ما يبلغ ~~الشر بينهم أن يقول بعضهم لبعض قليلا أو كثيرا مما يكره من القول، ثم لا ~~يلبثون أن يعود بعضهم على بعض بالعافية، وأن يهدي بعضهم إلى بعض ألوان ~~البر والمعروف. وقد عرفت العرب القاصية والدانية ذلك من أمرهم، فهوت # 217 # إليهم الأفئدة، وعطفت عليهم القلوب، واتصلت بهم الآمال، وتعلقت ~~بهم النفوس، حتى أصبح بلدهم وما حوله من الأرض حرما آمنا يأوي إليه ~~الخائف ويلوذ به الملهوف، # 218 # ولكن مكة تصبح في ذلك اليوم وقد أظهرت لها السماء ابتساما، ~~فملأت ms064 بطاحها وجبالها ورباها بأشعة الشمس المشرقة الرائعة، ولكنها أضمرت ~~لها عبوسا أي عبوس، فملأت قلوب نفر من أبنائها بالظلمة المظلمة والكيد ~~المفضي بأهله إلى شر ما ينتهي إليه الناس. # أصبحت قريش في ذلك اليوم، فغدا الملأ منها إلى أنديتهم في المسجد، وأخذوا ~~فيما كانوا يأخذون فيه من حديث، إلا نفر منهم لم يذهبوا إلى المسجد ولم ~~يحضروا أندية قومهم، ولم يشغلوا أنفسهم ببيع أو شراء، ولم يسروا # 219 # عن أنفسهم بصيد أو طرد أو مجون. وإنما شغلوا بشيء غير ذلك ~~كله؛ شغلوا بتهيئة العذاب وجه النهار، وشغلوا بشهود العذاب وسط ~~النهار، وشغلوا بالتحدث عن العذاب آخر النهار، ولكنهم لم يتحدثوا عنه ~~وحدهم، وإنما تحدثت عنه قريش كلها، ولم تبق في مكة دار إلا ذكر فيها ~~أمر ياسر وامرأته وابنه، وأمر صهيب، وأمر خباب، وأمر بلال. وكانت أحاديث ~~قريش عما صب على هؤلاء الرهط من العذاب مختلفة أشد الاختلاف: فأما شيوخ ~~قريش وذوو أحلامها، فكانوا يجدون في سيرة أبي جهل وأضرابه غلوا في الشر ~~وإسرافا في القسوة، ولكنهم على ذلك كانوا يعللون أنفسهم بأن هذه الشدة ~~قد تخوف محمدا وأصحابه وتردهم إلى شيء من القصد والأناة، وإلى أنها ~~قد تردع # 220 # الرقيق والمستضعفين وتريهم ما ينتظر الذين يصبون منهم إلى ~~محمد وأصحابه من البأس والضر والعذاب، فكانت ضمائرهم تنكر، وقلوبهم تسكت، ~~وألسنتهم تعرف. وأما الشباب من قريش، فكان أكثرهم يرى في هذا البدع لونا ~~مستحدثا من التسلية والتسرية والاشتغال عن النفس وعما تعودت أن تتلهى به ~~من ألوان العبث والمجون، وفي غرائز الناس ميل إلى الشر، واستحباب للنكر، ~~واستعذاب للعذاب حين يمس غيرهم ويدفعهم إلى فنون من الألم وضروب من الحركات ~~التي يثيرها الألم، وإلى ألوان من الشكاة التي يبتعثها الألم. # وفي قلوب الشباب قسوة وخفة، وفي أحلامهم نزق وطيش. # 221 # فهم ينظرون إلى من يمتحن في بدنه، ويأتي من الحركة والقول ~~ما يسليهم ويلهيهم، على أنه متاع لأبصارهم ونفوسهم، ولا يقدرون أن هذا ~~العذاب يمكن أن يصب عليهم، وأن هذه ms065 الحركات والشكاة يمكن أن تصدر ~~عنهم، فتضحك منهم قوما آخرين، ولو قد وضع الإنسان نفسه موضع الذين يصب ~~عليهم العذاب لجنب الناس شرا كثيرا. فكان أولئك الشباب من قريش ~~يتحدثون ببراعة أبي جهل فيما كان يخترع من ألوان الفتنة والمحنة راضين عنها ~~معجبين بها، وكانوا يتحدثون عن احتمال أولئك الرهط للفتنة في أنفسهم ~~بالجلد والصبر والأناة في كثير من الإعجاب، كما كانوا يتحدثون في عبث ~~وسخرية بما كانت أجسام أولئك الرهط تأتي من الحركات حين يمسها ~~العذاب. # قال الحارث بن هشام لابن أخيه عكرمة بن أبي جهل: ألم تر إلى سمية كيف ~~كان جسمها يتلوى حين كانت السياط تلهبه بغير حساب، دون أن يفتر فمها عن ~~صيحة أو أنة أو شهيق، وهي التي كنا نثيرها إلى الخوف أو نثير الخوف ~~إليها بأيسر ما كنا نأتي من الحركات، نعبث بها ونسخر منها حين نراها تثور ~~كأنما دفعت من الأرض بلولب خفي؟! قال عكرمة: لم أعجب لشيء كما عجبت ~~لزوجها الشيخ الذي مزق جسمه بالسياط وحرق بالنار ليذكر الآلهة بخير، ~~فلم يظفر منه أبي إلا بشتم الآلهة والاستهزاء بها. # أما ابنه عمار فقد سكت صوته، وسكن جسمه للعذاب، وارتسمت على ثغره ابتسامة ~~حلوة مرة، ما أدري أكانت تصور الرضا أم كانت تصور الغيظ! ولكنها ~~ارتسمت في نفسي أشد مما ارتسمت على ثغره، وما أرى أنها ستغيب عني آخر ~~الدهر. # قال صفوان بن أمية: فكيف لو رأيتما بلالا، ذلك الحبشي والفتية من الأحرار ~~والرقيق يتنازعون جسمه يأخذ كل منهم بطرف، كأنما كانوا يريدون أن يقتسموه ~~بينهم، وهو في أثناء ذلك لا يئن ولا يشكو، وإنما يثني على محمد، ويذكر ~~إلهه ذاك بالخير. # قال خالد بن الوليد: أما أنا فقد رأيت من صهيب عجبا، رأيت القوم ~~يعذبونه بالنار وينوشونه # 222 # بالرماح ويلهبون جسمه بالسياط، وهو على ذلك يتحدث إليهم حديث ~~من لا يحفل بما كانوا ينالونه به من الأذى، وربما اشتد عليه البأس فعقد ~~لسانه عن القول برهة، وأجرى على جبينه شيئا من عرق، ms066 ثم لا يلبث أن تثوب ~~إليه نفسه، ويعود إلى التحدث إلى معذبيه في بعض أمرهم، كأنهم لم ينالوه ~~بمكروه، وما يزالون به يعذبونه بالحديد والنار والسياط، وما يزال بهم ~~يعذبهم بهدوئه وثباته وتحدثه إليهم في أيسر أمورهم، حتى إذا أملهم أو كاد ~~يملهم ضاعفوا له العذاب، وخرجوا في ذلك عن أطوارهم، فيسعى إلى صهيب ~~شيء من ذهول، ثم يأخذه شيء يشبه السكر، فيمضي في حديثه، ولكنه يقول ~~للقوم غير الصواب، ويعرف القوم أنهم قد بلغوا منه بعض ما كانوا يريدون فيكفون # 223 # عنه مكاويهم ورماحهم وسياطهم، وأشهد لقد انصرفت عن هؤلاء ~~القوم وإني لبعض أمرهم لكاره. # قال الحارث بن هشام: اسكت لا يسمعك ابن عمك فيصيبك منه بعض ما ~~تكره. # كذلك كان الشباب من قريش يعجبون بأولئك الرهط # 224 # المعذبين ويعجبون منهم، يستهزئون بهم طورا ويعطفون عليهم ~~طورا آخر. # وأما المستضعفون والرقيق، فكانوا يرون الشر ويعينون عليه حين يطلب إليهم ~~أن يعينوا عليه، تكرهه نفوسهم وترضى عنه ألسنتهم؛ قد ملأ الخوف أكثرهم، ~~وتسرب الحب والإشفاق إلى قلوب فريق منهم، فهم ينتهزون الفرص ويتربصون ~~بقريش الدوائر، # 225 # ويتحدثون إلى أنفسهم، وربما تحدث بعضهم إلى بعض - إذا خلا ~~بعضهم إلى بعض - بأن الخير كل الخير عند محمد وأصحابه، وبأن الخير كل الخير ~~في أن ينحازوا إليهم، فالضعف إلى الضعف قوة، ومن يدري؟! لعل الله أن ينتصف ~~لهم ولأمثالهم بمحمد وأصحابه من أولئك البغاة الظالمين. # وأما المسلمون الذين صرف عنهم العذاب ونحيت عنهم الفتنة، فكانوا ~~يشهدون وفي نفوسهم ألم وأمل، وفي قلوبهم حزن وثقة، قد اطمأنوا إلى أن ~~العاقبة لهم، واستيقنوا بأن الله منجز وعده، ولكنهم على ذلك يرحمون ~~إخوانهم، وربما تمنوا لو كانوا مكانهم فاحتملوا عنهم بعض ما يحتملون من ~~الأذى. # وربما كان أصدق وصف لمكة حين أمسى المساء من ذلك اليوم أن أكثر أهلها كانوا ~~حائرين، يرون الفتنة ولا يدرون أيعرفونها أو ينكرونها؛ لأنهم لا يعرفون ~~أخير هي أم شر! وأن أقل أهلها كانوا قد صدقوا الله ما عاهدوا عليه، ~~فرضيت ms067 نفوسهم واطمأنت قلوبهم واستيقنوا أن العاقبة للمتقين، ولو كشف ~~الغطاء عن أهل مكة لرأوا حين تقدم الليل من ذلك اليوم أن من حول مكة ~~أعيادا يحفل بها الشياطين، وقد استخفهم الفرح واستهواهم الطرب، ورأوا ~~أصحاب محمد يعذبون أشد العذاب وأقساه، فغرهم بالله وبأنفسهم الغرور، ~~وظنوا أن فتنة هؤلاء الرهط ستحفظ لهم سلطانهم على مكة، وستمكن لهم في قلوب ~~قريش. # وأصبح أصحاب النبي # صلى الله عليه وسلم # فتحدثوا إليه من أمر الفتنة بما علموا، ولكنه ~~تحدث إليهم من أمرها بما لم يعلموا، لا لأنه شهد الفتنة، أو رأى كيف كان ~~تصب على المستضعفين من أصحابه، بل لأن أمر الفتنة كله قد أوحي ~~إليه. # وخرج النبي وأصحابه فتفرقوا في أحياء مكة يسعى بعضهم هنا ويسعى بعضهم ~~هناك، يلتمسون فضلا من ربهم، ويريدون في أكبر الظن مواساة لهؤلاء ~~المستضعفين الذين كانوا يفتنون عن دينهم ويعذبون في الله، ويمشي النبي # صلى الله عليه وسلم # في بعض بطحاء مكة، وقد وضع يده في يد عثمان بن عفان، وما يزالان ~~يتماشيان حتى يبلغا آل ياسر وقد سطحوا على الأرض موثقين، ووضعت على ~~صدورهم الصخور الثقال، وجعل المشركون يمسونهم بالنار حينا بعد حين، وربما ~~وخزوهم بالخناجر والحراب، وثلاثتهم سكوت لا ينطقون حرفا، والمشركون قد ~~ملأ قلوبهم الغيظ؛ لأنهم لا يبلغون منهم شيئا، وقد أنكروا صمتهم الذي اتصل ~~منذ أخذ في تعذيبهم مع الضحى، حتى جعلوا يشتطون عليهم في البأس # 226 # ليستخرجوا منهم أنة أو شكاة، ولكنهم ماضون في الصمت، قد ثبت ~~الله قلوبهم، وصرف عن نفوسهم الجزع والهلع، فإذا مر النبي وصاحبه ~~بهؤلاء الرهط المعذبين سمع المشركون صوت ياسر لأول مرة من يومهم ذاك، سمعوا ~~صوت ياسر لا يتجه إليهم وإنما يتجه إلى النبي، فيقول: الدهر هكذا يا رسول ~~الله، قال رسول الله: «أبشروا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة.» هنالك يسمع ~~المشركون صوت سمية لأول مرة من يومهم ذاك، يسمعون صوت سمية لا يتجه إليهم ~~وإنما يتجه إلى النبي، فيقول: أشهد أنك رسول الله، وأشهد أن وعدك ms068 الحق. ~~وهنالك يسمع المشركون صوت عمار لأول مرة من يومهم ذاك، يسمعونه لا يتجه إلى ~~أبويه، ولا يتجه إلى النبي وصاحبه، وإنما يتجه إليهم هم، فيقول: عذبونا ~~يا أعداء الله ما شئتم؛ فإن موعدنا الجنة وأنوفكم راغمة. # هنالك يخرج المشركون عن أطوارهم # 227 # ويصبون على أولئك الرهط من العذاب ما ليس إلى وصفه ~~سبيل. # ويمضي أبو بكر في بعض بطحاء مكة فيرى بلالا وقد عذب حتى ملت قريش ~~تعذيبه، عذبوه بالنار والماء، وعذبوه بالحديد والسياط، طرحوه على الأرض ~~في الرمضاء، # 228 # وأثقلوه بالصخر، يريدونه على أن يذكر آلهتهم بخير فلا يسمعون ~~منه إلا: أحد، أحد. يقول له أمية بن خلف: اذكر آلهتنا يا بلال يرفع عنك ~~العذاب. فيجيب: إن لساني لا يطاوعني. ثم يمضي في ذكره قائلا: أحد، ~~أحد. فيمل أمية بن خلف وأصحابه، فيضعون عنه أثقاله ثم يقيمونه، ثم يضعون ~~الحبال: حبلا في إحدى ذراعيه، وحبلا في ذراعه الأخرى، وحبلا في إحدى ~~ساقيه، وحبلا في ساقه الأخرى، ثم يدعون الصبية ويلقون إليهم الحبال، ~~ويأمرونهم أن يعدوا ببلال حتى يجهدوا أنفسهم ويجهدوه، ويفعل الصبية ما ~~أمروا، فيعدون به إلى اليمين، ويعدون به إلى شمال، ويعدون به إلى أمام، ~~ويعدون به إلى وراء، وهم يتصايحون ويتضاحكون، وأمية بن خلف وأصحابه ينظرون ~~ويتعابثون، وبلال لا يحفل بشيء من ذلك، وإنما هو يتبع العادين به حيث ~~يعدون، لا يقاوم ولا يتمنع ولا ينفك لسانه عما أخذ فيه من ذكر: ~~أحد، أحد، أحد، أحد. وقد بلغ الجهد من الصبية حتى جعلوا يلهثون، ثم ~~تراخت أيديهم وألقوا بحبالهم إلى الأرض، وظل بلال قائما ماضيا في ~~ذكره: أحد ، أحد. حتى يبلغ الغيظ من أمية وأصحابه، فيدفع بعضهم في صدر بلال ~~حتى يلقوه على الأرض إلى ظهره، فيسقط ويسمع لسقوطه صوت مروع، ولكن ~~ذكره متصل: أحد، أحد. ويهم أمية أن يبطش به ليسكت هذا الصوت ويقطع هذا ~~الذكر، ولكن أبا بكر يعرض له قائلا: ويحكم! فيم تعذبون هذا ~~الرجل؟! # قال أمية: وما أنت وذاك يا ابن أبي ms069 قحافة؟! عبد لنا، نصنع به ما ~~نشاء. # قال أبو بكر: هو عبد الله قبل أن يكون عبدك يا أمية، إنك إن تأت على نفسه ~~تأثم وتضيع مالك، فهل لك في شيء خير من ذلك؟ # قال أمية: وما ذاك؟ # قال أبو بكر: أشتري منك هذا الرجل، واحتكم في ثمنه. # قال أمية وقد ضجر ببلال وتأديبه وتعذيبه: قد فعلت، فأد إلي ثمنه سبع ~~أواق. # قال أبو بكر: فخل سبيله ورح معي حيث أؤدي إليك مالك. # قال أمية: أد إلي مالي أخل عنه. # قال أبو بكر: ويحك يا أمية! متى عهدتني ألتوي عليك بالدين؟! # قال أمية وقد استحيا: صدقت، خذ غلامك وأرسل إلي ثمنه متى شئت. # قال أبو بكر: إنما هي روحتي إلى أهلي، ثم يؤدى مالك إليك. # وأخذ أبو بكر بلالا من يده فانطلق به إلى داره، وهنالك رفق به وخفف عنه ~~بعض ما وجد من الضر، وأرسل إلى أمية ماله، وتلبث في داره يرفق ببلال ~~ويتحدث إليه، ويقرأ عليه من آيات الذكر، حتى إذا عاد رسوله، وعرف أبو بكر ~~أن أمية قد قبض ماله التفت إلى بلال وابتسم له وقال: انطلق بلال، فأنت ~~حر. # وأمسى أبو بكر، فلقي رسول الله وأنبأه بما رأى من فتنة بلال، وبأنه لم يستطع ~~أن يستنقذه حتى اشتراه. قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «الشركة يا أبا بكر.» # قال أبو بكر: فإني قد أعتقته يا رسول الله! # ومر قوم آخرون من أصحاب النبي بحي آخر من أحياء قريش فيرون - ويا هول ما ~~يرون! - نارا عظيمة قد أججت، ويرون رجلا قد شد وثاقه، # 229 # ويرون قوما يحملونه ويدنونه من النار حتى توشك أن تحيط به، ~~ثم يختطفونه اختطافا فيبعدون به عن النار، ثم يقيمونه أمامهم مشدودا ~~مقيدا، ثم يتقدم أحدهم فيدفع برجله في صدره دفعة تسقطه إلى ظهره وهم ~~يتضاحكون، ثم يعودون فيفعلون به مثل فعلهم الأول. يقول له قائلهم: اذكر ~~آلهتنا بخير، وقع # 230 # في محمد ودينه أو لتميتنك هذه النار وهذه الأرض! فلا ~~يسمعون منه ms070 إلا: أشهد أن محمدا رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق. وما ~~يزالون يقدمونه إلى النار، ويؤخرونه عنها، ويدفعونه إلى الأرض، ~~ثم يردونه قائما حتى يغشى عليه. # هنالك يقول بعضهم لبعض: أبقوا عليه يا معشر قريش، لا تأتوا على نفسه، ~~فيسألكم عنه حلفاؤه من زهرة. # ويعود أصحاب النبي فينبئون إخوانهم بما رأوا من أمر خباب بن الأرت، وتمضي ~~أمور قريش والمستضعفين من المسلمين على هذا النحو الأيام ثم الأشهر ثم ~~السنين، لا تبلغ قريش من هؤلاء المستضعفين شيئا في دينهم، إلا أن تكون ~~كلمة الله قد حقت على بعضهم فيفتن عن دينه ويكفر بعد إسلام، أو أن يكون ~~الله قد آثر بعضهم بالحسنى فيختاره لجواره، ويجعل له عنده مقاما ~~محمودا. # اجتمعت قريش ذات يوم لأمر عظيم حين انتصف النهار، زعم لها أبو جهل أنه بالغ ~~من ياسر وأهله ما يريد، فقد عذبهم حتى أشفوا على الموت، ولن يتركهم حتى ~~يذكروا آلهة قريش بخير، ويقعوا # 231 # في محمد بما يكره. # قال عتبة بن ربيعة: هيهات أبا الحكم، إن ياسرا رجل جلد، # 232 # وإنه ما علمت ليؤثر الموت على أن يبلغك ما ~~ترضى. # قال أبو جهل: فإن ذكر آلهتنا بخير وذكر محمدا بسوء؟ # قال عتبة بن ربيعة: هيهات يا أبا الحكم! إنما هي أماني، وما أرى إلا أنك قد ~~أزمعت أن تأتي على نفس هذا الشيخ. # قال أبو جهل: فإن ذكر آلهتنا بخير وذكر محمدا بسوء؟ # قال عتبة: فلك عشرون من الإبل. # قال شيبة بن ربيعة: ولك مني مثلها. # قال أبو جهل: إن مالكما عليكما لهين. # قال عتبة: فإن أتيت على نفس ياسر ... # قال شيبة: دون أن تبلغ منه ما تريد ونريد؟ # قال أبو جهل: فاحتكما إذن. # قال عتبة: لن نحتكم ولن نرزأك # 233 # في مالك شيئا، وحسبنا أن تظهر من نفسك على عنادها، وأقبل ~~الذين استخفتهم هذه المخاطرة، فشهدوا عذاب ياسر وسمية وعمار. # ولم تر قريش من العذاب في مكة مثل ما رأت ذلك اليوم، ولكنها على ذلك لم ~~تظفر بشيء مما ms071 أملت. أقبل أبو جهل ومعه أصحابه، فرأى الناس أنطاعا من أدم # 234 # يسع كل نطع منها رجلا وقد ملئت ماء، ورأوا نارا ~~مؤججة ومكاوي قد أحمي عليها، ورأوا تلك الأسرة قد شد وثاق كل ~~منها، وألقي ثلاثتهم في جانب من الطريق كما يلقى المتاع غير ذي ~~الخطر. # فلما بلغ أبو جهل وأصحابه مكان العذاب أمر غلمانه فوضعوا بين يديه ياسرا ~~وسمية وعمارا، وألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله. فألهب أجسامهم بالسياط، ثم ~~أذاقها مس النار، ثم صب عليها قرب الماء، ثم عاد فيهم سيرته مرة ~~ومرة، ثم أمر فغطوا في الأنطاع التي ملئت ماء حتى انقطعت أنفاسهم ~~أو كادت، ثم ردهم إلى الهواء، وانتظر بهم حتى أفاقوا، وتسمع لما ينطقون ~~به بعد أن ثاب إليهم شيء من قوة، فإذا هم يذكرون الله ويثنون على ~~محمد. # قال أبو جهل لسمية وقد بلغ منه الغيظ أقصاه: لتذكرن آلهتنا بخير ~~ولتذكرن محمدا بسوء أو لتموتن، تعلمي أنك لن تري مساء هذا اليوم إلا ~~أن تكفري بمحمد وربه. # قالت سمية بصوت هادئ متقطع قليلا: بؤسا لك ولآلهتك! وهل شيء أحب إلي من ~~الموت الذي يريحني من النظر إلى وجهك هذا القبيح؟! # هنالك تضاحك عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأخرج الحنق أبا جهل عن طوره فجعل يضرب ~~في بطن سمية برجله وهي تقول له في صوتها الهادئ المتقطع: بؤسا لك ولآلهتك! ~~ويجن جنون أبي جهل، فيطعن سمية بحربة كانت في يده، فتشهق شهقة خفيفة ثم ~~تكون أول شهيد في الإسلام. # يقول ياسر: قتلتها يا عدو الله؟! بؤسا لك ولآلهتك! ويقول عمار: قتلتها يا ~~عدو الله! بؤسا لك ولآلهتك! ليمتلئ قلبك غيظا وحنقا! فإن رسول الله قد ~~ضرب لها موعدا في الجنة. # قال ياسر: أشهد أن وعد الله حق. # ولكن أبا جهل لم يمهله، وإنما يضرب في بطنه برجله فيشهق ياسر شهقة، ثم ~~يصبح ثاني شهيد في الإسلام. # قال عتبة وشيبة ابنا ربيعة: ألم تحكمنا إن لم تبلغ من ياسر وامرأته شيئا؟ ~~فسكت أبو جهل، وقال الملأ ms072 من قريش: بلى! نحن على ذلك شهداء. قال عتبة: ~~فينبغي أن تطلق هذا الرجل وأن تخلي بينه وبين الحرية ليواري ~~أبويه. # وراح أبو جهل من يومه ذاك إلى أهله مغيظا محنقا منكسر النفس، لا يدري ~~أغاظه أن أفلت منه هذان الشهيدان دون أن يبلغ منهما ما أحب، أم غاظه أن ~~صبرهما وثباتهما وإقدامهما على الموت في غير جزع ولا هلع ولا اضطراب إنما ~~هو انتصار لمحمد ودينه الجديد على قريش ودينها القديم، فأصحاب محمد يموتون ~~في سبيله وفي سبيل دينه، وضعفاء قريش وأشرافها وأحلافها يسعون إلى محمد ~~فيؤمنون له، يستخفي بذلك أكثرهم ويعلن ذلك أقلهم، ولكنهم يسعون إليه ~~ويؤمنون له على كل حال، وهؤلاء المستضعفون وهؤلاء الرقيق الذين كانوا ~~يؤمنون لأشراف قريش بالسيادة ويدينون لهم بالطاعة ويرهبونهم غائبين ~~وشاهدين، قد أخذوا يتمردون عليهم ويثورون بهم وينكرون سيادتهم وسلطانهم، ~~يبادونهم بذلك أحيانا، ويخفون ذلك عليهم أحيانا أخرى، فإذا أخذت منهم ~~قريش هذا الحر أو ذاك الرقيق لم يهابا ولم يرهبا ولم يذعنا ولم يستكينا، ~~وإنما استقبلا العذاب والفتنة وقلوبهما راضية، ونفوسهما مطمئنة، وعلى ~~ثغريهما ابتسامات تحفظ وتملأ النفوس حنقا. # 235 # أغاظ أبا جهل هذا كله، أم غاظه أن محمدا يسمع ويرى ويعلم من ~~أنباء الفتنة والعذاب ما تعلمه قريش كلها، فلا يهاب ولا يرهب ولا يترك ~~شيئا مما هو فيه من نشر دينه الجديد والدعوة إليه، ثم هو لا يكتفي بذلك ~~وإنما يخرج مع بعض أصحابه فيواسي من يعذبون من أتباعه بما يقول له من ~~هذا الكلام الذي يلتهمونه التهاما، والذي يزيدهم على الفتنة والمحنة صبرا ~~وتثبيتا، وأي سخر من قريش أشد من هذا السخر؟! وأي استفزاز لقريش أشد من ~~هذا الاستفزاز؟! وأي ازدراء لسلطانها أشد من هذا الازدراء؟! وأي استهزاء بالملأ # 236 # من أشرافها أشد من هذا الاستهزاء؟! وما عسى أن تقول العرب في ~~أقصى الأرض وأدناها حين تعلم أن في جنب قريش شوكة أعيت سادتها وقادتها ~~وذوي أحلامها، فلم يستطيعوا لها انتزاعا، وإنما ثبتت لكيدهم ومكرهم، ثم ~~جعلت تنبت ms073 من حولها شوكا صغارا، إن لم تكن مثلها قوة وحدة وأيدا ~~فهي تنشر الأذى وتشيع الألم، وتوشك أن تجعل جسم قريش كله عليلا لا أمل له ~~في برء أو شفاء؟! # أغاظ هذا كله أبا جهل، أم غاظه أن الملأ من قريش رأوا أن شدته لم تغن ~~عنهم ولا عن آلهتهم شيئا، وإنما انتهت إلى القتل الذي لا تحبه قريش، والذي ~~لا يزيد محمدا وأصحابه إلا استمساكا بدينهم وصبرا فيه؟ أم غاظه أن عتبة ~~بن ربيعة وشيبة بن ربيعة قد ظفرا به وظهرا عليه وشمتا بما كان يظهر من ~~حزم وصرامة وجد، ويوشكان بعد هذا الإخفاق أن يستأثرا بسمع قريش وقلبها ~~وحبها وقيادها؟ # أم غاظ أبا جهل كل هذا مجتمعا؟ لست أدري، ولكني أعلم أنه راح إلى أهله ~~مغيظا محنقا يظهر الغضب ويخفي انكسار النفس، وقد ساء لذلك خلقه، فلم ~~يستطع أحد من أهله أن يقول له شيئا أو يسمع منه شيئا. لم يجلس إلى طعام ~~ولم يسمع لحديث، وإنما خلا إلى نفسه فأنفق ليلة ثائرة حزينة كئيبا لم يذق ~~فيها النوم إلا غرارا. # 237 # كذلك راح أبو جهل إلى داره، وأنفق ليلته فيها. فأما عمار، فقد حمل إلى ~~داره، وحمل معه أبواه، حملهم قوم من قريش فيهم المسلم وفيهم غير المسلم، ~~قد نسوا أو تناسوا ما بينهم من خصومة، وذكروا أن بينهم مكروبا يجب أن ~~يواسى، وميتين يجب أن يواريا في التراب، وقد نهضوا بهذا كله متعاونين ~~كأحسن ما يكون التعاون؛ فرفقوا بعمار، ولم يكن في حاجة إلى الرفق، وأعانوه ~~على دفن أبويه، وكان إلى معونتهم على ذلك محتاجا. # وعاد عمار بعد أن وارى أبويه إلى داره، وقد تفرق عنه المشركون ، والتأمت ~~حوله جماعة من المسلمين، وكان عمار يجد في جسمه ألم العذاب، ويجد في قلبه ~~حلاوة الإيمان، ويجد في نفسه لذع الحزن على أبويه، يقول له عثمان بن ~~عفان: ما يحزنك عليهما وقد استوفيا نصيبهما من الدنيا، وسبقاك إلى نعيم ~~الله ورضوانه؟ ألم تسمع نبي الله وهو يضرب لكم ms074 موعدا في الجنة مرة، ~~ويدعوكم إلى الصبر مرة أخرى، وهو يقول: «اللهم اغفر لآل ياسر.» وقد فعلت؟! ~~قال عمار: صدقت أبا عمرو، ما ينبغي أن أحزن عليهما، وإنما ينبغي أن أستبشر ~~لهما وقد سبقا إلى الجنة، وعدهما بذلك رسول الله، ووعد الله ~~حق. # قال عثمان: فإن رسول الله قد وعدك بما وعدهما به! # قال عمار: هيهات أبا عمرو! لو مت معهما لكنت خليقا أن أرضى، ولكنهما ذهبا ~~وبقيت، وفي الحياة فتنة وفي النفس ضعف، وإنه ليحزنني أن فاتني بهما الموت ~~فأصبحت معرضا لما يتعرض الناس له من الإثم الذي يحبط العمل، # 238 # ومن السيئات التي تمحو الحسنات. # قال عثمان: ما ينبغي أن تيأس من روح الله ولا أن تقنط من رحمته، وإنك ~~معرض للإثم كما أنك معرض للعمل الصالح، وإنك معرض للسيئات كما أنك معرض ~~للحسنات، وما ينبغي أن تكره الحياة وفيها رسول الله. # قال عمار: أما هذا فنعم، ثم نهض كأنه لا يجد ألما ولا سقما ولا عناء، ~~وكأنما ردت إليه قوته كأقوى ما تكون قوة الرجال، نهض وهو يقول لعثمان ~~وأصحابه: ويحكم! ما يحبسنا عن رسول الله؟! ومضوا إلى دار الأرقم بن ~~أبي الأرقم، فجلسوا مع غيرهم من جماعة المسلمين إلى النبي يسمعون له وهو ~~يعظهم ويزكيهم ويتلو عليهم القرآن. # قال أبو جهل لعتبة بن أبي ربيعة وأخيه شيبة: أما إنكما قد استنقذتما حشاشة ~~عمار من الموت! ولو قد خليتما بيني وبينه لووري في التراب ثلاثة لا ~~اثنان. # قال عتبة: فقد خففنا عنك الوزر أبا الحكم. # قال أبو جهل، وقد ابتسم ثغره عن نية منكرة ورأي بشع: إني لا أحب لعدوي أن ~~يموت؛ لأن ذلك يريحه ويكف عنه بأسي ويرد على قلبي ما فيه من الغل، # 239 # وإنما أحب له أن يحيا لأذيقه البأس مجددا، ولأجرعه غصص ~~العذاب شيئا بعد شيء، ولا واللات والعزى لا تعرضان بيني وبين عمار منذ ~~اليوم إلا أن تريدا إثارة الشر بين حيكما وبين مخزوم كلها، فقد كان ياسر ~~لنا حليفا، وكانت سمية ms075 لنا أمة، وما زلنا نرى عمارا لنا عبدا. # قال