######OpenITI# #META# URI: 1392TahaHusayn.Zadig.Hindawi13838386 #META# Tags: novels #META# ID: 13838386 #META# Title: زديج #META# AuthorID: 70507046 #META# Author: فولتير #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 59624258 #META# Translator: طه حسين #META# Related_books: 1192Voltaire.Zadig (TRANSL) #META#Header#End# # تقدمة‏ # 1 - الأعور‏ # 2 - الأنف‏ # 3 - الكلب والجواد‏ # 4 - الحسود‏ # 5 - الكريم‏ # 6 - الوزير‏ # 7 - الاستقبالات والخصومات‏ # 8 - الغيرة‏ # 9 - المرأة المضروبة‏ # 10 - الرق‏ # 11 - التحريق‏ # 12 - العشاء‏ # 13 - الموعد‏ # 14 - الرقص‏ # 15 - العيون الزرق‏ # 16 - قاطع الطريق‏ # 17 - الصائد‏ # 18 - الباسليك‏ # 19 - المبارزة‏ # 20 - الناسك‏ # 21 - الألغاز‏ # تقدمة‏ # 1 - الأعور‏ # 2 - الأنف‏ # 3 - الكلب والجواد‏ # 4 - الحسود‏ # 5 - الكريم‏ # 6 - الوزير‏ # 7 - الاستقبالات والخصومات‏ # 8 - الغيرة‏ # 9 - المرأة المضروبة‏ # 10 - الرق‏ # 11 - التحريق‏ # 12 - العشاء‏ # 13 - الموعد‏ # 14 - الرقص‏ # 15 - العيون الزرق‏ # 16 - قاطع الطريق‏ # 17 - الصائد‏ # 18 - الباسليك‏ # 19 - المبارزة‏ # 20 - الناسك‏ # 21 - الألغاز‏ # | زديج # | زديج # تأليف # فولتير # ترجمة # طه حسين # | تقدمة # هذه قصة من قصص فولتير التي عني فيها ببعض المشكلات الفلسفية العليا؛ التي شغلت الناس ~~دائما، وشغلت الفرنسيين بنوع خاص أثناء القرن الثامن عشر، وهي مسألة القضاء والقدر، ومكان ~~الإنسان وإرادته منهما. # وما أريد أن أتعمق قضية القضاء والقدر في نفسها، ولا أن أتعمقها بالقياس إلى الفلاسفة ~~والمثقفين الذين عاصروا فولتير، ولا أن أتعمقها بالقياس إلى فولتير نفسه، فنحن في فصل ~~الصيف، وهو فصل لا يحتمل مثل هذا البحث الذي يكلف الكاتب والقارئ من العناء ما يحتاج إلى ~~حياة رائقة شائقة، يستحب فيها النشاط، ولا يشق فيها الجهد الذهني. # وأنا بعد ذلك لم أفكر في تقديم هذه القصة إلى القراء في هذا الفصل الشديد إلا لأريح ~~الزملاء الذين يشاركون في تحرير هذه المجلة، والقراء الذين يتفضلون بقراءتها، من تكليف ~~أنفسهم عناء الجد في الكتابة، والجد في القراءة أثناء فصل القيظ، والراحة حق للكتاب كما ~~هي حق للقراء، ولكن الراحة ألوان وأشكال: فهناك الراحة التي يستمتع بها الإنسان حين ~~لا يعمل شيئا، وهي راحة بغيضة؛ لأنها عقيمة لا تنفع صاحبها ولا تنفع الناس، وهناك الراحة ~~التي يستمتع بها الإنسان حين يتجه من العمل إلى ما يمتعه ويمتع الناس دون أن يشق على نفسه ~~وعليهم، وهي هذه الراحة الخصبة التي يدل لفظها على معناها دلالة صادقة، والتي تعصم ms01 الإنسان ~~من الفراغ الفارغ الجدب الذي يميت القلوب، وهي الراحة التي تلائم المثقفين من الكتاب ~~والقراء جميعا. # فالرجل المثقف لا يبغض شيئا كما يبغض الفراغ الجدب العقيم، والراحة بالقياس إليه هي ~~الانتقال من عمل مجهد مضن إلى عمل يجمع بين التسلية والمتاع ، وإلى هذه الراحة قصدت حين ~~فكرت في أن أعفي محرري هذه المجلة من إنشاء بحوثهم المضنية، وقراءها من العكوف على تفهم ~~هذه البحوث، وفي أن أعفي القراء في الوقت نفسه من الفراغ الذي كانوا قد يضطرون إليه ~~ساعات من نهار أو أياما من شهر لو لم تقدم إليهم المجلة شيئا، وفي أن أترجم لهم آية ~~أدبية رائعة يجدون في قراءتها ما يرضي حاجتهم إلى التفكير، وحاجتهم إلى الراحة، وحاجتهم ~~إلى المتعة الأدبية الرفيعة في وقت واحد، وأنا أحد الألوف أو الملايين من الناس - إن ~~حسن ظننا بالناس - الذين يعجبون بآداب فولتير، وينتهي بهم الإعجاب إلى الفتنة في كثير ~~من الأحيان؛ لأن هذا الأدب لم يكتب له الخلود فحسب، وإنما كتب له الخلود والشباب ~~جميعا، أو قل كتب له الخلود والشباب وملاءمة الحياة الإنسانية على اختلاف العصور ~~والبيئات والأجيال، ولن أقيم الدليل على شيء من ذلك؛ فقد فرغ التاريخ الأدبي من إقامة ~~الدليل عليه، وهذه القصة نفسها ستدل عليه في وضوح وجلاء وإقناع، وما أظن القراء ~~يكلفونني أن أوثرهم بشيء لا أوثر به نفسي، أو أن أحتمل في سبيلهم من الجهد والمشقة ما لا ~~أحب أن أحتمله في سبيل نفسي. # وقد قرأت هذه القصة مرات توشك أن تبلغ عشرا، وأكبر الظن أني سأقرؤها وأقرؤها، وقد ~~وجدت فيها وسأجد فيها دائما متعة العقل والقلب والذوق، فإذا قدمتها إلى القراء فقد ~~آثرتهم بما أوثر به نفسي، ولم يظلمك من سوى بينك وبين نفسه. # وقد كتب فولتير هذه القصة حين كاد القرن الثامن عشر ينتصف سنة 1748، وتكلف فنونا من ~~الجهد والحيلة ليطبعها خارج فرنسا، ولينشرها في فرنسا بعد ذلك، وليستأنف طبعها في فرنسا، ~~ولولا ضيق الوقت، وأني في باريس مشغول بما يشغل ms02 به الإنسان حين يلم بباريس ليقيم فيها ~~وقتا قصيرا، وليرحل عنها بعد ذلك، لولا هذا لقصصت على القراء من جهد فولتير وحيلته في نشر ~~هذه القصة، ثم من جحوده إياها وتنصله منها؛ مخافة أن تجر عليه شرا ما فيه كثير من ~~الفكاهة والتسلية، ولكني أرجو أن أعود إلى هذا كله في وقت قريب. # وقد مر بفولتير طور من أطوار حياته الأدبية قرأ فيها ترجمة «ألف ليلة وليلة»، فشاقته ~~وراقته ووجهته إلى دراسة أمور الشرق، فغرق في هذه الدراسة إلى أذنيه، وأخرج للناس ~~قصصا شرقية بارعة كثيرة، منها هذه القصة، وأرجو أن يتاح لي أن أترجم لقراء العربية ~~طائفة من قصصه الشرقية الأخرى. # وبطل هذه القصة فتى من أهل بابل، يسميه فولتير «زديج» ونسميه نحن صادقا، وقد كدت ~~أضع صادقا مكان زديج في القصة كلها، ولكني آثرت أن أحتفظ لفولتير باسم بطله كما أراد هو أن ~~يكون، وهذا الفتى البابلي المثقف الممتاز قد اختلفت عليه الأحداث، وتعرض لكثير من المحن في ~~وطنه أولا، وفي الأوطان التي تغرب فيها بعد ذلك، في مصر وفي بلاد العرب وفي جزيرة سرنديب ~~وفي سوريا، وكانت هذه الأحداث والمحن كلها مخالفة لمنطق الأشياء وطبيعة الحياة كما يراها ~~الناس، فقد كان يكافأ بالشر على الخير دائما، وكان يستقبل ذلك بالحيرة والإذعان وبالصبر ~~والاحتمال؛ حتى كوفئ آخر الأمر بما يلائم ذكاءه ووفاءه وثقافته وبراعته وصبره واحتماله، ~~فأصبح ملكا على الدولة البابلية العظمى. # ففي القصة إذن عرض لمشكلة القضاء والقدر كما يتصورها الشرقيون، أو كما خيل لفولتير أن ~~الشرقيين يتصورونها، وفيها حل لهذه المشكلة على نحو ما تصوره الفلاسفة منذ أقدم العصور، وهو ~~هذا الحل الذي لا يحل شيئا، والذي يلخص في أن الإنسان أقصر عقلا وأكل ذهنا من ~~أن يفهم حكمة الخالق الذي أبدع العالم ووضع له ما يديره من القوانين، فما عليه إلا أن ~~يكد ويجد ويعمل الخير ما وسعه أن يعمل الخير، ويجتنب الشر ما أتيح له أن يجتنب ~~الشر، ولا عليه بعد ذلك أن تسره ms03 الأيام أو تسوءه، وأن تسخطه الأحداث أو ترضيه. # ولكن في القصة أشياء أخرى غير هذا العرض الفلسفي لمشكلة القضاء والقدر، هو الذي أتاح لها ~~الخلود، وهو نقد الحياة الإنسانية من ناحيتها السياسية والاجتماعية والخلقية، والنفوذ بهذا ~~النقد إلى صميم الطبيعة الإنسانية، وما ينشأ عن احتمالها للحياة وتصرفها فيها من الخطوب، ~~وواضح جدا أن فولتير قد اتخذ قصته هذه كلها وسيلة إلى نقد الحياة الأوروبية عامة، ~~والحياة الفرنسية خاصة، واتخذ مدينة بابل رمزا لمدينة باريس، وقصر بابل رمزا لقصر ~~باريس؛ ومن أجل هذا أشفق من نسبة هذه القصة إليه، ومن أجل هذا فتن الفرنسيون بهذه القصة ~~في عصر فولتير، وما زالوا يفتنون بها إلى الآن، ومن أجل هذا أعتقد أن قراء العربية ~~سيجدون في قراءة هذه القصة ما يلائم حاجتهم إلى نقد الحياة الإنسانية من ناحية السياسة ~~والاقتصاد والاجتماع، فليقرءوا، وليتفكروا، وليتذكروا، وليستريحوا إلى القراءة والتفكر ~~والتذكر، ثم لينتفعوا بعد ذلك بما يقرءون وما يتفكرون وما يتذكرون. # طه حسين # باريس، يونيو 1947 # الفصل الأول # | الأعور # كان يعيش في بابل أثناء حكم الملك مؤبدار فتى يسمى «زديج»، وقد فطر على طبع كريم ~~زادته التربية كرما، كان غنيا، وكان في ريعان الشباب، ولكنه كان على ذلك يعرف كيف يكبح ~~جماح شهواته؛ لم يكن يتكلف، ولم يكن يحرص على أن تكون له الكلمة الأخيرة دائما، وكان ~~يعرف كيف يقدر ضعف الناس، وكان الناس من حوله يدهشون لأنهم لم يروه قط - على ما كان يمتاز ~~به من الذكاء - يهزأ بهذه الجمل الغامضة المتنافرة الصاخبة، ولا بهذه الغيبة الجريئة، ولا ~~بهذه القرارات الجاهلة، ولا بهذه السخافات الفجة، ولا بهذا الضجيج الباطل، مما كان أهل بابل ~~يسمونه حديثا، وكان قد تعلم من الكتاب الأول من آثار زرادوشت أن الاعتداد بالنفس كرة ~~نفختها الريح، فأيسر ثقب فيها يخرج منها زوابع، وكان من أخص صفات زديج أنه لم يكن يفاخر ~~بازدراء النساء أو اختلابهن، وكان كريما لا يكره أن يحسن إلى الجاحدين، يتبع في ذلك هذه ~~الحكمة البالغة من ms04 حكم زرادوشت: «إذا أكلت فأطعم الكلاب، وإن أغراها ذلك بعضك.» # كان حكيما كأحسن ما يكون الحكيم؛ لأنه كان حريصا على معاشرة الحكماء؛ عرف علم القدماء ~~من الكلدانيين، فلم يكن يجهل أصول الطبيعة التي كانت تعرف في ذلك الوقت، وكان يعرف مما ~~بعد الطبيعة ما عرف الناس في كل عصر، أي قليلا من الأشياء، وكان مقتنعا كل الاقتناع ~~بأن العام يشتمل على خمسة وستين وثلاث مائة يوم وربع يوم، على رغم الفلسفة الجديدة في ~~عصره، وبأن الشمس هي مركز الكون، وكان يؤثر الصمت في غير غضب ولا ازدراء، إذا قال له ~~كبار الكهنة إنه سيئ العقيدة، وإن من الخروج على الدولة أن يعتقد الإنسان أن الشمس تدور ~~حول نفسها، وأن العام يأتلف من اثني عشر شهرا. # وقد اعتقد زديج أنه من الممكن أن يكون سعيدا، فقد كان يملك ثروة ضخمة، وكان له من أجل ~~ذلك أصدقاء كثيرون، وكان جيد الصحة، رائق الوجه، مستقيم العقل، معتدل المزاج، له قلب ~~مخلص نبيل، وكان يزمع التزوج من سمير التي كانت تمتاز من فتيات بابل جميعا بمولدها وجمالها ~~وثروتها، وكان يعطفه عليها ميل نقي متين، وكانت هي تحبه حبا عنيفا، وكانا يدنوان من ~~اللحظة السعيدة التي كانت ستجمع بينهما، ولكنهما ذات يوم كانا يتنزها معا عند باب من أبواب ~~بابل في ظلال النخيل التي تزين شاطئ الفرات، وإذا هما يريان رجالا يقبلون عليهما ~~مسلحين بالسيوف والسهام، وكانوا نفرا من أتباع الفتى أوركان قريب أحد الوزراء، الذي خيل ~~إليه متملقو قريبه الوزير أن كل شيء مباح له، ولم يكن على شيء من ظرف زديج أو خلقه، ولكنه ~~كان يرى نفسه خيرا منه، وكان مغيظا محنقا؛ لأنه لم يكن آثر عند الناس من زديج، وقد ~~خيلت إليه هذه الغيرة التي لم تأته إلا من الغرور أنه يحب سمير، وقد اختطفها أتباعه ~~وكانوا من العنف بحيث آذوها ببعض الجراحات، وأسالوا بذلك دم حسناء كان منظرها وحده خليقا ~~أن يشيع الحنان في أنمار جبل إيمايوس، وكانت تشق السماء بصيحات ms05 الشكاة، وكانت تدعو: «أي ~~زوجي العزيز، إني أنتزع انتزاعا من أحب الناس إلي.» # لم يكن يشغلها ما كانت تتعرض له من الخطر؛ لأنها لم تكن تفكر إلا في زديج العزيز، وقد ~~دافع عنها زديج بما تتيح الشجاعة والحب من قوة ونجدة، ولم يكن يعينه إلا عبدان من رقيقه، ~~وقد هزم المغيرين مع ذلك، ورد سمير إلى دارها دامية مغشيا عليها، فلما أفاقت وفتحت ~~عينيها رأت محررها، فقالت له: «أي زديج، لقد كنت أحبك حب الزوج، فأما الآن فإني أحبك ~~كما أحب من أنا مدينة له بالشرف والحياة.» ولم ير الناس قط قلبا أشد تأثرا من قلب سمير، ~~ولا رأى الناس قط فما أشد سحرا يعرب عن شعور ساحر بألفاظ من نار يمليها الاعتراف ~~بالجميل والاندفاع في الحب الذي يملؤه الحنان من فمها، وكان جرحها يسيرا فبرئت منه في وقت ~~قصير، أما جرح زديج فكان أشد خطرا، أصابه سهم قريبا من إحدى عينيه فأحدث جرحا عميقا، ~~ولم تكن سمير تطلب إلى الآلهة إلا شفاء عشيقها، وكانت عيناها غارقتين في الدموع آناء ~~الليل وأثناء النهار، وكانت تنتظر الوقت الذي تستطيع فيه عينا زديج أن تستمتعا بتلقي لحظها، ~~ولكن دملا ظهر في العين الجريحة فأنذر بخطر عظيم، فذهب الرسل وأبعدوا حتى وصلوا إلى ~~منفيس يدعون الطبيب العظيم هرميس الذي أقبل تحف به حاشية ضخمة، وقد فحص المريض ثم أعلن ~~أنه سيفقد عينه. # وتنبأ حتى باليوم والساعة اللذين ستقع فيهما هذه الكارثة قائلا: «لو قد أصاب الجرح عينه ~~اليمنى لأبرأته، أما جراحات العين اليسرى فليس لها شفاء.» وقد رثت بابل كلها لزديج، ~~وأعجبت مع ذلك بما امتاز به هرميس من علم عميق، ولم يمض يومان حتى انفجر الدمل من تلقاء ~~نفسه وبرئ زديج برءا تاما؛ هنالك ألف هرميس كتابا أثبت فيه أنه لم يكن من حق زديج أن ~~يظفر بالشفاء، ولم يقرأ زديج هذا الكتاب، ولكنه لم يكد يستطيع الخروج من داره حتى تهيأ ~~لزيارة تلك التي كانت معقد أمله في السعادة، والتي كان ms06 حريصا من أجلها وحدها على أن تكون ~~له عينان، وكانت سمير قد ذهبت إلى الريف منذ ثلاثة أيام، وقد عرف زديج في طريقه إليها أن ~~هذه الحسناء لم تكد تعلم أن حبيبها قد يفقد إحدى عينيه حتى أعلنت أنها لا تطيق العور، ~~وتزوجت أوركان من ليلتها تلك، فلما نمى إليه هذا الخبر خر مغشيا عليه، وانتهى به ~~الألم إلى حافة القبر، وقد طالت علته، ولكن العقل تغلب على الحزن، بل وجد شيئا من العزاء ~~في قسوة ما عانى من الآلام. # ثم قال لنفسه: «أما وقد لقيت هذا الجموح القاسي من هذه الفتاة التي نشأت في القصر، ~~فسأتخذ لي زوجا من بيئات الشعب.» فاختار أزورا، وهي أحكم بنات المدينة وأحسنهن مولدا، ~~فاقترن بها وعاش معها شهرا ملؤه العطف والحنان، ولكنه لاحظ فيها شيئا من خفة، وميلا ~~شديدا إلى اعتقاد أن أعظم الشبان حظا من الجمال هم أصحاب الحظ العظيم من الفضيلة ~~والذكاء. # الفصل الثاني # | الأنف # وذات يوم أقبلت أزورا من نزهتها غاضبة ثائرة صاخبة، قال لها: «ما بك يا زوجي العزيزة؟ وما ~~عسى أن يخرجك من طورك إلى هذا الحد؟» قالت: «وا حسرتاه! لو رأيت المنظر الذي رأيته لهاجك ما ~~يهيجني من الغضب؛ لقد ذهبت أعزي الأرملة الشابة خسرو التي أقامت منذ يومين اثنين قبرا ~~لزوجها الشاب، وقد عاهدت الآلهة أثناء حزنها على أن تقيم على هذا القبر ما جرى ماء هذا ~~الجدول قريبا منه.» قال زديج: «هذه امرأة كريمة، قد أحبت زوجها حقا.» قالت أزورا: «آه لو ~~عرفت ما كان يشغلها حين زرتها!» «ماذا كان يشغلها أي أزورا الحسناء؟» «كانت تحول الجدول ~~من مجراه.» ثم اندفعت في لوم طويل وهجاء عنيف حتى ضاق زديج بهذه الفضيلة المتكلفة. # وكان له صديق اسمه كادور، وكان من بين هؤلاء الشبان الذين كانت أزورا تؤثرهم لأنهم على ~~حظ عظيم من الأمانة والكفاية، فأظهره على جلية أمره، واستوثق من وفائه بما أهدى إليه من ~~هدايا قيمة، ومضت أزورا لتنفق عند إحدى صديقاتها في الريف يومين، ms07 ثم عادت في اليوم الثالث ~~إلى دارها، وهنالك أعلن إليها الخدم وهم ينتحبون أن زوجها قد مات فجأة من ليلته تلك، وأنهم ~~لم يجرءوا على أن يحملوا إليها نبأ الفاجعة حين كانت تستجم، وأنهم قد فرغوا الآن من دفن ~~زديج في قبر أسرته هناك في طرف الحديقة، فأجهشت بالبكاء وانتزعت شعرها، وأقسمت لتقضين على ~~نفسها بالموت، فلما كان المساء استأذنها كادور في أن يتحدث إليها فبكيا معا، فلما ~~كان الغد بكيا أقل مما بكيا أمس، وجلسا معا إلى الغداء، وأسر إليها كادور أن صديقه ~~أوصى إليه بمعظم ثروته، ثم لمح لها بأنه يرى السعادة في أن يقاسمها ثروته، هنالك بكت ~~السيدة ثم غضبت، ثم لانت، وكان العشاء أطول من الغداء، وكان الحديث أدنى إلى الثقة، وأثنت ~~أزورا على الفقيد، ولكنها اعترفت بأنه لم يخل من بعض العيوب التي برئ منها كادور. # وفي أثناء العشاء شكا كادور ألما عنيفا في الطحال، فقلقت السيدة واهتمت، وأحضرت كل ما ~~كان عندها من طيب؛ لعلها تجد من بينه ما يكون فيه شفاء للطحال، وأسفت أشد الأسف لأن هرمس ~~العظيم لم يطل الإقامة في بابل، بل تفضلت فلمست موضع الألم من جسم كادور، قالت له في عطف: ~~«أعرضة أنت لهذا الألم؟» قال كادور: «إنه ألم يدنيني غالبا من القبر، وليس له فيما علمت ~~إلا دواء واحد يستطيع أن يرفه علي، وهو أن يوضع على جنبي أنف رجل مات من أمسه.» قالت ~~أزورا: «يا له من دواء غريب.» قال كادور: «ليس أغرب من تمائم السيد أرنو # 1 # التي يعالج بها الفالج.» وكان هذا الرد مضافا إلى كفاية هذا الفتى مقنعا ~~آخر الأمر للسيدة. قالت: «وأخيرا إذا عبر زوجي من حياة أمس إلى حياة غد على جسر تشينافار ~~فلن يرده الملك عزرائيل عن العبور؛ لأن أنفه أقصر قليلا في حياته الثانية منه في حياته ~~الأولى.» # ثم أخذت موسى ومضت إلى قبر زوجها فسقته بدمعها، ثم دنت تريد أن تجدع أنف زديج الذي رأته ~~مستلقيا في قبره، هنالك ms08 ينهض زديج حاميا أنفه بإحدى يديه رادا الموسى باليد الأخرى ~~قائلا: «سيدتي، لا تلومي الأرملة خسرو، فالتفكير في جدع أنفي كالتفكير في تحويل الجدول عن ~~مجراه.» # الفصل الثالث # | الكلب والجواد # وقد تبين زديج - كما هو مقرر في كتاب زند - أن الشهر الأول من شهور الزواج هو شهر ~~العسل، وأن الشهر الثاني هو شهر الشيح، ثم اضطر بعد قليل إلى أن يطلق أزورا التي أصبحت ~~بغيضة العشرة، وطلب السعادة في درس الطبيعة، وكان يقول: «ليس أسعد من رجل فيلسوف يقرأ في ~~هذا الكتاب العظيم الذي نشره الله أمام أعيننا، وهو الطبيعة؛ فالحقائق التي يستكشفها ~~القارئ خالصة له، يغذو بها نفسه ويرفعها، ويعيش هادئا مطمئنا، لا يخاف من الناس ~~شيئا، ولا يتعرض لأن تدنو منه زوجه الرفيقة به لتجدع أنفه.» # وقد امتلأ بهذه الخواطر، واعتزل في دار ريفية على شاطئ الفرات، وفي هذه الدار لم يكن يشغل ~~نفسه بحساب ما يجري تحت أقواس الجسور من الماء، ولا ما يسقط من خط مكعب من المطر في شهر ~~الفأر أو في شهر الشاة، ولم يكن يتخيل أن يتخذ الحرير من نسج العنكبوت أو الخزف من حطام ~~القوارير، ولكنه درس في عناية خصائص الحيوان والنبات، ولم يلبث أن انتهى إلى مقدار من ~~الفطنة أظهره على ألف من الفروق بين أشياء لم يكن الناس يرون بينها إلا تشابها. # وذات يوم كان يمشي قريبا من غابة صغيرة، فرأى خصيا من خصيان الملكة يسرع إليه، ومن ~~ورائه جماعة من الضباط يظهر عليهم قلق شديد، ويعدون هنا وهناك كأنهم قوم حائرون يبحثون عن ~~شيء عظيم الخطر قد فقدوه، قال الخصي الأول: «ألم تر كلب الملكة يا فتى؟» قال زديج في ~~تواضع: «إنما هي كلبة لا كلب.» أجاب الخصي الأول: «صدقت.» أضاف زديج: «إنها كلبة صغيرة ~~جدا، وقد ولدت منذ وقت قصير، وهي تظلع برجلها الأمامية اليسرى، ولها أذنان مسرفتان في ~~الطول.» قال الخصي الأول مجهدا: «فقد رأيتها إذن؟» أجاب زديج: «لا، لم أرها قط، ولم أعلم ~~قط أن للملكة ms09 كلبة.» # وفي الوقت نفسه بالضبط على نحو ما تجري عليه المصادفات الغريبة أفلت أجمل خيل الملك من يد ~~سائسه، وهام في سهل بابل، وأقبل كبير الساسة ومن ورائه أصحابه يبحث عن هذا الجواد في لهفة ~~تشبه لهفة الباحثين عن الكلبة، واتجه كبير الساسة إلى زديج يسأله: «أرأيت جواد الملك؟» قال ~~زديج: «إنه أحسن الجياد ركضا، إنه يرتفع في الجو خمسة أقدام، وإن حذاءه صغير جدا، وله ~~ذيل طوله ثلاثة أقدام ونصف قدم، وشكائم لجامه من ذهب معياره ثلاثة وعشرون قيراطا، وسنابكه ~~من فضة معياره أحد عشر دانقا.» قال كبير الساسة: «أي طريق سلك؟ وأين يكون؟» قال زديج: «لم ~~أره ولا سمعت به قط.» # فلم يشك كبير الساسة ولا الخصي الأول في أن زديج قد سرق جواد الملك وكلبة الملكة، ~~فقاداه أمام جماعة القضاة الذين قضوا عليه بالجلد، وبأن ينفق ما بقي من حياته في سيبريا، ~~ولم يكد الحكم يصدر حتى وجد الباحثون الجواد والكلبة، واضطر القضاة في ألم إلى أن يغيروا ~~حكمهم، ولكنهم قضوا على زديج بغرامة قدرها أربعمائة مثقال من الذهب لإنكاره رؤية ما ~~رأى. # ولم يكن بد من أداء الغرامة أولا، ثم يؤذن له بعد ذلك بالدفاع عن نفسه أمام القضاة، ~~وقد دافع عن نفسه قائلا: «يا نجوم العدل، ويا كهوف المعرفة، ويا مرايا الحقائق. أنتم الذين ~~لهم ثقل الرصاص، وصلابة الحديد، وإشراق الماس، وكثير من خصال الذهب. أما وقد أذن لي ~~بالحديث أمام هذه الجماعة الجليلة، فإني أقسم بأورزماد ما رأيت قط الكلبة المحترمة التي ~~فقدتها الملكة، ولا الجواد المقدس الذي فقده ملك الملوك، وإليكم ما عرض لي: لقد كنت أتنزه ~~قريبا من الغابة الصغيرة حين رأيت الخصي الجليل والسائس العظيم البعيد الصوت، فرأيت على ~~الرمل أثر حيوان، فتفرست في يسر أنها آثار كلب صغير، ورأيت خطوطا خفافا طوالا قد طبعت ~~على مرتفعات صغار بين آثار الأرجل، فعرفت أنها كلبة قد حفلت أطباؤها فتدلت، وأنها لذلك قد ~~ولدت منذ أيام، ورأيت آثارا في اتجاه آخر مجاورة لآثار ms10 الرجلين الأماميتين، فعرفت أن ~~للكلبة أذنين مسرفتين في الطول، ولاحظت أن الرمل أقل تأثرا بإحدى الأرجل منه بالثلاث ~~الأخرى، فتبينت أن كلبة ملكتنا الجليلة عرجاء شيئا ما إن أذن لي في أن أتحدث على هذا ~~النحو. # أما جواد ملك الملوك، فقد كنت أسعى في طرق هذه الغابة، فرأيت آثار السنابك لجواد، ~~ورأيتها كلها تقع على مسافات متساوية، فقلت لنفسي هذا فرس كامل الركض، وكان تراب الشجر في ~~طريق عرضها سبعة أقدام؛ قد زال عن يمين وشمال في ارتفاع قدره ثلاثة أقدام ونصف قدم، فقلت ~~لنفسي: «إن لهذا الفرس ذيلا بهذا الطول قد أزال بخطواته التراب عن هذه الأشجار.» ورأيت ~~تحت الشجر الذي يمد من أغصانه مهدا يرتفع خمسة أقدام ورقا حديث عهد بالسقوط، فعرفت أن ~~هذا الجواد قد مس الغصون، وأن ارتفاعه خمسة أقدام، أما شكيمته فيجب أن تكون من ذهب ~~معياره ثلاثة وعشرون قيراطا؛ لأنه حك بها حجرا يقاس به الذهب وقد جربته، ثم عرفت آخر ~~الأمر من آثار سنابكه على حجر من نوع آخر أن هذه السنابك من فضة معيارها أحد عشر ~~دانقا.» # وقد أعجب القضاة جميعا بدقة زديج وفطنته، وارتفع أمر هذه القصة إلى الملك والملكة، ~~فلم يكن للناس حديث في القصر إلا زديج، ومع أن جماعة من الكهنة قد أشاروا بتحريقه ~~لأنه ساحر، فقد أمر الملك أن ترد إليه غرامة أربعمائة المثقال من الذهب التي فرضت ~~عليه، وقد أقبل الكتاب والحجاب والنواب إلى داره في موكب عظيم، يحملون إليه المثاقيل ~~أربع المائة، ولم يحتجزوا منها إلا ثلاثمائة وثمانية وتسعين مثقالا على أنها نفقات ~~القضاء، وطلب خدامهم بعض العطاء. # وقد رأى زديج إلى أي خطر يتعرض الإنسان حين يكون واسع العلم، وعاهد نفسه على ألا يقول ~~ما يرى حين تسنح له أول فرصة. # وقد سنحت هذه الفرصة بعد وقت قصير، فقد هرب سجين من سجن الدولة ومر من تحت نافذته؛ ~~فلما سئل زديج أجاب بأنه لم ير شيئا، ولكن الحجة أقيمت عليه أنه كان ينظر من نافذته، ms11 ~~وقضي عليه بغرامة قدرها خمسمائة مثقال من ذهب، وشكر هو قضاته لأنهم رفقوا به، كما جرت ~~العادة في بابل أن يرفع المحكوم عليهم شكرهم إلى القضاة. قال زديج لنفسه: «يا لله! إن ~~الإنسان لخليق بالرثاء حين يتنزه في غابة مرت بها كلبة الملكة وجواد الملك، وإنه لخطر أن ~~ينظر الإنسان من نافذته، وإنه لعسير أن يسعد الإنسان في هذه الحياة.» # الفصل الرابع # | الحسود # أراد زديج أن يتعزى بالفلسفة والصداقة عما جر الحظ عليه من الآلام، وكانت له في ضاحية ~~من ضواحي بابل دار أنيقة قد زينت في ذوق، جمع فيها ألوان الفنون وضروب اللذات التي تليق ~~بالمثقف الكريم، فكانت خزانة كتبه مفتوحة في الصباح للعلماء جميعا، وكانت مائدته في ~~المساء ممدودة لكرام الرفاق، ولكنه لم يلبث أن تبين أن خطر العلماء شديد، فقد أثيرت ~~خصومة عنيفة حول قانون من قوانين زرادوشت كان يحظر أكل العنقاء. # قال بعضهم: «كيف يحرم أكل العنقاء مع أنها غير موجودة؟» وقال بعضهم: «يجب أن تكون ~~موجودة ما دام زرادوشت قد حرم أكلها.» وقد أراد زديج أن يوفق بين المختصمين فقال: «إذا ~~وجدت العنقاء فلنتجنب أكلها، وإذا لم توجد فليس إلى أكلها سبيل، وكذلك نطيع جميعا أمر ~~زرادوشت.» # وكان هناك عالم قد ألف كتابا من ثلاثة عشر مجلدا في خصائص العنقاء، وكان فوق ذلك من ~~كبار أصحاب الكرامات، فأسرع إلى عظيم من الكهنة يسمى بيبور، وكان أشد الكهنة حمقا، ~~وأشدهم من أجل ذلك تعصبا، فاتهم أمامه زديج، وكان هذا الكاهن خليقا أن يذيق زديج عذاب ~~الهون تمجيدا للشمس، وأن يتلو في أثناء ذلك كتاب زرادوشت راضي القلب مطمئن الضمير، ولكن ~~الصديق كادور - وصديق واحد خير من مائة قسيس - زار بيبور الشيخ وقال له: «لتحي الشمس، ~~ولتحي العنقاء! احذر أن تعاقب زديج فهو قديس، يملك في داره ضروبا من العنقاء، ولكنه لا ~~يأكل منها، وخصمه الذي يتهمه صاحب بدعة يزعم أن للأرنب رجلا مشقوقة، وأنها ليست حيوانا ~~نجسا.» قال بيبور وهو يهز رأسه الأصلع: «هذا حسن، فلنعذب ms12 زديج لأنه ذكر العنقاء بالسوء، ~~ولنعذب خصمه لسوء رأيه في الأرنب.» وقد استطاع كادور أن يصلح الأمر بواسطة غانية من غواني ~~الشرف، كان قد أولدها ولدا، وكانت لها مكانة ممتازة عند جماعة الكهنة، ولم يعذب أحد، فجمجم ~~لذلك بعض العلماء، وتنبئوا بسقوط بابل، وصاح زديج: «ما قوام السعادة؟ كل شيء في هذا ~~العالم يضطهدني حتى الكائنات التي لا توجد.» ومقت العلماء وأزمع ألا يحيا إلا مع أصدقاء ~~لذته. # ثم جعل يجمع في داره أشرف الرجال وأجمل النساء من أهل بابل، وكان يولم لهم ولائم ~~أنيقة، ويقوم بين يديها بفنون من الموسيقى، وضروب من الأحاديث العذاب التي حرص على أن تبرأ ~~من تكلف النكتة؛ لأن هذا التكلف هو أقرب الطرق إلى إفساد الذوق وإفساد الصلات بين الناس، ~~ولم يكن للغرور أثر في تخير الأصدقاء ولا في تخير أصناف الطعام؛ لأنه يؤثر الحقائق على ~~المظاهر، فيظفر من الإكبار والتقدير بما لم يكن يريد. # وكان يقيم في دار أمام داره أريماز، رجل كان منظره البشع يصور سوء سريرته، كان الحسد ~~يأكل قلبه والكبر ينفخ جسمه، وكان على ذلك مملا لكثرة تكلفه في الحديث، لم يتح له ~~النجاح قط، فكان يتعزى عن ذلك بالغيبة، وكان على ثرائه يجد أشق الجهد في أن يجمع حوله ~~المتملقين، وكانت ضوضاء العربات التي تدخل دار زديج كل مساء تؤذيه، وكان الثناء على زديج ~~يزيده حنقا إلى حنق، وكان يلم بدار زديج أحيانا، ويجلس إلى المائدة دون أن يدعى إليها، ~~فكان يفسد بمحضره بهجة الجماعة، كما يقال عن بعض الطير البغيضة: إنها تفسد ما تمس من ~~الطعام، وقد هم ذات يوم أن يولم تكريما لإحدى السيدات، ولكنه بدا له فلم يستقبلها، ~~وتناول العشاء عند زديج، وكان مرة أخرى يتحدث إلى زديج في القصر وهما يسعيان، فلقيهما أحد ~~الوزراء، وإذا هذا الوزير يدعو زديج إلى طعامه دون أن يدعو صاحبه، وأشد أنواع العداوة لا ~~يعتمد غالبا على أسباب أعظم خطرا من هذه الأسباب التافهة. # وقد أزمع هذا الرجل الذي كان ms13 يعرف في بابل كلها بالحسود أن يهلك زديج؛ لأن الناس كانوا ~~يلقبونه بالسعيد، وفرص الإساءة تسنح مائة مرة في اليوم على حين لا تسنح فرصة الإحسان إلا ~~مرة واحدة في العام كما يقول زرادوشت. # وقد زار الحسود ذات يوم زديج، فلقيه يتنزه في الحديقة مع صديقين وسيدة حسناء كان يوجه ~~إليها بين حين وحين بعض الغزل، لا يريد به أكثر من قوله، وكان الحديث يدور حول حرب انتصر ~~فيها الملك على أمير من عماله في أركانيا، وكان زديج قد أشاد بشجاعة الملك، وجعل يثني ~~عليه ويثني على هذه السيدة، وقد أخذ لويحة وكتب عليها أبياتا أربعة دفعها إلى السيدة ~~لتقرأها، فطلب إليه أصدقاؤه أن ينشدهم إياها، فمنعه من ذلك التواضع أو شيء من الاعتداد ~~بالنفس، كما يكون عند الرجل الكريم، وكان يعلم أن الشعر المرتجل لا يلائم إلا من وجه ~~إليه من الناس، فحطم لويحته التي كتب فيها هذه الأبيات شطرين، وألقاهما بين جماعة من الورد، ~~ثم طال البحث عنهما في غير غناء، وقد تلبث الحسود في الحديقة بعد انصراف الجماعة، وألح في ~~البحث حتى وجد شطرا من شطري اللويحة، وكانت اللويحة قد حطمت بحيث أصبح كل شطر من أشطر ~~الأبيات مستقلا يدل على معنى خاص، وأرادت المصادفة الغريبة أن تدل هذه الأبيات ~~المشطورة القصار على معنى يصور أبشع هجاء للملك، فقد كان يقرأ فيها: # بأقبح جريمة # ثبت على العرش # من هو في السلم العام # عدو وحيد. # وقد سعد الحسود لأول مرة في حياته، فبين يديه ما يمكنه من أن يهلك رجلا خيرا محببا ~~إلى النفوس، وقد ملأته هذه السعادة القاسية، فأوصل إلى الملك هذا الهجاء الذي خطته يد زديج، ~~وإذا زديج يلقى في السجن ومعه السيدة وصديقاه، ثم نظرت قضيته على عجل دون أن يؤذن له ~~بالدفاع عن نفسه، فلما أحضر ليسمع الحكم عليه مر في طريقه بالحسود الذي قال له إن ~~شعره سخيف لا قيمة له، ولم يكن زديج يزعم أنه شاعر مجيد، ولكنه كان غارقا في اليأس ms14 لأخذه ~~بجريمة هجاء الملك، ولأنه يرى سيدة وصديقين يظلون في السجون مع أنهم لم يقترفوا إثما، ولكن ~~كذلك كانت قوانين بابل، وقد سيق إلى العذاب، فجعل يسلك طريقه بين جماعة من المستطلعين لا ~~يستطيع أحد منهم أن يظهر رثاء له أو عطفا عليه، وإنما كانوا يسرعون إليه لينظروا في وجهه ~~وليتبينوا أيستقبل الموت مبتسما له مرتاحا إليه، وكانت أسرته وحدها حزينة؛ لأنه لم يترك ~~لها ميراثا، إذ كانت ثلاثة أرباع ثروته مصادرة لخزانة الملك، وربعها مصادرا مكافأة ~~للحسود. # وبينما كان زديج يتهيأ للقاء الموت طارت ببغاء الملك من إحدى شرفات القصر إلى حديقة زديج، ~~فوقعت على جماعة من الورد، وهناك كانت خوخة قد سقطت من إحدى الأشجار، فأصابت قطعة من لويحة ~~من لويحات الكتابة فلصقت بها، واحتملت الببغاء الخوخة وما لصق بها، ومضت حتى وضعت ذلك في ~~حجر الملك، وكان الملك طلعة، فقرأه في هذه القطعة من اللويحة كلمات لا تدل على شيء، ولكنها ~~تشبه أن تكون قوافي لبعض الشعر وكان يحب الشعر، وللملوك الذين يحبون الشعر حظ من سعة ~~الحيلة، فدعته مغامرة ببغائه إلى التفكير، وكانت الملكة تذكر ما كتب على القطعة التي حملها ~~حاسد زديج فأمرت بإحضارها، فعورضت القطعتان وتبين أنهما تتفقان اتفاقا تاما، وهنالك قرئت ~~الأبيات كما كتبها زديج فإذا هي كما يأتي: # لقد رأيت الأرض تملؤها اضطرابا أعظم الجرائم # وقد ثبت الملك على العرش قادرا على ضبط كل شيء # وإذا وسعت السلم كافة الناس، فالحب وحده هو الذي يثير الحرب # وهو العدو الوحيد الذي يجب أن يخاف. # وما هي إلا أن يأمر الملك بإحضار زديج ليمثل بين يديه، وبأن يخرج من السجن صاحباه ~~والسيدة الجميلة، فلما مثل زديج بين يدي الملك والملكة قبل الأرض بين أيديهما، وتوسل ~~إليهما أن يغفرا له لهذه الأبيات الرديئة التي اقترفها، وقد تحدث في ظرف ولباقة وذكاء، فرغب ~~الملك والملكة في أن يرياه، وقد عاد فازداد إعجابهما به، وقد أهديت إليه ثروة الحسود الذي ~~كاد له بغير الحق، ولكن زديج رد ms15 هذه الثروة إلى الحسود الذي لم يتأثر إلا بأن ثروته قد ~~ردت إليه، وقد جعل رضا الملك عن زديج يزداد من يوم إلى يوم؛ فكان يحضره كل لذاته ويشاوره ~~في كل أعماله، وجعلت الملكة منذ ذلك الوقت تنظر إليه في شيء من العطف كان خليقا أن يصبح ~~خطرا عليها وعلى زوجها الملك العظيم وعلى زديج وعلى الدولة كلها، وجعل زديج يظن أن ليس من ~~العسير أن يكون الإنسان سعيدا. # الفصل الخامس # | الكريم # وقد أقبل العيد الذي كان يقام في بابل كل خمسة أعوام، وكانت العادة قد جرت بأن يعلن في ~~بابل كل خمس سنين اسم الرجل الذي أتى عملا يدل على الكرم والفضل، وكان العظماء والكهان هم ~~القضاة، وكان محافظ المدينة يعرض أمام القضاة أحسن ما أبلى الناس من بلاء أثناء ولايته ~~للحكم، ثم يتداول القضاة وينطق الملك بالحكم، وكان الناس يأتون إلى هذا الحفل من أقصى ~~الأرض، وكان الفائز يتلقى من يد الملك كأسا من الذهب الخالص مرصعة بنفيس الجوهر، ~~ويسمع من الملك هذه الكلمات: «تقبل جائزة الكرم هذه، وليكثر الله بين رعيتي من ~~أمثالك.» # فلما كان يوم العيد ظهر الملك على عرشه يحف به وجوه الدولة وكهانها ونواب الأقاليم ~~الذين أقبلوا يشهدون هذا اليوم الذي لا يكتسب فيه المجد بسباق الخيل ولا باصطراع المصطرعين، ~~وإنما يكتسب بالاستباق إلى الفضيلة والتنافس في الخير، وقد عرض محافظ المدينة بصوت جهوري ~~الأعمال النبيلة التي تؤهل أصحابها لهذه الجائزة السامية، فلم يذكر كبر النفس الذي أتاح ~~لزديج أن يرد على الحسود ثروته، فلم يكن هذا العمل من الأعمال التي تهيئ صاحبها للاشتراك ~~في هذه المسابقة. # وإنما قدم أول الأمر اسم قاض دفع في بعض القضايا إلى خطأ لم يكن مسئولا عنه، فنزل عن ~~ثروته كلها للخصم الذي خسر قضيته بهذا الخطأ، وكانت ثروة القاضي تعدل ما خسر الخصم. # ثم قدم بعد ذلك اسم فتى كان يحب فتاة أشد الحب ويريد أن يتخذها له زوجا، ولكنه علم أن ~~لها محبا يكاد يهلكه الحب ms16 فنزل له عنها، ثم لم يكتف بهذه المكرمة، وإنما أدى المهر من ~~ماله الخاص. # ثم قدم بعد ذلك اسم جندي أبلى في حرب هيركانيا بلاء حسنا، يتضاءل بالقياس إليه بلاء ~~سابقيه، فقد اختطف جنديان من جيش العدو خليلته، وكان يدافع عنها ليستردها منهما، وإذا النبأ ~~يصل إليه بأن جنودا آخرين من جيش العدو يريدون أن يختطفوا أمه غير بعيد منه، فترك خليلته ~~باكيا، وأسرع فاستنقذ أمه، ثم عاد إلى خليلته فوجدها تحتضر، فهم أن يقتل نفسه حزنا، ~~ولكن أمه بينت له أنه وحيدها وليس لها عائل غيره، فكان له من الشجاعة ما أعانه على احتمال ~~الحياة في سبيل أمه. # وكان القضاة يميلون إلى هذا الجندي، ولكن الملك قال: «إن بلاءه وبلاء من سبقه حسن، ولكنه ~~لا يدهشني، أما زديج فقد أبلى أمس بلاء راعني، فقد غضبت منذ أيام على وزيري وعلى أثيري ~~كوريب، وكنت ألومه في عنف شديد، وكانت الحاشية كلها تؤكد لي أني كنت به رفيقا، وكانوا ~~جميعا يستبقون أيهم يكون أشد إساءة في القول إلى كوريب، فسألت زديج عن رأيه فيه، فإذا هو ~~يجترئ فيثني عليه، وأعترف أني قرأت في تاريخنا أن الناس كثيرا ما أصلحوا خطأهم بإنفاق ~~أموالهم كلها، وأنهم كثيرا ما نزلوا عن خليلاتهم وآثروا أمهاتهم على عشيقاتهم، ولكني لم ~~أقرأ قط أن رجلا من أهل القصر استطاع أن يثني على وزير مقال قد غضب عليه ملكه غضبا ~~شديدا، وإني أمنح كل واحد من هؤلاء الأبطال عشرين ألف دينار ذهبا خالصا، ولكني أخص ~~بالكأس زديج.» # قال زديج: مولاي! إن جلالتك وحدها هي التي تستحق الجائزة؛ لأنها أتت عملا لا نظير له في ~~الروعة، فأنت يا مولاي ملك، وأنت مع ذلك لم تغضب على عبدك حين اجترأ على أن يعارضك وأنت ~~مغيظ. # وقد أعجب الناس بالملك وبزديج، وتلقى القاضي الذي نزل عن ثروته، والعاشق الذي زوج ~~خليلته من صديقه، والجندي الذي آثر سلامة أمه على عشيقته هدايا الملك، ورأوا أسماءهم تسجل ~~في سجل الكرماء، وتلقى زديج الكأس، ms17 واشتهر الملك بأنه ملك عظيم خير، ولكنه لم يحتفظ بهذه ~~الشهرة وقتا طويلا، واختص هذا اليوم بأعياد أطول مما قرر القانون، وما زال الناس يذكرون ~~هذه الأعياد في آسيا إلى الآن، وكان زديج يقول: «إني إذن لسعيد.» ولكنه كان مخطئا. # الفصل السادس # | الوزير # وقد فقد الملك وزير الأكبر فاختار زديج ليشغل هذا المنصب، وصفقت لهذا الاختيار حسان بابل ~~جميعا، فلم تعرف الدولة منذ إنشائها وزيرا له هذا الشباب، وحزن رجال القصر جميعا حتى ~~انتهى الأمر بالحسود إلى السل الذي انتهى به إلى أن يبصق دما، وورم أنفه ورما ~~مروعا. # أما زديج فقد رفع شكره إلى الملك والملكة، ثم ذهب ليهدي شكره إلى الببغاء قائلا لها: ~~«أيها الطائر الجميل، لقد أنقذت حياتي، وجعلتني وزيرا أكبر، ما أكثر ما أساءت إلي كلبة ~~الملكة وجواد الملك، وما أكثر ما قدمت إلي أنت من الإحسان! وكذلك يتعلق مصير الناس بأوهى ~~الأسباب.» ثم أضاف إلى ذلك قوله: «ولكن هذه السعادة الغريبة