شيبة: فإن عمك أبا حذيفة قد أعتق عمارا وأخويه. # قال أبو جهل: فإن لنا ولاءهم على كل حال. # قال عتبة: هو ذاك. # وأضمر أبو جهل في نفسه ما أضمر، وادخر الله لعمار من الكرامة ما ادخر؛ ~~فقد اتصلت فتنة عمار ما أقام بمكة، وافتن أبو جهل في هذه الفتنة حتى ~~جعلها أحاديث. وأول ما قدر من ذلك أن يحفظ على عمار حياته وحريته فلا ~~يأتي على نفسه ولا يلقيه في غيابات السجن، وإنما يجعله لمحمد وأصحابه ~~نكالا، يفتنه كلما أحس الحاجة إلى أن يفتنه، ويعذبه كلما أحس الشوق ~~إلى أن يشهد مشهد العذاب، وكأنه حالف الشيطان على أن يوفي عمارا من العذاب ~~ما لم يستطع أن يصب على أبويه، وأن يظفر منه بما لم يظفر به من ياسر ~~وسمية، فيضطره إلى أن يذكر آلهته بخير وأن ينال من محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وأعانه ~~الشيطان على ذلك كله، وأعانه عليه قوم آخرون من سفهاء قريش، فترك عمارا ~~آمنا معافى في نفسه وبدنه ودينه، لم ينله بأذى، ولم يعرض له بسوء، حتى ~~استراح عمار من محنته، وظن أنه قد أمن الفتنة، فكان يغدو على دار ~~الأرقم بن أبي الأرقم، فيسمع من النبي ويتحدث إليه، ثم يروح إلى داره وقد ~~اتخذ فيها ما لم يتخذه مسلم قبله في داره، اتخذ فيها مسجدا يعبد الله ~~فيه أكثر الليل، حتى أنزل الله في ذلك قرآنا: # أمن ~~هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر ~~الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما ~~يتذكر أولو الألباب # فيما تحدث به ابن ~~عباس. # ولكن أصحاب النبي يجتمعون ذات يوم في دار الأرقم بن أبي الأرقم حتى إذا ~~ارتفع الضحى افتقدوا عمارا بينهم فلم يجدوه، فإذا ذكروا ذلك أنبأهم النبي # صلى الله عليه وسلم # بأن عمارا يعذب في الله. ثم يمر النبي بعد أن يتقدم النهار ~~بمكان في بطحاء مكة فيرى أبا جهل وقد عاد ms076 في عمار سيرته الأولى: نار ~~مؤججة، وماء مجتمع في نطع من الأدم، وعمار قد ألقي بينهما، وجعل ~~السفهاء من قريش ينوشونه بالرماح ويحرقونه بالنار، وعمار صابر صامت يذكر ~~الله في قلبه ويكف لسانه عن القول، فإذا رأى النبي ذلك قال: «يا نار كوني ~~بردا وسلاما على عمار كما كنت بردا وسلاما على إبراهيم.» وقد سلط أبو ~~جهل من النار على عمار أثناء فتنته الطويلة له ما كان خليقا أن يأتي على ~~نفسه، ولكن الله يقول لعباده: # ادعوني أستجب ~~لكم ~~، وقد دعاه في عمار أحب عباده إليه وأرضاهم عنده، ~~ولله حكمة بالغة، ولكل أجل كتاب. # وقد احتمل عمار من ذلك العذاب ما يطيقه الرجال وما لا يطيقونه، حتى إذا ~~جنحت الشمس لمغربها كف عنه العذاب ورد إلى داره، وأمهله أبو جهل بعد ذلك ~~أياما طوالا حتى ظن عمار أنه لن يفتن مرة أخرى، ولكن أبا جهل لم ~~يمهله إلا ليشتد عليه في الفتنة ويضاعف له العذاب. # ويراه النبي ذات يوم وقد بلغ الحزن من نفسه وقلبه ما لم يبلغه منهما قط، ~~وعيناه تنهلان بدموع غزار، فيدنو النبي منه رفيقا به، فيكفكف دمعه ويمسح ~~عينيه ويقول: ويحك ابن سمية! أخذك الكفار فغطوك في الماء حتى قلت كذا ~~وكذا، فإن عادوا فعد! ولكنهم لم يعودوا من فورهم، وإنما انتظروا بعمار ~~حتى أطعموه في العافية، ثم أخذوه فعذبوه وفتنوه، ثم تركوه. وأقبل عمار ~~على النبي خزيان أسفا تنهل دموعه غزارا على وجه مربد كئيب، فلما ~~رآه النبي قال: «ما وراءك؟» قال عمار وهو ينتحب: شر يا رسول الله، والله ~~ما تركوني حتى ذكرت آلهتهم بخير وذكرتك بما تكره ويحبون. قال رسول الله: ~~«فكيف تجد قلبك؟» قال عمار : أجده مطمئنا بالإيمان، قال رسول الله: «فإن ~~عادوا فعد.» وأنزل الله في ذلك قرآنا: # من كفر ~~بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب ~~عظيم ~~. # ولم يخلص عمار من هذه الفتنة المنكرة التي كانت ms077 تتلاحق طورا وتتقطع طورا ~~آخر إلا حين أذن الله للمسلمين في الهجرة إلى أرض الحبشة، فهاجر عمار ~~الهجرة الثانية ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة، فعاش مع رسول الله آمنا ~~سالما موفورا. # 15 # استوثق رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لدعوته ولأصحابه ولنفسه من حيي يثرب: الأوس ~~والخزرج، وعاهدهم أن يؤووه وينصروه ويحموا ظهره ويقاتلوا من دونه ~~من بغى عليه أو أراده بسوء حتى يبلغ رسالات ربه، وبايعه على هذا العهد نقباء # 240 # هذين الحيين: الأوس والخزرج، ثم أذن الله بعد ذلك لرسوله ~~وللمسلمين في الهجرة إلى مستقرهم الجديد، وكان الإسلام قد سبقهم إلى يثرب، ~~بشر به من أرسله رسول الله ليبشر به، فكانت الهجرة إلى دار استقر فيها ~~الإسلام قبل أن يستقر فيها المهاجرون، وقد أذن رسول الله لأصحابه في الهجرة ~~إلى المدينة فجعلوا يذهبون إليها أرسالا، وهو # صلى الله عليه وسلم # مقيم بمكة ينتظر أن ~~يأذن الله له في الخروج، واجتمعت جماعة المسلمين المهاجرين إلى إخوانهم من ~~الأنصار في قباء، وجعلوا ينتظرون أن يقدم عليهم رسول الله، وكانوا في ~~أثناء ذلك يقيمون الصلاة كما كانوا يقيمونها بمكة، وينظر المسلمون فإذا ~~أقرؤهم للقرآن وأحفظهم عن النبي سالم ابن أبي حذيفة، فيقدمونه ليؤمهم # 241 # في الصلاة، وفيهم أعلام من المهاجرين، منهم عمر بن الخطاب ~~الذي كان إسلامه فتحا، وهجرته نصرا، وخلافته رحمة. كما قال فيما بعد عبد ~~الله بن مسعود. # وينظر المشركون والمنافقون من الأوس والخزرج فيرون هذه الجماعة من المهاجرين ~~والأنصار يقدمون سالما ليؤمهم في الصلاة. فيكبرون من أمر سالم هذا بادئ ~~الرأي، ثم لا يلبثون أن يذكروه ويعرفوه. يقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى ~~هذا الرجل الذي يصلي بهذه الناجمة من أصحاب محمد من هاجر منهم إلى ~~المدينة ومن كان من أهلها؟ إنه سالم. ألا تذكرون سالما؟! فيجهد القوم ~~أنفسهم ليذكروه، ولكن بعضهم يعيد عليهم قصة ذلك اليهودي الذي كان يعرض على ~~العرب واليهود صبيا حدثا لا يحسن العربية ولا يفهمها، وما هي إلا أن ~~يسمعوا بدء هذه ms078 القصة حتى يستحضروا سائرها، وحتى يروا ذلك الصبي الذي مسه ~~الضر، وظهر عليه البؤس، وزهد فيه العرب واليهود جميعا، واشترته ثبيتة بنت ~~يعار، لا رغبة فيه بل عطفا عليه. ثم يقول بعضهم لبعض: لو عاش سلام بن حبير ~~لرأى من صبيه ذاك عجبا. ثم يقول بعضهم لبعض: ألا ترون إلى هذه الناجمة من ~~أصحاب محمد يؤمهم فارسي قد كان بالأمس عبدا؟! ثم يرد بعضهم على بعض ~~رجع هذا الحديث، فيقول: إن لهؤلاء الناس لشأنا، إنهم يسودون ~~العبيد، ويلغون ما بين الأحرار والرقيق من الفروق، وإنا لنرحم قريشا مما ~~ألم بها، وإنا لنعذر قريشا مما فعلت بمحمد وأصحابه، ولو استطعنا ~~لفتناهم كما فتنتهم قريش، ولنفيناهم عن أرضنا كما نفتهم قريش، ولكن ~~هل إلى هذا من سبيل؟ # فيقول قائلهم: هيهات! لقد آمن لهم أولو البأس والقوة من قومنا، ولكن فريقا ~~من هؤلاء المتحدثين يسمعون، ثم ينكرون، ثم يؤثرون الصمت، ثم يخلو بعضهم ~~إلى بعض فيستأنفون بينهم حديثا جديدا يعجبون فيه من أمر هذا الذي كان ~~عبدا بالأمس، ثم هو يؤم الأحرار في صلاتهم اليوم. ثم يتتبعون المهاجرين ~~فيرون فيهم نفرا غير قليل من الرقيق الذين أعتقوا، أعتقهم إسلامهم. ثم ~~يتتبعون سيرة الأحرار الأشراف من المسلمين مع هؤلاء الذين ردت عليهم ~~الحرية بعد أن نشئوا في الرق، فيرونها تقوم على الإخاء والعدل والنصفة ~~والمساواة. ثم يتحدثون في ذلك إلى المسلمين من قومهم، فيقول لهم هؤلاء: إن ~~الإسلام لا يفرق بين الحر والرقيق، ولا بين الناس إلا بالتقوى، وبما ~~يقدمون بين أيديهم من البر والخير وعمل الصالحات. هنالك تطمح قلوبهم إلى ~~هذه المساواة التي لم يسمعوا بها من قبل، وإلى هذا العدل الذي لم يألفوه، ~~وإذا هم يميلون إلى الإسلام ثم يسرعون إليه، ثم يحرصون على أن يؤمهم سالم ~~بن أبي حذيفة ذلك الذي كان عبدا بالأمس، فأصبح يؤم الأشراف من قريش ومن ~~الأوس والخزرج حين يقومون بصلاتهم بين يدي الله. # 16 # بلغ النبي وصاحبه أبو بكر قباء، ونزلا فيها بين جماعة المسلمين من ms079 ~~المهاجرين والأنصار، وقد فرح النبي بهجرته إلى المدينة، وفرحت المدينة ~~بهجرته إليها؛ فهي في عيد متصل، والأنصار يستبقون إلى بر النبي وأصحابه من ~~المهاجرين؛ يؤوونهم، ويقومون بحاجاتهم، ويطرفونهم بما يستطيعون أن ~~يطرفوهم به من الطيبات. وقد تقدم النهار وصليت الظهر، وأقبل رجل من ~~الأنصار فوضع بين يدي النبي رطبا، وجعل النبي وصاحباه أبو بكر وعمر ~~يصيبون من هذا الرطب، وإنهم لفي ذلك وإذا شخص يرفع لهم، # 242 # ثم يدنو منهم، ثم يسلم عليهم، ثم يجلس إليهم، وإذا هو صهيب ~~سابق الروم إلى الإسلام، كما قال فيه رسول الله. # وقد أقبل صهيب مجهودا مكدودا قد بلغ منه الإعياء، وكاد يأتي عليه الجوع، ~~وقد أصابه في طريقه رمد، فهو لا يكاد يرى إلا في مشقة أي مشقة، وقد ألقى ~~تحية إلى أصحابه، ثم ألقى نفسه على الأرض، ثم نظر فرأى الرطب فانكب عليه ~~وجعل يأكل منه أكلا غير رفيق. يقول عمر بن الخطاب للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~: ألا ترى ~~يا رسول الله إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد؟ فيقول له النبي: «أتأكل ~~الرطب وأنت رمد؟!» فيقول صهيب وهو يمعن في الأكل: إنما آكله بشق عيني ~~الذي لم يرمد؛ فيبتسم رسول الله ويضحك القوم. # ويمضي صهيب في أكل غير رفيق، حتى إذا أرضى حاجته إلى الطعام جعل يعاتب أبا ~~بكر، فيقول: وعدتني الصحبة ثم تركتني. ثم يعاتب النبي فيقول: ووعدتني يا ~~رسول الله الصحبة ثم تركتني، والله ما خلصت إليك حتى اشتريت نفسي من قريش ~~بمالي أجمع، وما تركت مكة إلا بمد من دقيق عجنته بالأبواء وعشت عليه حتى ~~انتهيت إليك. فيجيبه رسول الله: «ربح البيع أبا يحيى! ربح البيع!» ~~وينزل الله هذه الآية الكريمة: # ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف ~~بالعباد ~~، وقد أوجز صهيب قصة هذا البيع الرابح. # وقد كان من أخلاق المسلمين الصادقين ألا يتكبروا ولا يمنوا بإسلامهم، ~~وقد ثابت قريش بعض الشيء إلى نفسها بعد أن فاتها محمد وأبو بكر، وجعلت ~~تتتبع من بقي من ms080 أصحاب محمد، تحبسهم عن الهجرة، وتمسكهم في العذاب، ~~وتفتنهم في دينهم، وتصدهم عن سبيل الله، وكان صهيب من الذين حبستهم قريش، ~~يقول له أبو جهل وقد ورم أنفه وذهب به الغيظ كل مذهب: أتيتنا صعلوكا ~~حقيرا لا تملك من الدنيا شيئا، فأثريت عندنا وأصبحت ذا مال، ثم أنت تريد ~~أن تفوتنا بمالك ونفسك إلى محمد وأصحابه؛ قال صهيب: فإن خليت بينكم وبين ~~مالي أتخلون بيني وبين ما أريد من الهجرة؟ قالوا: نعم. وقال أبو جهل: ~~هيهات! إن حاجتنا إلى مالك ليست أقل من حاجتنا إلى نفسك، فلنمسكنك في ~~العذاب حتى نأخذ مالك، ثم نأتي على نفسك، أو تعود من ديننا إلى ما كنت ~~عليه. # قال صهيب وفي صوته حزن مر: لو عاش عبد الله بن جدعان لما بلغت مني ما ~~ترى. # قال أبو جهل: سنلحقك بعبد الله بن جدعان فاشكنا إليه إن شئت، ألستم ~~تزعمون أن الناس يحيون حياة ثانية بعد حياتهم هذه الأولى؟! فالق عبد الله ~~بن جدعان هناك إن شئت فاشكنا إليه. # قال صهيب: هيهات! لن ألقاه، قد وعدني رسول الله الجنة، وهو في ~~النار. # قال أبو جهل، وقد استأثر به الغيظ فسطا على صهيب وضرب في وجهه ضربا ~~عنيفا: ألا تسمعون يا معشر تيم؟! إن سيدكم عبد الله بن جدعان في النار، ~~وإن عبده هذا الرومي سيصير إلى الجنة! ما رأيت كاليوم حمقا ولا ~~خرقا. # ولبث صهيب في حبسه أياما لا يرزق من الطعام إلا ما يعصمه من الموت، ~~ولكن الإسلام كان في ذلك الوقت قد فشا في أحرار مكة ورقيقها، فيحتال بعض ~~أولئك وهؤلاء، وإذا صهيب قد انسل من محبسه، وركب راحلته، وأخذ طريقه إلى ~~المدينة. # وعلمت قريش بأن صهيبا قد انسل من محبسه ، وبأنه يوشك أن يفوتها، فترسل في ~~أثره الخيل، ويدرك القوم صهيبا، ولم يمض في طريقه إلا قليلا، فلما رآهم ~~قد أقبلوا، وعلم أنهم يوشكون أن يأخذوه، وأن يردوه إلى الفتنة والعذاب، وقف ~~لهم، ونثر ما في كنانته من السهام، وقال لهم في ms081 صوت الحازم المصمم: علمتم ~~يا معشر قريش أني من أرماكم رجلا، وإنكم والله لا تصلون إلي حتى ~~أرميكم بكل ما بين يدي من سهم، ثم أضربكم بسيفي ما بقي منه شيء في يدي، ~~فاختاروا بين الموت وبين مالي أدلكم عليه، فتأخذونه وتخلون بيني وبين ~~الطريق. # ولم يطل تفكير قريش ولا ائتمارها، وإنما آثروا العافية والسلامة والمال، ~~فقالوا: قد رضينا، فدلنا على مالك. فأنبأهم بمكانه وانصرفوا عنه، ومضى هو ~~في طريقه حتى بلغ رسول الله وقد أدركه من الجهد والكد ومن الظمأ والجوع ما ~~كاد يأتي عليه. # 17 # هاجر عبد الله بن مسعود إلى المدينة، كما هاجر إليها غيره من المهاجرين، ~~فنزل على معاذ بن جبل أو على سعد بن خيثمة، يختلف رواة السيرة في ذلك، ~~وأقام عبد الله عند مضيفه حتى خط رسول الله للناس دورهم في المدينة، ~~فخط لبني زهرة في مؤخر المسجد، وقال حي منهم للنبي: نكب عنا ابن ~~أم عبد. كأنهم كرهوا نزوله بينهم. فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «فلم يبعثني ~~الله إذن؟! إن الله لا يقدس قوما لا يعطى الضعيف منهم حقه.» ثم ~~أنزله منزله بينهم كريما. # ولم يكد عبد الله يستقر في المدينة حتى كان ألزم الناس للنبي، وأشدهم ~~اتصالا به في حياته العامة والخاصة، يحجبه # 243 # إذا دخل داره، ويسعى بين يديه إذا خرج منها، وكان أصحاب الحديث ~~يقولون: إن ابن مسعود كان صاحب سواد رسول الله ووساده ونعليه ~~وطهوره. # كان أثناء الإقامة يقوم على حجرته حاجبا، لا يخفي النبي عليه من سر إلا ~~ما يؤمر بإخفائه، فإذا هم النبي أن يخرج ألبسه نعليه، ومشى بين يديه ~~بالعصا، حتى إذا جلس نزع نعليه فأدخلهما في ذراعه وأعطاه العصا، فإذا أراد ~~أن يقوم ألبسه نعليه وأخذ منه العصا فمشى بها بين يديه حتى يبلغ الحجرة ~~فينحي ستارها ويدخل قبل النبي، حتى إذا دخلها النبي نزع نعليه وخرج فقام ~~أمام الستر حاجبا، فإذا خرج النبي في السفر فابن مسعود صاحب وساده إذا ~~نام، وصاحب ms082 طهوره كلما أراد الوضوء، وكان النبي إذا أراد أن يغتسل في بعض ~~سفره قام ابن مسعود من دونه يستره، حتى لم يشك كثير من أصحاب النبي أن ~~ابن مسعود كان من أهل بيته، فليس غريبا إذن أن يكون أحفظ الناس للقرآن ~~وأكثرهم سماعا عن النبي. ثم أصبح بعد النبي أكثر الناس تعليما للقرآن ~~وأقلهم رواية لحديث النبي، يتألم من ذلك ويخافه أشد الخوف. وكان النبي ~~يؤثره ويكبره ويدافع عنه ويشيد به، حتى قال ذات يوم: لو كنت مؤمرا ~~أحدا دون شورى المسلمين لأمرت ابن أم عبد. # وأمره ذات يوم أن يصعد في شجرة فيجني له من ثمرها، فلما جعل يصعد في الشجرة ~~نظر أصحاب النبي إلى دقة ساقه وحموشتها # 244 # فضحكوا، قال رسول الله: مم تضحكون؟! قالوا: من دقة ساقه. قال ~~رسول الله: لهي أثقل في الميزان من أحد. # وظل صاحب سر النبي ووساده وطهوره، حتى إذا اختار الله النبي لجواره ~~وخرجت جيوش المسلمين غازية إلى الشام خرج فيها غازيا، كأن مقامه بالمدينة ~~قد شق عليه بعد أن توفي خليله، وأقام بحمص ما شاء الله أن يقيم، حتى حدره # 245 # عمر إلى الكوفة. # 18 # أقبل النذير فملأ قلوب قريش ذعرا حين أنبأها بأن أبا سفيان يستغيثها ويستنفرها # 246 # ويعلمها أن محمدا قد خرج بأصحابه من المدينة يستعرض العير. ~~ولم يتقدم النهار حتى كانت قريش قد نفرت، وجعلت تجهز جهازها للحرب، ~~يتنافس أشرافها في ذلك أي تنافس، ويستبقون # 247 # إليه أي استباق. واستيقن أبو جهل أن قد جاء الوقت الذي كان ~~ينتظره منذ أعوام طوال، وأن قريشا لن تخرج لتحمي العير فحسب، وإنما تخرج ~~لتسحق محمدا وأصحابه، وتريح منهم مكة ويثرب جميعا. وقد جاء النبأ بعد أن ~~خرجت قريش بأن أبا سفيان قد ساحل بالعير # 248 # حتى أحرزها # 249 # من محمد وأصحابه، وأن قريشا تستطيع أن تعود إلى مكة، فتنعم ~~فيها بالسلم والعافية، ولكن قريشا أبت أن تعود كما خرجت، وزين لها ~~الشيطان بلسان أبي جهل أن تمضي حتى تأتي بدرا ms083 فتنزل بها منتصرة مظهرة ~~للعرب أنها ما زالت قريشا صاحبة العز والمجد والسؤدد، ثم تنحر فتطعم وتشرب ~~وتطرب وتشرك العرب في طعامها وشرابها وطربها ولهوها، ويعلم محمد وأصحابه أن ~~كلمة هبل # 250 # ما زالت عالية، وأن عز قريش لا يرام. # وخرج سهيل بن عمرو فيمن خرج من أشراف قريش، وقد جعل إلى ابنه عبد الله ماله وحملانه # 251 # يسعى بها بين يديه، وكان سهيل قد فتن في دينه حين عاد من ~~هجرته إلى أرض الحبشة، أخذه أبوه فأوثقه وحبسه وفتنه حتى استيقن أنه قد عاد ~~إلى دين آبائه وآثر قريشا على محمد، فلما خرج مع الملأ من قريش قدم ابنه ~~بين يديه فخورا به معتمدا عليه. وتراءى الجمعان ببدر، ونظرت قريش فإذا ~~محمد في قلة من أصحابه، فامتلأت عجبا وتيها، ونظر النبي فإذا قريش قد ~~أقبلت بقضها وقضيضها، # 252 # فاستنجز الله وعده، واستنزل نصره، وتضرع إليه في أن ~~يثبت قلوب المؤمنين. وتدانى الجمعان. # ولكن قريشا تنظر فترى عجبا، ولكن المسلمين ينظرون فيرون عجبا؛ ترى قريش ~~فتى من أقوى شبابها قوة وأنضرهم نضرة وأشدهم بأسا يخرج من صفها وينحاز إلى ~~محمد، ويرى المسلمون - والمهاجرون منهم خاصة - صديقا لهم قد عرفوه وأحبوه، ~~ثم حزنوا عليه حين ظنوا - كما ظنت قريش - أنه قد عاد إلى دين آبائه. ~~وتتساءل قريش عن هذا الفتى، وتتساءل كثرة المسلمين عن هذا الفتى، ثم يعرف ~~أولئك وهؤلاء أنه عبد الله بن سهيل بن عمرو، خدع المشركين عن أنفسهم وعن ~~نفسه، وانتفع بما أنزل الله في أمر عمار بن ياسر: # من ~~كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم ~~عذاب عظيم ~~. # فهو لم يكفر بقلبه، ولم يشرح بالكفر صدرا، ولكنه وجد قلبه كما وجد ~~عمار قلبه حين فتنته قريش مطمئنا بالإيمان، وقد قال النبي لعمار: إن ~~عادوا فعد. وفهم عبد الله بن سهيل آية القرآن وحديث النبي على وجهيهما، ~~فلما أحس الفتنة من أبيه أظهر له ms084 ولقريش ما أرضاهم وأخفى عليه وعلى قريش ما ~~أرضى الله، وها هو ذا يخرج من صفوف قومه وينحاز إلى صف المسلمين، ثم يسعى ~~حتى يبلغ النبي فيهدي إليه سلامه، ويتلقى منه بركته، ثم يخرج إلى أصحابه من ~~المهاجرين فيزحف معهم لقتال قريش وفيهم أبوه. # ويلقى أثناء الزحف أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة، زوج أخته سهلة، فإذا قص ~~عليه قصته أثنى أبو حذيفة عليه وقال خيرا، ولم يزد على ذلك شيئا. وقد ~~تدانى الجمعان، حتى لم يبق إلى تدانيهما سبيل إلا بسيف أو رمح، ولكن ~~قريشا تنظر فترى عجبا، والمسلمون ينظرون فيرون عجبا: يرون فتى يصول في ~~الميدان بين الصفين يدعو عتبة بن ربيعة للمبارزة، ويخرج عتبة للفتى، ولكنه ~~لا يكاد يراه حتى ينصرف عنه وقد ملأ الغيظ قلوب قريش وملأ الإعجاب قلوب ~~المسلمين: رأى أولئك وهؤلاء أبا حذيفة يدعو أباه للمبارزة، ويبلغ هند بنت ~~عتبة وزوج أبي سفيان أن أباها وأخاها الوليد وعمها شيبة قتلوا، وأن أخاها ~~أبا حذيفة قد دعا أباه للقتال، فتقول في هذا كله فتكثر القول، وتهجو أخاها ~~أبا حذيفة بهذين البيتين: # الأحول الأثعل المشئوم طائره # 253 # أبو حذيفة شر الناس في الدين # أما شكرت أبا رباك من صغر # حتى شببت شبابا غير محجون # 254 # وشهد الوقعة فيمن شهدها من المهاجرين: عبد الله بن مسعود، وكان خفيفا ~~نحيفا ضئيل الشخص، قليل اللحم، موفور النشاط، سريع الحركة، لا يكاد يرى ~~في مكان حتى يرى في مكان غيره، شأنه في قريش المحاربة كشأنه في قريش بمكة ~~حين كانت تفتن المسلمين، وهو يعدو هنا ويعدو هناك، ويطير في الميدان من ~~مكان إلى مكان. وإنه لفي بعض ذلك وإذا هو يرى ابني عفراء قد صرعا أبا جهل وأثبتاه، # 255 # فيسرع إليه ابن مسعود ويدركه وفيه رمق يتيح له أن يرى وأن ~~يسمع وأن يعقل، ويتيح له أن يتكلم في بعض الجهد، فيجلس ابن مسعود على صدره ~~وهو يقول: ها قد أخزاك الله يا عدو الله! # قال أبو جهل في صوته ms085 المتهالك المتقطع: ها أنت ذا يا راعي الغنم! لقد ارتقيت ~~مرتقى صعبا. # قال ابن مسعود: لقد أخزاك الله بما قدمت إلى المسلمين من شر، فذق عذاب ~~الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد بأسا وأعظم تنكيلا. ثم يحتز رأسه، ثم يمضي ~~خفيفا مسرعا، فينبئ النبي بمقتل أبي جهل. قال النبي: الله الذي لا إله ~~غيره؟! قال ابن مسعود: الله الذي لا إله غيره. فكبر النبي وكبر من ~~حوله من المسلمين، ووقف النبي بعد ساعة على صرعى قريش وقد ألقوا في ~~القليب فقال: «يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما ~~وعدني ربي حقا.» قال بعض أصحاب النبي: إنهم موتى يا رسول الله! قال: ~~«إنهم ليسمعون كما تسمعون إلا أنهم لا ينطقون.» # 19 # كان بلال من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان أول من أذن في الإسلام، ~~وقد جعل النبي الأذان إليه حين نظمت جماعة المسلمين، وليس من شك في أن ~~قد كان بين العرب من المهاجرين والأنصار من كان أندى صوتا من بلال، وربما ~~كان بينهم كذلك من كان أفصح منه لغة وأنصع منه منطقا! ولكن الله يؤتي فضله ~~من يشاء. # وقد عرف رسول الله لبلال سبقه إلى الإسلام وسبقه إلى الأذان، فجعله ~~صاحب أذانه ما أقام في المدينة، فإذا غاب عنها أذن مكانه أبو محذورة، ~~فإذا غاب أبو محذورة وبلال أذن مكانهما عمرو بن أم مكتوم. وكان بلال ~~يتحرى الوقت بالأذان فلا يؤخره، فإذا فرغ من أذانه أقبل حتى وقف على باب ~~رسول الله ليؤذنه، وقال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يا ~~رسول الله. ثم تنحى وقام ينظر، حتى إذا خرج رسول الله ورآه بلال أخذ في ~~الإقامة، وكان بلال يسعى بالعنزة # 256 # بين يدي رسول الله في العيدين وفي الاستسقاء، حتى إذا بلغ ~~المصلى ركز العنزة بين يدي رسول الله فصلى إليها. # وكان النبي يحب بلالا أشد الحب ويكبر من شأنه، ويريد أن يكبر الناس ~~من شأنه. جاءته أسرة عربية تطلب إليه أن يزوج ابنتها من ms086 رجل عربي سمته، ~~فقال لهم النبي: فأين أنتم عن بلال؟ فانصرف القوم من يومهم ذاك ولم يقولوا ~~شيئا، ثم أقبلوا من غد على النبي، فطلبوا إليه ما طلبوا أمس، فقال لهم مثل ~~ما قال أمس: أين أنتم عن بلال؟ فانصرف القوم ولم يقولوا شيئا. ثم أقبلوا ~~من الغد فطلبوا إليه ما طلبوا إليه أمس وأول من أمس، فقال لهم مثل ما قال ~~في المرة الأولى وفي الثانية: أين أنتم عن بلال؟ ثم زاد: أين أنتم عن رجل ~~من أهل الجنة؟ فزوجوه. # وعرف الناس أن رسول الله لا يمايز بين المسلمين إلا بالتقوى والعمل الصالح ~~وما يقدمون بين أيديهم من الحسنات. وأكبر الناس بلالا كما أكبره رسول ~~الله، حتى كان عمر بن الخطاب يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا - يريد ~~بلالا. وكان هذا كله خليقا أن يرضي بلالا عن نفسه شيئا، ولكن بلالا ~~لم يرض عن نفسه قط، وإنما كان صادق التواضع مستصغرا لنفسه مهما يفعل. ~~أقبل مرة يريد الأذان، فأحس شيئا من رضا عن نفسه، فغاظه ذلك وأنطقه بكلام ~~كان يريد أن يكون شعرا فلم يستطع، أصاب الوزن وأخطأ القافية: # ما لبلال ثكلته أمه # وابتل من نضح دم جبينه # وكان الناس من المسلمين يأتون فيتحدثون إليه، ويذكرون ما آتاه الله من ~~الفضل، وما اختصه به من الكرامة، فلا يزيد على أن يقول: إنما أنا حبشي، وقد ~~كنت بالأمس عبدا. # وأقبل المسلمون يوم الفتح فدخلوا مكة ظافرين، وثابت قريش إلى الإسلام طوعا ~~أو كرها، وعفا رسول الله عن مسيئيها، وقال لهم ما قاله يوسف لإخوته: # لا تثريب عليكم اليوم يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الراحمين # وحطم ~~الأصنام، وطهر الكعبة، وأخلصها لله عز وجل، ثم قال لبلال: اصعد فأذن ~~على ظهر الكعبة، وصعد بلال فأذن على ظهر الكعبة والحارث بن هشام وصفوان ~~بن أمية قاعدان، يقول الحارث بن هشام لنفسه في أعماق نفسه: كيف لو رأى أخي ~~عمرو بن هشام بلالا هذا قائما على ظهر الكعبة؟ ويقول صفوان بن أمية ~~لضميره في ms087 أعماق ضميره: كيف لو رأى أبي أمية بن خلف هذا العبد الذي طالما ~~عذبه وأدبه قائما على ظهر الكعبة؟ ولو استطاع الرجلان لاكتفى كل ~~منهما بالحديث إلى نفسه، ولكنهما يريان الكعبة وقد زال عنها هبل، وزالت ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وقام على ظهرها حبشي يعلن دين ~~محمد إلى قوم طالما حاربوا محمدا وأصحابه، وليس منهم الآن إلا من يستجيب ~~لدعوة محمد راضيا أو كارها. # ينظر الرجلان إلى الكعبة وقد طهرت من الأوثان، وإلى هذا الحبشي القائم ~~على ظهرها، فلا يملك أحدهما إلا أن يهمس في أذن صاحبه: ألا ترى إلى هذا ~~الحبشي؟! قال ذلك في صوت تملؤه الحسرة، ويجيبه صاحبه في صوت خافت تشيع فيه ~~السخرية المرة: إن يكرهه الله يغيره. وبلال قائم على ظهر الكعبة ~~يرفع صوته الندي قائلا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله. # وأذن بلال في المدينة للمسلمين، فاستجابت له قلوبهم محزونة، وأغرقت جماعتهم ~~في نحيب مر ارتج له المسجد حين قال بلال، وصوته يكاد يحتبس في حلقه: ~~«وأشهد أن محمدا رسول الله.» وذلك أن النبي كان روحه قد انتقل إلى الرفيق ~~الأعلى، وكان جسمه لم يقبر بعد. فلما دفن # صلى الله عليه وسلم # وتمت البيعة لأبي ~~بكر، قام إليه بلال، فقال: أي خليفة رسول الله! إن كنت قد اشتريتني لنفسك ~~فأمسكني، وإن كنت قد اشتريتني لله فذرني وعملي لله. # قال أبو بكر: ما تشاء يا بلال؟ # قال بلال: إني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يذكر أن أفضل عمل العبد ~~جهاده في سبيل الله، فخل بيني وبين الجهاد. # وأراد أبو بكر أن يرده عن نيته تلك فلم يستطع، وانصرف بلال إلى الشام فرابط # 257 # فيها غازيا حتى توفي في دمشق عام عشرين. # 20 # وأقبل عمار بن ياسر إلى المدينة مهاجرا فنزل على مبشر بن عبد المنذر، ~~وآخى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بينه وبين حذيفة بن اليمان، وأقام عمار عند ~~مضيفه مبشر حتى أقطعه رسول الله موضع داره، وحتى ms088 بناها ثم انتقل إليها. ~~وكان عطف النبي على عمار شديدا وحبه له قويا عميقا، وكان عمار يحس هذا ~~الحب وذلك العطف، فيدفعه هذا الإحساس إلى تحمس في الإسلام كان يمتاز به من ~~أكثر المسلمين، حتى كانت الأنظار تتجه إليه، وكانت النفوس كثيرا ما تفكر ~~فيه، وربما لهجت به بعض الألسنة أحيانا، وكان عمار يتحامل على نفسه ~~ويأخذها من الجهد في سبيل الله بأكثر مما كانت عامة المسلمين تأخذ به ~~أنفسها. # أخذ رسول الله في بناء مسجده، واشترك المسلمون في هذا البناء، يرون اشتراكهم ~~فيه خيرا لأنفسهم وبرا بها، ولم يكن رسول الله أقلهم جهدا ولا أيسرهم ~~عناء في هذا البناء، فكان يحمل معهم اللبن # 258 # حتى يغبر وجهه الكريم وحتى يكثر عليه التراب. وكان المسلمون ~~يحملون اللبن لبنة لبنة إلا عمارا فكان يحمل لبنتين لبنتين، وكان ~~ينفق في ذلك من النشاط والمرح والرضا ما كان يملأ قلوب المسلمين إعجابا ~~به، وقلوب المنافقين حقدا عليه، وكان يحمل لبناته وهو يتغنى: «نحن ~~المسلمين نبتني المساجدا.» وربما رق قلب رسول الله لعمار، فيقبل عليه ويرفق ~~به ويتلطف له، ويمسح عن وجهه وصدره التراب، حتى قال له ذات يوم وهو يمسح ~~التراب عن وجهه: «ويحك ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية.» ووقعت هذه ~~الكلمة من قلوب المسلمين موقعا غريبا، فنقشت في ضمائرهم وملأت نفوسهم ~~هيبة لعمار وإكبارا له، ولم يقل النبي هذه الكلمة لعمار مرة واحدة، وإنما ~~قالها له فيما يظهر غير مرة؛ قالها له في أثناء بناء المسجد، وقالها له بعد ~~سنتين حين احتفر الخندق، وكان بلاء عمار في حفر الخندق مضاعفا كبلائه في ~~بناء المسجد، وكان النبي يعمل مع أصحابه في حفر الخندق كأحد منهم، يحمل ~~التراب والحجارة ويتغنى وهم يردون عليه: # لاهم # 259 # إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار ~~والمهاجرة. # وأقبل مقبل فزعم أن حائطا سقط على عمار فمات، فقال النبي : لم يمت عمار. ثم ~~لقي عمارا، فقال له: «ويحك ابن سمية! تقتلك الفئة الباغية.» وملأت هذه ~~الكلمة قلب عمار يقينا وثقة ms089 وحرصا على أن يعمل صالحا ما وسعه العمل، ~~وعلى أن يجتنب الفتنة ما وسعه اجتنابها، وكان يطيل الصمت ولا يتكلم إلا حين ~~لا يكون من الكلام بد، وكان كثيرا ما يقطع صمته بهذه الكلمات: عائذ ~~بالله من فتنة! ثم يعود إلى صمته العميق. # وأقبل خالد بن الوليد ذات يوم بعد أن أسلم، فكان بينه وبين عمار شيء من ~~خصومة، فأغلظ خالد لعمار في القول - وكأنه ذكر سمية التي كانت أمة لعمه ~~أبي حذيفة، وياسر الذي كان حليفا لعمه أبي حذيفة، وكأنه ذكر عمارا بأنه ~~عتيق عمه أبي حذيفة، وكانت في خالد بقية من كبرياء مخزوم، وكان فيه فضل من صلف # 260 # قريش - فجاء عمار إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # يشكو خالدا، وأقبل خالد ~~أثناء ذلك فجعل يقول لعمار وعمار ساكت والنبي مطرق، ثم رفع النبي رأسه وقال ~~في صوته الوادع العذب الذي ينفذ إلى القلوب: «من عادى عمارا فقد ~~عاداني.» فخرج عمار كأرضى ما يخرج الناس، وخرج خالد مهموما مغتما كئيب ~~النفس، فلم يسترح حتى أرضى عمارا، ووثق بأنه عفا له عما أسلف إليه من ~~سوء. # 21 # عادت العرب إلى كفرها بعد وفاة النبي، وجد أبو بكر وجد معه الأنصار ~~والمهاجرون في ردهم إلى الإسلام طائعين أو كارهين، وخرج خالد بن الوليد ~~بجيش أبي بكر إلى اليمامة يقاتل مسيلمة، ويرد بني حنيفة إلى ~~الإسلام. والتقى المسلمون وأهل الردة، فكانت بينهم موقعة من أشد ما عرف ~~المسلمون من المواقع، وكان في الجيش أربعة نفر كلهم شهد بدرا وأحدا ~~والمشاهد كلها مع رسول الله: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ~~وابنه قديما ومولاه حديثا سالم بن سالم، وأخو امرأته عبد الله بن سهيل بن ~~عمرو. وقد انكشف المسلمون وكادت الدائرة تدور عليهم، ولكن الناس يرون هؤلاء ~~النفر قد ثبتوا في أماكنهم لا يريمون. فأما سالم فجعل يصيح بالناس: ما ~~هكذا كنا نقاتل مع رسول الله! ثم احتفر حفرة فأثبت فيها قدميه، وصنع أبو ~~حذيفة وعبد الله بن سهيل ms090 صنيعه فاستشهدوا جميعا في أماكنهم. # وأما عمار فقد رآه الناس قائما على صخرة وقد قطعت أذنه فهي تتذبذب، وهو ~~يصيح بالمسلمين: إلي أيها المسلمون أنا عمار بن ياسر، أمن الجنة ~~تفرون؟! وما زال بهم يدعوهم وقد ثبت على صخرته لا يزول حتى ثاب إليه ~~المسلمون، وأنزل الله عليهم نصره. # ويبلغ أبا بكر موت سالم، فيدفع تراثه إلى صاحبة ولائه ثبيتة، فترده وتقول: ~~سيبته لله عز وجل. فإذا ولي عمر الخلافة دفع تراث سالم مرة أخرى ~~إلى ثبيتة صاحبة ولائه، فترده وتقول: سيبته لله عز وجل. ويضعه عمر في بيت ~~المال. # وأقبل أبو بكر في أثناء خلافته حاجا، فلما دخل مكة جاءه سهيل بن عمرو ~~مسلما، فعزاه أبو بكر بابنه عبد الله الذي قتل في اليمامة شهيدا. ~~قال سهيل: لقد بلغني أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: يشفع الشهيد لسبعين من ~~أهله؛ فأنا أرجو ألا يبدأ ابني بأحد قبلي. # 22 # لم يكد عمر ينهض بأمور المسلمين بعد صاحبه حتى مضى في سياسة الفتح التي ~~ابتدأها من قبله. لم يهن ولم يضعف، ولم يتح لأحد من الناس أن يهن أو ~~يضعف، وإنما رمى العالم القديم المتحضر بثقل العرب، فلم يثبت له العالم ~~المتحضر إلا ريثما تداعى ثم انهار. وكان عمر لا ينام ولا ينيم، وإنما كان ~~يقظا دائما، موقظا دائما، عاملا دائما، دافعا غيره إلى العمل، وقد ~~فتح عمر للذين أسلموا بأخرة من عامة العرب ومن خاصة قريش أبواب الجهاد على ~~مصاريعها، وألقى في روعهم جميعا أن من فاته ثواب الغزو مع النبي # صلى الله عليه وسلم # فلم يشهد معه بدرا ولا أحدا ولا الخندق ولا غيرها من المشاهد، فإن أمامه ~~ملك الروم وفارس يستطيع أن يستدرك فيهما ما فاته من حسن البلاء. وأي ~~بلاء أحسن من أن يكون الرجل قد تقدمت به السن، والرجل لم يكد يخرج من ~~شبابه، والفتى لم يكد ينضو عنه ثوب الصبا، وسيلة إلى تحقيق وعد الله - عز ~~وجل - وتصديق قوله: # وعد الله الذين آمنوا ms091 ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا ~~؟! # لقد اندفعت العرب حين دفعها عمر، فلم تجد أمامها صعوبة إلا قهرتها، ولا عقبة ~~إلا ذللتها، ولا مقاومة إلا جعلتها هباء. # ولم يكن أصحاب رسول الله والذين شهدوا معه المشاهد منهم خاصة أقل اندفاعا ~~إلى الجهاد واستباقا إلى الغزو من الذين أسلموا بأخرة، ولم يكن عمر ~~يصدهم عن ذلك أو يردهم عنه، وإنما كان يخلي بينهم وبين ثواب الله ~~يطلبونه ما وجدوا إليه سبيلا، إلا أولئك الأشراف من قريش، فإنه أمسكهم في ~~المدينة ولم يأذن لهم بالخروج، خاف من عامتهم على الناس، وخاف على خاصتهم ~~من الفتنة، وكان أشراف الصحابة من قريش إذا أراد أحدهم أن يخرج للجهاد أبى ~~عليه عمر، وقال: قد غزوت مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما يجزئك. # أما المستضعفون من أصحاب النبي من قريش ومن غير قريش فلم يخف عمر منهم، ~~ولم يخف عليهم فتنة، فخلى بينهم وبين ما أرادوا من الجهاد وما ابتغوا ~~من فضل الله. وكذلك انطلق بلال وأبو ذر وابن مسعود إلى الشام، وانطلق ~~غيرهم إلى العراق، وأقام في المدينة من أمسكه ضعف الجسم أو أمسكته سياسة ~~عمر، وأقبل خباب بن الأرت ذات يوم مسلما على عمر ومستأذنا في أكبر ~~الظن في اللحاق بجيش من جيوش العراق، فيهش له عمر ويستدنيه، ويجلسه على ~~متكئه، ويقول: ما على الأرض أحد أحق منك بهذا المجلس إلا رجلا ~~واحدا. # فيقول خباب: من هو يا أمير المؤمنين؟ # قال عمر: بلال. وروى بعضهم أنه قال: عمار بن ياسر. # قال خباب: ما هو بأحق مني، لقد كان له من قريش من يمنعه ويقوم دونه، فأما ~~أنا فلم يكن لي أحد، ولقد رأيتهم ذات يوم أخذوني، ثم أوقدوا لي نارا ~~فسلقوني فيها، ثم يقبل رجل فيضع رجله على صدري، فوالله ما اتقيت برد ~~الأرض إلا بظهري، ثم يرفع رداءه ليرى عمر ms092 ما بقي في ظهره من آثار العذاب، ~~وينظر عمر وينظر من حضر من المسلمين، فيرون شرا مروعا؛ يرون أن ظهره ~~قد برص. # لم تمنعه الفتنة من أن يشهد مع رسول الله بدرا وأحدا والخندق والمشاهد ~~كلها، ثم لم يكفه ذلك حتى أبى إلا أن يجاهد، كأنه رأى أنه لم يلق في ~~سبيل الله مع هذا كله ما ينبغي أن يلقى من الجهد والمشقة والعناء. وقد ~~انحدر إلى العراق فغزا مع الغازين، وجاهد مع المجاهدين، ورابط في الكوفة ~~حتى أدركته الشيخوخة واشتد عليه الداء، وأقبل نفر من أصحاب رسول الله ~~يعودونه، وقد اكتوى في بطنه سبع كيات وبرح به الألم كل تبريح، فلما دخلوا ~~عليه رأوا رجلا مروعا قد ملك الخوف والحزن عليه أمره، يقول لعواده من ~~أصحاب النبي: لولا أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # نهانا أن نتمنى الموت لتمنيته، ~~ثم يسكت صوته، ويسكن جسمه، وتنهل دموعه على وجهه غزارا. # فيعزيه عواده من أصحاب النبي يقولون له: أبشر أبا عبد الله، إخوانك فلان ~~وفلان وفلان، تقدم عليهم غدا. فيغرق في البكاء حتى ما يستطيع كلاما، ثم ~~يثوب إليه شيء من هدوء، فيقول في صوته الضعيف النحيف المتقطع: أما إنه ليس ~~بي جزع، ولكن ذكرتموني أقواما وسميتموهم لي إخوانا، وإن أولئك مضوا ~~بأجورهم كما هي، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما ~~أوتينا بعدهم. ثم تأخذه غشية تكف لسانه عن النطق حتى يظن أنه قد قضى ~~أو كاد، ثم يرد إليه شيء من حياة فينظر فإذا كفنه قد أحضر، وإذا هو من ~~قباطي، فيبكي ويقول: لكن حمزة عم النبي # صلى الله عليه وسلم # كفن في بردة، فإذا ~~مدت على قدميه قلصت # 261 # عن رأسه، وإذا مدت على رأسه قلصت عن قدميه، حتى جعل عليه إذخر، # 262 # ولقد رأيتني مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما أملك دينارا ولا ~~درهما ، وإن في ناحية بيتي في تابوتي # 263 # لأربعين ألف واف، ولقد خشيت أن تكون قد عجلت ms093 لنا طيباتنا ~~في حياتنا الدنيا. # يقول بعض أولئك الرهط لبعض حين انصرفوا عنه: ألا ترون إلى خباب على كثرة ما ~~احتمل وعلى كثرة ما عمل يخشى أن يلقى الله فقيرا ليس له كبير حظ من ~~الصالحات! # فيقول قائلهم: وما يريبكم من ذلك؟! ألم تعلموا أن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال للمرأة ~~التي زعمت أن الله قد أكرم عثمان بن مظعون بعد موته: «وما يدريك أن الله ~~قد أكرمه؟! إني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي!» # ولم يمنع المرض الموجع ولا الحزن اللاذع ولا الخوف من لقاء الله خبابا من ~~أن يكون معلما ناصحا للمسلمين حتى في آخر عهده بالدنيا وأول عهده ~~بالآخرة، كان الناس يدفنون موتاهم في جبابينهم قريبا من دورهم، فيقول خباب ~~لابنه حين أحس الموت: يا بني إذا أنا مت فادفني بهذا الظهر؛ فإن الناس ~~إن رأوا ذلك قالوا: صاحب من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يدفن بظهر الكوفة، ~~ثم دفنوا موتاهم خارج المدينة. # ومات خباب وصلى عليه علي رحمه الله، ودفن بظاهر الكوفة، فدفن الناس ~~موتاهم حول قبره. # 23 # مضى صهيب بعد الإسلام على ما كان يمضي عليه من سيرته في الجود والكرم قبل أن ~~يسلم، وكثر المال عنده بعد الفتوح، فكثر عطاؤه وسخاؤه، حتى تحدث بأمره ~~الناس، وكان لا يستقبل ليله إلا جمع خلقا من الناس كثيرا حول طعام كثير، ~~فجعل الناس يذكرون كرم أبي يحيى وسخاء أبي يحيى وبر أبي يحيى، وسمع ذلك عمر ~~فقال: من أبو يحيى هذا الذي يذكرون؟ قالوا: صهيب. # قال: لصهيب ابن يكنى به؟! # قال الناس: إنه يكنى أبا يحيى، وإنه يطعم الطعام الكثير، كما كان أجواد ~~العرب من قومه يفعلون. # قال عمر: وإن صهيبا لمن العرب؟ # قالوا: بذلك يحدثنا. فسكت عمر ولم يقل شيئا، حتى إذا كان ذات يوم في المسجد ~~والناس من حوله كثير وفيهم صهيب، دعاه إليه وقال له: ما لك تكنى أبا ~~يحيى وليس لك ولد، وتقول إنك من العرب وأنت رجل من ms094 الروم، وتطعم الطعام ~~الكثير وذلك سرف في المال؟! # فقال صهيب: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كناني أبا يحيى، وأما قولك في النسب ~~وادعائي إلى العرب فإني رجل من النمر بن قاسط من أهل الموصل، ولكن سبيت، ~~سبتني الروم غلاما صغيرا بعد أن عقلت أهلي وقومي وعرفت نسبي، وأما ~~قولك في الطعام وإسرافي فيه؛ فإن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يقول: «إن خياركم ~~من أطعم الطعام ورد السلام.» فذلك الذي حملني على أن أطعم الطعام. ~~فسكت عنه عمر. # وعاش صهيب ما عاش خير مثل للمسلم كما صوره رسول الله حين قال: «المسلم من ~~سلم الناس من لسانه ويده.» ولم يكن يعطي الناس من نفسه إلا خيرا، كان ~~يجود عليهم بماله وعلمه جميعا، لا يتحفظ في الجود بالمال، ولا يتحفظ في ~~الجود بالعلم، إلا بواحدة، كان شأنه فيها شأن الخيار # 264 # من أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: لم يكن يحب أن يتحدث عن النبي مخافة ~~أن يخطئ الحديث، وكان يقول للناس: هلموا أحدثكم عن مغازينا، فأما أن ~~أقول: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. فلا. # ولم يكن لصهيب أيام أبي بكر وعمر إلا شأن الرجل الخير الكريم من ~~المهاجرين، ولكن عمر - رحمه الله - يطعن ذات صباح، وينظم أمر الشورى ~~حين أحس الموت، ويأمر فيما يأمر به أن تكون صلاة المسلمين إلى صهيب ثلاثا ~~حتى يختار أهل الشورى للمسلمين إماما. # وينظر المهاجرون والأنصار، فإذا صهيب يصلي بهم المكتوبات بأمر عمر، فإذا ~~حضرت جنازة عمر قدموا صهيبا فصلى بهم عليه. # فقد كان صهيب إذن إماما للمسلمين حتى فرغ أهل الشورى من تشاورهم، لم ينكر ~~المهاجرون والأنصار من ذلك شيئا، ولكن نفرا من شباب قريش جعلوا يتحدثون ~~بذلك فيما بينهم، ولم يكن شباب قريش يألفون عمر ولا يطمئنون إلى سيرته؛ ~~لشدته على قريش ولشدته في الحق عامة، ويقول بعض أولئك الشباب لبعض: ألم ~~تروا إلى عمر يقدم هذا الرومي ليصلي بالمهاجرين والأنصار، وقد كان صهيب ~~عبدا لرجل من قريش؟! ms095 # فيقول آخر: الحمد لله على أنه لم يزد على أن يجعل إليه الصلاة حتى يختار ~~هؤلاء الرهط منهم إماما! فقد كان خليقا أن يستخلفه وأن يجعل إليه إمرة ~~المؤمنين. # قال آخر: ويحك! إنك لتسرف في الظن، وإن بعض الظن إثم. ما كان عمر ليستخلف ~~على المسلمين مولى لعبد الله بن جدعان من سبي العرب أو من سبي الروم، قال ~~صاحبه وهو يضحك ضحكة ساخرة: ألم يبلغك أن عمر قال: لو كان أبو عبيدة بن ~~الجراح حيا لاستخلفته، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته؟! ~~وهل كان سالم مولى أبي حذيفة إلا رقيقا فارسيا من أهل إصطخر، فإذا ~~تمنى عمر أن يستخلف على المسلمين عبدا فارسيا فما يمنعه أن يستخلف عليهم ~~عبدا روميا؟! # قال أحدهم وقد ثار مغضبا: ما رأيت كاليوم رجوعا إلى الجاهلية الأولى، ~~ويلكم! أمسلمون أنتم صادقون في إسلامكم أم منافقون؟! رحم الله عمر! والله ~~ما عرفناه إلا برا صادق النصح لله ورسوله وللمؤمنين. ألم تقرءوا قول الله ~~عز وجل: # يا أيها الناس إنا خلقناكم ~~من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~إن الله عليم خبير ~~؟! # وتفرق أولئك الفتية وقد ثاب بعضهم إلى الحق والهدى، وأسر بعضهم الآخر في ~~نفسه أن السلطان عربي لا ينبغي لأحد - ولو كان عمر - أن يصرفه عن العرب وعن ~~قريش خاصة إلى الفرس أو الروم. وكان تفكير هؤلاء الفتية وقوم كثير أمثالهم ~~مصدر شر عظيم للمسلمين. # 24 # أقام عبد الله بن مسعود بحمص بعد أن فتحت على المسلمين ما شاء الله أن ~~يقيم، مرابطا في سبيل الله، ولكن المهاجرين والأنصار ممن أقام في المدينة ~~ينظرون ذات يوم فإذا هو بين أظهرهم في المسجد، فيستبقون إليه مسلمين ~~عليه، ويسألونه عن مقدمه، فيقول: ما أدري، وإنما دعاني أمير المؤمنين ~~فقدمت. ثم يلقى عمر عبد الله بن مسعود فيخلو إليه، ويخلو من بعده إلى عمار ~~بن ياسر، ويخلو من بعدهما إلى عثمان بن حنيف ثم يعلن إلى المسلمين في ~~أعقاب صلاة ms096 من الصلوات أنه قد جعل صلاة الكوفة وحربها إلى عمار بن ياسر، ~~وأنه قد جعل بيت مال الكوفة وتعليم أهلها إلى عبد الله بن مسعود، وأنه قد ~~جعل سواد الكوفة إلى عثمان بن حنيف. فأما أصحاب السابقة من المهاجرين ~~والأنصار فيسمعون ويعرفون في سرائر نفوسهم وفي ظاهر سيرتهم، وأما الذين ~~أسلموا بأخرة من أشراف قريش فيسمعون ويطيعون وينصرفون وفي نفوسهم ~~شيء. # يقول أحدهم لصاحبه: «غفر الله لعمر! ماذا صنع بقريش؟! ألا ترى إليه يجعل ~~إمرة الكوفة لابن سمية، ويجعل بيت مالها وتعليم أهلها لابن أم عبد! ~~وأين هو عن أشراف قريش وعن السابقين الأولين من المهاجرين؟!» فيقول له ~~صاحبه: «أمسك عليك نفسك، لا يبلغ عمر من حديث هذا شيء فيظن بك النفاق ~~ويؤدبك أدبا لا تحبه، إنك لحديث عهد بالإسلام، وما أراك قرأت من ~~القرآن إلا قليلا، ألم تسمع قول الله عز وجل: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~* ونمكن لهم في الأرض ونري ~~فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون ~~؟! فإن عمر لم يزد على أن أنجز بعض وعد الله ~~- عز وجل - لبعض هؤلاء المستضعفين في الأرض.» قال صاحبه وقد أظهر الرضا: هو ~~ذاك. # وانتهى عمار بن ياسر وابن مسعود وعثمان بن حنيف إلى الكوفة، واجتمع أهلها في ~~المسجد، فقرئ عليهم كتاب عمر، فإذا فيه: «أما بعد، فإني بعثت إليكم عمار ~~بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، وقد جعلت ابن مسعود على بيت ~~مالكم، وإنهما لمن النجباء من أصحاب محمد من أهل بدر، فاسمعوا لهما وأطيعوا ~~واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بابن أم عبد على نفسي، وبعثت عثمان بن حنيف على ~~السواد، ورزقتهم كل يوم شاة، فاجعلوا شطرها وبطنها لعمار، والشطر الباقي ~~بين هذين الرجلين.» وقد سمع أهل الكوفة ورضوا وأطاعوا فأحسنوا الطاعة، ~~وأحسن أمراؤهم السياسة. # ونظر عمار بن ياسر فإذا هو أمير لمصر عظيم من أمصار المسلمين وجيش عظيم من ~~جيوشهم، وأكبر الظن أنه استحضر في نفسه ما لقي من الجهد والمحنة ms097 قبل أن ~~يهاجر إلى المدينة، وما لقي من الشدة والبأساء مع النبي بعد أن هاجر إلى ~~المدينة، فلم يقع هذا كله من نفسه موقعا غريبا، وإنما آمن بأن وعد الله ~~حق، ولم يدفعه هذا كله إلى تكبر أو تجبر أو استعلاء؛ لأنه استيقن كما ~~استيقن نظراؤه من أصحاب النبي أن هذه الحياة الدنيا غرور، وأنها فتنة ~~يمتحن بها أولو الحزم والعزم في أنفسهم، فمن خلص منها كريما نقيا ~~سليم القلب فهو من الناجين، ومن رتع فيها حتى أرضى غرائزه وشهواته فهو من ~~الذين حبطت أعمالهم وظل سعيهم # 265 # وعجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. # واستحضر ابن مسعود في أكبر الظن حياته تلك حين كان راعيا لغنيمات عقبة ~~بن أبي معيط، قد أدبرت عنه الدنيا بسعيها ودعتها وثرائها ونعيمها، وذكر أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # قد رضي عن أمانته حين أبى أن يسقيه ويسقي صاحبه من لبن غنم ~~ابن أبي معيط، وذكر أن النبي ائتمنه على سره وضمه إليه وجعله من خاصته، ~~وذكر أن النبي قال فيه ذات يوم: «إن ساقه لأثقل في الميزان يوم القيامة من ~~أحد.» فلم يزده هذا إلا إيمانا وتثبيتا وحبا للأمانة واستمساكا ~~بها، ووفاء لخليله ونصحا لأمته. # وقد أقام عمار ما شاء الله أن يقيم أميرا على الكوفة، فكان يسيرا ~~سمحا لم يتغير من أمره شيء: صمت كثير، وكلام قليل، واختلاط بالناس ~~كأنه رجل من عامتهم، وإقامة للعدل، وحكم بالقسط، ونصح في الدين لا ~~تكلف فيه ولا تزيد. سئل ذات يوم في بعض ما يشكل من أمور الناس، ~~فقال: أكان هذا بعد؟! قالوا: لا، قال: دعوه حتى يكون، فإذا كان تجشمناها # 266 # لكم. # وكان يخرج في حاجات بيته وأهله كما يخرج غيره من عامة الناس. # تحدث من رآه وهو أمير الكوفة يشتري قتا بدرهم، ثم يستزيد البائع ~~حبلا فيأبى عليه البائع، فيجاذبه عمار حبله وينازعه حتى يأخذ نصفه، ثم ~~يحمل قته على ظهره ويمضي به إلى داره وهو الأمير، لا ينكر من ذلك ~~شيئا، ولا ms098 يرى أن شيئا من ذلك يغض من قدره أو يحط من مكانته، ولا ينكر ~~الناس من ذلك شيئا ولا يرون أنه يخسه # 267 # عن المنزلة التي تنبغي للأمير، وكان عمار لا يغضب لنفسه مهما ~~يؤذ، فإذا تعرض أحد لحق الله أو لحق الناس غضب عمار حتى يأخذ ~~بالحق ويرد الأمر إلى نصابه. عرف أن رجلا وشى به إلى عمر، فلم يزد ~~على أن قال: اللهم إن كان قد كذب علي فابسط له في الدنيا واجعله موطأ العقب. # 268 # وأقبل بجيش من أهل الكوفة مددا لأهل البصرة في بعض المواقع، فلما أظفر ~~الله المسلمين قال له بعض أهل البصرة: يا أجدع، أتريد أن تشاركنا في ~~غنائمنا؟! فلم يزد عمار على أن قال وهو يضحك: خير أذني سببت. وكانت ~~أذنه تلك قد أصيبت في سبيل الله يوم اليمامة، وقد أبى أهل البصرة أن ~~يشركوا عمارا وأصحابه في الغنيمة، وأبى عمار إلا أن يأخذ لأصحابه حقهم ~~منها. فكتبوا في ذلك إلى عمر، فكتب إليهم عمر: إنما الغنيمة لمن شهد ~~الوقعة. وأخذ عمار وأصحابه حقهم، وكان عمر يخالف بين ولاته على الأمصار، ~~لا يكاد يمد لأحدهم في الولاية. فلما عزل عمارا ولقيه بعد ذلك في المدينة ~~قال له: أساءك عزلنا إياك؟ فأجابه عمار: أما إذا قلت ذاك فقد ساءني حين ~~استعملتني وساءني حين عزلتني، ثم فرغ عمار للعبادة والطاعة والأمر بالمعروف ~~وتأديب الناس في دينهم ما بقي من أيام عمر وصدرا من أيام عثمان، ولكن ~~عمارا يعلم ذات يوم أن عثمان قد أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح على ~~مصر، فيحضره خاطر مؤلم يمره في نفسه، ثم يلقيه في أعماق ضميره لا ~~يحدث به نفسه بعد ذلك ولا يحدث به الناس، ويذكر أن آية في القرآن قد ~~أنزلت أشير فيها إليه وإلى عبد الله بن أبي سرح هذا الذي أمر ~~على مصر، وهي قول الله عز وجل: # من كفر بالله من ~~بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن ~~بالإيمان ولكن من شرح ms099 بالكفر صدرا ~~فعليهم غضب من الله ولهم عذاب ~~عظيم ~~. # وكان المسلمون يرون أن عبد الله بن أبي سرح هو الذي أشير إليه في قول ~~الله عز وجل: # من شرح بالكفر ~~صدرا ~~. # يقول عمار لنفسه: إن عبد الله بن أبي سرح قد عاد بأخرة إلى الإسلام، فعسى أن ~~يكون قد تاب وأصلح، وعسى الله أن يكون قد حط عنه ثقل الكفر بعد الإيمان. ~~ولكن سيرة عبد الله بن أبي سرح في مصر تصبح موضع الشكوى بين المصريين ~~كسيرة غيره من ولاة عثمان في الكوفة والبصرة، ثم تكثر الشكوى ويشيع النكير ~~حتى يغضب المهاجرون والأنصار في المدينة ويتكلمون في ذلك، ثم يجتمعون ~~ويتشاورون، ويذهب عمار إلى عثمان عن نفسه أو عمن وراءه من المسلمين ~~ليحدثه برأي الناس في ولاته، فلا يرضي قوله عثمان، ويعظم الأمر بينهما، ~~حتى يأمر عثمان بإخراجه، فيخرجه غلمانه ويضربونه حتى يغشى عليه، وحتى يظن ~~الناس أنه الموت، ولكن عمارا يفيق ويقول: طالما عذبنا في الله من قبل. ~~ويصبح منذ ذلك اليوم زعيما من زعماء المعارضة لعثمان. # 25 # لبث عبد الله بن مسعود في الكوفة بعد أن عزل عنها عمار بن ياسر، لم يعد ~~إلى المدينة، ولم ينح عن عمله، وإنما ظل أمينا على بيت مال الكوفة ~~معلما لأهلها مشيرا على ولاتها. وقد علم الناس فأحسن تعليمهم، فملأ ~~قلوبهم حبا له وإعجابا به، وترك في نفوسهم أقوى الأثر وأبقاه. # ولم يكن ذلك غريبا، فقد لزم ابن مسعود رسول الله فأطال لزومه، حتى ظن بعض ~~أصحابه أنه من أهل البيت، وأخذ من فم النبي سبعين سورة من القرآن لم ~~ينازعه فيهن أحد، وكان النبي يحب قراءته للقرآن، ويحببها إلى الناس، ~~ويقول: «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل ~~فليقرأه على ابن أم عبد.» # وكان عبد الله شديد التأثر # 269 # للنبي في قوله وعمله وفي حركته وسكونه وفي تحدثه إلى الناس ~~واستماعه لهم، وفي تأتيه للأمور # 270 # حين تعرض، وثباته للخطوب حين تشتد، وكان شديد الاقتداء به ~~في هذا كله، ms100 حتى اتفق الذين عرفوه من أصحاب النبي أنه كان أشبه الناس برسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # في هديه وسمته ودله، # 271 # وكان حذيفة بن اليمان يقول: ابن مسعود أشبه الناس برسول الله # صلى الله عليه وسلم # هديا وسمتا ودلا حتى يواريه جدار بيته. # وكان ابن مسعود يقرئ الناس القرآن في أثناء إقامته في الكوفة، ويعظهم عشية ~~كل خميس، يقوم فيهم خطيبا معتمدا على عصا، فيتكلم ما شاء الله أن يتكلم ~~ثم يسكت، وأحب شيء إلى سامعيه أن يمضي فيما كان فيه من حديث. ولم يكن ابن ~~مسعود يخاف شيئا كما كان يخاف الرواية عن النبي، شأنه في ذلك شأن ~~المتحفظين الذين سمعوا النبي يقول: «من كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار.» فأشفقوا أن يتحدثوا عنه ~~فيخطئوا صدق الحديث وهم لا يشعرون. وجرى مرة على لسان ابن مسعود وهو يعظ ~~الناس قوله: قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. فلم يكد هذا القول يجري على لسانه حتى ~~أخذته رعدة عنيفة اضطرب لها جسمه كله، وتزعزعت لها العصا التي كان يعتمد ~~عليها، وتصبب العرق على جبهته، فقال: أو فوق هذا، أو نحو هذا، أو دون هذا. ~~ولم يرض أهل الكوفة على أحد من ولاتهم كما رضوا عن عبد الله بن مسعود وعن ~~أبي موسى الأشعري. # وقد توفي عمر - رضي الله عنه - وابن مسعود أمير على بيت المال في الكوفة، ~~فأقره عثمان على عمله، حتى إذا كانت ولاية الوليد بن عقبة للكوفة حدثت ~~أحداث حولت ابن مسعود إلى المعارضة، وكان ابن مسعود قبل هذه الأحداث من ~~أرضى الناس عن عثمان، وأحسنهم ذكرا له، ودعاء إليه. # 26 # وقد حدث بعض هذه الأحداث في الكوفة، وحدث بعضها الآخر في المدينة، فأما ما ~~حدث منها في الكوفة فسياسة جديدة في بيت المال لم يألفها عبد الله بن ~~مسعود، ولم يكن ليطمئن إليها أو يرضاها، فقد كان الوليد يتوسع في النفقة، ~~ويرى أن له أن يصنع بمال المسلمين ما يشاء. وكان ابن مسعود قد ألف ms101 منذ أيام ~~عمر أن أموال بيت المال ملك للمسلمين لا للأمراء، وأن الأمراء لا ينبغي أن ~~ينفقوها إلا بحقها، وفي الوجوه التي تنفع عامة المسلمين. # وإلى جانب هذه السياسة المالية الجديدة كان للوليد بن عقبة سيرة لم يرض ~~عنها خيار أهل الكوفة، وقد أنكر ابن مسعود ما أنكر الناس، وكره الوليد منه ~~هذا الإنكار، واشتد الخلاف بينهما، وكان الناس إلى ابن مسعود أميل، وله ~~أحب، ولقوله أكثر استماعا. # وأما ما حدث في المدينة فانتداب # 272 # عثمان لجمع القرآن في مصحف واحد وقراءة واحدة. # وقد ألف عثمان لهذا العمل الخطير لجنة من حفاظ المسلمين، وجعل رياستها ~~لزيد بن ثابت. وليس من شك في أن عثمان قد نصح للمسلمين في هذا العمل، وكره ~~لهم أن يختلفوا في قراءة كتاب الله، ولما تم له جمع المصحف أذاعه في ~~الأمصار، وحظر القراءة على غير ما كتب فيه، وتقدم في تحريق غيره من الصحف ~~التي كتب فيها القرآن قبل أن يجمع المصحف الإمام، فكره ابن مسعود ذلك، ~~وكان من أقرأ الناس وأحفظهم، وأبى أن يذعن لأمر عثمان. ثم لم يكتف بذلك، ~~وإنما جعل يلهج بنقد ما تقدم فيه عثمان وبنقد سيرة الوليد في الكوفة، وكان ~~إذا خطب الناس يوم الخميس من كل أسبوع قال لهم فيما كان يقول: إن أصدق ~~القول كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل ~~محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ورأى الوليد في هذا ~~الكلام تعريضا به وبعثمان، فتقدم إلى ابن مسعود في ألا يعيده، فلم يحفل ~~به ابن مسعود ولم يلتفت إليه. # فكتب فيه إلى عثمان يأمره بإخراج ابن مسعود من الكوفة وإرساله إلى المدينة ~~ففعل، وخرج الناس يشيعون ابن مسعود إلى ظاهر الكوفة محزونين يلحون ~~عليه في أن يبقى بينهم، ويخافون عليه من عثمان أن يبطش به أو يناله بمكروه، ~~ويعاهدونه على أن يحموه فلا تصل إليه يد بسوء، ولكنه أبى عليهم قائلا: إن ~~هذا أمر سيكون، وما أحب أن أكون أول من ms102 فتحه. # ودخل المدينة ذات ليلة، فلما أصبح غدا على المسجد، وكان ذلك اليوم يوم جمعة، ~~فلما رآه عثمان قال قولا غليظا وعابه من أعلى المنبر، فرد عليه ابن ~~مسعود قائلا: لست كما تقول، ولكني صاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يوم بدر ~~ويوم أحد ويوم الخندق ويوم بيعة الرضوان. ونادت عائشة - رحمها الله - من ~~وراء الستر: ويحك يا عثمان! أتقول هذا لصاحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟! فقال ~~لها عثمان: اسكتي. ثم أمر بعض غلمانه بإخراجه من المسجد، فأقبل غلام أسود ~~طوال، فاحتمل ابن مسعود وأخرجه من المسجد إخراجا عنيفا، وابن مسعود ~~يحاول أن يفلت منه ورجلاه تختلفان على كتفيه وهو يصيح بعثمان: أنشدك ~~الله لا تخرجني من مسجد خليلي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولكن الغلام يمضي به، حتى إذا بلغ ~~باب المسجد ضرب به الأرض فكسرت إحدى أضلاعه، وحمل إلى بيته ~~مكروبا. # ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما حرمه عثمان عطاءه سنتين. فأقام ابن ~~مسعود في المدينة مغضوبا عليه من الإمام، يواده على رغم ذلك صديقه من ~~أصحاب النبي، حتى إذا أدركه المرض الذي مات فيه عرف عثمان أنه مشرف على ~~الموت. وهنا يختلف الرواة، فأما الناقمون من عثمان، فيقولون إنه سعى إلى ~~ابن مسعود واعتذر إليه وعرض عليه عطاءه وسأله أن يستغفر له، فلم يقبل منه ~~ابن مسعود شيئا، ووسط عثمان أم حبيبة زوج النبي # صلى الله عليه وسلم # عند ابن ~~مسعود فلم يقبل لها وساطة، ومات ابن مسعود والأمر بينه وبين عثمان على ~~شر ما يكون. وقد يغلو الناقمون على عثمان، فيزعمون أن ابن مسعود أوصى ~~ألا يصلي عليه عثمان، وأن عمار بن ياسر تلقى هذه الوصية وأنفذها، ~~فكان هذا مما زاد غضب عثمان على عمار. # وأما الذين يتولون عثمان، ويحسنون الظن بهؤلاء النفر من المهاجرين، فيقولون: ~~إن عثمان عاد ابن مسعود في مرضه واعتذر إليه، فقبل منه واستغفر كلا الرجلين ~~لصاحبه، ومات ابن مسعود فصلى عليه عثمان وقام على قبره وأحسن الثناء ms103 عليه. ~~وهذا أشبه بسيرة الرجلين جميعا. # ويدخل الزبير بن العوام على عثمان، وكان ابن مسعود قد أوصى إليه، فيقول ~~له: ادفع إلي عطاء ابن مسعود؛ فإن عياله أحق به من بيت المال. # قال عثمان: نعم؛ ثم أدى إلى الزبير عطاء ابن مسعود ومثله معه، وأمر خازن ~~بيت المال، فدفع للزبير خمسة وعشرين ألفا. # ويجتمع أهل الكوفة بعد ذلك بسنتين حول علي رضي الله عنه، ويذكر ابن ~~مسعود، فيقولون لعلي: يا أمير المؤمنين، ما رأينا رجلا كان أحسن خلقا، ~~ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعا من عبد الله بن ~~مسعود. # فقال علي: نشدتكم الله، إنه لصدق من قلوبكم؟ # قالوا: نعم. # فقال: «اللهم إني أشهدك، اللهم إني أقول فيه مثل ما قالوا أو أفضل.» # 27 # لم يشتد أحد من أهل المدينة في معارضة عثمان حين ظهرت الفتنة كما اشتد ~~عمار بن ياسر، كان على الفطرة كما وصفه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان يكره التأول ~~ويكره المتأولين، وكان يحب من القول أصرحه، ومن العمل أوضحه، ومن ~~السيرة أشدها استقامة وأبعدها عن العوج والالتواء، وكان الدين الخالص ~~قطعة من طبعه وعنصرا مقوما لمزاجه، وكان أزهد الناس في الدنيا وأقلهم ~~احتفالا بمنافعها، وأشدهم خوفا من الفتنة، وأكثرهم انصرافا عن تعقيد ~~السياسة والتوائها، وكان يحب الحق ويسعى إليه، ولا يحب إلا الحق ولا يسعى ~~إلا إليه. وقد رأى من سيرة النبي وصاحبيه استقامة لا عوج فيها، وصراحة ~~بريئة من الغموض، فاستقر في نفسه أن أمر السلطان يجب أن يستقيم دائما كما ~~استقام للنبي وصاحبيه. فلما رأى اختلاط الأمر واشتباك المنافع واختلاف ~~الأهواء أيام عثمان شق عليه هذا كله، فلم يستطع قلبه أن يسيغه، ولم تستطع ~~فطرته أن تطمئن إليه، فأنكر فيما بينه وبين نفسه، ولاذ بصمته الطويل، ~~واستعاذ بالله من الفتنة كأشد ما يستعيذ الإنسان بالله منها. ثم رأى الناس ~~وسمعهم ينكرون، فلم يكد يفكر ويقدر ويستقصي حتى أنكر كما أنكروا ~~وعارض كما عارضوا، ولكنه على ذلك استمسك بالصمت واستعاذ بالله من ms104 الفتنة، ~~حتى رأى وسمع أولئك الشيوخ من أصحاب رسول الله - ومن المهاجرين بينهم خاصة ~~- ينكرون، فجعل اليقين يستبين له. # وتحدث الناس في المدينة ذات يوم أن عثمان أخذ شيئا من جوهر كان في بيت ~~المال فحلى به بعض أهله، وجعل المهاجرون والأنصار يقولون في ذلك حتى ~~أكثروا، وتكلم عثمان على المنبر ذات يوم، فقال: لنأخذن حاجتنا من هذا ~~المال وإن رغمت أنوف أقوام. # قال علي: إذن تمنع من ذلك، وقال عمار: أشهد الله إن أنفي أول ~~راغم. # وقد سكت عثمان لقول علي وغضب لمقالة عمار فشتمه، وكان هذا في بعض ما يروى ~~أول الشر الذي انتهى إلى ضرب عثمان لعمار حتى أصابه الفتق، وغشي عليه، ~~وفاتته صلوات الظهر والعصر والمغرب. ثم أفاق فتوضأ وصلاهن، وذكر فتنة قريش ~~له وتعذيبها إياه في الإسلام، ومنذ ذلك اليوم خرج من صمته، وجعل يقوم ويقعد ~~بنقد عثمان، حتى إذا أقبل الثائرون من الأمصار لم ينكر عليهم ولم يحاول ~~ردهم، ثم قتل عثمان فلم يأس # 273 # على قتله، وربما جادل في أن عثمان قد قتل مؤمنا أو كافرا، ~~وقد خاصم الحسن بن علي في ذلك. كان الحسن يرى أن عثمان مات مؤمنا، وكان ~~عمار يزعم أنه مات كافرا، واشتد الجدال بينهما حتى ارتفعا فيه إلى علي ~~رحمه الله، فكف علي عمارا عن مثل هذا الجدل في رفق. # ولم يشتد عمار في شيء بعد قتل عثمان كما اشتد في مناصرة علي، ولا سيما حين ~~ثارت الحرب بينه وبين معاوية. في ذلك الوقت استبان الحق لنفس عمار وقلبه ~~وضميره، ولم يشك لحظة في أن عليا وأصحابه كانوا على الحق، وفي أن ~~معاوية وأصحابه كانوا على الباطل، ولم يقبل عمار على حرب خالص النية ~~فيها لله ورسوله بعد وفاة النبي كما أقبل على حرب صفين. كانت مقالة النبي ~~له: «تقتلك الفئة الباغية.» قد استقرت في أعماق نفسه، وكأنها ~~ظهرت له جلية نقية ناصعة ساطعة حين خرج مع علي وأصحابه يقصدون قصد ~~صفين. هنالك لم يشك عمار في أن ms105 معاوية وأصحابه هم الفئة الباغية، وفي ~~أن هذه الحرب التي كانوا ينصبونها لابن عم النبي إنما كانت تشبه غيرها من ~~الحروب التي كانت قريش تنصبها للنبي نفسه يوم بدر ويوم أحد ويوم الخندق، ~~فخرج عمار إذن إلى حرب صفين على بصيرة من أمره، قد أخلص قلبه لله، ووهب ~~نفسه لله، وابتغى الشهادة في صفين كما كان يبتغيها في المشاهد التي شهدها ~~مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # وقد سمعه من سمعه وهو يقول ذات يوم في أثناء مسيره إلى صفين على شط الفرات: ~~اللهم إنه لو أعلم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردى ~~فأسقط فعلت، اللهم لو أعلم أنه أرضى لك عني أن ألقي نفسي في الماء فأغرق ~~نفسي فعلت، فإني لا أقاتل إلا أريد وجهك، وأنا أرجو ألا تخيبني وأنا أريد ~~وجهك. ~~••• # وكان عمار في ذلك الوقت قد جاوز التسعين، ولكن الناس ينظرون إليه فإذا هو قد ~~استرد من القوة والشباب والنشاط ما لم يكن لهم عهد به من قبل. كان أسرعهم ~~إلى الحرب وأكرههم للقعود، وأحبهم للموت، وأبغضهم للحياة، وكان مستيقنا ~~يقينا لا يعرض له الشك أنه على حق، وأنه يقاتل في سبيل الله. وقد اشتدت ~~الحرب بين الفريقين بصفين يوما ويوما، فلما كان اليوم الثالث قال معاوية: ~~هذا يوم تتفانى فيه العرب إلا أن تدركهم خفة العبد. يريد بالعبد عمارا، ~~ويريد بخفته شدة نشاطه في الحرب واستخفافه بما تحتاج إليه من مكر وكيد ~~وأناة. # وفي هذا اليوم قاتل عمار نهاره كله حتى ملأ قلوب الناس عجبا وإعجابا، ~~وكانوا يرونه شيخا طويلا آدم، # 274 # ترعد الحربة في يده، وهو خفيف الحركة موفور النشاط، يسعى ~~هنا وهناك، يحرض هذا وذاك، وفريق من المسلمين يرقبونه ويتحدثون ببلائه، ~~بعضهم يصحب جيش علي ولكنه لا يقاتل كخزيمة بن ثابت الأنصاري الذي سمع رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يقول لعمار: «تقتلك الفئة الباغية.» ورأى ~~عمارا يقاتل مع علي فهو يرقب عمارا ليرى آخرته. وبعضهم مع معاوية ms106 يشهد ~~الحرب ولا يشارك فيها، بلغته مقالة النبي في عمار فهو يرقب عمارا وينتظر ~~آخرته، ومن هؤلاء هني مولى عمر بن الخطاب رحمه الله. في ذلك اليوم قاتل ~~عمار وهو على رأس كتيبته حتى كانت العصر، فلما جعل الأصيل ينشر أشعته ~~الشاحبة الحزينة على المقتتلين اشتد نشاط عمار وأخذه شيء يشبه أن يكون ~~شغفا بالموت، فجعل يحث من حوله على القتال ويصيح: الجنة تحت أطراف ~~العوالي. اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه، وكان صائما. فلما وجبت الشمس ~~قال: اسقوني. فجيء بشربة من لبن، فلما رآها ضحك وشرب، ثم قال: قال لي رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «آخر زادك من الدنيا لبن حتى تموت.» ثم جعل يحرض الناس ~~ويعيد مقالته: الجنة تحت أطراف العوالي، الظمآن يرد الماء، الماء مورود، ~~اليوم ألقى الأحبة: محمدا وحزبه. # وقد انكشف أصحاب علي شيئا، فلم يوهن ذلك من نفس عمار، ولم يبلغ من يقينه ~~شيئا، وإنما جعل يقول: والله لو ضربونا حتى يبلغونا سعفات هجر لعلمت ~~أنا على حق وأنهم على ضلالة. # وكانت راية معاوية مع عمرو بن العاص، فجعل عمار ينظر إليها ويقول: لقد قاتلت ~~صاحب هذه الراية مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ثلاث مرات وهذه الرابعة. وكانت راية ~~علي مع هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكان هاشم أعور، فكان عمار يحثه، يغلظ ~~عليه مرة فيقول: تقدم يا أعور. ويرفق به مرة أخرى، فيقول: تقدم يا ~~هاشم فداك أبي وأمي، وكان هاشم يقول له: رحمك الله يا عمار، إني إنما أزحف ~~باللواء وأرجو أن يفتح الله علي ويبلغني ما أريد، وإن في العجلة الهلكة. ~~فيقول له: تقدم فداك أبي وأمي. وما يزال به حتى يتقدم، فإذا رأى عمار ~~صاحب الراية يتقدم بها صاح بمن حوله: من رائح إلى الله؟ من رائح إلى ~~الجنة؟ ثم اندفع فقاتل حتى قتل. # وقد رأى خزيمة بن ثابت مصرع عمار، فقال: الآن استبانت لي الضلالة، ثم دخل ~~فسطاطه فاغتسل، ثم لبس سلاحه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. ms107 # وأما هني مولى عمر بن الخطاب، فقد عرف عمارا حين أسفر الصبح، فأقبل حتى ~~دخل على عمرو بن العاص وهو جالس على سريره ومن حوله نفر يتحدث إليهم، فقال ~~هني: أبا عبد الله. قال عمرو: ما تشاء؟ قال هني: انظر أكلمك. فقام عمرو حتى ~~خلا إليه. # قال هني: عمار بن ياسر، ماذا سمعت فيه؟ # قال عمرو: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: تقتله الفئة الباغية. # قال هني: ها هو ذا مقتول. # قال عمرو: هذا باطل. # قال هني: بصرت عيني به مقتولا. # قال عمرو: هلم أرنيه. فذهب به حتى رآه بين القتلى، فلما رآه امتقع ~~لونه، ثم أعرض في شق، وقال: إنما قتله من أخرجه. # وكان عمار قد قال لأصحابه مساء ذلك اليوم: لا تغسلوني ولا تحثوا علي ~~ترابا فإني مخاصم. فلما قتل أقبل علي فصلى عليه ولم يغسله، وقال: ~~«إن امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل ابن ياسر وتدخل به عليه المصيبة ~~الموجعة لغير رشيد، رحم الله عمارا يوم أسلم، ورحم الله عمارا يوم قتل، ~~ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا، لقد رأيت عمارا وما يذكر من أصحاب ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أربعة إلا كان رابعا، ولا خمسة إلا كان خامسا، وما ~~كان أحد من قدماء أصحاب رسول الله يشك أن عمارا قد وجبت له الجنة في غير ~~موطن ولا اثنين، فهنيئا لعمار بالجنة.» ولقد قيل: إن عمارا مع الحق ~~والحق معه يدور، عمار مع الحق أينما دار، وقاتل عمار في النار. # 28 # أقبل رجلان من أصحاب معاوية حتى دخلا عليه فسطاطه ومعه عمرو بن العاص وعبد ~~الله بن عمرو ونفر من أصحابه، فجعلا يختصمان في قتل عمار، كلهم يزعم أنه ~~قاتله. قال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه؛ فإنما ~~تختصمان في النار؛ قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «تقتل عمارا الفئة الباغية، ~~وقاتله وسالبه في النار.» قال معاوية لعمرو: ألا تكف عنا مجنونك يا ~~عمرو؟! ثم التفت إلى عبد الله ms108 بن عمرو ، وقال: إن كان هذا رأيك فما لك ~~معنا؟! قال عبد الله: إن أبي شكاني لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فأمرني أن أطيعه ~~ما دام حيا، فأنا معكم ولست أقاتل. # قال معاوية: لم نقتله، إنما قتله من جاء به. # جلس عمرو بن العاص إلى جماعة من أصحابه يسمر معهم بعد أن خلص الأمر كله ~~لمعاوية، فقال له بعض القوم: إنا نرى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يحبك وكان ~~يستعملك أبا عبد الله. # قال عمرو: أما إنه كان يستعملني، وما أدري أكان يحبني أم كان يتألفني، # 275 # ولكنا نرى أن رجلين من أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، توفي رسول ~~الله وهو لهما محب وعنهما راض. # قال القوم: من هما؟ # قال عمرو: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر. # قال القوم: عمار بن ياسر! فذاك قتيلكم يوم صفين؟! # قال عمرو: صدقتم والله لقد قتلناه. # كان عمار على رأس كتيبته يوم قتل، وكان ذو الكلاع الحميري من أصحاب معاوية ~~على رأس الكتيبة المواجهة لعمار، فقتلا كلاهما. وتحدث ابن سعد عن ~~أصحابه أن عمرو بن شرحبيل أبا ميسرة - كان رجلا من أصحاب عبد الله بن ~~مسعود ومن خيرهم - قال: رأيت في المنام روضة خضراء فيها قباب مضروبة فيها ~~عمار، وقباب مضروبة فيها ذو الكلاع. فقلت: كيف هذا وقد اقتتلوا؟! فقيل: ~~وجدوا ربا واسع المغفرة. # 29 # وأطرق القاص حين بلغ هذا الموضع من حديثه إطراقة طويلة، حتى ظن سامعوه أنه ~~لن يقول شيئا فهموا أن يتفرقوا، ولكنه رفع إليهم رأسه وتلا عليهم قول الله ~~عز وجل: # ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم ~~في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون ~~. ثم قال بعد أن سكت سكتة ~~قصيرة: صدق الله وعده! لقد أورث هؤلاء المستضعفين أرضه، وأدال لهم ~~من قيصر وكسرى، # 276 # وجعلهم أئمة للناس ما عاشوا، حتى إذا اختارهم لجواره وآثرهم ~~بنعيمه جعل ذكرهم خالدا، وسيرتهم رضا، وحياتهم قدوة ms109 صالحة وأسوة حسنة، ~~فهم أئمة للمسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها. # سبتمبر سنة 1949 # بيراكافا - مولان ms110