خليقة أن يكون أمدها قصيرا.» ~~قالت الببغاء: «نعم!» فوجم زديج هذا الجواب، ولكنه على ذلك كان عالما بطبائع الأشياء ~~والأحياء، وكان يعرف أن الببغاء لم تطلع قط على علم الغيب، فلم يلبث أن عاد إلى الثقة ~~والاطمئنان، ونهض بأعباء الوزارة على أحسن وجه ممكن. # فأشعر الناس جميعا بما للقوانين من سلطان مقدس، ولم يشعر أحدا ما بثقل كبريائه الخاصة، ~~ولم يفرض رأيه على الديوان، وإنما كان لكل وزير أن يجهر برأيه دون أن يسوءه أو يتعرض لسخطه، ~~وكان إذا جلس للقضاء لم يقض هو، وإنما كان يترك القضاء للقانون، ولكنه كان يلطف القانون إن ~~آنس فيه قسوة أو غلوا في العنف، وكان إذا حدثت واقعة لم يعرض لها القانون قضى فيها بالعدل ~~حتى كأنه زرادوشت. # فمنه تعلمت الأمم هذا المبدأ الخطير، وهو أن إنقاذ المجرم خير من الحكم على البريء، ~~وكان يعتقد أن القوانين شرعت لإغاثة المواطنين كما شرعت لإخافتهم، وكان يمتاز بالحرص على ~~إظهار الحقيقة التي يحرص الناس كلهم على إخفائها. # ولم يكد ms18 ينهض بأعباء الحكم حتى انتفع فيه بذكائه كله، وكان تاجر كبير من تجار بابل قد قضى ~~نحبه في الهند، وكان قد قسم ثروته بين ابنيه قسمة عدلا على أن يزوجا أختهما، ثم ترك ~~ثلاثين ألف دينار ذهبا على أن تكون منحة لأي ابنيه يظهر أنه أشد حبا لأبيه؛ فأما الابن ~~الأكبر فاتخذ لأبيه قبرا، وأما ابنه الأصغر فزاد من نصيبه في الميراث مهر أخته، وكان ~~الناس يقولون: «إن الابن الأكبر مؤثر أباه، على حين أن الابن الأصغر يؤثر أخته، فللابن ~~الأكبر يجب أن تئول هذه الثلاثون ألفا من الدنانير.» # أما زديج فدعاهما إلى المثول بين يديه واحدا في إثر صاحبه، وقال للأكبر: «إن أباك لم ~~يمت، وإنما برئ من علته الأخيرة، وعاد إلى بابل.» قال الفتى: «الحمد لله، ولكن هذا القبر قد ~~كلفني كثيرا من المال!» قال زديج للابن الأصغر ما قاله لأخيه، فقال: «الحمد لله لأردن ~~إلى أبي نصيبي من الميراث، ولكني أود لو ترك لأختي ما قدمت إليها منه.» قال زديج: «لن ~~ترد شيئا، وستساق إليك الثلاثون ألفا من الدنانير، فأنت الذي تؤثر أباك بالحب.» # وكانت فتاة عظيمة الثراء قد وعدت كاهنين بالزواج، وبعد أن تثقفت أشهرا على الكاهنين ~~أصبحت حاملا ذات يوم، وكان كلا الكاهنين يريد أن يتخذها لنفسه زوجا، أما هي فأعلنت أنها ~~لن تختار منهما إلا الذي أتاح لها أن تمنح الدولة مواطنا جديدا، قال أحدهما: «فأنا الذي ~~أتاح لها هذا المواطن.» قال الآخر: «بل أنا الذي أتيحت له هذه المزية.» قالت الفتاة: «فإني ~~أختار منكما أيكما يكون أقدر على أن يربي الطفل تربية ممتازة.» وقد ولدت غلاما وتنافس ~~الكاهنان في تربيته، وقد رفعت القضية إلى زديج، فدعا الكاهنين وقال لأولهما: «ماذا تريد أن ~~تعلم الصبي؟» قال الكاهن: «سأعلمه الخطابة والمنطق والفلك وخصائص الشياطين، وسأعلمه حقيقة ~~الجوهر والعرض والمجرد والمركب، والوحدات التي يتألف منها الكون والنظام الذي سبق به ~~القضاء.» وقال الكاهن الآخر: «سأحاول أن أجعله عدلا خليقا بأن يكون له أصدقاء.» قال له ~~زديج: ms19 «لتكن أباه أو لا تكن، فأنت الذي سيتزوج أمه.» # وكانت الشكوى ترتفع إلى القصر في كل يوم من حاكم ميديا، وكان يسمى إيراكس، فقد كان ~~سيدا عظيما كريم الطبع، قد أفسده الغرور وحب اللذة، وكان لا يكاد يحتمل أن يتحدث ~~إليه الناس، ولا يسمح بأن يخالفه مخالف، ولم يكن الطاووس أشد منه غرورا، ولم يكن الحمام ~~أشد منه إيثارا للذة، ولم تكن السلحفاة أشد منه حبا للكسل، ولم يكن ينعم إلا بالمجد ~~الباطل واللذة الكاذبة، وقد حاول زديج إصلاحه، فأرسل إليه من قبل الملك موسيقيا بارعا ~~يصحبه اثنا عشر من المغنيين، وأربعة وعشرون من الموقعين، وأرسل إليه مع هؤلاء قيما على ~~الخدمة ومعه ستة من السعاة وأربعة من الحجاب لم يكن يباح لهم أن يتركوه، وصدر أمر الملك ~~باتباع النظام الآتي دون مخالفة عنه أو خروج عليه، وإليك كيف نفذ هذا النظام. # لم يكد إيراكس يفيق من نومه في اليوم الأول حتى دخل عليه أستاذ الموسيقى، ومعه المغنون ~~والموقعون، فغنوا له أغنية استمرت ساعتين، وكان يتردد فيها كل ثلاث دقائق هذا ~~الكلام: # ما أحسن بلاءه! # ما أجمله! ما أعظم خطره! # ما أجدر مولانا! # بأن يرضى عن نفسه! # فلما فرغ المغنون تقدم أحد الحجاب فألقى بين يديه خطبة استمرت ثلاثة أرباع الساعة، لم ~~تشتمل إلا على الثناء عليه بما ليس فيه، فلما انتهت الخطبة قيد إلى المائدة على نغم ~~الموسيقى، وقد اتصل الغداء ثلاث ساعات لم يكن يهم فيها بالكلام حتى يقول الحاجب الأول: ~~«لن يقول إلا صوابا.» ولا يكاد ينطق بكلمات أربع حتى يقول الحاجب الثاني: «لقد أصاب.» ~~ويضحك الحاجبان الآخران مما قال أو مما كان يمكن أن يقول، فإذا فرغ من غدائه أعيدت عليه ~~الأغنية. # وقد وجد في يومه الأول لذة أي لذة، واعتقد أن الملك إنما أراد أن يعطيه حقه من التكريم، ~~فلما كان اليوم الثاني وجد فيه من اللذة أقل مما وجد في اليوم الأول، فلما كان اليوم ~~الثالث ضاق به شيئا، فلما كان اليوم الرابع لم ms20 يستطع له احتمالا، فلما كان اليوم الخامس ~~وجد فيه عذابا شديدا، ثم ضاق آخر الأمر بكثرة ما كان يقال له من أنه خليق أن يرضى عن ~~نفسه، وبكثرة ما كان يقال له لقد أصاب، وبكثرة ما كان يلقى بين يديه من الخطب في ساعة ~~معينة من كل يوم؛ فكتب إلى القصر يتوسل إلى الملك في أن يتفضل فيسترد حجابه ومغنيه ~~وخدامه، ويعد بأنه سيحرص على أن يكون في مستقبل أيامه قليل الغرور كثير النشاط، ثم أعرض ~~عن الثناء الباطل واللذة الكاذبة وأصبح سعيدا، «فإن اللذة المتصلة ليست من اللذة في شيء» ~~كما يقول الكتاب المقدس للبراهمة. # الفصل السابع # | الاستقبالات والخصومات # وكذلك كان زديج يظهر في كل يوم دقة ذكائه وكرم نفسه، وكان الناس يعجبون به، وكانوا مع ~~ذلك يحبونه، ويرون أنه أسعد الناس، وكان اسمه يملأ الدولة كلها، وكان النساء جميعا ينظرن ~~إليه، وكان المواطنون جميعا يثنون على عدله، وكان العلماء يرون أن مكانه منهم مكان الوحي، ~~وكان الكهنة أنفسهم يعترفون بأنه يحيط من العلم بأكثر مما يحيط به عظيمهم الشيخ ~~بيبور، وكان العهد بعيدا بقضية العنقاء، ولم يكن الناس يقبلون إلا ما كان زديج يرى أنه ~~خليق بالقبول. # وكانت في بابل خصومة عظيمة قديمة قد اتصلت منذ خمسة عشر قرنا، وانقسمت لها الدولة إلى ~~فريقين متعاديين: أحدهما كان يرى ألا يجوز أن يتخطى الداخل عتبة المعبد لمترا إلا بقدمه ~~اليسرى، والآخر كان يمقت هذه العادة أشد المقت، ولا يدخل المعبد إلا برجله اليمنى، وجعل ~~الناس ينتظرون يوم العيد الأكبر للنار المقدسة ليروا أي المذهبين يؤثر زديج، وكانت أعين ~~العالم كله تتجه إلى رجليه، وكانت هذه المدينة كلها مضطربة قلقة، ولكن زديج دخل المعبد ~~وثبا فلم يقدم رجلا ويؤخر أخرى، ثم بين للناس في خطبة رائعة أن إله السماء والأرض ~~الذي لا يختص أحدا بفضله لا يؤثر قدما على قدم سواء أكانت اليمنى أو اليسرى. # وقد زعم الحسود وامرأته أن خطبته لم تشتمل على مقدار ملائم من المجاز، وأنه لم ms21 يرقص فيها ~~التلال والجبال، وكانا يقولان إن خطبته جافة لا براعة فيها، فليس يرى فيها البحر هاربا ولا ~~النجوم متساقطة، ولا الشمس ذائبة كما يذوب الشمع، فليس له الأسلوب الشرقي الجميل، أما ~~زديج فكان يكفيه أن يكون أسلوبه ملائما لعقله، وقد سار الناس كلهم على أثره، لا لأنه كان ~~على الصراط المستقيم، ولا لأنه كان حريصا على موافقة العقل، بل لأنه كان الوزير ~~الأول. # وهو كذلك قد قضى قضاء حسنا بين الكهنة البيض والكهنة السود، وكان البيض يزعمون أنه من ~~الإثم أن يتجه الناس إلى المشرق إذا صلوا في الشتاء، وكان السود يؤكدون أن الله يكره ~~الذين يصلون إلى المغرب في الصيف، فأمر زديج أن يولي الناس وجوههم في الصلاة حيث يشاءون، ~~وقد نظم وقته، فكان يصرف الأعمال الخاصة والعامة في الصباح، وينفق بقية اليوم في تجميل ~~بابل، وكان يأمر بتمثيل المأساة التي تبكي والملهاة التي تضحك، وقد أحيا هذه العادة بعد أن ~~ماتت؛ لأنه كان عظيم الحظ من الذوق، ولم يكن يزعم أنه يعرف الفن خيرا من أهله، وإنما كان ~~يكافئ أصحاب الفن بالمال وأنواع التمييز، ولا يخفي الغيرة من تفوقهم، فإذا كان المساء فرغ ~~لتسلية الملك والملكة خاصة، وكان الملك يسميه الوزير الأكبر، وكانت الملك تسميه الوزير ~~الظريف، وكانا يضيفان كلاهما أن الدولة كانت تتعرض بفقده لشر عظيم. # ولم يتح لوزير قط أن يستقبل السيدات بمقدار ما كان يستقبلهن، وكان أكثر من يسعين إليه ~~يعرضن عليه أمورا لا تعنينهن ليحدثن بينهن وبينه أمورا ذات بال، وكانت زوج الحسود منهن في ~~الطليعة، وقد أقسمت له بمترا وبالزند أفستا وبالنار المقدسة أنها كرهت سيرة زوجها معه، ثم ~~أسرت إليه بعد ذلك أن هذا الزوج غيور عنيف، ثم لمحت له بأن الآلهة يعاقبونه على ذلك، ~~فيحرمونه الاستمتاع بهذه النار المقدسة التي ترفع الناس إلى مكان الخالدين. ثم أسقطت رباط ~~جوربها وقد التقطه زديج في أدبه المألوف، ولكنه لم يرده إلى موضعه من ساق السيدة، وكانت هذه ~~الغلطة - إن صح أن تكون ms22 غلطة - مصدرا لخطوب منكرة شداد، لم يفكر زديج في هذه الغلطة، ولكن ~~امرأة الحسود أطالت فيها التفكير. # وجعلت سيدات أخر يزرنه في كل يوم، وقد سجل التاريخ السري لمدينة بابل أنه هفا هفوة ~~واحدة، ولكنه دهش أشد الدهش؛ لأنه لم يجد في هذه الهفوة لذة، ولأنه كان يقبل خليلته ~~لاهيا عنها، وكانت المرأة التي ميزها بهفوته هذه وهو لا يكاد يلتفت إليها وصيفة من وصائف ~~الملكة أستارتيه، وكانت هذه البابلية الرقيقة تقول لنفسها ملتمسة العزاء: «يجب أن يكون هذا ~~الرجل كثير الهموم إلى حد أنه يفكر في همومه أثناء الحب.» وقد أفلتت من زديج في الساعة التي ~~لا يقول الناس فيها شيئا أو لا يقولون فيها إلا ألفاظا مأثورة كلمة نطق بها في غير وعي، ~~وهي: «الملكة»، فظنت البابلية أنه قد ثاب إلى نفسه آخر الأمر وأنه يدعوها ملكته، ولكن زديج ~~مضى في ذهوله حتى نطق باسم الملكة أستارتيه، وخيل إلى السيدة في هذه اللحظة السعيدة أنه ~~كان يقول لها: إنها أجمل من الملكة أستارتيه، وقد خرجت من قصر زديج ومعها طرف كثيرة، فما هي ~~إلا أن تزور زوج الحسود وكانت لها صديقا حميما، فتقص عليها مغامرتها تلك، وتغار هذه لأن ~~زديج آثر عليها صاحبتها. # قالت: «إنه لم يتنزل حتى إلى أن يضع لي رباط الجورب هذا في موضعه، ولقد كرهت هذا الرباط ~~منذ ذلك اليوم.» قالت السيدة السعيدة للسيدة الحسود: «إنك لتتخذين لجواربك نفس الرباط الذي ~~تتخذه الملكة، لعلكما تشتريانه من صانعة واحدة.» ففكرت زوج الحسود طويلا ولم تقل شيئا، ثم ~~أظهرت زوجها الحسود على القصة كلها. # وكان زديج في أثناء ذلك يلاحظ أن شيئا من الذهول يصيبه حين يقضي وحين يستقبل، ولم يكن ~~يعرف كيف يعلل هذا الذهول. # وقد رأى فيما يرى النائم كأنه كان مستلقيا على عشب جاف فيه شوكات تؤذيه، ثم كأنه بعد ~~ذلك قد كان نائما على سرير من الورد، فخرج منه ثعبان لدغ موضع القلب منه بلسانه الدقيق ~~الحاد المسموم، وكان يقول لنفسه: «وا ms23 حسرتاه! لقد نمت طويلا على العشب الشائك، ثم ها أنا ~~ذا الآن أنام على سرير من الورد، فما عسى أن يكون هذا الثعبان؟» # الفصل الثامن # | الغيرة # وقد جاء شقاء زديج من سعادته نفسها، ومن كفايته بنوع خاص، فقد كان يخلو في كل يوم إلى ~~الملك، فيتحدث إليه وإلى زوجته الجليلة أستارتيه، وكان سحر حديثه يزداد لحرصه على أن يثير ~~الإعجاب، ومكان هذا الحرص من النفوس مكانة الزينة من الأجسام، وقد أثر شبابه وظرفه في نفس ~~أستارتيه تأثيرا لم تفطن له أول الأمر، فجعل حبها ينمو في ظل البراءة، وكانت أستارتيه ~~تستمتع غير متحفظة بالنظر والاستماع إلى فتى عزيز على زوجها الملك، وأثير عند الدولة كلها، ~~ولم تكن تكف عن الثناء عليه عند الملك، والتحدث عنه إلى وصائفها اللاتي كن يضفن إطراء ~~إلى إطراء، وكان كل شيء يعين على أن ينفذ في قلبها ذلك السهم الذي لم تكن تشعر به، وكانت ~~تهدي إلى زديج من الهدايا ما يدل على الميل أكثر مما كانت تقدر، وكانت تظن أنها إنما ~~تتحدث إليه كما تتحدث الملكة إلى وزير قد رضيت عن عمله، على حين أنها إنما كانت تتحدث إليه ~~حديث امرأة رقيقة مرهفة الحس. # وكانت أستارتيه أروع جمالا وأبرع حسنا من سمير تلك التي كانت تكره العور، ومن تلك ~~المرأة التي كادت تجدع أنف زوجها، وما هي إلا أن يثير تبسط أستارتيه مع زديج، وحديثها ~~الرقيق الذي أخذ يسبغ على وجهها شيئا من حمرة، ولحظها الذي كانت تريد أن تحوله، ولكنه ~~كان يستقر على لحظه هو فيذكي في قلبه نارا دهش لها دهشا شديدا، وقد قاوم واستعان ~~بالفلسفة التي كانت تعينه كل ما التمس عندها العون، ولكنها في هذه المرة لم تمدده إلا ~~بنور المعرفة دون أن تخفف من وجده شيئا، وكان الواجب وعرفان الجميل وجلال الملك، كل أولئك ~~يتمثل له كأنه آلهة الانتقام، كان يقاوم وكان ينتصر، ولكن هذا الانتصار الذي كان يجب أن ~~يظفر به كل ساعة كان يكلفه كثيرا من الأنين ms24 والدموع، وقد أصبح لا يجرؤ على أن يتحدث إلى ~~الملكة في تلك الحرية الحلوة التي كانت تسحرهما جميعا، وكان إذا لقي الملكة غشيت عينيه ~~سحابة وتقطع حديثه واختلط، فكان يغض بصره، فإذا تحول لحظه على رغمه نحو الملكة رأى ~~عينيها يبللهما الدمع وتنطلق منهما في الوقت نفسه سهام من نار، وكأنما كان كل منهما يقول ~~لصاحبه: «إن الحب يشغفنا ولكننا نخاف الحب، وإن نارا واحدة تحرقنا ولكننا نبغض هذه ~~النار.» # وكان زديج يخرج من عندها هائما واجما قد أثقل قلبه عبء لا قبل له باحتماله، وقد ~~تجاوز الهيام به حده، فأظهر صديقه كادور على مكنون سره، وكان يشبه في ذلك رجلا شق عليه ~~الألم حتى أضناه؛ فانتزع منه صيحة شاكية، وأسال على جبهته عرقا باردا، فظهر من أمره ما ~~كان مستورا. # قال كادور: «لقد تبينت هذا الشعور الذي كنت تريد أن تخفيه حتى على نفسك، فإن للعواطف ~~الجامحة آيات ليس إلى الشك فيها سبيل، فقدر أيها الصديق العزيز - وقد استطعت أنا أن ~~أقرأ في قلبك - كيف تكون حال الملك لو قرأ هذا القلب بعض ما يهينه! فليس للملك عيب إلا ~~أنه أشد الناس غيرة. إنك تقاوم حبك في قوة أشد مما تبذل الملكة لمقاومة حبها، ومصدر ذلك ~~أنك فيلسوف وأنك أنت زديج، أما أستارتيه فامرأة، وهي تبيح للحظها أن يتكلم في غير تحفظ؛ ~~لأنها ما زالت تعتقد أنها غير آثمة، وهي مع الأسف قد اطمأنت إلى براءتها، فيدعوها ذلك إلى ~~الإهمال في التحفظ والاحتياط بالقياس إلى أشياء خارجية لا ينبغي أن تهمل، وسأظل مشفقا ~~عليها ما لم تقترف شيئا تلوم نفسها فيه، ولو قد اتفقتما لهان عليكما خداع الرقباء، فالحب ~~الناشئ المكبوت لا بد من أن يفتضح، أما الحب الذي ظفر بالرضا فهو قادر على أن يستخفي.» ~~وقد اضطرب زديج لهذه الفكرة التي تغريه بخيانة الملك وهو الذي أحسن إليه، ولم يبلغ من ~~الوفاء لملكه قط مثل ما بلغ حين تبين أنه قد تورط في هذه الخطيئة عن غير إرادة ms25 منه، ومع ذلك ~~فقد كانت الملكة تكثر من ذكر زديج، وكانت الحمرة تغشى وجهها كلما ذكرته، وكانت حين ~~تتحدث إليه بمحضر الملك تتحمس حينا وتنقطع حينا، وكانت تغرق في التفكير العميق إذا خرج؛ ~~حتى أثار هذا كله شيئا من الاضطراب في نفس الملك، فصدق كل ما رأى وتخيل كل ما لم ير، ~~ولاحظ بنوع خاص أن حذاء امرأته كان أزرق، وأن حذاء زديج كان أزرق، وأن شرائط الملكة كانت ~~صفراء، وأن قلنسوة زديج كانت صفراء، وكانت هذه الأشياء كلها آيات خطيرة بالقياس إلى ملك ~~مترف، وما هي إلا أن يتحول الشك إلى يقين في نفسه الساخطة. # وخدام الملوك والملكات جميعا جواسيس على قلوبهم، فما أسرع ما تبين هؤلاء الخدام أن ~~أستارتيه عاشقة، وأن مؤبدار غيران، وأغرى الحسود امرأته بأن ترسل إلى الملك رباط ~~جوربها الذي يشبه رباط جورب الملكة، وكان هذا الرباط - لشقاء زديج - أزرق، فلم يفكر الملك ~~بعد ذلك إلا في الانتقام، وأزمع في ذات ليلة أن يميت الملكة مسمومة، وأن يميت زديج ~~مشنوقا إذا أسفر الصبح، ثم صدر الأمر بذلك إلى خصي قاس من خصيانه موكل بانتقامه، وكان ~~في غرفة الملك حين أصدر هذا الأمر قزيم أخرس ولكنه سميع، وكان يخالط الملك ولا يخفى عليه من ~~أمر القصر شيء كأنه بعض الحيوان المستأنس، وكان هذا الأخرس القزم وفيا للملكة ولزديج، ~~فلما سمع الأمر بموتهما أحس دهشا لا يعدله إلا ما أحس من هول، ولكن كيف السبيل إلى ~~اتقاء هذا الأمر الفظيع الذي يوشك أن ينفذ في ساعات قلائل؟ لم يكن القزم يحسن الكتابة، ~~ولكنه كان يحسن التصوير، ويجيد المقاربة بين الصورة والأصل، فأنفق شطرا من الليل في رسم ما ~~كان يريد أن يؤدي إلى الملكة من المعنى، وكان رسمه يصور الملك مغيظا محنقا مصدرا ~~أمره إلى الخصي، ومائدة غير بعيدة قد ألقي عليها حبل أزرق ورباط جورب أزرق وشريط أصفر ~~وقام عليها إناء، والملكة في وسط اللوحة تحتضر بين أذرع وصائفها، وزديج مخنوق تحت قدميها، ~~وكان الأفق يصور ms26 طلوع الشمس ليدل بذلك على أن هذا الأمر المنكر سينفذ إذا أسفر الصبح؛ ~~فلما أتم صورته أسرع إلى وصيفة من وصائف الملكة وأفهمها أن هذه الصورة يجب أن تصل إليها ~~من الفور. # وفي أثناء الليل طرق باب زديج ثم أوقظ ودفعت إليه رسالة من الملكة، فيشك في أنه حالم أو ~~عالم، ثم يفض الرسالة بيد مرتعشة، فأي دهش وأي حزن أصابه حين قرأ هذه الكلمات: # النجاء في هذه اللحظة وإلا فقدت حياتك! النجاء يا زديج إني آمرك بذلك وأستحلفك ~~بحبنا وبشرائطي الصفر، لم أكن آثمة ولكني أشعر بأني سأموت مجرمة. # ولم يكد زديج يجد القوة على الكلام، فأمر بدعاء كادور، ولم يقل له شيئا وإنما دفع إليه ~~الرسالة، فأكرهه كادور على الطاعة على أن يأخذ من فوره الطريق إلى ممفيس، قال له: «إن حاولت ~~لقاء الملكة عجلت موتها، فإذا تحدثت إلى الملك عجلت موتها كذلك، فعلي أن أدبر أمرها؛ ~~فدبر أنت أمرك، وسأذيع أنك سلكت طريقك إلى الهند، وسألحق بك بعد قليل وأنبئك بما يكون قد ~~حدث في بابل من الخطوب.» # وفي الوقت نفسه أمر كادور بإعداد نجيبين خفيفين سريعين أمام باب خفي من أبواب القصر، وحمل ~~على أحدهما زديج حملا فلم يكن يستطيع أن يسعى، وإنما كان يوشك أن يموت حزنا، وصحبه خادم ~~واحد، وما هي إلا ساعة حتى كان كادور غارقا في حزن عميق وقد غاب صديقه عن بصره. # ومضى هذا الهارب العظيم، حتى إذا بلغ تلا مشرفا على بابل التفت إلى قصر الملكة ثم ~~أغمى عليه، ولم يفق من إغمائه إلا ليسفح الدمع ويتمنى الموت، فلما قضى حق الملكة التي ~~هي أحب النساء إلى القلوب، وأبعد الملكات صوتا في الآفاق، وفكر فيما قضى عليها من شقاء، ~~عاد إلى نفسه وفكر في أمره، ثم صاح قائلا: «ما حياة الناس إذن؟ أيتها الفضيلة بماذا ~~نفعتني؟ لقد خانتني امرأتان، وهذه الثالثة لم تقترف إثما وقد قضى عليها الموت، كل ما في ~~من خير كان مصدر شقاء لي، ولم أرتفع إلى ms27 أرقى المراتب إلا لأهوى إلى الدرك الأسفل من ~~الشقاء، ولو قد كنت شريرا ككثير من الناس لظفرت بما يظفرون به من السعادة.» ومضى في ~~طريقه إلى مصر تثقله هذه الخواطر المهلكة، ويغشى عينيه سحاب الألم، وتعلو وجهه صفرة الموت، ~~وقد هوت نفسه من أعماق اليأس إلى قرار سحيق. # الفصل التاسع # | المرأة المضروبة # مضى زديج يهتدي بالنجم في طريقه، وكانت الجوزاء والشعرى تقودانه نحو كانوب، وهو يعجب بهذه ~~الكرات الضخمة من الضوء التي لا تظهر لأعيننا إلا كمستصغر الشرر، على حين تظهر الأرض ~~لمطامعنا شيئا عظيما جليل الخطر، مع أنها ليست في حقيقة الأمر إلى نقطة ضئيلة في هذا ~~الكون، وكان يرى الناس كما هم في الواقع جماعات من الحشرات، يأكل بعضها بعضا على ذرة ضئيلة ~~من الطين، وهذه الصورة الصادقة كانت تلغي شقاءه إلغاء؛ لأنها تضائل من شخصه ومن مدينة بابل ~~نفسها، وكانت نفسه تتجرد من شخصيته، وتثب نحو آفاق اللانهاية، وتلاحظ هذا النظام المستقر ~~الذي يمضي عليه الكون، ولكنه حين كان يثوب إلى نفسه ويتعمق دخيلة قلبه، لم يكن يستطيع إلا ~~أن يفكر في أن أستارتيه قد تعرضت لأعظم الخطر، ولعلها قد لقيت الموت، هنالك كان العالم كله ~~يستخفي، ولم يكن هو يرى إلا أستارتيه تحتضر وزديج يتجرع كأس الشقاء! # وبينما كان يتردد بين هذا المد والجزر من فلسفة رفيعة إلى ألم ممض، جعل يتقدم نحو حدود ~~مصر، وكان خادمه الأمين قد سبق إلى إحدى الضواحي ليلتمس له منزلا، وجعل زديج يتنزه في ~~الحدائق التي تحيط بهذه الضاحية، فرأى غير بعيد من الطريق العامة امرأة مولهة تستغيث بالأرض ~~والسماء، ورجلا يتبعها وقد أخرجه الغضب عن طوره، وقد لحقها الرجل وهي تستعطفه لاثمة ~~ركبتيه، والرجل يشبعها شتما وضربا، فقدر زديج لمنظر هذين المصريين أن الرجل كان غيورا ~~وأن المرأة كانت خائنة، ولكنه حين نظر إلى هذه المرأة ورآها ذات جمال مؤثر، وفيها ملامح ~~من أستارتيه، رق لها وسخط على الرجل، أما هي فأعولت والعبرات تخنقها قائلة لزديج: ~~«أعني، أنقذني من ms28 هذا الرجل الذي ليس له نظير في الغلظة والجفاء، أنقذ حياتي.» # هنالك أسرع زديج فألقى بنفسه بينهما ليرد عنها عنف هذا الرجل، وكان له شيء من العلم ~~بلغة المصريين، فقال له في هذه اللغة: «إن كان لك حظ من رحمة، فإني أتوسل إليك أن تحترم ~~الجمال وترفق بالضعف، أتستطيع أن تهين إلى هذا الحد آية من آيات الطبيعة، قد جثت أمامك وليس ~~لها عاصم منك إلا الدموع؟» قال الرجل العنيف: «فأنت تحبها أيضا؟ ومن حقي أن أنتقم منك.» ~~ثم أرسل شعر المرأة الذي كان يجذبه، وصوب إلى الغريب رمحه يريد أن يشق به صدره، وكان زديج ~~محتفظا بهدوئه، فاستطاع أن ينحرف عن الطعنة في يسر، وأخذ بسنان الرمح يجذبه إليه، والمصري ~~يريد أن يحتفظ به، فيتحطم الرمح بين الرجلين، ويسل المصري سيفه فيسل زديج سيفه، ويسعى ~~كلاهما إلى صاحبه، فأما المصري فيرسل ضرباته في غير نظام، وأما خصمه فيتقيها في مهارة، ~~والمرأة جالسة على العشب تصفف شعرها وتنظر إليهما، وكان المصري أقوى من خصمه، وكان زديج ~~أمهر من المصري، أحدهما يقاتل ورأسه يدير ذراعه، والآخر يقاتل وقد ملك الغضب عليه أمره كله، ~~ثم يهجم عليه زديج فيجرده من سلاحه، ولكن المصري يبلغ من الغضب أقصاه، فيهجم على زديج الذي ~~يأخذه فيضغطه فيلقيه على الأرض فيضع ذباب السيف على صدره ويعرض عليه الحياة، هنالك يفقد ~~المصري صوابه، فيستل خنجرا ويجرح به زديج في نفس الوقت الذي كان يهدي إليه العفو فيه، وقد ~~ثارت حفيظة زديج فأغمد سيفه في صدر خصمه، ويدفع المصري صيحة هائلة ثم يلفظ الروح. # ثم يتقدم زديج في خضوع إلى هذه المرأة قائلا لها في صوت هادئ: «لقد أكرهني على أن أقتله، ~~فأنت الآن صرت طليقة قد أمنت شر هذا الرجل الذي لم أر مشبها له في العنف، فماذا تريدين ~~مني الآن يا سيدتي؟» قالت المرأة: «أريد أن تموت أيها المجرم، أريد أن تموت! لقد قتلت ~~حبيبي! وددت لو أمزق قلبك تمزيقا.» قال زديج: «إن لك في الحق ms29 لمزاجا غريبا يا سيدتي! لقد ~~كان يضربك ضربا مبرحا، ولقد كاد يسلبني حياتي لأنك طلبت إلي النجدة، فاستجبت لك.» قالت ~~معولة: «وددت لو يضربني الآن ضربا مبرحا! لقد كنت أهلا لما كنت ألقى منه، لقد دفعته إلى ~~الغيرة، وددت لو يضربني الآن وأنت ملقى مكانه.» قال زديج، وقد أخذ منه الدهش والغضب مأخذا ~~عظيما: «سيدتي، إنك لرائعة الحسن، ولكنك أهل لأن أضربك أنا أيضا؛ لأنك شاذة الأخلاق، ~~ولكني لن أكلف نفسي هذا الجهد.» ثم جلس على جمله وسعى نحو الضاحية، ولكنه لا يكاد يمضي ~~إلا قليلا ثم يسمع نبأة، فليتفت وإذا سعاة أربعة من أهل بابل قد أقبلوا مسرعين، فيرى ~~أحدهم هذه المرأة ويصيح: «هذه هي، إنها لتشبه الصورة التي وصفت لنا.» ثم لا يلتفتون إلى ~~الميت، وإنما يحيطون بالسيدة فيخطفونها خطفا، وهي تصيح: «أنقذني مرة أخرى أيها الغريب! إني ~~لنادمة على الإساءة إليك، أنقذني، إني لأعتذر إليك بأني شكوت منك! أنقذني وأنا لك إلى أن ~~أموت.» ولكن زديج كان قد فقد الميل إلى أن يقاتل في سبيلها، فأجابها: «اطلبي المعونة من ~~غيري، فلن تخدعيني مرة أخرى.» # على أنه كان جريحا وكان دمه ينزف، وكان محتاجا إلى بعض العناية، وقد ملأه منظر هؤلاء ~~البابلين الأربعة قلقا، فهم رسل الملك مؤبدار، فيسرع نحو القرية غير متخيل للسبب الذي من ~~أجله يختطف البابليون هذه المرأة، وغير فاهم لأخلاق هذه المرأة نفسها. # الفصل العاشر # | الرق # ولا يكاد يدخل القرية المصرية حتى يرى الناس قد أحاطوا به، وهم يتصايحون: «هذا هو الذي ~~اختطف ميسوف الحسناء، وقتل كليتوفيس.» قال زديج: «أيها السادة، ليعصمني الله إلى آخر الدهر ~~من أن أختطف حسناءكم ميسوف، فإنها جانحة مسرفة في الجماح، أما كليتوفيس فإني لم أقتله عن ~~عمد، وإنما دافعت عن نفسي حين اعتدى علي، لقد كان أراد أن يقتلني لأني طلبت إليه في أرفق ~~الرفق أن يكف أذاه عن ميسوف، وكان يضربها ضربا مبرحا، وإنما أنا رجل غريب قد أقبل لاجئا ~~إلى مصر، وليس مما يلائم العقل أن ms30 أسعى إليكم مستجيرا بكم، ثم أبدأ بخطف امرأة، وقتل ~~رجل.» # وكان المصريون في ذلك الوقت أولي عدل ورحمة، فقد قاد الشعب زديج إلى المركز، وهناك ضمدت ~~جراحه قبل كل شيء، ثم حقق معه ومع خادمه كل على حدة لاستجلاء الحقيقة، فتبين أن زديج لم ~~يتعمد القتل، ولكنه قد أراق دم إنسان، وكان القانون يقضي عليه بالرق، فبيع جملاه لمصلحة ~~القرية، وفرق ما كان يحمل من ذهب على أهلها، وعرض هو وخادمه للبيع في سوق الرقيق، وقد ~~تنافس فيهما المشترون، وتمت الصفقة لتاجر عربي يسمى سيتوك، على أن ثمن الخادم قد كان أرقى ~~من ثمن سيده؛ لأن الخادم أقدر على العمل وأجدر أن يحتمل من المشقة ما لم يكن سيده يقدر على ~~احتماله، ولم ينظر إلى ما بين السيد وخادمه من تفاوت في العقل والمنزلة، فأصبح زديج إذن ~~عبدا خاضعا لخادمه، وقد قرن كلاهما إلى صاحبه في حبل واحد من رجليهما ثم دفعا إلى بيت ~~سيدهما الجديد، وكان زديج في أثناء الطريق يعزي خادمه ويرغبه في الصبر، ولكنه كان على عادته ~~يفكر في حياة الإنسان ومصيره، وكان يقول لخادمه: «إن الشقاء الذي كتب علي يمتد إليك، ~~فقد دارت الأشياء كلها بالقياس إلي دورة غريبة إلى الآن، فقد قضي علي بالغرامة لأني ~~رأيت كلبة تمر، وأشرفت على الموت من أجل العنقاء، وأرسلت إلى العذاب لأني صنعت شعرا أثنيت ~~فيه على الملك، وكدت أشنق لأن شرائط الملكة كانت صفراء، وها أنا ذا أدفع معك إلى الرق ~~لأن رجلا عنيفا ضرب خليلته، فلنحتفظ بشجاعتنا، فقد يكون لألمنا حد يقف عنده، ولا بد ~~لهذا التاجر العربي من أن يملك الرقيق، ولم لا أكون أنا رقيقا كغيري من الرقيق ما دمت ~~رجلا كغيري من الرجال؟ ولن يكون هذا التاجر قاسيا، فقد ينبغي أن يرفق بعبيده إن كان يريد ~~أن ينال منهم خيرا.» كذلك كان يقول لخادمه على حين كان قلبه مشغولا بمصير الملكة ~~أستارتيه. # وقد ارتحل سيتوك العربي بعد يومين مستصحبا خادميه وإبله إلى صحراء بلاد ms31 العرب، وكانت ~~قبيلته تسكن قريبا من صحراء أوريب، وكانت الطريق طويلة شاقة، وكان العربي أثناء السفر يؤثر ~~الخادم على سيده؛ لأن الخادم كان يحسن وضع الأثقال على ظهور الإبل، فكان العربي يخصه ~~بالعناية، وقد نفق أحد الجمال على مسيرة يومين من أوريب، فوزع حمله على الخدم، وحمل زديج ~~نصيبه، وكان سيتوك يضحك حين يرى عبيده جميعا يمشون وقد انحنوا لثقل ما كانوا يحملون، وقد ~~استباح زديج لنفسه أن يبين له سبب هذا الانحناء ففسر له قوانين التوازن، فدهش التاجر ~~وجعل ينظر إليه نظرا جديدا، ولما رأى زديج اهتمامه بما سمع استحث حبه للاستطلاع، فتحدث ~~إليه في أشياء كثيرة كانت تتصل بتجارته، كالثقل النوعي للأشياء التي تختلف مادة وتستوي ~~حجما، وخصائص بعض الحيوان التي تنفع الناس، وطرائق الانتفاع بما لا يظهر فيه نفع؛ فتبين ~~لسيتوك أن خادمه حكيم، فآثره وقدمه على خادمه الذي كان يفضله عليه من قبل، ثم أحسن ~~معاملته، ولم يندم فيما بعد على ما قدم إليه من معروف. # ولم يكد سيتوك يصل إلى مضارب القبيلة حتى استقضى يهوديا خمسمائة مثقال من الفضة، وهو ~~دين كان اليهودي قد اقترضه منه أمام شاهدين، ولكن الشاهدين كانا قد فارقا الحياة، فالتوى ~~اليهودي بالدين حامدا لله أن أتاح له هذه النعمة التي مكنته من أن يجحد دين رجل من ~~العرب، فأفضى سيتوك بهمه هذا إلى زديج الذي كان قد أصبح له مستشارا، قال زديج: «في أي مكان ~~أقرضت مثاقيلك لهذا الكافر؟» قال التاجر: «على صخرة ضخمة قريبا من جبل أوريب.» قال زديج: ~~«وما أخص ما يمتاز به مدينك؟» أجاب سيتوك: «يمتاز بالغدر.» قال زديج: «ولكني أسألك أنشيط ~~هو أم كسل، أحذر هو أم أخرق.» قال سيتوك: «هو بين الذين يلتوون بالدين أعظمهم حظا من ~~النشاط.» قال زديج: «أتأذن أن أكون محاميك أمام القضاة؟» ثم دعا اليهودي أمام المحكمة، ~~وتحدث إلى القضاة على هذا النحو: «يا وسائد العرش الذي يستقر عليه العدل، إني أطلب إلى هذا ~~الرجل نيابة عن سيدي خمسمائة مثقال من ms32 الفضة قد التوى بها وأبى أن يؤديها.» قال القاضي: ~~«أعندك بينة؟» قال زديج: «لا! لقد مات الشاهدان، ولكن هناك صخرة عريضة عدت عليها ~~المثاقيل، فإذا أذنت المحكمة بحمل هذه الصخرة، فقد أرجو أن تشهد لي، وسنبقى نحن هنا حتى ~~تحمل الصخرة، وسأرسل من يحملها على نفقة سيدي سيتوك.» قال القاضي: «لا بأس.» وجعل ينظر في ~~قضايا أخرى. # فلما كان آخر الجلسة قال لزديج: «ألم تأت صخرتكم بعد؟» فتضاحك اليهودي قائلا: «تستطيع ~~عظمتكم أن تبقى في الجلسة إلى غد دون أن تحضر الصخرة، فهي تقوم على بعد ستة أميال، ولا ~~يستطيع أن يحولها عن مكانها أقل من خمسة عشر رجلا.» فصاح زديج: «ألم أقل لكم إن الصخرة ~~ستشهد لي؟ فما دام هذا الرجل يعرف مكانها فهو يقر بأن المثاقيل قد عدت عليها.» ~~فبهت اليهودي واضطر آخر الأمر إلى الاعتراف، وأمر القاضي بأن يشد هذا الرجل إلى الصخرة ~~ولا يقدم إليه طعام ولا شراب حتى يؤدي الدين. # ومنذ ذلك الوقت أصبح العبد زديج والصخرة موضع ثقة وثناء في بلاد العرب. # الفصل الحادي عشر # | التحريق # وبلغ الرضا من سيتوك أن جعل من عبده لنفسه خليلا، وأصبح لا يستطيع أن يستغني عنه كما كان ~~ذلك شأن الملك في بابل، وكان زديج سعيدا لأن سيده لم يتخذ لنفسه زوجا، وكان يتبين في سيده ~~طبعا ميالا إلى الخير، وكثيرا من الاستقامة في السيرة والإصابة في التقدير، وساءه أن ~~سيده كان يعبد جيش السماء؛ أي الشمس والقمر والنجوم، كما جرت بذلك عادة العرب، وكان يتحدث ~~إليه في ذلك متحفظا أشد التحفظ، ثم قال له آخر الأمر: «إن هذه الكواكب والنجوم ليست ~~إلا أجساما كغيرها من الأجسام، وليست أحق بالتعظيم من شجرة أو صخرة.» قال سيتوك: «إنها ~~كائنات خالدة تحقق لنا منافعنا كلها، فهي تشبع الحياة في الطبيعة، وتدبر فصول العام، وهي ~~بعد ذلك بعيدة عنا بحيث لا نستطيع إلا تقديسها.» قال زديج: «إن البحر الأحمر يحقق لك ~~من المنافع أكثر مما تحقق لك هذه الكواكب، حين يحمل ms33 تجارتك إلى الهند، وما يمنعه أن يكون ~~قديم العهد كالنجوم؟ وإذا لم يكن بد من أن تعبد ما بعد عنك، فقد يجب أن تعبد أرض ~~جنجاريد التي هي في أقصى العالم.» # قال سيتوك: «كلا! إن النجوم مشرقة إشراقا يفرض علي عبادتها.» فلما جن الليل أشعل ~~زديج عددا ضخما من المصابيح في الخيمة التي كان يجب أن يجلس فيها إلى العشاء مع سيتوك، ~~فلما أقبل مولاه جثا أمام هذه المصابيح قائلا: «أيها الضوء المشرق الخالد، وفقني دائما ~~لما أريد.» ثم جلس إلى المائدة دون أن ينظر إلى سيتوك، قال سيتوك مدهشا: «ما خطبك؟» قال ~~زديج: «إنما أصنع صنيعك، فأعبد هذه المصابيح وأهمل سيدها وسيدي.» هنالك فهم سيتوك فحوى هذه ~~الإشارة، ونفذت حكمة عبده إلى نفسه، فأعرض عن عبادة المخلوقات وعبد الخالق الخالد الذي ~~فطرها. # وكانت تتحكم في بلاد العرب لتلك الأيام عادة منكرة نقلت إليها من بلاد السيتيين بعد أن ~~استقرت في الهند بفضل البراهمة، وكادت تعم الأرض كلها، وكانت هذه العادة تقضي إذا مات رجل ~~وأرادت امرأته أن تكون قديسة أن تحرق نفسها على جسم زوجها بمشهد من الناس، وكان ذلك يجري في ~~حفل عظيم يسمى حريق الترمل، وكانت القبيلة التي تعد كثيرا من النساء المحرقات تمتاز ~~بحسن الذكر وبعد الصوت، وقد مات عربي من قبيلة سيتوك، فقررت زوجته ألمونا وكانت صالحة أن ~~تتبعه، وأعلنت اليوم والساعة اللذين اختارتهما لتلقي نفسها في النار على قرع الطبول ودعاء ~~المزامير، وقد أظهر زديج لسيتوك أن هذه العادة البشعة مسيئة أشد الإساءة إلى النوع ~~الإنساني، فهؤلاء النساء اللاتي يتركن نهبا للحريق في كل يوم خليقات أن يمنحن الدولة ~~عددا ضخما من المواطنين، وأن يربين أطفالهن على أقل تقدير، وما زال به حتى أقنعه بأن من ~~الخير إلغاء هذه العادة إن كان ذلك ممكنا، قال سيتوك: «لقد مضى أكثر من خمسمائة وألف عام ~~والنساء يحرقن، فأينا يجرؤ على أن يغير قانونا قدسه الزمن؟ هل يوجد شيء أجدر ~~بالاحترام من ظلم بعد به العهد؟» قال ms34 زديج: «إن العقل أقدم من هذه العادة، فتحدث أنت إلى ~~شيوخ القبيلة، وسأذهب أنا إلى هذه الأرملة الشابة.» # فتلطف حتى قدم إليها، ثم جعل يتملقها بالثناء على جمالها، ثم بين لها أن مما يحزن ويسوء ~~أن يحرق سحرها العظيم للنار، ثم أثنى على ثباتها وشجاعتها، ثم قال لها: «أكنت تحبين زوجك ~~إذن حبا جما؟» قالت: «أنا؟ كلا لم أحببه قط! لقد كان عنيفا غيورا لا سبيل إلى ~~احتماله، ولكني على ذلك مصرة على أن أحرق نفسي في أثره.» قال زديج: «يجب أن تكون هناك لذة ~~لا نظير لها في أن يحرق الإنسان نفسه حيا.» قالت السيدة: «هذا شيء ترتعد له الفرائص، ~~ولكن لا بد مما ليس منه بد، إني تقية، وما أحب أن أشتهر بالسوء، ولا أن أتعرض للسخرية ~~لاجتناب هذه النار.» فبين لها زديج أنها إنما تحرق نفسها إرضاء لغيرها، وأن الغرور هو ~~الذي يدفعها إلى ذلك، ثم ما زال يرفق بها حتى حبب إليها الحياة شيئا ما، بل استطاع أن ~~يعطفها قليلا على هذا الذي كان يتحدث إليها، ثم قال لها: «ما عسى أن تصنعي لو برئت من هذا ~~الغرور الذي يدفعك إلى النار؟» قالت السيدة: «وا حسرتاه لو برئت من هذا الغرور، لطلبت إليك ~~أن تتخذني لنفسك زوجا.» # ولكن زديج كان مشغولا بحب أستارتيه، فلم ير بدا من أن يروغ عن هذا الدعاء، ثم سعى إلى ~~شيوخ القبيلة، وطلب إليهم أن يصدروا قانونا يحظر على كل أرملة أن تحرق نفسها دون أن تخلو ~~ساعة كاملة إلى فتى من الفتيان، ومنذ ذلك الوقت لم تحرق عربية نفسها، ودانت بلاد العرب ~~لزديج بهذه المكرمة التي ألغى بها في يوم واحد عادة مضت عليها القرون، وأصبح زديج محسنا ~~إلى بلاد العرب كلها. # الفصل الثاني عشر # | العشاء # وقد أصبح سيتوك حريصا على ألا يفارق زديج هذا الذي استقرت الحكمة في قلبه، فاستصحبه ~~إلى سوق البصرة؛ حيث كان يلتقي أكبر التجار في جميع أقطار الأرض التي يسكنها الناس، وكان ~~لقاء عدد ضخم ms35 من الناس على اختلافهم في الوطن والمنزلة والطبقة مصدر عزاء لزديج عن بعض همه، ~~وقد خيل إليه أن العالم إنما هو أسرة كبيرة قد اجتمعت في البصرة. # فلما كان اليوم الثاني من إقامته في البصرة جلس إلى مائدة العشاء مع جماعة فيهم المصري ~~والهندي من جنجاريد، والنازح من أرض كتاي، واليوناني، والكلتي، وآخرون من الغرباء، وكل ~~هؤلاء الناس قد تعودوا الرحلة إلى شط العرب؛ حتى تعلموا شيئا من العربية كانوا يديرون به ~~الحديث فيما بينهم، وكان المصري يظهر شديد الغضب، وكان يقول: «ما أقبح البصرة من بلد! إن ~~أهلها يأبون أن يقرضوني ألف مثقال من ذهب على أن يرتهنوا بها أقوم عين في الدنيا.» قال ~~سيتوك: «وكيف كان ذلك؟ وما هذه العين التي لم يرتهنوها بهذا المال؟» قال المصري: «جثة عمتي، ~~وكانت أرضى نساء مصر خلقا، وكانت ترافقني دائما، فماتت في بعض الطريق، وقد اتخذت منها ~~أحسن ما عرفت مصر من المومياء، ولو رهنتها في وطني لأخذت عليها كل ما طلبت من مال، وإنه ~~لغريب أن يضن علي بألف مثقال مع أني أقدم في سبيلها هذا الرهن القيم الخطير.» وكان في ~~أثناء غضبه يتهيأ لأكل دجاجة سليق، فأخذ الهندي بيده وصاح متألما: «ماذا تريد أن تصنع؟» ~~قال صاحب المومياء: «أريد أن آكل من هذه الدجاجة.» قال الهندي: «إياك أن تفعل! فقد يجوز أن ~~يكون روح عمتك قد تقمص هذه الدجاجة، وما أراك تحب أن تأكل عمتك، وإن في طبخ الدجاج لإهانة ~~بالغة للطبيعة.» قال المصري الغضوب: «ماذا تريد أن تقول حين تحدثنا عن طبيعتك ودجاجك؟ إنا ~~نعبد الثور ونأكل منه مع ذلك.» قال ساكن شاطئ الجانج: «أيمكن أن تعبدوا ثورا؟» قال المصري: ~~«لا غرابة في ذلك، فنحن نعيش على عبادة الثورة منذ خمسة وثلاثين ومائة ألف من السنين، لم ~~ينكر ذلك أحد منا.» قال الهندي: «خمسة وثلاثون ومائة ألف! هذا غلو في الحساب، فلم تسكن ~~الهند إلا منذ ثمانين ألف سنة، ونحن مع ذلك أقدم منكم، ليس في ذلك شك، ms36 وقد حرم علينا ~~براهما أن نأكل من الثور قبل أن تضعوه أنتم على المذابح لتعبدوه، وفي النار ~~لتأكلوه.» # قال المصري: «إنك لتضحكني حين تذكر براهما لتوازن بينه وبين آبيس، وماذا تظن أن براهما قد ~~صنع من غرائب المعجزات؟» قال البراهمي: «هو الذي علم الناس القراءة والكتاب، وهو الذي ~~تدين له الأرض كلها بلعبة الشطرنج.» قال كلداني كان يحاورهما: «لقد أخطأت! إنما يونس الحوت ~~هو الذي أسدى إلى الناس هذه المكارم، فينبغي أن يرد إليه حقه ويعرف له فضله، والناس ~~جميعا ينبئونك بأنه كان كائنا إلهيا له ذيل مذهب ورأس إنسان، وأنه كان يخرج من الماء ~~ليعظ أهل الأرض ثلاث ساعات في كل يوم، وقد ولد له بنون كثيرون وكلهم كان ملكا كما يعرف ~~الناس جميعا، وإن عندي صورة له أعبدها كما ينبغي لها أن تعبد، وللناس أن يأكلوا من لحم ~~الثور ما أحبوا، ولكن ليس لهم أن يطبخوا السمك، ومع ذلك فأنتما تنتميان إلى أصل حديث العهد ~~قليل الحظ من الشرف، فما ينبغي لكما أن تجادلا، فالأمة المصرية لا تعد إلا خمسة وثلاثين ~~ومائة ألف عام، والهند لا تفاخر إلا بثمانين ألف عام، أما نحن فإن تقاويمنا تسجل أربعة ~~آلاف من القرون؛ فاسمعا لي وأعرضا عن هذا الهذيان، وأنا زعيم أن أهدي إلى كل واحد منكما ~~صورة من صور يونس.» # قال ساكن كمبالو: «إني أكبر المصريين، والكلدانيين، واليونان، والكلتيين، وبراهما، والثور ~~آبيس، والحوت العظيم يونس، ولكن ربما كان «اللي» وهو نور الطبيعة أو «القيان» وهو السماء ~~والإله أحق بالتكرمة من الثور والسمك، ولن أقول شيئا عن وطني، فهو أكبر من مصر وبلاد ~~الكلديين والهند جميعا، ولن أجادل في قدم العهد، فحسب الإنسان أن يكون سعيدا، وليس أهون ~~من أن يكون قديم الأصل، وإذا لم يكن بد من ذكر التقاويم فإني أقول إن آسيا كلها تستعير ~~تقاويمنا، وإننا أحسنا وضع التقاويم قبل أن يتعلم الكلدانيون الحساب.» # هنالك صاح اليوناني: «إنكم جميعا لجاهلون! ألا تعلمون أن الكاووس هو أصل كل شيء، وأن ms37 ~~المادة والصورة هما اللتان جعلتا العالم كما هو الآن؟» وقد تكلم اليوناني فأطال الكلام، ~~ولكن الكلتي الذي أسرف في الشرب أثناء هذا الحوار ظن أنه أعلم منهم جميعا، وصاح قائلا ~~إنه ليس غير توتة والبلوط شيء يستحق التكريم والإجلال، وإنه هو يحمل دائما من هذا الزهر ~~في جيبه، وإن أجداده السيتيين هم وحدهم أهل الخير في الأرض كلها، وإنهم في الحق ربما أكلوا ~~جسم الإنسان، ولكن ذلك لا يمنع من أن من الحق على الناس أن يعرفوا لهم قدرهم، وأن من ذكر ~~توتة بسوء فسيعلمه كيف ينبغي أن يعيش. # وقد اشتدت الخصومة حينئذ، ورأى سيتوك أن المائدة توشك أن يصبغها الدم، وكان زديج قد ~~احتفظ بالصمت أثناء هذا الحوار كله، فنهض إذ ذاك ثم اتجه إلى الكلتي؛ لأنه كان أشد القوم ~~غضبا، وقال له: إنه مصيب، وطلب إليه بعض زهره، وحمد لليوناني بلاغته، وهدأ النفوس الثائرة، ~~ولم يقل لصاحب كتاي إلا قليلا لأنه كان أعقل القوم جميعا، ثم قال لهم جميعا: «أيها ~~الأصدقاء، لقد كدتم تختصمون في غير طائل؛ لأنكم جميعا متفقون.» هنالك تصايح القوم، قال ~~للسيتي: «أليس من الحق أنك لا تعبد الزهر والبلوط، وإنما تعبد صانعهما؟» قال الكلتي: «لا شك ~~في ذلك.» «وأنت يا سيدي المصري إنما تعبد في بعض الثيرة من خلق لك الثور.» قال المصري: ~~«نعم.» «ويونس الحوت يجب أن يذعن لمن خلق البحر والسمك.» قال الكلداني: «أوافق على ذلك.» ~~قال: «والهندي والكاتي يعترفان من غير شك بالمبدأ الأول لكل شيء، ولم أفهم هذا الكلام ~~الرائع الذي تكلم به اليوناني، ولكنه واثق بأنه يسلم بوجود كائن عظيم هو الذي أنشأ المادة ~~والصورة.» قال اليوناني وقد أحس الإعجاب به إن زديج قد فهم عنه حق الفهم، قال زديج: «فأنتم ~~إذن على رأي واحد، وليس هناك ما يدعو إلى الخصومة.» فأقبل القوم عليه يعانقونه؛ ثم باع ~~سيتوك تجارته بيعا رابحا وعاد مع صديقه إلى قبيلته، ولكن زديج عرف عند وصوله أن قضيته قد ~~نظرت أثناء غيبته، وأن الحكم ms38 قد صدر عليه أن يحرق في نار هادئة. # الفصل الثالث عشر # | الموعد # وكان كهنة الكواكب قد أزمعوا أثناء رحلته إلى البصرة أن يعاقبوه، فقد كانت جواهر الأرامل ~~اللاتي يرسلن إلى النار وحليهن تئول إليهم، فلم يكن أقل من أن يحرقوا زديج عقابا له على ~~ما جر عليهم من خسارة، فاتهموه إذن بسوء رأيه في جيش السماء، ورفعوا القضية، وأقسموا على ~~أنهم قد سمعوه يقول: إن نجوم السماء لا تغرب في البحر، وقد ارتعد القضاة لهذا الكفر ~~الشنيع، وكادوا يمزقون ثيابهم حين سمعوا هذا المنكر من القول، وقد كانوا أحرياء أن يفعلوا ~~لو علموا أن لزديج من المال ما يعوض عليهم ثيابهم، ولكنهم حين انتهى بهم الألم إلى أقصاه ~~اكتفوا بالحكم عليه أن يحرق في نار هادئة، وقد جزع سيتوك وأنفق ما كان يملك من جهد لينقذ ~~صديقه، ولكنه أكره على الصمت إكراها، هنالك أزمعت الأرملة الشابة ألمونا أن تنقذه، وكانت ~~قد أحبت الحياة بفضل زديج، فأرادت أن تعصمه من النار التي بين لها ما فيها من الظلم، ~~فأدارت رأيها في رأسها دون أن تتحدث به إلى أحد، وكان مقررا أن يحرق زديج من غده، فلم يكن ~~أمام الأرملة إلا الليل لإنقاذه، وإليك الخطة التي دبرتها في رحمة ورفق وحذر. # تعطرت وازينت حتى جعلت جمالها ساحرا فاتنا، ثم طلبت لقاء خاصا إلى رئيس كهنة ~~النجوم، فلما مثلت أمام هذا الشيخ الجليل قالت له: «أيها الابن البكر للدب الأعظم، يا أخا ~~الثور، وابن عم الكلب الأكبر - وكانت هذه ألقاب رئيس الكهنة - لقد أقبلت أفضي إليك بذات ~~نفسي، إني لمشفقة أن أكون قد وقعت في خطيئة عظيمة حين لم أحرق نفسي في أثر زوجي العزيز، ~~وعلى ماذا أردت أن أبقي جسم هالك قد أخذت فيه السن!» قالت ذلك وهي تخرج من كمها الحريري ~~ذراعها العارية ذات الصورة الرائعة والبياض الخلاب، قالت: «انظر، ما أهون هذا وما أقل ~~خطره!» ووجد زعيم الكهنة في دخيلة نفسه أن هذا شيء عظيم الخطر، قالت ذلك عيناه وأكد ms39 ذلك ~~فمه، فقد أقسم أنه لم ير قط في حياته أجمل من هذه الذراع، قالت الأرملة: «وا حسرتاه! لعل ~~الذراع أن تكون خيرا من سائر الجسم، ولكنك توافقني على أن النحر لم يكن خليقا بعنايتي.» ~~ثم أظهرت أجمل ثدي صنعته الطبيعة لو قرن إليه زر من الورد على تفاحة من العاج لأذى بها، ~~ولو قرنت إليه الحملان بعد غسلها لظهرت بالقياس إليه صفراء مشبعة بالسمرة، هذا النحر وهاتان ~~العينان الكبيرتان الفاترتان المشرقتان بنار رفيقة وهذان الخدان اللذان يزدهيان بأجمل ~~الأرجوان قد خالطه بياض اللبن النقي، وأنفها الذي لم يكن كبرج جبل لبنان، وشفتاها اللتان ~~كانتا كطرفي محارة من مرجان تضمر أجمل ما في بحر العرب من اللآلئ، # 1 # كل هذا مجتمعا أشعر الشيخ بأنه ابن عشرين، فأعلن إليه حبه متلعثما، ولما رأته ~~ألمونا ملتهبا سألته العفو عن زديج، قال: «وا حسرتاه! أيتها السيدة الحسناء، لو أجبتك إلى ~~ما تطلبين لما أغنى عفوي عنه شيئا، فقد يجب أن يمضي هذا العفو ثلاثة آخرون من الزملاء.» ~~قالت ألمونا: «فأمض أنت.» قال الكاهن: «مع السرور بشرط أن يكون عطفك ثمنا لعفوي.» قالت ~~ألمونا: «إنك لتغلو في تشريفي، فتفضل بزيارتي إذا غربت الشمس، وأشرقت في الأفق النجمة شيت، ~~فستجدني على إيوان وردي اللون، وستصنع بخادمتك ما تشاء!» ثم خرجت ومعها الإمضاء، وتركت ~~الشيخ يصرعه الحب ويخيفه الشك في قوته، وأنفق سائر اليوم في حمامه، واحتسى شرابا مزاجه من ~~قرفة سيلان وبهار تيدوروترنات، وانتظر وقد كاد يفقد الصبر أن تظهر النجمة شيت في ~~الأفق. # وفي أثناء ذلك مضت ألمونا الحسناء فلقيت الكاهن الثاني، فأكد لها أن الشمس والقمر وكل ~~ما في السماء من نجوم ليست إلا نارا موهومة بالقياس إلى سحرها، فطلبت إليه العفو نفسه، ~~وطلب إليها أن تؤدي ثمنه، فأظهرت الإذعان وضربت موعدا للكاهن الثاني حين تشرق النجمة ~~الجنيب، ثم مضت إلى الكاهن الثالث وإلى الكاهن الرابع، ظافرة دائما بالإمضاء، ضاربة موعدا ~~من نجم إلى نجم. ثم طلبت إلى القضاة أن يلموا بدارها لأمر ms40 ذي بال، فلما حضروا أظهرت لهم ~~الأسماء الأربعة، وأنبأتهم بأي ثمن باع الكهنة عفوهم عن زديج، وأقبل كل واحد من الكهنة في ~~موعده، ودهش كل واحد منهم حين رأى زملاءه وبنوع خاص حين رأى القضاة الذين تبينوا خزيهم ~~واضحا، وكذلك نجا زديج، أما سيتوك فقد فتنته مهارة ألمونا فاتخذها له زوجا. # الفصل الرابع عشر # | الرقص # وكان على سيتوك أن يذهب بتجارته إلى جزيرة سرنديب، ولكن الشهر الأول لزواجه - وهو كما ~~يعلم الناس جميعا شهر العسل - لم يسمح له بفراق امرأته، ولا بتخيل أنه يستطيع فراقها إلى ~~آخر الدهر، فتقدم إلى خليله زديج أن يقوم عنه بهذه الرحلة، وكان زديج يقول لنفسه: «وا ~~حسرتاه! أيجب أن أمعن في السفر حتى أجعل بين أستارتيه وبيني أبعد الآماد! ولكن يجب أن أخدم ~~من أحسنوا إلي.» قال ذلك ثم بكى ثم ارتحل. # ولم يمض عليه قليل من الوقت في جزيرة سرنديب حتى نظر إليه على أنه رجل متفوق ممتاز، ~~وقد أصبح حكما بين كبار التجار وصديقا للحكماء، ومشيرا على هذه القلة من الناس الذين ~~يحبون أن يستشيروا، وقد أراد الملك أن يراه ويسمع منه، فما أسرع ما عرف قيمته ووثق بحكمته ~~واتخذه خليلا، وقد اضطرب زديج لما وجد عند الملك من إلف ومودة، فقد كان في أثناء الليل ~~والنهار مروعا بما جرت عليه عشرة مؤبدار من شقاء، وكان يقول لنفسه: «لقد أعجبت الملك، ~~أفلا يمكن أن يسوقني هذا إلى التهلكة؟» ولم يكن من الممكن مع ذلك أن يتخلص من لطف الملك، ~~فيجب أن نعترف بأن نابوسان ملك سرنديب ابن نوسناب ابن نابسون ابن سنبوسنا كان من ~~خيرة ملوك آسيا، وكان عسيرا على من تحدث إليه ألا يحبه. # وكان هذا الملك الكريم ممدحا دائما، مغشوشا دائما، مسروقا دائما، وكان صاحب بيت ~~المال في سرنديب قدوة في ذلك يتبعها الموظفون جميعا، وكان الملك يعلم ذلك، وقد غير صاحب ~~بيت ماله غير مرة، ولكنه لم يستطع تغيير السنة المقررة التي تقتضي أن يقسم دخل الملك ~~إلى قسمين ms41 غير متساويين، يبقى أصغرهما لجلالته، ويئول أكبرهما إلى الموظفين. # وقد أفضى الملك نابوسان بهمه هذا إلى زديج. قال له ذات يوم: «إنك تعرف أشياء كثيرة ~~قيمة، فهل تعرف الطريق إلى أن أجد خازنا للمال لا يخون؟» قال زديج: «ليس في ذلك شك، إني ~~أعرف السبيل الأمينة إلى أن أجد لك خازنا نقي اليدين.» قال الملك مأخوذا وهو يقبله: ~~«ما عسى أن تكون هذه السبيل؟» قال زديج: «إنما هي أن تدعو المرشحين لهذا المنصب جميعا إلى ~~الرقص، وأيهم كان رقصه خفيفا نشيطا فائتمنه على بيت مالك.» قال الملك: «إنك لتمزح! ~~وإنها لطريقة رائعة يختار بها الأمين على بيت المال، ماذا! أتزعم أن أحسن الناس وثبا ~~وعبثا بقدميه هو الخازن الأمين النقي؟» قال زديج: «لا أزعم لك أنه سيكون أمهر الخزان، ~~ولكني أؤكد لك أنه سيكون أعظمهم حظا من الأمانة.» # وكان زديج يقول هذا في ثقة وحزم، حتى خيل إلى الملك أن لديه سرا خارقا يعرف به ~~دخائل المديرين للأموال، قال زديج: «إني لا أحب الخوارق، وقد ضقت دائما بأصحابها وبالكتب ~~التي تخوض فيها، فإذا أذنت جلالتك لي في تنظيم الامتحان الذي اقترحته فستعلم أن السر يسير ~~لا عسر فيه ولا التواء.» وقد دهش نابوسان ملك سرنديب حين سمع أن هذا السر يسير سهل ~~أكثر مما كان خليقا أن يدهش لو قيل له إن السر خارق لقوانين الطبيعة، قال لزديج: «هو ذاك، ~~فنظم الامتحان كما تشاء.» قال زديج: «دعني أفعل، وستربح من هذا الامتحان أكثر مما تقدر.» ~~وفي اليوم نفسه أعلن باسم الملك أن من يرشح نفسه لإدارة بيت المال للملك نابوسان بن نوسناب ~~فعليه أن يتخذ ثوبا من حرير رقيق، وأن يسعى إلى قصر الملك في اليوم الأول من شهر التمساح، ~~وقد سعى المرشحون إلى القصر، وكان عددهم أربعة وستين رجلا، وكانت قد أعدت في الحجرة ~~المجاورة جوقة موسيقية، وقد أعد للرقص كل شيء، ولكن باب الحجرة ظل مغلقا، وكان من أراد ~~الوصول إلى الحجرة سلك إليها ممرا ضيقا مظلما بعض ms42 الشيء، وأقبل حاجب فقاد المرشحين ~~واحدا في إثر واحد إلى الحجرة من هذا الممر، وجعل يترك كل واحد منهم فيه منفردا دقائق، ~~وكان الملك قد عرف سر زديج فعرض كنزه كله في هذا الممر، فلما انتهى المرشحون جميعا إلى ~~الحجرة أمر الملك بترقيصهم، ولم ير أحد قط راقصين رقصوا في غير ظرف ولا خفة كهؤلاء الناس ~~الذين كانوا يرقصون، وقد خفضوا رءوسهم وحنوا ظهورهم وألقوا أذرعهم بجيوبهم، وكان زديج يقول ~~همسا: «يا لهم من خونة!» وكان واحد منهم ليس غير يرقص رقصا خفيفا مرفوع الرأس مطمئن ~~الحظ مستقيم القد ممدود الذراعين ثابت الساقين، وكان زديج يقول: «يا له من رجل شريف! يا له ~~من رجل كريم!» وقد قبل الملك هذا الراقص المجيد، وجعله على خزائنه، وعوقب الآخرون وفرضت ~~عليهم الغرامات في أدق العدل وأقومه؛ فقد كان كل واحد منهم أثناء اجتيازه للممر قد ملأ ~~جيوبه حتى أثقله ما حمل، فلم يكن يرقص إلا في جهد شديد. # وقد حزن الملك على الطبيعة الإنسانية؛ إذ رأى بين أربعة وستين راقصا ثلاثة وستين سارقا، ~~وسمي الممر المظلم دهليز الإغراء، ولو وقع هذا الحادث في فارس لسيق الثلاثة والستون ~~رجلا إلى العذاب، ولو وقع هذا الحادث في بلد آخر لحوكم هؤلاء الناس أمام محكمة ينفق عليها ~~ثلاثة أمثال المال المسروق دون أن تعيد إلى خزانة الملك شيئا، وفي بعض البلاد الأخرى كان ~~هؤلاء السارقون يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم أحسن الدفاع، وأن يصبوا غضب الملك على هذا ~~الراقص الخفيف؛ أما في سرنديب فلم يقض على هؤلاء الناس إلا بإغناء بيت المال؛ لأن ~~نابوسان كان رجلا حليما عفوا. # وكان ذلك عارفا للجميل، فأهدى إلى زديج مالا عظيما أعظم مما سرق أي سارق من خزانة ~~الملك، وقد انتفع زديج بهذا المال، فأرسل رسلا إلى بابل ليعلموا له علم أستارتيه، وقد ~~اضطرب صوته حين أصدر أمره إلى الرسل وعاد دمه إلى قلبه، وغشيت عينيه سحابة من ظلمة، وكادت ~~نفسه تفارقه، وقد أبحر الرسل ورآهم زديج يبحرون، فعاد ms43 إلى قصر الملك، ولما لم ير أحدا ~~ظن نفسه في خلوة، فنطق لسانه بلفظ الحب، قال الملك: «الحب! إنه هو الذي يشغلني، لقد استطعت ~~أن تعرف مصدر حزني، إنك لرجل عظيم، وإني لأرجو أن تدلني على الطريق التي أعرف بها امرأة ~~أمينة شريفة كما دللتني على الطريق التي أهديت بها إلي خازنا أمينا.» وقد ثاب زديج إلى ~~نفسه ووعد الملك بأن يعينه على الحب كما أعانه على تدبير المال، وإن كان أمر الحب أشد ~~عسرا. # الفصل الخامس عشر # | العيون الزرق # قال الملك لزديج: «الجسم والقلب ...» فلم يستطع البابلي إلا أن يقاطع الملك قائلا: «ما ~~أشد شكري لك؛ لأنك لم تقل العقل والقلب! فإنا لا نسمع إلا هاتين الكلمتين في أحاديث ~~البابليين، وما أكثر ما نقرأ من الكتب التي تتحدث عن القلب والعقل، وقد أنشأها قوم لا حظ ~~لهم من قلب أو عقل، ولكن تفضل يا مولاي فأتمم حديثك.» قال نابوسان: «إن جسمي وقلبي قد ~~خلقا للحب، وقد رضي الأول، ففي قصري مائة امرأة قد خصصت لخدمتي، وكلهن حسان طائعات ~~سابقات إلى ما أريد، بل محبات للذة أو متكلفات هذا الحب ابتغاء مرضاتي، ولكن قلبي بعيد أشد ~~البعد عن السعادة، فقد تبينت أكثر مما ينبغي أن هؤلاء النساء يمتعن ملك سرنديب، ولا ~~يفكرن في نابوسان، ولست أظن بنسائي خيانة أو إثما، ولكن أود لو أجد نفسا تخلص لي، ~~ولو قد ظفرت بهذا الكنز لافتديته بهذه المائة من الحسان اللاتي يمتعنني بسحرهن، فانظر هل ~~تجد في هذه المائة من السلطانات واحدة أستطيع أن أثق بأنها تحبني؟» # فأجابه زديج على نحو ما أجابه حين ذكر له الخزان: «مولاي، دعني أفعل، وأذن لي في ~~أن أتصرف في الكنوز التي عرضتها في الممر، وسأرفع إليك حسابها ولن تفقد منها شيئا.» فترك ~~له الملك الأمر كله، وتخير هو من بين أهل سرنديب ثلاثة وثلاثين رجلا كلهم أحدب، وكلهم قد ~~مني بقبح بشع، وتخير كذلك ثلاثة وثلاثين من خدم القصر كلهم رائع الجمال، وثلاثة وثلاثين ~~كاهنا كلهم ms44 فصيح وكلهم قوي، وترك لهم جميعا الحرية في أن يدخلوا على السلطانات في ~~مقاصيرهن، وأتيح لكل أحدب أربعة آلاف دينار يغري بها، فلم يمض اليوم الأول حتى كان الحدب ~~جميعا سعداء، أما خدم القصر الذين لم يكن لديهم ما يعطون إلا أنفسهم فلم ينتصروا إلا ~~بعد يومين أو ثلاثة أيام، أما الكهنة فقد وجدوا مشقة أشد، ولكن ثلاثة وثلاثين من الصالحات ~~أسمحن لهم آخر الأمر، وكانت للملك نوافذ يشرف منها على هذه المقاصير، فرأى هذا الامتحان كله ~~وبلغ منه العجب أقصاه، وقد رأى تسعة وتسعين من نسائه يسقطن بمنظر منه، وبقيت واحدة شابة ~~حديثة لم يدن منها الملك قط، فأرسل إليها أحدب وأحدبان وثلاثة عرضوا عليها أكثر من عشرين ~~ألف دينار، ولكنها ثبتت على الشرف، وضحكت من هؤلاء الحدب الذين قدروا أن المال يبلغهم ما ~~يشاءون، ثم قدم إليها خادمان هما أروع الخدم جمالا، فقالت: إنها ترى الملك أجمل منهما، ~~ثم أغري بها أفصح الكهنة ثم أقواهم، فوجدت أولهما ثرثارا ولم تلتفت إلى ثانيهما، وكانت ~~تقول: «إن القلب هو كل شيء، ولن أستسلم آخر الدهر لأحدب من أجل ماله، ولا لشاب من أجل ~~جماله، ولا لكاهن من أجل فتنته، إنما أحب نابوسان بن نوسناب، وسأنتظر أن يتنزل ~~فيحبني.» # هنالك غلب الفرح والدهش والحنان على الملك، فأخذ كل ما قدم الحدب إلى النساء من مال، ~~وقدمه هدية إلى السلطانة الشابة، وكانت تسمى فاليد، ثم أهدى إليها قلبه وكانت خليقة به، ~~ولم ير قط زهرة الشباب أشد إشراقا ولا سحر الجمال أشد فتنة للقلوب كما رآهما فيها، والدقة ~~التاريخية لا تسمح بأن تخفي أنها لم تكن تحسن التحية، ولكنها كانت ترقص رقصا رائعا، ~~وتغني كبنات البحر، وتتحدث كآلهة الجمال، وكان حظها عظيما من الفضيلة والذكاء. # وقد أحبت نابوسان، وعبدها هو، ولكن عينيها كانتا زرقاوين، وكانت زرقة عينيها مصدر شقاء ~~عظيم، وكان في بابل قانون قديم يحظر على الملك أن يحب امرأة من هؤلاء النساء التي سماهن ~~اليونانيون فيما بعد ذوات عيون المها، ms45 وكان زعيم الكهنة قد شرع هذا القانون منذ خمسة آلاف ~~سنة أراد بذلك أن يستأثر بخليلة الملك الأول بجزيرة سرنديب، وجعل هذا القانون جزءا من ~~دستور الدولة، فما هي إلا أن تسعى طبقات الدولة كلها إلى الملك لترفع إليه احتجاجها، وجرى ~~على الألسنة كلها أن ساعة المملكة قد اقتربت، وأن الشر قد بلغ أقصاه، وأن الطبيعة كلها ~~معرضة لخطر عظيم؛ لأن نابوسان بن نوسناب يحب عينين كبيرتين زرقاوين، وقد امتلأت المملكة ~~بشكاة الحدب ورجال المال والكهنة والنساء السمر. # وانتهز الشعب المتوحش الذي يسكن شمال الجزيرة فرصة هذا السخط العام، فأغار فجأة على مملكة ~~نابوسان الخير، وطلب الملك إلى رعيته مالا، فاكتفى الكهنة الذين يملكون نصف الدولة برفع ~~أيديهم إلى السماء، وأبوا أن يدخلوها في خزائنهم ليعينوا الملك، وأعلنوا صلوات موسيقية ~~رائعة، وتركوا الدولة نهبا للمغيرين المتوحشين. # قال نابوسان: «أيها العزيز زديج، أمنقذي أنت من هذه الورطة أيضا؟» قال زديج: «حبا ~~وكرامة، ستظفر من أموال الكهنة بكل ما تريد، فدع الأرض التي أقاموا عليها قصورهم ودافع عن ~~أرضك وحدها.» وقد استجاب نابوسان إلى زديج، فما أسرع ما أقبل الكهنة إليه ضارعين يلتمسون ~~معونته! وقد أجابهم الملك بصلاة موسيقية رائعة، توسل فيها إلى السماء أن تحمي أرضهم من ~~العدوان، هناك قدم الكهنة أموالهم، وانتهى الملك بالحرب إلى غاية سعيدة، وكذلك جر زديج ~~على نفسه بمشورته الحكيمة الموافقة وخدمته العظيمة عداوة لا هوادة فيها من أكبر رجال ~~الدولة، فأقسم الكهنة والنساء السمر ليهلكنه، وتحالف الحدب ورجال المال على أن ينغصوا ~~عليه الحياة، وما زالوا به حتى شككوا فيه الخير نابوسان، وقد قضى زرادوشت بأن ما يؤدى من ~~خدمة يظل في حجرة الانتظار، وبأن الشك والريبة ينفذان إلى ما وراء الأبواب، وكان كل يوم ~~يتكشف عن اتهام جديد، فأما التهمة الأولى فتدفع، وأما التهمة الثانية فتمس مسا ~~رفيقا، وأما الثالثة فتجرح، والرابعة هي التي تقتل. # وكان زديج قد ارتاع لما رأى، وكان قد باع تجارة صديقه سيتوك وحصل أمواله، فلم يفكر منذ ~~ذلك الوقت ms46 إلا في الرحيل، وأزمع أن يذهب بنفسه ليعلم علم أستارتيه، وكان يقول لنفسه: «إن ~~أقمت في سرنديب دفعني الكهنة إلى العذاب، ولكن إلى أين أذهب! سأكون رقيقا في مصر، وسأحرق ~~في أكبر الظن إن ذهبت إلى بلاد العرب، وسأشنق في بابل، ومع ذلك يجب أن أعلم مصير ~~أستارتيه، فلنرتحل ولننظر ماذا ادخر لي القضاء الكئيب.» # الفصل السادس عشر # | قاطع الطريق # بلغ زديج الحدود التي تفصل بين بتراء وسوريا، فرأى قصرا عظيما خرج منه أعراب مسلحون، ~~ورأى نفسه وقد أحيط به والأعراب من حوله يتصايحون: «كل ما معك من مال فهو لنا، أما شخصك ~~فلسيدنا.» وقد أجاب زديج فاستل سيفه، وكان خادمه شجاعا فصنع صنيعه، وما هي إلا أن يصرعا ~~من الأعراب أول من تقدم إليهما ليضع عليهما يده، ثم تضاعف العدد فلم يدهشهما ذلك، وإنما ~~أزمعا أن يموتا محاربين، وكان رجلان يقاتلان جماعة ضخمة من الناس، وموقعة كهذه لا يمكن أن ~~تطول، وكان صاحب القصر واسمه أربوجاد ينظر من إحدى النوافذ، فلما رأى بلاء زديج ونجدته ~~أحبه، فنزل مسرعا وأقبل حتى فرق عنه الجماعة وقال: «كل ما مر بأرضي فهو لي، وكل ما وجدت ~~بأرض غيري فهو لي أيضا، ولكني أراك رجلا شجاعا، فقد وضعت عنك ثقل هذا القانون العام.» ثم ~~أدخله القصر، وأمر أصحابه أن يحسنوا العناية به، فلما كان المساء دعاه إلى مائدته. # وكان سيد القصر رجلا من هؤلاء الأعراب الذين يسمون لصوصا، ولكنه كان أحيانا يأتي ~~قليلا من الحسنات بين كثير من السيئات، كان يسرق في كثير من الطمع وحب المال، وكان يعطي ~~في كرم وسخاء، كان شجاعا في الحرب، حلو العشرة، ماجنا على المائدة، مرحا في مجونه، وكان ~~على هذا كله شديد الصراحة، وقد أعجبه زديج إعجابا شديدا، وقد كان حديثه نشيطا حيا، ~~فطال جلوسه إلى المائدة، ثم قال أربوجاد: «إني أنصح لك بأن تنضم إلى جندي، فذلك خير ما ~~تستطيع أن تصنع، فإن هذه المهنة لا بأس بها، وجائز أن تصل ذات يوم إلى ما ms47 وصلت أنا إليه.» ~~قال زديج: «هل لي أن أسألك منذ كم مارست هذه المهنة الشريفة؟» أجاب: «منذ شبيبتي الأولى، ~~فقد كنت خادما لعربي ماهر، وكنت أبغض مكاني منه أشد البغض، وكنت شديد الحنق لما كنت أرى ~~من أن هذه الأرض التي سخرت للناس جميعا لم يتح لي منها نصيب؛ فأفضيت بهمي إلى عربي ~~شيخ، فقال لي: يا بني، لا تيأس، فقد كانت في قديم الزمان حبة من رمل تشكو مر الشكوى من ~~أنها ذرة ضئيلة في الصحراء، فلما مضت عليها سنون أصبحت ماسة، وهي الآن أبهى ما يزدان به تاج ~~ملك الهند، وقد أثر في هذا الحديث، كنت حبة الرمل فأزمعت أن أصبح ماسة، وقد بدأت فسرقت ~~فرسين ثم جمعت حولي بعض الرفاق، وتهيأت للسطو على صغار القوافل، وكذلك ألغيت قليلا قليلا ~~ما كان بين الناس وبيني من الفروق، وقد أخذت حظي من متاع هذه الدنيا، ولعلي أن أكون نلت ~~من الخير أضعاف ما احتملت من الحرمان، وقد ارتفعت مكانتي بين الناس وأصبحت أميرا قاطع ~~طريق، وأخذت هذا القصر عنوة، وقد هم حاكم سوريا أن ينتزعه مني، ولكني كنت قد بلغت من ~~الغنى حدا لا أخاف معه شيئا، ثم بسطت سلطاني على جزء عظيم من الأرض، وعهد إلي أن أكون ~~جابيا للإتاوة التي تؤديها بتراء إلى ملك الملوك، وقد جبيت الإتاوة ولكن لم أؤد منها ~~شيئا. # وقد أرسل خازن بيت المال للملك مؤبدار في بابل حاكما ما ليشنقني، وقد أقبل هذا الرجل ~~ومعه الأمر بشنقي، وكان يعلم كل شيء، وقد شنقت بين يديه الأشخاص الأربعة الذين استصحبهم ~~لشنقي، ثم سألته ما عسى أن يغل عليه شنقي من المال؟ قال: نحو ثلاث مائة دينار، فبينت له ~~أنه يستطيع أن يكسب عندي أكثر من ذلك، ثم جعلته لصا مساعدا، وهو الآن من خيرة رجالي، ~~وإنك لخليق إن أطعتني أن تنجح كما نجح، فلم تكن الظروف قط مواتية للسطو كما هي الآن بعد قتل ~~مؤبدار.» # قال زديج: «قد قتل مؤبدار؟ وإلام صار أمر ms48 الملكة أستارتيه؟» قال أربوجاد: «لا أدري! وكل ~~ما أعرفه هو أن مؤبدار قد جن ثم قتل، وأن بابل قد أصبحت موطنا للجرائم، وأن الدولة ~~كلها قد ظهر فيها الفساد، وأن هناك سبلا إلى العمل، وأني قد أبليت بلاء حسنا وحقيقا ~~بالإعجاب.» قال زديج: «ولكن أضرع إليك في أن تنبئني ألا تعلم من أمر الملكة شيئا؟» قال ~~أربوجاد: «لقد حدثت عن أمير لأركانيا، وأحسب أنها بين إمائه إن لم تكن قد قتلت في ~~الموقعة، ولكني أحرص على الغنيمة مني على الأنباء، وقد أخذت في غزواتي نساء كثيرات وبعتهن ~~جميعا، وأنا أغالي بالحسان منهن دون أن أحتفظ بواحدة منهن أو أسأل عن أنبائهن، وليس من ~~سبيل إلى شراء المراتب، وإن الملكة القبيحة لخليقة ألا تجد مشتريا، ولعلي قد بعت الملكة ~~أستارتيه، ولعلها قد ماتت، لا يعنيني شيء من ذلك، وأنت خليق ألا تعنى بشيء من ذلك.» ~~وكان يقول ذلك ويمعن في الشرب حتى اختلط عليه كل شيء، ولم يستطع زديج أن يعلم منه ~~شيئا. # فلبث ذاهلا واجما قد أثقلته الهموم، وكان أربوجاد ممعنا في شربه ملحا في حديثه، ~~معلنا دائما أنه أسعد الناس، ملحا على زديج أن يجعل نفسه سعيدا مثله، ثم دفعته الخمر ~~إلى نوم هادئ هنيء، وأنفق زديج ليلته مضطربا أشد الاضطراب، وكان يقول لنفسه: «ماذا! لقد ~~جن الملك وقتل! إني لأرثي له أشد الرثاء، لقد مزقت الدولة، وقاطع الطريق هذا سعيد، ~~يا للحظ! يا للقضاء! إن اللص لسعيد، وإن أجمل من صورت الطبيعة يمكن أن يكون قد مات أبشع ~~الموت، أو أن يكون قد كتبت عليه حياة شر من الموت! أي أستارتيه إلام صار ~~أمرك؟» # فلما أسفر الصبح جعل يسأل كل من لقيه في القصر، ولكن الناس جميعا كانوا عنه في شغل فلم ~~يرجع عليه أحد جوابا، وكان القوم قد أغاروا وغنموا أثناء الليل؛ فكانوا يقتسمون الغنائم، ~~وكل ما استطاع أن يظفر به في هذا الاضطراب والاختلاط هو الإذن له بالسفر، فأسرع إلى الرحيل ~~غارقا في تفكيره الأليم. # ومضى ms49 زديج أمامه مضطربا قلقا، فقد شغل عقله بالبائسة أستارتيه، وبملك بابل، وبخليله ~~كادور، وباللص السعيد أربوجاد، وتلك المرأة الجامحة التي اختطفها البابليون على حدود مصر، ~~ثم كل المصاعب والمصائب التي ألحت عليه. # الفصل السابع عشر # | الصائد # فلما كان على مراحل من قصر أربوجاد، وجد نفسه على شاطئ جدول صغير، وهو يندب حظه ويرى ~~أنه صورة صادقة للشقاء، ولكنه رأى غير بعيد منه صائدا نائما على الشاطئ ممسكا في فتور ~~وبيد كسلى شبكته التي كان كأنه يهملها، وقد رفع عينيه إلى السماء وهو يقول: # إني لأشقى الناس جميعا، ما في ذلك من شك، لقد كنت عند أهل بابل أعظم باعة ~~الجبن الأبيض، ثم حل بي الخراب، ولقد كانت زوجي أجمل امرأة أتيحت لرجل وقد ~~خانتني، وقد بقيت لي دار ضئيلة حقيرة، فرأيتها تنهب وتدمر، وأنا الآن لاجئ إلى ~~كوخ صغير، لا أجد سبيلا إلى الرزق إلا الصيد، ولكن لا أظفر بسمكة واحدة، أيتها ~~الشبكة لن ألقيك في الماء بل سألقي نفسي فيه. # ثم ينهض ويسعى في هيئة الرجل الذي يريد أن يلقي نفسه في الماء ليختم حياته. # قال زديج لنفسه: «ماذا؟ أفي الناس من يعدل شقاؤهم شقائي!» ثم كان نشاطه إلى إنقاذ هذا ~~الرجل سريعا كخاطره هذا، فيجري إليه فيمسكه ويسأله في لهجة يشيع فيها الرفق والحنان ~~والتعزية، والناس يزعمون أن الشقاء يخف على الإنسان إذا لم يكن وحيدا، ولكن مصدر ذلك ~~فيما يقول زرادوشت ليس هو الدهاء، وإنما هي الحاجة، فالإنسان يشعر حينئذ بأنه مجذوب إلى ~~إنسان شقي كما يجذب النظير إلى نظيره، بحيث يصبح ابتهاج الرجل السعيد كأنه إهانة للبؤس، ~~ولكن الشقيين إذا التقيان كانا أشبه بشجيرتين تعتمد كل واحدة منهما على صاحبتها؛ فتثبتان ~~بذلك للعاصفة. # قال زديج للصياد: «لماذا تستسلم للشقاء؟» قال الصياد: «لأني لا أجد لي منه مخرجا، لقد ~~كنت أرفع الناس مكانة في قرية دير لباك قريبا من بابل، وكنت أصنع مستعينا بامرأتي ~~أجود ما في الدولة من الجبن الأبيض، وكانت الملكة أستارتيه والوزير المشهور زديج ms50 يحبان هذا ~~الجبن أشد الحب، وقد قدمت إلى قصريهما ستمائة قطعة منه، وذهبت ذات يوم إلى المدينة لأقبض ~~الثمن، فلما وصلت إلى بابل عرفت أن الملكة وزديج قد استخفيا؛ فأسرعت إلى قصر زديج ولم أكن ~~عرفته قط، وإذا أنا أرى جند صاحب الخزانة ومعهم أمر ملكي ينهبون القصر ويدمرونه كأحسن ما ~~يكون النهب والتدمير، فأسرعت إلى مطبخ الملكة وهنالك أنبأني بعض القائمين على طعامها أنها ~~ماتت، وقال آخرون إنها في السجن، وزعم آخرون أنها لاذت بالفرار، ولكنهم جميعا أكدوا لي ~~أن ثمن الجبن لن يؤدى إلي، فذهبت ومعي امرأتي إلى الأمير أوركان وكان أحد عملائي وطلبت ~~إليه أن يحمينا من هذه المحنة، فمنح حمايته لامرأتي ورفض أن يمنحني إياها، وكانت أنصع ~~بياضا من هذا الجبن الذي كان أصل شقائي، ولم يكن إشراق الأرجوان الذي تصدره مدينة صور أشد ~~بهجة مما كان يشرب بياضها من الحمرة، وهذا هو الذي أغرى أوركان باحتجازها وطردي من قصره، ~~فكتبت إلى امرأتي العزيزة رسالة من بلغ به الحزن حد اليأس، فقالت لمن أدى إليها الرسالة: ~~«إني لا أعرف صاحبها! لقد سمعت الناس يتحدثون عنه، يقال إنه يصنع جبنا متقنا فليحمل ~~إلي بعض هذا الجبن وليؤدى إليه ثمنه.» # فلما اشتد بي الشقاء أردت أن ألجأ إلى القضاء، ولم يكن بقي لي إلا ستة مثاقيل من ذهب، ~~فلم يكن بد من أن أدفع اثنين منها إلى رجل القانون الذي استشرته، واثنين للنائب الذي تولى ~~قضيتي، واثنين لأمين القاضي الأول، فلما فرغت من هذا كله لم تكن قضيتي قد ابتدئت، وكنت قد ~~أنفقت من المال أكثر مما يساوي جبني ومما تساوي امرأتي، فعدت إلى قريتي وأنا أريد أن أبيع ~~داري لأسترد امرأتي. # وكانت داري تقوم بستين مثقالا من الذهب، ولكن الناس كانوا يرونني فقيرا حريصا ~~على البيع، فساومني أول من عرضت عليه الدار ثلاثين مثقالا، وعرض علي الثاني عشرين ~~والثالث عشرة، وكنت مستعدا لإمضاء البيع لكثرة ما كان يشغلني عن التبصر في أمري، ولكن ~~أمير أركانيا أقبل مغيرا ms51 على بابل ودمر في طريقه كل شيء، ونهبت داري أول الأمر، ثم ~~أشعلت فيها النهار. # فلما فقدت مالي وامرأتي وداري؛ أويت إلى هذه الأرض حيث تراني، وحاولت أن أعيش من صناعة ~~الصيد، ولكن السمك يسخر مني كما يسخر مني الناس، فلا آخذ منه شيئا، وقد كاد الجوع أن ~~يهلكني، ولولا أنت أيها المعزي الكريم لأغرقت نفسي في هذا النهر.» # لم يسق الصياد قصته هذه على نسق واحد، فقد كان زديج يقاطعه من وقت إلى وقت متأثرا ~~محزونا قائلا: «ماذا؟ ألا تعلم شيئا عن مصير الملكة؟» كان الصياد يجيبه: «لا يا سيدي! ~~ولكني أعلم أن الملكة وزديج لم يؤديا إلي ثمن الجبن، وأن امرأتي قد أخذت مني، وأني ~~قد صرت إلى اليأس.» قال: «أنا أزعم لك أنك لن تفقد مالك كله، فقد سمعت الناس يتحدثون عن ~~زديج هذا وهو رجل شريف، وأنه إذا عاد إلى بابل كما يأمل أن يعود إليها لمؤد إليك أكثر ~~مما لك عنده، أما امرأتك التي ليست على هذا الحظ من الوفاء فإني أنصح لك أن تتخذ مكانها ~~زوجا أخرى، صدقني وعد إلى بابل، وسأبلغها قبل أن تصل أنت إليها، فأنا فارس وأنت راجل، ~~فإذا بلغت المدينة فاذهب إلى كادور المشهور وقل له إنك لقيت صاحبه في بعض الطريق، وانتظرني ~~عنده حتى ألقاك، امض فعسى ألا تكون شقيا دائما.» # ثم مضى زديج قائلا: «أيها القوي العظيم أوروزماد، إنك لتسخرني لتعزية هذا الرجل، فمن عسى ~~أن تسخر لتعزيتي؟» قال ذلك ودفع إلى الصياد نصف المال الذي احتمله من بلاد العرب كلها، ~~وجعل الصياد الدهش السعيد يقبل رجليه ويقول: «إنك أنت ملك منقذ.» # وكان زديج مع ذلك يطلب الأنباء ويذرف الدموع، قال الصياد: «ماذا يا سيدي! أيمكن أن تكون ~~شقيا إلى هذا الحد، وأنت الذي يبذل المعروف؟» قال زديج: «إني لأشقى منك مائة مرة.» قال ~~الصياد: «ولكن كيف يمكن أن يكون من يعطي أشد شقاء مما يأخذ؟» قال زديج: «لأن معظم شقائك ~~يأتي من الحاجة، أما شقائي فمصدره القلب.» ms52 قال الصياد: «أيمكن أن يكون أوركان قد اغتصب ~~منك زوجك؟» فأثارت هذه الكلمة في نفس زديج ذكرى مغامراته كلها، وجعل يعدد ما ألم به من ~~المصائب، مبتدئا بكلبة الملكة ومنتهيا بوصوله إلى قصر أربوجاد، ثم قال للصياد: «إن أوركان ~~خليق أن يعاقب، ولكن العادة جرت بأن أمثاله هم أحسن الناس حظا، ومهما يكن من شيء فامض ~~إلى قصر السيد كادور، وانتظرني هناك.» ثم افترقا، ومضى الصياد يثني على حظه، وعاد زديج ~~يلعن حظه لعنا. # الفصل الثامن عشر # | الباسليك # وانتهى زديج إلى مرج جميل، فرأى جماعة من النساء يبحثن عن شيء ويمعن في البحث، ~~فاستباح لنفسه أن يدنو من إحداهن وسألها: ألا يستطيع أن يشرف بمعونتهن على التماس ما ~~يبحثن عنه، قالت السورية: «إياك أن تفعل، فإن ما نلتمسه لا ينبغي أن يمسه إلا النساء.» ~~قال زديج: «هذا شيء غريب! هل لي أن أسألك عن هذا الذي لا ينبغي أن يمسه إلا النساء؟» ~~قالت: «إنه الباسليك.» قال زديج: «الباسليك يا سيدتي! وفيم تبحثن عن الباسليك؟» قالت ~~السورية: «إنما نبحث عنه لمولانا أوجول صاحب هذا القصر الذي تراه على شاطئ النهر في أقصى ~~المرج، فنحن إماؤه، وقد أصابته علة، فوصف له الطبيب الباسليك مطبوخا في ماء الورد، وهذا ~~الحيوان نادر لا يستسلم إلا للنساء، فقد أزمع مولانا أوجول أن يتزوج ممن تظفر له ~~بالباسليك، فدعني أبحث إن شئت، فقد ترى ما أتعرض له إن ظفرت إحدى صاحباتي من دوني ~~بالباسليك.» # وقد ترك زديج هذه السورية وصاحباتها يبحثن عن الباسليك، ومضى في المرج يسعى أمامه، حتى ~~إذا بلغ شاطئ الجدول رأى سيدة أخرى مستلقية لا تبحث عن شيء، وكان قدها يظهر فخما، وقد ~~ألقي على وجهها نقاب، وكانت منحنية نحو الجدول ترسل من فمها زفرات عميقة، وقد أخذت بيدها ~~عودا صغيرا جعلت تخط به حروفا على الرمل الدقيق المنبسط بين العشب والجدول، وقد أحس زديج ~~الحاجة إلى أن يتعرف ما كانت هذه السيدة تخط من حروف، فدنا وتبين حرف الزاي، ثم حرف الألف، ms53 ~~ثم ظهر حرف الدال، فأخذته رعدة، ولم يبلغ الدهش من أحد قط ما بلغه حين رأى الحرفين ~~الأخيرين من اسمه؛ فلبث ساعة ساكنا، ثم قطع الصمت بصوت متهدج قائلا: «أيتها السيدة ~~الكريمة، عفوك عن غريب بائس إذا اجترأ فسألك بأي مصادفة مدهشة يجد هنا اسم زديج.» فلما ~~سمعت السيدة هذا الصوت وهذه الألفاظ رفعت نقابها بيد مرتعدة، ثم نظرت إلى زديج، ثم صاحت ~~صيحة فيها الحنان والدهش والفرح، ثم صرعتها العواطف المختلفة التي أخذت نفسها من كل وجه؛ ~~فخرت مغشيا عليها بين ذراعيه، وكانت هذه السيدة هي أستارتيه، هي ملكة بابل، هي التي كان ~~زديج يعبدها ويلوم نفسه على عبادتها، هي التي بكى عليها ما بكى، وخاف عليها ما خاف، فظل ~~ساعة لا يملك من أمر نفسه شيئا، وقد وجه لحظه إلى عيني أستارتيه اللتين كانتا قد أخذتا ~~تتفتحان في فتور وخجل وحنان، هنالك صاح زديج: «أيتها القوة الخالدة التي تدبر مصير الناس، ~~أيمكن أن تردي إلي أستارتيه؟ في أي زمان، في أي مكان، في أي جمال ألقاها.» ثم جثا أمام ~~أستارتيه، ومرغ جبهته في التراب عند قدميها، فتنهضه ملكة بابل وتجلسه إلى جانبها على شاطئ ~~الجدول، ثم تمسح غير مرة عينيها اللتين كانتا لا تجفان إلا لتستأنفا سكب الدموع، وكانت ~~تستأنف عشرين مرة حديثها الذي كان يقطعه الأنين، وكانت تسأله عن المصادفة التي جمعت بينهما، ~~ثم تصرفه عن الرد عليها بأسئلة أخرى تلقيها عليه، وكانت تبدأ قصة آلامها ثم تقطع ذلك لتعرف ~~من آلام زديج ما كانت تجهل، ثم انتهيا آخر الأمر إلى تهدئة ما سيطر على نفسيهما من اضطراب، ~~وقص زديج عليها في حديث موجز ما ألم به من الخطوب، ثم قال: «ولكن أيتها البائسة العزيزة، ~~كيف أتيح لي أن ألقاك في هذا المكان المنعزل في زي الإماء؛ مرافقة نساء أخريات يبحثن عن ~~الباسليك ليطبخ في ماء الورد تنفيذا لأمر الطبيب؟» # قالت الحسناء أستارتيه: سأدعهن يبحثن عن الباسليك، وسأنبئك بكل ما احتملت، وبكل ما ~~أتجاوز عنه للأقدار بعد ms54 أن أتاح لي لقاءك، لقد علمت أن الملك زوجي قد أنكر أن تكون أحب ~~الناس إلى النفوس، ومن أجل هذا أزمع ذات ليلة أن يشنقك ويسمني، وقد علمت كيف أذن الله ~~للقزم الأخرس أن ينبئني بما دبر الملك العظيم، وما كاد الوفي كادور يكرهك على أن تطيع ~~أمري وتفر من بابل حتى دخل علي بعد أن نفذ إلى القصر من باب سري، ومن هناك اختطفني وذهب بي ~~إلى معبد أوروزماد؛ حيث خبأني أخوه الكاهن في جوف تمثال عظيم تستقر قاعدته عند أساس المعبد، ~~ويبلغ رأسه قبته. # هنالك أقمت كالمدفونة، ولكن الكاهن كان يخدمني ويوفر لي كل حاجاتي، بحيث لم ينقصني شيء ~~مما لا بد منه، ثم لم يسفر الصبح حتى دخل غرفتي صيدلي الملك يحمل شرابا مزاجه سم ناقع من ~~البنج والأفيون والشوكران والخربق وخانق الذئب، وذهب موظف آخر إلى قصرك ومعه حبل من حرير ~~أزرق، فلم يوجد منا أحد، وأزمع كادور أن يخدع الملك فأقبل إليه يشكوني ويشكوك، وزعم أنك ~~اتخذت طريقك إلى الهند، وأني اتخذت طريقي إلى مصر، فأرسل السعاة في أثرك وفي أثري. # وكان الذين يطلبونني لا يعرفونني، ولم أكن قد أظهرت وجهي قط إلا لك بمحضر من الملك ~~وبأمره، فمضوا يطلبونني على هدي الصورة التي وصفت لهم عليها، فصادفوا على حدود مصر امرأة ~~لها قامتي، ولعلها أن تكون أجمل مني، وكانت باكية هائمة، فلم يشكوا في أنها ملكة بابل، ~~فحملوها إلى مؤبدار؛ فلما رأى الملك خطأهم أخذه غضب عظيم، ولكنه تأمل ملامح هذه المرأة ~~فرأى جمالها وبهجتها، فسكت منه الغضب وأسرع إليه العزاء، وكانت هذه المرأة تسمى ميسوف، ~~وقيل لي بعد ذلك أن هذا الاسم معناه عند المصريين الجامحة الحسناء، وكانت جامحة حقا، ولكن ~~مهارتها لم تكن أقل من جموحها، وقد أعجبت مؤبدار وتسلطت عليه، حتى أعلن أنها أصبحت له ~~زوجا، وهنالك ظهر خلقها كله، فاندفعت في غير خوف إلى كل ما أوحى إليها خيالها من آيات ~~الجنون، وقد أرادت أن تكره عظيم الكهنة - وكان شيخا ms55 كبيرا قد أخذه النقرس - على أن يرقص ~~بين يديها، فلما أبى اضطهدته أشد الاضطهاد، وقد أمرت صاحب خيلها أن يصنع لها كعكة من ~~الحلوى، وقد اجتهد صاحب الخيل في أن يقنعها بأنه ليس صاحب هذه الصناعة، ولكنها أبت إلا أن ~~يطيع، ثم عاقبته بعد ذلك لأن كعكته أصابها بعض الحريق، وقد اختارت قزمها لمنصب صاحب ~~الخيل، وجعلت سياسة الدولة إلى أحد خدم القصر. # وكذلك حكمت مدينة بابل، وكان الناس جميعا يذكرونني آسفين، أما الملك الذي كان رجلا ~~شريفا مستقيما إلى اليوم الذي أزمع فيه أن يقتلني ويشنقك، فكان يظهر كأنما أغرق فضيلته ~~فيما استأثر من حب عظيم للجامحة الحسناء، فلما كان يوم العيد المقدس سعى إلى المعبد، ~~ورأيته جاثيا أمام التمثال الذي كنت أستخفي فيه، وهو يستنزل عطف الآلهة على ميسوف، فرفعت ~~صوتي صائحة به: «إن الآلهة يأبون أن يسمعوا لملك أصبح طاغية، وهم أن يقتل امرأة عاقلة ~~ليتزوج مكانها امرأة خرقاء.» وقد صدم مؤبدار بهذا الكلام حتى اختلط عقله، فكان الوحي الذي ~~ألقيته وطغيان ميسوف كافيين ليفقد الرجل صوابه، فلم تمض أيام حتى انتهى إلى الجنون. # وكان جنونه الذي رأى الناس فيه عقابا من السماء أول بوادر الثورة، فثار الناس وطاروا إلى ~~أسلحتهم، وأصبحت بابل التي طال عهدها بالبطالة والترف ميدانا لحرب أهلية منكرة، فأخرجت ~~من جوف التمثال ووضعت على رأس أحد الأحزاب، وأسرع كادور إلى ممفيس ليردك إلى بابل، ولكن ~~أمير أراكنيا لم يكد يعلم بهذه الأحداث حتى أقبل بجيشه، فكون حزبا ثالثا في بلاد ~~الكلدانيين، وقد هجم على جيش الملك فأسرع الملك إلى لقائه في حماقته المألوفة ومعه مصريته ~~الخرقاء. # فقتل مؤبدار مطعونا، وسقطت ميسوف بين أيدي المنتصرين، وأراد سوء الحظ أن يأخذني أنا ~~أيضا جماعة من جند أركانيا، وأن أقاد أمام الأمير في نفس الوقت الذي قيدت إليه فيه ميسوف، ~~وقد يتملقك فيما أظن أن تعلم أن الأمير وجدني أجمل من المصرية، ولكن قد يسوءك أن تعلم أنه ~~أضافني إلى حريمه، وقال لي في عزم وتصميم ms56 إنه سيسعى إلي متى فرغ من غارة كان يريد أن ~~يتمها، فقدر ألمي، لقد انقطعت الأسباب بيني وبين مؤبدار، وأصبح من الممكن أن أقترن بزديج، ~~وهذه الأقدار تسلمني إلى أمير متوحش، وقد أجبته مع كل الكبرياء التي تتيحها لي منزلتي ~~وعواطفي. # لقد سمعت دائما أن السماء تمنح أمثالي من الناس مزية تتيح لهم إذا نطقوا بكلمة أو نظروا ~~نظرة أن يردوا إلى الضعة والاستخذاء كل جريء يحاول أن يريدهم بسوء، وكنت أتحدث حديث ~~الملكة، ولكني عوملت معاملة الوصيفة، فلم يلتفت الأركاني إلي، وإنما قال لخصيه الأسود ~~إنه يجدني وقحة، ولكنه يراني حسناء، ثم أمره أن يحسن العناية بي، ويحملني على خطة الحظايا ~~في الطعام والشراب حتى يردني رخصة مشرقة، وحتى أصبح أهلا لرضاه حين يتفضل فيمنحني ~~قربه. # وقد أعلنت إليه أني سأقتل نفسي، فأجاب ضاحكا إن الناس لا يقتلون أنفسهم، وإنه خبير بهذا ~~النحو من الإباء، ثم انصرف عني وكأنه رجل قد وضع ببغاء في حظيرته التي خصصها لغرائب ~~الحيوان، فإلى أي هوان دفعت أكبر ملكات الأرض! بل إلى أي حال دفع هذا القلب الذي كان ~~موقوفا على زديج!» # هنالك جثا زديج أمامها وبلل ركبتيها بدموعه، فأنهضته أستارتيه في حنان ومضت قائلة: «فكنت ~~أرى نفسي أسيرة عند همجي متوحش، وخصما لامرأة مجنونة قد حبست معي، وقد حدثتني بقصتها في ~~مصر، وقد عرفت من الملامح التي ذكرتها ومن وصف النجيب الذي كان يحملك، ومن كل الظروف التي ~~أحاطت بهذه القصة أن زديج هو الذي قاتل من أجلها، ولم أشك في أنك كنت مقيما في ممفيس، ~~فأزمعت أن آوي إليها، فقلت لها: «أيتها الحسناء ميسوف، إنك أنضر مني جمالا، وأقدر مني ~~على تلهية أمير أركانيا، أعينني على الهرب، فسيتيح ذلك لك أن تتسلطي وحدك، وأن تسعدي ~~بالتخلص من منافسة.» وقد دبرت ميسوف معي وسيلة الهرب، فانسللت ذات يوم ومعي خادم ~~مصرية. # وكنت قد قاربت بلاد العرب، ولكن قاطع طريق يسمى أربوجاد يعدو علي فيخطفني فيبيعني لبعض ~~التجار، ويحملني هؤلاء إلى هذا القصر ms57 الذي يقيم فيه السيد أوجول، وقد اشتراني دون أن يعرف ~~من أكون، وهو رجل صاحب لذة لا يعنيه إلا أن يعكف على الطعام، وهو يعتقد أن الله لم يخلقه ~~إلا ليجلس على المائدة، وهو ضخم قد تجاوزت ضخامته الحد؛ حتى لتوشك أن تخنقه، وليس لطبيبه ~~عنده خطر إذا حسن هضمه لما يلتهم، ولكنه يحكمه حكم الطاغية إذا أسرف على نفسه في الأكل، وقد ~~ألقى في روعه أن سيبرأ من علته إذا أكل الباسليك مطبوخا في ماء الورد، وقد وعد السيد أوجول ~~بالزواج أي إمائه تحمل إليه الباسليك، وها أنت ذا ترى أني أتركهن يجهدن في استحقاق هذا ~~الشرف، وما أعرف أني زهدت في الظفر بالباسليك بمقدار ما زهدت فيه منذ أذنت السماء لي في أن ~~ألقاك.» # ثم أفضى كل من العاشقين إلى صاحبه بكل ما توحيه العواطف التي طال كبتها، وبكل ما تلهم ~~الآلام والحب للقلوب الكريمة من حنان نبيل، ورفعت الأرواح الموكلة بالحب حديثهما حتى بلغت ~~به فلك الزهرة. # وقد عاد النساء إلى القصر دون أن يجدن شيئا، ومثل زديج بين يدي أوجول متحدثا إليه على ~~هذا النحو: «لتهبط العافية الخالدة من السماء لتعنى بحياتك كلها، إنى طبيب، سمعت بعلتك ~~فأسرعت إليك أحمل الباسليك مطبوخا في ماء الورد، ولست أطلب أن أقترن بك، وإنما أطلب أن ~~تعتق أمة شابة بابلية حملت إلى هذا القصر منذ أيام، وأنا زعيم أن أكون في مكانها من الرق ~~إن لم أشف الأمير العظيم أوجول.» # وقد قبل عرض زديج، وسافرت أستارتيه إلى بابل ومعها خادمة، وقد وعدته بأن ترسل إليه في ~~أقرب وقت رسولا ينبئه بكل ما يجري في بابل من الأحداث، وكان وداعهما مفعما بالحنان كما ~~كان لقاؤهما. # وقد جاء في كتاب الزند العظيم أن ساعة اللقاء وساعة الوداع هما أخطر ساعات الحياة، وكان ~~زديج يحب الملكة بمقدار ما كان يؤكد لها حبه، وكانت الملكة تحب زديج أكثر مما كانت تعلن ~~إليه. # ثم قال زديج لأوجول: «سيدي، إن الباسليك الذي أحمله لا يؤكل، ms58 وإنما تنالك خصائصه من طريق ~~المسام، وقد وضعته في قربة منفوخة مغطاة بجلد رقيق، فيجب أن تدفع هذه القربة بكل ما ~~تقدر عليه من قوة، وأنا أردها عليك، وإذا مضينا على هذا النحو أياما قليلة فسترى إلى أي ~~حد يستطيع مثلي أن يصل.» فلما كان اليوم الأول وجد أوجول مشقة عظيمة في التنفس حتى ظن ~~أنه ميت من الإعياء، ولما كان اليوم الثاني تعب أقل من أمس، ونام أحسن مما نام أمس، ولم ~~تمض أيام ثمانية حتى استرد كل قوته وخفته ومرحه الذي ألفه في أعوامه السعيدة، قال له زديج: ~~«إنما لعبت بالكرة وأخذت نفسك بالقناعة، فتعلم أن الباسليك لا يوجد في الطبيعة، وأن صحة ~~الإنسان رهينة بالقناعة والتمرين، وأن الفن الذي يتيح للإنسان أن يجمع بين الصحة والشره ~~إنما هو فن خيالي يشبه حجر الفلاسفة وطوالع النجوم وسحر الكهان.» # وقد أحس طبيب أوجول بأن زديج قد أصبح خطرا بالقياس إليه، فاتفق مع صيدلي القصر على ~~أن يرسل زديج يلتمس الباسليك في العالم الآخر، وكذلك بعد أن عوقب زديج على إحسانه أصبح ~~الآن معرضا للموت؛ لأنه أبرأ من العلة أميرا شرها، وقد دعي إلى وليمة فاخرة، وكان ~~قد تقرر أن يوضع له السم في الدور الثاني من أدوار المائدة، ولكنه في الدور الأول تلقى ~~كتابا من الحسناء أستارتيه، فترك المائدة ومضى لوجهه، وقد قال زرادوشت العظيم: «إن ~~الإنسان الذي تحبه غادة حسناء، ينقذ دائما من المشكلات في هذه الحياة.» # الفصل التاسع عشر # | المبارزة # كان استقبال الملكة في بابل مليئا بالعطف على ملكة حسناء بائسة، وكانت بابل في ذلك تظهر ~~هادئة مطمئنة، فقد قتل أمير أركانيا في بعض المواقع، وقرر البابليون المنتصرون أن ~~أستارتيه ستكون زوجا للأمير الذي يختارونه ليكون لهم ملكا، وقد أبوا أن يكون أرفع مكان في ~~العالم وهو مقام الذي سيقترن بأستارتيه ويصبح ملكا على بابل موضوعا للدسائس والكيد، ~~فأقسموا ليملكن على أنفسهم أعظم الناس حظا من الشجاعة والحكمة، وقد أنشئ على فراسخ ~~من بابل ميدان عظيم أحاطت ms59 به مدرجات فخمة قد زينت أحسن زينة وأروعها، وكان على ~~المصطرعين أن يذهبوا إليه مدججين بالسلاح، وكان لكل واحد منهم من وراء المدرجات بيت يعتزل ~~فيه فلا يراه أحد ولا يرى أحدا، وكان عليهم أن يطاعنوا بالرماح أربع مرات، وكان على الذين ~~يتاح لهم أن يقهروا أربعة فرسان أن يصطرعوا فيما بينهم، حتى إذا أتيح لأحدهم أن ينتصر على ~~خصومه جميعا ويصبح سيد الميدان أعلن أنه هو الفائز في المسابقة، ثم وجب عليه أن يأتي بعد ~~أربعة أيام مدججا بالسلاح ليحل الألغاز التي يعرضها عليه الكهان، فإذا لم يوفق لحلها ~~لم يرق إلى العرش ووجب استئناف المبارزة من جديد؛ حتى تظفر المدينة بالمنتصر الذي يقهر ~~الخصوم في الميدان، ويحل الألغاز أمام الكهنة؛ لأن البابليين كانوا يرون ألا يملك ~~عليهم إلا من كان شجاعا حكيما. # وكان يجب أن تحرس الملكة في أثناء هذه الأيام حراسة شديدة دقيقة، ولا يسمح لها إلا ~~بأن تشهد المبارزة وقد ألقت على وجهها نقابا، ولكن لا يؤذن لها أن تتحدث إلى أحد من ~~المتنافسين حتى لا تكون محاباة ولا يقع جور. # بهذا كله كتبت أستارتيه إلى خليلها آملة أن يظهر في سبيلها من الشجاعة والذكاء ما لا ~~يستطيعه أحد غيره، وقد وصل زديج إلى شاطئ الفرات قبيل ذلك اليوم العظيم، وقد سجل شعاره ~~بين شعار غيره من المتنافسين ساترا وجهه مخفيا اسمه كما يقضي بذلك القانون، ثم ذهب إلى ~~البيت الذي خصصته له القرعة، وكان صديقه كادور قد عاد إلى بابل بعد أن بحث عنه في مصر بغير ~~طائل، فأرسل إلى بيته لأمة كاملة كانت الملكة قد بعثت بها إليه، وقاد إليه من عندها ~~كذلك أجمل جواد من خيل فارس، وقد عرف زديج الملكة في هديتها، فاستمد من هذه المعرفة قوة ~~وثقة وأملا. # فلما كان الغد أقبلت الملكة فجلست تحت مظلة يزينها الجوهر، واكتظت المدرجات بالسيدات ~~وبالرجال من جميع الطبقات، وظهر المتنافسون في الميدان، وأقبل كل واحد منهم فوضع شارته ~~عند قدم الكاهن الأعظم، ثم أجريت ms60 القرعة بين الشارات، فكانت شارة زديج هي الأخيرة، وكان ~~أول من تقدم سيد يدعى إيتوباد، وكان عظيم الثراء كثير الغرور قليل الشجاعة، أخرق قليل ~~العقل، وكان خدمه قد ألقوا في روعه أن رجلا مثله يجب أن يكون ملكا، فأجابهم: «إن ~~رجلا مثلي يجب أن يملك .» فسلحوه من رأسه إلى قدمه، وكان يحمل لأمة مرصعة ~~بالخضرة وعلامة خضراء ورمحا تزينه شرائط خضر، وقد لاحظ الناس حين رأوا سياسته لفرسه أنه ~~ليس هو الرجل الذي قدر له أن يستأثر بصولجان بابل، وقد استطاع أول فارس سعى إليه أن ~~يزعجه عن مكانه، واستطاع الثاني أن يكبه على عجز فرسه، وقد ارتفعت ساقاه في الهواء ~~وامتدت ذراعاه، وقد استطاع إيتوباد أن يستوي في سرجه ولكن على نحو غريب أضحك منه الناس ~~جميعا، وأقبل الثالث فلم يتكلف استعمال رمحه، وإنما مر إلى جانبه فأخذه من ساقه اليمنى ~~وألقاه على الرمل إلقاء، وأسرع ساسة الميدان إليه ضاحكين فردوه إلى سرجه، ولكن المبارز ~~الرابع يأخذه من ساقه اليسرى ويلقيه على الرمل من ناحيته الأخرى، ثم قيد تشيعه السخرية ~~إلى بيته حيث كان يجب أن ينفق الليل بحكم القانون. وكان يقول وهو يسعى طالعا: «أي مغامرة ~~بالقياس إلى رجل مثلي!» # وأدى الفرسان الآخرون واجبهم كأحسن ما استطاعوا، فكان منهم من هزم مبارزين متتابعين، ~~ومنهم من وصل إلى أن يهزم ثلاثة، ولم ينتصر على أربعة إلا أمير أوتام، ثم برز زديج فأزعج ~~عن خيلهم فرسانا أربعة في كل رشاقة ممكنة، ولم يبق إلا أن يعرف أيهما سيكون له الفوز: ~~الأمير أوتام أم زديج، وكان الأول يحمل لأمة زرقاء مذهبة وعلامة من لونه، وكانت ~~لأمة زديج بيضاء، وكانت أماني الناس كلهم مقسمة بين الفارس الأزرق والفارس الأبيض، وكان ~~قلب الملكة يخفق، وكانت تتوسل إلى السماء لتنصر اللون الأبيض. # وقد تبادل الفارسان الكر والفر في خفة ورشاقة، وتبادلا طعنات رائعات بالرماح، وكانا ~~جميعا ثابتين في سرجيهما، حتى تمنى الناس كلهم إلا الملكة أن يكون لبابل ملكان، ثم ~~أجهد الفرسان وانحطم الرمحان، ms61 فعمد زديج إلى هذه الحيلة، وهي أنه أسرع فاستدبر جواد الفرس ~~الأزرق، ثم وثب فأصبح رديفه على فرسه، ثم أخذه من خصره فانتزعه من سرجه فألقاه على الأرض، ~~ثم يأخذ مكانه من السرج، ويدور حول أوتام الملقى صريعا على الأرض. # هنالك ضجت المدرجات كلها: «الفوز للفارس الأبيض!» ويستأثر الغضب بأوتام فينهض ويستل سيفه، ~~ويثب زديج عن فرسه والسيف مصلت في يده، وها هما هذان في الميدان يختصمان خصومة تنتصر ~~فيها القوة مرة والخفة مرة أخرى، وقد أخذ ريش خوذتيهما ومسامير مفغريهما وخرز درعيهما ~~تتطاير إلى بعيد لعنف ما كانا يتبادلان من الضربات، وكلاهما يضرب بحد السيف وعرضه عن يمين ~~وعن شمال، على الرءوس وعلى الصدور، وهما يتأخران ويتقدمان، ثم يتبادلان التحدي، ثم يلتحمان، ~~ثم يأخذ كل منهما بصاحبه، ثم ينعطفان كأنهما الحيتان، ثم يهجم كل منهما على صاحبه كأنه ~~الأسد، والنار تتطاير في كل لحظة من وقع ضرباتها، ثم يثوب زديج إلى نفسه ساعة فيقف، ثم ~~يحتال، ثم يمر إلى جانب أوتام فيلقيه على الأرض ويجرده من سلاحه، ويصيح أوتام: «أيها ~~الفارس الأبيض، أنت وحدك أهل لعرش بابل.» وقد بلغ الفرح بالملكة أقصاه، ثم يقاد الفارس ~~الأزرق والفارس الأبيض كل إلى بيته شأن المتنافسين جميعا، كما قضى بذلك القانون، وأقبل خدم ~~خرس يحملون إليهم الطعام، وتستطيع أن تقدر أن قزم الملكة الأخرس هو الذي حمل الطعام إلى ~~زديج، ثم خلي بينهما وبين النوم ليقبل المنتصر إذا كان الغد فيحمل شارته إلى الكاهن ~~الأعظم ليمتحنها ويعرف صاحبها. # وقد نام زديج وإن كان عاشقا؛ لأن الجهد كان قد بلغ منه غايته، أما إيتوباد الذي كان ~~بيته قريبا من بيت زديج فلم ينم، وإنما نهض أثناء الليل ودخل بيت زديج؛ فأخذ لأمته ~~البيضاء وشارته وترك له لأمته الخضراء، فلما ذر قرن الشمس ذهب إلى الكاهن الأعظم، ~~وأعلن إليه أن رجلا مثله هو الفائز، ولم يكن الناس ينتظرون ذلك، ولكن فوزه أعلن على حين ~~كان زديج لا يزال مغرقا في نومه، وقد عادت أستارتيه ms62 إلى بابل دهشة قد ملأ الألم قلبها، ~~وكانت المدرجات قد كادت تخلو من النظارة حين استيقظ زديج فالتمس سلاحه فلم يجد إلا هذه ~~اللأمة الخضراء، فاضطر إلى أن يدخل فيها؛ لأنه لم يجد شيئا آخر يستر به جسمه، وقد لبس هذا ~~السلاح دهشا مغضبا، وتقدم في أداته الغريبة هذه. # وجعل كل من بقى في المدرجات والميدان يستقبلوه ساخرين منه، يحيطون به ويواجهونه بالإهانة، ~~ولم يلق أحد قط مثل ما لقي من الإهانة المخزية، ففقد صبره وفرق الناس عنه بسيفه، ولكنه كان ~~حائرا لا يدري ماذا يصنع، لم يكن يستطيع أن يرى الملكة، ولم يكن يستطيع أن يطالب بلأمته ~~البيضاء التي سرقت منه، فلو قد فعل ذلك لفضح سر الملكة، وكذلك اجتمع عليه الألم والغضب ~~والقلق، وجعل يمشي على شاطئ الفرات مقتنعا بأن القضاء قد كتب عليه شقاء محتوما لا ~~مخرج منه، مستعرضا في نفسه مصائبه كلها من المرأة التي كانت تكره العور إلى نكبته في ~~سلاحه، وكان يقول لنفسه: «هذا جزائي لأني استيقظت متأخرا، ولو قد نمت أقل مما نمت لأصبحت ~~ملك بابل وزوج أستارتيه، وإذن فالعلم والأخلاق والشجاعة لم تنته بي إلا إلى ~~الشقاء.» # ثم أفلت منه شيء من الاعتراض على القدرة الإلهية، وكاد يؤمن بأن العالم خاضع لقضاء قاس ~~يظلم الأخيار ويسبغ النعمة على الفرسان الخضر، وكان مما يحزنه اضطراره إلى حمل هذه اللأمة ~~الخضراء التي عرضت صاحبها لكثير من السخرية، وما هي إلا أن يمر به بعض الباعة فيبيعه ~~سلاحه بثمن بخس، ويشتري منه ثوبا وقلنسوة، ويمضي في هذا الزي مصاحبا شاطئ الفرات ناعيا ~~على القدرة الإلهية أنها تظلمه دائما. # الفصل العشرون # | الناسك # وقد لقي في طريقه ناسكا قد انتشرت لحيته على صدره، وتدلت حتى بلغت حزامه، وكان في يده ~~كتاب يقرأ فيه معنيا أشد العناية، فوقف زديج وانحنى له في إجلال، وقد رد الناسك تحيته ~~في وقار ورفق؛ حتى رغب زديج في أن يتحدث إليه، فسأله في أي كتاب ينظر؟ قال الناسك: «هو كتاب ~~القضاء، أتريد ms63 أن تقرأ فيه شيئا؟» ثم وضع الكتاب في يد زديج الذي جعل ينظر فيه دون أن ~~يتبين حرفا من حروفه على علمه المتقن بكثير من اللغات، وكان هذا سببا في ازدياد حبه ~~للاستطلاع. قال له هذا الأب الرحيم: «إني لأراك شديد الحزن.» قال زديج: «وا حسرتاه! ما أكثر ~~ما يحزنني!» قال الشيخ: «أتأذن في أن أصحبك لعلي أن أنفعك، فقد استطعت أحيانا أن أشيع ~~العزاء في نفوس البائسين.» وقد أحس زديج شيئا من الاحترام لمظهر الناسك ولحيته وكتابه، ~~ووجد في حديثه نورا ممتازا، وكان الناسك يتحدث عن القضاء، والعدل، والأخلاق، والخير ~~الأعظم، وضعف الإنسان، والفضيلة والرذيلة، في بلاغة قوية مؤثرة؛ حتى أحس زديج كأنما يجذبه ~~إليه سحر لا يقهر، فألح عليه في ألا يتركه حتى يبلغ بابل، قال الشيخ: «إني أطلب إليك ~~هذا الفضل، فأقسم لي بأوروزماد ألا تفارقني إلى أيام مهما أفعل.» فأقسم زديج ومضيا ~~معا. # وانتهى المسافران مع المساء إلى قصر فخم، وهناك طلب الناسك الضيافة لنفسه وللشاب ~~الذي يصحبه، فأدخلهما البواب الذي كانت تظهر عليه شارات السيادة إلى القصر في شيء من العطف ~~المستخف، ثم قدما إلى رئيس الخدم، فأظهرهما على جناح صاحب القصر، ثم أذن لهما بشهود ~~المائدة، وأجلسا في أقصاها دون أن ينزل صاحب القصر فيمنحهما طرفه، ولكنهما طعما كما طعم ~~غيرهما، وأظهر الخدم لهما رقة وسماحة وسخاء، ثم قدم إليهما لغسل أيديهما طست من الذهب ~~مرصع بالزمرد والياقوت، ثم قيدا إلى حجرة جميلة أنفقا فيها الليل، فلما كان الغد ~~أقبل خادم فدفع إلى كل واحد منهما قطعة من ذهب ثم صرفهما. # فلما كانا في الطريق قال زديج: «يخيل إلي أن صاحب القصر رجل كريم، وإن كان فيه ~~شيء من كبرياء، وهو على كل حال حسن الضيافة.» وبينما كان يقول هذا الكلام رأى جيبا عريضا ~~كان يحمله الشيخ وقد انتفخ انتفاخا عظيما، فلما نظر تبين الطست الذهبي المرصع بالجوهر، ~~وقد سرقه الشيخ، فلم يجرؤ أول الأمر على أن يقول شيئا، ولكنه كان في دهش مؤلم. ms64 # فلما انتصف النهار وقف الشيخ أمام دار صغيرة كان يسكنها رجل غني بخيل، فاستضافه ساعات ~~من نهار، فتلقاهما خادم شيخ أشعث لقاء خشنا، ثم قادهما إلى الإسطبل، وقدم إليهما شيئا ~~من زيتون فاسد وخبزا رديئا وجعة حامضة، فأكل الناسك وشرب راضيا عن طعامه الغليظ، كما ~~رضي أمس عن طعامه ذاك الرقيق، ثم اتجه إلى الخادم الشيخ الذي كان يراقبهما ليرى لعلهما ~~يسرقان شيئا، وليستحثهما على الرحيل، فوضع في يده الدينارين الذين تلقاهما مصبحا، وشكر ~~له عنايته بهما، ثم قال: «أرجو أن تتيح لي التحدث إلى سيدك.» فأدخلهما الخادم دهشا، قال ~~الناسك: «أيها السيد العظيم، ليس يسعني إلا أن أشكر لك في خضوع نبل لقائك لنا، فتفضل ~~بقبول هذا الطست الذهبي آية على اعترافي بالجميل.» وقد كاد البخيل يصرع من الدهش، ولم يتح ~~له الناسك أن يفيق من دهشه، وإنما مضى مسرعا يتبعه صاحبه الشاب. # قال زديج: «ما هذا الذي أراه يا أبت؟ ما أرى أنك تشبه غيرك من الناس، إن تسرق طستا ~~ذهبيا من أمير تلقانا أحسن اللقاء، وتهبه لبخيل عاملك أحقر المعاملة!» قال الشيخ: «تعلم ~~يا بني أن هذا الأمير العظيم الذي لا يستقبل الناس إلا غرورا ليظهرهم على ثرائه سيصبح ~~منذ اليوم عاقلا حذرا، وسيتعود البخيل أن يكون مضيافا، فلا تدهش لشيء واتبعني.» فلم يدر ~~زديج أيصحب أعظم الناس حظا من الجنون أم أعظمهم حظا من الحكمة، ولكن الناسك كان يتحدث ~~في ثقة، وكان زديج مرتبطا بقسمه فلم يسعه إلا أن يتبع الشيخ. # فلما كان المساء بلغا دارا متقنة البناء، ولا يظهر عليها ما يدل على الإسراف ولا ما ~~يدل على البخل، وكان صاحب الدار فيلسوفا قد اعتزل الناس، وعكف على الحكمة والفضيلة، وكان ~~على ذلك لا يحس مللا ولا سأما، وكان قد راقه أن يقيم هذه الدار، وأن يستقبل فيها ~~الغرباء لا مستعليا ولا مغرورا، فسعى من تلقاء نفسه إلى السائحين، وقادهما إلى حجرة ~~وثيرة ليستريحا، ثم أقبل بعد حين فدعاهما إلى مائدة نظيفة وطعام متقن، وتحدث ms65 إليهما رفيقا ~~متحفظا عن الثورة الأخيرة التي اضطربت لها بابل، وقد ظهر أنه مخلص للملكة أشد الإخلاص، ~~وأنه كان يتمنى لو ظهر زديج في الميدان واستبق مع المستبقين ليظفر بالتاج، ثم قال: ~~«ولكن الناس لا يستحقون أن يملك عليهم رجل مثل زديج.» وكان زديج يحمر خجلا ويشعر بأن ~~آلامه تتضاعف، وقد اتفق القوم أثناء الحديث على أن الأشياء في هذا العالم لا تجري على ما ~~يحب الحكماء، وقد أكد الناسك دائما أن الناس لا يعرفون طرق القدرة الإلهية، وأنهم يخطئون ~~حين يحكمون على كل لا يعرفون إلا أيسر أجزائه. # ثم تحدثوا عن الشهوات، فقال زديج: «ما أشد خطرها!» قال الناسك: «إنما الشهوات هي الرياح ~~التي لا تنشر قلاع السفينة، وهي تغرق السفينة أحيانا، ولكن السفينة لا تستطيع أن تجري من ~~دونها، إن المرارة تدفع الإنسان إلى الغضب، وقد تجلب عليه العلة، ولكن الإنسان لا يستطيع ~~أن يعيش بدونها، كل شيء في هذه الأرض خطر، وكل شيء في هذه الأرض ضروري لا بد منه.» # ثم تحدثوا عن اللذة، وأثبت الناسك أنها منحة من الآلهة قائلا: «إن الإنسان لا يستطيع ~~أن يعطى الحس ولا الفكرة، وإنما يتلقى كل شيء تأتيه اللذة والألم من غيره كما يأتيه شخصه ~~هو.» # وكان زديج يعجب حين يرى رجلا قد أتى تلك الأعمال الغريبة يفكر على هذا النحو ~~الدقيق. # فلما أخذ القوم بحظهم من سمر ممتع لذيذ، قاد المضيف ضيفه إلى حجرتهما شاكرا لله أن ~~أرسل إليه رجلين على هذا الحظ من الحكمة والفضيلة، ثم قدم إليهما شيئا من مال بطريقة ~~سمحة كريمة لا تؤذي النفوس، فاعتذر الناسك وودع مضيفه زاعما أنه يريد أن يسافر إلى بابل ~~قبل أن يشرق النهار، وكان وداعهم رقيقا، وكان زديج يشعر بشيء من الاحترام لهذا الرجل ~~الحبيب إلى القلوب. # فلما صار الناسك وصاحبه في حجرتهما، أثنيا ثناء جميلا على مضيفهما، ثم أيقظ الشيخ ~~رفيقه من آخر الليل قائلا له: «يجب أن نرحل، ولكني أرى قبل أن يستيقظ الناس أن أترك لهذا ms66 ~~الرجل آية على ما أضمر له من حب وإكبار.» قال ذلك وأخذ مصباحا فأشعل النار في الدار، وقد ~~روع زديج فجعل يصيح، وهم أن يمنع الشيخ من اقتراف هذا الإثم المنكر، ولكن الناسك كان ~~يجذبه بقوة لا تقاوم على حين كانت النار تشتعل، والناسك ينظر إليها من بعيد في هدوء أي ~~هدوء قائلا: «الحمد لله، هذه دار مضيفي قد دمرت تدميرا، ما أسعد هذا الرجل!» فلما ~~سمع زديج هذا الكلام هم أن يضحك وأن يضرب الشيخ، وأن يسبه وأن يمضي لوجهه، ولكنه لم ~~يصنع من ذلك شيئا، وإنما خضع لسلطان الناسك وتبعه كارها إلى المرحلة الأخيرة. # وقد انتهت بهما هذه المرحلة إلى أرملة محسنة فاضلة، يعيش معها فتى قريب لها في الرابعة ~~عشرة من عمره وكان جميلا محببا، وكان أملها الوحيد، وقد ضيفتهما كأحسن ما استطاعت، ~~فلما كان الغد أمرت قريبها أن يصحب المسافرين إلى جسر قد قطع منذ حين، فأصبح عبوره ~~خطرا على الذين لا يعرفونه، ومضى الفتى أمامهم حفيا بهما، فلما بلغوا الجسر قال الناسك ~~للفتى: «أقبل، فإني أريد أن أشكر لعمتك صنيعها.» ثم يأخذ بشعره ويلقيه في النهر، ويسقط ~~الفتى ثم يطفو ثم يستخفي في لجة الماء. # هنالك لم يستطع زديج صبرا فصاح: «يا لك من وحش! يا لك من مجرم لم ير الناس مثله!» قال ~~الناسك: «لقد وعدتني أن تصبر على ما ترى، فتعلم أن تحت هذه الدار التي دمرتها القدرة ~~الإلهية كنزا عظيما قد ظفر به صاحبها، وتعلم أن هذا الفتى الذي قتلته القدرة الإلهية لو ~~عاش لقتل عمته بعد عام، ولقتلك أنت بعد عامين.» قال زديج: «من أنبأك بهذا أيها الهمجي؟ وهبك ~~قرأت هذا في كتابك، أمن حقك أن تقتل صبيا لم يسئ إليك؟» # وبينما كان البابلي يتكلم نظر فإذا الشيخ قد فقد لحيته، وظهرت على وجهه ملامح الشباب، وقد ~~زال عنه ثوب الناسك ونبتت في جسمه المهيب أجنحة أربعة؛ قال زديج وهو يجثو: «أي رسول السماء ~~أيها الملك الإلهي، فأنت إذن قد هبطت ms67 من أعلى عليين لتعلم إنسانا ضعيفا هالكا أن يذعن ~~لسلطان القضاء الخالد.» قال الملك جسراد: «إن الناس ليقولون في كل شيء دون أن يعلموا شيئا، ~~وقد كنت أشد الناس حاجة إلى أن تتعلم.» فاستأذنه زديج في أن يتكلم: «إني أتهم نفسي، ولكن ~~أأجرؤ على أن أسألك أن تجلو لي شكا يقوم بنفسي؟ ألم يكن إصلاح هذا الصبي وتقويمه خيرا من ~~إغراقه؟» قال جسراد: «لو قد أتيح له أن يكون خيرا وأن يعيش ويتخذ زوجا؛ لقتل وقتلت معه ~~زوجه وقتل معهما ابنهما.» قال زديج: «ماذا؟ أليس من الجريمة والشقاء بد؟ أليس بد من أن ~~يلم الشقاء بالأخيار؟» قال جسراد: «إن الأشرار أشقياء دائما، وإنهم محنة تمتحن بهم قلة من ~~الأخيار مفرقة في الأرض، وليس من شر إلا وهو مصدر للخير.» قال زديج: «وما يمنع أن يوجد ~~الخير ولا شر معه؟» قال جسراد: «إذن لتبدل الأرض غير الأرض، وتتابع الأحداث على أسلوب آخر ~~من الحكمة، وهذا الأسلوب من الحكمة الكاملة لا يمكن أن يوجد إلا في الملأ الأعلى؛ حيث لا ~~يستطيع الشر أن يرقى، وقد خلق الله ما لا يعين من العوالم ما ليس منها واحد يشبه الآخر، ~~وهذا الاختلاف العظيم آية على قدرته التي لا حد لها، فليس من ورقتين في الأرض ولا كرتين ~~في حقل السماء تشبه إحداهما الأخرى، وكل ما تراه على هذه الذرة الضئيلة التي ولدت عليها قد ~~قدر له مكانه تقديرا حسب النظام الثابت الذي أبدعه القادر على كل شيء. # إن الناس يظنون أن هذا الصبي الذي هلك قد سقط في الماء مصادفة، وأن المصادفة نفسها هي ~~التي حرقت الدار، ولكن المصادفة لا وجود لها، فكل شيء إما امتحان، وإما عقاب، وإما ~~مكافأة، وإما احتياط، تذكر ذلك الصياد الذي كان يرى نفسه أشقى الناس، لقد أرسلك أوروزماد ~~لتغيير مصيره، أيها الهالك الضعيف، لا تعترض على من يجب أن يعبد.» قال زديج: «لكن ...» ~~وبينما كان يقول «لكن» كان الملك يرقى في السماء العاشرة، فجثا زديج ورفع إلى القدرة ms68 ~~الإلهية عبادته وإذعانه، قال له الملك من أعلى السماء: «اسلك طريقك إلى بابل.» # الفصل الحادي والعشرون # | الألغاز # مضى زديج في طريقه هائما، وقد خرج عن طوره كرجل سقطت الصاعقة منه غير بعيد، فدخل بابل ~~في اليوم الذي اجتمع فيه المتنافسون في بهو من أبهاء القصر ؛ ليمتحنوا بتفسير الألغاز، ~~وليجيبوا على أسئلة الكاهن الأعظم، وقد اجتمع الفرسان جميعا إلا صاحب اللأمة الخضراء، ~~فلم يكد زديج يظهر في المدينة حتى اجتمع الشعب من حوله، ولم تكن العيون تشبع من النظر إليه، ~~ولم تكن الأفواه تكف عن الثناء عليه، ولم تكن القلوب تكف عن أن تتمنى له الملك، وقد رآه ~~الحسود فارتعش وحول وجهه، ثم حمله الشعب إلى مكان الاجتماع، وأنبئت الملكة بمقدمه ~~فتنازعها الخوف والرجاء، وكان القلق ينهب نفسها نهبا، ولم تكن تفهم لماذا كان زديج مجردا ~~من سلاحه، ولا لماذا كان إيتوباد يحمل اللأمة البيضاء. # فلما رأى المجتمعون زديج ارتفع بينهم ضجيج مختلط، وكان المجتمعون دهشين سعداء لمحضره، ~~ولكن لم يكن يؤذن إلا للفرسان الذين شاركوا في المبارزة بشهود الاجتماع، قال زديج: «لقد ~~بارزت كما بارز غيري، ولكن رجلا غيري يحمل سلاحي في هذا المكان، وإلى أن يتاح لي الشرف ~~بإثبات ذلك أرجو أن يؤذن لي بالمشاركة في تفسير الألغاز.» وأخذت الأصوات، فلم يتردد أحد في ~~قبوله لأن أمانته وصدقه وشرفه كانت لا تزال مستقرة في القلوب. # وقد بدأ الكاهن الأعظم فألقى هذا السؤال: «ما شيء هو أطول الأشياء في العالم وأقصرها، ~~وأسرع الأشياء وأبطؤها، وأشد الأشياء استعدادا للانقسام وأشدها امتدادا، وأشد الأشياء ~~تعرضا للإهمال وأشدها تعرضا للحزن عليه، بغيره لا سبيل إلى أن يصنع شيء، وهو يزدرد كل ما ~~هو صغير، ويحيي كل ما هو كبير؟» # وكان على إيتوباد أن يتكلم، فأجاب بأن رجلا مثله لا علم له بالألغاز وحسبه أنه انتصر ~~برمحه، قال بعض المتنافسين: إن جواب اللغز إنما هو الحظ، وقال بعضهم هو الأرض، وقال بعضهم ~~هو النور، وقال زديج: «إنه الزمان، ليس شيء أطول منه لأنه مقياس ms69 الأبد، وليس شيء أقصر منه ~~لأنه يقصر عن آمالنا، وليس شيء أبطأ منه للمنتظر، وليس شيئا أسرع منه للمبتهج، وهو يمتد في ~~السعة إلى ما لا نهاية، وينقسم في الصغر إلى ما لا نهاية، والناس جميعا يهملونه، والناس ~~جميعا يأسفون على ضياعه، لا يصنع شيء بدونه، وهو ينسى ما لا يستحق الخلود، ويخلد جلائل ~~الأعمال.» فأجمع القوم على أن زديج قد أصاب. # ثم سئل بعد ذلك: «ما شيء يقبل ولا يشكر معطيه، وينعم الناس به دون أن يعرفوا كيف ينعمون ~~به، ويعطونه غيرهم دون أن يعرفوا أين هم منه، ويفقده الناس على غير وعي منهم؟» # فأدلى كل بجوابه، وقال زديج: إنه الحياة، وفسر سائر الألغاز على هذا النحو من اليسر، ~~وكان إيتوباد يقول: ليس شيء أيسر من هذه الألغاز، ولو قد أراد لأجاب عليها في غير مشقة، ~~وقد ألقيت أسئلة حول العدل والخير الأعظم وفن الحكم، فكانت أجوبة زديج أقوم الأجوبة، وكان ~~الناس يقولون من حوله: إن مما يحزن حقا أن يكون صاحب هذا العقل الممتاز فارسا غير ~~ممتاز. # قال زديج: «أيها السادة العظام! لقد شرفت بالانتصار في الميدان، وإنما اللأمة البيضاء هي ~~لأمتي، وقد أخذها السيد إيتوباد أثناء نومي، وقد رأى في أكبر الظن أنها أليق من لأمته ~~الخضراء، وإني مستعد أن أثبت أمامكم بثوبي هذا وسيفي، على رغم كل ما يحمل هو من هذه اللأمة ~~البيضاء التي اختلسها مني؛ أني أنا الذي انتصر على الأمير أوتام.» # وقد قبل إيتوباد هذا التحدي واثقا بنفسه أعظم الثقة، ولم يكن يشك في أنه وقد حمل الخوذة ~~والدرع والمغفر سينتصر في غير عناء على خصم ليس عليه إلا ثوب وقلنسوة، وقد استل زديج ~~سيفه وحيا الملكة التي كانت تنظر إليه يتنازعها الفرح والخوف، واستل إيتوباد سيفه ولم ~~يحي أحدا، ثم تقدم إلى زديج كما يتقدم رجل لا يهاب شيئا، وكان يوشك أن يشدخ رأسه، وقد ~~اتقى زديج هذه الضربة معارضا بقوة سيفه ضعف خصمه، بحيث انكسر سيف إيتوباد؛ هنالك هجم زديج ~~على ms70 خصمه فأخذ بتلابيبه وصرعه على الأرض، ثم أنفذ ذبابة سيفه من ثنايا الدرع قائلا له: ~~«دعني أجردك من سلاحك وإلا قتلتك.» وقد دهش إيتوباد لسوء الحظ الذي ألم برجل مثله، ~~وخلى بين زديج وبين سلاحه، وقد بدأ فنزع خوذته، ثم درعه الفخمة، ثم مغفره الجميل ، ثم لبس ~~هذا كله وجرى في لأمته هذه حتى جثا عند قدمي أستارتيه، وأثبت كادور في سهولة أن هذه ~~اللأمة هي لأمة زديج، فنودي به ملكا عن رضا من الناس جميعا، وخاصة من أستارتيه التي نعمت ~~بعد كثير من الشقاء بأن ترى عاشقها خليقا في رأي العالم كله أن يصبح لها زوجا، وعاد ~~إيتوباد إلى قصره حيث يدعوه خدمه مولاي، وأصبح زديج ملكا وأصبح سعيدا، وكان يتمثل في نفسه ~~ما قال له الملك جسراد، بل تذكر حبة الرمل التي أصبحت ماسة، وقد شكرت الملكة وشكر هو للآلهة ~~هذا الفضل، وترك زديج الجامحة الجميلة ميسوف تطوف في أقطار الأرض، وأرسل يدعو قاطع الطريق ~~أربوجاد فرفعه إلى مرتبة حسنة في جيشه، ووعده بأن يرفعه إلى أرقى المراتب إن سار سيرة ~~الجندي الشريف، وأن يشنقه إن عاد إلى قطع الطريق. # ودعي سيتوك مع ألمونا الحسناء من أعماق بلاد العرب، فجعل على تجارة بابل، وأنزل ~~كادور منزلة تلائم بلاءه ووفاءه، فأصبح صديق الملك، وأصبح زديج هو الملك الوحيد الذي ~~استطاع بين ملوك الأرض أن يكون له صديق مخلص، ولم ينس زديج القزم الأخرس، ومنح الصياد ~~دارا جميلة، وقضى على أوركان أن يؤدي إليه مقدارا ضخما من المال، وأن يرد إليه امرأته، ~~ولكن الصياد وقد صار حكيما أبى أن يأخذ إلا المال. # ولم تتعز سمير الحسناء من خطئها حين ظنت أن زديج سيصبح أعور، ولم تكف أزورا عن البكاء؛ ~~لأنها همت ذات يوم أن تجدع أنفه، وقد خفف زديج ألمهما بما أهدى إليهما من الهدايا، ومات ~~الحسود غيظا وخزيا، واستمتعت الدولة بالسلم والمجد والرخاء، وكان هذا العصر أجمل عصر ~~عرفته الأرض، فقد حكمها فيه الحب والعدل، وكان الناس يحمدون زديج، ms71 وكان زديج يثني على ~~الآلهة. # وهنا تنتهي المخطوطة التي تقص تاريخ زديج، والناس يعلمون أنه تعرض لمغامرات كثيرة أخرى قد ~~سجلت تسجيلا دقيقا، فنرجو أن ينشرها المستشرقون إن وصلت إليهم. ms72